← Тараджим

Тараджим · id 1160

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان

كمال الدين ابن العديم

Полный текст (6 378 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

ما تقُول في أهْلِ صِفِّيْن؟ فقال: أقُول فيهم ما قال مَنْ هو خَيْرُ منِّي لِمَن هو شَرٌّ منهم، عِيسَى بنُ مَرْيَم ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١). أخْبَرَنا السَّلَّار بَهْرَامِ بن محْمُود بن بَخْتِيار الأتَابِكيّ، إجَازَةً غير مَرَّة، وقد سَمِعْتُ منه بظَاهِر مَدِينَة دِمشْقَ، قال: أخْبَرَنَا عَبْد الخَالِق بن أسَد بن ثَابِت، قال: أخْبَرَني أبو العَلاءَ أحمدُ بن مُحمَّد بن الفَضْل بأصْبَهَان، قال: أنْبأنا أبو شُجَاع بن شهرَدَار الدَّيْلمَيّ كتابةً، قال: سَمِعْتُ أبا ثَابِت الدَّيْلمِيّ، يقُول: سَمِعْتُ الإمَام خَالِي أبا حَاتِم أحمد بن الحَسَن، يَقُول: سَمِعْتُ أحمد بن عَبْد الله بن الخَضِر المقرِئ بباب الشَّام، يقول: سَمِعْتُ أبا عليّ الصَّوَّاف، يَقول: سَمِعْتُ عَبْد الله بن أحمد بن حَنْبَل، يقُول: كُنتُ جَمَعْتُ شيئًا من حَدِيث الصِّفِّيْن -صَوَابُهُ: صِفِّيْن- والجَمَل، فرأيتُ أبي ﵀ في المَنام عَاضًّا على إِصْبَعِهِ يُهَدِّدُني ويقول: جَمَعْتَ حديثَ الفِتْنَة، فانْتَهَيْتُ عَنْهُ. الفَصْلُ الخامسُ في ذِكْر نُبْذَةٍ مِن حَديْثِ وقعَة صِفِّيْن أنْبَأنَا أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيّ، شيخُنا ﵀، عن أبي بَكْر مُحمَّد بن عَبْد البَاقِي الأنْصاريّ، قال: أخْبَرَنَا أبو غَالِب مُحمَّد بن أحمد بن بِشْرَان إجَازَةً، قال: أخْبَرَنَا أبو الحُسَيْن المَرَاعِيشِيّ، وأبو العَلاءِ عليّ بن عَبْد الرَّحِيْم بن غَيْلَان الوَاسِطِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو عَبْد اللهِ إبْرَاهِيم بن مُحمَّد بن عَرَفَة نِفْطَوَيْه، قال: وكانت وَقْعَة صِفِّيْن أوَّل سنَة سَبعْ وثلاثين.

стр. 422

أنْبَأنَا ابن طَبَرْزَد، عن أبي القَاسِم بن السَّمَرْقندِيّ، قال: أخْبَرَنا عُمَر بن عُبَيْد الله، قال: أخْبَرنا أبو الحُسَيْن بن بِشْرَان، قال: أخْبَرَنا عُثْمان بن أحمد، قال: حَدَّثَنا حَنْبَل بن إسْحَاق، قال: حدَّثَنا أبو كُرَيْب، قال: حدَّثَنَا وَكِيع، عن عليّ بن صالح، عن أبيهِ، عن أبي بَكْر بن عَمْرو، قال: كان بين الجَمَل وبين صِفِّيْن شهرَان أو نحوه، وكانت صِفِّيْن في سَنَة سَبْعٍ وثلاثين. وأنْبَأنَا أبو الحَسَن بن أبي عَبْد الله بن أبي الحَسَن البَغْدادِيّ، عن أبي مُحمَّد عَبْد الله ابن أحمد بن الخشَّاب، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَيْن مُحمَّد بن مُحمَّد بن الحُسَيْن بن الفَرَّاء، قال: أخْبَرنا أبو طَاهِر أحمد بن الحَسَن بن أحمد بن الحَسَن البَاقِلَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الحَسَنُ بن أحمد بن إبْرَاهِيْم بن شَاذَان، قال: حَدَّثنا أبو الحَسَن أحمد بن إسْحَاق بن نِيْخَاب الطِّيبيِّ، قال: أخْبَرَنا أبو إسْحَاق إبْرَاهِيْم بن الحُسَيْن بن دِيزيْل الهَمَذَانِيّ، قال: حَدَّثَنا أبو نُعَيْم الفَضْل بن دُكَيْن، قال: حدَّثَنا شَرِيكُ بن عَبْد اللهِ النَّخَعيِّ، عن مُجَالِد، عن عَامِر، عن مَسْرُوق، عن عَبْد اللهِ، قال (١): قال رسُول الله ﷺ : إنَّ رحَى الإسْلام ستَزُول بعد خمسٍ وثلاثين سَنَةً، فإنْ يَصْطلحُوا فيما بينَهُم يأكلوا الدُّنْيا سَبْعِين عامًا رَغْدًا، وإنْ يقْتَتلُوا يركبُوا سَننَ مَنْ كان قبلَهُم. قال: وأخْبَرَنا إبْرَاهِيم -يعني ابنَ دِيزِيلْ- قال: حَدَّثَنَا أبو نُعَيْم، قال: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عن مَنْصُور، عن رِبْعيِّ بن حرَاش (a)، عن البَرَاء بن نَاجِيَة، قال: قال عَبْدُ اللهِ: قال لنا رسول الله ﷺ (٢): إنَّ رَحَى الإسْلام سَتَزُول بعد

стр. 423

خمسٍ وثلاثين سنة أو ستٍّ وثلاثين أو سَبعٍ وثلاثين، فإنْ يَهلكُوا فسَبِيْل مَنْ هَلَك، وإنْ يَقُم لهم دينهُم يَقُمْ سَبْعِين عامًا. قال عُثْمانُ: يا نبيّ الله، ممَّا مَضَى أو ممَّا بقي؟ قال: ممَّا بقي. وقال (١): حَدَّثَنَا إبراهِيم -يعني ابن دِيزيْل- قال: قالُوا: وسَار مُعاوِيَة حتَّى وَرَدَ صفِّيْن في النِّصْف من المحرَّم، فسَبَق إلى سهولةِ المَنْزل، وسَعَة المُنَاخ، وقُرْب الماءَ من الفُرَاتِ، وبَني قَصْرًا لبيت مَالهِ. وقال إبْرَاهِيمُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى -يعني ابنَ سُلَيمان- قال: حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ، عن أبي يوسف، عن المجالِد، عن عَامِر: أنَّ علِيًّا قَدِمَ صِفّيْن في المحرَّم سَنَة سَبعٍ وثلاثين، لسَبع أو ثمانٍ بقيَت من المحرَّم، فأقامُوا سَلخ المُحَرَّم، ثمّ اقتتَلُوا. وذَكَرَ أبو يُوسُفَ أيضًا عن أبي بَكْر الهُذَلِيّ أنَّهم التقَوا في المُحَرَّم. وقال إبْرَاهِيْم بن دِيْزِيْل: حَدَّثنا أبو اليَمَاَن الحَكَم بن نَافِع، قال: حدَّثَنا صَفْوَانُ ابن عَمْرو، قال: وكان أهلُ الشَّام ستِّين ألفًا، فقُتِلَ منهم عشرونَ ألفًا، وكان أهل العِرَاق مائةً وعشرين ألفًا، فقُتِلَ منهم أربعُونَ ألفًا. وقَرأتُ في كِتاب صِفِّين، تأليف أبي جَعْفَر مُحمَّد بن خَالِد الهاشِميّ، قالُوا بإسْنَادهم عن أبي مِخْنَف لُوط بن يَحْيىَ: قال: حَدَّثني الحاَرِثُ بن كَعْب الوَالِبيّ، عن عَبْد الرَّحْمن بن عُبَيْد أبي الكَنُود، قال: نَزَل مُعاوِيَةُ بن أبي سُفْيان صِفِّيْن في ثلاثةٍ وثمانين ألفًا. قال: وحَدَّثَني أبو مُسْهِرٍ، قال: سَمِعْتُ المَشَايخَ يقولُونَ ذلك أيضًا أنَّ مُعاوِيَةَ ابن أبي سُفْيان في ثلاثةٍ وثمانين ألفًا.

стр. 424

قال مُحمَّدُ بن خَالِدٍ: قُلتُ للوَليْد بن مُسْلم: إنَّ أبا مُسْهِرٍ حَدَّثَني أنَّ مُعاوِيَة نَزَلَ صِفِّيْن في ثلاثةٍ وثمانين ألفًا، فقال: صَدَقَ، لَمْ أزل أسْمعُ الجُنْدَ يقُولونَ ذلك. وقَراتُ بِخَطِّ بَنُوْسَةَ وَرَّاق بني مُقْلَة، عنِ أبي الحَسَن المَدَائِنِيّ، قال أبو الحَسَن، عن أبي نُعَيْم الفَضْل بن دُكَيْن، قال: حَدَّثَنَا جرِير بن حَازِم، عن يُونُس بن خَبَّاب، قال: شَهِدَ مع عليّ بن أبي طَالِب يوم صِفِّيْن ثمانون بَدْرِيًّا. وأنْبَأنا أبو العَلاءَ أحْمَد بن شَاكِر، قال: أخْبَرَنا أبو مُحمَّد بن أحمد النَّحْويّ، قال: أخْبَرَنا مُحمَّد بن مُحمَّد، قال: أخْبَرَنَا أبو طَاهِر البَاقِلَّانِيّ، قال: أخْبَرنا أبو عليّ بن شَاذَان، قال: أخْبَرنا أبو الحَسَن الطِّيبِيُّ، قال: حَدَّثَنَا أبو إسْحَاق الكِسَائيّ، قال: حَدَّثنا يَحْيَى -يعني ابن سُلَيمان- قال: حَدَّثَنَا مُحمَّد بن عُمَيْرة النَّخَعيِّ، قال: حَدَّثنَا أبو إِسْرَائيل العَبْسِيّ، عن الحكَم بن عُتيبَة، قال: شَهِدَ صِفِّيْنَ مع علىّ ﵁ ثمانونَ بَدْرِيًّا، وخَمْسون ومائة ممَّن بايَع تحتَ الشَّجَرة. وقال أبو إسْحَاق: حدَّثنا يَحْيَى، قال: حَدَّثَني سَيْفُ الضَّبِّيّ، قال: أقام عليٌّ ومُعاوِيَة بصِفِّيْن سَبْعَة أشْهُر -أو قال: تِسْعَة أشْهُر- وكانت بينَهم قبل القِتَال نحوًا من سَبْعِين زَحْفًا، وقُتل في ثلاثةِ أيَّامِ من شَهْرٍ- أيَّام البِيْض: ثلاث عَشْرة، وأربع عَشْرة، وخَمْس عَشْرة- ثلاثة وسبْعُون ألفًا من الفريقين. وقال أبو إسْحَاق: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قال: حَدَّثَنَا ابنُ زِيَادٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو عَبْد الله الثُّمَالِيّ، عن مَعْمَر، عن الزُّهْرِيّ، قال: الْتَقَى عليّ ومُعاوِيةُ بصِفِّيْن، فاقْتَتلوا زَمانًا، فلقد بلغَني أنَّه كان يُدفن في القبر خمسُونَ إنْسَانًا. قال مَعْمَر: فلقَد رأيْتُها مَدَّ البَصَر؛ يعني قُبُورَهُم.

стр. 425

وقال أبو إسْحَاق: حدَّثنا عُقْبَةُ بن مُكْرَم الكُوْفيّ، قال: حَدَّثَنَا يُونسُ، عن عَمْرو ابن شَمِرٍ، عن جَابِرٍ، عن مُحمَّد بن عليّ، ومُحمَّد بن المُطَّلِب، وزَيْد بن حَسَنٍ، قالُوا: شَهِدَ معِ عليّ بن أبي طَالِب في حَرْبه من أصْحَاب بَدْرٍ سَبْعُون رَجُلًا، وشَهِدَ مَعَهُ ممَّن بايع تَحْتَ الشَّجَرة سبعُمائة رَجُلٍ فيما لا يُحْصَى من أصْحَاب رسُول اللهِ ﷺ ، وشَهِدَ مَعَهُ من التَّابِعِينَ ثلاثةٌ بَلَغَنا أنَّ رسُولَ اللهِ ﷺ شَهِدَ لهم بالجَنَّةِ: أُوَيْسْ القَرَنِيّ، وزَيْدُ بن صُوْحَان، وجُنْدَب الخير، فأمَّا أوَيْسٌ القَرَنِيّ فقُتل في الرَّجَّالَةِ يِوم صِفِّيْن، وأمَّا زَيْدُ بن صُوْحَان فقُتِلَ يَوْم الجَمَل. أخْبَرنَا أبو حَفْصٍ عُمَر بن مُحمَّد بن طَبَرْزَد المُؤَدِّب إذْنًا، قال: أخْبَرنا أبو غَالِب أحمد بن الحَسَن بن البنَاءَ إجَازَةً، قال: أخبَرنَا أبو غَالِب بن بشْرَان إجَازَةً، قال: أخْبَرَنَا أبو الحسُيْن المَرَاعِيشِيّ، وأبو العَلاء الوَاسِطِيِّ، قال: أَخْبَرَنَا أبو عَبْد اللهِ إبْرَاهِيم بن مُحمَّد بن عَرَفَة نِفْطَوَيْه، قال: أخْبَرَني مُحمَّدُ بن عِيسىَ الأنْصارِيّ، عن عُبَيْد اللهِ بن مُحمَّد التَّيْمِيّ، عن إسْمَاعِيْل بن عَمْرو البَجَليّ، عن حِبَّان بن عليّ، عن سَعْد بن طَرِيف، عن الأَصْبغَ بن نُبَاتَة، عن عليّ بن أبي طَالِب، ﵀، أنَّه قال يوم صِفِّيْن: مَنْ يُبايعُني على المَوْتِ؟ فقام تِسْعَة وتِسْعُون رَجُلًا فبايَعُوه، فقال: أين التَّمامُ الّذي وُعدتُ؟ فقام إليه رَجُلٌ من أُخْرَيَاتِ النَّاس، مَحْلوقُ الرَّأس، عليهِ أطْمَار من صُوْف فبايَعَهُ، فإذا هو أُوَيْسُ القَرَنِيّ، فقَاتلُوا فَقُتلوا. أنبأنا أبو الحَسَن في المُقَيِّر، قال: أخْبَرَنَا مُحمَّد بن ناصِر إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا المُبارَك بن عَبْد الجبَار الصَّيْرَفِيّ، قال: أخْبَرنا أبو الحَسَن أحمد بن عَبْد اللهِ الأنْمَاطِيّ المَعْرُوفُ بابنِ اللَّاعِب (a)، قال: أخْبَرَنا أبو حَامِد أحمد بن الحُسَيْن المَرْوزِيّ الحاكمِ،

