← Тараджим

Тараджим · id 1160

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان

كمال الدين ابن العديم

Полный текст (6 378 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

آخرين، يُزِيْغُ اللهُ قُلُوبَ قَوْم ليَرْزقَهُم منه، حتَّى تأتيهم السَّاعَةُ كأنَّها قِطَعُ اللَّيْل المُظْلِم، فيَفْزعُون لذلكَ حتَّى يَلْبَسُوا لذلكَ الدُّرُوع. وقال رسُول اللهِ ﷺ : هُم أهْلُ الشَّام. ونَكَتَ رسُول الله ﷺ بإصْبَعِهِ يُوْمئ بها إلى الشَّام، حتَّى أوْجَعَها. رواهُ البُخاريُّ في التَّاريخ (١) عن عَبْد الله بن يُوسُفَ. أخْبَرَنَا أبو مَنْصُور، قال: أخْبَرَنا عَمِّي الحافِظُ (٢)، قال: أخْبَرنا أبو القَاسِم الخَضِر بن الحُسَيْن بن عَبْد الله بن عَبْدَان، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد اللهِ الحَسَنُ بن أحْمد ابن أبي الحَدِيْدِ، قال: أخْبَرَنَا أبو الوَلِيدِ الحَسَنُ بن مُحمَّد الدَّربَنْدِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو نَصْر أحمدُ بن المُظَفَّر بن مُحمَّد المَوْصِليّ بها، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الله بن حَيَّان بن عَبْد العَزِيْز بن حَيَّان، قال: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بن عَلُّويَة القَطَّان، قال: حَدَّثَنَا إبْرَاهِيْم ابن يَزِيد بن مُصْعَب الشَّاميّ، قال: حَدَّثَنَا ابن خُلَيْد الدَّمَشْقِيّ، عن الوَضِيْن بن عَطَاء، عن مَكْحُول، عن عَبْد الله بن عَمْرو (٣)، قال: قال رسُول اللهِ ﷺ : الخَيْرُ عَشَرَةُ أعْشارٍ؛ تسعة بالشَّام، وواحد في سائر البُلْدان؛ والشَّرُّ عَشَرةُ أعْشَارٍ؛ واحدُ بالشَّام، وتِسْعَةُ في سَائر البُلْدان، وإذا فَسَدَ أهْلُ الشَّام فلا خَيْرَ فيكُم. أخْبَرَنا أبو مَنْصُور، قال: أخْبرَنا عَمِّي (٤)، قال: قَرَأتُ بِخَطّ شَيْخنا أبي الفَرَج غَيْث بن علّي بن عَبْد السَّلام الخَطِيب، قال: قَرَأتُ بِخَطّ عَبْدِ اللهِ بن عليّ بن أبي العَجَائِز الأزْدِيّ: حَدَّثَنَا عليّ بن مُحمَّد بن أبي سُلَيمان الصُّوْرِيّ، قال: حَدَّثَنَا يَزِيدُ ابنُ عَبْد الصَّمَد الدَّمَشْقِيُّ، عن سَلَمَةَ بن أحمد، قال: حَدَّثَنَا إسْحَاقُ بن عَبْد الوَاحِدِ القُرَشِيّ المَوْصِلَّي، قال: حَدَّثَنَا عَمْرو بن رُزَيْقٍ -وهو مَوْصِليّ- عن ثَوْر بن يَزِيد، عن

стр. 457

حَفْص بن بِلال بن سَعْدٍ، عن أبيهِ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: إذا وقعَتِ الفِتَنُ فهَاجِرُوا إلى الشَّامِ، فإنَّها من الله بَمْنَظرٍ، وهي أرْضُ الَمْحَشر. أخْبَرنا أبو الَحَّاج يُوسُف بن خَلِيل بن عَبْدَ الله الدَّمَشْقِيُّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُسْلم الُمؤيَّد بن عَبْد الرَّحِيْم بن الإخْوَة وصَاحبَتُه عَيْنُ الشَّمْس، قالا: أخْبَرنا أبو الفَرَج سَعيدُ بن أبي الرَّجَاءِ الصَّيْرَفِيّ الأصْبَهَانّيِ -قالت: إجازة- ح. وأنْبَأنا أبو القاسم القَاضِي عن أبي الفَرَج بن أبي الرَّجَاءِ، ح. وأخْبَرنا أبو مَنْصُور الفَقِيه، قال: أخْبَرنا أبو القَاسِم عليُّ بن أبي مُحمَّد (١)، قال: أخْبَرَنا أبو الفَرَج سَعيدُ بن أبي الرَّجَاء الأصْبَهَانيِّ بها، قال: أخْبَرَنا أحمد بن مَحْمُود الثَّقَفِيّ ومَنْصُور بنُ الحُسَيْن الكَاتِبُ، قالا: أخْبَرَنا أبو بَكْر بنُ المُقْرِئ (٢)، قال: حَدَّثَنا مُحمَّد بن عليّ بن الحَسَن بن حَرْب، قاضِي الطَّبَرِيَّة، بطَبَريَّة، قال: حَدَّثَنا سُلَيمان بن عُمَر بن خَالِد الأقْطَع، قال: حَدَّثنا إسْمَاعِيْل بن إبَراهِيم - هو ابنُ عُلَيَّة. قال: حَدَّثنا زِيَاد بن بَيَان، حَدَّثَنا سَالِم، عن عَبْد الله بن عُمَر، قال (٣): صلَّى رسُول اللهِ ﷺ صَلَاة الفَجْر ثمّ انْفَتَلَ، فأقْبل على القَوْم، فقال: اللَّهُمَّ بارِك لنا في مَدِينَتِنا، وبارِك لنا في مُدِّنا وصَاعِنَا، اللَّهُمَّ بارِك لنا في حَرَمِنا، وبارك لنا في شَامِنا ويَمَنِنا، فقال رَجُلٌ: والعِراَق يا رسُول اللهِ؟ ثمّ عاد فقال مثل ذلك، فقال الرَّجُلُ: والعِراَق يا رَسُول الله؟ فسَكَت، ثمّ قال: اللَّهُمَّ بارِك لنا في مَدينَتنا، وبارِك لنا في مُدِّنا وصَاعِنا، اللَّهُمَّ بارك لنا في حَرَمِنا، وبارِك لنا في شَامِنا ويَمَننا. فقال رَجُلٌ: والعِرَاق يا رسُول الله؟، قال: ثمّ يَطْلُعُ قرن الشَّيْطان، وتَهيْجُ الفِتَنُ.

стр. 458

أخْبَرَنا أبو مَنْصُور، قال: أخْبَرَنا عَمَّي (١)، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضائِل نَاصِرُ بن عليّ بن مَحْمُود، قال: حَدَّثَنا عليّ بن أحمد بن زُهَيْر، قال: حَدَّثَنا عليّ بن أحمد بن شُجاعٍ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْدُ الرَّحْمن بن عُمَر، قال: حَدَّثَنا أبو الفَضْل العبَّاس بن بَيْهَس بمِصْر، قال: حَدَّثَنا أحمد بن ثَابِت بن زيد، قال: حَدَّثنا أبو حُمَيْد أحمد بن مُحمَّد بن الُمِغيرَة، قال: حَدَّثَنا يَحْيَى بن سَعيد العَطَّار، قال: حَدَّثَنَا علي بن هَمَّام، عن كَعْب، قال: جاء إليه رجلً فقال: إنّي أُريدُ الخُرُوج أبتَغي فَضْلَ الله ، قال: عليكَ بالشَّامِ؛ فإنِّه ما نَقَصَ من بركَة الأرْضين يُزاد في الشَّام. وأخْبَرنا أبو مَنْصُور، قال: أخْبَرَنا عَمَّي (٢)، قال: أخْبَرَنا أبو مُحمَّد هِبَةُ اللهِ ابن أحمد بن طَاوُوس، وأبو القَاسِم الحُسَيْن بن أحمد بن عَبْدِ الصَّمَد بن تَميْم، وأبو إسْحَاق إبْرَاهِيمُ بن طَاهِر بن عليّ بن بَرَكات الخُشُوعِيّ، قالوا: أخْبَرَنا الفَقِيهُ أبو القَاسِم عليّ بن مُحمَّد بن أبي العَلاءِ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحمد بن جَرِير بن أحمد بن خَمِيْس السَّلَمَاسِيُّ، قال: حَدَّثَنا أبو الحَسَن المُظَفَّرُ بن الحَسَن، قال: حَدَّثَنا أبو الحَسَن أحمدُ بنُ عُمَيْر بن يُوسُف بن جَوْصَا، قال: حَدَّثَنا أبو حَفْصٍ عَمْرُو ابنُ عثمان بن كَثِيْر، قال: حَدَّثَنَا أبو المُغِيْرَة، قال: حَدَّثَني الغَازُ بن جَبَلَة، قال: حَدَّثَني الوَليدُ بن عَامِرٍ اليَزَنيّ (a)، عن كَعْب، أنَّهُ كان يقول: يا أهْل الشَّام، إنَّ النَّاسَ يريدُون أنْ يضَعُوكم، والله يَرْفَكُم، وإنَّ الله يتَعاهَدُ كم كما يَتعاهَدُ الرَّجُلُ نَبْلَهُ في كِنانَتِهِ، لأنَّها أحبّ أرْضِه إليهِ، يُسْكِنُها أحبّ خَلْقهِ إليهِ، من دَخَلَها مَحُروم، ومَن خَرَجَ منها مَغْبون.

стр. 459

أخْبَرنا أبو مُحمَّد عَبْد العَزِيْز بن بَرَكات بن إبْراَهِيْم بن طَاهرِ الخُشُوِعيّ بالرَّبْوَة بِظَاهِر دِمَشْق، قال: أخْبَرنا أبي، قال: أخْبَرنَا أبو القاسم نصر بن أحمد بن مُقَاتِل إجَازَةً، قال: أخْبَرنا أبو الحَسَن عليّ بن أحمد بن زُهَيْر الماَلِكِيّ، قال: حَدَّثَنا أبو الحَسَن عليّ ابن مُحمَّد بن شُجاع الرَّبعيّ المَالِكِيّ (١)، قال: أخْبَرنا أبو القَاسِم عَبْد الرَّحْمن بن عُمَر بن نصر بن مُحمَّد الشَّيْبَانِيّ، قال: حَدَّثَنا أبو الفَضْل العبَّاس بن بَيْهَس (a) بِمصْر، قال: حَدَّثنا عليّ بن الحُسَيْن (b) بن عَبْد المُؤْمِن، قال: حَدَّثَنا مُحمَّد بن إسْحَاق الصَّيْنيّ (c) ، قال: حَدَّثَنَا عَمْرو (d) بن عَبْد الغَفَّار، قال: حَدَّثَنَا المَسْعُوديّ عَوْن (e) بن عَبْدِ الله بن عُتْبَة، قال: قَرَأتُ فيما أنْزَل الله جلَّ وعزَّ على بعض الأنْبِياء أنَّ الله يقول: الشَّام كِنانَتي، فإذا غَضِبْتُ على قَوْمٍ رَميْتُهم منها بسَهْمٍ. أخْبَرنا عُمَر بن مُحمَّد بن طَبَرْزَد قِراءَةً عليهِ، قال: أخْبرنا أبو القَاسِم هِبَةُ الله بنُ مُحمَّد بن الحُصَيْن، قال: أخْبَرنا أبو طَالِب مُحمَّد بن مُحمَّد بن إبْرَاهِيْم بن غَيْلَان، قال: أخْبَرنا أبو بَكْر مُحمَّد بنُ عَبْدِ الله بن إبْرَاهِيْم الشَّافِعِيُّ، قال: حَدَّثَنا إسْحَاقُ بن الحَسَن، قال: حَدَّثَنا أبو حُذَيْفَة، قال: حَدَّثَنا سُفْيان في قَوْل الله : ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ (٢). قال: الشَّام.

