Полный текст (6 378 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وقال: بَقي قَسِيمُ الدَّوْلَةِ في قَبْرِه من سَنَة خَمْسٍ وثَمانين إلى سَنَةِ ستٍّ وعشرين. وهذا طُغْيَانٌ من القَلَمِ، فإنَّ قَسِيمَ الدَّوْلَةِ قُتِلَ سَنَة سَبْعٍ وثمانين، وقد ذَكَرهُ كذلك".
وقال في تَرْجَمَةِ حُجْر بن عَدِيّ الأدْبَر الكِنْدِيّ بعد أنْ نقَلَ رِوايَةً من تاريخ ابن عَساكِر وَقَعَ الخَطَأُ فيها (الجزء الخامس):
"قُلتُ: هكذا جاءَ في هذه الرِّوَايَةِ: فيهم الأشْعَثُ بن قَيْس، وهو وَهْمٌ فَاحِشٌ، فإنَّ هذه القِصَّةَ كانتْ في سَنَةِ إحْدَى وخَمْسِين أو في سَنةِ خَمْسِين، والأشْعَثُ ماتَ في سنةِ أرْبَعيْن قبْلَ هذه الوَاقِعَةِ بإحْدَى عَشْرة سنةً، وقد ذَكَرنا فيما نَقَلْنَاهُ عن ابنِ دِيْزِيْل أنَّ الّذي طَلَبَ منه مُعاوِيَةُ إحْضَارَ حُجْر إليه هو مُحَمَّد بن الأشْعَث. والعَجَبُ أنَّ الحافِظَ أبا القَاسِم ذَكَرَ هذه القِصَّةَ بهذا الإسْنَادِ ولم يُنبِّه على هذا الوَهْم".
وابنُ العَدِيْم صانعُ تَراجِم، إذ لم يَكْتَفْ برَصْدِ تراجم الحلَبيِّيْن أو أولئك الَّذين مرُّوا بحَلَب أو زَارُوها، ممَّا وَجَدَهُ مُترجَمًا في كُتُبِ الرِّجالِ والتَّراجم، بل قد نَجِده يُقِيمُ تَرْجَمَةً لأحَدِهم من تَضاعِيْفِ أسانيدِ الأحادِيث أو الأخْبار، ويَتَتبَّع أخْبارَه في مَظانِّ الكُتُب، مُنْفردًا بالتَّعريفِ به.
ورتَّب التَّراجِمَ على التَّرْتيبِ الألفْبائيّ في الأسْماءَ، وكذا في الآباءَ، ثُمَّ في الأجْدَادِ ودَواليك، ويُلحِقُ الاسْمَ - أحيانًا - بالتَّعْريفِ بنَسَب المُتَرْجَمٍ له أو نِسبتِه، ثُمَّ ذِكْرَ اخْتصاصه من العُلُوم كالفِقْه، أو الحَدِيث، أو الأدَبِ: كتابةً وشِعْرًا، إلى غير ذلك من ضُرُوبِ المَعْرفةِ وأبْوابِ العِلْم، ثُمَّ يُعَدِّدُ شُيُوخه وتَلاميذه، ويُثْبِتُ نُصُوصًا ممَّن تَرْجَمَ له، وأُخْرَى من مَرْويَّاته أو من نتاجِه الشِّعْريّ، وَيَعْرضُ جانبًا من حَياتِه وسِيْرَتِه، ويَخْتمُ التَّرْجَمَةَ بالتَّاريخ لوَفاتِه وإيْرادِ الأقْوالِ إذا ما تعدَّدَتْ واخْتَلَفت.
стр. 72
وتَتَبَّعَ - في تَراجِم المُلُوكِ والأُمَراءَ والقادَة ومَن يَجْري مَجْراهم - ظُرُوفَ عَصْرِهم ومُشَارَكتهم في الأحْدَاثِ الكائنة لعَهْدِهم، وما وقَعَ في أخْبارِهم وسِيَرِهم من وَقائعَ ومُجْرَيات.
ولَم يُعَيِّنْ لتَرَاجِمِهِ مَساحةً محُدَّدةً، فجاءَتْ مُتفاوِتَةً في الطُّولِ والقِصَر، أقلُّها صَدُّ الاكْتِفاء بالاسْم وتَعْريفٍ صغير كتَرْجَمةِ أحمدَ بن حَمْزَة بن مُحَمَّد بن حَمْزَة بن خُزَيْمَة الهَرَويُّ، أبي إسْمَاعِيْل الحدَّادُ الصُّوْفيّ المَعْرُوف بعَمّوَيْه، والَّتي لم تَزِدْ عن ثلاث كَلَماتٍ: "شَيْخ الصُّوْفيَّةِ بهَرَاة"، وتَرَكَ له فَراغًا لاسْتكمالِ تَرْجمَتِه، وأكْثرُها يَمْتَدُّ لصَفحاتٍ كثيرةٍ تَزِيدُ على السِّتِّين والسَّبْعين، بحَسَبِ قِيْمة المتَرْجَمِ له ومَكانتِه وأثَرِه، وأيضًا بحَسَبِ ما يَقَعُ له من أخْبارِهِ وسِيْرتِه، كتَرْجَمةِ الحُسَين بن عليّ بن أبي طَالب، وأبي الطَّيِّب المُتَنبي، وأبي العَلاء المَرَّيِّ، وأبي العتَاهيَة، والحجَّاج بن يُوسف الثَّقفيّ.
ويلفتُ النَّظَرَ في كتابِه جنُوحُهُ إلى الإحَالةِ ليَسْلَم من التَّكْرار، بما يَجْعَلُ الكتابَ وِحْدةً واحدةً، يُحِيلُ على الأحاديث والرِّواياتِ والأخْبار والتَّراجم. ومن خِلَال إحَالاته الكَثيرة تبَيَّن لنا كَثْرةَ المَفْقُود من كتابه وقِيْمَته.
وتَرْجَم لبعضِ الأعْلام ممَّن وَقَعَ الاخْتِلَافُ في تَسْمِيتهِم على رَسْم كُلّ اسْمٍ من أسْمائِهم، فمثلًا تَرْجَم لأبي لَيْلى الأنْصَاريّ في حَرْف الدَّال على ما قيل في أنّ اسْمَهُ داوُد بن بلَال، وتَرْجَم له في اسْم يَسار (وهو في الضَّائعِ من الكتاب وأحَالَ عليه)، وتَرْجَم له أيضًا في الكُنَى.
وتَرْجَم لأحمدَ بن حَمْدُون المَعْرُوف بالقَنُوعِ المَعَرِّيّ، وهو أيضًا ممَّن وقَعَ الاخْتِلافُ في اسْمه؛ فقيل فيه: أحمد بن مُحَمَّد بن حمْدُون، وقيل فيه: أحْمَد بن مُحمَّد عِوَضَ حَمْدُون، فأفْرَدَ له تَرْجَمةً تحتَ اسْمِه الأوَّل (الجزء الثَّاني)، وتَرْجَمَ له أيضًا
стр. 73
باسْمِ أحمد بن مُحَمَّد بن حَمدُون (الجُزء الثَّالث)، وتَرْجمةً أُخْرَى قي الألْقَاب (الجُزء العاشِر) تحتَ لَقَبِ القَنُوع المَعَرِّيّ، وفي كُلِّ واحدةٍ من هذه التَّراجِم أوْرَدَ له أشْعارًا مُخْتلِفَةً. وقد نبَّه على ذلك عندَ تَرْجَمته الأُولَى له: "وَسَنَذْكُر في كُلّ حَرْف ما سُمِّي به، ونُوردُ من شِعْره في ذلك الحَرْف ما نُسِبَ إلى ذلك الاسْم، والّذي يترجَّح عندي أنَّ اسْمَهُ: مُحَمَّد بن حَمْدُون لأنَّ الأكْثَر عليهِ، واللهُ أعْلَمُ.
وتَرْجَم لشاعِرٍ اسْمهُ عبد الله بن مُحمَّد المُخْتَرز (أو المُحْتَرز)، ويُلَقَّبُ بالأحْوَصِ في أرْبَعةِ مَواضِعَ: في أسْماءَ العَبَادِلة؛ وهي تَرْجَمَةٌ ضائعةٌ، وتَرْجَم له أيضًا في الأسْماءَ باسْم الأحْوَص (الجُزء الثَّالث) وتَرْجَمَ له في الكُنَى والألْقاب في تَرْجَمتَيْن مُنْفردتَيْن الأحْوَص الذُّفافِيّ، والمُحْتَرز الذُّفَافيّ!.
ودَمَجَ ابنُ العَدِيْم أحيانًا التَّرْجَمَةَ لشَخْصَين وجَعلَهُما في تَرْجَمَةٍ واحدةٍ، وَقعَ هذا في الجُزء العاشِر الخاصِّ بالكُنَى والألْقاب؛ كتَرْجَمتِه في كُنَى العَبادِلَة لأبي عَبْد الله الشِّبْليّ، خَادِم المُتَنَبي، وأبي عَبْد الله الدَّنِف الشَّاعِر، جَمَعَهُما لاقْتِرَانهما في الكُنْيَةِ ولاتِّصالهما بالمُتَنَبِّي، فهُما - كما عَرَّفَ بهما ابنُ العَدِيْم - من طَبَقَةِ المُتَنَبِّي وأقْرَانهِ، "كانا عند أبي الطَّيِّب بحَلَب مع جَمَاعَةٍ من الشُّعَراء، فَجَمَعْتُ بينهما في هذه التَّرْجَمَةِ لتَضَمُّن الحِكايَة ذِكْرَهُما جَمِيعًا"، ومثل: "ابْنا مَالِك الأسْلَميَّان"، الَّذَيَنْ أعاد التَّرْجَمَةَ لهما أيضًا باسم "ابْنَا هاشِم الأسْلَميَّان" بحَسَب اخْتِلافِ الأقْوَال في اسْم أبيهما، و"الخالِديَّان المَوْصِليَّان" ابْنا هاشِم العَبْدِيّ.
وتَرْجَم أيضًا لجَماعاتٍ تَجْمَعهُم النِّسْبَةُ إلى القَبِيلةِ أو إلى الصَّنائِع؛ كتَرْجَمتِه في الجُزءَ العاشِر للشِّبامِيِّيْن ممَّن كانوا مع الإمام عليّ كَرَّم اللهُ وَجْهه في صِفِّين، وبني الصُّفْريّ؛ مَوَالِي صالِح بن عليّ بن عَبْد الله العبَّاسِيّ، سُمُّوا بذلك لاسْتِعمالهم آلات الصُّفْر، وهم الَّذين يُسَمِّيهم أهْلُ حَلَب الطَّشْتِيَّة.
стр. 74
أمَانَتُهُ:
ويتَّصِلُ بمَنْهجِه في التَّألِيفِ: أمانَةُ النَّقْل ودِقَّةُ التَّوْثيق، وهي تفُوقُ في دِقَّتها مناهِجَ التَّوْثيق الصَّارِمَةَ في زَماننِا، ولعلَّهُ مأخوذٌ بقُوَّة ما تَعاطاهُ من الفَتْوى والحَدِيث والفِقْه، إذ اتَّبعَ طَريقَ عَزْوٍ وتَوْثيقٍ لكُلِّ مَصادرِه، ولم يُغْفِلْ إسْنادَه (مَصْدره) حتَّى في رِواياتِه عن أخَصِّ أهْلِه: والدِه وعَمِّه أبي غَانِم، فلم يُوْردْ نقلًا دُونَ ذِكْر المَصْدَر، وكيفَ وَصَل إليه؛ حتَّى لو كانَ أخْذُه من على ظَهْر كتابٍ، ويَعْزو الأقْوالَ إلى أصْحابِها، ويُعَدِّد الأسَانيدَ وإنْ طالَتْ، ويَصِفُ النُّسَخَ الَّتي بين يَديه، ويَضَعُ الفُروقَ بينها إذا ما تعدَّدتْ عندَه النُّسَخ، وفي النَّماذجِ التَّاليةِ ما يُدلِّل على تَحَرِّيهِ وطَرْيقَةِ تَوْثِيقه، فيَقُول عن نُسْخةِ كتاب الحاَفِظِ للمُنَادِي المَقْرُوءة على مُؤلِّفها (الجُزء الأوَّل):
"وقَع إليّ كتابٌ ألَّفهُ أبو الحُسَيْن أحمدُ بن جَعْفَر بن مُحمَّد بن عُبيد الله المُنَادِي، سَمَّاهُ: الحَافِظَ لمَعارفِ حَرَكاتِ الشَّمْسِ والقَمر والنُّجُوم في آفاقِها، والأقالِيْم وأسْمَاءَ بُلْدانها في سِياقها، وهو مَسْموعٌ عليه، وأحْسَبُه بخطِّهِ، فقَرَأتُ فيه … ".
وأيضًا اعْتِناؤه بوَصف النُّسَخ الَّتي يَعْتَمدُ عليها كُودُكولجيًّا وبَيَان حالتها وخَطِّ كاتبها، وما عليها من سَماعات وخُطُوط لمُؤلِّفيها أو خُطوط عُلَماء مُعْتَبرين، مثل (الجزء الأوَّل):
"وَقَعَ إليَّ مَجمُوعٌ بخَطِّ بعضِ الفُضَلَاء، يتضمَّن فِقَرًا وقَواعِدَ وأخْبارًا وفوائِدَ، في نُسْخةٍ عَتِيقة؛ يَغْلِبُ على ظَنِّي أنَّ كاتِبَ النُّسْخَةِ جَمعَ المَجمُوع، فقَرأتُ فيه … ".
وفي تَرْجَمَةِ المُتَنَبِّي (الجزء الثَّالث):
стр. 75
"وقَرأتُ في جُذَاذَة طِرْس مَطْرُوح، في النُّسْخَة الّتي وَقَعَتْ إليَّ بسَمَاعَ جَدِّ جَدِّ أبي القَاضِي أبي الحَسَن أحْمَد بن يَحْيَى بن زُهَير بن أبي جَرَادَة، من شِعْر المُتَنَبِّي على مُحَمَّد بن عَبْد الله بن سَعْد النَّحْوِيّ الحَلَبِيّ، وفيها مَكتُوبٌ بغير خَطِّ النُّسْخَة … ".
وفي تَرْجَمَة إسْحاقَ بن صَالِح بن عليّ الهاشِمي (الجُزء الثَّالث):
"وَقَعَ إليَّ مُدْرَجٌ بخَطِّ الشَّريف هَادِي بن إسْمَاعِيْل بن الحَسَن بن عليّ بن الحَسَن الحُسَيْنيّ، كَتَبَهُ ووضَعَهُ وذهَّبَهُ للسُّلْطَان مُحَمَّد بن مَلِكْشَاه، في النَّسَب .. ".
وأيضًا في الجزء الأوَّل:
"وقَرَأتُ في تاريخ سَعيد بن كَثِيْر بن عُفَيْر في سَنةِ سَبْعَ عشرةَ، في نسْخَةٍ قَدِيْمَةٍ صَحِيْحة، قال: … ".
وفي تَرْجَمَة الحَسَن بن عليّ بن أحْمَد بن وَكِيع التِّنِّيْسِيّ (الجزء الخامس):
"ووَقَعَ إليَّ نُسْخَة من شِعْره صَحيْحة؛ ابْتَدأ في أوَّلِ الدِّيْوَان وقال: قال أبو مُحَمَّد الحَسَنُ بن عليّ بن أحْمَد بن وَكِيع، وخَتَمَهُ بقَوْله: آخر شِعْر أبي مُحَمَّد الحَسَن بن عليّ بن وَكِيع، ثُمَ إنَّهُ كَتَبَ بعدَهُ: نَقَلْتُهُ من نُسْخَةٍ كان في آخرِها مَكْتُوبًا: نَقَلْتُهُ من نُسْخَةٍ كان في آخرها بخَطِّ ابن وَكِيع يقُول: … ".
وفي تَرْجَمَةِ الحَسَن بن أحْمَد بن عليّ بن المُعلِّم الحَلَبِيّ (الجزء الخامس):
"وقَرأتُ بخَطِّ أبي البَيَان نَبَأ بن مَحْفُوظ الأدِيْب الدِّمَشقيّ، وذَكَرَ أنَّهُ نَقَلَهُ من نُسْخَةٍ نُقِلَت من خَطِّ عَبْدِ الوَدُود بن عِيسَى النَّحْوِيِّ من شِعْر أبي مُحَمَّد الخفاجِيّ، وعليها بخَطِّ عَبْد الوَدُود النَّحْوِيّ عند ذِكْر أبْياتِ أبي مُحَمَّد عند قَوْله … ".
