أَمِنَ الأبْيَضُ والأسْوَدُ بأمَان اللَّهِ وذمَّته وذمَّة رَسُوله ﷺ ، وذِمَّة العبَّاس. وتَكَلَّم بعد ذلك بما لا يُذكَرُ.
قال: وحَدَّثَنَا أبو قِلَابَة عَبد المَلِك بنِ مُحَمَّد، قال: حَدَّثنَي الجَارُود بن أبي الجَارُوْد السُّلميّ، قال: حَدَّثَني مُحَمَّد بن أبي رزِيْن الخُزَاعِيّ، قال: شَهِدْتُ دَاوُد بن عليّ، وذَكَرَ نَحْوَهُ.
نَقَلْتُ من خَطِّ أبي بَكْر مُحَمَّد بن يَحْيَى الصُّوْلِيّ: وتُوفِّيَ دَاوُد بن عليِّ عَمُّ السَّفَّاِح وعَاملُهُ على الحِجَاز والطَّائِف مُسْتَهَلّ ربيع الآخر سَنَة ثَلاثٍ وثَلاثينِ، ودُفِن بالبَقِيع (a).
دَاوُد بن عليّ بن مُحَمَّد بن عَبْدِ اللَّه بن هِبَة اللَّه، أبو أحْمَد بن أبي نَصْر بن أبي الفَرَج بن أبي الفُتُوح البَغْدَاديّ (١)
وُلد ببَغْدَاد في يَوْم الثّلاثَاء خَامِس عشرين من صَفَر سَنَة خَمْسٍ وسِتِّين وخَمْسِمائَة، وذُكِرَ لي عنهُ أنَّهُ قال: دَخَلتُ حَلَب عند مَسِيْرىِ إلى دِمشْق سَنَة إحْدَى وثَمانين وخَمْسِمائَة.
دَاوُد بن عليّ الحَلَبِيُّ
كَتَبَ عنهُ أبو بَكْر الخَرَائِطِيّ إنْشَادًا.
стр. 4377
أخْبَرَنا أبو بَكْر عَبْد اللَّه بن عُمَر بن عليّ بن الخَضر التَّاجر، قِراءَةً عليهِ بحَلَب، فأقَرَّ بهِ، قال: أخْبَرَنا أبو السَّعَادَات المُبارَكُ نَصْر اللَّهَ بن عبدِ الرَّحْمن بن مُحَمَّد بن عَبْد الوَاحِد القَزَّازُ، وشُهْدَةُ بنتُ أَحْمَد بن الفَرَج الإِبَرِيّ، ح.
وأخْبَرَنا أبو البَقَاءِ يَعِيْشُ بن عليّ بن يَعِيْش الحَلَبِيّ بها، قال: أخْبَرَنا الخَطِيبُ أبو الفَضْل عَبْدُ اللَّه بن أحْمَد الطُّوْسيّ، قالوا: أخْبَرَنا الحَاجِبُ أبو الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن عليّ بن العَلَّاف، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْدُ المَلِك بن مُحَمَّد بن عَبْدِ اللَّه بن بِشْرَان، قال: أخْبَرَنا أبو العبَّاس أحْمَد بن إبْراهيم بن عليّ الكِنْدِيّ، قال: أنْشَدَنا أبو بَكْرٍ مُحَمَّد بن جَعْفَر بن سَهْل الخَرَئِطيِّ (١)، قال: أنْشَدَني دَاوُد بن عليّ الحَلَبِيُّ: [من الطويل]
وإنِّي لأهْوَاها وإنْ طَالَ هَجْرُها … وأمْنَحُها وُدِّي وإنْ صَرَمَت حَبْلي
إذا كُنْتُ أَجْزيها بسُوءِ صَنِيْعِها … إليَّ فقد صَارَت إذًا في الهَوَى مِثْلي
دَاوُدُ بن عليّ، أبو أَيُّوب الكَاتِبُ
كاَتِبُ وَصِيْف البَكْتَمُرِيّ. كان كَاتبًا بحَلَب في أيَّام ولايَته، وله ذِكْرٌ، ومَدَحَهُ أبو بَكْرٍ الصَّنَوْبَريّ (٢).
دَاوُدُ بن عُمَر بن حَفْص (٣)
سَمِعَ بطَرَسُوسِ أبا سَهْل أحْمَد بن عُمَر الهَمَذَانيّ، وأحمد بن مُحَمَّد الزَّنْجَانِيّ، نَزِيلَي طَرَسُوس، ورَوى عنهُما وعن عَمْرو بن عُثْمان الحِمْصِيّ، ومُحَمَّد بن الحُسَين القَاضِي بحُلْوان.
رَوَى عنهُ أبو بَكْر أحْمَدُ بن عليّ الحَبَّالُ الحَلَبِيُّ الصُّوْفيُّ.
стр. 4378
دَاوُدُ بن عِيسَى بن أبي بَكْر مُحَمَّد بن أَيُّوب بن شَاذِي بن يَعْقُوب بن مَرْوَان، المُلقَب بالمَلِك النَّاصِر ابن المَلِك المُعَظَّم ابن المَلِك العادِل (١)
اشْتَغَلَ بالفِقْه والأدَب، وحصَّلَ منهما طَرفًا صَالِحًا، وقَرأ المَنْطِق على شَمْس الدِّين الخُسْرُوشَاهيِّ -هو أبو الفَضْلِ عَبْد الحَميْد بن عِيْسَى بن عَمُّوَيه بن يُونُس بن خَلِيل بن عَبْد اللَّه- ولازَمَهُ مُدَّة دَوْلته.