стр. 460

أخْبَرنا أبو مَنْصُور عَبْدُ الرَّحْمن، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم (١)، قال: أنْبَأَنا أبو الفَرَج غَيْثُ بن عليّ الصُّوْرِيّ، ونَقَلْتُهُ من خَطِّه، قال: حَدَّثَنا أبو بَكْر أحمد بن عليّ الحَافِظُ، قال: أخْبَرنا عليُّ بن إبْرَاهِيْم البَزَّازُ بالبَصْرَة، قال: حدَّثنا أبو بَكْر يَزِيدُ بنُ إسْمَاعِيْل بن عُمَر الخَّلالُ، قال: حَدَّثَنا العبَّاسُ بن عَبْدِ الله بن أبي عِيسَى التَّرْقُفِيّ، قال: حَدَّثنا مُحمَّد بن كَثِيْر المصّيْصِيّ، عن إسْمَاعِيْل بن خَالِدٍ، عن مُحمَّد بن عَمْرو. أو عُمَرَ، شَكَّ أبو مُحمَّد، يعني: العبَّاس -قال ابنُ كَثِيْرِ: وأراني قد سَمِعْتُهُ منه عن وَهْب بن مُنَبّه، قال: إنّي لأجِدُ ترداَد الشَّام في الكُتُب حتَّى كأنَّهُ ليسَ لله حاجَةٌ إلا بالشَّام. أنْبَأنَا الأَخَوَان أبو مُحمَّد عَبْدِ الرَّحْمن، وأبو العبَّاس أحمد، ابْنَا عَبْد الله بن عُلْوَان، عن مَسْعُود الثَّقَفِيّ، قال: أخْبَرنا أبو بَكْر أحمدُ بن عليّ الحافِظُ إجازَةً، قال: أخْبَرنا أبو الحسين بنُ بِشْران، قال: أخْبَرَنا عُثْمان بن أحمد بن عَبْدِ الله الدَّقَّاق، قال: قُرِئ على أبي بَكْر مُحمَّد بن أحمد بن النَّضْر ابن بنْت معاوِيَة بن عَمْرو: حَدَّثَنا مُعاوِيَة بن عَمْرو بن المُهَلَّب الأزْدِيّ، عن إبْرَاهِيْم بن مُحمَّد بن الحَارِث بن أسْماءَ ابن خارِجَةَ الفَزاَرِيّ، عن الأوْزَاعيّ، عن ثَابِت بن مَعْبَد، قال: قال اللهُ تعالَى: يا شَامُ؛ أنْتِ خِيرَتي من بلدي (a)، أُسْكِنُكِ خِيَرتي من عِبَادي. أخْبَرنا قاضِي القُضَاة بَهَاء الدّين أبو المَحَاسِن يُوسُف بن رَافع بن تَمْيم، قال: أخْبَرَنا الحَافظُ أبو بَكْر مُحمَّد بن علىّ الجيَّانيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحمَّد عَبْدِ الجبَّار بن مُحمَّد بن أحمد الخُوَارِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن أحمد بن مُحمَّد الوَاحِدِيُّ المُفَسِّر، قال (٢): قَوْلُه ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ (٣) قال قَتَادَةُ: هي الشَّامُ.

стр. 461

بابٌ في ذِكْرِ قُوَيْق؛ نَهْر حَلَب (١)، ومَخْرجه، وما وَرَدَ فيه ولَهُ مَخْرجان شاهَدتُّهُما، وبين حَلَب وبينهما أرْبَعة وعشرون مِيْلًا، أحدُهُما في قَرْيَةٍ يُقالُ لها الحُسَيْنِيَّة؛ بالقُربِ من عَزَاز، يَخْرج الماء من عَيْن كَبيرة، فيَجْري في نَهْر، ويَخْرج بين جَبَلين حتَّى يقع في الوَطاة الّتي قبلي الجَبَل المُمتدّ من بلّد عَزَاز شَرْقًا وغَربًا، والمَخْرج الآخر يَجْتَمع من عُيُون ماءٍ من سُنْيَاب (٢)، ومن قُرَىً حولها كُلّها من بَلَدِ الراَّوَنْدَان، فتَجْتَمع تلكَ الأعْينُ وتَجْري في نَهْر يخرجُ من فَم فَجّ سُنْيّاب، فيقَع في الوَطاة المَذْكُورَة، ويجْتَمع النَّهْران فيصيران نَهْرًا واحدًا في بلد عَزَاز، وهو نَهْر قُوَيْق، ثمّ يَجْري إلى دَابِق ويَمُرُّ بَمَدِيَنة حَلَب، وتَمدّه عُيُون قبل وُصُوله إليها، وكذلك بعد أنْ يتَجاوز حَلَب، وتمدّه عين المُبارَكة فيَقْوى وتَدُور عليه الأرْحَاء، ويَسْقي في طَرِيقه مَوَاضع كَثِيْرة حتَّى يَنْتَهي إلى قِنَّسْرِيْن، ثم يَمُرّ إلى المَطْخ، فيَغِيْض في الأَجَم.

стр. 462

وحكَي لي والدي، ﵀، قال: يُقالُ إنَّ نَهْر قُوَيق يَغِيْض في المَطْخِ، ويَخْرج إلى بُحَيَرة أفَامِيَة، وأنَّ قُوَيْق إذا مَدَّ في الشَّتَاء احْمرَّ ماء بُحَيَرة أفَامِيَة، فاسْتَدلُّوا بذلكَ على ما ذكرنَاهُ. ومَسَافَة ما بين مَغِيْضه إلى أفَامِيَةَ مِقْدَار أرْبَعة عَشر مِيْلًا. وقال أبو زَيدٍ البَلْخِيّ في تاريخه (١): ومَخْرجُ نَهْر حَلَب من حُدُود دَابِق، دون حَلَب بثَمانية عشر مِيْلًا، ويَغِيض (a) في أَجَمَةٍ أسْفَل حَلَب. وقال ابن حَوْقَل النَّصِيْبيّ في جَغْرَافيَا (٢) وقد ذكَر حَلَبَ: ولها وادٍ يُعْرفُ بأبي الحَسَن قُوَيْق، وشِرْبُ أهْلِها منهُ، وفيه قليلُ طَفَس. وذكَر الحَسَنُ بن أحمد المُهَلَّبيَّ العَزِيزِيّ في كتابِ المَسَالِك والمَمَالِك، الّذي صَنَّفَهُ للعَزِيز الفاطِميّ المُسْتَولِي على مِصْر، فذكَرَ حَلَب بما قَدَّمنا ذِكْره في صَدْر

стр. 463

كتابنا هذا (١)، وقال: وشِرْبُ أهلِ حَلَب من نَهْر على باب المَدِينَة يُعرفُ بقُوَيْق، ويَكْنِيه أهْلُ الخلَاعَة أبا الحَسَن. وقال أبو الحُسَيْن بن المُنَادي في كتابهِ المُسَمَّى بالحَافِظ، وأنْبَأنَا بذلك أبو القَاسِم الحَمَوِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر السَّلِفيّ إجَازَةً، عن أحمد بن مُحَمَّد الآبِنُوسِيَّ (a)، قال: ذَكَرَ أبو الحُسَيْن بن المُنَادِي، قال: ومَخْرج قُوَيْق - نَهْر حَلَب - من قَرْيَةٍ تُدْعَى سُنْيَاب على سبْعَة أمْيَالٍ من دَابِق، ثمّ يَمُرّ إلى حَلَب ثَمانية عَشَر مِيْلًا، ثمّ إلى مَدِينَة قِنَّسْرِيْن اثنى عشر مِيْلًا، ثمّ إلى مَرْج الأحْمَر اثنى عَشر مِيْلًا، ثمّ يَغِيضُ في الأَجَمَةِ، فمن مَخرجِهِ إلى مَغِيضِه مِقْدَار اثنين وأربعينَ مِيْلًا. وذكَرَ أبو عَبْدِ اللهِ مُحمَّد بن أحمد الجَيْهَانيَّ في كتابِهِ، قال: ويَخْرج قُوَيْقُ -نَهرُ حَلَب- من قَرْيَةٍ تُدعَى سُنْيَاب، على سَبْعَة أمْيَالٍ من دَابِق، ثمّ يَمرّ إلى حَلَب ستَّة عَشر مِيْلًا، ثمّ إلى مَدِينَة قِنَّسْرِيْن اثنا عشر مِيْلًا، ثمّ إلى مَرْج الأحمر اثنا عَشر مِيْلًا، ثمّ يَغِيْضُ في الأَجَمَة. وقال أحمدُ بن مُحمَّد بن إسْحَاق الهَمَذَانيَّ المَعْرُوفُ بابنِ الفَقِيه (٢)، فيما قرأتُهُ في كتاب البُلْدان وأخْبارها من تأليفه، قال: مَخرجُ قُوَيْق -نَهْر حَلَب- من قَرْيَةٍ تُدعَى بسُنْيَاب على ستَّة أمْيَالٍ من دَابقِ، ثمّ يَمرّ إلى حَلَب ثمانية عشر مِيْلًا، ثمّ يَمُرّ إلى مَدِينَة قِنَّسْرِيْن اثنا عَشَر مِيْلًا، ثمَّ يَغِيضُ في الأَجَمَة؛ فمن مَخرجِه إلى مَغِيضِه اثنان وأربعونَ مِيْلًا.

стр. 464

قُلْتُ: وهذا مَرْج الأحْمر هو المَرْج المَعْرُوف الآن بمَرْج تلِّ السُّلْطَان، ولا يُعْرف الآن بمَرْج الأحمر؛ ويُعرفُ قُوَيْق تحت جَبَل جَوْشَن بالعَوَجَان، لاعْوجَاجِه في ذلك المَوْضِع. قال الصّنَوْبَريّ من أبياتٍ (١): [من المنسرح] والعَوَجَانُ الّذي كَلفْتُ بهِ … قد سُوَّيَ الحُسْنُ فيهِ مُذْ عُوّجْ وقال أبو نَصْر مَنْصُور بن المْسَلَّم بن أبي الخُرْجَين الحَلَبيَّ من أبْياتٍ (٢): [من الطويل] هل العَوَجَان الغَمْرُ صافٍ لوَارِدٍ … وَهَل خَضَّبَتْهُ بالخَلُوق مُدُودُ وكان سَيْف الدَّوْلَة ابن حَمْدَان، لَمَّا ابْتَنى قَصْره بالحَلْبَة، سَاقَ نَهْر قُوَيْق من المَوْضِع المَعْرُوف بالسَّقَّايات وأدْخَلهُ في قَصْره في شُبَّاكٍ يَجْري في القَصْر، ثم يَخْرج من جانبهِ القِبْليّ في شُبَّاكٍ آخر، ثمَّ يصبّ في النَّهْر الأصْليَّ عند المَوْضِع المَعْرُوف بالفَيْض؛ وكان قد رأى في منامِه كأنَّ حَيَّة قد تطوَّقَتْ على داره، فعَظُم عليه ذلك، فقال لَهُ بعضُ المُفَسِّرين: الحيَّةُ في النَّوم: ماءً، فأمَرَ بحَفْرٍ يُحْفَرُ بين داره وبين قُوَيْق حتَّى أدارَ الماء حول الدَّار، وقضَى الله أنَّ الرُّوم خَرجُوا، فصبَّحُوا حَلَب، واسْتَولَوا على دارِ سَيْف الدَّولةِ، وأخَذوا منها أموالًا عَظِيمَة، وذلك في سَنة إحْدى وخَمْسين وثَلاثِمائة، وخَرِبَتِ الدَّار، فعادَ النَّهرُ إلى ما هو عليه الآن. أخْبَرنا تَاجِ الأُمَناء أحمد بن مُحمَّد بن الحَسَن الدَّمَشْقيِّ كتابةً، واجْتمَعتُ بهِ في مجلسِ شَيْخنا أبي اليُمْن الكِنْدِيّ بدِمَشْق، قال: أخْبَرَنا عَمَّي الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن الدَّمَشْقيِّ (٣)، قال: أخْبَرنا أبو القَاسِم نَصْر بن أحمد بن

стр. 465

مُقَاتِل السُّوْسِيّ، قال: أخْبَرنا جَدَّي أبو مُحمَّد، قال: حَدَّثَنا أبو عَليّ الأهْوازيّ، قال: حَدَّثَنا أبو القاسم حَمْزَةُ بن عَبْدِ الله بن الحُسَين الأديبُ، قال: حَدَّثَنا أبو نَصْر مُحمَّد بن مُحمَّد بن عَمْرو النَّيْسَابُوريُّ، حَدَّثَني يَحْيَى بن عليّ بن هاشِم، قال: حَدَّثَنا عَبْدِ المَلِك بن دَلِيْل، قال: حَدَّثَنا عبَّاس الحَذَّاء، عن سعيد بن إسْحَاق الدَّمَشْقيّ في قَوْل اللهِ : ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ (١) على نَهرٍ بحَلَبَ يُقالُ لهُ قُوَيْق. وقد ذكَرَ قُوَيْق جَمَاعَةٌ من الشُّعَرَاءِ، ووَصَفُوه؛ فمنهم الوَزِير أبو القَاسِم الحُسَيْن ابن عليّ المَغْربيّ قال فيهِ، وقرأتُها في دِيْوَان شعره (٢): [من الكامل] أمَّا قُوَيْقُ فلَا عَدَتْهُ مُزْنَةً … من خِدْرِها بَرَزَ الغَمامُ الصَّيَّبُ نَهْرُ لأبْناءِ الصَّبَابةِ مَعْشَقٌ … فيهِ وللصَّادِي المُلوَّح مَشْرَبُ لا زال يُدْرِمُ تحتَ وَسْق مُكلَلٍّ … عَمَمٍ يُقدَّحُ مَنْكبيهِ وَيَنكبُ ممَّا تَمَناهُ الرَّبِيْعُ لرِيّهِ … أيَّامَ ظِمءٍ، رياضِهِ لا تُقْرَبُ فَرْدُ الرَّبابِ يَقُولُ شائمُ بَرْقهِ … من أين رُفَّعَ ذا الفَرِيقُ (a) المُهْدبُ والغَيْثُ في كِلَلِ السَّحَابِ كأنَّه … مَلِكٌ بقَاصيَةِ الرّواقِ مُحَجَّبُ صَخِبُ الرّعُود وإنَّما هي ألْسُنٌ … فأمرُّهُنَّ اللّوذَعِيُّ المسْهبُ راعى الضُّحَى في حين غِرَّة أَمْنِهِ … فسَنَاهُ مَخْطُوفُ الأَضَاءةِ أكْهَبُ جَذلان إنْ هتَكَ اللّثَامَ بدا لَهُ … خَدُ بجادِيّ البَوارق مُذْهَبُ والأرْضُ حَاسِرَةٌ تَوَدُّ لَو أنَّها … مِمَّا يُحبِّرُهُ الرَّبِيْعُ تَجَلْبَبُ