стр. 76
وكَرَّرَهُ في الكُنَى في تَرْجَمَةِ أبي طَاهِر بن المُحَسِّن ابنِ الجَدي الكَاتِب الحَلَبِيِّ (الجزء العاشر):
"قَرأتُ بخَطِّ أبي البَيَانِ نَبَأ بن مَحْفُوظ الأدِيْب الدِّمَشقي، فيما نَقَلَهُ من شِعْرِ أبي محَمَّد الخفاجِيّ، من نُسْخَةٍ مَنْقُولةٍ من خَطِّ عَبْد الوَدُود بن عِيسَى النَّحْوِيّ، وعلى المَنْقُولِ منها خَطُّ عَبْد الوَدُود بالتَّصْحِيح … ".
وفي تَرْجَمَةِ القاضي الحُسَين بن عَبْد الرَّحْمن بن مَرْوَان الأسْدِيِّ الصَّابُونِيّ الأنْطَاكِيّ (الجزء السَّادِس):
"قَرَأتُ في دِيْوانِ شِعْرِ العبَّاس بن الوَلِيد الخَيَّاط أبي الفَضْل المِصِّيْصيّ، من نُسْخَةٍ رَثَّةٍ، سَيَّرَها إليَّ القَاضِي أبو مُحَمَّد بن الخشَّاب، قال فيه: .. ".
وفي تَرْجَمَةِ عمادِ الدِّين زَنْكِي في مَوْدُود بن زَنْكِي بن آقْ سُنْقُر (الجزء الثَّامن):
"وقَرأتُ بخَطِّ أبي غَالِب عَبْد الوَاحِد بن الحُصَيْن، فيما كَتَبَهُ بخَطِّه، عن القَاضِي الفَاضِل عبد الرَّحيم بن عليّ، في دُسْتُورِهِ الّذي جَعَلَهُ تَاريْخًا للمَاجَرَايَاتِ في كُلِّ يَوْمٍ، بعضُه بخَطِّ الفَاضِل، وبعضُه بخَطِّ [ابن] الحُصَيْن، قال: … ".
وفي تَرْجَمَةِ أبي العَلَاء سَعِيْد بن حَمْدَان بن حَمْدُون بن الحاَرِث التَّغْلبِيّ الحَمْدَانِيّ (الجزء التَّاسِع):
"وَقَعَ إليَّ نُسْخَةٌ من شِعْرِ أبي فِرَاس، بخَطِّ أبي المَجْد عَبْدِ الله بن مُحَمَّد بن أبي جَرَادَة، شرْح أبي عَبْد الله بن خَالَوَيْه، وعليها بخَطِّ ابنه أبي الحَسَن عليّ بن عَبْد الله: هذه النُّسْخَةُ قَابَلَ عليها وَالدِي، ﵀، من أرْبَع نُسخٍ، وصَحَّتْ بنِهايَةِ المُمْكن، وهي بخَطِّهِ، وقابلتُ أنا عليها من نُسْخَةٍ خَامِسةٍ كَثِيْرة الشَّرْح، وقد خَرَّجْتُ ما وَجَدْتُ
стр. 77
من الزِّيادَةِ بخَطِّي في حَوَاشِيها، وها أنا أذْكُرُ من الأبْيَاتِ والشَّرْحَ في هذه القَصِيدَة ما - تَضَمَّن ذِكْرَ أبي العَلَاء سَعيدٍ على صُوْرتِه، قال بعد هذين البَيْتَيْن، أعْني ابن خَالَوَيْه .. ".
وفي تَرْجَمَةِ زَيْد بن عَدِيّ بن حَاتِم الطَّائيّ (الجزء التَّاسِع):
"ويُرْوَى لزيدٍ شِعْرٌ قَرَأتُه في كِتاب صِفِّين، من نُسْخَةٍ قَدِيْمَةٍ لَم أظْفَرْ باسْم جَامِعها، قال في اليَوْم السَّادِس من صِفِّيْن: … ".
ويَظْهرُ من خِلَالِ إفادَاتِ ابن العَدِيْم، ومنها الشَّواهِدُ المُباشِرَةُ المُتقدِّمة، مَعْرفتُهُ الوَاسِعةُ بالخَطِّ العَرَبيّ ومَدارسِه القَديمة، وتقدَّمَ - عند تَعْدادِ مُؤلَّفاته - ذِكْرُ كتابِه الَذي صَنَّفَهُ في الخَطِّ وعُلُومِهِ، ويأتي كذلكَ الكَلامُ على حُسْنِ خَطِّهِ وجَوْدَتِه، وقد وَظَّفَ هذه المَعْرفةَ في بَيانِ المَصادِر الَّتي اعْتَمدَ عليها، فهو يشُيرُ إلى مَصادِره الَّتي نَقَلَ عنها بخُطُوطِ أصْحابِها، ككتابِ الرَّبيعِ بِخَطِّ مُؤلِّفِهِ غَرْس النِّعْمَة مُحمَّد بن هِلَال بن المُحَسِّن، ورِحْلَة ابن جُبَيْر بخَطِّ الرَّحَّالةِ نفسِه، وكتاب القاضِي أبي عَمْرو الطَّرَسُوسِيِّ، وخَطِّ صَدِيْقِه ياقُوت الحَمَويّ في كتابِهِ مُعْجَم البُلْدان، وكتابِ "المُؤَصَّلِ على الأصْل المُوَصَّل" ومُخْتَصَره: تاريْخ حَلَب الصَّغير؛ كلاهُما لأبي عَبْد الله مُحَمَّد بن عليّ العُظَيْميّ، وبَخطِّه، وتاريخ أبي الحُسَين عليّ بن المُهَذَّب التَّنُوخِيّ المَعَرِّيّ، بخَطِّ مُؤلِّفِه، وذَكَرَ ابنُ العَدِيْم كيف تَحصَّلَ على النُّسْخَةِ "حَمَلَهُ إليَّ بعضُ عَقِبه"، وكتابُ الجوهَرِ المَكْنون لمحمَّد بن أَسْعَد الجوَانِيّ النَّسَّابَة بخَطِّه، وكتابُ البِدَايَةِ والنِّهاية لأبي الحَسَن عليّ بن مُرْشِد بن عليّ بن مُقَلِّد بن نَصْر بن مُنْقِذ بخَطِّه، وهو كتابٌ في التَّاريخ نَقَلَ عنه ابن العَدِيْم تسعَ عَشرة مرَّة، ولم أقِفْ على ذِكْرٍ لهذا الكتابِ عند سِوَاه.
ويُشِيرُ إلى مَصادرَ أُخْرَى نَقَلَ عنها وكُتِبَتْ بخُطُوطِ نسَّاخ (ورَّاقين) مُعْتَبَرين، على دَرَجَةٍ من الوَثاقَة، فنُسْخَةُ كتاب فُتُوح البُلْدان للبَلاذِريّ الَّتي كانتْ بين يَدَيه،
стр. 78
وعليها كان مُعْتَمدُهُ في النَّقْل والاقْتِباسِ، كانت بخَطِّ بَنُوْسَة، وهو نَسَّاخٌ لم نَتأدَّ لمَعْرفَتهِ، سِوى من إشَارتَيْن لابن العَدِيْمِ يَذكرُه فيها بأنَّهُ ورَّاق بني مُقْلَة (١)، وكتابُ رِحْلَةِ أحْمد بن الطَّيِّب السَّرْخَسيّ الَّتي ورَدَتْ في سِيرَةِ المعتَضِدِ باللهِ تأليف سِنَان بن ثابت بن قُرَّة، كانتْ بِخَطِّ الحُسَيْن بن كَوْجَك العَبْسِيّ الحَلَبِي، وأوْرَدَ سِيْرةَ الكتابِ وكَيفيَّةِ نَسْخِهِ واسْتِخراجِه من خِزَانَةِ المعتَضدِ. ونُسْخَةُ كتابِ فُتُوح الشَّام للوَاقِديّ كانتْ بِخَطِّ أبي عَبْد الله بن مُقْلَة (ت ٣٣٨ هـ)، وهو أخو الوَزيِر الخطَّاطِ المشهُور أبي عليّ مُحمَّد بن مُقْلَة، واسْمُه اِلحَسَن، وهذه النُّسْخةُ كانت من رِوَايةِ أحمدَ بن عَبْد العَزِيْز الجوهَرِيّ، عن أبي زيْدٍ عُمَر بن شَبَّة، عن هارُون بن عُمَر. وكتابُ التاريخ لحَمْدَان بن عَبْد الرَّحِيْم الأثارِبيّ؛ كان بخَطِّ الرَّئيس يَحْيَى بن المِرَاويّ الحَلَبيّ.
ومَدْلُولُ هذه الإشاراتِ أنَّهُ يمُيَّزُ بين نُسَخ الكُتُبِ المُعْتَبَرةِ والأُخْرَى المَلِيْئةِ بالتَّحْريفِ والتَّصْحيف، تمَامًا كما نُمَيِّزُ في وَقْتِنا بينَ نَشَراتِ الكُتُبِ بحَسَب المَطابِع ودُورِ النَّشْر الَّتي أخْرَجَتْها ومَدَى وَثاقتِها. وهو يُكَرِّرُ ذِكْرَ البَياناتِ البيْبلُوغرافيَّة في كُلِّ المَواضِع الَّتي يَرِد فيها النَّقْل.
وهو أيضًا لا يَكْتَفي بذِكْرِ خُطُوطِ النُّسَخ الَّتي اعْتَمدَ عليها، بل تَعدَّاها ليَذكُرَ المصادِرَ الَّتي اعْتَمدَ عليها وعن أي خَطٍّ نُقِلَت، ومن أيِّ فُسْخَةٍ تناسَلَتْ، يقولُ:
"نَقَلْتُ من خَطِّ عَبْدِ السَّلام البَصْرِيّ المعَرُوف بالوَاجْكَا: نَسَخْتُ من آخرِ كتابِ نَوَادر اليَزِيْدِيّ، كتابَ الشَّيْخِ أبي سَعِيد - يعني السِّيْرَافيّ - من خَطِّ أبي بَكْر بن السَّرَّاج: قال … ".
_________
(١) ذكره في الجزء الأول ضمن الفصل الخامس من الكلام على صفين، وفي الجزء العاشر (الكنى والألقاب) في ترجمة أبي قتادة بن ربعي.
стр. 79
و"نَقَلْتُ من كتابِ الفِهْرِسْت لمُحَمَّد بن إسْحاق النَّدِيْم، من خَطِّ مُظَفَّر الفَارِقِيّ، وذكرَ أنَّهُ نَقَلهُ من خَطِّ مُحَمَّد بن إسْحاق النَّدِيْم … " (١).
و"أهْدَى إليَّ الخَطِيب سَيْف الدِّين أبو مُحَمَّد عبد الغنِيّ بن مُحَمَّد الحَرَّانيّ، المَعْرُوف بابنِ تَيْمِية، جُزْءًا بخَطِّهِ فيه تاريخ لأبي المَحَاسِن بن سَلامَة بن خَلِيفَة الحرَانيّ، جعَلَهُ تَكْملةً لتاريخ حَرَّان الّذي ألَّفهُ حَمَّاد الحَرَّانيّ، وذَكَرَ لي أنَّهُ نَقَلَهُ من خَطِّ أبي المَحَاسِن المَذْكُور، فقَرَأتُ فيه … ".
و"نَقَلْتُ من أخْبَارِ أبي العَتَاهِيَة للآمِدِيّ - وذَكَرَ كاتبُها أنَّهُ نَقَلَها من خَطِّ الآمِدِيّ - قال … ".
و"قَرأتُ في كتابِ القُضَاةِ، تأليف الحافِظ أبي مُحَمَّد عَبْد الغَنِيّ بن سَعيد المِصْرِيّ، من نُسْخَةٍ مَنْقُولَةٍ من خَطِّه، قال … ".
و"سَيَّرَ إليَّ قاضي مَعَرَّة النُّعْمَان، أبو المَعَالِي أحْمَدُ بن مُدْرِك بن سُلَيمان، جُزْءًا بخَطِّه، يضَمَّنُ أخْبَارَ بني سُليْمان، نقلَهُ من نُسْخةٍ عندَهُ، فقال في ذِكْرِ أبي العَلَاء … ".
وآخرُ النَّماذِج لتَثبُّت المُؤلِّفِ وتَحَرِّيه، ما قَيَّدَهُ عندَ تَحْقيقهِ ومُعالَجتَهِ لمَسْألةِ ضَبْطِ تَسْميَّة أنْطاكية بين التَّشْديدِ والتَّخْفيف، قال بعدَ أنْ أَوْرَد مَقَالَةَ البَكْريّ فيها، واسْتِشهاده ببَيْتِ شِعْر لزُهَيْر شَدَّدَ فيه المُثنَّاة التَّحْتِيَّة (الجزء الأوَّل):
"وقد وجَدْتُ بخطِّ عليّ بن حُمْرَان في ديوانِ شِعْرِ زُهَيْر هذا البيتَ، وكتبَ بخطِّه: نَسَبَها إلى أَنْطاكِيَة، وكَتَبَ فَوْقَها: خف، وذَكَر أنَّه نقلَه من أصْلِ أبي الحُسَيْن عليّ بن
_________
(١) رجّح الدكتور أيمن فؤاد سيّد أنَّ هذه النسخة هي ذاتها المذكررة في كتاب "المنتخب مما في خزائن الكتب بحلب"، والذي وقع الفرغ من كتابته سنة ٦٩٤ هـ. انظر الفهرست للنديم، مقدمة المحقق ١/ ١: ٧٤.
стр. 80
مُحَمَّد بن دِيْنار، وهي مُقَابلَةٌ بنُسخةِ أبي الفَتْح جُنْجُخ (١)، وذكرَ أنَّه قابَل بها كتابَ أبي عُمَر القُطْرُبُّلِيّ، وكتابًا بخطِّ أبي مُوسَى الحامِض، ونُسخةً بخطِّ أبي الحَسَن مُحمَّد بن مُحَمَّد التِّرْمِذيّ، مَنْقُولة من أصْلِ أبي بَكْر بن مُجَاهِد، وذَكرَ أبو الفَتْح أنَّه قابَلَ نُسْختَهُ بأصْل ابن الخيَّاطِ، وقابَلَ أيضًا بأصْل أبي سَعيدٍ بخَطِّهِ، قال ابنُ حُمْرَان: وقرأتُهُ على أبي أحمد عَبْد السَّلام البَصْرِي، وسَمِعْتُهُ يقْرأُ على أبي الحَسَن عليّ بن عِيسَى صاحب أبي عليٍّ".
والشَّواهِدُ في ذلك كَثيرةٌ؛ تَسْعصِي على العَدِّ، وتَخْرُجُ بنا عن الغايةِ والقَصْد.
إنَّ مَنْهَجَ ابنِ العَدِيْم التَّوثيِقيّ الصَّارِمِ هذا، هو نَمَطٌ فَريدٌ في التَّثبُّتِ والتَّحَرِّي، يَكشِفُ عن مَدى عِلْم الرَّجُل وموْثُوقيَّتِه، وهي مَدْرسةٌ في التَّأريخ تَسْتأهِلُ أنْ يُفْرَدَ لها بَحْثٌ مُسْتَقصىً.
ويَلْحَقُ بأمانَةِ النَّقلِ أيضًا حِرْصهُ على إيْرَادِ النُّصُوصِ على الهَيْئةِ الّتي وَجَدَها فيها، حتَّى وإنْ وقَع فيها التَّصْحيفُ والتَّحْريفُ، ويُنبِّهُ على ذلك بكَتْبِ عَلامَةٍ فَوقَ مَوْضِع الخَطأ، يرْسمها صادًا ممدُودةً "صـ"، أو بكَتْبِ كَلِمَة "كذا" عندما يَتَشكَّك في وقُوعِ الخَطأ، ويُنِّبِه أحْيانًا على وَجْهِ الصَّوابِ بعد انْتهاءَ النَّقْل أو بمُوازاتِه في الهَامِشِ. وقد الْتَزَمتُ في هذه النَّشْرةِ بالإشارَهِ إلى عَلَامتِه هذه في الهامِشِ حيثما وَردتْ، لأنَّها جزءٌ من مَنْهجِ الرَّجُل وثَقَافَته وفِكْره وتَنَبُّهاته.
ومن الأمْثِلةِ على إثْباتِ النُّصُوصِ كما وَجَدَها في أصُولها: نقلُهُ عن أبي عَمْرو الطَّرَسُوسِيّ، الَّذىِ سَمَّى "باب الصَّفْصَاف"، وهو أحَدُ أبْواب مَديْنة طَرسُوس، في مَوْضِعين من كاَبهِ سِيَر الثُّغُور باسْم: "باب الصَّاف"، فنَقَلَهُ ابنُ العَدِيْم على هذا الرَّسْم، ثُمَّ علَّقَ فَوْقَهُ بكَلِمَة "كذا"، أي هكذا وَجَدَهُ. وأيضًا نقله عنه في مَوْضِعين
_________
(١) هو عبيد الله بن أحمد بن محمد (ت ٣٥٨ هـ)، من الوراقين المشهورين بجودة الخط، وصحة الكتابة.