ومَلَكَ دِمَشْق حين تُوفِّي أبُوه المَلكُ المُعَظَّم عِيسَى في سَنَة أرْبَعٍ وعشرين وسِتّمائة، فقَصَدَهُ عَمُّه المَلِك الكَامِل مُحَمَّد بن أبي بَكْرِ بن أيُّوب، فسَيَّرَ إلى عَمِّه المَلِك الأشْرَف مُوسَى يَعْتَضدُ بهِ إلى سِنْجَار، وكُنْتُ رسُولًا عند المَلِك الأشْرَف بسِنْجَار، فتَوجَّه إليه إلى دِمَشْق، وأقام عندَهُ بها والمَلِك الكَامِل على تَلِّ العجُول، فصَالَح الفِرِنْج، وتوجَّه المَلِكُ الأشْرَفُ إلى أخيهِ الكَامِل ليُصْلح أمْرَ ابن أخيهِ دَاوُد، فاسْتَمالَهُ المَلِك الكَامِل وجَعَل له دِمَشْق.
стр. 4379
وكان المَلِك الأشْرَف يُحبُّ دِمَشْق حُبًّا مُفْرِطًا، فاتَّفَقَا جَمِيعًا على قَصْد دِمَشْق وإخْرَاجها منِ يد دَاوُد، فقَصَدَاهُ وحَصَراهُ في دمَشْق إلى أنْ سَلَّمهما إليهما، ومَلَكَها المَلِك الأشْرَف في سَنَة ستٍّ وعشرين وسِتّمائة، وكُنْتُ نازِلًا بِظَاهِرها بالمِزَّة حينئذٍ، وأبْقَى في يَدِه من البِلاد: البَيْت المُقَدَّس سِوَى ما صُوْلِح الفِرِنْج عليه منهُ، ومَدِينَة نابُلُس، والكَرَك، والصَّلْت، وأخَذَ المَلِك الكَامِل من المَلِك الأشْرَف حَرَّان، والرُّهَا، وسَرُوج، والرَّقَّة، ورَأس عَيْن، ودَامَت البِلاد الّتي أُقرَّت في يَدِ المَلِك النَّاصِر دَاوُد في يَده إلى أنْ ماتَ المُلْك الأشْرَف، واسْتَولَى المَلِك الصَّالِح إسْماعِيْل بن أبي بَكْر بن أَيُّوب على دِمَشْق وانْتَزَعها المَلِك الكَامِل.
ثُمَّ ماتَ المَلِك الكَامِل، واسْتَولَى المَلِك الصَّالِح أيُّوب على البِلاد الشَّرْقيَّة، وأخُوه المَلِك العادِل أبو بَكْر على الدِّيَار المِصْرِيَّة، وحَصَلَت دِمشْق في يَدِ المَلِك الجَوَاد بن مَمْدُود (a)، فرَاسَلَهُ المَلِك الصَّالِح أَيُّوب، وعَوَّضَهُ عن دِمَشْق بِسْنجَار وعَانَة والرَّقَّة، وحَصَلَ المَلِك الصَّالِح أيُّوب بدِمشْق وعَمّه إسْمَاعِيْل ببَعْلَبَك، فطَمِع أَيُّوب بالدِّيَار المِصْرِيَّة، وسَار إلى نابُلُس فنَزَلها، وكاتَبَ أُمَرَاء بمِصْر، وعَمل عَمُّه المَلِك الصَّالِح إسْمَاعِيْل والمَلِك المُجَاهِد شِيرْكُوه على دِمَشْق، واسْتَوليا عليها، فقَبَض المَلِك النَّاصِر دَاوُد على ابن عَمّه المَلِك الصَّالِح أَيُّوب وسَجَنَهُ بالكَرَك.
وتَرَدَّدت رُسُله إلى المَلِك العادِل أبي بَكْر ابن المَلِك الكَامِل إلى مِصْر في أُمُور اقْتَرحها عليه، منها مُسَاعدته على أخْذِ دِمَشْق من عَمِّه إسْمَاعِيْل، فلم يُجِبْهُ
стр. 4380
إلى ذلك، فكاتَبَ أُمَرَاء مِصْر في إخْرَاج المَلِك الصَّالِح أَيُّوب من سِجْنِ الكَرَك وتَمْلِيكه الدِّيَار المِصْرِيَّة، فأَجَابُوا إلى ذلك، وأخْرَجَهُ من السِّجْن، وسَار به إلى الدِّيَار المِصْرِيَّة، وقَبَض الأُمَرَاءُ على المَلِك العادِل ببُلْبَيْس، ودَخَلَ المَلِك النَّاصِرُ دَاوُد والمَلِك الصَّالِح أَيُّوب إلى الدِّيَار المِصْرِيَّة، ومَلَكَها، وأقامَ المَلِك النَّاصِر معه بها مُدَّة، وكان قد عاهدَهُ على أُمُور لَم يَف المَلِك الصَّالِح له بها، فنَزَل من الدِّيَار المِصْرِيَّة إلى بلادِهِ، ثمّ حَصَل بينهما وَحْشَة اقْتَضَت أنْ أخَذَ منه نابُلُس، وبَقِي في يَدِه الكَرَك، والصَّلْت، وعَجْلُون وفيها عليّ بن قِلْج من جِهَة المَلِك النَّاصِر.