стр. 426

قال: حَدَّثَنا أبو العبَّاس أحمد بن الحاَرِث بن مُحمَّد بن عَبْدِ الكَريم المَرْوزِيّ، قال: حَدَّثَنا جَدِّي أبو جَعْفَر مُحمَّد بن عَبْد الكَريم، قال: حَدَّثَنا الهَيْثَم بن عَدِيّ، قال: أخْبرنا يُونُس بن أبي إسْحَاق، قال: حدَّثَني أبي، قال: قلتُ لأبي: أي أبة، أشَهِدْتَ صفِّيْن؟ قال: نعم، لقد رأيتُ عجبًا، لقد شَهِدْتُهم يومًا، وشَجَرُونا بالرِّمَاح، وشَجَرْناهُم بها، حتَّى لو شاء رَجُلُ أنْ يمشي عليها لمَشَى، أسْمعُ من ها هُنا: لا إله إلَّا اللهُ والله أكبرُ، ومن هَا هُنا: لا إله إلَّا اللهُ والله أكبر، ثمّ رأيتُهم يومًا آخر، ودَلَفُوا إلينا ودَلفنا إليهم، فإذا رَجُل قد نَدَرَ بين الصَّفَّين على رأسِ أحْوَى ذَنُوبٍ، حتّى إذا كانَ بينَ الصَّفَّيْن، لا يُدْرَى أهو إلينا أقْرَبُ أَم إلى أهْل الشَّام، اسْتَدبرَ أهْل الشَّام، واسْتَقْبلَنا، فإذا هو الأشْتَر، فقال: أيُّها المُسلِمُون؛ آقَدْكُم من ربّكُم، لقد أسَأْتُم الضِّرَاب أَمْس، عَضَّ مَنْ ها هُنا بهَنِ أُمَّهُ، اسْتَقْبلُوا القَوْمَ بالهَام، وخُذُوا قَوَابعَ سُيُوفكم بأَيْمانكم، وعضُّوا على النَّوَاجِذ، واطْعُنُوا في الشَّرَاسِيْف اليُسْرَى؛ فإنَّها مَقَاتِل، ثمّ الْتقَى القَوْمُ، فقَتَلُوا منّا صُفُوفًا خَمْسَةً، وقتلْنا منهم مثلها، فأفْضَيْنا إلى الصَّفِّ السَّادِس أو السَّابِع وقد عقَلُوا أنْفُسَهُم بالعَمَائم، فوالّذي لا إلَهَ غيرهُ ما كان عندَهُم ولا عندنا (a) إلَّا العنَاق والكَدْم، فقُلتُ: أي أبةَ، لقد صَبَرتُم، قال: أي بُنَيَّ، إنَّها والله كانَتِ العَرَبَ ليسَ فيها شَائِبَةُ (b).

стр. 427

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه ثقتي أخْبَرَنا أبو مُحمَّد أحمد بن الأزْهَر بن عَبْد الوهَّاب السَّبَّاكُ في كتابهِ إلينا من بَغْدَاد، أنَّ القاضِي أبا بَكْر مُحمَّد بن عَبْد البَاقِي أخْبرَهُم كتابةً، عن أبي غَالِب مُحمَّد بن أحمد بن بِشْرَان، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَيْن المَرَاعِيشِيّ، وأبو العَلاء عليّ بن عَبْد الرَّحِيْم بن غَيْلَان الوَاسِطِيّ، قالا: أخْبَرنا أبو عَبْد الله إبْرَاهِيم بن مُحمَّد بن عَرَفَة، قال: أخْبَرَني مُحمَّد بن عِيسَى الأنْصاريّ، عن ابن عائِشَة، قال: لَمَّا ورد أصْحَابُ مُعاوِيَةَ صِفِّيْن، بَادَأهُم أصْحَابُ عليّ بالقِتَالِ، فقَتلُوا منهم جَمَاعَةً، فكتَبَ مُعاوِيَةُ إلى عليٍّ ﵀ (١): [البسيط] أُزْجُرْ حِمَارَك لا يَرْتَعْ برَوْضَتنا … إذًا يُرَدَّ وقَيْدُ العيْر مَكْروبُ إنْ تقْبلُوا الحَقَّ نُعْطِ الحَقِّ سَائلَهُ … والدِّرْعُ مُحْقَبَةٌ والسَّيْفُ مَقْروبُ فكتَبَ إليهِ عليٌّ: عافانا اللهُ وإيَّاك، فكان أوَّلَ مَنْ كَتَبَ بها. فلمَّا ورَد عليُّ صفِّيْن، قيل لَهُ: يا أَمِير المُؤمِنِينَ، جاءتكَ كتائبُ الشَّام، كأنَّها مَوْجُ البَحْر، وقطَعُ السَّحَاب، وظُلْمةُ اللَّيْل، يَسُوقُهَا مُعاوِيَة، ويحدُوهَا أبو الأعْوَر، ويقدُمُها عَمْرو بن العَاصِ وهو يَقُول (٢): [من الرجز] لا تَحْسَبَنّي يا عَليُّ غَافِلَا … لأصْبِحَنَّ (a) الكُوفَةَ القَنَابلَا والخيلَ والخَطيَّة الذَّوابلَا … من عَامِنَا العَامَ (b) وعَامًا قابلَا

стр. 428

فقال عَليٌّ ما يَقُول ابنُ النَّابِغَهَ (١): [من الرجز] لأصْبِحَنَّ (a) العَاصِيَ بنَ العَاصِي … سَبْعِينَ ألْفًا عَاقدِي النَّواصِي مُسْتَحْقبين (b) حَلَقَ الدِّلَاص … مُجْتَنبين الخَيْلَ بالقِلَاصِ (c) أَشْبَالَ (d) غيْل حينَ لا مَنَاصِ فبادرَ أبو الأعْوَر السُّلَميَّ إلى ماءَ الفُرَاتِ، فصَفَّ خَيْلَهُ عليهِ، ومَنَعَهُ أصْحَاب عليّ، فشَاور مُعاوِيَةُ أصْحَابَهُ، فقال لهُ عَمْرو بن العَاصِ: خَلّ لهم عن الماءِ؛ فإنَّ ابن أبي طَالِب لا يَعْطَشُ وبيَده أَعِنَّهُ الخيل، فبعَثَ عليُّ إلى مُعاوِيَة: إنَّا وإيَّاك جئْنا لأمْر فَخَلِّ لنا عن الماءَ وإلَّا تَجالَدنا عليه، فبَعَثَ مُعاوِيَةُ إلى أبي الأعْوَر: خَلّ لهم عن الماءَ، فبَعَثَ إليهِ: والله لا شَربُوا منه شَرْبَةً وفِيَّ شيء من الرُّوْح، وقال لهُ ابنُ أبي سَرْحٍ: اقْتلُهُم عَطَشًا، قَتَلَهُم اللهُ كما قَتَلُوا أَمِيرَ المُؤمِنِين عُثْمان عَطَشًا، فقال مُعاوِيَةُ: إنَّ عُمَرًا أعْلَمُ منكما، وأَبَى أبو الأعْوَر أنْ يُخَلِي لهم عن الماءَ، فحَمَل الأشْعَثُ بن قيسٍ في اثْنَي عَشَر ألفًا، فكشفَهُم عن الماءَ، فقالَ عليٌّ: هذا يَوم نَصَرَتْنَا فيه الحِمَّيهُ، فقال رَجُلُ ممَّن كان في عَسْكر عليّ: [من الطويل] ألَا تتَقُون الله إذْ تمنَعُوننا الـ … ـــفُراتَ وتَرْوِيَ بالفُرَاتِ الثَّعَالبُ وَقَدْ وَعَدُوْنا الأحمَرَيْن فلم نَجِدْ … لَهُم أحْمَرًا إلَّا قِرَاعِ الكَتَائِبُ وخَرَجَ عليّ يَسْتَعْرضُ عَسْكَر مُعاوِيَة على بَغْلٍ لَهُ قَصِيْرٍ، وفَرسُه تحت غُلَامٍ لهُ ورَاءَهُ، فهَمُّوا به، فقال عليّ لغُلَامِهِ: انْزل عن الأدْهَم لا أَبا لَكَ! ثمّ بعَثَ إلى هاشِم بن عُتْبَةَ، وهو المِرْقَالُ، وكان صَاحِبَ لواءِ عليٍّ يومَ صِفِّيْن، أن احْمِل

стр. 429

بلوائك، فحمَلَ به، وسَطَعَ الغُبَارُ حتَّى حَالَ بينهم وبينَ السَّماء، وثَبَتَ العسكَران، فقال هاشِمُ بن عُتْبَة: واللهِ إنَّ لهؤلاءَ القَوْم لشَأنًا! واللهِ ما حَملتُ بلوائي هذا على عَسْكر قَطُّ إلَّا زَعْزَعْتُهُ، وتجالَد العسكَران بالسُّيُوفِ، وحَمَل المِرْقَالُ وهو يَقُول: [من الرجز] أَعْوَر يَبْغي أَهْلَهُ مَحَلَّا … قَدْ عالجَ الحيَاةَ حتَّى ملَّاه لا بُدَّ أنْ يقتَلَ أو يُفَلَّا وأخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن مَحْمُود بن أحمد إجَازَةً، قال: أنْبَأنَا أبو مُحمَّد عَبْدُ اللهِ ابن أحمد، قال: أخْبَرنا أبو الحُسَيْن بن الفَرَّاءَ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر البَاقِلَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ بن شَاذَان، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن بن نِيْخَاب، قال: حَدَّثَنا إبْرَاهِيْم بن الحُسَيْن، قال: حَدَّثَنا يَحْيَى بنُ سُلَيمان، حَدَّثَني نَصْرُ بن مُزَاحِم (١)، قال: حَدَّثني عَمْرُو بن شَمِر، عن جَابِر الجعفِيّ، عن أبي جَعْفَر مُحمَّد بي عليّ، وزَيْد ابن الحَسَن بن عَليّ، ورِجُل منهم آخر قد سَمَّاهُ (a)، قالوا: اسْتَعْملِ عليّ على مُقَدِّمَته الأشْتَر النَّخَعِيِّ، ثمّ سَار في خَمْسين ومائة ألف، وسَار إليه مُعاوِية في نحوٍ من ذلك من أهْل الشَّام، واسْتعمل على مُقَدِّمتَهُ أبا الأعْوَر السُّلَمِيّ؛ سُفْيان بن عَمْرو، حتَّى تَوافَقا بقُنَّاصِرين (b) إلى جانب صفِّيْن، فأتَي الأشْتَرُ -وأبو الأعْوَر قد سَبَقَهُ إلى المُعَسْكر- وكان الأشْتَر في أربعةِ آلافٍ من مُسْتَنْصري (c) أهل العِرَاق، فأزالُوا أبا الأعْوَر عن مُعَسْكره، وأقْبل مُعاوِيَةُ في جَمعْ الفَيْلَقِ (d)، فلمَّا رأى ذلك الأشْتَر