стр. 81
آخرين قَوْله: "إذا أقْلَبْنا حَوافر خُيولنا"، وفي مَوضعٍ آخر "أقْلبوا حَوافر خُيولهم"، فكَتَبَهُ كما وَجَدَه في المَوْضِعين، وعلَّق في الهامِشَيْن بما رآهُ وَجْهًا للصَّوَاب: "قَلَبنا" و"قَلَبُوا".
ومِثْلُه أيضًا في تَسْميَةِ مَعَرَّةِ مَصْريْن الَّتي وَرَدتْ في أُصُول كتابِ فُتُوح البُلْدان للبلَاذُريّ بإضافةِ ألف في وَسَطِها: معارَّة مَصْرين، فأثْبَتَها على الوَجْهِ الَّذي وَجَدَها فيه في كافَّةِ النُّقُولِ الَّتي أخَذَها عنه، وفي تَسْميَةِ عَزَاز وأعْزَاز، الَّتي ارْتَضاها هو بدُون أَلِف في أوَّلها حيثما يكُونُ القَولُ قَوْله، ويَكْتُبها بالألف إذا وَجَدَها في مَصْدره الَّذي يَنْقلُ عنه كتاريخ الأثاربيّ مثلًا، وتقييدِه لدَيْر طَيَايَا الَّذي يُقالُ فيه: دَيْر طَبَاثا؛ قال: "ونَقَلْتُه من خَطِّ بَنُوْسَة فيما نَقَلْتُهُ من كتابِ البَلاذُرِيّ كذلك بياءَيْن".
واقْتَرحَ ابنُ العَديم أحيانًا في هَامِش كتابِه تَصْويبات أو فُروقًا في الرِّواياتِ، وكَتَبَ فَوْقَها حَرْفَ (ح)، ولعلَّه: (خ) مُعْجمة، مَدْلُوله (نُسْخَة)، مثالُهُ فيما نَقَله عن ابنِ حَوْقَل في كَلامهِ على قِنَّسْرين وما فيها الرُّخْصِ والسَّعَةِ في الأسْعَارِ والخَيْراتِ، فكَتَبَ فَوْقَ كَلمةِ "الخَيْرات" رَمْزَ (ح)، وقيَّدَ بمُوازتِه في الهامِش: "والحيَوان، نُسْخة"، وأيضًا تَقْييده الحَرْفَ ذاته فَوقَ بعض الكَلماتِ من قَصِيدةٍ للصَّنَوْبَريّ في نَهْر قُوَيْق، وإذا لَم يكُنْ مَدْلُولها الفُروقُ بين النسَخ والرِّوايات فربَّما كانتْ عَلامَةً تَدُلُّ على أنَّهُ اسْتَصوبَ بَدِيلًا للَّفْظَةٍ وَجَدَة أجْوَد ممَّا في الأُصُول؛ أي أنَّ حَرْف (ح) عَلامةٌ على التَّحوبلِ لقارئٍ مُتَذوِّق!.
كما الْتَزَمَ ابن العَدِيْم بإثْباتِ حَرْفِ الحاء (ح) للدَّلَالةِ على التَّحْويلِ أو الانْتِقالِ إذا ما كان لذاتِ الحَديث أو الخَبَرِ المَرْويِّ سَنَدٌ آخرُ أو أكْثر، ممَّا هو مَعْرُوفٌ وشَائعٌ في الكُتُب الحَدِيثيَّة.
стр. 82
ولا تَقِفُ أمانةُ ابنِ العَديم في النَّقل عندَ هذا؛ بل إنَّهُ التزَمَ بضَبْط الأسْماءَ كما وَجَدَها في المَصَادرِ، فإذا ما وَجَدَ ضَبْطًا يُخالِفُ مَنْحاهُ أثْبَته، أو لفَظًا لاسْمٍ غير ما هو دَارجٌ ومُعْتَمدٌ كَتَبه على حَالهِ الَّتي وَجَدَهُ فيها في مَظانِّه، مثال ذلك إبقاؤه على ضَبْطِ: أنْطاكِية بتَشْدِيدِ المُثَنَّاةِ التَّحْتيَّةِ أو تَخْفِيفِها حَسْبما وَرَدتْ في المصَادِرِ الَّتي ينْقلُ عنها، خاصَّةً ما وَجَدَهُ في نُسْخَةِ فُتُوحَ البُلْدانِ من خَطِّ بَنُوسَة الكاتِب بالتَّشْديد فقيَّدَها على ذلك حيثما كان النَّقْلُ عنه، وبالتَّخْفيف فيما عَداه.
مَصَادرُهُ في تأْلِيف الكتَاب:
أمَّا مَوارِدُ ابن العَدِيم ومَصادرُه الَّتي اتَّكَأَ عليها في وَضْعِ كتابِه الكَبير في التَّاريخ، فهي من الكَثْرةِ ما يَضِيقُ المقامُ عن تَعْدادِها أو إجْمالِ مَوِضُوعاتِها، وقد اسْتَوْعَبَتْها - أو كادَتْ - دِراسَةٌ أُعدِّت لنَيْلِ رُتْبَةٍ عِلْميَّةٍ بجامِعَةِ دِمشْق (١)، وفيها مُلَاحَقَةٌ وتَتَبُّعُ للمَصادِرِ والأجْزاء الَّتي اطَّلَعَ عليها المُؤلِّفُ ونَقَلَ عنها، وبَحْثٌ في مَوارِده الشَّفَويَّةِ والكتابِيَّة الَّتي أخَذَ منها.
وتقدَّمَ الإلْمَاعُ إلى بَعْضِ مَصادِرِه فيما مَرَّ من هذا العَرْضِ السَّريع، وقد ارْتَأيتُ أنْ لا أُخْلِيَ التَّعْريفَ بالكتابِ من نَظْرةٍ عامَّةٍ على أبْرَزِ مَصادرِ ابن العَدِيْم وموضُوعاتها، بما يَكْشِفُ سَعَة إحاطَتِه بمَصَادِر عَمَلِه، وغِنَى خِزَانته وتَفَرُّدها.
ويُمكنُ التَّمْييزُ بين مَصادرِه الَّتي اتَّكَأ عليها في إعْداد المجلَّدةِ الأُوْلَى من كتابِه، وهي الَّتي جَعَلَها كالمُقَدِّمة للكتابِ، وتعرَّضَ فيها لجُغْرافيةِ الإقْليِم وذِكْرِ نَواحيه وخَواصِّه، وبينَ المصادرَ الَّتي اسْتَخدمهَا في الأجْزاءِ، التَّالية الَّتي تَرْجَمَ فيها لكُلِّ
_________
(١) موارد ابن العديم التاريخية ومنهجه في كتاب بغية الطلب في تاريخ حلب، رسالة دكتوراه، إعداد مريم محمد خير الدرع، بإشراف الأستاذ الدكتور سهيل زكار، جامعة دمشق، كلية الآداب، ٢٠٠٤ م.
стр. 83
مَن اتَّصَلَتْ له عَلاقةٌ بإقْليمِ حَلَب خلالَ القُرُون السَّبْعةِ الأُوْلَى من عُمْر الدَّوْلَةِ الإسْلاميّة. وهي مَصادرُ تَتَوزَّعُ بين المُشاهَدَةِ والمَقْرُوءةِ (المَكْتُوبة) والمَسْمُوعةِ، تاريخيَّةٍ وجُغْرافيَّةٍ وأدَبيَّةٍ وغير ذلك ممَّا يتَّصِلُ بغَرَضِ الكتاب.
غير أنَّ ما يَسْتَوجبُ الإشارةَ إليه هُنا، أنَّ كثيرًا من هذه المَصادر لَم تَصِلْنا إلَّا بوَسَاطَةِ المُتَبقِّي من كتاب ابن العَدِيْم، ومنها نُصُوصٌ طَويلةٌ من كُتُبٍ مَفْقُودةٍ، تقدَّمَ الإلْماعُ إلى بَعْضِها، ونَذْكرُ تاليًا أبْرزَ المَصَادرِ على وَجْهِ الانْتِقاءِ والإجْمالِ لا الاسْتِقْصَاء والتَّفْصِيل:
فمنها في حَقْلِ الجُغرافيَة: "كتابُ رِحْلة المُعْتَضِدِ لقِتَالِ خُمَارويه" الَّتي قيَّدَها مُرافِقُه ابنُ الطَّيِّب السَّرْخَسيُّ، ونُصُوصٌ مُتَقَطِّعَةٌ من كتابِ المَسَالك "العَزِيزيّ" للمُهَلبيّ، و"رِحْلةُ الطَّبِيْب ابن بُطْلَان"، و"كتابُ نُزْهَةِ النُّفُوس، وأُنْسُ الجلَيس" للفَيلَسُوف ابن الزَّيَّات، ورُوزنَامج مُحَمَّد في أحمد بن الحَسَن الكاتِب المُتَضمِّن رِحْلته من بلادِ أَذْرَبِيْجان إلى الحَجِّ وعَوْدِه منهُ، وكتاب أبي عَبْد الله مُحَمَّد بن أحمد الجَيْهانِيّ في المسَالِك والممَالِك.
وكان من مَصادرِه في قِسْمِ التَّراجِم كتابُ تاريخ بَغْداد للخَطِيب البَغْداديّ، وكتابُ سَلَفهِ الحَافِظ ابنُ عَساكِر الآخذ فيه أيضًا عن الخَطِيبِ البَغْدادِيّ، وذُيُولُ كتابِ تاريخ بَغْداد: للسَّمْعانيّ ومُحِبّ الدِّين بن النَّجَّار، وكُتُبُ السِّيْرةِ، ومعاجمُ الشُّيُوخ، والمصَادرُ التَّاريخيَّة التَّقْليديَّة المُعْتَبرة كتاريخ الطَّبَريّ، وفُتُوح البُلْدان وأنْسَابِ الأشرَاف للبَلَاذُريّ، وتاريخ نَيْسابُور لأبي عَبْدِ الله الحاكِم، وهو كتابٌ كَبيرٌ مَفْقُودٌ، وَصَلَنا مُلَخَّصٌ له صَنَعَهُ أحمد بن مُحمّد المَعْرُوف بالخلَيْفة النَّيْسابُوريّ (كان حيًّا سَنَة ٧١٧ هـ)، لَم يتَضَمَّنْ من مادَّتِه إلَّا النَّزْرَ اليَسيرَ، ويُمْكَنُ القَولُ بمَزيدِ الاطْمئنان - بعدَ مُقارَنةِ نُقُولِ ابن العَديم من تاريخ الحاكِم - أنَّ التَّلْخِيصَ أقْرَبُ لفِهْرِست
стр. 84
التَّراجم منه تَلْخِيصًا (١)، وتاريخ أبي إسْحاق إبْراهيم بن حَبِيْب السَّقَطِيّ المُسَمَّى بلَوَامِع الأُمُور، وتاريخ المُسَبّحيّ، وتاريخ الأثَارِبيّ المَوسُوم بـ"كتاب المُفوَّف"، أو: "سِيْرَة الفِرِنْج"، وتاريخ العُظَيْميّ الكَبير المُسَمَّى "المُؤصَّل على الأصْل المُوَصَّل"، ولعلَّ ابنَ العَدِيْم هو الوَحِيدُ الَّذي قيَّدَهُ وسمَّاهُ لنا بهذا العُنْوان، والتَّذْكرة التَّاريخيَّة الَّتي جَمَعَها أبو غالِب هَمَّام بن الفَضْل بن جعفَر بن عليّ بن المُهذَّب ممَّا وَجدَهُ في التَّوَاريخِ المُتقدِّمةِ، ومُؤلَّفات أُسْرة بني مُنْقِذ التَّاريخيَّة والأدَبيَّة من كُتُب ورَسَائلَ ومَدَارج وتَعْليقاتٍ، إضافةً إلى تقييدات تاريخيَّة وَقَعَتْ له ولم يَقِفْ على اسْمِ مُؤلِّفيها أو جامِعيها.
وفي نُقُولِ ابن العَديم ما يُعِيدُ الاعْتِبارَ لبعضِ الكُتُبِ الَّتي نُسِبَتْ خطأً لغير أصْحابِها، فنَقَلُه عن تاريخ البَلْخيّ المَوسُوم بالبَدْءَ والتَّاريخ؛ والّذي نُشِرَ مَنْسُوبًا للمُطَهَّر بن طاهِر المَقْدِسيّ، ونَقَلَ عنه ابنُ العَديم نُصُوصًا في سَبْعةِ مَواضِعَ من الجُزءَ الأوَّل، يُؤكِّدُ أنَّه كتاب البَلْخيّ لا المَقْدسيّ.
واعْتَمد أيضًا كُتُبَ تَرَاجِمِ الشُّعَراءَ ودَواوينَ الشِّعر ومجَامِيْعِه، وبعضُها مُتَداولٌ والبَعْضُ الآخر مَفْقُود مثل كتابِ المُسْتَنِير للمَرْزُبانيّ، وكتابِ الرَّبيع لغَرْس النِّعْمَة، جَعَلَهُ مُؤلِّفُهُ على هَيْئةِ نِشْوارِ المُحاضَرةِ للتَّنُوخيّ. وكان من مَصادِرِه المُهِمّةِ في تَراجِمِ شُعَراءَ المَعَرَّة تلكَ المَجاميع الشِّعْريَّة الَّتي تحَصَّلَ عليها، ونَقَلَ عنها، مثل: مَرَاثِي المُهَذّب المَعَرِّيّين، ومَراثي أبي العَلَاء المَعَرِّيّ.
واعْتَمدَ أيضًا كُتُبَ رِجالِ الحَديث كثِقاتِ ابن حِبَّان، وضُعَفاءَ العُقَيْلِيّ، وضُعَفاءَ ابن شَاهِين، والحِلْيَةِ لأبي نُعَيْم الأصْبهانيّ، وكُتُب الطَّبَقاتِ: طَبَقات خَلِيْفَة وابن سَعْد، والفِهْرَست للنَّدِيْم.
_________
(١) تلخيص تاريخ نيسابور للحاكم مطبوع.
стр. 85
وكانتْ كُتُبُ الأنْسابِ من أبْرزِ مَصادرِه، مثلُ: كُتُبِ ابن الكَلْبِي والزُّبَيرِ بن بَكَّار وابن حَزَم، وكتابِ دِيْوان العَرَبِ وجَوْهرةِ الأدَب وإيْضَاح النَّسَب للنَّسَّابةِ الأَسَدِيّ، وكتاب نُزْهَة عُيُون المُشْتاقِيْن إلى وَصْف السَّادة الغُرّ المَيامِيْن لأبي الغَنائِم عَبْد الله بن الحَسَن الزَّيْديّ النَّسَّابَة (كان حيًّا سَنَة ٤٠٠ هـ)، وكتاب الجَوْهَر المَكْنُون في الأنْسَاب، وكتاب نُزْهَةِ القَلْب المُعَنَّى في نَسَبِ بَني المُهَنَّا، كلاهُما لمحمَّد بن أسْعد الجَوَّانِيّ النَّسَّابة، وكتاب المَجْدِيّ في أنْسَابِ الطَّالِبيِّيْن، لأبي الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن عليّ العَلَويّ العُمَرِيّ، المَعْرُوف بابنِ الصُّوْفيّ، وكتاب أدَب الخَوَاصّ، وكتاب الإيْناس في عِلْم الأنْساب كلاهُما للوَزير المَغْربيّ، وصَلنا كتَابُ الإيناس ووصَلَنا الجُزءُ الأوَّل من كتابِ أدَبِ الخَواصِّ، وأغْلَبُ نُقُولِ ابن العَديْم من أدَب الخوَاصِّ تقَعُ ضمْن الضَّائع من كتابِ الوَزير المغْربيّ، وأيضًا كتاب الإكْمالِ لابن مَاكُولا، والأنْساب للسَّمْعانيّ، وغيرها العَدِيد من كُتُب الأنْساب الَّتي اعْتَمدَها ابنُ العَديم في تأليفِ كتابهِ، وبعْضُها اليَومَ في حُكْمِ الضَّائِع.