ثُمّ نَزَلَ المَلِك الصَّالِح إلى الشَّام، وتَسَلَّم من المَلِك النَّاصِر الصَّلْت، ولَم يَبْقَ بيَده غير الكَرَك، ثمّ أرْسَل إلى الكَرَك عَسْكَرًا يَحْصُرها، فنَزَلَ المَلِك النَّاصِر دَاوُد منها، وقَصَدَ حَلَب وأبْقَى أوْلَاده بها، وقَدِمَ حلَبَ وَافِدًا على المَلِك النَّاصِر يُوسُف بن مُحَمَّد بن غَازِي في يَوْم الأرْبَعَاء الرّابع والعشرين من شهر رَبيع الأوَّل من سَنَة سَبْعٍ وأرْبَعين وسِتّمائة، وخَرَجَ المَلِك النَّاصِر يُوسُف وتَلَقَّاهُ إلى قَرَنْبِيَّا، وكُنْتُ معه، وأنْزَله في دار قَيْصَر الطَّاهِريّ بالحَاضِر، وأقام له الضِّيَافَة والرَّاتِب، ووَصَل إليه الخَبَر بحَلَب باسْتِيْلَاء عَسْكَر المَلِك الصَّالح أيُّوب على الكَرَك بتَسْليم أوْلَاده إليهم، وبقَي بحَلَب مُقِيْمًا في ضِيَافة المَلِك النَّاصِر إلى أنْ توجَّه المَلِك النَّاصِر يُوسُف إلى دِمَشْق بعد قَتْل المَلِك المُعَظّم تُوْرَانشَاه بن أَيُّوب (١)، وفَتَحَ دِمَشْق وهو معه، وبَدَتْ منه أحْوَال أُنْكِرت عليهِ.
وطَلَب من المَلِك النَّاصِر الأذِنَ في التَّوَجُّه إلى بَغْدَاد، فأذِنَ له، وزَوَّدَهُ، فأُبْلغَ عنه أنَّهُ رُبَّما خبَّطَ عليه، فاعْتَقَله وسَيَّرَهُ إلى حِمْص وسَجَنَهُ في قَلْعتها، وشَفع فيه الخلِيفَة المُسْتَعْصِم، فأُطْلِق من الاعْتِقَالِ، وعادَ إلى دِمَشْق في شَهْر شَوَّال من سَنَة إحْدَى وخَمْسِين وسِتّمائة.
стр. 4381
ثُمَّ تَوَجَّه إلى بَغْدَاد، وشَفَّع المُسْتَعْصِم (a) في أنْ يُرَتِّب له ولأوْلَاده ما يقُوم بهم، فأجَابَهُ المَلِك النَّاصِر إلى ذلك، وعاد إلى دِمَشْق وأقامَ بها، وأطْمَعَهُ جَمَاعَة من الأُمَرَاء البَحْرِيَّة بمُلْك دِمَشْق وتَحَدَّث معهم في ذلك.
وبَلغَ المَلِك النَّاصِر ذلك، فاسْتَشْعَر منه، وطَلَبَ الأذنَ في المَسِيْر إلى بَغْدَاد، وسَارَ إليها، فلم يُؤْذَن له بالدُّخُول إليها (١)، فَمضَى إلى الحِلَّة، وكان له بها جَوْهَر نَفِيْس أوْدَعه في الدِّيْوَان، فلم يَسْمَحُوا له به، وصَالَحُوه على أنْ أطْلقُوا له ذَهَبًا، وطَلَبَ العَوْد إلى الشَّام، وسَمَح المَلِك النَّاصِر له في ذلك، فعادَ إلى جِهَة الكَرَك، واتَّصَل بالعُرْبَان في تلك النَّاحِيَة، وتوهَّم منه المَلِكُ المُغِيْث صَاحِب الكَرَك، فعَمِل عليه حتَّى قَبَضَهُ وسَجَنَهُ.
واتَّفقَ وُصُول التَّتَار إلى بَغْدَاد، فسَيَّرَ المُسْتَعْصِم رَسُولًا في طَلَبه ليُقَدِّمهُ علِى العَسَاكِر ويَلْتَقي التَّتَار، فوَصَل الرَّسُولُ، وأخْرَجَهُ من السِّجْن، وقَدِمَ به إلى دِمَشْق، وأُنْزل بالبُوَيْضَا (٢) من الغُوْطَة، ووَصَل الخبرُ باسْتِيْلَاء التَّتَار على بَغْدَاد، فأقام بالبُوَيْضَا، ووَكَّل المَلِكُ النَّاصِرُ بهِ بعض الأُمَرَاءِ وهو نازلٌ في دارٍ بالبُوَيْضَا كانت لعَمِّه مُجِيْر الدِّينِ يَعْقُوب ابن المَلِك العادِل، واجْتَمَعْتُ به فيها غير مَرَّة، ولَم يَزَل بها إلى أنْ ماتَ ﵀.