стр. 430

انْحَاز إلى عليّ، وغلَب مُعاوِيَةُ، وأقْبل مُعاوِيَةُ على الماءَ وحَال بين أهل العِرَاق وبينَهُ (a) وأقْبل عليُّ حتَّى إذا أرادَ المُعَسْكر حالُوا بينَهُ وبينَ المَاءَ. وقال إبْرَاهِيْم بن الحُسَيْن: حَدَّثَنَا يَحْييَ، قال: حَدَّثَنَا نَصْرُ بن مُزَاحِمِ (١)، قال: حَدَّثَنا عُمَر -يعني ابن سَعْد الأسَدِيّ -في إسْنَادِهِ الأوَّل- يعني عن رجُلٍ من الأنْصَار، عن الحَارِث بن حَصِيْرَة، عن أبي الكَنُود، وعن غيره -أنَّ علِيًّا أقبلَ يَوْمئذٍ يطلبُ مَوضِعًا لمُعَسْكره (b)، وأَمِنَ (c) النَّاسُ فَوضَعُوا أثْقالهم، وهم مائةُ ألفٍ أو يزيدُون، فلمَّا نزلُوا أسرَعَ فَوارسُ من فُرْسَان عليّ على خَيْلهم إلى أصْحَاب مُعاوِيَة، وكانوا في ثلاثين ومائة ألفٍ فناوَشُوْهُم القِتَال فاقتتَلوا هَوِيًّا. قال إبْرَاهيِمْ بن الحُسَيْن: حَدَّثَنَا يَحْيي؛ قال: حَدَّثَنَا إبرَاهِيمُ، عن أبي يُوسُف، عن أبي بَكْر الهُذَلِيّ، أنَّ مُعاوِيَة، لمَا قَدِمَ عليهِ عليّ وأصْحَابُه بصِفِّيْن، اقْتَتلُوا على الإِبِل يُجَنبُون الخَيْل، فقال مُعاوِيَةُ لعَمْرو: وَيْحَك يا عَمْرُو؛ لقد وفَى عليّ بن أبي طَالِب بقولهِ: [من الرجز] مُجنَّبين الخَيْل بالقِلاص وقال إبْرَاهِيمُ بن الحسُيْن، قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قال: حَدَّثَنَا نَصْر (d)، قال: حَدَّثَنَا عَمْرو بن شَمِر، عن جَابِر الجعفِيّ، عن أبي الطُّفَيْل، قال: لمَّا انْسَلخ المحرَّم من سَنَة سَبع وثلاثين، واسْتَهل (e) صفَرُ، بَعَثَ عليٌّ ﵇ نَفَرًا من أصْحَابهِ، حتَّى إذا كانوا من عَسْكر مُعاوِيَةَ حيثُ يْسمعونهم الصَّوتَ قام [مَرْثَدُ] بن

стр. 431

الحاَرِث الجشُمِيّ، فنادَى: يا أهْل الشَّام، إنَّ أَمِير المُؤمِنِين عَلِيًّا وأصْحَابَ رسُول اللهِ ﷺ يقولونَ لكُم: إنَّا واللهِ ما كَفَفْنا عنكُم شَكًّا في أمْركم، ولا بُقْيَا عليكم، وإنَّما كَفَفْنا لدخُول (a) المُحَرَّم، وقد انْسَلَخ، وقد نَبَذْنا إليم على سواءِ، إنَّ الله لا يحبُّ الخائنين (١)، فتحاجزَ النَّاس وثَاروا إلى أُمَرائهم. وقال: حَدَّثَنا يَحْيَى، قال: حَدَّثَنَا نَصْرُ (٢)، قال: حَدَّثَنَا عَمْرو بن شَمرِ، عن أبي الزُّبَيْر، قال: كانت وَقْعَةُ صِفِّيْن في صَفَر. وقال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بن سُلَيمان الجُعْفِيِّ، قال: حَدَّثَني ابنُ وَهْب، قال: أخْبرَني يُونُسُ، عن ابن شِهَاب، قال: لَمَّا خَرَجَ عليّ بِمَنْ معَهُ يَؤُم مُعاوِيَة وأهْلَ الشَّام، وخَرَجَ إليهِ مُعاوِيَة بأهْلِ الشَّام حتَّى الْتَقَوا بصِفِّيْن، فاقْتتلُوا قتالًا شَديدًا لم تَقْتَتل الأُمَّة مثله قَط. أخْبَرَنا أبو حَفْص عُمَر بن مُحمَّد المُؤَدِّبُ إذْنًا، عن أبي غَالِب أحمد بن الحَسَن ابن البَنَّاءَ، عن أبي غَالِب مُحمَّد بن أحمد، قال: أخْبَرنَا أبو ألحُسَيْن المَرَاعِيشِيُّ، وأبو العَلاءَ الوَاسِطِيُّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد اللهِ نِفْطَوَيْه، قال: وقال عَوَانَةُ بن الحَكَم: كانَتْ وَقْعاتُ صِحفِّيْن أرْبَعينَ وَقعَةً، كُلّها لأهْلِ العِرَاق على أهل الشَّام، فلمَّا خَافَ عَمْرو على أهلِ الشَّام، أشَار على مُعاوِيَة برفْعِ المَصَاحِفِ، فَفَتر أهلُ العِرَاق، ودَعوا إلى حُكم المَصَاحِفِ، وحُكِّم الحَكَمَان.

стр. 432

أخْبَرنا أبو القَاسِم عَبْد الله بن الحُسَيْن الأنْصاريّ، قال: أخْبَرَنَا أبو طَاهِر أحمدُ بن مُحمَّد الحَافِظ، إجَازَة إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَيْن المُبارَك ابن عَبْد الجبَار الصَّيْرَفِيّ، قال: حَدَّثَنا أبو عَبْد اللهِ الصُّوْرِيّ، قال: أخْبَرنا أبو الحُسَيْن الغَسَّانِيّ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن مُحمَّد بن بَكْر الهِزَّانِيّ، قال: حَدَّثَنا العبَّاسُ ابن الفَرَج (a) الرِّيَاشِيُّ، عن الأصْمَعيِّ، عن شَيْخٍ من أهل الكُوفَة، قال: قال زُبيدُ اليَاميِّ -وهو حَيّ من هَمْدَان-: خَرَجَ من هَمْدَانَ إلي صِفِّيْنَ اثْنا عَشر ألف رَجُل فما رَجَعَ منهم إلَّا خَمْسَةُ أو ستَّة. أنْبَأنا أبو العَلاءَ بن سُلَيمان المَرَّيّ أنَّ أبا مُحمَّد عَبْد اللهِ بن أحمد بن أحْمَد ابن الخشًّاب أخْبرَهُم إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَيْن بن مُحمَّد، قال: أخْبَرَنا أحمدُ ابنُ الحسَن، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ بن أحمد، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن إسْحَاق، قال: أخْبَرنَا أبو إسْحَاق الهَمَذَانِيُّ، قال: حَدَّثَنا يَحْيَى بنُ سُلَيمان، قال: حَدَّثَني نَصْرُ بن مُزَاحِم (١)، عن عُمَر بن سَعْد بإسْنَادِه، قال: افْتَرَقُوا علي سَبْعِين ألفَ قَتِيْل، فلمَّا صَدَر عليّ والنَّاس من صِفِّيْن أنْشَأ عليُّ يقُولُ (٢): [الطويل] وكَم قد تَرَكْنَا في دِمَشْقَ وأَرْضِها … من أشْمَطَ مَوْتُورٍ وشَمْطَاءَ ثاكِلِ وَغَانيَةِ صَادَ الرِّمَاحُ حَلِيْلَها … فأَضْحَتْ تُعَدُّ اليَومَ إحْدى الأرَامِلِ تُبَكِّي عَلى بَعْل لها راحَ غَازِيًا (b) … فليس (c) إلى يوم الحِسابِ بقافِل وإنَّا أُناسٌ ما تُصِيبُ رِماحُنا … إذا ما طَعَنَّا القَوْمَ غيرَ المَقَاتِل

стр. 433

بابٌ في ذِكْرِ حُصُون لم يقَع لها ذِكْر الفُتُوح، ولا وَرد في كتُب المَمَالِك والبُلْدان عنها خَبرُ مَشْرُوح وهي في زَماننا مَعْدُودة من البِلَادِ، مَوْصُوفَةٌ بالحَصَانَةِ مَشْحونَة بالأجْنادِ، وهي من أعْمَال حَلَب وبِقَاعها، وحُصُوْنها المُتَعَلِّقة بها وقلاعها، فمن ذلك: تلُّ بَاشِر (١) وهي بَلْدَة مَشْهُورة، ولها قلعَة مَعْمُورَة، وبساتِيْنُها كَثِيْرة، ومياهُها غَزيرة، وأجَّاصُهَا مَوْصُوف مَذْكُور، وشِرْبُ بلَدِهَا جَمِيْعه من نَهْرِ السَّاجُور، وهو نَهْر أصْله من عَيْن تَاب؛ تَجْتمع إليه عُيُون ببلد عَيْن تَاب، ويَجْري إلى قَرْيَةٍ تُعْرف بالنَّفَّاخ، وتَجْتمع إليه عُيُون أُخَر من بَلَد تلّ باشِر، ثمّ يَنْهي إلي الفُرَات ويَصُبّ فيه. وللسَّاجُور ذِكْر في الفُتُوح، ونَزَلهُ أبو عُبَيْدَة ﵁ عند فَتْح مَنْبج، وإيَّاه عَنَى البُحْتُرِيّ بقوله (٢): [الخفيف]

стр. 434

يا خَلِيْلي (a) بالسَّوَاجِيْر من عَمْـ … ـــرو بن وُدٍّ (b) وبُحْتُر بن عَتُودِ أُطْلُبَا ثالثًا سِوايَ فإنِّي … راجُ العِيْسِ والفَلَا (c) والبِيْدِ جَمَعَهُ على السَّوَاجِيْر لأنَّهُ جَعَل كُلّ نَهْر يَجْتَمع إلى السَّاجُور مُسَمَّى بالسَّاجُور. وتلّ باشِر كانت قلعَة للجُوسْلِين الأَرْمَنِيّ، فَعَمَرَها وحَصَّنَهَا، وكان أهْلها أَرْمَن، وخرَجَ يومًا مُتَنزِهًا ومُتصيِّدًا في خِفٍّ (١) من أصْحَابه، فصَادفَهُ التُّرْكُمان، فأحاطوا به وبمَنْ معَهُ، وحَمَلُوه إلى نُور الدِّين، فأعْطاهم عَشَرة ألاف دِيْنارٍ، وسيَّر الأَمِير حَسَّان المَنْبِجِيّ فتسَلَّمها، وذلك في سَنة ستٍّ وأربعين وخَمْسِمائَة، وصارت بعد ذلك للأمير بَدْر الِدِّين دَلْدرم بن يَارُوْق، فحَصَّنها، وبَنَاها، وعَمَّر فيها أبْنيةً حَسَنَةً، ومَنازِل مُزَخْرفةً، وسَكنها المُسلِمُونَ، واتَّسع رَبَضُها، وصار بها قاضٍ ومِنْبَر وخَطِيب. في ذِكْر عَيْن تَاب (٢) وهي قلعَة حَصِيْنَة كانت لجُوسْلِين المذْكُور، فلمَّا جَرى عليه ما جَرَى، وصار في أَسْرِ نُور الدِّين مَحْمُود ﵀، سارَ نُور الدِّين إلى بِلَادِه وقِلاعهِ ففَتَحَها، ومن جُمْلتها عيْن تَاب، ورَتَّب فيها الرِّجال والعُدَد والذَّخَائِر، وصارت إلى [ناصر الدِّين مُحمَّد بن حُسام الدِّين أبي بَكْر] (d) فَعَمَرَها وحَصَّنَها وصَارت إلى ولده من بعده.

стр. 435

فلمَّا مات، تَسَلَّمها أتَابِك طُغْرِل الظَّاهِريّ للمَلِك العَزِيز مُحمَّد بن المَلِك الظَّاهِر، ثمّ أنَّه سَلَّمها إلى المَلِك الصَّالحِ أحمد ابن المَلِك الظَّاهِر، فسَكنها، وبَني بالقَلْعَة آدُرًا حَسَنَة، وتَنَوَّع في زَخْرفتها بالرُّخَام والذَّهَب، وبَني أصْحابُه في الرَّبَض منازل سَكَنُوها، وفي فيها جَوْسَقًا تَنَوَّقَ في بنائِهِ ومَنْجُورِهِ (١) وزَخْرفته بالرُّخَام والذَّهَب، وعَمله في بُسْتان كبير نَصب فيه صنُوفًا كَثِيْرة من الفَوَاكه، وصارت الأخْشَاب تُحمل من بلادِ الأرْمَن ومَرْعَش إليها، وتُباع بها، وتُنْقَل منها إلى البِلادِ، وصار بها قاض ومِنْبَر وخَطِيب. في ذِكر الرَّاوَنْدَان (٢) وهي قَلْعَة صَغِيرَة، على رأسِ جَبَلٍ عَالٍ مُنفرد في مكانه، لا يحُكم عليها مِنْجَنِيْق، ولا يَصل إليها نَبْل، ولها ربَض صَغِير فىِ لِحْف جَبَلها. وهي من أقْوَى القِلَاع، وأحْسِن البِقَاع، ويَحفّ بالقَلْعَة وادٍ من جِهَة الغَرْب والشَّمَال؛ هو كالخندَق، وفيه نَهْر جار. وصعَدْتُ إلى هذه القَلْعَة رَاكِبًا، فوَجدْتُ مَشَقَّة عَظِيمَة، لعلُوِّها وضيق المسلَك إليها. أنبأنَا أبو عَبْد الله مُحمَّد بن أحمد القُرْطُبيِّ، عن مُؤيَّد الدَّوْلَة أُسامَة بن مُرْشِد ابن عليّ بن مُنْقِذ، قال: تلّ هَرَاق (٣) والرَّاوَنْدَان هذان المَركْزان من أعْمَال حَلَب،

стр. 436

وكان فيهما ولاةُ المَلِك رِضْوَان بن تاج الدَّوْلَة، فكان يلي تلّ هَرَاق عزَّك (a) بن الوَزِير أبي النَّجْم، وكان المَلِك رِضْوَان يُنَادمُه ويَضْحك من حكاياتهِ، فَشَربَ عندَه ليلةً، فعَرْبد عليه المَلِك رِضْوَان وضَرَبَهُ، فخرجَ من المجلسِ، وسَار من حَلَب، ووصَل إلى شَيْزَر، وعليه آثار العَرْبَدَة وعَيْناه مُحضرَّتان، فَحَكَى يَوْمًا، قال: بَلَغني أنَّ بالرَّاوَنْدَان أُسَارَى إفْرَنْج، وقد وثَبُوا في حِصْنها ومَلكوه، فسِرْتُ من تلّ هَرَاق إلى الرَّاوَنْدَان؛ نزلتُ عليهِ، وراسَلتُ الإفْرَنْج الّذين مَلكُوه، وتلطَّفْتُ في أمْرهم، إلى أنْ اسْتَقرَّ أني أحْلِف لهم أنَّهُم آمنُونَ وأني أُسَيِّرهم إلى أَنْطاكِيَة ويُسَلِّمُوا لِيَ الحِصْنَ، فَخَلفتُ لهم، وخَرَجُوا، وأطْلقَتْهُم، وتَسَلَّمْتُ الحِصْنَ، وِاعْتَقَدْتُ أنَّني قد خَدَمْتُ المَلِك رِضْوَان خدمةً يراها لي لاسْتخلَاصِي الحِصْن مَعِ قُرْبه منَ الفِرِنْج، فلهَّا وَصَلتُ حَلَب، بلغَني أنَّ المَلِك رِضْوَان قال -لَمَّا بلغَهُ الخَبَر-: قد ضَيَّعَ عليَّ عزَّك ألفَ دِيْنارٍ ثمن الأسَارِى، فجَلَسْتُ من الغد في الدَّرْكاةِ والأُمراء فيها مُجْتَمعُون، وقُلتُ: سَمِعْتُ أنَّ مَوْلانا قال: ضيَّع عَليَّ عزَّك من ثَمن الأسارى ألف دِيْنار [ ..... ] (١).