стр. 466

وقال أبو بَكْر أحمد بن مُحمَّد الصَّنَوْبَريّ، وقد أنْشدَنا بعض قَوْله القَاضِي أبو القَاسِم ابن مُحمَّد قاضي دِمَشْق بها، قال: أنْشَدَنا أبو الحَسَن عليّ بن المُسَلَّم السُّلَمِيّ، قال: أخْبَرنا أبو نَصْر الحُسَيْن بن مُحمَّد بن طَلَّاب، قال: أنشَدَنا أبو الحُسَيْن مُحمَّد بن أحمد ابن مُحمَّد بن جُمَيْع، قال: أنَشَدَني أبو بَكْر الصَّنَوْبَريّ (١): قُوَيْقٌ لَهُ عَهْدُ لدينَا وميثَاقُ … وهذِي العُهودُ والمواثيقُ أطْواَقُ نَفي الخَوفَ أنَّا لا غَرِيقُ تَرَي لَهُ (a) … فنحنُ على أَمْنٍ وذا الأَمْنُ أرْزَاقُ ونَزَّهَهُ إلَّا سَفينَةَ تمتَطِي … مَطَاهُ لها وخْدُ عليهِ وإِعْنَاقُ وأنْ ليسَ تَعْتاقُ التمَّاسيحُ شُرْبَه … إذا اعْتاق شُربَ الِنّيْل منهنَّ مُعْتاقُ ولا فيهِ سِلَّورُ ولو كانَ لم أَكُن … أرَى أنَّهُ إلَّا حَميمُ وغَسَّاقُ بَلَى تُعْلِنُ (b) التَّسْبيحَ في جَنَباتِه … عَلاجِمُ بالتَّسْبِيِح مُذ كُنَّ حُذَّاقُ أقامتْ به الِحْيتانُ سُوْقًا ولم تَزلْ … تُقامُ على شَطَّيهِ للطَّير أسْواقُ وَسُربلَ بالأرْجاءِ مَثْنَى ومَوْحدًا … كما سَرْ بلَتْ غُصْنًا من البان أوْراقُ وفَاضَتْ عُيونُ من نَواحيه ذُرَّفُ … ولَمَّا تُعاونها جُفُونُ وآمَاقُ هُو الماءُ إن يُوصَفْ بكُنه صفَاتِهِ … فللماءِ إغْضَاءُ لديه وإِطْراقُ ففي اللَّون بَلُّورُ وفي اللَّمع لُؤلؤٌ … وفي الطِّيبِ قِنْدِيْدُ وفي النَّفع دِرْياقُ إذا عَبَثَتْ أَيْدي النَّسِيْم بَوجْههِ … وقَدْ لَاح وَجْهُ منهُ أبْيَضُ بَرَّاقُ فطورًا عليهِ منْهُ دِرْعُ خَفِيْفَةُ (c) … وطورًا عليهِ جَوْشَنُ منه رَقْراقُ

стр. 467

وَلَم يَعْدهُ نَيْلَوْفَر مُتَشَوّفُ … بأَرْؤُس تبْرٍ والزَّبرجَدُ أَعْنَاقُ لَهُ ورقٌ يَعْلُو (a) على الماءِ مُطبَقٌ … كأطباق مَدْهُونٍ يَليهنَّ أطْبَاُق يَهَابُ قُوَيْقٌ أنْ يُمَلَّ فإنَّما … يُقيم زمانًا ثمّ يمضي فيَشْتاقُ وقَدْ عَابَهُ قَوْمٌ وكُلَّهمُ لَهُ … على ما تَعاطَوْهُ من العَيْب عَشَّاقُ وقَالُوا أليْسَ الصَّيْفُ يُبْلي لبَاسَهُ (b) … فقُلتُ الفَتي في الصَّيْفِ يُقْنعهُ طاقُ وَمَا الصُّبْحُ إلَّا آيب ثمّ غائبٌ … تُوارِيْهِ آفاقٌ وتُبْدِيه آفَاقُ ولا البَدْرُ إلَّا زائدٌ ثمّ ناقصٌ (C) … لَهُ في تَمامِ الشَّهْر حَبْسٌ وإطْلاقُ وَلو لَم تطَاوَل غيْبَةُ الوَرْدِ لم تَتُقْ … إليهِ قُلُوبٌ تَائقاتٌ وأحْدَاقُ ولو دَامَ في الحُبّ الوِصَالُ ولم يَكنْ … فراقٌ ولا هَجْرٌ لَمَا اشْتَاق مُشْتَاقُ وفَضْلُ الغنَى لا يَسْتَبينُ لذي الغني (d) … إذا لم يُبِيّنْ ذلك الفَضَل إمْلاقُ قُوَيْقُ رسِيْلُ الغَيْثِ يأتِي ويَنْقَضِي … ويأبي (e)، انْسياقًا تارةً ثُمّ يَنْسَاقُ قرأتُ هذه الأبيات بخَطِّ أحْمد بن خَلَف المُمَتَّع، وقال: قال القاضي أبو عَمْرو عُثْمان بن عَبْدِ الله الطَّرَسُوسيِّ: حَدَّثَنا أبو العبَّاس عَبْدِ الله بن عُبَيْد الله الصّفريّ، قال: وأنْشَدَني -يَعْني الصَّنَوْبَريّ- لنَفْسِه يصفُ قُويْقًا ويحنّ لهُ، وهذا ممَّا أبدَع فيهِ. وقال الصَّنَوْبَريّ أيضًا في قُوَيْقٍ وقد مَدّ (١): [من مخلع البسيط] اليَوْمُ يا هَاشِميُّ يوم … لِباسُهُ الطَّلُّ والضَّبَابُ

стр. 468

عيَّدَ في عِيْدنا قُوَيْقٌ … وخَلَّقَتْ وَجْهَهُ السَّحَابُ مَا لَوَّنَ الزّعْفَرانُ ما قَدْ … لَوَّنَ مِنْ مَائهِ التُّرَابُ تَذْهَبُ أمْوَاجُهُ كخَيْلٍ … شُقْرٍ، لها وسْطَهُ ذِهَابُ (a) فبادِر (b) الشُّرْبَ قَبْلَ فَوْتٍ … قد بَرَدَ الماءُ (c) والشَّرَابُ وقال الصَّنَوْبَريّ (١) أيضًا فيهِ: [من الطويل] رِياضُ قُوَيْقٍ لا تَزَال مُرَوَّضَهْ (d) … يُجَاورُ فيها أحْمَرُ اللَّونِ (e) أبْيَضَهْ يُعَارِضُنا كَافُورُه (f) كُلَّ شارقٍ … إذا ما الصَّبا مَرَّتْ بهِ مُتَعَرَّضَهْ لَدَى العَوَجانِ المُسْتَفادَة عندَهُ … مغانٍ (g) على حَثِّ الكُؤوس مُحَرَّضَهْ إذا ما طفَا النَّيْلَوفَرُ الغَضُّ فَوْقَه … مفَتَّحةً أجْفَنانُه أو مُغْمَّضَهْ حَسِبْتَ نُجُومًا مُذْهَباتٍ تَتابَعَتْ … فُرادَى ومَثْنَى في سَمَاءٍ مُفَضَّضَهْ أنْشدَنا ضِيَاء الدَّين الحَسَينُ بن عَمْرو المَوْصِليّ المَعْرُوفُ بابنِ دُهْن الحَصَا النَّحْويّ بقراءتي عليهِ، قال: أنشَدَنا الخَطِيبُ بالمَوْصِل أبو الفَضْل عَبْدِ الله بن أحمد ابن الطُّوسِيّ، قال: أنْشَدنا الخَطِيبُ أبو زَكَرِيَّاء يَحْيَى بنُ عليّ التَّبْرِيْزِيُّ إجَازَةً، قال: أنْشَدنا أبو العَلاءِ أحمدُ بن عَبْدِ الله بن سُلَيمان المَعَرِيّ (٢) لنَفْسِه من أبياتٍ كتبَ بها إلى ابن جَلَبَات المَعَرِّيّ: ونكَّبَ إلَّا عن قُوَيْقٍ كَأنَّهُ … يُظُنُّ سَواهُ زائدًا في أُوَامِهِ

стр. 469

بعِيْسٍ تُقَضِي الدَّهْر جَرْيًا (a) كأنَّها … مُفَتِّشةٌ أحْشَاءَه عن كِرامهِ تذكَّرْنَ من ماءِ العَوَاصِم شَرْبةً … وزُرْقُ العَوَالي دونَ زُرْق جِمَامِهِ فلَو نطَقَ الماءُ النَّميرُ مُسَلَّمًا … عليهنَّ لَم يَرْدُدْنَ رَجْعَ سَلامِهِ ومُلْتَثم بالغَلْفَق الجَعْدِ عَرَّسَتْ … عليهِ فَلَم تَكْشِفْ خَفِيَّ لثَامِهِ وكم بينَ ريفِ الشَّام والكَرْخ منْهَلًا … مَوارِدُهُ مَمْزُوجَةٌ بسِمَامهِ وأنْشَدنا الحَسَن بن عَمْرو، قال: أنشَدَنا أبو الفَضْل الخَطِيبُ، قال: أنشَدنا أبو زَكَرِيَّاء التَّبْرِيْزِيّ في كتابهِ، قال: أنْشَدَنَا أبو العَلاءِ المَعَرَّيُّ (١) لنَفْسِه، وقَالَها وهو ببَغْدَاد: طَربْنَ لضَوْءِ البارقِ المُتَعالِي … ببَغْدَاد وَهْنًا ما لَهُنَّ ومَا لِي سمَتْ نحوَهُ الأبْصَارُ حتَّى كأنَّها … بنَارَيْهِ من هَنَّا وثَمَّ صَوَالِ إذا طالَ عنها سرّهَا لو رُؤْوسُها … تُمَدُّ إليهِ في صُدُور (b) عَوَالِ تَمنَّتْ قُوَيْقًا والصَّرَاةُ حِيَالَها … تُرَابً لها مِن أَيْنْقٍ وجِمَالِ إذا لاحَ إيْماضٌ سَتَرْتُ وُجُوهَها … كأنَّيَ عَمْرٌو والمَطِيُّ سعَالِ وكَم هو نِضْوٌ أن يَطيرَ مع الصَّبَا … إلى الشَّام لولا حَبْسَه بعقَالِ أنْشَدَني أبو نَصْر مُحمَّدُ بن مُحمَّد بن إبرَاهِيم بن الخَضِر الحَلَبِيُّ لنَفِسه بدِمَشْق (٢): [من السريع] مَا بَرَدَى عندي ولا دِجْلَهٌ … ولا مَجاري النَّيْل في مِصْرِ

стр. 470

أَحْسَن مرأىً من قُوَيْقٍ إذا … أقْبَل في المَدِّ وفي الجَزْرِ يا لهفَتَا منْهُ على جُرْعَةٍ … تَبُلُّ منِّي غُلَّةَ الصَّدْرِ وممَّا قالهُ الصَّنَوْبَريّ (١) في قُوَيَّق: [من الكامل] أمَّا قُوَيْقٌ فارْتَدَى بمُعَصْفرٍ … شَرقٍ بحُمرتِه الغَدَاةَ بياضُهُ فكَأنَّما (a) فيما اكْتَسَى من صبْغِهِ … نَفَضَتْ شَقَائقَها عليهِ رياضُهُ هذا يَصفُ قُوَيْق، وقد مَدَّ في الشَّتَاء واحْمرّ لونُ مائِه، ولا أعْلَمُ نهرًا إذا مَدَّ يكون أشدّ حُمْرةً من ماءِ قُوْيْق، لأنَّ السُّيُول الّتي تَسِيْل عليه تَمُرّ في البِقَاع التّي في بلدِ عَزَاز إلى حَلَب، وتُرابها كُلّها أحْمَر شَديدُ الحُمْرَة، فيَحمَرّ الماءُ لذلك، ويَكْتسي لَونًا حَسَن المَنْظر. وقال الصَّنَوْبَريّ (٢) في قُوَيْق: [من الطويل] قُوَيْقٌ على الصَّفْراءِ رُكَّبَ جِسْمُهُ … رُبَاهُ بهذا شُهَّدٌ وحَدَائقُهْ فإنْ جَدَّ جِدُّ الضَّيْفِ غَادر جِسْمَهُ … ضَئيلًا ولكنَّ الشَّتَاءَ يُوافقُهْ يُريدُ أنَّ أصْحَاب الأمْزجَة الصَّفرَاويَّة تَنْحل أجْسَامهُم في الصَّيْف، ويوُافقهم الشَّتَاء، ويُريد أنَّ قُوَيْق يَقِلُّ ماؤهُ في الصَّيْف، وهو كذلك؛ لأنَّ النَّهْر يبقَى حَوْل المَدِينَة كالسَّاقية، لأنَّ أهل القُرَى يسقونَ من مائِه، والّذي يَصل منْهُ إلى حَيْلان يتقسَّمه أرْبابُ البَساتِيْن الشَّمَاليَّة يسقُونَها منه، فيَقلّ مَاؤُهُ لذلك، وربَّما انقَطع في بعض السَّنِيْن بالكُلَّيَّةِ لذلك، ولهذا قال ابن