стр. 4382
وكان فَاضِلًا، أَدِيْبًا، شَاعِرًا مُجِيْدًا، فَقِيهًا، مُتَكَلِّمًا، شُجَاعًا، حَسَن المُحاضَرَة، دَمِث الأخْلَاق، فَصِيحَ اللِّسَان، جَمِيل الصُّورَة.
أنْشَدَني مَقَاطِيعْ وقَصَائِد من شِعْرهِ بنابُلُس وبحَلَب وبدِمَشْقَ، وكان قَبْل ذلك قد اجْتازَ بناحية بُزَاعَا وبمَنْبِج مُتَوجِّهًا إلى البِلاد الشَّرْقيَّة إلى خِدْمَة عَمِّه المَلِك الكَامِل في سَنَة ثَلاثٍ وثَلاثين وسِتّمائة.
أنْشَدَني المَلِكُ النَّاصِر دَاوُد بن عِيسَى بنابُلُس في أرْض بَلَاطَة (١)، وقد خَرَجَ إلى لقائي، وقد توجَّهْتُ رَسُولًا إلى مِصْر (٢)، لنَفْسِه يُخاطِبُ اللَّه : [من الكامل]
يا مَنْ تردى بالجَلَالِ جَمَالُهُ … وله من الأنْوَارِ حُجْبُ تبْهَرُ
مَا لي إليكَ وَسِيْلةٌ أنْجُو بها … يَوْم المعَادِ إذا أزَمّ المَحْشَرُ
إنِّي لمُعْتَذرٌ بذَنْبي غَافِل … فيما يُقَرَّبُني إليْكَ مُقَصِّر
لكنَّني أرْجُو لكُلِّ كَبِيرة … ثِقَتي بعَفْوك إنَّ عَفْوكَ أكْبَرُ
وإذا المُلُوك تكثَّرَتْ بعَدِيْدها … ألْفَيْتَني بسِوَاك لا أتَكَثَّرُ
وإذا طَغَتْ وبَغَتْ بما خَوَّلْتها … أقْبَلت نَحْوك خَاضِعًا اسْتَغْفِرُ
يا مَالِكًا رِقِّي وقَلْبي ذَائبٌ … في حُبِّهِ بين الأنَامِ مُشَهَّرُ
إنَّ النَّهَار بغير وَجْهِكَ مُظْلِم … عِنْدِي ولَيْلي من بَهَائك نَيِّرُ
أشْتَاقُ وَجْهَك لا سِوَاه إذا غَدَا … قَوْمٌ تَشُوقهم الجنان النُّضَّرُ
стр. 4383
ويَرُوق لي من ماء حُبِّكَ شَرْبة … تروي الصَّدَى إنْ رَاقَ غيري الكَوْثَرُ
ما لي رَجَاء في جنَانٍ زُخْرفتْ … كلَّا ولا أخْشَى حَمِيْمًا تسْعَرُ
لكنِ رَجَائي أنْ أرَاكَ وخَشْيَتي … من أنْ تَهِيْجني الذُّنُوب فأهجَرُ
يا مَنْ تفرَّدَ بالبَقَاء فما لهُ … ندٌّ يُضَاهِي أو شَرِيكٌ يُذْكَرُ
أنْتَ الجَوَادُ فما يُقَلِّل جُوْدَهُ … ذَنْبٌ ولا الحَسَنات فيهِ تُكَثِّرُ
كُنْ لي إذا الرُّسُل الكِرَامُ تَعَاظَمَتْ … ذَنْبٌ فظنَّتْ أنَّهُ لا يُغْفَر
فلأنْتَ أوْلَى بالتَّجَاوُزِ مُحْسِنًا … والعَفْو عن أهْلِ القُنُوط وأَجْدَرُ
وأنْشَدَني المَلِكُ النَّاصِر دَاوُد بن عِيسَى لنَفْسِه بحَلَب يَمْدَح الإمَام المُسْتَنْصِر باللَّه أَمِير المُؤْمنِيْن (١): [من الطويل]
وَدَان ألَمَّتْ بالكَثِيْب ذَوَائبُهْ … وجُنْحُ الدُّجَى وَحفٌ (a) تَجُولُ غَيَاهبُه
تُقَهْقِهُ في تلك الرُّبوع رُعُودُه … وتَبْكِي على تلك الطُّلُول سَحَائبُه
أرقْتُ له لمَّا تَوَالَتْ برُوقُهُ … وحُلَّتْ عزَاليهِ وأَسْبَلَ سَاكبُه
إلى أنْ بَدَا من أَشْقَر الصُّبْح قَادِمٌ … يُرَاع لهُ من أدْهَمِ اللَّيْلِ هَارِبُه
وأصْبَحَ ثَغْرُ الأُقْحُوانَة ضَاحِكًا … تُدَغْدغُهُ رِيْح الصَّبَا وتُدَاعِبُه
تَمُرّ على نَبْتِ الرِّيَاضِ بليْلَةً … تُجَشِّمه (b) طَوْرًا وطَوْرًا تُلَاعِبُه
وأقْبَل وجْهُ الأرْضِ طَلْقًا وطَالَمَا … غَدَا مُكْفَهرًّا مُوْحشَاتٍ جَوَانبُه