стр. 437

ذِكرُ المَرْزَبَان (١) واسْمها الصَّحيح البَرْسَمان فغُيّر، وغلَب هذا الاسْم عليها، ولها قَلْعَةٌ قد تَشَّعثَت وتَهَدَّمت، وهي قَرْيَة كبيرة، وأهلُها أَرْمَنُ أهْل ذِمَّة. وكانت في يد قِلِيْج أَرَسْلَان (a) بن مَسْعُود بن قِلِيْج أَرَسْلَان السَّلْجُوقِيّ، فاسْتَولى عليها نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي وأخَذَها من يَده، والسَّبب في ذلك أنَّ المَلِك المُسَمَّى ذُو النُّون بن الدَّانشمَند كانت مَلَطْيَة وسِيْوَاس وغيرهما في يَده، فضَايقَه قِلِيْج أَرَسْلَان، وقَوي عليه، فأخَذ بلادَهُ من يده، فقَصَد نُور الدِّين مَحْمُود ابن زَنْكِي، وتعلَّق بهِ، فأكْرَمهُ، وأحْسن إليه، وشَفَعَ فيه إلى قِلِيْج أَرَسْلَان، فلم يَشَفِّعْه، فدخَل إلى بلَادهِ، واسْتَولى على البِلادِ الشَّاميَّة منها؛ مثل: المَرْزَبَان، وكَيْسُوم، ومَرْعَش، وبَهَسْنى، وعَجز قِلِيْج أَرَسْلَان عن مُقاوَمته (٢). وتحرَّك الفِرِنْج بنواحي حِمْص، فعاد نُور الدِّين بسَبَبهم.

стр. 438

ذِكْرُ بَهَسْنى (١) وهي قَلْعَةٌ عَظِيمَة حَصِيْنَة مَانعَةٌ، ولها رَبَضٌ كبير يَسْكُنه جَمَاعَة من المُسْلِمِيْن والأرْمَن، وبلدُهَا بَلَد حَسَنٌ كَثِيْر الخَيْراتِ، وبها قاضٍ ومِنْبَر وخَطِيب، وحَولها أَنْهار وبَساتِيْن كَثِيْرةٌ. وهي على تَخْم بلادِ الرُّوم الإسْلاميَّة، وهي من جُمْلَة ما انْتَزعَهُ نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي من البِلادِ الشَّاميَّةِ من يَدِ قِلِيْج أَرَسْلَان للسَّبَب الّذي ذكَرناهُ، وكان ذلك في سَنة ثَمانٍ وخمْسين وخسِمائَة. ولَمَّا تُوُفِّي المَلِك الظَّاهِر غَازِي، ﵀، خَرَجَ مَلِك الرُّوم كَيْكَاوُس ابن كَيْخُسْرُو بن قِلِيْج أَرَسْلَان، فقَصَدَ بلاد المَلِك العَزِيز مُحمَّد بن المَلِك الظَّاهِر، فافْتَتَح مَنْبِجِ ورَعْبَان والمَرْزَبَان، وكان قد نَزَل إليه الطّنْبُغَا الظَّاهِريّ، وكان ببَهَسْنى، فعَصَى على المَلِك العَزِيز، وانضَوى إلى كَيْكَاوُس وصارَ في عَسْكره، وفتح تلّ باشِر من يد وَلدِ دَلْدرم، فاسْتَدعى أتَابِك طُغْرِل المَلِك الأشْرَف مُوسَى بن المَلِك العادِل في سَنَة خَمْس عَشرة وسِتّمائة، فوَصل إلى حَلَب ودفعَ كَيْكَاوُس عنها على ما نَذْكرُه فيما يأتي من تَرْجَمتهما (٢) إنْ شَاءَ اللهُ. وعادَ الطّنْبُغَا مع كَيْكَاوُس فطَلَب منهُ تَسْليم بَهَسْنى، فامْتَنعَ من ذلك، فأُحْضِر تحتَ القَلْعَة وعُذِّبَ بأنْواع العَذاب، فأمرَ الولاةَ بها بالتَّسليم إليه، فلم

стр. 439

يَفْعَلُوا، فماتَ تحت العُقُوبة، ورِحَل كَيْكَاوُس عنها، وكان بها والدة الملك الصَّالِح أحمد بِن المَلِك الظَّاهِر، وهي زوْج الطّنْبُغَا وأولادُها منه، فاتَّفق الأمر معها ومع ولاة بَهَسْنى على أنْ عوضَّهُم أتَابِك طُغْرِل بقَلْعَة عَزَاز ومَوَاضع من بلدها، وتَسَلَّم منهم بَهَسْنى للمَلِك العَزِيز ﵀. ذِكْرُ الشُّغْر وبَكَاس (١) وهما قَلْعتان قِويَّتان من أَعْمَال حَلَب من النَّواحِي الغَرْبيَّة، والشُّغْر قَلْعَةٌ صَغِيرَة قريبة من بَكَاس يُعْبر من أحدَيهما إلى الأُخْرى بجِسْرٍ، وهما على جانب نَهْر الأُرُنْط المَعْرُوف بالعَصِي، ولبَكَاس نَهْرٌ يَخْرُج من تحتها، وهمُا في غايةِ المَنَعَة والقُوَّة. وكانت هاتان القَلْعتان في يد الفِرِنْج، ففَتَحهُما المَلِك النَّاصِر صلاح الدِّين يُوسُف إبن أيُّوب، رَحِمَهُ إلله، على ما أخْبَرَني به القَاضِي بَهَاءُ الدِّين أبو المَحَاسِن يُوسُف بن رَافِع بن تَمِيْم (٢)، قال: وسِرنا حتَّى أتَيْنا بَكَاس، وهي قَلْعَةٌ حَصِيْنَةٌ على جانب العَاصِي، وكان النُّزُول بذلك المَنْزل يوم الثّلاثَاء سادس جُمَادَى الآخرة، وكان المَنْزل على شَاطِئ العَاصِي، وصَعدَ السُّلْطَان المَلِكُ النَّاصِر إلى القَلْعَة جَرِيْدَة، وهي على جَبَل يُطِلّ على العَاصِي، فأحْدَق بها من كُلّ جانبٍ، وقاتَلَها قتالًا شديدًا بالمنجَنِيْقَات والزَّحْف المُضَايق إلى يوِم الجُمُعَة أيضًا تاسِعِ جُمَادَىَ الآخرة، ويَسَّر اللهُ فَتْحَها عَنْوَةً، وأَسَرَ مَنْ فيها بعد قَتْل منْ قُتِل منهم، وغنِم جميع ما كان فيها.

стр. 440

وكان لها قُلَيْعَةٌ (a) تُسَمَّى الشُّغْر قريبًا منها، يُعْبَرُ إليها منها بجِسْرٍ، وهي في غايةِ المَنَعَة ليس إليها طريقٌ، فسُلِّطَت عليها المِنْجَنِيْقات من الجوانب، ورَأَوْا أنَّهُم لا ناصرَ لهم، فطَلَبوا الأمان وذلك في يوم الثّلاثَاء ثالث عَشرة، وسَألُوا أنْ يُؤخَّروا ثلاثة أيَّامٍ لاسْتِئذان مَنْ بأَنْطاكِيَة -يَسَّر الله فَتْحها- فأذِنَ في ذلك. وكان تَمام فَتْحها وصُعُود العَلَم السُّلْطَانِيّ على قُلَّتها يوم الجُمُعَة سادس عَشرة. ذِكْرُ حِصْن بَرْزَوَيْه والآن يُعرف بحِصْن بُرْزَيْه (١) وهو حِصْن مَنيع يُضْربُ المَثَل بحصَانَته ومَنَعَته، فيَقُول النَّاس: كأنَّه في حِصْن بُرْزَيْهِ. وكان الفِرِنْج قد اسْتَولَوا عليه، ففَتَحَهُ المَلِك النَّاصِر يُوسُف بن أيُّوب من أيْدِيهم كما أخَبَرني به شَيْخُنا بَهَاء الدِّين أبو المَحَاسِن يُوسُف في رَاِفِع في تَمِيْم (٢)، قال بعد ذِكْر فتح بَكَاس: ثمّ سَار (b) السُّلْطَان، رَحْمَةُ اللهِ عليهِ، جرِيْدَةً إلى قَلْعَة بُرْزَيْه؛ وهي قَلْعَةٌ حَصِيْنَةٌ؛ في غَايةِ القُوَّة والمَنَعَة، على سِنّ جَبَل شَاهقٍ، يُضْرَبُ

стр. 441

بها المَثلُ في جميع بلادِ الفِرِنْج والمُسْلِمِيْن، يُحيْطُ بها أوْدِيَةٌ منِ سَائر جَوانبها، وذَرَعَ علُوّ قُلَّتِها فكان (a) خَمْسمائة ذِرَاع ونيفًا وسَبْعِين ذِرَاعًا، ثمّ حرَّرَ (b) عزمَهُ على حِصَارها بعد رُؤْيتها، واسْتدعى الثَّقَل، فكان وُصُول الثَّقَل وبَقِيَّة العَسْكَر يوم السَّبْتِ رابع عَشْرِيّ جُمَادَى الآخرة، ونَزَل الثَّقَلُ تحت جَبَلِها. وفي بُكْرة الأَحَد خَامس وعشرين منهُ، صعَد السُّلْطَان، ﵀، جَرِيْدَةً معِ المُقاتِلَة والمنْجَنِيْقاتِ وآلات الحِصَار إلى الجَبَل، فأحْدَق بالقَلْعَة من سَائر نَواحيها، ورَكَّب القِتَالَ عليها من كُلِّ جانبٍ، وضرَبَ أسْوَارها بالمِنْجَنِيْقاتِ المُتَواترة الضَّرب ليلًا ونهارًا، وقاتَلَها، فقَسمَ العَسْكَر ثلاثة أقْسَام، كُلّ (c) قسمٍ يُقاتِل شَطْرًا من النَّهَار ثمّ يَسْتريح. وضَرِسَ النَّاسُ من القِتَال، وتَراجَعُوا عنه، وتسلّم النَّوْبَةَ الثَّانيَة السُّلْطَان، ﵀، بنَفْسه، ورَكِبَ وتحرَّكَ خَطواتٍ عدّة، وصاح في النَّاس، فحملُوا عليها حَمْلَة الرَّجُل الواحد، وصَاحُوا صَيْحة الَرَّجُل الواحدِ، وقَصَدُوا السُّور من كُلِّ جانب، فلم يكن إلَّا بعض سَاعَة وقد رَقِي النَّاسُ على الأسْوَار، وهَجَمُوا القَلْعَة، واسْتَغاثُوِا الأمان، وقد تمكَّنت الأيدِيِ منهم، ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ (١)، ونُهِب جميع ما فيها، وأُسِرَ جميع منْ كان فيها، وكان قد آوَى إليها خَلْقٌ عَظِيم، وكانت من قِلاعهِم المَذْكُورة. قُلْتُ: وقد بقي حُصُون لحَلَب وأعْمالها خَرِبَت بِالكُليَّةِ، وأمَّحَى رَسْمُها، وبقي اسْمُها؛ مثل: زرْدَنَا من بلد الجَزْر والأثارِب، وقد خَرجَ منها بعضُ الرُّوَاة، وكَفَرْ لاثَا من جَبَل بني عُلَيْم وغيرها لم أذْكرها لعَدم الفائدة في ذِكْرها.