ووظَّفَ ابنُ العَدِيْم الوَثِيقةَ المَكْتُوبةَ والأشْعارَ والأرَاجِيزَ وحتَّى النُّقُوشِ والسِّكَّةِ المَضْرُوبةِ في الكتابةِ التَّاريخيَّة، فاسْتفادَ من أُرْجُوزةِ الأعْلَام لأبي عَمْرو القاسم بن أبي داوُد الطَّرَسُوسِيّ، والَّتي انْفَرَدَ بذِكْرِها واسْتِخلَاصِ الإفاداتِ منها عن أوْضَاعَ الثُّغُور - خاصَّة طَرسُوس - وأحْوَالِ زُهَّادها وعُبَّادِها، ووَثَّق ما اطَّلَعَ عليه من كتاباتٍ في جامع أنْطاكِية، يقُولُ (الجُزء الأوَّل):
"والمَسْجِدُ الجامعُ الّذي كان بأَنْطاكِيَة للمُسْلِمينَ، هو إلى جانبِ القُسْيَان، ودَخَلْتُ أنْطاكِيَة في سَنَةِ ثلاثَ عَشرةَ أو أرْبع عشرةَ وستِّمائة، ودَخَلتُ بِيْعَةَ القُسْيَانِ، فوجدْتُ بجانبِها مِحْرَابَ المُسْلِمِيْنَ على حالِهِ، وفي سُقُوفِه آياتُ القُرْآنِ مَكتُوبةً في النَّقشِ، وهي على ما ذَكَرهُ ابنُ بُطْلان من الصُّورةِ، وبِيْعَةُ القُسْيَان مُزَخْرفةٌ بالرُّخَام والفُسَيفِساءَ".
стр. 86
ويَقُولُ في الجُزءَ الخامِس في تَرْجَمَةِ الحَسَن بن طَاهِر العَلويّ النَّسّابَة (ت ٣٣٦):
"ولمَّا زُرْتُ الخَليلَ ﷺ في سَنَة سَبْعٍ وثَلاثين وسِتَّمائة، مَضَيْتُ من زِيَارتِه إلى مَشْهَدِ اليَقِيْن فزُرْتُه، ورَأيْتُ في مَغَارةٍ عندَ بابِ المشْهَدِ قبرًا يَزُوره النَّاسُ، مَكْتُوب عنده على لَوْح من الرُّخَام نقشًا: هذا قَبْرُ فاطِمَة بنت الحَسَن بن طَاهِر بن يَحْيَى بن الحَسَن، وعلى لَوْح آخرَ من الرُّخَام لذلك القَبْر مَكْتُوبٌ نَقْشًا في الحَجَر [من البسيط]
أسكنتَ مَنْ كان في الأحْشَاء مَسْكنُه … بالرَّغم منِّي بين التُّرْبِ والحَجَرِ
يا قبر فاطِمَةٍ بنت ابن فاطِمَةٍ … بنْت الأئمَّة بنْتِ الأنْجُم الزُّهُرِ
يا قَبْرَ بنْت الزَّكِيّ الطَاهِر … الحَسَن بن طَاهِرٍ من نَماه أطْهَرُ البَشَرِ
يا قَبْر كَم فيك من دِيْن ومن وَرَع … ومن حَيَاءٍ ومن صوْن ومن خَفَرِ
وعلى اللَّوْحَ بخَطِّ النَّقَّاشِ الّذي نَقَشَ اللَّوْحَيْن: صَنَعَهُ مُحَمَّد بن أبي سَهْل النَّقَّاشُ بمِصْرَ، وصَاحِبةُ القَبْرِ هي بنْتُ الحَسَن بن طَاهِر هذا، واللهُ أعْلَمُ".
* * *
إنَّ النُّصُوصَ والقِطَعَ المُهِمَّةَ الَّتي انْفَرَدَ ابنُ العَدِيْم بحِفْظِها، والَّتي شَكَّلَتْ جُزءًا من مَصادرِهِ في تأليفِ الكتابِ، أثْبَتها بعدَ أنْ تَتَبَعَها بالنَّقْدِ والتَّصْويبِ والشَّرْح والتَّقْريبِ، هي على قَدْرٍ كَبيرٍ من الأهميَّة، وهي تُعِيْنُ في إعادةِ النَّظَرِ لبَعْض الدِّراساتِ الَّتي تَناولت حَرَكةَ التَّدْينِ التَّاريخيِّ والتَّأليف عُمُومًا حتَّى القَرْنِ السَّابِع الهِجْريّ، وتُسَاهِمُ في رَصْدِ الضَّائِعِ من هذا التُّراثِ، وقد جَمَعَ المَرْحُومُ الدكتور إحْسان عبَّاس بعضَ نُصُوصِ الكُتُبِ الضَّائِعةِ ممَّا وَجَدة عند
стр. 87
ابن العَدِيْم خاصَّةً، واقْتَصرَ فيها على جَمع مادَّةِ ثلاثينَ كتابًا فَقَط من تلكَ الَّتي نَقَل عنها ابنُ العَديم، فجاءَتْ في مُجلَّدٍ أسْماهُ "شَذراتٌ من كُتُب مَفْقُودة" (١)، كانَ مُعَوَّلُهُ فيه على كتابِ ابن العَدِيْم وبَعْضِ الكُتُب المُسَاعِدة.
زَمَنُ تأْليفِ الكتابِ:
هذا الكتابُ من الكُتُبِ الَّتي شَرَعَ ابنُ العَدِيْم في تألِيْفها في زَمَنٍ مُبَكّرٍ من حَياتِه، ابتدأَ في تَأليفهِ في أوَّلِ شَبابِه، وسِنهُ لَم تحاوز الثَّامنةَ والعشْرين، قبلَ أنْ تَصْرِفَهُ المَشَاغِلُ والأسْفارُ والتَّرَسُّلُ للملُوك عن التَأليفِ، فقدَ ذَكرَه ياقُوت ضمن مُؤلَّفاتِه في ترجَمتِه له، وتقدَّمَتِ الإشارةُ إلى أنَّ ياقُوتَ قيَّدَ تَرْجَمَةَ ابن العَدِيْم على صَفحاتِ كتابِه مُعْجَم الأُدَباء في حُدُودِ سَنَةِ ٦١٩ هـ، قال: "وله كتابُ تاريخ حَلَبَ في أخْبارِ مُلُوكِها، وابْتداءَ عِمارتها، ومَن كان بها من العُلَماءَ، ومَن دَخَلَها من أهْل الحَديث والرِّوايةِ والدِّرايةِ والمُلُوك والأُمَراء والكُتَّاب" (٢).
وتقدَّمتِ الإشارةُ أيضًا إلى أنَّ العَلَاقةَ جَمَعَتْ بين ياقُوتَ وابن العَدِيْم بحَلَبَ في السَّنَواتِ الأَخِيرة من حَياةِ ياقُوت (٦١٨ - ٦٢٦ هـ)، فيكُونُ ابْتداءُ تأليفِهِ لهذا الكتابِ في تلك المُدَّةِ، أو قبلَها بيَسِير، ويَذْكُرُ الذَّهَبيُّ أنَّ ابنَ العَدِيم ذَكَرَ في تَاريخِه أنَّهُ دَخَلَ مع وَالدِهِ على المَلِكِ الظَّاهِر غازِي، "وأنَّه هو الَّذي حَسَّنَ له جَمع تاريخٍ لحلَب" (٣). وكانتْ وَفاةُ المَلِكِ الظَّاهِرِ في ٢٠ جُمادَى الآخرة ٦١٣ هـ،
_________
(١) منشورات دار الغرب الإسلامي، بيروت، ١٩٨٨ م.
(٢) معجم الأدباء ٥: ٢٠٨٦.
(٣) الذهبي: تاريخ الإسلام ١٤: ٩٣٨، ولم نقف على إشارة ابن العديم التي ذكرها الذهبي في المتبقي من أجزاء البغية.
стр. 88
ووَفاهُ وَالدِه عَقِبَهُ بنحوِ شَهْرين (٢٧ شَعْبان) من السَّنةِ نَفْسِها، وإشارةُ الذَّهَبيِّ هذه تُرْجِعُ فِكْرَةَ تأليفِ الكتاب - ورُبَّما الشُّرُوع به فِعْلًا - قَبْل سَنَة ٦١٣ هـ.
وبَقِيَ الكتابُ إلى ما قَبْل سَنَة وخَمْسَة أشْهُر من وَفاةِ مُؤلِّفه (وتَحْديدًا بعد ذي القَعْدَة سَنة ٦٥٨ هـ) مَوْضِعًا للزِّيادةِ والإلْحاقِ والاسْتِدراك، ووَالى العَمَلَ فيه وإدْخالَ ما يتوَفَّرُ له من بيانات أو مَعْلوماتٍ أو تَرَاجمَ جَديدة وَقَعَتْ له فيما بعد، إذ تَتَوفَّرُ فيه تَراجم لأعْلَامٍ من أهْل حَلَب ومن الطَّارئينَ عليها، وذِكرُ أخْبارٍ وحَوَادثَ ووَفيات أعْلَامٍ وَقَعَت في أواخِرِ عِقْد الخَمْسينيَّات من القَرْن السَّابِع الهِجْريّ، فترْجَمتُهُ للقاضِي أحمد بن يَحْيَى المَعْرُوف بابن سَنيِّ الدَّوْلَةِ (الجزء الثَّالث) كانتْ بعد وَفاتِه في ١٠ جُمادى الآخرة سَنَة ٦٥٨ هـ أي بعد سَيْطَرةِ هُولَاكُو على حَلَب، ألْحقها ابنُ العَدِيْم بهامشِ النُّسْخَةِ. بينما نَجِدهُ يُوردُ تَرْجَمَةً لأحمدَ بن عَبْد الوَاحِد بن مِرَى الحورَانيّ، ويَذْكُرُ فيها خَبَرًا وَقَعَ بعد هذا التَّاريخ بنحو خَمْسَة أشْهُر مُدْرَجًا في المَتْن (الجزء الثَّاني):
"ثمّ قَدِمَ الدِّيَارَ المِصْرِيَّةَ من المَدِيْنةِ، على سَاكنها الصَّلاةُ والسَّلام، في ذِي القَعْدَة من سَنَةِ ثَمانٍ وخَمْسِين وسِتّمائة رَسُولًا من صاحبها إلى قُطُز المُعِزِّيّ … وكنتُ إذ ذاك بمِصْر، فحضَرَ إليَّ وعلَّقتُ عنه فَوَائِدَ وشَيئًا من شِعْرِه، وسألْتُه عن مَوْلدِه، فقال: عُمري الآن سَبْعة وسَبْعُون سَنةً، وكان سُؤالي إيَّاهُ في رابع وعشْرين من ذي القَعْدَة من سَنَةِ ثَمانٍ وخَمْسِين وستّمائة".
стр. 89
نموذجُ إلحاقات وزياداتِ المُؤلِّف في مُنْتَصفِ سَنَة ٦٥٨ هـ
[الجزء الثالث، الورقة ١٢١ أ من نُسْخةِ الأصْل]
стр. 90
الضَّائِعُ من الكتابِ:
تُوفِّيَ ابنُ العَدِيْم وكتابُهُ لِم يَكْمُلْ على الصُّوْرةِ الَّتي أَمَّلَها مُؤلِّفُه، وضَاعَتْ أجْزاءٌ عَدِيْدةٌ من الكتابِ، وأصابَتِ الرُّطُوبةُ بعضَ المُتَبَقِّي منه؛ فأفْسَدَتْ مَواضِعَ غايةً في الأهَميَّةِ.
وتُنُوزِعَ فيه ما بينَ قائِلٍ إنَّ المُؤلِّفَ أنْجَزَهُ مُسَوَّدَةً، وقائِلٍ مُبيَّضَةً، وما بينَ عَدَمِ اكتِمالِ تأْلِيفِه أصْلًا، ووقَعَ كذلك الاخْتِلافُ في تَقْدِيِرِ أجْزاءِ الكتاب ما بين قَائِلٍ ثَلاثينَ مجلد، وقائلٍ: أرْبعين!
يَذْكُرُ الزَّرْكَشِيُّ أنَّ كتابَ ابن العَدِيْم لم يَكْتَملْ (١)، غيرَ أنَّ ما يُفْهمُ من الإشاراتِ المبُكِّرةِ عن الكتاب اكْتمالُ تأليفه باتّفاق جَميعها، وأنَّ المُؤلِّفَ شَرَعَ في تَبْييضِهِ، فبيَّض بَعْضَهُ وادْركتْهُ المَنِيَّةُ قبلَ أنْ يَفْرغَ منه (٢)، ويَذْكُر ابنُ الشِّحْنَةِ أنَّ هذا "البَعْضَ" المُشَار إلى تَبْييضِه لا يُمَثِّلُ إلَّا اليَسِير من الكتاب (٣).
أمَّا عَدَدُ أجْزاءِ الكتاب، فقدَّرَها الذَّهَبيُّ في كتابِه العِبَر بنحو ثلاثينَ مُجلَّدًا (٤)، وقدَّرَها ابنُ كَثِير وبَدْرُ الدِّين العَيْني والمَقْريزيّ في نحو أرْبَعينَ مُجلَّدًا (٥)، وزادَ ابنُ الشِّحْنَةِ نَقْلًا عن بَعْضِهِم "أنَّ مُسَوَّدتَهُ كانتْ تَبْلغُ نحو أرْبعينَ جُزءًا كِبَارًا والمُبَيَّضَة تجيءُ كذلك" (٦).
_________
(١) الزركشي: عقود الجمان ورقة ٢٣٧ ب.
(٢) أبو شامة: الذيل على الروضتين ٣٣١، الحسيني: صلة التكملة ١: ٤٦٩، اليونيني: ذيل مرآة الزمان ١: ٥١٠، ٣: ١٧٨، معجم شيوخ الدمياطي ٢: ورقة ١١٧ أ، الوافي بالوفيات ٢٢: ٤٢٢، الذهبي: تاريخ الإسلام ١٤: ٩٣٨، ابن شاكر الكتبي: فوات الوفيات ٣: ١٢٧، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ٧: ٢٠٩.
(٣) الدر المنتخب ٧.
(٤) الذهبي: العبر ٣: ٣٠٠، وتابعه على ذلك ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب ٧: ٥٢٥ - ٥٢٦.
(٥) ابن كثير: البداية والنهاية ١٣: ٣٣٦، بدر الدين العيني: عقد الجمان (قسم المماليك) ١: ٣٤٠، المقريزي: المقفى الكبير ٨: ٧٢٦.
(٦) الدر المنتخب ٧.
стр. 91
وعندَ المُفاضِلةِ بين التَّقْديرين، يَجْدرُ التَّوقُّفُ عندَ نصِّ كَلام الشَّريفِ عِزّ الدِّين الحُسَيْنيّ، وهو قَرِيب عَهْدٍ بالمُؤلِّفِ، وكان على صِلَةٍ به، يقُولُ: "جَمعَ لحَلَبَ تاريخًا كَبيرًا وماتَ وبَعْضُه مُسَوَّدَةٌ لم يُبيِّضْهُ، ولو يَكمُلُ كانَ أكْثَرَ من أرْبَعينَ مُجلَّدًا" (١)، ونَقَلَ كَلامَهُ هذا كُلٌّ من اليُونِيْنيّ والذَّهَبيّ (في تاريخ الإسْلام) (٢)، فمُؤدَّى كَلام الحُسَيْنيّ أنَّ الكتابَ لو اكْتَملَ تَبْييضُه لجاءَ في مِثْلِ هذا التَّقْدير لا أنَّهُ كذلك في مُسَوَّدتهِ، ورُبَّما كان هذا مَنْبَعَ الخِلَافِ بنِ التَّقْدِيرَيْن.
وآخرُ الأقْوالِ في تَحْديِدِ عَدَدِ أجْزاءَ الكتاب، ما أوْرَدَهُ حاجي خَليفة في مَعْرَضِ تَعْريفِه بالكتاب، فبَعْدَ أنْ نَقَلَ كَلامَ الذَّهَبيّ (في العِبَر) وأنَّه مُكَوَّنٌ من ثلاثينَ مُجلَّدًا، قال (٣): "والبُغْيَةُ كتابٌ كَبيرٌ في عَشْرِ مُجلَّدات"!، ولعلَّه قدَّرَ المُتَبقِّي من أجْزاءَ الكتابِ ممَّا وَصَلَ لعَصْرِه تَمامًا كما فَعَلَ السُّيوطِيُّ (٤).
ويَصْعُبُ في ظلّ غيابِ التَّفْصيلاتِ تتبُّع رحلَةِ الكتاب، وما حلَّ به مُنذُ أنْ غادَرَ مُؤلِّفهُ حَلَبَ مُرْتحلًا إلى القَاهِرةِ، خاصَّةً مِع وجُودِ أوْلادِهِ على قيْد الحيَاةِ بعدَهُ، وهُم من أهْلِ العِلْم وممَّن ساروا على سَنَن وِالدِهِم في المناصِبِ الدَّيْنيَّة والتَّعليْميَّةِ، بما يَنْفي فِكْرةَ ضَياعِ قِسْمٍ من الكتابِ بعدَ وفاةِ مُؤلِّفه بقَرْنٍ من الزَّمان على أَقَلّ تَقْدير، ونَجِدُ أنَّ نُسْخَةَ الكتابِ كانتْ بين يَدي ابْنِهِ مُحَمَّد، وقَيَّد بخَطِّهِ في تَرْجَمَةِ أحمدَ بن عَبْد الدَّائم المَقْدسيّ (الجزء الثَّاني):
"تُوفِّي أحْمَدُ بن عَبْد الدَّائم بن أحْمَد بن نِعْمَة المَذْكُور في يَوْم الاثنين تاسع رَجَب سَنَة ثمانٍ وسِتِّين وسِتّمائة، بمَنْزِلةِ في سَفْح جَبَلِ قَاسِيُون، ودُفِنَ هناك عندَ
_________
(١) الحسيني: صة التكملة ١: ٤٦٩.