كَسَاهُ الحيا وَشْيًا من الأرْض (c) فَاخرًا … فعَادَ قَشِيْبًا غَوْره وغَوَارِبُه
كما عَادَ بالمُسْتَنْصِر بن مُحَمَّد … نظَامُ المَعَالِي حينَ فُلَّتْ كَتَائِبُه
وقد رَصَدَ الأعْدَاءُ لي كُلَّ مرْصَدٍ … فكُلُّهُم نَحْوي تَدِبُّ عَقَارِبُه
وآتيكَ والعَضْبُ المُهَنَّدُ مُصْلَتٌ … طَريرُ شَبَاهُ قَانياتٌ (a) ذَوَائبُه
وأُنْزِلُ آمالي ببَابكَ رَاجِيًا … فَوَاضِل (b) جَاهٍ يبْهرُ النَّجْم ثَاقِبُه
فتَقْبَلُ منِّي عَبْدَ رِقٍّ فيَغْتَدي … له الدَّهْرُ عَبْدًا طَائِعًا لا يُغَالِبُه
وتُنْعِمَ في حَقِّي بما أنْتَ أهلُهُ … وتُعْلِي مَحَلِّي فالسُّهَا لا يُقَارِبُه
وتلبِسُنِي من نَسْج ظِلِّك مَلْبَسًا (c) … تُشَرِّف قَدْرَ النَّيِّرَين جَلَابِبُه
وتُرْكبُني نُعْمي أيادِيْكَ مَرْكبًا … على الفَلَكِ الأعْلَى تَسِيْرُ مَوَاكِبُه
وتَسْمَحُ لي بالمالِ والجاَهُ بُغْيَتي … ومَا الجاهُ إلَّا بَعْضُ ما أنْتَ وَاهِبُه
ويأتيكَ غَيْري من بلادٍ قَرِيْبةٍ … له الأمْنُ فيها صَاحِبًا لا يُجانبُه
وما اغبرَّ منِ جَوْب الفَلَا حُرُّ وَجْهِهِ … ولا أُنْضِيت (d) بالسَّيْر فيها رَكَائبُه
فيلَقي دُنُوًّا منْكَ لَم ألْقَ مثْلَهُ … ويُحْظَى وما أَحْظَى بما هو (e) طَالِبُه
ويَنْظُرُ من لَألاءِ قدْسِكَ نَظْرةً … فيرجعُ والنُّور الإمَامِيُّ صَاحِبُه
يُشِيرُ بذلك إلى مُظَفَّر الدِّين كَوْكَبُوري بن زَيْن الدِّين بن عليّ صَاحِب إرْبِل، وكان قد قَدِمَ بَغْدَاد على المُسْتَنْصِر فأحْضَرَهُ إليه، واجْتَمَع به، وسَألَ المَلِك النَّاصِر دَاوُد لمَّا قَدِمَ بَغْدَاد أنْ يُعامَل بذلك، وأنْ يَجْتَمع بالخلَيفَة المُسْتَنْصِر كما فعلَ في إكْرَام مُظَفَّر الدِّين، فما أُجِيْبَ إلى ذلك.
ولو كان يَعْلُوني بنفْسٍ ورُتْبةٍ … وصِدْق وَلاءٍ لسْتُ فيه أُصَاقِبُه
لكُنْتُ أُسَلِّي النَّفْسَ عمَّا تَرُومُهُ (f) … وكُنْتُ أذُو العَيْن عمَّا تُرَاقِبُه
ولكنَّه مثْلي ولو قُلْتُ إنَّني … أَزِيْدُ عليه لم يَعِبْ ذَاكَ عَائِبُه
ولا أنا ممَّن يَمْلأُ المالُ عَيْنَهُ … ولا بسِوَى التَّقْريب تُقْضَى مَآرِبُه
стр. 4386
ولا بالَّذي يُرْضيهِ دُوْن نَظِيرهِ … ولو أُنْعِلَتْ بالنَّيِّراتِ مَرَاكِبُه
وبي ظَمَأٌ، رؤْياكَ مَنْهَلُ ريِّهِ … ولا غَرْوَ أنْ تَصْفُو لوِرْدِي (a) مَشَارِبُه
ومن عَجَب أنِّي لدَى البَحْر وَاقِفٌ … وأشْكُو الظَّما والبَحْرُ جَمٌّ عَجَائِبُه
وغيرُ مَلُومٍ من يَؤمُّك (b) قَاصِدًا … إذا عَظُمَتْ أغْرَاضُهُ ومَطَالِبُه (c)
وقد رُضْتُ مَقْصُودِي فتَمَّتْ صُدُوره … ومنْكَ أُرَجِّي أنْ تَتِمَّ عَوَاقِبُه
وأنْشَدَني لنَفْسِه يَرْثِي الإمَام المُسْتَنْصِر ﵀: [من الطويل]
أيا رَنَّة النَّاعِي عبثْت بمَسْمَعي … فأَجَّجْتِ نَار الحُزْنِ ما بين أَضْلِعي