стр. 442

فإنْ جاءَ في أثناء كتابنا هذا ذِكْرٌ لشيءٍ منها، أو اسْم ينسَبُ إلى شيء منها، نَبَّهتُ عليه في مَوضِعه، وكذلك لها حُصُون صَغِيرَة وليست بمَشْهُورة ولا مَذْكُورَة، لم أذْكُرهَا خَوْفًا من الإطَالَة، وتَحاميًا عمَّا يُفْضي إلى المَلَالَة. بابٌ في ذِكْرِ عَرْبَسُوس (١) وهي مَدِينَة قد ذُكِرَ أنَّها من ثُغُور الشَّام، وبعضُهم لم يُثْبتها فيها لأنَّها من وَراءَ الدَّرْب دَاخِلةٌ في بلادِ الرُّوم، ولهذا أخَّرْتُ ذكْرها لوقُوع الاخْتلاف في كَوْنها من الثُّغُور الشَّامِيَّة، ولم أَرَ إسْقاط ذِكْرها بالكُلِيًّة لأنَّهُ قد نُقِلَ أنَّها منها. ويُقالُ لها: أَبْسُسْ، وأَفْسُسْ، وأَرْب سُوس، وعَرْبَسُوس. وهي مَدِينَة دَقْيَانُوس، ودخَلْتُ هذه المَدِينَة وقد اجْتَزتُ إلى زيارة أصْحَاب الكَهْفِ، وهم في جَبَل قريب منها، والمَدِينَة قد خَرِبَت أسْوارها وبقِيَتْ آثارها، وبعْضُ حِيْطانها قائمُ، وبَعْضُها قد هَدَمَهُ الهادِمُ، وبها الآن سُكَّانٌ من الأرْمَن وأسْوَاق دائِرَةٌ، والنَّاحِيَة المَسْكُونة من هذه المَدِينَة قَرْيَة عَامِرَة. وذكَر يَحْيَى بن معين في التَّاريخ (٢): قال الأصْمَعِيُّ: سألْتُ عَبْد المَلِك بن صالح عن عَذَب سُوس (a)، فقال: إنَّما هي عَرْبَ سُوس؛ قَرْيَة من قُرَى الشَّام؛ أنا بها عَارفٌ.

стр. 443

وذكَر ابنُ خَرْدَاذْبَه (١): أنَّ أصْحَاب الرَّقِيْم في عَمَل من أعْمَال الرُّوم يُسَمَّى: تَرْقَسِيْسْ (a)، وفيه من الحُصُون أَفْسِيس في رُسْتَاق الأوَاسِي، وهي مَدِينَة أصْحَاب الكَهْفِ، وذَكَرَ أنَّهُ قَدْ قُرئ في مَسْجِدهم كتابًا بالعَرَبيَّةِ بدُخُول مَسْلَمَة بلاد الرُّوم. كَتَبَ إلينا أبو الفُتُوح نَصْر بن أبي الفَرَج بن عليّ الحُصْرِيّ من مَكَّة شرَّفَها اللهُ، أنَّ أبا عَبْد الله مُحمَّد بن العبَّاس بن عَبْد الحَمِيْد الحرَّانيّ أخْبرَهُم، قال: أخْبَرَناه النَّقِيْبُ أبو الفَوَارِس طَرَّاد بن مُحمَّد بن عليّ الزَّيْنَبِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن أحمدُ ابنُ عليّ بن الحَسَن بن البَادَا، قال: أخْبَرنا أبو مُحمَّد عَبْدُ الله بن إسْحَاق الخُرَاسَانيّ، قال: أخْبَرَنا عَمُّ أبي عليّ بن عَبْد العَزِيْز، قال: أخَبَرَنا أبو عُبَيْد القَاسِم بن سَلَّام (٢)، قال: حَدَّثَنا يَزِيد بن هارُون، عن هِشَام بن حَسَّان، عن ابن سِيْرِيْن، أنَّ عُمَر ابن الخَطَّاب اسْتَعْمل عُمَيْر بن سَعيد -أو: سَعدٍ؛ شَكَّ أبو عُبَيْدٍ- على طَائِفَةٍ من الشَّامِ، فقَدِمَ عليه قِدْمَةً، فقال: يا أَمِير المُؤمِنين، إنَّ بينَنا وبين الرُّوم مَدِينَةٌ يُقالُ لها: عَرْبَ سُوس، وإنَّهم لا يخفُون على عَدُوِّنَا من عَوْراتنا شيئًا، ولا يُظهرونا على عَوْراتهم (٣)، فقال لَهُ عُمَر، فإذا قَدِمْتَ فَخَيِّرهُم بين أنْ تُعْطِيَهُم مكان كُلّ شَاةٍ شَاتَيْن، ومكان كُل بَعير بعيرَين، ومكان كُلّ شيءٍ شَيْئَين، فإنْ رَضُوا بذلك فأَعْطِهم، وخَرِّبها، فإنْ أبَوْا فانْبِذ إليهم، وأجِّلهُم سنةً ثمّ خَرِّبها، فقال: اكتُب لي عَهْدًا بذلك، فكتَبَ لَهُ عَهْدًا، فلمَّا قَدِمَ عُمَيْرٌ عليهم عَرَض عليهم ذلك، فأبَوْا فأجَّلَهُم سنَةً ثمّ أخْرَبَها.

стр. 444

قال أبو عُبَيْدٍ (١): فهذه مَدِينَةٌ بالثَّغْر من ناحيةِ الحَدَث يُقالُ لها: عَرْب سُوْس، وهي مَعْرُوفةٌ هُناك، وقد كان لهم عَهْدٌ، فصَاروا إلى هذا، وإنَّما نَرَى عُمَر عَرَض عليهم ما عرضَ من الجَلَاءِ، وأنْ يُعْطَوْا الضّعْفَ من أمْوَالهم، لأنَّهُ لم يتحقَّق ذلك عندَهُ من أمرهم، أو أنَّ النَّكْث كان من طَوَائف منهمِ دُون إجْماعِهم، ولو أطْبَقَتْ جماعَتُهم عليه ما أعْطاهُم من ذلك إلَّا القِتَال والمُحارَبة. وقد وقع في غير هذه الرِّوَايَة عن طَرَّاد، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن بن البَادَا، قال: أخْبَرنا أبو عَليّ حَامِد بن أحمد الهَرَوِيّ، قال: أخْبَرَنا عليّ بن عَبْد العَزِيْز، أخْبَرَنا بذلك أبو إسْحَاق إبْرَاهِيْم بن عَبْد الوَاحِد بن عليّ بن سُرُور المَقْدِسِيّ وأبو الفَرَج عَبْد الرَّحْمن بن نَجْم بن عَبْد الوهَّاب الحَنْبَلِيَّان، فيما أجازاهُ لي، وقد سَمِعْتُ من كُلِّ وِاحدٍ منهما بدمَشْق، قالا: أخْبَرَتنا الكَاتبَةُ شُهْدَة بنتُ أحمد بن الفَرَجِ بن عُمَر الإِبَرِيّ، قالت: أَخْبَرَنا النَّقِيبُ أبو الفَوَارِس طَرَّاد بن مُحمَّد بن عليّ الزَّيْنَبِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن أحمد بن عليّ بن الحَسَن المَعْرُوفُ بابنِ البَادَا، قال: أخْبرنا أبو عَليّ حَامِد بن أحمد الهَرَوِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن عَبْد العَزِيْز البَغَوِيُّ، قال: أخْبَرَنا أبو عُبَيْد القَاسِم بن سَلَّام، فذكره بإسْنَادِه مثلَهُ. وإنَّما وقَعَ الاخْتلَاف من أبي الحَسَن بن البَادَا؛ لأنَّ أبا عليٍّ الهَرَوِيّ المذكُور في هذا الإسْنَادِ الثَّاني وأبا مُحمَّدٍ الخُرَاسَانيّ المَذْكُور في الإسْنَاد الأوَّل كانا يَرْويان كتابَ الأمْوَالِ لأبي عُبَيْدٍ الّذي هذا الحَدِيْث منهُ عن عليّ بن عَبْد العَزِيْز، وِسَمعَهُ أبو الحَسَن بن البَادَا عنهما جميعًا، ورَوإه لطَرَّادٍ الزَّيْنَبِيّ عنهما، فروَاهُ طَرَّادٌ مَرَّةً عن ابن البَادَا عن أبي عليٍّ، ومرَّةً عن ابن البَادَا عن أبي مُحمَّد، واللهُ أعْلَمُ. وعُمَير المذكُور في الحَدِيْثِ هو: عُمَيْرُ بن سَعْد بن شُهَيْد بن قَيْس بن النُّعْمان الأَوْسِيّ الأنْصاريّ، وَلَّاه عُمَر بن الخَطَّاب، ﵁، حِمْص وقِنَّسْرِيْن، وكان

стр. 445

من أصْحَاب رسُول الله ﷺ ، وَسَنَذْكُره في حَرْف العَين (١) في مَوْضِعه من كتابنا هذا إنْ شَاءَ اللهُ تعالَى. أنْبَأنَا عَبْد الصَّمَد بن مُحمَّد القَاضِي، عن أبي الحَسَنِ عليّ بن المُسَلَّم السُّلمِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن أبىِ العَلاءَ، قال: أخْبَرَنا أبو نصْرٍ بن الجَنَدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن أبي العَقَب، قال: أخْبَرنا أبو عَبْد المَلِك القُرَشِيّ، قال: حَدَّثَنا مُحمَّد بنُ عَائِذ، قال: قال الوَلِيدُ: حَدَّثَنا غيرُ واحدٍ ممَّن سَمِعَ هِشَام بنَ حَسَّان أنَّ مُحمَّد بن سِيْرِبْن حَدَّثَهُ أنَّ عُمَيْرَ بن سَعْد كان يَعْجَبُ عُمَر بن الخَطَّاب، فكان من عجبهِ بهِ يُسَمِّيه نَسِيْج وَحْدِه، وبَعَثَهُ مرَّهً عِلى جَيْشٍ منٍ قِبَل الشَّامِ، فقَدِمَ مرَّةً وَافدًا فقال: يا أَمِيرَ المُؤمِنِين، إنَّ بينَنا وبين عَدُوِّنا مَدِينَةً يُقالُ لها عَرْبَ السُّوْس، يُطْلِعُونَ عَدُوّنا على عَوْرَاتنا ويَفْعَلُونَ ويفْعلُون، فقال عُمَرُ: إذا أتيتَهم فخَيِّرهم أنْ يَنْتَقلُوا من مَدِينَتهم إلى كذا وكذا، وتُعْطيهم مكان كُلّ شَاةٍ شَاتَيْن، ومكانَ كُلّ بَقَرَهَ بَقَرتَيْن، ومَكان كُلِّ شيءٍ شَيْئَين، فإنْ فَعَلُوا فأَعْطِهِم ذلك، وإنْ أبَوْا فانْبِذ إليهمِ، ثمّ أجِّلْهُم سَنَةً، ففال: يا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ، اكْتُب لي عَهْدَك بذلك، فكتبَ له عهْدَهُ، فأرْسلَ إليهم، فعَرَضَ عليهم ما أمرَهُ بهِ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ، فأبَوْا فأجَّلَهُم سنَةً، ثمّ نابذَهُمِ، فقيل لعُمر: إنَّ عُمَيْر قد خرَّب عَرْب السُّوْس وفَعَلَ وفَعَل، فتَغَيَّظَ عليه عُمَرُ، ثمّ إنَّهُ قَدِمِ بعدَ ذلك وَافدًا ومعَهُ رَهْطٌ من أصْحَابهِ، فلمَّا قَدِم عليه علَاهُ بالدِّرَّة، وقال: خرَّبْتَ عرْبَ السُّوْس، وهو ساكتٌ لا يقُول له شيئًا، ثمّ قال لأصْحَابه: مُبَرْنَسيْن مُبرْنَسِين! ضَعُوا بَرَانسَكُم، قال عُمَيْرٌ: ضَعُوا بَرانسَكُمُ ثَكِلَتْكُم أُمَّهاتُكُم، إنَّكم واللهِ ما أنتُم بهم، فَوَضَعُوا بَرَانسَهُم، فقال عُمَرُ: مُعَمَّمِيْنَ مُعَمَّمِيْن! ضَعُوا عَمَائكُم، قال عُمَيْرٌ: ضَعُوا عَمَائمَكُم فإنَّا واللهِ ما نحنُ بهم، فقال: مُكَمَّمِيْنَ مُكَمَّمِيْنَ! ضَعُوا كَمَائكُم، فقال عُمَيْرٌ: ضَعُوا كَمائمَكُم، فإذا عليهم

стр. 446

جِمَام (١)، فقال عُمَرُ: أمَا واللهِ الّذي لا إلَه إلَّا هُوَ لو وجَدْتكُم مُحَلّقيْن لرَفَعْتُ بكُم الخَشَب. ثمّ إنّ عُمَر دَخَل علىِ أهلهِ فاسْتَأذنَ عليهِ عُمَيْر، فَدَخَل فقال: يا أَمِير المُؤمِنِينَ، اقرأْ عَهْدَكَ إليَّ في عَرْب السُّوْس، فقال عُمَرُ. رَحمَكَ اللهُ؛ فهَلَّا قُلْت لي ذلك وأنا أَضْربُكَ، قال: كَرِهْتُ أُوَبِّخكَ يا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ، فقال عُمَر: غَفَر اللهُ لك، ولكن غَيْرك لَوْ كان!. أخْبَرنا أبو الحَسَن مُحمَّد بن أحمد بن عليّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحمَّد القَاسِم بن عليّ بن الحَسَن، قال: أنْبأنَا الفَقِيه أبو الحَسَن السُّلَمِيُّ، وأخْبَرَنا أبي عنْهُ، قال: حَدَّثَنا عليّ بن مُحمَّد الفَقِيهُ، قال: أخْبَرَنا أبو نَصْر مُحمَّد بن أحمد بن هارُون، قال: أخْبَرَنا عليّ بن يَعْقُوب بن إبْرَاهِيم، قال: أخْبَرني أحمد بن إبْرَاهِيْمِ، قال: حَدَّثَنا مُحمَّد بن عَائِذ، قال: قال الوَلِيد: ورأيتُ خَلْفَ دَرْب الحَدَث مَدِينَةً حين أَشْرفنا على قُباقِب ناحيَةً، فسألتُ عنها مَشْيَخَة من أهل قِنَّسْرِيْن، فقالوا: هذا عَرْب السُّوس؛ مَدِينَة أنَسْطاسْ الّتي غَدَرت، فأتاها عُمَيْر بن سَعْد، فقاتلَهُم وخرَّبها، فهي خَرَابٌ إلى اليوم. وقريبٌ من هذه المَدِينَة جَبَلٌ فيه الكَهْفُ الّذي ذَكَرَهُ اللهُ في كتابهِ (٢)، وجاء في التَّفْسِير أنَّ عَرْبَسُوس هي المَدِينَة الّتي قال اللهُ تعالَى فيما قَصَّهُ في كتابه الكريم: ﴿فَابْعَثُوا [أَحَدَكُمْ] (a) بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ (٣).