стр. 471

حَوْقَل (١) فيما حَكيناهُ: وفيه قليل طَقَس. ثمّ يَزْداد قِبْليّ مَدِينَة حَلَب من عَيْن المُبارَكة، وتَدُور الأرْحَاء منها. وللصَّنَوْبريّ (٢) أبيات يصفُ فيها قلَّة ماءِ قُوَيْق في الصَّيْف؛ أنْشَدَني بعضَها والدي ﵀: قُوَيْقٌ إذا شَمَّ رِيْحَ الشَّتَاءِ … أظْهَرَ تِيْهًا وَكِبْرًا عَجِيْبا وَناسَبَ دِجْلَةَ والنَّيْلَ وَالـ … ــفُراتَ بَهَاءً وحُسْنًا وطِيْبَا وإنْ أقْبَلَ الصَّيْفُ أَبْصَرْتَهُ … ذَلِيْلًا حَقِيْرًا حَزينًا كَئيِبًا إذا ما الضَّفَادعُ نادَيْتَهُ … قُوَيْقُ قُوَيْقُ أَبَى أنْ يُجِيْبَا فَيَأوِينَ مِنْهُ بقايا كُسِيـ … ـنَ مِنْ طُحْلُبِ الصَّيْفِ ثَوْبًا قَشِيْبَا وَتَمْشِي الجَرادَةُ فيهِ فَلا … تَكادُ قَوائِمُها أنْ تَغِيبا أنْشَدَني والدِي ﵀: تَخُوضُ الجَرادَةُ في قَعْرِهِ … وتَأْبَى قَوائِمُها أنْ تَغِيْبَا وقال الصَّنَوْبَريُّ (٣) أيضًا في المعنَى: [من المتقارب] قُوَيْقُ إذا شَمَّ ريحَ الشَّتَاءِ … تَشَمُّ الخلافةُ من جَيْبِهِ وفي الصَّيفِ وَغْدٌ متى عِبْتَهُ … فَلَسْتَ مَلُومًا على عَيْبهِ (a)

стр. 472

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه توفيقي بابٌ فيِ ذِكْرِ الفُرَاتِ (١)، ومَخْرجه، ومَعْرفة مَنْ حَفَرَهُ، وَمَا ورَدَ في فَضْلهِ وإنَّما ذَكَرنَاه لأنَّهُ يمرُّ في عَمَل حَلَب من حَدّ مَلَطْيَة إلى أنْ يَتَجاوَز الرَّقَّة، وقد ذكَرْنا فيما أوْرَدناهُ في صَدْر كتابنا هذا عن كَعْب الأحْبَار، قال: إنَّ الله تعالَى بارَك في الشَّامِ من الفُرَاتِ إلى العَرِيْش؛ فيَدُلُّ ذلك على دخُوله في حَدَّ حَلَب. والفُرَات بالتَّاء، هذا هو المَعْروف بالمنقُول.

стр. 473

وقَرَأت بِخَطّ الحَافِظ أبي طَاهر السّلَفِيّ، في رسِالةٍ كَتَبها أبو الُمظَفَّر إبِرَاهِيم ابن أحمد بن اللَّيْث الأذْرِيّ إلى الكِيَا أبي الفتح الحَسَن بن عَبْد الله بن صالح الأصْبَهَانِيّ، يَذْكرلَهُ فيها سَفرتَهُ، قال في أثْنائها: إلى أنْ حَصَلنا بشَطّ الفُراَت، وهم يقُولونها: الفُراه، بالهاء، ولم أَكُ أحقُّها حتَّى قَرَأت في بعضِ الكُتُب أنَّه يُقالُ: فُرات وفُراَه، كما يُقال: عَنْکبُوتٌ وعَنكُبوهٌ، وتَابُوتٌ وتابُوهٌ، هذا على أنْ يكونَ لغةً لهم، ولا يكون على سَبِيْل الاعْتِقاب. وذَكَر لي مَنْ شاهدَ مَخْرج الفُراَت من أرْزَنِ الرُّوم من جَبَل هُناك، قال: ويَخرجُ من جانبِه الآخر نَهْر جَيْحُون. والفُراَتُ، إذا انْتَهى إلى الشَّام، ودَخَل في أرْضها، تَصُبُّ فيه أَنْهار مُتَعَدِّدة من أعْمَال حَلَب، شاهَدْتُها؛ منها: النَّهُر الأزْرَق، ويُعْرَفُ بَبَردا، وهو دونَ الدَّرْب على حدِّ بلادِ الرُّوم من الشَّام، ومنها نَهْر بَهَسْني، ومنها نَهْر رَعْبَان، ومنها نَهْر البَرْسَمان، ومنها نَهْر السَّاجُور، ويَجتَمع إليهِ أيضًا ذَوْبُ الثُّلُوج من الجِبَال الشَّاميَّةِ، فلهذا يكثُر ماؤُهُ، ويَمُدُّ عند إقْبالِ الصَّيْفِ، وعَقْد الرُّمَّان. وقال أبو عَبْد الله مُحمَّد بن أحمد الجَيْهَانِيّ: الفُراَتُ طالعُهُ السُّنْبُلَة، وصَاحبُ السَّاعَةِ القَمَرُ، ونَهُر الفُراَتِ يَخْرجُ من بلادِ الروُّم فوق مَوضعٍ يُقالُ لهُ أبريق (١)،

стр. 474

فيُقْبل مع الشَّمَال حتَّى يَمُرّ بالجَزِيَرة والرَّقَّة، ثمّ يَخْدر إلى الكُوفَة وفي غربيّه بلاد الشَّام، وفي شَرقيّهِ بلادُ الجَزِيَرَة، ثمّ يَصُبُّ في البَطائِح بعد أنْ يتفَرَّق فيصير أَنْهارًا عِظَامًا، ومَصَبُّهُ في البطائحِ بمَوضع كَسْكَر. ويقَعُ في الفُراَت في أرْض الجَزِيَرة نَهْر الخاَبُور، فيَصُبّ في الفُراَتِ في مَوضعٍ يُسَمَّى قَرْقِيسِيَا. وقال الحَسَنُ بن أبي الخَصِيْب الكَاتِب في كتاب الكَارِمِهْتَرْ في عِلْم أحْكام النُّجُوم (١): الفُراَتُ: نَجْمُهُ العَذْراء. وقَرَأتُ في كتاب المَسَالِك والمَمَالِك، تأليفُ أحمد بن الطَّيَّب السَّرْخَسِيّ، قال: مَخارجُ الفُراَت من قَالِيْقَلا على فَرْسَخين من عَيْنٍ، يَمُرّ بأرْض الرُّوم، ويستَمدّ من عُيُون، ويَصُبُّ فيهِ أرْسَنَاس: نَهْر شِمْشَاط، ويجَيءُ إلى كَمْخ على مِيْلَين منِ مَلَطْيَة، ويخرجُ إلى حينيا (a) حتَّى يَبْلُغ إلى سُمَيسَاط، فيَحمل من هناك السُّفُنَ والأطْوافَ، ويَصُبُّ في أَنْهارٍ تتشعَّب منهُ بسَوادِ بَغْدَاد والكُوفَة في دِجْلَة. وقال أحمد بن الطَّيَّب: عَلو هي الفُرَات. أنْبَأنَا أبو مُحمَّد عَبْد الرَّحْمن، وأبو العبَّاس أحمد، ابْنَا عَبْد الله بن عُلْوَان الأسَدِيَّان، قالا: أخْبَرَنا أبو طَاهر أحمد بن مُحَّمد الحافظُ إجَازَةً، عن أحمد بن مُحمَّد ابن الآبِنُوسِيّ، قال: ذَكَر أبو الحُسَيْن بن المُنَادي في كتاب الحاَفِظ، من تَلْخيصِه، قال (٢): ومخرَجُ الفُراَت من قَالِيْقَلا حتَّى يَمُرّ بأرْض الرُّوم، ويستَمدّ من عُيُون حتَّى يَخْرجُ على مِيْلَين من مَلَطْيَة، ثم يبلُغ إلى سُمَيْسَاط، فيَحْمل من هناك السُّفُنَ

стр. 475

والأطْوَافَ، ثمّ يبلُغ إلى الكُوفَة من قُوَّة دِمِمَّا (a)، وإلى دِجْلَة من هنالكَ أيضًا، ومَصَابّهُ في دِجْلَة. وقال أبو زَيْد البَلْخِيّ في تاريخه (١): ومَخْرج الفُرَاتِ من أرْضِ الرُّوم من جبَال بها، من مَوضعٍ يُقالُ لهُ: أبريق (b) صخر، ويَمُرّ بالجَزِيرَة والرَّقَّة، وينحدر إلى الكُوقَة، ثمّ يَمُرّ حتَّى يَنْصَبُّ إلى البَطائِح فيَخْتلِط بدِجْلَة. قال (٢): ويَخْرجُ (c) الخَابُور من رَأس عَيْن، ويستَمدُّ من الهِرْمَاسِ، ويَنْصَبُّ في الفُرَات. أخْبَرنا عَبْدِ الله بن الحُسَيْن الأنْصاريّ، عن أبي طَاهِر السَّلفِيّ، قال: أخْبَرنا المُبارَك بن عَبْدِ الجَبَّار، قال: حَدَّثَنا أبو عَبْدِ الله الصُّوْرِيّ، قال: أخْبَرنا أبو الحُسَيْن الغَسَّانيَّ، قال: حَدَّثَنا أحمدُ بن مُحمَّد بن بَكْر الِهَّرانِيّ، قال: أخْبَرَنا العبَّاسُ بن الفَرَج الرَّيَاشِيُّ، قال: يُقالُ إنَّ الفُرَات جاءَ من بلادِ الرُّوم، فجاءَ حتَّى صَبَّ في دِجْلَة، وصَبَّتْ دِجْلَةُ في البَحْر، وعَطَفَ (d) البَحْر إلى عَدَن، ثمّ إلى جُدَّة. قال الرَّيَاشِيُّ: وقال الأصْمَعِيُّ: هو من حَضْرَمَوْت إلى جُدَّة (e).

стр. 476

وقَرَأتُ في كتاب أحْمَد بن أبي أحْمَد بن القَاصّ، قاضي طَرَسُوس، في كتاب دَلائِل القبْلَة، قال (١): ومَخْرجُ الفُرَات من قَالِيْقَلا من مَوضعٍ يُقالُ لهُ: أبربق (a) بينِ قَالِيْقَلا وبلاد الرُّوم، ثمّ يَنْحَدِر إلى نَاحيَةِ الكُوفَة، فيَتمّ فاصِلًا بين بلادِ الشَّام والجَزِيرة، ففي شَرْقيّهِ بلادُ الجَزِيرَة، وفي غَرْبَيّهِ بلاد الشَّام، فيَمُرّ على مِيْلَين من مَلَطْيَة، ويَخْرج إلى حينيا (b) حتَّى يبلغُ إلى سُمَيْسَاط، ويَمُرّ بقَرْقِيسِيا، ويَحْمل منها السُّفُن إلى الأطْراف، وآخر مصَبّه فيِ البَطائِح في مَوضعٍ يُقالُ لهُ كَسْكَر. والبَطائِحُ ثلاثُونَ فَرْسَخًا في ثلاثين فَرْسَخًا، حَدٌّ منها جَزِيرةُ العَرَب، وحَدّ منها أرضُ مَيْسَان (c)، وحَدٌّ منها دِجْلَةُ بَغْدَاد، وحَدٌّ منها مَصَبُّ الفُرَاتِ والنَّهْرَوَان، ويَمُرّ البَطائِح حتَّى يقَع في خَلِيْج أُبُلَّةَ (d) في بَحْر الهِنْد. ووقَع إليَّ رسالةٌ في ذِكْرِ الدُّنْيا وما فيها من الأقالِيْم والجِبَال والأَنْهارِ والبِلادِ، ولَم يُسَمَّ واضِعَها، فنَقَلْتُ منها في فَصْلٍ ذَكرَهُ فىِ المَشْهُور من الأَنْهار الكِبَار في الرُّبْع المَسْكُوِن، ومَعْرفة ابْتدائها وانْتِهائها؛ قال: والمَشْهُور من هذه الأَنْهارِ الكِبَار اثنا عَشَر نَهرًا، وهي: الدِّجْلَةُ، والفُرَاتُ، والنِّيْل، وجَيْحُون، ونَهْر الشَّاش، وسَيْحَان، وجَيْحَان، ونَهْرُ بَرَدَان، ومِهْرَان، ونَهْر الرَّس، ونَهْر المَلك، ونَهْر الأهْوَاز، وجميع هذه الأَنْهار تَجْري فيها السُّفُن. قال: فأمَّا الفُرَاتُ؛ فإنَّها تَخْرج وتَلْقى بلَد الرُّوم، ثمّ تتفرَّق على إقليم أَثُوْر، ونَتَشعَّب إليهِا الخَابُور، ثمّ تَدْخُل العِرَاق، وتَنْبطح خَلْف الكُوفَة، وتَلْقَى دِجْلَةَ منها أربَعُ شُعَب.