وأَخْرَسْتِ منّى مِقْوَلًا ذا بَرَاعَةٍ … يَصُوغُ أفَانِيْنَ القَرِيْضِ المُوَشَّعِ
نَعَيْتِ إليَّ الجُوْدَ والبَأْسَ والنَّدَى … فأوْقَفْتِ آمالي وأجْرِيْتِ أدْمُعي
رُوَيْدًا فقد فاجَأْتِني بقَطِيْعَةٍ … يَضِيْقُ بها صَدْرُ الفَضَاءِ المُوَسَّعِ
أبا جَعْفَر يا بَانِي المَجْد بَعْدَما … تَهَدَّم رُكْن المَجْدِ في كُلِّ مَوضِعِ
ويا كَافِلَ الإِسْلَام في كُلِّ مَوطنٍ … ورَاعِي رُعَاةِ الدِّيْن في كُلِّ مَجْمَعِ
ومنْ كُنْتُ أرْجُو أنَّني في زمَانهِ … أُبادِر أيَّام الزَّمانِ المُضَيِّعِ
فأَسْتَدْرِكُ المَاضِي بفَضْلِ تَضَرُّعٍ … واسْتقبلِ الآتِي بدِرْعِ تَوَرُّعِ
أحَقًّا طَوَتْكَ الحَادثَاتُ كما طَوَتْ … قُرُونًا مَضَتْ من عَهْدِ كِسْرَى وَتُبَّعِ
وغَالَكَ رَيْبُ الدَّهْر والدَّهْرُ جَائِرٌ … إذا صَالَ لا يُبْقِي وإنْ جَال لا يَعِي
فأيْأس أمالًا تَدَانَى لها الغِنَى … فَرَاحَتْ بفَقْرٍ من رجَائك مُدْقِع
دَعَا باسْمكَ النَّاعِي على حين غَفْلَةٍ … فأَصْمَى سُوَيْدَاءَ الفُؤَادِ المُصَدَّعِ
فقُلْتُ وإنِّي في الفَصَاحَةِ قُسُّها … مَقَالَة مَسْلُوب الرَّوَيَّةِ أَلْكَعِ
أيا دَهْرُ قد آمنْتني كُلِّ خِيْفَةٍ … فلَسْتُ لمَيْتٍ بَعْدَهُ بمُفَجِّعِ
فَغُلْ كُلَّ مَأْمُور وكُلَّ مُؤَمّرٍ … وخُذْ بعْدَهُ يا دَهْرُ مَنْ شِئْتَ أو دَعِ
стр. 4387
ولو كان خَطْبُ المَوْت يقبَلُ فِدْيَةً … ويَدْفَعُهُ سَعْي الكميّ المُدَرَّعِ
فَدَيتُكَ بالنَّفْسِ النَّفِيْسَة طَائِعًا … ودَافَعْتُ بالجَيْش اللُّهَام المُمَنَّعِ
بضَرْب طَليْقِ الكَفِّ حرَّان ثَائر … وطعْن رَبيْط الجأشِ في الرَّوْع أَرْوَعِ
ببِيْضٍ تَقُدَّ البِيْضَ من حَرِّ وَقْعِهَا … وسُمْر تردّ القِرن قَانِي المقنَّعِ
وكُلّ فَتًى يَلْقَى المَنَايا بصَدْرهِ … بقَلْبٍ ثَبوتٍ لا بقَلْبٍ مُزْعْزَعِ
يَفُضُّونَ بنيان المَقَانب في الوَغَى … بكَبَّاتِ آسَادٍ مَشَابِيْلَ جُوَّعِ
ولكنَّه مَنْ لا يُتَاقِي ويُلْتَقَى … ببَذْل فِدَاءٍ أو بأطْرَافِ شُرَّعِ
لقد كُنْتَ لي حِصْنًا حَصِيْنًا من العِدَى … إليه الْتِفَاتِي في الخُطُوب ومَفْزَعي
وعَارِض جُوْد منه أسْتَنْزل النَّدَى … فأُسْقَى بغَيْثٍ من عَطَايَاه مَرْبَعِي
فأضْحِي ومن بَحْرِ المَكَارِم مَشْرَبي … وأُمْسِي وفي رَوْض المَوَاهِب مَرْبَعِي
سَأبْكيهِ أيَّام الحياةِ وإنْ أَمُتْ … بَكَتْهُ عِظَامِي في قَرَارةِ مَضْجعِي
وأَشْكُرهُ شُكْرَ الثَّرَى لسَمَائهِ … بدُرٍّ من اللَّفْظ البَليْغ المُرَصَّعِ
وما كَلفٌ بالشَّيء مثلُ مكلَّفٍ … ولا دَاعيَاتُ الطَّبْعِ مثْلُ التَّطْبُّعِ
ولا كُلُّ مَن يُوْلَى جَميْلًا بشَاكِرٍ … ولا كُلُّ مَنْ يُدْعَى خَطِيْبًا بمصْقَعِ
هو المَرْءُ أدْنَانِي فأبعَدَ غَايَتي … ووَسَّعَ في ذَرْعِي وطوَّلَ أَذْرُعِي
فَتًى بَدَأَ الإِحْسانَ حَيًّا ومَيِّتًا … بفَرْط اصْطِنَاعٍ لا بفَرْط تَصَنُّعِ