(٢) اليونيني: ذيل مرآة الزمان ٣: ١٧٨، تاريخ الإسلام ١٤: ٩٣٨.
(٣) كشف الظنون ١: ٢٤٩.
(٤) بُغْيَة الوعاة ١: ٣، ذكره ضمن الكتب التي استعان بها في تأليف كتابه، قال: "تاريخ حلب للكمال بن العديم، عشر مجلدات".
стр. 92
مَشَايخهم، وكان قد كُفَّ بصَرُهُ، وذلك بعدَ وَفَاةِ والدي مُؤلِّف هذا التَّاريخ، ﵀".
وعلَّقَ في الهامشِ بمُوازاتِه:
"هذا المكانُ أخْلَاهُ وَالدي ﵀ لكتابةِ وَفاةِ المَذْكُور، وتُوفِّي بعد والدىِ فألْحَقتُه هُنا، وكَتَبَ مُحَمَّد بن عُمَر بن أحمد بن أبي جَرادَة".
وفي الحاشيةِ المُقابِلَة كَتَبَ:
"وكَتَبَ هذين السَّطْرين الدَّقِيقَيْن مُحَمَّد بن عُمَر بن أحْمد بن أبي جَرادَة".
وكانتْ وَفاةُ مُحَمَّد هذا بحَمَاة في سَنَة ٦٩٥ هـ.
وأوَّلُ الأمْرِ أنَّنا أمَامَ افْتراضَيْن: بقاءُ أجْزاءَ الكتابِ في خِزَانَةِ المُؤلِّف "الخِزَانَة الصَّاحِبيَّة" بحَلَب، أو أنَّ المُؤلِّفَ اصْطَحبَ معه مُسَوَّداتِه وأجْزاءَهُ في رِحْلتِه الأخيرةِ الَّتي حلَّ بها القَاهِرة في ذي القَعْدَة ٦٥٨ هـ، فانْتَقَلتْ بعد وَفاتِه إلى بعضِ أوْلادِه ممَّن كانَ بالقَاهِرة أمْثَال مُحَمَّد وعَبْد الرَّحمن.
كانتْ لابن العَدِيْم خِزَانَةُ كُتُبٍ عامِرةٌ بنَفائِسِ الكُتُبِ والمجامِيعِ الأدَبيَّةِ والتَّاريخيَّةِ، وهي الخِزَانَةُ الَّتي خَدَمَتْ كتابَهُ "البُغْيَة"، ومَدَّتهُ بمَصادِر غايةً في الوَثاقَةِ؛ أغْلَبُها بخُطُوطِ أصْحابِها، واسْتَفادَ منها أيضًا ابنُ سَعِيد المَغْربيّ في تَتْميمِ كتابِ "المُغْرب" أثْناء إقامَتهِ بحَلَب، وتَحْديدًا بين سَنتي ٦٤٥ - ٦٤٧ هـ، وأشارَ إلى هذه الخِزَانَةِ في عدَّةِ مَواضِعَ من كتاب المُغْرب (١)، ولا نتَوفَّرُ أيَّةُ مَعْلُوماتٍ عن مَصِير الخِزَانَةِ ومحتَوياتِها بعد غَزْو التَّتَارِ لحَلَب وما وَقَعَ فيها من تَخْريبٍ وتَدْمِيْرِ وإحْرَاق، ويبدو أنَّ كُتُبَ هذه الخِزَانَةِ لم نَتعَرَّضْ للأذَى في تلكَ الهَجْمَةِ، بدَلِيلِ وصُولِ بعص مُقْتَنياتها إلينا، لكنها تَبَعْثَرتْ وتَناوشَتها الأيْدي فيما بعد وتَقْديرًا في
_________
(١) المغرب لابن سعيد (قسم مصر) ١: ٢٩٧، ٣٤٨.
стр. 93
مَطْلعِ القَرْن الثَّامن الهِجْريِّ، فإنَّ النُّسْخَةَ النَّفِيْسةَ من كتابِ المغرب والَّتي كَتَبها ابنُ سعِيد بخَطِّهِ وجَعَلَها برَسْمِ هذه الخِزَانَة، قد انْتَقلَتْ إلى ملكِ صَلَاح الدِّين خَليل بن أيْبَك الصَّفَديّ (١)، ثم أصْبَحَتْ ذاتُ النُّسْخَةِ في ملكِ أعْلَامٍ من مِصْرَ منذُ مَطْلعِ القَرْنِ التَّاسع الهِجْريّ كابنِ دُقْماق (ت ٨٠٩ هـ) وأحْمَدَ بن عَبْد الله الأوْحَديّ (ت ٨١١ هـ) والمقريزيّ (ت ٨٤٥ هـ) (٢)!.
إنَّ رِحْلَةَ ابن العَدِيْم الأخِيرة إلى مِصْر - وهي الَّتي قرَّرَ فيها مُغادَرةَ حَلَب بعد أنْ هَالَهُ ما فَعَلَهُ فيها التَّتَارُ من عَيْثٍ وتَخْريبٍ، ووثَّقتْهُ قَصِيدتُهُ الطَّويلة الَّتي تقدَّمَ الإلْمَاع لها - كانتْ رِحْلة بنِيَّةِ الإقامَةِ والاسْتِقرَارِ في مِصْر، ولعلَّ من الطَّبِيْعيّ أنْ يَصْطَحِبَ معه كتابَهُ الَّذي وَالى تَبْييضَهُ وتَنْقيحَهُ والاسْتِدراكَ عليه كُلَّما وَقَعتْ بين يَديهِ مَصادرُ جَدِيْدةٌ، وكُلَّما أفْسَحَتْ له الشَّواغِلُ.
وثَمَّةَ ما يَجْعلُني أَمِيلُ إلى الافْتِراضِ الثَّاني منهما، بدَالّةِ ما ألْحقهُ المُؤلِّفُ من زيَاداتٍ على الكتابِ بعدَ غَزْو التَّتَار لحَلَب، وما قيَّدَهُ بعد ارْتِحاله الأَخِير إلى مِصْرَ. ومع ذلك، فإنَّ كلا الافْتِراضَيْن يُؤشِّران إلى انْتقالِ أجْزاء الكتاب إلى مِصْر، إمَّا صُحْبَة المُؤلِّفِ أو فيما بعد؛ وتَحْديدًا بعدَ القَرْنِ الثَّامن الهِجْريّ، ونَجِدُ في تقييدِ ابن السَّابق الحَمَويّ (ت ٨٧٧ هـ)، وهو الَّذي تَملَّكَ الأجْزاءَ الَّتي وَصَلتْنا من الكتابِ، إشارةً إلى سَنَدِه في رِوَايةِ الكتاب، كَتَبَهُ على طُرَّةِ الجُزءِ الأوَّل، ونَصُّه:
"يقُولُ كاتِبُ هذهِ الأحْرُفِ، فَقِيرُ عَفْو الله تعالَى مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الحَمَويّ الحَنَفيّ، عامَلَهُ اللهُ بلُطْفِه الخَفِيّ: إنَّهُ يَرْوي تاريخَ حَلَب للصَّاحِبِ كَمال الدِّين عُمَر بن أحْمد المعَرُوف بابن أبي جَرادَة وبابن العَدِيْم، عن الشَّيخ تَقي الدِّين أحمد بن عليّ بن عَبْد القَادِر
_________
(١) المغرب لابن سعيد (قسم مصر) مقدمة التحقيق ١: م ٥٩. وكان الصفديّ قد تولّى كتابة السر في صفد ومِصْر وحَلَب سنة ٧٢٣ هـ وأخيرًا في دِمَشْق فتوفي بها سنة ٧٦٤ هـ.
(٢) المغرب لابن سعيد (قسم مصر) مقدمة التحقيق ١: م ٥٩.
стр. 94
المَقريزيّ (ت ٨٤٥ هـ)، مُؤرِّخ الدِّيَار المِصْريَّة، عن ناصِر الدِّين مُحَمَّد الحراويّ الطَّبردار (ت ٧٨١ هـ)، عن الحافِظِ شَرف الدِّين عَبْد المُؤمن بن خَلَف الدِّمْياطِيّ (ت ٧٠٥ هـ) عن مُصَنِّفِه الصَّاحِبِ كَمال الدِّين بن العَدِيْم تَغمَّدَهُم اللهُ تعالَى برَحْمته ورضْوانه".
وكانت مُسَوَّدَهُ المؤلِّفِ تحتَ نَظَرِ شَمْس الدِّين بن خِّكان، ونَقَلَ عنها بعض النُّصُوص ممَّا لم يَصِلْنا (١).
كما اطَّلَعَ على أجْزَاءَ الكتاب، خاصَّةً الأجْزَاءَ الَّتي لَم تَصِلْنا، عَدَدٌ من عُلَماءِ الشَّام ومِصْر، واسْتَفادُوا منها بالنَّقْلِ والاقْتِباس، وبَعْضُهم أخَذَهُ بالتَّلْخيصِ دُونَ الإشارهَ إليه، وجَمِيعُهم ممَّن عاشَ بالقَاهِرة، فقد اسْتفادَ ابنُ فَضْل الله العُمَريِّ (ت ٧٤٩ هـ) من بَعْضِ أجْزاء البُغْيَة الَّتي لم تَصلْنا، ونُقُوله عن ابن العَدِيْم تَدُلُّ على تَوفُّرِه على الأجْزاءِ الضَّامَّة لتَرَاجِم المحمَّدين ولمَن اسْمه عليّ ومَن اسْمه عَبْد الغَفُور (٢).
وكانتْ جميعُ أجْزاء البُغْيَة تحتَ نَظَر مُحْيي الدِّين عَبْد القادِر بن مُحَمَّد القُرَشيّ (ت ٧٧٥ هـ)، ونَقَلَ عن جَمِيعِها في كتابِه الجَوَاهِر المُضِيَّة في طَبَقاتِ الحنفيَّة، وحَفظَ لنا العَديدَ من التَّراجمِ الَّتي ضاعَت، ممَّا أدْرَجناهُ ضمنَ المُلْتَقَطِ من الضَّائِع في آخرِ الكتاب.
_________
(١) وفيات الأعيان ٦: ٤١، ٣٠١.
(٢) انظر مسالك الأبصار ٦: ١١٠ - ١١٣، ١١٧، ١٢٥.
стр. 95
ومثْلُه أيضًا ابن حَبيب الحَلَبيّ (ت ٧٧٩ هـ)، فاسْتَفادَ منه، وجَمَّع منه كتابًا صَغِيرًا سمَّاهُ "حَضْرةُ النَّدِيم من تاريخ ابن العَدِيم"، وإفادَاتُ ابن حَبِيْب تُشِيرُ إلى اطّلاعهِ على أجْزاءَ الكتاب كَامِلًا، الَّذي وَصَفهُ بأنَّهُ كتابٌ كَبير، فنَقَلَ عنه من الأجْزاءَ الَّتي لم تَصِلْنا في تَرْجَمَةِ تاج المُلُوكِ بُوري بن أيّوب، وتَرْجَمَةِ أبي فِرَاس الحارِث بن حَمْدَان الحَمْدانيّ، ونَقَلَ عنه أيضًا ممَّا وَصَلنا في تَرْجَمَة أبي العَتاهِيَة (١).
واطَّلعَ المَقْريزيُّ (ت ٨٤٥ هـ) على الكتابِ، ونَقَلَ منه كثيرًا في مُؤلَّفاتِه، خاصَّةً في كتابِه المُقَفَّى الكَبِير، ولم يُشِرْ لمُؤلِّفِه إلَّا في القليل، ونَقَلَ عنه بعض التَّراجم الَّتي لم تَرِدْ سِوَى عندَ ابن العَدِيْم دونَ أنْ يَذْكرَ مَصْدَره، ويُمكنُ القولُ بمزِيْد الاطْمئنانِ أنّ التَّراجمَ الَّتي أورَدها المَقْريزيّ ولم يَذْكرها سِوى ابن العَديم مَصْدرُها كتابُ بُغْيَة الطَّلَب.
وعَدَّهُ السُّيوطِيُّ ضمنَ الكُتُب الَّتي اسْتَوعَبها بَحْثًا عن النُّحَاةِ وهو يُصَنِّفُ كتابَهُ بُغْيَةَ الوُعَاة في طَبَقاتِ النُّحاة، وكان الفَرَاغُ من تأْلِيفِه لهذا الكتاب سَنَة ٨٧١ هـ (٢)، والظَّاهِرُ أنَّهُ لَم يَطَّلعْ إلَّا على ذاتِ الأجْزاءَ العَشرة الَّتي وَصَلتْنا، بدَلِيْل أنَّهُ لَم يأخُذْ عنه في الجُزء الثَّاني من طَبَقاتِ النُّحَاةِ الضَّام لترَاجِم حَرْفِ الشِّين حتَّى اليَاء، ولَم يَسْتَفِدْ منهُ في ترَاجِمِ المحمَّدين الَّذين قَدَّم السُّيوطِيُّ ذِكْرهم في أوَّلِ كتابِه، وكان السُّيوطِيِّ قد كَتَبَ بخَطِّهِ على طُرَّةِ الجزءِ الثَّاني والجُزء التَّاسِع من نُسْخَةِ الأصْل الَّتي بين أيْدينا، قيدُ مُطالَعَتهِ للكتَاب، ونَصُّ ما كَتَبَهُ على الجُزء التَّاسِع: "الحَمْدُ لله، طَالَعْتُه على طَبَقاتِ النُّحَاةِ بمَكَّة المُكَرَّمة سَنَة ٨٦٩ هـ. كَتَبَهُ عَبْدُ الرَّحمن بن أبي بَكْر السُّيوطِيّ دَاعِيًا لمُعِيْره … ". ومُعِيرُه هو نَجْم الدِّين عُمَر بن مُحمَّد بن مُحَمَّد بن فَهْد الهَاشِميّ المَكِّيّ (ت ٨٨٥ هـ) (٣).
_________
(١) ابن حبيب: درة الأسلاك، ورقة ١٥ ب.
(٢) السيوطي: بُغْيَةِ الوعاة ٢: ٤٣٩.
(٣) يذكر السيوطيّ أنه كان في مكّة المشرّفة سنة ٨٦٩ هـ، وأنه أطْلعَ الحافظ نجم الدين بن فهد على مسودَّة كتابه فاقترح عليه الاختصار. بُغْيَةِ الوعاة ١: ٥ - ٦.
стр. 96
وأخيرًا قَولُ ابن الشِّحْنَة (ت ٨٩٠ هـ)، وهو أيضًا ممَّن أقامَ بالقَاهِرةِ مُتَولِّيًا لِكتابةِ السِّرّ في نوْبتَيْن: "أخْبَرِني الأميرُ النَّقيبُ بَدْر الدِّين الحُسَيْنيّ نَقيبُ السَّادَةِ الأشْرَافِ بالمَمْلكةِ الحلَبيَّة، ﵀، أنَّ مُسَوَّدَتهُ كانت تَبْلُغُ نحو أربَعين جُزءًا كبارًا، والمبُيَّضَةُ تَجيءُ كذلك، لكن اخْتَرمتهُ المَنِيَّةُ قَبْل إكمال الأُمْنيَّةِ، وتَفرَّقَتْ أجْزاؤه قَبْلَ الفِتْنَة التَّيْمُوريَّة، [أي قَبْل سَنة ٨٠٥ هـ] فلا تَجِدُ الآن منها إلَّا نَزْرًا لَم أَقِفْ منها إلَّا على جُزءٍ واحدٍ بخَطِّه فيه بَعْضُ حَرْفِ الميم، وفيه تَرْجَمَهُ المَلِكِ العادِلِ نُور الدِّين مَحْمُود، وتَرْجَمَةُ جَدِّي الأمير حُسَام الدِّين مَحْمُود شِحْنَة حَلَب، وبعضُ تَرَاجِم غيرها، وهو عندي" (١).