стр. 477

وأمَّا مَعْرفةُ مَنْ حَفَرَ الفُرَات: فقد قيل: إنَّهُ خِلْقَةٌ من الله تعالَى لَم يَحْفرهُ أحَدٌ؛ فإنَّ أبوَي القَاسِم عَبْد الله بن الحُسَيْن الأنْصاريّ، وعَبْد الرَّحِيْم في يُوسُف بن الطُّفَيْل أجازا لنا عن أبي طَاهِر أحْمَد ابن مُحمَّد السِّلَفِيّ، عن أحْمَد بن مُحمَّد بن الآبِنُوسِيّ، قال: أُخْبرنَا عن أبي الحُسَيْن ابن المُنَادِي في كتاب الحَافِظ من تأليفه قال: حَدَّثنا مُوسَى بن إسْحَاق بن مُوسَى الخَطْمِيّ، قال: حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بن الحَارِثِ، قال: أخْبَرَنَا بِشْرُ بنُ عُمَارَة، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاك، عن ابن عَبَّاسٍ في قَوْلهِ ﴿وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ (١) كذلك كانوا يَقْرؤونها وما عَمِلَتْ أيْديهم ذلك (٢)؛ وَجَدُوه مَعْمُولًا، يعني: الفُرَاتَ ودِجْلَةَ ونَهْر بَلْخ، وأشْباهَهَا، وجَدُوه مَعمُولًا لم تَعْمَلُه أيديهم. وقد قيل: إنَّ دَانيَال حَفَرَهُ. أخْبَرَنا زَيْدُ بن الحَسَن البَغْدادِيّ إذْنًا، ونَقَلْتُهُ من أصْلِ سَماعهِ، قال: أَخْبَرنا أبو القَاسِمِ هِبَةُ الله بنُ أحْمَد الحَرِيرِيُّ، قال: أخْبرَنا أبو القَاسِم بنُ البُسْرِيّ، عن مُحمَّد بن جَعْفر بن النَّجَّار، قال: يُقالُ إنَّ الفُرَات حَفَرَهُ دَانيَال مع الدِّجْلَةِ، وأنَّ الفُرَات يجيء من وادٍ يَقْطع الرُّوم، وأنَّ دِجْلَة يخرج ماؤُها من جَبَل بآمِد. وأخْبَرَنا أبو اليُمْن الكِنْدِيّ إجَازَةً، قال: أخْبَرَنَا أبو مَنْصُور القَزَّازُ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحمدُ بن عليّ بن ثَابِتٍ الخَطِيبُ (٣)، قال: أخْبرنا عليّ بن مُحمَّد بن عَبْدِ الله المُعَدَّلُ، قال: أخْبَرَنا عُثْمانُ بن أحْمَد الدَّقَّاق، قال: حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بن أحمدَ بن البَرَاءِ، قال: حَدَّثَنَا الفَضْلُ بن غَانِم، قال: حَدَّثَنَا الهَيْثمَ بن عَدِيّ، عن الكَلْبِيّ، عن أبي الصالح، عن ابن عَبَّاسٍ، قال: أوْحَى اللهُ سُبْحانَهُ إلى دَانِيَال الأكْبَر أنْ

стр. 478

فَجِّر لعِبَادِي نَهْرين، واجْعَل مَغِيضَهُما البَحرَ، فقد أمْرتُ الأرْضَ أنْ تُطيعَكَ. قال: فأخَذَ قَناةً -أو قَصَبَةً- فَجَعَلَ يَخُدّها في الأرْض ويَتَّبعُه الماءُ، فإذا مَرَّ بأرضِ شَيْخٍ كبير أو يَتِيْمٍ ناشَدَهُ اللهَ، فيحَيدُ عن أرْضه، فعَوَاقِيْلُ دِجْلَة والفُرَات من ذلك. وقال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيب (١)، قال: أخْبَرنا أبو الحُسَيْن أحْمَد بن مُحمَّد ابن أحْمَد بن حَمَّاد الوَاعِظ مَوْلَى بَنِي هاشِم، قال: أخْبَرَنا أبو عَليّ إسماعِيل بن مُحمَّد الصَّفَّار إمْلاءً، قال: حَدَّثَني أبو بَكْر مُحمَّد بن إِدْرِيس الشَّعْرَانيُّ، قال: حَدَّثَنا مُوسَى ابن إبْرَاهِيْم الأنْصاريّ، عن إسْمَاعِيْل بن جَعْفَر المَدَنِيّ، عنِ عُثْمان بن عَطَاءٍ، عن أبيه، قال (٢): أوْحَى اللهُ تعالى إلى دَانِيَال أنْ احْفِر لي سِيْبين نَهْرين بالعِرَاق، قال دَانِيَال: إلَهىِ؛ بأيّ مَكاتِل، وبأيّ مسَاحيّ، وبأيّ رِجَال، وبأيّ قُوَّة أحْفِر لك هذَيْن النَّهْرين؟ فأوْحَى اللهُ سُبحانَهُ، أنْ أعِدَّ سكَّة حَديدٍ وعَرِّضْهَا واجْعَلها في خشبَةِ، وألْقِها خَلْفَ ظَهْرِكَ، فإنِّي باعِثُ إليك المَلائِكَة يُعِيْنُونَكَ على حَفْرِ هذين السِّيْبَينَ؛ قال: ففَعَل، فحفَر، وكان إذا انْتَهى إلى أرْض أرْملةٍ أو يتيم حَادَ عنهُ، حتَّى حَفَر الدِّجْلَة والفُرَات، فهذه العَوَاقِيلُ الّتي في الدِّجْلَة والفُرَات من حَفْرِ دَانِيَال. وأنْبَأنَا سَعيدُ بن هاشِم بن أحْمَد الخَطيبُ، عن أحْمَد بن مُحمَّد بن أحْمَد، عن أحْمَد بن مُحمَّد بن الآبِنُوسِيّ، قال: أخْبَرنا أَبو الحُسَيْن بن المُنَادِيّ، قال: ورُويَ عن ابن عَبَّاس أنَّ الله تعالَى أوْحَى إلى دَانِيَال الأكْبر، وكان بين نُوح وإبْرَاهِيْم صلَّى اللهُ عليهم أجْمَعِين، أنْ احْفِر لعِبَادِي نَهرَيْن ينتفِعُونَ بهما، فإنِّي قد أمَرْتُ الأرْضَ والماءَ أنْ يُطيْعَاك. فأخَذَ عصًا، ثمّ أقْبَل يَخُطّ في الأرْض، والماء يَتْبَعُهُ، يَمُرّ بالقرَاح والكَرْم والنَّهْر للشَّيخ وللمَرْأة وللصَّبيّ، فتقُول المرأةُ: نَحِّهِ عن كَرْمي وارْحمني لضَعْفيّ، فصَرف به حتَّى قَذفَهُ، فعَوَاقِيلُ دِجْلَة والفُرَات من ذلك.

стр. 479

وقد قيل: إنَّ مَلِكًا من مُلُوك العَجَم يُقالُ لهُ: جم شَاد هو الّذي حَفَرَ الفُرَات؛ فإنَّ البلخِيِّ ذَكَر فىِ تاريخه، وقال (١): وفي كُتُب العَجَم إنَّ جم شَاد (a) حفَر سَبْعَة أَنْهار: سَيْحُون، وجَيْحُون، والفُرَات، ودِجْلَة، ونَهْر مُرَّان (b) بأرضِ السِّنْد. قالوا: ونَهْران لم يُسمَّيا لنا. وهذا غيرُ جائز ولا مُمكن، اللَّهُمَّ إلَّا أنْ يُقال: هو سَاقَ ماءَ هذه الأنْهار إلى أراضِىِ البِلادِ فاسْتَعمرَها، واسْتَنزَلَها، وحَفَرَ الأنْهار منها، واللهُ سُبحانَهُ أعْلَم. فَصْلٌ في تَفْضِيل مَاء الفُرَاتِ على غَيْرِه من المياهِ أخْبَرَنَا أبو المُظَفَّر حَامِدُ بن العَمِيْد بن أميري القَزْوِيْنِيّ الفَقِيه القَاضِىِ بحَلَب، وأبَوَا مُحمَّد عَبْد الرَّحْمن بن إبْرَاهِيم بن أحْمَد المَقْدِسِيُّ بنابُلُس، ومَحْفُوظ بن هِلال بن مَحْفُوظ الرَّسْعَنِيّ برَأس عَيْن، قالوا: أخْبرَتنا شُهْدَةُ بنْتُ أحْمَد الإِبَرِيّ -قالَ مَحْفُوظ: إجَازَةً- قالت: أخْبَرَنَا أبو الفَوَارِس طَرَّاد بن مُحمَّد الزَّيْنَبِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو الحسُيْن علىُّ بن مُحمَّد بن بِشْرَان، قال: أخْبَرَنَا الحُسَيْنُ بن صَفْوَان، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بن مُحمَّد بن أبي الدُّنْيا (٢)، حَدَّثَنِي مُحمَّدُ بنُ الحُسَيْنِ، عن عُبَيْد الله ابن مُحمَّد، عن حَمَّاد بن سَلَمَة، عن سِمَاك بن حَربٍ، قال: كان بَصرِي قد ذَهَبَ، فرأيتُ إبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحمن ﷺ ، فيما يَرى النَّائم، فَسَح عَيْنَيَّ وِقالِ: ائْتِ الفُرَاتَ، فَغُصْ فيهِ، وافْتَحْ عَيْنيكَ فيه، ففَعَلْتُ، فذهبَ ما كان بعَيْنَيّ.

стр. 480

أنْبَأنَا أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَنِ الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرنا أبو القَاسِم هِبَةُ الله ابن أحْمَد الحَرِيرِيُّ، قال: أخْبَرَنَا أبو القَاسِم بن البُسْرِيّ، عن مُحَمَّد بن جَعْفَر ابن النَّجَّار، قال: وقالت الأطبَّاءُ: كُلُّ ماءٍ في نَهْر فَطِيرٌ إلَّا ماء فُرَات فإنَّهُ خَمِيْرٌ؛ لكثرة اخْتلاطِ الأهْويَةِ به، وتكسِير المَهْدَزانات (١) له، وهذه المَهْدَزاناتُ عُمِلَتْ لتَكْسِير حِدَّة الماءِ. قُلتُ: وإلى زَمَننا هذا يُخْتار ماء الفُرَات للخُلفاءَ عِلى ماءِ دِجْلَةَ، فإنَّ دِجْلَة تَمُرّ ببَغْدَاد بدُوْر الخَلِيفَة، ويُحْمل الماءُ لشُرب الخلَيفَة من نَهْر عِيسَى، وهو نَهْرٌ يأتي مِن الفُرَاتِ، ويَصُبّ في دِجْلَة، حتَّى أنَّ السَّقَّائين ببَغْدَاد يُمْنَعُونَ أنْ يَسْتَقُوا للعَامَّةِ من نَهْر عِيسَى، فلا يُمَكَّن من الشُّرب منهُ إلَّا أهْل الدُّور الّتي هي على نَهْر عيسَى، وما يُقاربُهَا. وقَرَأتُ فيما علقْتُهُ من الفَوائد: وقيل: إنَّ الفُرْس تُسَمِّي نَهْر الفُرَات عندَهُم نَهْر شيْر، وهو نَهْر الملك، وكانوا يَرَونَ سَقي الفُرَات وثَمارهُ أفْضَل من سَقي دِجْلَةَ وأحْلَى وأجْوَد. بابٌ في ذِكْرِ ما جاءَ في فَضْلِ الفُرَات من الأحادِيْثِ والآثار أخْبَرَنا أبو اليُمْن زَيْدُ بن الحَسَن بن زَيْد الكِنْدِيُّ، كتابةً، وسَمِعْتُهُ بدمَشْقَ في مَنْزلِه، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم هِبَةُ الله بن أحْمَد بن عُمَر الحَرِيرِيّ، قال: أَخْبَرَنَا أبو القَاسِم بنُ البُسْرِيّ، قال: أخْبَرَنَا مُحمَّدُ بن جَعْفَر التَّمِيْمِيُّ إجَازَةً، قال: حَدَّثَنَا أبو القَاسِمٍ عَبْدُ اللهِ بن الحَسَن بن مَهْدِيّ، قال: حَدَّثَنَا مُحمَّد بن زَيْد الرَّطَّابُ، قال: أخْبرنا إبْرَاهِيْم بن مُحمَّد الثَّقَفِيّ، قال: أخْبَرَنَا يُوسُفُ بن بُهْلُول، قال: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ ابن سُلَيمان الكِلابِيّ، عن سَعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قَتَادَةَ، عن أنَس بن مالِكٍ،

стр. 481

عن مَالِك بن صَعْصَعَة، قال: أخْبَرَنَا نَبِيُّ الله ﷺ : أنَّهُ رفعَ لَهُ سدْرَة المُنْتَهى فرأى أربعَةَ أنْهارٍ يَخرُجن من أصْلِها. قُلتُ: يا جِبْرِيل ما هذه الأَنْهار؟ قال: أمَّا النَّهْران الظَّاهِرانِ فالنِّيْل والفُرَات، وأمَّا الباطنانِ فنَهْران في الجَنَّة. وقد رَوَاهُ حَفْصُ بن عَبْدِ اللهِ السُّلَمِيّ، عن إبْرَاهِيْم بن طَهْمان، عن شُعْبَة بن الحَجَّاج، عن قَتَادَة، عن أنس، وذكَرَ فيه زِيَادةً. أخْبرناهُ أبو مُحمَّد عَبْد العَزِيْز بن الحُسَيْن بن هِلالَة، قال: أخْبَرَنا أَسْعَدُ بن أبي سَعيد ابن رَوْح، قال: أخبرتنا فاطِمَةُ بنتُ عَبْد اللهِ الجُوْزَجانِيَّةُ (a)، قالت (b) أخْبَرَنا أبو بَكْر بن رِيْذَة، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم سُلَيمان بن أحْمَد الطَّبَرَانِيّ، قال: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بن إسْحَاق أبو عَوَانَة النَّيْسَابُوريّ الحَافِظ، قال: حَدَّثَنَا مُحمَّد بن عَقِيْل النَّيْسَابُوريّ، قال: حَدَّثَنَا حَفْصُ بن عَبْدِ اللهِ السُّلَميّ، قال: حَدَّثَنَا إبْرَاهِيْم بن طَهْمان، عن شُعْبَة بن الحَجَّاج، عن قَتَادَة، عن أنَس بن مالِكٍ (١)، قال: قال رسُول الله ﷺ : رُفِعَتْ لي سدرَةُ المُنْتَهى، فإذا أربعَةُ أنْهارٍ: نَهْران ظَاهرانِ ونَهْران باطنانِ، فأمَّا الظّاهِرَان فالنِّيْلُ والفُرَاتُ، وأمَّا الباطنَانِ فنَهْران في الجَنَّةِ، وأُتيتُ بثلاثة أقْدَاحِ، قدَح فيه لَبْنٌ، وقدَح فيه عَسَلٌ، وقدَح فيه خَمرٌ، فأخذْتُ الّذي فيه اللّبَن فشربْتُ فقيل: أصبْتُ الفِطْرَة أنْتَ وأُمَّتك.