بإسْدَاءِ مَعْرُوفٍ وإلْغاءِ مُنْكرٍ … يُسَكِّن مَسْلُوبَ الجنَان المُرَوَّعِ
وتَسْلِيمه تاجَ الخِلَافَة بَعْدَهُ … إلى خَيْرِ مَدْعُوٍّ وأوْثَق مُوْدَعِ
هَوَى قَمَرُ العَلْيَاءِ من بُرْج سَعْدِه … فأطْلعَ شَمْسَ المَجْد من خَيْر مَطْلِعِ
بفَرْعٍ نَمَا من دَوْحَةٍ طَاهِريَّةٍ … نَما عَرْفُها عن طَيِّها المُتَضَوِّعِ
بمُستعْصِم باللَّه مُنْتَصرٍ له … بحَزْمِ التَّأنِّي لا بحَزْم التَّسَرُّعِ
أقامَ مَنَارَ المُلْكِ بَعْدَ اعْوِجَاجهِ … وشيَّد وَاهِي الدِّين بعد التَّضَعْضُعِ
стр. 4388
بإقْدَامِ مَنْصُور وعَزْمَة قَادِرٍ … وسِيْرَة مَهْدِيّ وإخْبَاتِ طَيِّعِ
بهِ رَجعَتْ شَمْسُ المَكَارِم والعُلَى … كما رَجَعَتْ شَمْسُ النَّهَار ليُوْشَعِ
ففَرَّق شَمْلَ المالِ بعد اجْتِمَاعهِ … وجَمَّع أشْتَاتَ العَلَاءِ المُوَزَّعِ
سَأَشْكُرُ للأيَّام حِيْلَة بُرْئِها … لإبْلَالِ قلبٍ بالرَّقِلَّةِ مُوجَعِ
بإقْبَالها تُزْهَى بأكْرَم مُوْدَعٍ … وإنْ تَكُ قد وَلَّتْ بخَيْر مُوَدَّعِ
ولائي لكُم يا آلَ أحْمَدَ صَادِقٌ … وإنْ مَانَ مَذَّاقٌ ونَمَّقَ مُدَّعِ
وإنِّي لشِيْعِيُّ المَحَبَّةِ فيْكمُ … وإنْ لَمْ يَشِنْ دِيْني غُلوُّ التَّشَيُّعِ
فَلي من نَدَاكُم خَفْضُ عَيْشٍ مُرَفَّهٍ … ولي في ذُرَاكُم عِزُّ قَدْرٍ مُرَفَّعِ
أخْبَرَني المَلِكُ الأمْجَد أبو عليّ الحَسَنُ بن دَاوُد بن عِيسَى بن أبي بَكْر بن أَيُّوبَ، قال (١): سَيَّر الخَلِيفَة المُسْتَعْصِم إلى أبي رَسُولًا عندما قَصَدَ التَّتَارُ بَغْدَادَ، يَسْتَصْرخهُ ويَحُثُّه على سُرْعَةِ الوُصُول إليه ولو على الهُجْن، ويأمرُه أنْ يترُكَ أوْلَادَهُ، ويأمرُهُم أنْ يَسْتَصْحبُوا معهم مَنْ يَرى اسْتِصَحَابَهُ من أوْلادِ المُلُوك والأُمَرَاء والأجْنَاد، وكان أبي إذ ذاكَ مع العَرَب في أطْرَافِ تيْهِ بنِي إِسْرَائِيل، فَوَافاهُ الرَّسول وقد سَيَّرَ إليه المَلِكُ المُغِيْث ابن العادل ابن الكَامِل عَسْكَرًا فقَبَضَهُ، ثمّ سَيَّرَهُ إلى طُوْر هَارُون صَلَّى اللَّه على نَبِيِّنا وعليه وسَلَّم، وتَرَكَهُ هُنالكَ، فقَصَدَ الرَّسُول المَلِكَ المُغِيْث وقال له: الخَلِيفَة قد طَلَبَ هذا الرَّجُل لهذا المُهمّ العَظِيم، فسَيَّرَ إليهِ وأحْضَره، وجاء هو والرَّسُول حتَّى نَزَلا بالبُوَيْضَا خَارِج دِمَشْق على عَزْم التَّوَجُّه إلى الخَلِيفَة، فقال لي أبي: واللَّهِ يا وَلدِي ما أنا مُتَوَجِّهٌ إلى بَغْدَاد أرْجُو دُنْيا ولا تَقَدُّمًا على العَسَاكِر، وإنَّما أُرِيْدُ أنْ أبْذُل نفسِي في سَبِيْل اللَّهِ تعالَى، وأرْجُو أنْ أنْفَع المُسْلمِيْنَ، وأمُوتَ شَهِيدًا، فلعلَّ اللَّه أنْ يُكَفِّر عنِّي ما اقْتَرفتُه فيما
стр. 4389
مَضَى من عُمري، وأقام على هذه النِّيَّةِ يَقْصُر الصَّلاةَ اعْتِقَادًا منه أنَّهُ يُقِيْم أيَّامًا يَسِيْرةً، مجهَّزُ فيها ثُمَّ يتَوَجَّه إلى وُجْهَته.