стр. 447

وَزُرْتُ هذا الموضع، فوَجَدْته على الصِّفَة التي أخْبَرَ اللهُ تعالَى فىِ كتابهِ الكريم: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ (١)، وقد بُنِيَ على المَوْضع بناءٌ عَظيم حَسَنٌ واسِعٌ لِمَنْ يَقْصدهُ من الزُّوَّار، ووُقف عليه وقْفٌ، ورتّب لهم ضِيَافَةٌ؛ بناهُ صَاحبُ مَرْعَش. وأنْبَأنَا أبو القَاسِم بن رَوَاحَة، عن أبي طَاهِر الحَافِظ، عن أحمد بن مُحمَّد ابن الآبِنُوسِيّ، عن أبي الحُسَيْن بن المُنَادِىِ، قال: ومَدِينَة أصْحَاب الكَهْف من عَمَل الرُّوم في رُسْتَاق الأوَاسِي، والكَهْف في جَبَل بانَجْلُوسْ، وقُرئ في مَسْجِدِهم كتاب بالعَرَبيَّةِ: يَدْخُل مَسْلَمَة بلَادَ الرُّوم، ويَفْتح أرْبَعة (a) حُصُون. بيد الرُّوم وبعضٌ قد خَرِبَتْ، وكانت طَرَسُوسُ ومُدنُها خَلْف هذه الكُورَة، وبَالِس رأس الحَدِّ من قِبَل الرَّقَّة عَامِرَة، وقِنَّسْرِيْن مَدِينَةٌ قد خَفَّ أهْلُهَا (b). قال البِشَارِيُّ (٢): فإنْ قال قائلٌ: لِمَ جَعَلْتَ قَصَبَة الكُورَة حَلَب وها هُنَا مَدِينَة على اسْمِها؟ قيل لَهُ: قد قُلْنا إنَّ مَثَل القَصَبَاتِ كالقُوَّادِ، والمُدُن كالجُنْدِ، ولا يُجوز أنْ تَجْعل (c) حَلَب على جلَالَتها وحُلُول السُّلْطَان بها، وجَمعْ الدَّواوين إليها، وأَنْطاكِيَة ونَفَاستها، وبَالِس وعمارَتها، أجْنادًا لمَدِينَةٍ خَربةٍ صَغِيرَة!.

стр. 448

وسَيَّرَ إليَّ القَاضِى بَهَاء الدِّين أبو مُحمَّد الحَسَنُ بن إبْرَاهِيْم بن الخَشَّاب أوْراقًا بخَطِّهِ، ذَكَرَ لي أنّه نَقَلها من خَطِّ الشَّيْخ أبي الحَسَن عليّ بن عَبْد الله ابن أبي جَرَادَة، فَنَقَلْتُ منها ما صُورته: كانتِ حَلَبُ في أوَّل الإسْلام إلى آخر مُلْك بني أمَيَّة مُضَافةً إلى قِنَّسْرِيْن، ومَعْدُودَةً منِ أعْمالها، ولذلك قَلَّ ذكْرُهَا في الأخْبار عن ذلك الزَّمان، ثمّ تَدَرَّجَتْ في العِمَارَة وقِنَّسْرِيْن في الخَرَاب، حتَّى صَارت مُضَافة إلى حَلَب في أيَّام بَني العبَّاس، ووَليها لهم جَمَاعَة من الهاشِميّين وخَاصَّة بنُو صَالِح بن عليّ بن عَبْد الله بن عبَّاسٍ. فهذه المُدنُ والثُّغُور، الّتي أوْردنا ذِكْرها في هذا الفَصْلِ، هي شرْطُ كتابنا هذا، وقد بيَّنَا أنَّها من أعْمَال حَلَب، وإنْ وقعَ الاخْتلاف في بَعْضها، فلا بُدَّ من ذِكْرها في هذا الكتاب، وذِكْر ما وَرد فيها، وذكْر مَنْ دَخَلَها أو اجْتَاز بها، أو كانَ من أهْلها إنْ شَاءَ اللهُ تعالَى] (a). بابٌ في ذِكْرِ فَضَائِل الشَّام ولحَلَب وبلَادها منها أوْفَر الأقْسَام وقد ذكَر الحَافِظ أبو القَاسِم الدِّمَشْقِيّ في تاريخ دِمَشْق (١) من فَضْله ما كَفَى، وأوْرد في ذلك من الأحاديث والآثار ما أشْبعَ القَوْل فيه وشَفَى، فإنَّه أطال فيما ذكرَهُ وأطْنَب، وأكْثَر النَّقْل فيما أوْردَه وأسْهَب، ومَدَّ عِنَان قَلمِهِ فيما سَطرَهُ وأطْلَقَهُ، وأوْسَعَ المجال في كُلِّ حديثٍ. أسْنَدَه وبَيَّن طُرُقه، فاكْتَفينا

стр. 449

بما نقلَهُ وأوْردَهُ، واسْتَغنينا بما رَواه في فَضْل الشَّام وأسْنَدَه، إلَّا إنّا لم نَرَ إخْلاءَ كتابِنا هذا عن إيْرَادِ شيءٍ من فَضْله، ولا اسْتَحْسنَّا تركَ التَّنبيهِ على ما وَرَد فيه وفي أهْلهِ، فاقْتصَرنا من ذلك على القليل، واكْتَفَيْنا بالإشَارة إلى وَجْهِ الدَّليل. أخْبَرَنا المَلِكُ الظَّاهِر غَازِي بن يُوسُف بن أَيُّوب، بقراءتي عليه بقَلْعَة حَلَب، حَمَاها اللهُ، والقَاضِي أبو نَصْر مُحمَّد بن هِبَةِ اللهِ بن مُحمَّد بن الشِّيْرَازيّ، وولدُه أبو المَعَالِي أحْمد، قراءة عليهما بدِمَشْق، قالوا: أخْبَرَنا القَاضِي أبو المَجْد الفَضْلُ بن الحُسَيْن بن إبْرَاهِيْمْ البَانِياسِيُّ، قال: أخْبَرَنا الأَخَوَان أبو الحَسَن، وأبو الفَضْل ابْنَا الحسَن بن الحُسَيْن المَوَازِينِيّ، قالا: أخْبَرَنا أبو عَبْد اللهِ بن سلْوان، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم الفَضْل بن جَعْفَر التَّمِيْمِيُّ، قال: أخْبَرنا عَبْدُ الرَّحْمن بن القَاسِم الهاشِميّ، قال: حَدَّثنا أبو مُسْهِر عَبْدُ الأعْلَى بن مُسْهِر الغَسَّانِيّ، قال: حَدَّثَنا سَعيد بن عَبْد العَزِيْز، عن رَبِيْعَة بن يزِيد، عن أبي إِدْرِيس الخَوْلانِيّ، عن عَبْد اللهِ بن حَوَالَة الأزْدِيّ، عن رسول الله ﷺ ، قال (١): إنَّكم ستُجَنَّدُون أجْنَادًا: جُنْدٌ بالشَّام، وجُنْدٌ بالعِرَاق، وجُنْدٌ باليمَنَ. فقال الحَوَاليُّ: خِرْ لي يا رَسُول الله، قال: عليكُم بالشَّام، فمَن أبَى فليَلْحَق بيَمَنِهِ، وليسْق من غُدُرِه، فإنَّ اللهَ قد تكفَّل لي بالشَّام وأهْلهِ.

стр. 450

فكان أبو إِدْرِيس الخَوْلانِيّ إذا حدَّثَ بهذا الحَدِيْث الْتفَتَ إلى ابن عَامِرٍ فقال: مَنْ تكفَّل اللهُ به، فلا ضَيْعَةَ عليه. وقد رُويَ من طَربقٍ آخر، أنَّ ابن حَوَالَة كان يقُول ذلك، أخْبَرناهُ أبو مَنصُور عَبْد الرَّحْمن بن مُحمَّد بن الحَسَن، قال: أخْبرَنا عَمِّي أبو القَاسِم بن أبي مُحمَّد الحَافِظُ (١)، قال: أخْبَرنا أبو الفَتْح أحمد في عَقِيل في مُحمَّد بن رَافِع الفارِسيّ البَزَّار الدِّمَشْقِيّ، ببَغْدَاد وبدِمَشْق، قال: أخْبَرنا أبي أبو الفَضْل، ح. وقال الحَافِظ أبو القَاسِم: وأخْبَرناهُ أبو القَاسِم إسْمَاعِيْل بن أحمد ببَغْدَاد، قال: أخْبَرَنا أبو مُحمَّد عُبَيْدُ الله بن إبْرَاهِيْم بن كُبَيْبَة النَّجَّار، ح. قال أبو القَاسِم: وأخْبرناهُ أبو مُحمَّد طَاهِر بن سَهْل بن بِشْر، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم الحُسَيْن بن مُحمَّد بن إبْرَاهِيْم بن الحِنَّائِيّ، قالوا: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحمَّد ابن عَبْد الرَّحْمن بن عُبَيْد الله بن يَحْيَى القَطَّان، قِراءَةً عليهِ ونحنُ نَسْمَع، قال: أخْبَرنا أبو الحَسَن خَيْثَمَةُ بن سُلَيمان بن حَيْدَرة، قال: حَدَّثنا العبَّاسُ بن الوَلِيد بن مَزْيَد، قال: أخْبرَني أبي وعُقْبَة بن عَلْقَمَة، قالا: حَدَّثنَا سَعيد بن عَبْد العَزِيْز، حَدَّثَني مَكْحُول، عن أبي إِدْرِدس الخَوْلانِيّ، عن عَبْد الله بن حَوَالَة، قال: قال رسُولِ الله ﷺ : إنَّكُم سَتُجَنَّدُونَ أجْنادًا، جُنْدًا في الشَّام، وجُنْدًا في العِرَاق، وجُنْدًا باليَمَن. قال: قُلتُ: يا رسُول الله، خِرْ لي؟ قال: عليمُ بالشَّام، فمَن أبَى، فليَلْحَق بيمَنِهِ، وليسْقِ من غُدُره، فإنَّ اللهَ قد تكفَّل لي بالشَّام وأهْلِهِ. قال سَعِيْد: وكان ابنُ حَوَالَة رَجُلًا من الأَزْد، وكان مَسْكنهُ الأُرْدُنّ، وكان إذا حدَّث بهذا الحَدِيث قال: وما تكفَّلَ اللهُ بهِ، فلا ضَيْعَة عليه.