وأجْزاءُ الكتابِ كانتْ مُبَعْثَرةً في أوَاخِرِ القَرْن التَّاسع الهِجْريّ، ورُبَّما قبلَ ذلك، ففي الفِهْرستِ الَّتي وَضَعهُ السَّخَاوِيُّ (ت ٩٠٢ هـ) للأجْزَاءِ الَّتي كانت بحَوْزَةِ صاحِبه مُحمَّد بن مُحمَّد بن السَّابق الحمويّ (ت ٨٧٧ هـ)، وهي مَجْمُوعةٌ ليْسَت بالهَيِّنَةِ من أجْزَاء الكتاب، وأعْقَبَهُ بالقَوْل إنَّهُ رَأى مُجَلدًا آخرَ فيه بَعْضُ البُلْدان (يَقْصِدُ المُجَلَّد الأوَّل)، ولم يُعيِّنْ مَكانَ وجُودِه، ثُمَّ قال: "وكان عندَ مُحبِّ الدِّين بن الشِّحْنَة منه بخَطِّ المُؤلِّفِ بعضُ الأجْزاءِ ممَّا لَم أُطَالع" (٢). والسَّخَاوِيّ يُشِيرُ في مَوْضعٍ آخر من كتابهِ أنَّه اطَّلَعَ على كَثيرٍ من أجْزاءِ الكتاب (٣).
ولأهميَّةِ كَلام السَّخَاوِيّ فأوْرده بنصِّهِ، قال:
_________
(١) الدر المنتخب ٧.
(٢) السخاوي: الإعلان بالتوبيخ ٢٢٩.
(٣) الإعلان بالتوبيخ ٢٦٠.
стр. 97
"وعِدَّةُ مُجَلَّداتٍ من تاريخ حَلَبَ للكَمال أبي حَفْص عُمَر بن أحْمَد بن العَدِيْم، وسمَّاهُ: "بُغْيَة الطَّلَب"، كان عندَ صَاحِبِنا الجَمال ابن السَّابق الحَمَويّ بخَطِّ مُؤلِّفِه، ونَقَلَها منهُ صَاحِبُنا ابنُ فَهْد:
- أَوَّلُها: من أحمدَ بن جَعْفَر بن مُحمَّد بن عُبَيْد اللّه بن المُنَادِي إلى آخِر أحْمد بن عَبْد الوَارِث.
- وثانيهما، وليسَ تِلْوهُ، مع الَّذي يَلِيه: وأَوَّلُهما أحْمَد بن مُحمَّد بن مَتّويه، وآخِرها في أثْنَاء تَرْجَمَة أُمَيَّة بن عبْد الله بن عَمْرو بن عُثمان.
- ورَابِعُها: من الحَّجاج في هِشَام إلى آخر الحَسَن بن عليّ بن الحَسَن بن شَوَّاش.
- وخامِسُها والَّذي يليه: وهمُا من الحُسَيْن بن عَبْد اللّه الخادِم إلى أثْنَاء دَعْلَج بن أحْمَد بن دَعْلَج.
- وسَابعُها [و] الَّذي يَلِيه: وهُما من أثْنَاء رَاجِح بن إسْماعِيل الأسَدِيّ إلى سَعِيد بن سَلَّام.
- وتَاسِعها: من مُشْرِق بن عَبْد اللّه الحَلَبِيّ (١) إلى أثْنَاء الوَليد بن عَبْد العَزِيز بن أَبَان، ولكن ليسَ فيه حَرْف الهاء جَرْيًا على عادَة كَثِيرين في تَأْخِيره عن الوَاو. ووَقَفْت على المُسَوَّدَة الَّتي بخَطِّ المُؤلِّف من هذا الجُزء بخصُوصِه عند ابن فَهد، وعليها بخَطِّ المُؤلِّف تَلقِيبه بالرَّابعِ عَشر.
- وعاشِرُها: الكُنَى إلى آخر الأَنْسَاب.
ورَأيتُ مُجَلَّدًا آخرَ منهُ، فيه بعض البُلْدان.
وكان عندَ المحبِّ بن الشِّحْنَة منه بخَطِّ المُؤلِّفِ بعض الأجْزاءَ ممَّا لَم أُطَالِعهُ" (٢).
_________
(١) حفظ لنا القرشي جزءًا من ترجمة ابن العديم له في كتابه الجواهر المضية ٣: ٤٨٣ - ٤٨٣، وانظره أيضًا في الملتقط من الضائع (الجزء الحادي عشر).
(٢) السخاوي: الإعلان بالتوبيخ ٣٣٧ - ٣٣٩.
стр. 98
إنَّ الوَصْفَ الَّذي قَدَّمَهُ السَّخَاوِيُّ لنُسْخةِ ابن السَّابق الحَمَويّ مُطَابِقٌ بِيْبلُوغرَافيًّا لوَصْفِ الأجْزَاءِ الَّتي وصَلَتْنا من الكِتَابِ، لكنَّه قَيَّد الجُزئين الثَّالثَ والرَّابعَ (بحَسَب نَشْرَتنا هذه) في مُجلَّدٍ واحدٍ، وكَذا الجُزئين السَّادِس والسَّابِع، والجُزئين الثَّامن والتَّاسع، وزادَ على مُجْمُوعَتِه - ممَّا لَم يَصلْنا - جُزءًا يَتَضَمَّنُ تَرَاجِمَ أواخِرِ حَرْفِ الميم إلى أواخِر حَرْفِ الوَاو: "من مُشْرِق بن عَبْد الله إلى أثْناء الوَليْد بن عَبْد العَزِيز بن أبان" (١).
ويَذْكرُ السَّخَاوِيُّ أنَّ المجمُوعَةَ الَّتي كانتْ في ملْكِ ابن السَّابق، قامَ بنَقْلِها ابنُ فَهْد (ت ٨٨٥)، فهل مَدْلُولَه أنَّهُ نَقَلَها إلى مَكَّة، أم أنَّهُ انْتَسَخها؟! مِع وجُودِ تَقْييدِ ابن فَهْد على الجُزءِ الأوَّلِ بما يُفِيدُ انْتساخَهُ عن نُسْخَةِ ابن السَّابق سَنَة ٨٦٩، وَأيضًا اطِّلَاع السُّيوطِيّ عِلى الجُزئين الثَّانِي والتَّاسِع من ذاتِ النُّسْخَةِ في مَكَّة المُكرَّمة سَنة ٨٦٩ هـ، واسْتعارَته من ابن فَهْد.
ويُشيرُ السَّخَاوِيُّ أيضًا في نَصِّهِ المُتَقدِّم إلى تَوَفُّرِ أجْزاءٍ من المُسَوَّدَةِ والمبُيَّضَة معًا: رَأى الجُزءَ التَّاسِعَ (حَسَب فَهْرَسَته للأجْزاء) عندَ ابن السَّابق الحَمَويّ ويُقابِلُه من مُسَوَّدَةِ المُؤلِّفِ الَّتي كانتْ عندَ ابن فَهْد وعليها بخَطِّ المُؤلِّف: "الجُزء الرَّابِع عَشر" (٢).
وتاريخُ تَملُّكِ ابن السابق للكتَاب، والذي قيَّدَهُ على طُرَّة الأجْزاءِ هو: "يَوْم الأرْبِعاء تاسِع عَشر رَبيع الآخر سَنَة ستّ وخَمْسين وثَمانمائة" وأنَّهُ كانَ في القَاهِرةِ، ونَجِدُ نصَّ تَملُّكٍ آخرَ له، كَتَبَهُ على وَرَقةٍ فَارغةٍ من أوْرَاقِ الجُزءِ الثَّانِي [الورقة ١٤٠ أ]، فيه ما يُفِيدُ تَملُّكَهُ الكتَابُ بمَعرَّةِ النُّعْمان في سَنَة ٨٣٦ هـ: "نَوْبَة فَقِير
_________
(١) السخاوي: الإعلان بالتوبيخ ٢٢٩.
(٢) مثل هذا الاختلاف في ترقيم الأجزاء ما يذكره اليونيني في ذيل الزمان ١: ١٩٩ من أنه اطلع على المجلد الثالث من تاريخ صلب لابن العديم ونقل منه أبياتًا أخذها ابنُ العديم في كتاب نُزهة الناظر لعبد القاهر بن علوي المعريّ، وورد هذا النقل وهذه الأبيات في الجزء الخامس بحسب ترتيب الأجزاء التي وصلتنا.
стр. 99
عَفْو اللّه تعالَى مُحمَّد بن مُحمَّد بن مُحمَّد بن السَّابق الحنفيّ عَفا اللّهُ عَنهم أجْمَعِين، بالمعَرَّة المَعْمُورة، في سَنَة ستٍّ وثلاثين وثَمانمائة، أحْسَن اللّهُ عاقِبَتها في خَيْر، آمين".
وإضافةً لمَا تقدَّمَ، فقد كانتْ هذه الأجْزاءُ الّتي وَصَلتْنا - باسْتثناءَ الجُزءَ السّادسِ - في ملْكِ مُحمَّد بن أحمد بن إيْنَال العَلَائيّ الحَنَفِيّ (ت ٩١٨ هـ)، وقَيَّدَ تَملُّكُهُ لها على طُرَّةِ أغْلِفَتها، وهو رَجُلٌ لَهُ اشْتِغالٌ بالعِلْمِ وصنَّفَ كتابًا اسْمه العِقْدُ المَخْصُوصُ بتَرصِيعِ الفُصُوص (١).
إنَّ هذه الدَّلائِلَ تُؤشِّرُ إلى كَوْنِ أغْلَبِ أجْزاءَ الكتَاب كانتْ بمِصْرَ في مُنْتَصَفِ القَرْنِ التَّاسِع الهِجْريِّ، ثُمَّ في مكَّةَ في التَّاريخ الَّذي قَيَّدَهُ ابن فَهْد وذَكَره السُّيوطِيّ وهو سنة ٨٦٩ هـ، ثُمَّ انتَقَلتِ المَجْمُوعَةُ في عَهْد الدَّولةِ العُثْمانيَّة إلى اسْطنبُول، وأُوْقِفَ الجُزءُ الخامِسُ منها، بحَسَبِ خَتْم الوَقْفِ المُثبَت على طُرَّتِه، على مَدْرَسةِ شَيْخ الإسْلام فَيْض اللّه أفَنْدِي الّتي أنْشَأها سَنَة ١١١٣ هـ، أمَّا بقِيَّةُ الأجْزاءَ فأَوْقَفَها السُّلْطان مَحْمُود الأوَّل بن مُصْطَفى الثَّاني (ت ١١٦٨ هـ).
* * *
وبالعَوْدةِ إلى الضَّائِعِ من الكتَابِ، ولمَعْرفةِ الأجْزاءَ والأبْوَابِ الضَّائِعة منه، وتَقْديرِ كَمِيَّة هذا الضَّائِع، وحَصْرِ عَدَدِ التَّراجم الضَّائِعة منه، فقد سَعَيْنا إلى رَصْدِ إحَالَاتهِ العَدِيْدةِ والمُتكرِّرة، سَواءً ما يتَعلَّقُ منها بالإحالة على إفادَاتٍ تتَّصِلُ بالجُزءَ الأوَّلِ من الكتاب أو الإحالاتِ المُتَعلِّقة بمَن تَرْجَمَ لهم من الرِّجَالِ والنِّسَاء، وأكْثَرُ إحالاتهِ ممّا جاءَ في الجُزءَ العاشِر الَّذي أفْرَدَهُ للكُنَى والألْقَابِ، ذَكَرَ فيه مَن غَلَبَتِ الكُنْيَةُ أو اللَّقَبُ على اسْمهِ، وأصالَ على ترْجَمتِه في الأسْمَاء، وبَدَا أنَّ أكْثَرَ التَّراجمِ الضَّائِعةِ في تَرَاجِم العَبَادِلة والمُحمَّدين بحُكمْ كَثْرَة مَن تَسَمَّى
_________
(١) الضوء اللامع ٦: ٢٩٥، البغدادي: هدية العارفين ٢: ٢٢٦، كحالة مُعْجَمُ المؤلفين ٨: ٢٩٣.
стр. 100
بهذه الأسْمَاء أَصْلًا، وقد حَرِصتُ على الإشَارةِ في الهامِشِ إلى مَكَانِ التَّرْجَمَة المُحالِ عليها أو ضَياعها.
أمَّا الجُزءُ الأوَّلُ من الكتابِ، فقد تعرَّضَ إلى بَعْضِ الإفْسَادِ بفِعْلِ الرُّطُوبَةِ وربَّما دَاخَلَهُ الماءُ؛ ففَسَدَ أوَّلهُ وآخرُهُ، ونُزِعَتْ منهُ أوْرَاقٌ عَديدةٌ، تتَضَمَّنَ بعضَ الأبْوابِ: فمن أبْوَابهِ الضَّائِعةِ: مُقَدِّمَةُ المُؤلِّفِ، الَّتي نَفْتَرضُ أنَّه ضَمَّنَها دَواعِي التَّأليف، ورُبَّما خِطَّة العَمَل الَّتي سَلَكَها في نَسْقِ أجْزَاء الكتاب، وتَعْدَاد إبْرَز مَصادِره الَّتي اعْتَمَدَ عليها.
وضَاعَ من أوَّلِ هذا الجُزْءَ بابٌ يَتَنَاولُ "أوَّلِيَّة بنِاء حَلَب في التَّاريخ القَديم"، أحالَ عليه المُؤلِّفُ في أثْناءَ كلامِهِ على ما وَرَدَ من الكِتابَةِ القَدِيمةِ على الأحْجَار بحَلَب:
"قد ذَكَرْنا في أوَّلِ كتابِنا هذا، ما حَكَاهُ أبو أُسامَةَ الخَطِيب بحَلَب، أنَّ أباهُ حدَّثَهُ أنَّهُ حَضَرَ مع أبي الصَّقْر القَبِيْصِيّ ومعهما رَجُلٌ يقرأُ باليُونانِيَّة، فنَسَخُوا كتابةً كانتْ على القَنْطَرَة الّتي على بابِ أَنْطَاكِيَة، قال: ونُسْخَتُها: بُنِيَتْ هذه المَدِينَة، بناها صَاحبُ المَوْصِل … ".
وضاعَ بابٌ عُنْوانُه: "بابُ تَسْمِيَة حَلَب"، أحَالَ عليه في مَطْلع "باب في ذِكْرِ ما بحَلَب وأعْمَالها من المَزَارَاتِ، وقُبُور الأنْبِياء والأوْلِيَاء، والمَواطِن الشَّرِيْفَة، الَّتي بها مَظَّان إجَابة الدُّعَاء"، قال:
"وكان (إِبْرَاهِيم ﵇ يُقِيمُ به ويَبُثُّ رِعَاءَهُ إلى نَهْرِ الفُرَاتِ والجَبَل الأَسْوَد، ويَحْبسُ بعضَ الرِّعَاءَ بما معَهُم عندَهُ، ويَأْمُرُ بحَلْب ما معَهُ، واتِّخاذِ الأطْعمةِ وتَفْرِقتِها على الضُّعَفَاءَ والمَسَاكِين، وقد ذكَرْنا ذلكَ مُسْتَقصىً في بابِ تَسْمِيَةِ حَلَب".
стр. 101
وأحَالَ عليه أيضًا في مَوْضِعٍ آخرَ من نَفْسِ البَاب:
"وخَارجُ المَدِينَة مِمَّا يَلي القِبْلَة مَقامُ إبْرَاهِيْم ﷺ في الجَبَّانَةِ، وفي مِحْرَابِ المَسْجِد، حَجَرٌ قيل إنَّهُ كان يجلسُ عليه، وفي الرِّوَاقِ القِبْليّ الّذي يلي الصَّحْنَ صَخْرةٌ نابِتةٌ فيها نُقْرَةٌ قيل إنَّه كانَ يَحْلبُ فيها غَنَمُه، وقد ذَكَرْنا ذلك فيما تقدَّم".
وأحَالَ على هذا البابِ أيضًا - وهو بابُ تَسْمِيَةِ حَلَب - غِبَّ كَلامِهِ على القَبائِل القَاطِنَة بحَلَب ونَوَاحِيها، قال:
"ونَزَلَ بأعْمَالِ حَلَب بعضُ العَمَالِقَةِ، وقد ذكَرْنا فيما تقدَّمَ أنَّ حَلَبَ إنَّما سُمِّيتْ بحَلَب بن المهْرِ من ولدِ جَاب بن مكنَّف من العَمَالِقَة، وقيل فيهِ: حَلَب بن مهْر بن حيص بن عِمْلِيْق".