стр. 482

قال الطَّبَرَانِيّ (١): لم يَرْوهِ عن شُعْبَة إلَّا إبْرَاهِيمْ بن طَهْمان، تَفرَّد به حَفْص ابن عَبْد اللهِ. أخْبَرَنا زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيّ إذْنًا، قال: أخْبَرَنَا أبو القَاسِمِ بن الطَّبَر، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِمِ بن البُسْرِيّ، قال: أخْبَرَنا مُحمَّد بن جَعْفَر التَّيْمِيُّ إجازَةً، قال: أخْبَرَنا أبو سَعيد الأحْمسِيّ، قال: حَدَّثَنَا الحُسَيْن -يَعْني: ابن حُمَيْد- قال: حَدَّثَنَا يُوسُفُ في يَعْقُوب الصَّفَّارُ، قال: حَدَّثَنَا يِحْيَى بنُ سَعيد الأمَوِيُّ، عن عَبْد اللهِ بن سَعيدٍ المقَبُرىّ، عن جَدِّه، عن أبىِ هُرَيرَة، قال: قال رسُول الله ﷺ (٢): نَهران مُؤْمنانِ: النِّيْل والفُرَات، ونَهْران كافران: دِجْلَة وبَرَدَى. وفىِ رِوَايَةٍ أُخْرى بدَل بَرَدَى: نَهْر بَلْخ. وأنْبَأنَا الكِنْديُّ، قال: أخْبَرَنا ابن الطَّبَر، قال: أخْبَرَنا ابن البُسْرِيّ، قال: أخْبَرَنَا التَّمِيْمىّ إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا أبو سَعيد الأحْمَسيّ، قال: حَدَّثَنَا الحُسَيْن، قال: حَدَّثَنَا مُحمَّد بن إسْمَاعِيْل الوَاسِطِىّ، قال: حَدَّثَنَا علىّ بن عَاصِم، عن اللَّيْث بن سَعْد، أُرَاهُ عن عَطَاء، قال: دِجْلَةُ نَهر اللَّبَن في الجَنَّة، والفُرَاتُ نَهْر العَسَل، والنِّيْلُ نَهرُ الخَمْر في الجَنَّة. وقُرئ على شَيْخنا أبي اليُمْن الكِنْدِىِّ: أخْبَركُم أبو مَنْصُور القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيب (٣)، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن أحمدُ بن مُحمَّد بن أحْمَد بن مُوسَى بن هارونُ بن الصَّلْتِ الأهْوَازِيُّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد اللهِ مُحمَّدُ بن مَخْلَد العَطَّار، قال: قَرأتُ على العبَّاس بن يَزِيد البَحْرانيّ، قُلتُ: حَدَّثكم مَرْوَانُ بن مُعاوِيَة، عن إِدْرِيسَ الأوْدِيّ، عن أبيهِ، عن أبىِ هُريَرَة أنَّ النَّبِيّ ﷺ قال (٤): نَهْران من الجَنَّةِ: النِّيْلُ والفُرَات.

стр. 483

وقد جاءَ في حديثٍ آخر عن أبي هُرَيْرَة أنَّ رسُول الله ﷺ قال (١): أربعَةُ أنْهارٍ من الجَنَّة: الفُرَاتُ وسَيْحانُ وجَيْحَانُ والنِّيْل. ونحنُ نذْكرُ الحَدِيْث بإسْنَادِه في الباب الّذي يأتي بعد هذا في فَضْلِ سَيْحَان وجَيْحَان (٢). أنْبَأنَا أبو المَحَاسِن سُلَيمانُ بن الفَضْل البَانيِاسِيّ، قال: أخْبَرَنا الحاَفِظُ أبو القَاسِم عليُّ ابن الحَسَن (٣)، قال: أخْبَرَنَا أبو سَعْد أحمدُ بن مُحمَّد بن أحْمَد بن الحُسَيْن ابن البَغْدادِيّ، ح. وأنْبَأنَا أبو القَاسِم عَبْد الصَّمَد بن مُحمَّد القَاضِيّ، عن أبي سَعْد إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضْل المُطَهَّر بنُ عَبْد الوَاحِدِ بن مُحمَّد، قال: أخْبَرَنا أبو عُمَر عَبْد اللهِ بن مُحمَّد بن أحْمَد بن عَبْد الوهَّاب السُّلَميّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحمَّد عَبْدُ الله بن مُحمَّد بن يَزِيد الزُّهْرِيّ، قال: حَدَّثَنا عَمِّي عَبْد الرَّحْمن بن عُمَر بن يَزِيد أبو الحَسَن الزُّهْرِيّ يُعْرفُ برُسْتَةَ، قال: حَدَّثَنَا أبو دَاوُد، قال: حَدَّثَنَا المَسْعُودِيّ، عن القَاسم، قال (٤): مَدَّ الفُرَاتُ على عَهْدِ عَبْد اللهِ (a)، فكَرِهَ النَّاسُ ذلك، فقال عَبْدُ الله: يا أيُّها النَّاس؛ لا تَكْرهُوا مَدَّهُ، يُوشِكُ أنْ يُلْتَمَس فيهِ ملء طَسْتٍ من ماءٍ فلا يُوجَدُ ذلك، وذلك حين يرجعُ كُلّ ماءٍ إلى عُنْصُره، فتكون بَقِيَّة الماء والمؤمنُونَ بالشَّام. والمَسْعُودِيّ: هو عَبْد الرَّحْمن بن عَبْد الله بن مَسْعُود.

стр. 484

وذَكَرَ أبو زَيْد البَلْخِيّ في تاريخِه، قال (١): وزَعمُوا أنَّ الفُرَات مَدَّ فرَمَى برُمَّانَةٍ شِبْهَ البَعِير البارِك (a)، وذلك في زَمَنِ مُعاوِيَة، فسُئلَ كَعْبُ الأحْبَار عن ذلك فقال: هي من الجَنَّةِ. وقد رَواهُ جَعْفَر بن عَوْن العَمْريّ (٢)، عن أبي عُمَيْس، عن القَاسِم مَوقُوفًا عليهِ، أنْبَأنَا به عَبْد الرَّحِيْم بن يُوسُف وغيره، عن أبي طَاهِر الحَافِظ، عن أحْمَد ابن مُحمَّد بن الآبِنُوسيّ، قال: أخْبَرَنا عن أبي الحُسَيْن بن المُنَادِيّ، قال: وحَدَّثَنَا العبَّاسُ بن مُحمَّد -يعني: الدُّوْرِيّ - إمْلاءً، قال: حَدَّثَنَا جَعْفَر بن عَوْن العَمْريّ، قال: أخْبَرَنا أبو عُمَيْس، عن القَاسِم، قال: مَدّ الفُرَاتُ فجاءَ برُمَّانةٍ مثل البَعِير، فكانُوا يتحدَّثُون أَنَّها من الجَنَّة (b). وأخْبَرَنا أبو اليُمْن الكِنْدِيّ، فيما أَذِنَ لَنا فيهِ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم الحَرِيرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن البُسْرِيّ، قال: أخْبَرَنا مُحمَّد بن جَعْفَر التِّمِيْمِيّ إذْنًا، قال: حَدَّثَنَا أبو القَاسِم عَبْدُ اللهِ بن الحَسَنِ بن مَهْدِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو جَعْفَر مُحمَّد بن زَيْد الرَّطَّاب، قال: حَدَّثَنَا إبْرَاهِيم بن مُحمَّد بن سَعيد الثَّقَفِيّ، قال: حَدَّثَني ابنُ أبي أُوَيْس الوَرَّاق، قال: حَدَّثَنَا جَعْفَر بن عَوْن، عن العُمَيْس، عن أبيهِ، قال: قَذَفَ الفُرَاتُ رُمَّانةً مثل البَعِير، فتحدَّث أهل الكتاب أَنَّها من الجَنَّة. وقال مُحمَّدُ بن جَعْفَر التَّمِيْمِيُّ: حَدَّثَنَا أبو القَاسِم بن مَهْدِيّ، قال: حَدَّثَنَا مُحمَّد، قال: حَدَّثَنَا إبْرَاهِيم، قال: حَدَّثَنَي يَحْيَى بن الحَسَن بن الفُرَاتِ، قال: حَدَّثَنَا عليّ

стр. 485

ابن بهيس (a)، قال: حَدَّثَني مُوسَى بن أبي الغَمْر، عن عَطَاءٍ الهَمْدَانِيّ، عن تَمِيْم بن حِذْيَم، قال: كُنَّا عند عليّ جلُوسًا فجاءه رَجُل فقال: يا أَمِير المُؤمِنِين؛ جاءَ البَارِحَة شيءٌ فسَكَر الفُرَات، ما نَدْري ما هُوَ! قال: فدَعَا بدُلْدُل فرَكِبَها، ورَكِبَ النَّاسُ معَهُ حتَّى انْتَهى إلى الفُرَاتِ، فقال: هذه رُمَّانَةٌ من رُمَّان الجَنَّةِ. فدعا بالرِّجال والحِبَالِ، فاستُخْرجَتْ، فقَسَم ما فيها، فما بقي أهلُ بيتٍ بالكُوفَة إلَّا وقد دخَلَهُ منها. قال عليّ: قال مُوسَى: قلتُ لعَطاءٍ: أرني المَوْضِعَ الّذي أراكَهُ تَميْمٌ، قال: فأرَاني المَضيق الزّمي (b). وقال: حَدَّثَنَا أبو القَاسِم، قال: حَدَّثَنا مُحمَّد، قال: حدَّثَنا إبْرَاهيم، قال: حَدَّثَنا إسماعِيلُ بن أَبَان، قال: حَدَّثَنا عَمْرو، عن جَابِر، قال: غَضِبَ الشَّعْبِيّ على رَجُلٍ من هَمْدَان اسمهُ عَبْد الرَّحْمن، فقال لي: ما لَهُ قاتلهُ اللهُ، كأنَّ رأسَهُ رُمَّانَة الفُرَاتِ، فقُلتُ: ياِ أبا عَبْدِ الرَّحْمن، وما قِصَّةُ رُمَّانةِ الفُرَات؟ قال: حَدَّثَني مَنْ زعَم أنَّهُ نظرَ إليها في زَمَنِ ابن أبي طَالب، أسْفَلها قد أفْرغ في أَسْفَلِ الوَادِي وأعلاها بارز، وذكَرَ أنَّه كان فيها حين كِيْل حَبُّها أَكْرارُ. وذَكَروا أنَّ عليًّا قال: إنَّ الفُرَات لَوَادٍ من أنْهارِ الجَنَّة. وقال: حَدَّثَنا أبو القَاسِم، قال: حَدَّثَنا مُحمَّد، قال: حَدَّثَنا إبرَاهِيم، حَدَّثَني عَبْد الرَّحْمن بن أبي هاشِم، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمن بن مُحمَّد العَرْزَمِيّ، عن أبيهِ، عن السُّدِّيّ، عن أبي أرَاكَة، قال: أُتي عليّ ﵇ ذات يوْم فقيل لهُ: يا أَمِير المُؤمِنِين؛ هذه رُمَّانَةٌ قد سَدَّت الفُرَات، فقال: يا غُلَام بَغْلتِيّ، فرَكِبها ورَكِبَ النَّاسُ معَهُ، فإذا رُمَّانةٌ عَظِيمَةٌ، فأَمَر فأُنْشِبَتْ فيها الحِبالُ، ثمّ أمَرَ بها فأُخرجت، ثمّ هُدِمَتْ، فاسْتَخْرجُوا منها كُرَّيْن وأَقْفِزَةً، فقال عليٌّ: إنَّ نَهْركم هذا من أنْهارِ الجَنَّة، هذه الرُّمَانَة من رُمَّانِ الجَنَّة.