стр. 451

أخْبَرنا أبو مَنْصُور عَبْد الرَّحْمن بن مُحمَّد الشَّافِعِيِّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحمَّد عَبْد الرَّحْمن بن أبي الحَسَن بن إبْرَاهِيمْ الدَّارَانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَرَج سَهْل بنُ بِشْر ابن أحمد الإسْفَرَاينِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن مُحمَّد بنُ الحُسَيْن بن مُحمَّد بن الطَّفَّال، قال: أخْبَرَنا أبو الطَّاهِر مُحمَّد بن أحمد بن عَبْد الله بن نَصْر الذُّهْلِيّ، قال: حَدَّثَنا مُوسَى بن هارُون، قال: حَدَّثَنَا أبو طَالِب، قال: حَدَّثنا بقِيَّةُ بن الوَلِيد، عن بَحِير ابن سعْدٍ، عن خَالِد بن مَعْدَان، عن أبي قُتَيلَة، عن ابن (a) حَوَالَة، أنَّهُ قال (١): قال رسُول اللهِ ﷺ : سَيَصِيرُ الأمْرُ إلى أنْ يكون جُنُودًا مُجنَّدَةً: جُنْدًا بالشَّام، وجُنْدًا باليَمَنِ، وجُنْدًا بالعِرَاق. فقال ابنُ حَوَالَة: خِرْ لي يا رسُولَ اللهِ إنْ أدركتُ ذلك؟ فقال: عليكُم بالشَّام، فإنَّها خِيْرة الله من أرْضِهِ، يَجْتَبي إليهِ خِيْرَته من عِبادِه، فإنْ أبَيتُم فعليْكُم بَيَمَنِكُم، واسْقُوا من غُدُركم، فإنَّ الله قد تكفَّلَ لي بالشَّام وأهْلِه. أخْبَرَنا أبو عَليّ حَسَن بن أحمد بن يُوسُف الصُّوفِيّ بالبَيْت المُقَدَّس، قال: أخْبَرنا أبو طَاهِر أحمد بن مُحمَّد بن أحمد السِّلَفِيّ الحَافِظ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الطُّرَيْثِيثِيّ، ح. وأخْبَرنَا أبو إسْحَاق إبْرَاهِيْم بن عُثْمان الكاشْغَرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح ابن البَطِّيّ، وأبو المُظَفَّر الكَاغِدِيّ، قال أبو الفَتْح: أخْبَرَنا ابنُ خَيْرونَ، وقال الكَاغِدِيّ: أخْبَرَنا أبو بَكْر الطُّرَيْثِيثِيّ، قالا: أخْبَرنا أبو عليّ بن شَاذَان، قال: أخْبَرَنا ابنُ دَرَسْتَوَيْه، قال: حَدَّثَنا يَعْقُوب الفَسَوِيّ، قال: حَدَّثَنَا يَزِيد بن مِهْرَان، قال:

стр. 452

حَدَّثنا أبو بَكْر بن عَيَّاشٍ، عن دَاوُد بن أبي يَزِيد، عن أبيهِ، عن أبي هُرَيْرَة، قال: قال رسُول الله ﷺ (١): أوَّلُ النَّاسِ هَلاكًا فَارِس، ثمّ العَرَب، وسَائِر النَّاسِ ها هُنا، وأشارَ بيدِه إلى الشَّام. أخْبَرَنا أبو مَنْصُور الفَقِيه، قال: أخْبَرَنَا أبو القَاسِمِ عليُّ بن الحَسَنِ (٢)، قال: أخْبَرنا أبو القَاسِم الخَضِر بنُ الحُسَيْن بن عَبْد الله بن عَبْدَان الأزْدِيُّ بدِمشْق، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد اللهِ الحَسَنُ بن أحْمد بن عَبد الوَاحِد بن أبي الحَدِيْدِ، قال: أخْبَرنا أبو الحَسَن عليّ بن مُوسَى بن السِّمْسَار، قال: أخْبَرَنا مُحمَّد بن إبْرَاهِيمِ بن مَرْوَان، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد المَلِكِ، قال: حَدَّثَنا مُحمَّد بنُ أبي السَّرِيّ، قال: حَدَّثنا فضَالَةُ بن حُصَيْن، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بن عُمَر، عن سَالِم بن عَبْد اللهِ بنٍ عُمَر، عن أبيهِ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ (٣): ستَخْرجُ نار من حَضْرَمَوْتَ، فتَسُوق النَّاسَ إلى المَحْشَر، تَقِيْل إذا قالُوا، وتَسِير إذا سَاروا، قالوا: يا رسُول اللهِ، فا تأمرُ مَنْ أدْرَك ذلك منَّا؟ قال: عليكُم بالشَّام. أخْبَرنا أبو مَنْصور، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم (٤)، قال: وأخْبَرَنا أبو القَاسِم زَاهِر ابن طَاهِر بن مُحمَّد الشَّحَّامِيِّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عُبَيْدُ الله بن مُحمَّد بن إسْحَاق ابن مُحمَّد بن يَحْيَى بن مَنْدَة، قال: أخْبَرَنا أبي، قال: حَدَّثَنا جُمَحُ بن القَاسِم بن عَبْد الوهَّاب بن أَبَانَ بن خَلَف المُؤذِّنُ بدِمَشْق، قال: حَدَّثَنا أحْمدُ بن بِشْر بن حَبِيْب الصُّوْرِيّ، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الحَمِيْد بن بَكَّار، قال: حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بن عَلْقَمَة، قال:

стр. 453

حَدَّثَنا الأوْزَاعِيُّ، عن عَطِيَّةَ بن قَيْس، عن عَبْد اللهِ بن عَمْرو (١)، قال: قال النَّبِيّ ﷺ : أُرِيْتُ عَمُود الكتابِ انْتُزع من تحتِ وسَادَتي، فذُهِبَ به إلى الشَّام، فأَوَّلْتُهُ: المُلْكَ. أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليِّ بن عَبْد اللَّطِيْف بن الحُسَيْن بن عليّ بن خَطَّاب الدِّيْنورِيّ -عُرف بابن الخِيَمِيّ- ببَغْدَاد، قال: أخْبرنا أبو الفَتْح عُبَيْد الله بن عَبْد الله بن مُحمَّد بن شَاتِيْل، قال: أخْبَرَنا الحاجِبُ أبو الحَسَن بن العَلَّاف، قال: أخْبَرنا أبو القَاسِم بن بِشْرَان، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر النَّجَّاد، قال: حَدَّثَنَا أبو اللَّيْث يَزِيد بن جُمْهُور بطَرَسُوس، قال: حَدَّثَنا أبو تَوْبَة الرَّبِيْع بن نَافِع، عن يَحْيَى بن حَمْزَة، عن ثَوْر بن يَزيد، عن بُسْر بن عُبَيْد الله، عن أبي إِدْرِيس الخَوْلانيّ عَائِذ الله، عن أيى الدَّرْدَاء (٢)، قال: قال رسُول الله ﷺ : بينا أنَا نائِم رأيتُ عَمُودَ الْإسْلام احْتُمل من تحت رأسي، فظَنَنتُ أنَّه مَذْهُوبٌ به، فاتبَعْتُه بَصَري، فعُمِدَ به إلى الشَّام ألَا وإنَّ الإيْمان حين تقعُ الفتَنُ بالشَّام. أخْبَرَنا ثَابِتُ بن مُشَرَّف بن أبي سَعْد، قال: أخْبَرنا عبدُ الأوَّل بن عِيسَى، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن الدَّاوُودِيّ (a)، قال: أخْبَرَنا أبو مُحمَّد عَبْدُ اللهِ بن حَمُّوْيَه السَّرْخَسِيّ، قال: أخْبَرَنا عِيسَى بن عُمَر السَّمَرْقندِيُّ، قال: أخْبَرَنَا أبو مُحمَّد عَبْدُ الله بنُ عَبْد الرَّحْمن الدَّارِمِيِّ (٣)، قال: أخْبَرَنا زَيْدُ بن عَوْف، قال: حَدَّثَنَا أبو عَوَانَة، عن عَبْد المَلِكِ بن عُمَيْر، عن ذَكْوَان أبي صَالِح، عن كَعْبٍ: في السَّطْر الأوَّلِ: مُحمَّد رسُول اللهِ، عَبْدي المُخْتَار، لا فَظٌّ، ولا غَليظٌ، ولا صَخَّابٌ في الأسْوَاق، ولا يَجْزي بالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ،

стр. 454

ولكن يعفُو ويَغْفر، مَوْلدهُ بمَكَّة، وهجرتهُ بطيبَةَ، ومُلكُهُ بالشَّام. وفي السَّطْر الثَّاني: مُحمَّد رسُول الله، أُمَّتُه الحَمَّادُونَ، يَحْمَدُونَ الله في السَّرَّاءَ والضَّرَّاءَ، يَحْمدُونَ الله في كُلِّ مَنْزلة، ويُكَبِّرونه على كُلِّ شَرَفٍ، رعاةُ الشَّمْس، يُصَلُّونَ الصَّلاةَ إذا جاءَ وَقْتُها، ولو كانُوا على رأس كُناسَة، ويأْتَزرُونَ على أوْسَاطهم، ويُوضِّئونَ أطْرافهم، وأصْواتهم باللَّيْل في جَوِّ السَّماء كأصْواتِ النَّحْل. وقال أبو مُحمَّد الدَّارِمِيّ (١): أخْبَرنا مُجَاهِد بن مُوِسَى، قال: حَدَّثَنَا مَعْنٌ -هو ابن عِيسَىَ- قال: حَدَّثَنا مُعاوِيَةُ بن صالِح، عن أبي فَرْوة، عن ابن عبَّاس أنَّه سأل كَعْب الأحْبَار: كيف تَجد نَعْتَ النَّبِيّ ﷺ في التَّوْراة؟ فقال كَعْبٌ: نَجدُهُ مُحمَّد بن عَبْد اللهِ، يُولَدُ بمَكَّة، ويُهاجر إلى طابةَ، ويكون مُلكهُ بالشَّام، وذَكَرَ تَمام الحَدِيْث. أنْبَأنَا أبو القَاسِم عَبْد الصَّمَد بن مُحمَّد القَاضِي، عن أبي مَسْعُود الأصْبَهَانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَليّ الحَسَن بن أحمد الحَدَّاد، قال: أخْبَرنا أبو نُعَيْمِ الحَافِظ، قال: حَدَّثَنا سُلَيمان بن أحمد، قال: حَدَّثَنا الحُسَيْنُ بن إسْحَاق، قال: حَدَّثَنا مَخْلَدُ ابن مالِكٍ، قال: حَدَّثَنا إسْمَاعِيْل بن عَيَّاشٍ، عن عَبْد العَزِيْز بن عُبَيْدِ اللهِ، عن أبي أُمَامَةَ، قال: قال النَّبِيُّ ﷺ (٢): صَفوَةُ اللهِ من أرْضِه الشَّام، وفيها صفْوتُه من خَلْقهِ وعِبادِه، وليدخُلَنَّ الجَنَّة من أُمَّتِي ثُلَّةٌ لا حسَابَ عليهم ولا عَذَاب. أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّحْمن بن مُحمَّد بن الحَسَن، قال: أخْبَرنا الحاَفِظُ أبو القَاسِم (٣)، قال: أخْبرَنا أبو القَاسِم زَاهِرُ بن طَاهِر الشَّحَّامِيِّ، قال: أخْبَرَنَا أبو بَكْر البَيْهَقِيّ، قال:

стр. 455

أخْبَرنا أبو عَبْدِ الله الحَافِظُ، فال: حَدَّثَنَا أبو عَبْد الله مُحمَّد بن يَعْقُوب، قال: حَدَّثَنَا إبْرَاهِيْمِ بن عَبْدِ اللهِ السَّعْدِيّ، قال: حَدَّثَنَا وَهْب بن جَرِير، قال: حَدَّثَنَا أبي، قال: سَمِعْتُ يَحْيَى بن أَيُّوب يُحَدِّثُ عن يَزِيد بن أبي حَبِيْب، عن عَبْد الرَّحْمن بن شُمَاسة، عن زَيْد بن ثَابِتٍ، قال (١): كُنَّا عند رسول اللهِ ﷺ نُؤَلِّفُ القُرْآنَ من الرِّقَاع، فقال رسُول الله ﷺ : طُوْبَى للشَّام. قُلنا: لأيّ شيءٍ ذَاكَ؟ قال: لأنَّ مَلَائِكة الرَّحمن باسَطة أجْنِحتَها عليهم. أخْبَرَنا عَبْد الرَّحْمن قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم (٢)، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن السَّمَرْقَنْدِيّ، ح. وأنْبَأنَا به عُمَر بن مُحّمَّد بن طَبَرْزَد عن ابن السَّمَرْقَنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحمَّد بنُ هِبَةِ الله الطَّبَرِيّ، قال: أخْبَرنا أبو الحُسَيْن بن الفَضْل، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الله ابن جَعْفَر، قال: حَدَّثنا يَعْقُوب بن سُفْيان (٣)، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُف، قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بن حَمْزَهَ، قال: حَدَّثَني أبو عَلْقَمَة نَصْرُ بن عَلْقَمَة الحَضْرَميّ -منِ أهل حِمْص- أنَّ عُمَيْر بن الأَسْوَد وكَثِيْر بن مُرَّة الحَضْرَميّ، قالا: إنَّ أبا هُرَيْرَة وابن السِّمْط كانا يقُولَان: لا يَزالُ المُسلِمُون فىِ الأرْض حتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، وذلكَ أنَّ رسُولَ اللهِ ﷺ قال: لا تَزالُ من أُمَّتِي عِصَابَةٌ قَوَّامَةٌ على أمرِ اللهِ، لا يَضرُّها مَنْ خَالفها، تُقاتِل أعْداءَ اللهِ، كلَّما ذَهَبَ حِزْبٌ نَشَبَ حِزْب (a) قَوْمٍ