ومن الفُصُولِ الضَّائعة: بابٌ ذَكَرَ فيه بَعْضَ مُدُنِ الجَزِيرةِ كالرُّها وحَرَّان، ورُبَّما كانَ هذا البابُ الضَّائِعِ الَّذي أحَالَ عليه ابن العَدِيم هو ذاتُه "باب تَسْمِيَةِ حَلَب"، وأدْرَجَ ضِمْنَهُ فَصْلًا من كتابِ بَابَا الصَّابِئ الحَرَّانِيّ، وهو كتابٌ أرْسَلَهُ إليهِ ابنُ تَيميّة خَطِيبُ حَرَّان، ونَقَلَ منه بعضَ الفُصُولِ المُتَعلِّقةِ بالمَلَاحِمِ وأَمَارَاتِ السَّاعَة، يقول:
"وقد ذَكَرْنَا هذا الفَصْلَ فيما تقدَّم، وأنَّهُ انْهَدَمَ مَوضِعٌ في سُورِ حَرَّان في سَنَةِ اثْنتين وخَمسين وستّمِائة، فاحْتيجَ إلى أنْ نُقِلَ إليهِ من سُور الرُّهَا حِجَارَةٌ بُنِيَ بها ما انْهَدَمَ من سُورِ حَرَّان، أخْبَرَني بذلكَ خَطِيبُ حَرَّان، ونَقَلْتُ ما نَقَلْتُهُ من هذا الكتابِ على ما فيه من اللَّحنِ ورِكَّةِ الألْفاظ".
والدَّاعِي لافْتِرَاضِ أنْ تَكُونَ الإحالةُ على "باب تَسْمِيَةِ حَلَب" كَون الصَّابئ سَمَّى حَلَب في كتابه باسْمِها القَدِيم "مَابُوْغ"، فاقْتَضَى الاسْتِشْهَادُ بكَلَامِه في ذلك الباب.
стр. 102
وضاعَ من آخِر الجُزءَ الأوَّل الفَصْلُ الَّذي أفْرَدَهُ المُؤلِّفُ لرَصْدِ الأشْعَارِ الَّتي قِيْلَتْ في حَلَب، سمَّاه: "بابٌ في مَدْحِ حَلَب"، قال:
"ويدُلُّ على ذلك وَصْفُ الصَّنَوبَرْيَ حَلَبَ بكَثْرةِ السَّرْو كما في قَولِهِ في القَصِيدَة الهائِيَّة الَّتي يأتي ذِكْرُها في بابِ مَدْح حَلَب إنْ شَاءَ اللّهُ".
أمَّا بَقِيَّةُ الأجْزاءَ، وهي الضَّامَّةُ للتَّرَاجِم، فقد ضَاعَتْ منْها الأجْزاءُ الأُوْلَى المُشْتَملةُ على تَرَاجِمِ أوَّلِ الكتَاب ممَّن يَبْتَدئُ اسْمهُ بالأَلف باء: أَبان، إبْراهِيم .. ، وبعضُ أجْزاءَ تَرَاجِمِ الأحْمَدين، ثُمّ تَرَاجِمِ حرْفِ البَاء والتَّاء والثَّاء والجيم وأوَّلِ الحاءَ حتَّى تَرْجَمَةِ الحَجَّاجِ، ثمَّ ضاعَ الجُزءُ الّذي فيه تَتَمَّةُ تَرَاجِمِ الحَسَن بن عليّ حتَّى آخر الحَسَنيِّيْن، وضَاعَ الجُزءُ الَّذي يَلِيه وفيه تَرَاجِمِ أَواِئِلِ الحُسَيْنيِّيْن حتَّى أوَاخر الحُسَيْن بن عَبْد اللّه، وضاعَ من أوَّل الجُزءَ الثَّامن بقِيَّةُ تَرْجَمَةِ دَعلَج بن أحْمَد، الَّتي وَقَفَ الجُزءُ السَّابِعُ قَبْله في ثَنَاياها، إضافةً إلى ضَياعَ تَرَاجِمِ حرْفِ الذَّال، وفيها تَرْجَمَةُ ذي الكَلاع الَّتي أحَالَ عليها المُؤلِّفُ في كتَابِه، وأوَّلُ تَرَاجِمِ الرَّاءَ حتَّى بدايةِ تَرْجَمَةُ رَاجِح بن إسْماعِيْل، ثمّ تِلُوه ضَياع بَقِيَّة أجْزَاءَ الكتابِ سِوى الجُزْء الخاصِّ بالكُنَى، وأكْثَرُ الضَّائع في تَرَاجِمِ حَرْفِ العَيْن وفيه العَبَادِلةُ والعَبَابِيْدُ (عَبْد اللّه، عبد الرَّحمن … إلخ)، وحَرْف المِيْم وفيه المُحمَّدِين.
ومن أجْزاءَ الكتابِ الضَّائِعةِ، جُزءٌ يتَضَمَّنُ تَرَاجِمَ "مَن لا يُعْرَفُ اسْمُه"، أو "مَن جُهِلَت أسْمَاؤهم"، أو "جُزءُ المَجْهُولين الأسْمَاء والأَنْسَاب والألْقَاب"، وأحَالَ عليه في الجُزء الأوَّل في آخر "باب فَضْل أَنْطَاكِيَة"، وأيضًا في الجُزء الثَّامن في تَرْجَمَةِ رَافِع بن عُمَير بقَوْله: "وذَكَرَ تَمَامَ الحِكايَةِ وقد ذَكَرْناها في آخرِ الكتابِ في المَجْهُولةِ أسْمَاؤهم"، وأحَالَ عليه أيضًا في ثَلَاثةِ مَواضِعَ أُخْرَى من الجُزءَ العَاشِر (الكُنَى) بما يُؤَكِّد أنَّه تِلُوه في التَّرْتِيب.
стр. 103
ومن الضَّائعِ جُزءٌ في تَرَاجِمِ النِّسَاء، ففي تَرْجَمَة الحُسَيْن بن عليّ بن أبي طَالِب (الجُزء السَّادِس) أحَالَ على تَرْجَمَة زَوجَتِه الرَّباب بنت امْرئ القَيْس ابن عَدِيِّ الكَلْبِيّ: "وقد ذَكَرْنا في تَرْجَمَة الرَّبَاب، في آخر الكتاب، أنَّها كانتْ مع الحُسَين ﵁ يَوْم الطَّفّ … ".
وذكَرَ في الجُزءَ العَاشِر (الكُنَى) الفَقيْهَةَ العالِمَةَ فَاطِمَة السَّمَرْقنْديَّة، زَوْجة الإمام عَلاءَ الدِّين الكاسَانيّ، وأحَالَ على تَرْجَمتِها الَّتي سَتأتي في جُزء بعد الجُزءَ الخاصِّ بالكُنَى: "وَسَنَذْكُرها في حَرْف الفاء فيمن اسْمه فاطِمَة من النِّسَاءَ إنْ شَاءَ اللهُ تعالَى" (١).
وكذلك في الجزءَ العاشِرِ (الكُنَى) عند ذِكْر وَالدةِ الفَقِيْه أبي عليّ الخُرَاسَانيّ الوَزِير، واسْمُها فاطِمَة بنت مُحمَّد بن أحْمَد بن مُحَمَّد الشَّبيْه: " … فذَكَرَ حَدِيثَ فَتْح الرُّوم حَلَب في سَنَة إحْدَى وخَمْسِين وثَلاثِمائة، وأسْرها وخَلَاصها من الأسْرِ على ما نَذْكُره في تَرْجَمَتِها مع النِّسَاء".
وأفْرَدَ في آخِر الجُزءَ الخاصِّ بتَراجِم النِّسَاء بابًا في تَرَاجِم "مَنِ لا يُعْرف اسْمها من النِّسَاء"، أو "المَجْهُولات منْهنَّ"، ولا نَظُنه جُزءًا مُسْتقِلًّا لقِلّةِ عَدِدهنَّ، وأحَالَ عليه في تَرْجَمَة زَوْجة قُنْزَعِ الشَّاعِر (الجُزء العاشِر): "كانتْ له امْرَأةٌ شَاعرةٌ وقد ذَكَرْناها فيمَن لا يُعْرفُ اسْمُها من النِّسَاءَ". وأحَالَ عليه أيضًا في تَرْجَمَة أبي مَعْشَر (الجُزء العَاشِر): "خَرَجَ من حِمْص غَازِيًا إلى الثَّغْر، وحَكَى عن امْرَأةٍ خَرَجَتْ إلى الغَزَاة … وقد سُقْنا الحِكَايةَ عنه في المَجْهُولاتِ من النِّسَاءِ، فيما يأتي في آخرِ الكتابِ إنْ شَاءَ اللهُ تعالَى".
* * *
ولم يُعْطِ المُؤلِّفُ أرْقامًا للأجْزَاء، بما يُمَكِّنُ من مَعْرفَة عَدَدِها، ورَصْد مِقْدَار المُتَوفِّرِ مخها، ولَدَينَا الجُزءُ الأوَّل، وثَمانيةُ أجْزَاءٍ من النِّصْفِ الأوَّلِ من الكتاب،
_________
(١) حفظ لنا القرشي جزءًا من تَرْجَمة ابن العديم للسمرقندية في كتابه الجواهر المضية ٤: ١٢٢ - ١٢٤.
стр. 104
ثُمَّ لدَينا الجُزء الخاصّ بالكُنَى ويَعْقِبُه بحَسَب إحَالَاتِ المُؤلِّف جُزْءان؛ أَحَدُهما خاصٌ بالمجاهِيل من الرِّجال، والآخرُ يَشْتَمل على تَرَاجِمِ النِّسَاءِ والمجاهِيْل منهنَّ، ووَرَد في زَاوِيةِ وَرَقةٍ فارغةٍ من الجُزءِ التَّاسع (بحَسَب هذه النَّشْرة) نَصُّ تَرْقِيم بخَطِّ مُغايرٍ لخَطِّ النُّسْخَةِ وهو "المُجلَّد السَّادِس عَشر من التَّاريخ"، إضافةً إلى إشَارَةِ السَّخَاوِيِّ للجُزءِ الضّامّ لترْجَمَةِ مُشْرِق بن عَبْد اللّه حتَّى تَرْجَمَة الوَلِيد بن عَبْد العَزِيز وتأخِير المُؤلِّف لحَرْف الهاء، وبناءً على هذه المُعْطَيات، وما تَرَجَّحَ أوَّلًا من أنّ عَدَدَ الأجْزَاءِ هو ثلاثينَ جُزءًا، فيُمكنُ بناءُ الافْتِراضِ التَّالي لمَضامِينِ وأرْقامِ أجْزاءِ الكتاب؛ المَوجُود منها والضَّائِع:
رقم الجزء … المحتوى/ التَّراجم … (م) موجود/ ترقيم … رقم الجزء في هذه النشرة
.................................... (ض) ضائع السَّخاويّ …
١ … الكتاب الأوَّل (المُقَدِّمة) … م … ١
٣ … أبان - إبْراهيم … ض
٣ … أحمد بن … - أحمد بن جَابِر … ض
٤ … أحمد بن جَعْفَر - أحمد بنَ عْبد الوَارِث … م … ١ … ٣
٥ … أحمد بن عبد … - أحمد بن مُحمَّد بن … ض
٦ … أحمد بن مُحَمَّد بن متّويه - إسْحاق بن مُحَمَّد … م … ٣ … ٣
٧ … أسَد بن إبْرَاهِيم - أُمَيَّة بن عَبْد اللّه … م … ٣ … ٤
٨ … تتَمَّة حَرْف الألف وتَرَاجِم الباء والتَّاء والثَّاء … ض
٩ … تَرَاجِم الجيم وأوَّل الحاء … ض
١٠ … الحَجَّاج بن هِشَام - الحَسَن بن عليّ … م … ٤ … ٥
١١ … تتَمَّة الحَسَن بن عليّ - الحَسَن بن يعْقُوب … ض
١٣ … الحُسَيْن بن إبْراهيم - الحُسَيْن بن عَبْد اللّه … ض
١٣ … الحُسَيْن بن عَبْد اللّه - خالد بن بَرْمَك … م … ٥ … ٦
١٤ … خالد بن الحارث - دَعْلَج … م … ٦ … ٧
١٥ … رَاجِح بن إسْمَاعِيْل - زَنْكِي بن مَوْدُود … م … ٧ … ٨
стр. 105
رقم الجزء … المحتوى/ التَّراجم … (م) موجود/ ترقيم … رقم الجزء في هذه النشرة
.................................... (ض) ضائع السَّخاويّ …
١٦ … زَهْدَم بن الحارث - سَعيد بن سَلَّام
١٧ … بَقيَّة حَرْف السِّين، الشِّين، الصَّاد، الضَّاد، الطَّاء، الظَّاء … ض
١٨ … تَرَاجِمِ حَرْف العَين … ض
١٩ … تَرَاجِمِ حَرْف العَيْن … ض
٢٠ … تَرَاجِمِ حَرف العَين … ض
٢١ … تَرَاجِمِ حَرف الغَين، والفاء … ض
٢٢ … تَرَاجِمِ حَرْف القاف والكاف واللَّام … ض
٢٣ … تَرَاجِمِ حَرْف الميم … ض
٢٤ … تَرَاجِمِ حَرْف الميم … ض
٢٥ … تَرَاجِم حَرْف الميم … ض
٢٦ … مُشْرِق بن عَبْد اللّه - الوَلِيْد بن عَبْد العَزِيز … ض … ٩
٢٧ … تَتِمَّة مَن اسْمُه وَليد، حَرف الهاء، والياء … ض
٢٨ … الكُنى والألقاب … م … ١٠ … ١٠
٢٩ … تَرَاجِمِ المَجْهُولين الأسْماء والأنْساب والألْقَاب … ض
٣٠ … تَرَاجِمِ النِسَاء، وتَراجِم المَجْهُولات من النِّسَاء … ض
لقد أفْقَدنا ضَياعُ ثُلُثي كتاب ابن العَدِيْم تقريبًا، حَسَب الافْتِراض السَّابق لعَدَد الأجْزاء، فُرْصَةَ الاطِّلاع على تَرَاجِمِ أَعْلام لَم تَرِدْ إلَّا عندَه، أشارَ إلى تَرْجَمةِ بَعْضُهُم وأحَالَ عليها، فضَياعُ تَرْجَمةِ الشَّاعِرِ المَعْرُوفِ بدَوْقَلَة بن العَبْد، أَحَدُ مَن تُنْسَبُ إليهم القَصِيْدَة المَعْرُوفة باليَتِيْمة، والَّذي ذَكَرهُ في الأَسْمَاء: "أحْمَد بن الحُسَين المَنْبِجِيّ"، وأحَالَ على تَرْجَمتِه في حَرْف الدَّال لغَلَبَةِ شُهرته بدَوْقَلَة، فضاعَتْ بضَياعِ
стр. 106
تَرَاجِمِ بَقِيَّة حَرْف الدَّال، بما فَوَّتَ علينا فُرصَةَ مَعْرفَتِه، مع انْعِدَام ذِكْره تَرْجَمَتِه عند غيره. وكذا ضَيَاعُ تَرْجَمَةُ نَصْر بن شَبث العُقَيْليّ، الثَّائِرِ علىِ الدَّوْلَة العبَّاسِيَّة، والَّذي أشْغَلَ الخِلَافَةَ وأَهَمَّها مُدَّةً طَويلةً اسْتْمَرَّتْ ثلاث عَشرة سنة ونصف بالتَّمام (رَجَب سَنَة ١٩٦ هـ حتَّى وَقْت القَبْض عليه في شَهْر ذي القَعْدَة سنة ٢٠٩ هـ)، إلى تَرَاجِمَ آخرين الله أعْلَم بهم وبأهَمِّية ما كَتَبه عنهم.
أخيرًا: فإنَّ بَقاءَ ما نَجَزَ من الكتابِ حَبِيْسًا في يَدِ المُؤلِّفِ أو في خِزَانتِه، وعَدَمَ إطْلَاقِه للانْتِساخَ والتَّداولِ، فَوَّتْ علينا فُرْصَةَ تَوفُّر نُسَخٍ منه، ولا يُمكِنُ اعْتِبارُ كتابِ "زُبْدَة الحَلْب" صُورَة مُصَغَّرة لكتاب البُغْيَة، بالرَّغْم ممَّا قاله المُؤلِّفُ في مُقَدِّمةِ الأخير "أنَّه مُنْتَزعٌ من تاريخيِ الكَبِير للشَّهْباء"، لاخْتِلَافِ مَنْهجِ التَّألِيفِ بين الكتابيَن، أرادَ بكتابِه الزُبْدَة أنْ يَضعَ صُورةً عامَّةً عن أوْضَاعَ حَلَب وتاريخِها السِّياسيّ على مَدَى القُرونِ السَّبْعةِ الَّتي سَبَقته، بينما كانَ عَمَله في البُغْيَة مُنْصَرفًا للتَّعْريفِ بالرِّجال الَّذين اتَّصَلَتْ أيَّامهم وأعْمالُهم بحَلَب، فصَنَعَ تَرَاجِمِ مُرَكَّزة، تحْمِلُ في ثناياها مَعارِفَ وأخْبارًا مُتَنوِّعة، وأشْعارًا وأراجيزَ، ونَقَلَ لنا - من خِلَالِها - بَقايا كُتُبٍ ضَاعَتْ أُصُولُها، فالزُبْدَةُ مَسْحٌ أُفقيٌّ، والبُغْيَة عَوْضٌ وتَركيزٌ عموديُّ.