стр. 486

قال ابنُ العَرْزَمِيّ: فحدَّثتُ به عَمْرو الجُعْفِيّ، فذكَرهُ عن جَابرٍ، عن أبي أرَاكَة (a)، قال: كانت الحَبَّةُ منه مثل الكُمَّة العَظِيمَة. أنْبَأنَا أبو اليُمْن بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزَّازُ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (١)، قال: أخْبَرَنا إبْرَاهِيمُ بن عَبْد الوَاحد بن مُحمَّد بنِ الحُبَاب الدَّلَّال، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحمَّد بن عَبْد الله بن إبرَاهيْم الشَّافِعِيّ، قال: حَدَّثَنَا مُحمَّد ابن أحمد ابن بُرْد، قال: حَدَّثَنَا مُحمَّد بن عِيسَى بن الطَّبَّاع، ح. قال الخَطِيْبُ: وأخْبَرَنا أبو مَنْصُور مُحمَّد بن عِيسَي بن عَبْد العَزِيْز البَزَّاز بهمَذَان، واللَّفْظ له، قال: حَدَّثَنا أبو العبَّاس أحمدُ بن مُحمَّد بن الحُسَيْن الرَّازِيّ، قال: حَدَّثَنا أبو بَكْر عَبْدُ الله بن مُحمَّد بِن طَرْخَان البَلْخِيُّ، قال: حَدَّثَنا أَحْيَد بن الحُسَيْن -قَرأْتُ (b) عليهِ- أنَّ مُحمَّد بن حَفْصٍ حدَّثَهم - قالا: حَدَّثَنا الرَّبِيْع بن بَدْر، عن الأَعْمَش، عن شَقِيْق، عن عَبْد الله بن مَسْعُود، قال: قال رسُول الله ﷺ (٢): يَنْزل في الفُرَاتِ كُلَّ يوم مَثاقِيْلُ من بَرَكَةِ الجَنَّة. وقال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (٣)، قال: أخْبَرَنا القَاضِي أبو عُمَر القَاسِمُ ابن جَعْفَر بن عَبْد الوَاحِد الهاشِميّ بالبَصْرَة، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمن بن أحمد الخُتَّلِيّ، قال: حَدَّثَني عَبْدُ الله بن مُحمَّد بن عليّ البَلْخِيّ، قال: حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بنُ أَبَان، قال: حَدَّثَنَا أبو مُعاوِيَة، عن الحَسَن بن سَالِم بن أبي الجَعْدِ، عن أبيهِ، عن أبي هُرَيْرَة، قال: قال رسُولُ اللهِ ﷺ (٤): ليسَ في الأرْض

стр. 487

من الجَنَّة إلَّا ثلاثة أشياء: غَرْسُ العَجْوة، وأواقٍ تَنْزلُ في الفُرَاتِ كُلّ يوم من برَكَة الجَنَّة، والحَجَرُ. أخْبَرَنا أبو مَنْصُور عَبْدُ الرَّحْمن بن مُحمَّد بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (١)، قال: أنْبَأنَا أبو الغَنائِم مُحمَّد بن عليّ بن مَيْمُون، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد اللهِ مُحمَّد بن عليّ بن الحَسَن الحَسَنيّ قِراءَةً عليهِ (a)، قال: أخْبَرَنا مُحمَّدُ بن عَبْد الله الجُعْفِيّ، قال: حَدَّثَنَا الحُسَيْن بن مُحمَّد بن الفَرزْدَق الفَزَارِيُّ، قال: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بن عَبْدِ اللهِ المُحمَّديّ: سَمِعْتُ مُحمَّد بن أبي عُمَيْر يَذْكُر عن مُحمَّد بن مُسْلِم، قال: سألْتُ الصَّادِقَ عن قَوْل اللهِ ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ (٢). قال: الرَّبْوَةُ: النَّجَفُ، والقَرار: المَسْجِدُ، والمَعيْنُ: الفُرَاتُ، ثمّ قال: إنَّ نَفَقَةً بالكُوفَة الدِّرْهَم الواحدُ يَعْدِل بمائة دِرْهَم في غيرها، والرَّكْعَة بمائة رَكْعَة، ومَنْ أحَبَّ أنْ يتوضَّأ بماءِ الجَنَّة، ويشْربَ من ماءِ الجَنَّة، ويغتَسِل بماءِ الجنَّةِ، فعليهِ بماءِ الفُرَات، فإنَّ فيه مَثْعَبَيْن (c) من الجَنَّة، ويَنْزل من الجَنَّةِ في كُلِّ ليلةٍ مِثْقالان مِسْك في الفُرَات. أخْبَرَنا أبو الحَسَن بن أبي عَبْدِ الله بن أبي الحَسَن بن المُقَيِّر بالقَاهِرَة، أخْبَرَنا مُحمَّدُ بن نَاصِر السَّلَامِيُّ إجَازَةً، قال: أنْبَأنَا إبْرَاهِيمُ بن سَعيد بن عَبْدِ الله الحَبَّالُ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن أحمدُ بن مُحمَّد بن القَاسِم بن مَرْزُوق، قال: أخْبَرَنا أحمدُ بن عَبْد الرَّحْمن بن القَاسِم الحَرَّانيّ أبو صالح، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن عُمَر بن الحَسَن القَاضِيّ، قال: حَدَّثنا أبو بَكْر بن أبي الدُّنْيا، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمن بن صالح

стр. 488

الأزْدِىِّ، قال: حَدَّثَنَا يُونُسُ بن بُكَيْر، عن مُوسَى بن قَيْس الحَضْرَميّ، قال: سَمِعْتُ جَعْفَر بن مُحمَّد بن عليّ في قَوْلهِ ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ قال: الرَّبْوَةُ: الكُوفَة، والمَعِينُ: الفُرَاتُ. أنْبَأنَا أبو القَاسِم عَبْد الله بن الحُسَيْن الأنْصاريّ وعَبْد الرَّحِيْم بن يُوسُف ابن الطُّفَيْل، عن الحَافِظ أبي طَاهِر السِّلَفِيّ، عن أحْمَد بن مُحمَّد بن الآبِنُوسِيّ، قال: أُخْبرنَا عن أبي (a) الحُسَيْن المُنَادِيّ، قال: أخْبَرَنا العبَّاس بن مُحمَّد الدُّوْرِيّ، قال: حَدَّثَنا أبو يَحْيَى الحِمَّانيّ، قال: حَدَّثَنا الأَعْمَشُ، عن خَيْثَمَة بن عَبْد الرَّحْمن، عن عَبْد اللهِ بن عَمْرو مَوقُوفًا، قال: ما مِن يوم إلَّا يُحْمَلُ في الفُرَاتِ مَثاقيل من بَرَكةِ الجَنَّة. أخْبَرَنا أبو اليُمْن الكِنْدِيّ إذْنًا، ونَقَلْتُهُ من أصل سَمَاعِهِ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم الحَرِيرِيُّ، قال: أخْبَرنا أبو القَاسِم بن البُسْرِيّ، قال: أخْبَرَنا مُحمَّد بن جَعْفَر التَّمِيْمِيُّ إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْدُ اللهِ بن مَهْدِيّ، قال: حَدَّثَنَا مُحمَّد بن زَيْد، قال: حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ الثَّقَفِيّ، قال: حَدَّثَنَا بَكْر، قال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بن الحَجَّاج، قال: أخْبَرَنِي الحَكَمُ، قال: سَمِعْتُ خَيْثَمَة بن عَبْد الرَّحْمن يقُولُ: قال عَبْدُ الله بن عَمْرو ما مِنْ يوم إلَّا وهو يُوزَنُ في الفُرَاتِ مَثاقِيْل من ماءَ الجَنَّة. قال مُحمَّدُ بن جَعْفَر التَّمِيْمِيُّ: وأخْبَرَنَا أبو بَكْر الدَّارِمِيِّ، قال: أخْبَرَنَا الحُسَيْن بن مُحمَّد بن الحُسَيْن البَجَليُّ، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بن سَعيد، قال: حَدّثَنَا مُطَّلِبٌ، عن عَبْد المَلِك ابن عُمَيْرٍ، قال: إنَّ الفُرَاتَ نَهْرٌ من أنْهار الجَنَّة، لولا ما يَخْلِطُه من الأذَى، ما تَداوَى به بَشَرٌ إلَّا بَرأَ، وإنَّ عليه مَلِكًا يَصْرفُ عنه الأذَى.

стр. 489

بابٌ في ذِكْرِ جَيْحَان (١)؛ نَهْر المِصِّيْصَة وأهْلُ بلادِ الرُّوم يُسَمُّونَهُ: جَهَان وهو نَهْرٌ كبير يَخْرج من بلَد الرُّوم، وينتهي إلى المِصِّيْصَة، فيَفْصِل بينها وبين كَفَرْبَيَّا، ثمّ يخرج منهما، فَيُلقي ماءَهُ في بحرِ الرُّوم، وشاهَدْتُ مَخرجَهُ من بلَد الرُّوم من قَرْيَة يُقالُ لها كِيْز مِيْت (٢)، قريبة من مَدِينَة أبُلُسْتَين (٣) من شَرْقيّها وقِبليّها، وبينها وبين مَدِينَة أبُلُسْتَين مِقْدَار مِيْل، والماءُ يَخْرجُ من شَقِيْفِ حَجَر إلى أرضٍ بين يدي الشَّقيف، وهي تنبعُ الماء جميعها، وعلى الشَّقِيف كَنِيْسَةٌ قَدِيْمَةٌ من بناءَ الرُّومِ، وقد صُوّر فيها الجَنَّة، والنَّهْرِ يخرج منها، ويأتي النَّهْر إلى مَدِينَة أبُلُسْتَين، فينقَسِم قسْمَين، ويُحيط بالمَدِينَةِ، فإذا جاوَزها عادَ واجْتَمع، وتلقى إليهِ أنْهار متعَدِّدة؛ منها نَهْر يأتي من بَلْدَة يُقالُ لها الرُّمَّان، شاهدتُها وشاهَدْتُ نَهْرها، وهو نَهْر كبير أَيضًا.

стр. 490

ويَجْري هذا النَّهْر حتَّى يَخْرُج إلى الشَّام، ويَصِل إلى المِصِّيْصَة، وهي من الجانب الغَرْبيّ منه، وكَفَرْبَيَّا من الجانب الشَّرْقيّ، وعلى النَّهر بين المَدينَتَيْن جِسْر عظيم قَديم معقُود بالحِجَارَة. وقال أبو زَيْد البَلْخِيّ (١): جَيْحَان يَخرجُ من بَلد الرُّوم حتَّى يَنْتَهي إلى المِصِّيْصَة، ثمّ إلى رُسْتَاقٍ يُعْرفُ بالملَون (a)، حتَّى يقَع في بحرِ الرُّوم. وقال أحمدُ بن أبي أحْمَد بن القَاصّ في كتاب دَلائل القِبْلَة، قال (٢): ونهَرْ جَيْحَان هو نَهْر المِصِّيْصَة، مَخْرجُهُ من بلاد الرُّوم، ويَنْصَبّ أيضًا في بحرِ الشَّام. أنْبَأنَا أحمد بن عَبْد الله الأسَدِيّ، عن الحاَفِظ أبي طَاهِر، عن أحمد في مُحمَّد بن عليّ بن الآبِنُوسِيّ، قال: أُخْبرنَا عن أبي الحُسَيْن بن المُنَادِيّ، قال: ومَخْرجُ جَيْحَان -نَهْر المِصِّيْصَة- من بلادِ الرُّوم على مَسيرة مراحل منها، ثمّ يَجْتازُ في طَريقه إليها بمَوضِعٍ، يُدْعَى هنالك: نَهْر المَسْدُود، ثمّ يَصُبُّ في بحر اللُّبْنَان، ويَسْتَمدّ من وَادِي الرِّيح، ثمّ يَصُبُّ في البَحْرِ الشَّاميّ. وقال أحمد بن الطَّيِّب السَّرْخَسِيّ في كتاب المَسَالِك والمَمَالِك: ومَخْرجُ جَيْحَان - نَهْر المِصِّيْصَة- من بلاد الرُّوم، ويصُبُّ في نَهْر اليبنَان (b)، ويستَمدُّ من وَادِي الرِّيح، ويصُبُّ في البَحْر الشَّاميّ. أنْبَأنَا عِيسَى بن عَبْد العَزِيْز بن عِيسَى، قال: أخْبَرَنا الحَافِظُ أبو طَاهِر أحمد بن مُحمَّد بن أحمد الأصْبَهَانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو صَادِق المَدِيْنِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو الحَسَن عليّ بن مُنِير بن أحمد في كتابهِ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحمَّدُ بن أحْمَد بن الفَرَج، قال:

стр. 491

أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن بن خَلَف الأزْدِيُّ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمن بن عَبْد اللهِ، قال: حَدَّثَنَا سَعيد بن أبي مَرْيَم، قال: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بن سَعْد وعَبْدُ الله ابنُ لَهِيْعَة، قالا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بن أبي حَبِيْب، عن أبي الخَيْر، عن أبي جُنَادَة الكَتَّانِيّ أنَّهُ سَمِعَ كَعْبًا يقُولُ: النِّيْلُ في الآخِرة عَسَلٌ، أغْزَر ما يكُونُ من الأنْهارِ الّتي سمَّى اللهُ ، ودِجْلَةُ في الآخِرة لَبَنٌ؛ أغْزَر ما يكونُ من الأنْهار الّتي سَمَّى اللهُ، وجَيْحَان ماءٌ؛ أغْزَر ما يكُونُ من الأنْهار الّتي سَمَّى اللهُ. أخْبَرَنا أبو حَفْصٍ عُمَرُ بن مُحمَّد بن طَبَرْزَد البَغْدادِيُّ إجَازَةً، قال: أخْبَرنا أبو القَاسِم بن السَّمَرْقَنْدِيّ، وأبو غَالِب مُحمَّد بن أحْمَد بن الحُسَيْن بن عليّ بن قُرَيْشٍ، وأبو بَكْر مُحمَّد بن عُبَيْد الله بن دُحْرُوج، وأبو المَعَالِي أحمدُ بن مَنْصُور بن المُؤَمَّل الغَزَّال، قالوا: أخْبَرَنا أبو الحُسَيْن أحمدُ بن مُحمَّد البَزّازُ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر مُحمَّدُ ابن عَبْد الرَّحْمن المُخَلِّصُ، قال: حَدَّثَنَا أبو مُحمَّد عُبَيْد اللهِ بن عَبْد الرَّحمن بن عِيسَى السُّكَّرِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو إسْمَاعِيْل مُحمَّد بن إسْمَاعِيْل التِّرْمِذيُّ، وأبو بَكْر مُحمَّدُ بن صالح الأنْمَاطِيُّ، قالا: حَدَّثَنَا أبو صالح عَبْدُ الله بن صالح، كاتب اللَّيْث بن سَعْد، قال: حَدَّثني اللَّيْثُ بن سَعْدٍ، قال (١): بَلَغَني أنَّهُ كان رَجُل من بَني العِيْص يُقالُ لهُ حَائِذُ بنُ أبي شَالُوم بن العِيْص بن إسْحَاق بن إبْرَاهِيم نَبِيّ الله ﵉، وأنَّه خرجَ هارِبًا من مَلكٍ من مُلُوكهم حتَّى دخَل أرض مِصْرَ، وأقام بها سِنين، فلمَّا رأى عجَائبَ نِيْلها وما يأتي به، جَعَل الله عليهِ أنْ لا يُفارِقَ سَاحِلَهُ حتَّى يبلُغَ مُنتهاهُ أو يموت، فسار عليهِ - قال بعضُهُم: ثلاثينَ سنةً في النَّاس، وثلاثين سنةً في غير النَّاسِ، وقيل: خَمْسة عَشَر كَذا، وخَمسة عَشَر كَذا - حتَّى انْتهى إلى بحرٍ أخْضَر، فنظرَ إلى النِّيْل يَشُقُّ مُقْبلًا، فقَعَدَ على البَحْر، فإذا رَجُل قائم يُصَلِّي تحت شجَرَة من

стр. 492

تُفَّاح، فمَّا رآهُ اسْتأنَسَ به، وسَلَّم عليه، فسألَهُ الرَّجُل صاحبُ الشَّجَرة فقال: مَنْ أنتَ؟ فقال له: أنا حَائِذُ بنُ أبي شَالُوم بن العِيْص بن إسْحَاق ﵉، قال: فَمن أنْتَ؟ قال: أنا عِمْرَانُ بن فلان بن العِيْص بن إسْحَاق ﵇. قال: فما الّذي جاءَ بك هُنا يا حَائِذ؟ قال: جئتُ من أجل هذا النِّيْل. فما جاءَ بكَ يا عِمْرانُ؟ قال: جاءَ بي الّذي جاءَ بكَ حتَّى انْتهَيْتُ إلى هذا المَوْضع، فأوْحَى اللهُ إليَّ أنْ قِفْ في هذا المَوْضع، فأنا واقفٌ حتَّى يأتيَني أمْرُهُ. قال لهُ حَائِذ: أخْبرني يا عِمْرانُ: ما انْتَهى إليك من أمْرِ هذا النِّيْل، وهل بلغَكَ في الكُتُب أنَّ أحدًا من بَنِي آدَمَ يَبْلُغُه؟ قال له: نعم، قد بلغَني أنَّ رَجُلًا من وَلدِ العِيْص يَبلُغُه، ولا أظُنُّه غيركَ يا حَائِذ. قال له حَائِذُ: يا عِمْران، أخْبرني كيف الطَّريقُ إليهِ؟ فقال له: لَسْتُ أُخْبرُكَ بشيءٍ إلَّا أنْ تَجْعَل لي ما أسألُكَ. قال: وما ذاك؟ قال: إذا رجَعْتَ إليَّ وأنا حيُّ أقَمْت عندي حتَّى يُوحِيَ اللهُ تعالَى إليَّ بأَمْرِه أو يتوَفَّاني فتَدفنَنِيّ، وإنْ وجَدْتَني ميِّتًا دفَنْتَني وذَهَبْتَ، قال: ذلكَ لكَ عليَّ. قال لَهُ: سِرْ كما أنتَ على هذا البَحْر، فإنَّكَ سَتأْتي على دابَّة تَرى آخرَهَا، ولا تَرَى أوَّلها، فلا يَهُولنَّكَ أمرُها، ارْكَبْها فإنَّها دابَّةٌ مُعادِيَةٌ للشَّمس، فإذا طَلَعَتْ أهْوَت إليها لتَلْتَقِمَها حتَّى يحُول بينها وبينها حُجَابتها (a)، وإذا غَرَبَتْ أهْوَتْ إليها لتَلْتقمَها فتَذْهَب بكَ إلى جانب البَحْر، فَسِرْ عليه رَاجِعًا حتَّى تَنْتَهي إلى النِّيْل. فَسِرْ عليهِ فإنَّك ستَبْلُغ أرْضًا من حديدٍ، جِبَالها وأشْجَارها وسُهُولها حديدٌ، فإنْ أنتَ جُزْتَها وقَعْتَ في أرضٍ من نُحاسٍ، جِبَالها وأشْجَارُها وسُهُولُها من نُحاسٍ، فإنْ أنتَ جُزْتَها وقَعْتَ في أرضٍ من فِضَّة، جِبَالُها وأشْجَارُها وسُهولُها من فِضَّةٍ، فإنْ

стр. 493

أنتَ جُزْتَها وقَعتَ في أرْضٍ من ذَهَبٍ، جِبَالُها وأشْجَارُها وسُهُولُها من ذَهَبِ، فيها يَنْتهي إليكَ علْمُ النِّيْل. فسار حتَّى انْتهى إلى أرضِ الذَّهَب، فسارَ فيها حتَّى انتَهى إلى سُورٍ من ذَهَب، وشُرَفُهُ من ذَهَبٍ، وفيه قُبَّةُ من ذَهَبٍ، لها أربعَةُ أبواب، فنَظَرَ إلى ماءً يَنْحدِرُ من فَوْقِ ذلك السُّور حتَّى يَسْتقِرَّ في القُبَّةِ، ثمّ يَنْصرف (a) في الأبْواب الأربَعَة، أمَّا ثلاثةٌ فتَغيْض في الأرْضِ، وأمَّا واحدٌ فيَسير (b) على وجْهِ الأرْض، وهو النِّيْلُ، فشَربَ منهُ، واسْتراحَ، وأَهْوَى إلى السُّور ليَصْعدَ، فأتاهُ مَلكٌ فقال: يا حَائِذُ، قِفْ مكانَكَ، قد انْتهى إليك عِلْمُ هذا النِّيْل، وهذه الجَنَّةُ والماءُ يَنْزلُ منها، فقال: أُرِيدُ أنْ أنْظُرَ إلى ما في الجَنَّة، فقال: إنَّكَ لن تَسْتطيعَ دُخُولها اليوم يا حَائِذ، فقال: فأيّ شيءٍ هذا الّذي أَرَى؟ قال: هذا الفلَكُ الّذي يَدُور به الشَّمْس والقَمَر، وهو شبهُ الرَّحى، فقال: إنّي أُريدُ أنْ أرْكَبَهُ فأدُورَ فيه - فقال بعضُ العُلَمَاءِ: إنَّهُ ركبَهُ حتَّى دَار الدُّنْيا، وقال بعهُم: لم يركَبه - فقال لهُ: يا حَائِذُ إنَّهُ سَيأتيكَ من الجَنَّةِ رِزْقُ، فلا تُؤثر عليهِ شيئًا من الدُّنْيا، فإنَّه لا يَنْبغي لشيءٍ من الجَنَّة أنْ يُؤْثَر عليه شيء من الدُّنْيا، إنْ لم تُؤثر عليه شيئًا من الدُّنْيا بقي ما بَقِيْتَ. فبينما هو كذلك، إذ نَزلَ عليه عُنْقُودٌ من عِنَب فيه ثلاثةُ أصْنافٍ: لَوْن كالزَّبَرْجَد الأخْضَر، ولَوْن كاليَاقُوت الأحْمر، ولَون كاللُّؤْلُؤ الأبيض؛ ثمّ قال: يا حَائِذُ، أمَا إنَّ هذا من حِصْرِم الجَنَّة وليسَ من طَيِّب عِنَبها، فارْجعْ يا حَائِذ، فقد انْتهى إليكَ عِلمُ النِّيْل.

стр. 494

قال: فهذه الثّلاثةُ التي تَغِيضُ في الأرْض ما هي؟ قال: أحَدُها الفُرَاتُ، والآخرُ دِجْلَةُ، والآخر جَيْحَانُ، فارْجع. فرَجَع حتَّى انتهَى إلى الدَّابَّة، فركبَهَا، فلمَّا أهْوَت الشَّمْسُ لتغرُبَ، قَذفَتْ به في جانب البَحْر، فأقْبَل حتَّى انْتَهى إلى عِمْران، فوجدَهُ ميِّتًا حينَ ماتَ، فدفنَهُ، وأقامَ على قَبْره ثلاثًا. فأقْبل شَيْخٌ مُتَشبِّهٌ بالنَّاس، أغَرّ من السُّجُود، ثمّ أقبل إلى حَائِذ فسلَّم عليهِ، فقال لَهُ: يا حَائِذُ؛ ما انتهى إليك من علْم هذا النِّيْل؟ فأخْبره. قال الرَّجُل له: هكذا نَجدُه في الكُتُب، ثمّ طَرَّى ذلك التُّفَّاحَ في عَيْنَيهِ، فقال: ألَا تأكل منه؟ قال: معي رِزْقٌ قد أُعْطِيتُهُ من الجَنَّة، ونُهيْتُ أنْ أُوْثر عليهِ شيئًا من الدُّنْيا، قال: صدَقْتَ يا حَائِذ، و [لا] (a) ينبغي لشيءٍ من الجَنَّة [أنْ] (b) يُؤثَر بشيءٍ من الدُّنْيا، وهل رأيتَ في الدُّنْيا مثل هذا التُّفَّاح؟ إنَّما أنبت في الأرْض ليست من الدُّنْيا، وإنَّما هي شَجرةُ من الجَنَّة، أخْرجها اللهُ لعِمْران يأكل منها، وما تركها إلَّا لك، ولَوْ وَلَّيْتَ عنها لَرُفعَت، فلم يَزَل يُطْرِيها في عَيْنِه حتَّى أخَذَ منها تُفَّاحَةً، فلمَّا عضَّها عضَّ على يدَيهِ، ثمّ قال: أتَعْرفُهُ؟ هو الّذي أخْرجَ أباك من الجَنَّةِ، أما إنَّك لو سَلمتَ بما مَعَكَ لأكَلَ منها أهلُ الدُّنْيا قبل أنْ يَنْفَدَ، وأقبل حَائِذ حتَّى دَخَل مِصْر، فأخْبَرهُم بهذا، ومَات بأرض مِصْر ﵀.

стр. 495

بابٌ في ذِكْرِ سَيْحَان؛ نَهْر أَذَنَة (١) وهو نَهْرٌ كبير دُون جَيْحَان في العِظَم، وبين مَخْرجه ومَخْرج جَيْحَان يومانِ، ومَخْرجُه أيضًا من بلادِ الرُّوم، وشاهدتُهُ في قَرْيَةٍ يُقالُ لها بالعَرَبيَّةِ رَأس العَيْن، ويُقالُ لها بالتُّرْكِيَّة يَانْغِرْ باشِيّ، ومَعْناهُ: رأس المَاءِ، وهو يَخْرج من فوْجَةٍ بين جَبَلَيْن ينبعُ ماؤهُ من تحت الجَبَل من الصَّخر الأصَمّ، وعندَهُ كَنِيْسَةٌ قَدِيْمَة من بناءِ الرُّوم، قد صُوِّرت الجَنَّةُ فيها، ونَهْر سَيْحَان خارجٌ منها، فيَجْري النَّهر، وتَجْتمِع إليهِ عُيُون تَسِيْل في وادٍ في الدَّرْ بَنْد الّذي بين السَّارُوص (٢) وبين هذه القَرْيَة. وتَخرج هذه العُيُون في الوَادِي المَذْكُور، فتَصُبُّ في سَيْحَان، ويَخْرجُ سَيْحَان في بلدِ الرُّوم حتَّى يَمُرّ تحت قَلْعَة سَمَنْدُو، ويَمُرّ على بلادِ الأرْمَن، ويمتَدُّ على تلكَ البِلادِ حتَّي يَنْتَهي إلى أَذَنَة، وهو من شَرْقيّها، ثمّ يمتَدُّ منها فيصُبُّ في البَحْر الشَّاميّ. أنْبَأنَا أبو مُحمَّد عَبْدُ الرَّحمن بن عَبْد الله بن عُلْوَان الأسَدِيُّ، قال: كَتَبَ إلينا أحمد بن مُحمَّد بن أحمد الحَافِظ: أنَّ أحمد بن مُحمَّد بن عليّ بن الآبِنُوسِيِّ أخبرَهُم إجَازَةً، قال: أُخْبرنَا عن أبي الحُسَيْن بن المُنَادِيّ، قال: ومَخْرجُ سَيْحَان -نَهْرِ أَذَنَة-
следующие страницы →