стр. 456

آخرين، يُزِيْغُ اللهُ قُلُوبَ قَوْم ليَرْزقَهُم منه، حتَّى تأتيهم السَّاعَةُ كأنَّها قِطَعُ اللَّيْل المُظْلِم، فيَفْزعُون لذلكَ حتَّى يَلْبَسُوا لذلكَ الدُّرُوع. وقال رسُول اللهِ ﷺ : هُم أهْلُ الشَّام. ونَكَتَ رسُول الله ﷺ بإصْبَعِهِ يُوْمئ بها إلى الشَّام، حتَّى أوْجَعَها. رواهُ البُخاريُّ في التَّاريخ (١) عن عَبْد الله بن يُوسُفَ. أخْبَرَنَا أبو مَنْصُور، قال: أخْبَرَنا عَمِّي الحافِظُ (٢)، قال: أخْبَرنا أبو القَاسِم الخَضِر بن الحُسَيْن بن عَبْد الله بن عَبْدَان، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد اللهِ الحَسَنُ بن أحْمد ابن أبي الحَدِيْدِ، قال: أخْبَرَنَا أبو الوَلِيدِ الحَسَنُ بن مُحمَّد الدَّربَنْدِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو نَصْر أحمدُ بن المُظَفَّر بن مُحمَّد المَوْصِليّ بها، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الله بن حَيَّان بن عَبْد العَزِيْز بن حَيَّان، قال: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بن عَلُّويَة القَطَّان، قال: حَدَّثَنَا إبْرَاهِيْم ابن يَزِيد بن مُصْعَب الشَّاميّ، قال: حَدَّثَنَا ابن خُلَيْد الدَّمَشْقِيّ، عن الوَضِيْن بن عَطَاء، عن مَكْحُول، عن عَبْد الله بن عَمْرو (٣)، قال: قال رسُول اللهِ ﷺ : الخَيْرُ عَشَرَةُ أعْشارٍ؛ تسعة بالشَّام، وواحد في سائر البُلْدان؛ والشَّرُّ عَشَرةُ أعْشَارٍ؛ واحدُ بالشَّام، وتِسْعَةُ في سَائر البُلْدان، وإذا فَسَدَ أهْلُ الشَّام فلا خَيْرَ فيكُم. أخْبَرَنا أبو مَنْصُور، قال: أخْبرَنا عَمِّي (٤)، قال: قَرَأتُ بِخَطّ شَيْخنا أبي الفَرَج غَيْث بن علّي بن عَبْد السَّلام الخَطِيب، قال: قَرَأتُ بِخَطّ عَبْدِ اللهِ بن عليّ بن أبي العَجَائِز الأزْدِيّ: حَدَّثَنَا عليّ بن مُحمَّد بن أبي سُلَيمان الصُّوْرِيّ، قال: حَدَّثَنَا يَزِيدُ ابنُ عَبْد الصَّمَد الدَّمَشْقِيُّ، عن سَلَمَةَ بن أحمد، قال: حَدَّثَنَا إسْحَاقُ بن عَبْد الوَاحِدِ القُرَشِيّ المَوْصِلَّي، قال: حَدَّثَنَا عَمْرو بن رُزَيْقٍ -وهو مَوْصِليّ- عن ثَوْر بن يَزِيد، عن

стр. 457

حَفْص بن بِلال بن سَعْدٍ، عن أبيهِ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: إذا وقعَتِ الفِتَنُ فهَاجِرُوا إلى الشَّامِ، فإنَّها من الله بَمْنَظرٍ، وهي أرْضُ الَمْحَشر. أخْبَرنا أبو الَحَّاج يُوسُف بن خَلِيل بن عَبْدَ الله الدَّمَشْقِيُّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُسْلم الُمؤيَّد بن عَبْد الرَّحِيْم بن الإخْوَة وصَاحبَتُه عَيْنُ الشَّمْس، قالا: أخْبَرنا أبو الفَرَج سَعيدُ بن أبي الرَّجَاءِ الصَّيْرَفِيّ الأصْبَهَانّيِ -قالت: إجازة- ح. وأنْبَأنا أبو القاسم القَاضِي عن أبي الفَرَج بن أبي الرَّجَاءِ، ح. وأخْبَرنا أبو مَنْصُور الفَقِيه، قال: أخْبَرنا أبو القَاسِم عليُّ بن أبي مُحمَّد (١)، قال: أخْبَرَنا أبو الفَرَج سَعيدُ بن أبي الرَّجَاء الأصْبَهَانيِّ بها، قال: أخْبَرَنا أحمد بن مَحْمُود الثَّقَفِيّ ومَنْصُور بنُ الحُسَيْن الكَاتِبُ، قالا: أخْبَرَنا أبو بَكْر بنُ المُقْرِئ (٢)، قال: حَدَّثَنا مُحمَّد بن عليّ بن الحَسَن بن حَرْب، قاضِي الطَّبَرِيَّة، بطَبَريَّة، قال: حَدَّثَنا سُلَيمان بن عُمَر بن خَالِد الأقْطَع، قال: حَدَّثنا إسْمَاعِيْل بن إبَراهِيم - هو ابنُ عُلَيَّة. قال: حَدَّثنا زِيَاد بن بَيَان، حَدَّثَنا سَالِم، عن عَبْد الله بن عُمَر، قال (٣): صلَّى رسُول اللهِ ﷺ صَلَاة الفَجْر ثمّ انْفَتَلَ، فأقْبل على القَوْم، فقال: اللَّهُمَّ بارِك لنا في مَدِينَتِنا، وبارِك لنا في مُدِّنا وصَاعِنَا، اللَّهُمَّ بارِك لنا في حَرَمِنا، وبارك لنا في شَامِنا ويَمَنِنا، فقال رَجُلٌ: والعِراَق يا رسُول اللهِ؟ ثمّ عاد فقال مثل ذلك، فقال الرَّجُلُ: والعِراَق يا رَسُول الله؟ فسَكَت، ثمّ قال: اللَّهُمَّ بارِك لنا في مَدينَتنا، وبارِك لنا في مُدِّنا وصَاعِنا، اللَّهُمَّ بارك لنا في حَرَمِنا، وبارِك لنا في شَامِنا ويَمَننا. فقال رَجُلٌ: والعِرَاق يا رسُول الله؟، قال: ثمّ يَطْلُعُ قرن الشَّيْطان، وتَهيْجُ الفِتَنُ.

стр. 458

أخْبَرَنا أبو مَنْصُور، قال: أخْبَرَنا عَمَّي (١)، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضائِل نَاصِرُ بن عليّ بن مَحْمُود، قال: حَدَّثَنا عليّ بن أحمد بن زُهَيْر، قال: حَدَّثَنا عليّ بن أحمد بن شُجاعٍ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْدُ الرَّحْمن بن عُمَر، قال: حَدَّثَنا أبو الفَضْل العبَّاس بن بَيْهَس بمِصْر، قال: حَدَّثَنا أحمد بن ثَابِت بن زيد، قال: حَدَّثنا أبو حُمَيْد أحمد بن مُحمَّد بن الُمِغيرَة، قال: حَدَّثَنا يَحْيَى بن سَعيد العَطَّار، قال: حَدَّثَنَا علي بن هَمَّام، عن كَعْب، قال: جاء إليه رجلً فقال: إنّي أُريدُ الخُرُوج أبتَغي فَضْلَ الله ، قال: عليكَ بالشَّامِ؛ فإنِّه ما نَقَصَ من بركَة الأرْضين يُزاد في الشَّام. وأخْبَرنا أبو مَنْصُور، قال: أخْبَرَنا عَمَّي (٢)، قال: أخْبَرَنا أبو مُحمَّد هِبَةُ اللهِ ابن أحمد بن طَاوُوس، وأبو القَاسِم الحُسَيْن بن أحمد بن عَبْدِ الصَّمَد بن تَميْم، وأبو إسْحَاق إبْرَاهِيمُ بن طَاهِر بن عليّ بن بَرَكات الخُشُوعِيّ، قالوا: أخْبَرَنا الفَقِيهُ أبو القَاسِم عليّ بن مُحمَّد بن أبي العَلاءِ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحمد بن جَرِير بن أحمد بن خَمِيْس السَّلَمَاسِيُّ، قال: حَدَّثَنا أبو الحَسَن المُظَفَّرُ بن الحَسَن، قال: حَدَّثَنا أبو الحَسَن أحمدُ بنُ عُمَيْر بن يُوسُف بن جَوْصَا، قال: حَدَّثَنا أبو حَفْصٍ عَمْرُو ابنُ عثمان بن كَثِيْر، قال: حَدَّثَنَا أبو المُغِيْرَة، قال: حَدَّثَني الغَازُ بن جَبَلَة، قال: حَدَّثَني الوَليدُ بن عَامِرٍ اليَزَنيّ (a)، عن كَعْب، أنَّهُ كان يقول: يا أهْل الشَّام، إنَّ النَّاسَ يريدُون أنْ يضَعُوكم، والله يَرْفَكُم، وإنَّ الله يتَعاهَدُ كم كما يَتعاهَدُ الرَّجُلُ نَبْلَهُ في كِنانَتِهِ، لأنَّها أحبّ أرْضِه إليهِ، يُسْكِنُها أحبّ خَلْقهِ إليهِ، من دَخَلَها مَحُروم، ومَن خَرَجَ منها مَغْبون.

стр. 459

أخْبَرنا أبو مُحمَّد عَبْد العَزِيْز بن بَرَكات بن إبْراَهِيْم بن طَاهرِ الخُشُوِعيّ بالرَّبْوَة بِظَاهِر دِمَشْق، قال: أخْبَرنا أبي، قال: أخْبَرنَا أبو القاسم نصر بن أحمد بن مُقَاتِل إجَازَةً، قال: أخْبَرنا أبو الحَسَن عليّ بن أحمد بن زُهَيْر الماَلِكِيّ، قال: حَدَّثَنا أبو الحَسَن عليّ ابن مُحمَّد بن شُجاع الرَّبعيّ المَالِكِيّ (١)، قال: أخْبَرنا أبو القَاسِم عَبْد الرَّحْمن بن عُمَر بن نصر بن مُحمَّد الشَّيْبَانِيّ، قال: حَدَّثَنا أبو الفَضْل العبَّاس بن بَيْهَس (a) بِمصْر، قال: حَدَّثنا عليّ بن الحُسَيْن (b) بن عَبْد المُؤْمِن، قال: حَدَّثَنا مُحمَّد بن إسْحَاق الصَّيْنيّ (c) ، قال: حَدَّثَنَا عَمْرو (d) بن عَبْد الغَفَّار، قال: حَدَّثَنَا المَسْعُوديّ عَوْن (e) بن عَبْدِ الله بن عُتْبَة، قال: قَرَأتُ فيما أنْزَل الله جلَّ وعزَّ على بعض الأنْبِياء أنَّ الله يقول: الشَّام كِنانَتي، فإذا غَضِبْتُ على قَوْمٍ رَميْتُهم منها بسَهْمٍ. أخْبَرنا عُمَر بن مُحمَّد بن طَبَرْزَد قِراءَةً عليهِ، قال: أخْبرنا أبو القَاسِم هِبَةُ الله بنُ مُحمَّد بن الحُصَيْن، قال: أخْبَرنا أبو طَالِب مُحمَّد بن مُحمَّد بن إبْرَاهِيْم بن غَيْلَان، قال: أخْبَرنا أبو بَكْر مُحمَّد بنُ عَبْدِ الله بن إبْرَاهِيْم الشَّافِعِيُّ، قال: حَدَّثَنا إسْحَاقُ بن الحَسَن، قال: حَدَّثَنا أبو حُذَيْفَة، قال: حَدَّثَنا سُفْيان في قَوْل الله : ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ (٢). قال: الشَّام.

стр. 460

أخْبَرنا أبو مَنْصُور عَبْدُ الرَّحْمن، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم (١)، قال: أنْبَأَنا أبو الفَرَج غَيْثُ بن عليّ الصُّوْرِيّ، ونَقَلْتُهُ من خَطِّه، قال: حَدَّثَنا أبو بَكْر أحمد بن عليّ الحَافِظُ، قال: أخْبَرنا عليُّ بن إبْرَاهِيْم البَزَّازُ بالبَصْرَة، قال: حدَّثنا أبو بَكْر يَزِيدُ بنُ إسْمَاعِيْل بن عُمَر الخَّلالُ، قال: حَدَّثَنا العبَّاسُ بن عَبْدِ الله بن أبي عِيسَى التَّرْقُفِيّ، قال: حَدَّثنا مُحمَّد بن كَثِيْر المصّيْصِيّ، عن إسْمَاعِيْل بن خَالِدٍ، عن مُحمَّد بن عَمْرو. أو عُمَرَ، شَكَّ أبو مُحمَّد، يعني: العبَّاس -قال ابنُ كَثِيْرِ: وأراني قد سَمِعْتُهُ منه عن وَهْب بن مُنَبّه، قال: إنّي لأجِدُ ترداَد الشَّام في الكُتُب حتَّى كأنَّهُ ليسَ لله حاجَةٌ إلا بالشَّام. أنْبَأنَا الأَخَوَان أبو مُحمَّد عَبْدِ الرَّحْمن، وأبو العبَّاس أحمد، ابْنَا عَبْد الله بن عُلْوَان، عن مَسْعُود الثَّقَفِيّ، قال: أخْبَرنا أبو بَكْر أحمدُ بن عليّ الحافِظُ إجازَةً، قال: أخْبَرنا أبو الحسين بنُ بِشْران، قال: أخْبَرَنا عُثْمان بن أحمد بن عَبْدِ الله الدَّقَّاق، قال: قُرِئ على أبي بَكْر مُحمَّد بن أحمد بن النَّضْر ابن بنْت معاوِيَة بن عَمْرو: حَدَّثَنا مُعاوِيَة بن عَمْرو بن المُهَلَّب الأزْدِيّ، عن إبْرَاهِيْم بن مُحمَّد بن الحَارِث بن أسْماءَ ابن خارِجَةَ الفَزاَرِيّ، عن الأوْزَاعيّ، عن ثَابِت بن مَعْبَد، قال: قال اللهُ تعالَى: يا شَامُ؛ أنْتِ خِيرَتي من بلدي (a)، أُسْكِنُكِ خِيَرتي من عِبَادي. أخْبَرنا قاضِي القُضَاة بَهَاء الدّين أبو المَحَاسِن يُوسُف بن رَافع بن تَمْيم، قال: أخْبَرَنا الحَافظُ أبو بَكْر مُحمَّد بن علىّ الجيَّانيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحمَّد عَبْدِ الجبَّار بن مُحمَّد بن أحمد الخُوَارِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن أحمد بن مُحمَّد الوَاحِدِيُّ المُفَسِّر، قال (٢): قَوْلُه ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ (٣) قال قَتَادَةُ: هي الشَّامُ.
следующие страницы →