ذُيُول الكتاب:
نَظَرًا لأهمِّيةِ تاريخ ابن العَدِيْمِ فقد كانَ مَصْدَرًا للأَخْذ والنَّقلِ لدَى الكَثيرِ من المُؤرِّخِين اللَّاحِقين، وقَفَّاهُ بعْضُهم بمُذَيَّلاتٍ عليه، أوَ مُخْتَصَرَاتٍ، فانْتَقَى منه ابنُ حَبيب الحَلَبِيّ (ت ٧٧٩ هـ) كتابًا سمَّاهُ: "حَضْرة النَّدِيم من تاريخ ابن العَدِيْم" (١)، وتقدَّمَتِ الإشارةُ إلى هذا المُخْتَصرَ فيما مرّ.
_________
(١) ابن حبيب: درة الأسلاك، ورقة ١٥ ب، الطباخ: إعلام النبلاء ١: ٣٨، بروكلمان: تاريخ الأدب العربيّ، (القسم الثالث ٥ - ٦) ٤٤٢. وذكر بروكلمان أنه منتزع من زبدة الحلب، وليس كذلك.
стр. 107
وذيَّلَ عليه مُحمَّد بن عليّ بن عَشَائر الحَلَبيِّ (ت ٧٨٩ هـ) (١)، وأثْبَتَ سِبْطُ ابن العَجَميّ بعضَ نقُولِ ابن عَشائرَ من كتابِ بغيَة الطَّلَب، وبعضُها من النُّصُوصِ الضَّائِعةِ من الكتاب فألْحَقناها ضمن المُلْتَقط في آخر الكتاب، ولعلَّ هذا المُذَيَّلَ هو ذاتُ الكتابِ الَّذي ذَكَرهُ حَاجِي خَليفة بعُنْوان: "تاج النَّسرين في تاريخ قِنَّسْرين" لمحمَّد بن عليِّ بن عشَائر الحَلَبيِّ (٢)، وهو كتَابٌ مَفْقُود لَم يَصِلْنا.
ووضَعَ عليه ذَيْلًا القَاضِي علاء الدِّين عليّ بن مُحمَّد بن سَعْد الحَلَبيِّ الشَّافِعِيّ المَعْرُوف بابن خَطِيب النَّاصِريَّة (ت ٨٤٣ هـ)، رَتَّبَ فيه الأعْيانَ على الحُرُوف، وسمَّاهُ: الدُّرُّ المُنتَخَب فِي تاريخ حَلَب (٣)، وقيل هو ذَيْلٌ على زُبْدَة الحَلْب (٤)، وغَضَّ منهُ ابن تَغْري بَردىِ ووصَفَ مُذَيَّله بأنَّه: "قَصِيرٌ إلى الرُّكْبة! وقَفْتُ عليه فلم أجِده جالَ حَوْل الحِمَى، ولا سَلَكَ فيه مَسْلكَ المُذَيَّل عليه من الشُّروطِ، إلَّا أنَّه أخَذَ عِلْمَ التَّاريخ بقُوَّة الفِقْه، على أنَّه كانَ من الفُضَلاءَ العُلَمَاءِ ولكنَّهُ ليسَ من خَيْل هذا الميدان" (٥).
ثُمَّ ذَيِّلَهُ مُوَفَّقُ الدِّينِ أحْمَد بن إبْرَاهِيم بن مُحمَّد الحَلَبيِّ الشَّافِعِيّ، أبو ذَرّ سِبْط ابن العَجَميّ (ت ٨٨٤ هـ) وسمّاه: كُنُوزُ الذّهَب في تاريخ حَلَب، ضَمَّنهُ ذِكْرَ الأعْيانِ والحَوادثِ معًا.
وذَيَّلَ عليه مُحبُّ الدّينَ مُحمَّد بن الشِّحْنَة (ت ٨٩٠ هـ) في كتابٍ سمَّاه: الدُّرُّ المُنْتَخَب في تاريخ حَلَب، وهو مَطْبُوعٌ مُتَداولٌ.
_________
(١) السَّخَاوِيّ: الإعلان بالتوبيخ ٢٦٠.
(٢) كشف الظنون ١: ٢٧٠.
(٣) ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ٧: ٢٠٩، السخاوي: الإعلان بالتوبيخ ٢٦٠، كشف الظنون ١: ٢٤٩، كامل الغزي: نهر الذَّهب ١: ٨، محمد راغب الطباخ: الدر المنتخب، مجلة المجمع العلمي العربيّ، مج ١٦، ج ٢ - ٢، (١٩٤١ م) ١٨٤ - ١٨٧، وإعلام النبلاء تاريخ حلب الشهباء ١: ٤٠ - ٤١، بروكلمان: تاريخ الأدب العربيّ، (القسم الثالث ٥ - ٦) ٤٤١.
(٤) ابن الحنبلي: در الحبب ١: ١١ - ١٢.
(٥) ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ٧: ٢٠٩.
стр. 108
ثُمَّ صنَّفَ الشَّيخُ مُحمَّد بن إبْرام بن يُوسُف الحَلَبيِّ (ت ٩٧١ هـ) تاريخًا مَوْسُومًا بدُرِّ الحَبَب في تَاريخ أعْيَانِ حَلَب ضَمَّنهُ تَرَاجِمَ أعْيَان حَلَب في المائة التَّاسِعة (٦)، وأثْنَى في مُقَدِّمته على عَمَل ابن العَدِيم ونَوَّهُ بفَضْله (٧)، وهو كتابٌ مَطْبُوعٌ.
خَطُّ ابن العَدِيْم:
الدَّاعَي للكَلام على خَطِّ ابن العَدِيمِ هو ارْتبَاطُهُ بكتابِ بُغْيَةِ الطَّلَب، ووقُوع الشَّكّ في كَوْنِه من خَطِّهِ، إذ لا تَخْلو تَرْجمَةُ لابن العَدِيْم في المَصَادر من الإشَارةِ إلى جَوْدةِ خَطِّهِ وحُسْنهِ حتَّى غَدَا مَضْربًا للمَثَل، وكانتْ له قُدْرَةٌ على تقلِيدِ خَطِّ عليّ بنِ هِلَال بن البَوَّاب الكتابِ المَشْهُور بحيث لا يُفرَّقُ بينهما، بِل إنَّه فاقَه وفَاقَ أبْناءَ زمانِه في البَراعَةِ وحُسْنِ الخَطّ، وبَلغَ الغايَةَ القُصْوَى في جوْدَتِه وإتْقانه (٨)، وقيلَ إنَّه لَمْ يَكْتُبْ أحَدٌ بعد ابن البوَّاب كخَطِّه (٩)، "وكَتَبَ مُصْحَفًا بخَطِّه ومجمُوعًا من خَطّ ابن البوَّاب وأهْداهمُا إلى السُّلْطانِ المَلِك الأشْرَف مُوسَى ابن المَلِك العادِل أَبي بَكْر بن أيُّوب" (١٠)، وباعَ النَّاسُ من خَطِّ ابن العَدِيْم شَيئًا كَثيرًا على أنَّه خَطّ ابن البوَّاب (١١).
وأطالَ ياقُوت الكَلامَ على خَطِّهِ، قال: "وأمَّا خَطُّهُ في التَّجْويدِ والتَّحْرير والضَّبْطِ والتَّقْييد فسَوَادُ مُقْلَة لأبي عَبْد اللّه ابن مُقْلَة، وبَدْرٌ ذو كمال عند عليّ بن هِلَال" … "فهو أكْتَبُ من كُلِّ مَن تَقَدَّمَهُ بعد ابنِ البوَّاب بلا شَكّ" (١٢) … "وشاعَ
_________
(٦) كشف الظنون ١: ٣٤٩.
(٧) در الحبب ١: ٩ - ١٠.
(٨) مُعْجَمُ الأدباء ٥: ٢٠٨٢، ابن الشعار: قلائد الجمان ٤: ٣٣٣، الحسيني: صلة التكملة ١: ٤٦٩، اليونيني: ذيل مرآة الزمان ١: ٥١٠، ٣: ١٧٨، ابن كثير: البداية والنهاية ١٣: ٣٣٦، بدر الدين العيني: عقد الجمان (قسم المماليك) ١: ٣٤٠، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ٧: ٢٠٩، واللافت أن أغلب أسرة بني العديم وآبائه وأعمامه يشار إليهم بجودة الخط والبراعة فيه.
(٩) ابن الفوطي: جمع الألقاب ٤: ٢١١.
(١٠) ابن الشعار: قلائد الجمان ٤: ٣٣٤.
(١١) اليونيني: ذيل مرآة الزمان ٣: ١٧٨.
(١٢) مُعْجَمُ الأدباء ٥: ٢٠٨٣.
стр. 109
ذِكْرُه في البلَادِ، وعُرِفَ خَطُّهُ بين الحاضِر والبَادِ، فتَهادَاهُ المُلُوكُ، وجُعِلَ مع اللَّآلئ في السُّلُوكِ … فممَّا رَغِبَ في خَطِّهِ أنَّه اشْتَرى وِجْهَةً واحدةً بخَطِّ ابن البوَّاب بأرْبَعين دِرْهَمًا، ونَقَلَها إلى وَرقَةٍ عَتِيْقةٍ، فذَهَب بها وادّعى أَنَّها بخَطِّ ابن البوَّاب وباعَها بستِّينَ دِرْهمًا زِيَادةً على الَّذي بخَطِّ ابن البوَّاب بعشْرين دِرْهمًا، ونَسَخَ لي هذه الرُّقْعَةَ بخَطِّهِ، فدَفَع فيها كُتَّابُ الوَقْت - على أَنَّها بخَطِّه - دِيْنارًا مصْريًّا ولَم يَطِبْ قَلْبِي ببَيْعها، وكَتَبَ لي أيضًا جُزءًا فيه ثلاثَ عَشرِةَ قائمةً نَقَلَها من خَطِّ ابن البوَّاب، فأُعْطِيتُ فيها أرْبَعين دِرْهمًا ناصِريَّة قِيْمتُها أرْبَعةُ دنانِيْر ذَهَبًا فلم أفْعَلْ، وأنا أعْرِفُ أنَّ ابن البوَّاب لَم يكُن خَطّه في أيَّامِه بهذا النِّفَاق، ولا بلَغَ هذا المقْدَارَ من الثَّمَن".
ويُضِيفُ ياقُوتُ أنَّ خَطَّ ابن العَدِيْم كان مَطْلبًا للاسْتِهْداء، "فممَّن كَتَبَ إليهِ يَسْتَرفده شَيئًا من خَطِّهِ سَعْدُ الدّين مَنُوجَهر المَوصليّ، ولقد سَمِعتُهُ مِرَارًا يَزْعم أنَّهُ أكْتَب منِ ابن البوَّاب، ويَدَّعِي أنَّه لا يَقُوم أحدٌ في الكتابةِ ويُقِرُّ لهذا كَمال الدِّين بالكَمَال، فوجَّه إليهِ على لسَان القاضِي أبي عليّ القِيْلويّ، وهو المَشْهُورُ بصُحْبَةِ السُّلْطان الأشْرَف، يَسْأله سُؤالَهُ في شَيءٍ من خَطِّهِ ولو قَائمة أو وِجْهَة. وممَّن كَتَبَ إليهِ يَسْتَرفده خَطّه أمينُ الدِّين ياقُوت المعرُوف بالعالِم، وهو صْهرُ أمين الدِّين ياقُوت الكاتِب الَّذي يُضْربُ به المَثَلُ في جَوْدَةِ الخَطِّ وتخرَّجَ به أُلُوف، وتتلْمَذَ له مَن لا يُحْصَى" (١).
وأجادَ ابنُ العَدِيْم من الخطُوطِ الخَطَّ المَنْسُوب (٢)، وهو نَوْعٌ من خَطِّ المُحَقَّقِ، لا خَطًّا قائمًا بذَاتِه، ضُبِطَتْ فيه قِياسَاتُ الحُرُوفِ بالنُّقَاطِ المُرَبَّعةِ على نِسَبٍ هَنْدَسيَّةٍ مُعَيَّنة (٣)، فيَجيءُ كُلُّ حَرْف بمَقاييسَ مُتَناسِقَةٍ، وأَبْعادٍ مَضْبوطة بإحْكام تُفضِي إلى جَمالِ الشَّكل والتَّوازن والانْسِجَام بين الحُرُوف والكَلِمَات والسُّطُور.
_________
(١) مُعْجَمُ الأدباء ٥: ٢٠٨٦ - ٣٠٨٧.
(٢) الذهبي: تاريخ الإسلام ١٤: ٩٣٧، ابن شاكر فوات الوفيات ٣: ١٣٦، الصفدي: الوافي بالوفيات ٣٣: ٤٣٣، ابن حبيب: درة الأسلاك، ورقة ١٥ ب.
(٣) انظر عن تطور الكتابة المنسوبة: نصار منصور الخط المحقق ودوره في كتابة المصحف الشريف (ضمن كتاب بحوث ودراسات مهداة إلى محمد عدنان البخيت، الجامعة الأردنية، ٢٠١٣ م)، ٣٧٩ وما بعدها.
стр. 110
وأتْقَنَ ابنُ العَدِيْم أيضًا خَطّ النَّسْخ وخاصَّةً قلَم الحَواشِيّ، وقيلَ إنَّهُ هو الَّذي اخْتَرعه (١)، وقَلَم الحَواشِي هو "الخَفِيفُ من خَطِّ النَّسْخ" (٢)، وعرَّضَ فَتحُ الدِّين عَبْد اللّه بن مُحمَّد بن القَيْسَرانيّ بهذا في شِعْره بقَوله: [من الوافر]
بوَجْهِ مُعَذِّبي آيَاتُ حُسْنٍ … فقُلْ ما شئْتَ فيه ولا تُحَاشِي
ونُسخةُ حُسْنهِ قُرِئت وصَحَّت … وها خَطُّ الكَمَال على الحَواشِي (٣)
ولا زَالَ مِحْرَابُ المَدْرَسةِ الحلويَّةِ بحَلَب إلى اليَوم شَاهِدًا على بَرَاعةِ ابن العَدِيْم في الخَطِّ، من خِلَالِ ما كَتَبَهُ على أطْرَافِ المِحْرَاب (٤).
هذا مُجمَلُ ما أوْرَدَتْهُ المَصادرُ عن خَطِّ ابن العَدِيْم، وفيها من الثَّنَاءِ عليه الشَّيءُ الكَثِيرُ، حتَّى نَصَّبُوه إلى جانِبِ كبار الخطَّاطِيْنَ كابن مُقْلَة وابن البوَّاب، ووَردَ في مَصادِر ترجَمته كذلك أَنَّه كَتَبَ أجْزَاءَ كتابهِ بُغْيَة الطلَب بخَطِّهِ الرَّائِق، والنُّسْخَةُ الَّتي وَصَلتنا منِ الكتابِ بخَطِّهِ كما يشيرُ أغلبُ الدَّلائل - بالرَّغْم من خُلوّ كامِلِ أجْزائها من حَرْدِ مَتنٍ - خاصةً بلاغات السَّمَاع والقِراءة على هَوامِشها: "بَلَغَ وَلداي عَبْد الرَّحمن ومُحمَّد من أوَّله قرَاءة وسَماعًا .. " (٥)، غير أنَّ خَطَّ النُّسْخَةِ لا يُطابِقُ الأوْصَافَ المُسْبَغَةَ على خَطِّ مُؤلِّفها، فهي - كما يَظْهَرُ من النَّماذجِ الَّتي تأتي تِلو هذه الدِّراسة - مَكْتُوبة بخَطٍّ
_________
(١) ابن شاكر فوات الوفيات ٣: ١٣٦، الصفدي: الوافي بالوفيات ٣٣: ٤٣٣، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ٧: ٣٠٩.
(٢) النويري: نهاية الأرب ٩: ٣٣٣.
(٣) الذهبي: تاريخ الإسلام ١٤: ٩٣٧، ابن حبيب الحَلَبيِّ: درة الأسلاك، ورقة ١٥ ب، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ٧: ٣٠٩.
(٤) انظر نص ما كتبه على المحراب، وصورته، عند الطباخ: إعلام النبلاء ٤: ٤٦١ - ٤٦٣.
(٥) جاء على غلاف الجزء الخامس من كتاب بغية الطلب: "كتاب من تاريخ حلب لابن أبي جرادة، وهو الأستاذ البليغ الناظم الناثر الوزير الصاحب كمال الدين بن العديم كاتم السر رحمه اللّه تعالى وشكر صنيعه، وهو بخطه الصَّحيح المليح"، وذكر السخاوي في عصيله للنسخ التي كانت في ملك ابن السَّابق الحموي أنها بخط المؤلف. انظر: الإعلان بالتوبيخ ٢٢٨.
следующие страницы →