فلمَّا وَرَدَت الأخْبار بأنَّ التَّتَار قد ضَايقُوا بَغْدَاد، أشَارَ عليه جَمَاعَةٌ من أصْحَابهِ أنْ يتَثَبَّط رَيْثما تحقَّق أمْرها، فقال: أنا قد بعْتُ اللَّه نَفْسِي، فما أرْجع فيما بيني وبين اللَّهِ تعالَى، فلمَّا وَصَلتِ الأخْبارُ بأنَّ التَّتَار قد أخَذُوا بَغْدَادَ، وتَوَاتَر ذلك، أظْهَر بعضُ النَّاسِ أنَّ الخَلِيفَة قد نَجَا بنفْسه والْتَحَق بالعَرَب، فقال: لا بُدَّ لي من اللَّحَاقِ به، فإنَّ له بَيْعَةً في عُنُقي، وقد أمَرَني بأمْرٍ وما يُمْكنني مُخَالفَتُهُ، والّذي يَخْشَاهُ النَّاسُ في ذلك هو القَتْل، وأنا أتَمنَّاهُ، فإنَّ المَوْت لا بُدَّ منه وقد حَان حينُه، فإنَّ هذا الشَّيْب كما تَرَوه، فأحْسَنُ ما كان المَوْتُ بأيْدي المُشْرِكين في سَبِيْل اللَّه تعالَى، فلمَّا تحقَّق أنَّ الخَلِيفَة أُخِذَ فيمَن أُخِذَ، تَوَجَّع لفَوَاتِ ما أمَّله، وقال: ما كُنْتُ أرجُو إلَّا أنْ أكُون بين قَتْلَى المَعْرَكَة، ولكن ما يُريْدهُ اللَّه هو الكَائِنُ.
قال لي وَلدُه الحَسَن: فَجَزَاهُ اللَّه بنيَّته، وآتَاهُ الشَّهَادَة، فإنَّهُ ماتَ بالطَّاعُونِ، وقد صَحَّ عن رسُول اللَّه ﷺ فيما اتَّفَق عليه الإمَامان، عن أنسٍ ﵁ (١)، قال: سَمِعْتُ رسُول اللَّه ﷺ يَقُول: الطَّاعُون شَهَادَةٌ لكُلِّ مُسْلِم.
قال لي وَلدُه: وحُدِّثْتُ أنَّهُ سَألَ اللَّه ذلك قبلَ مَرَضِهِ بيَوْمٍ أو يَوْمَيْن، فإنَّهُ حَدَّثَني الحَاجِيّ عَبْدُ اللَّه بن فَضْل بن رَدَّاد (٢) وفَارِس بن آقْسُنْقُر بن
стр. 4390
عَبْد اللَّه الأمْجَدِيّ، قالا: كُنَّا جالسَيْن عند وَالدِكَ، ﵀، أيَّام اشْتِدَادِ الوَبَاءِ عَقِيْبَ كَائِنة بَغْدَاد، فتَسَخَّطْنا بالوَبَاء، وقُلْنا: هذا سَخْطَةٌ أرْسَلها اللَّهُ على النَّاسِ، فقال: لا تقُولوا هذا، فإنَّ الطَّاعُونَ لمَّا وَقَعَ بعَمْوَاس قال بعضُ النَّاسِ هذا رِجْزٌ، هذا الطُّوفَانُ الّذي بُعِثَ على بني إِسْرَائيِل، وبَلَغَ ذلك مُعَاذًا فقال: يا أيُّها النَّاسُ، لِمَ تَجْعلُونَ دَعْوَةَ نَبِيِّكُم، ورَحْمَةَ ربِّكم عَذَابًا، وتَزْعمُونَ أنَّ الطَّاعُون هو الطُّوفَان الّذي بُعِثَ على بني إِسْرَائيِل، وإنَّ الطَّاعُون لرَحْمَةٌ من رَبِّكم رَحِمَكُم بها، ودَعْوَةٌ من نَبِيِّكُم لكم، وكِفْتُ (a) الصَّالِحين قَبْلكم، اللَّهُمَّ أَدْخِل على آل مُعَاذٍ منه نَصِيْبَهُم الأوْفَى، فطُعِنَ عبدُ الرَّحْمن بن مُعَاذٍ وامْرأته، ودَخَلَ عليهِ مُعَاذ يَعُودُه، فقال: يا بنيّ، كيف تجدُكَ؟ قال يا أبة، ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (١)، فقال: يا بنيّ ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (٢)، فماتَ الفَتَى وامْرأتُه، وطُعِنَتْ امْرَأتانِ لمُعَاذٍ فمَاتتا في يَوْمٍ واحدٍ، فأقْرَع بينهما فقدَّم أحْديهما قبل صَاحِبتها في القَبْر، وطُعِنَت خَادِمُه (b)، وأُمِّ وَلدِه فتُوفِّيتا فدَفَنهما، حتَّى إذا لَم يَبْقَ غيره طُعِنَ في كَفِّه ببَثْرة صَغيرَة كأنَّها عَدسَة، فَجَعَل يَنْظُر إليها ويقُول: إنَّك لصَغِيرَةٌ، وإنَّ اللَّه ليَجْعَل في الصَّغير الخَيْر الكَبِير، ثمّ يُقَبِّلُها ويقُول: ما أُحبُّ أنَّ لي بك حُمرَ النِّعَم، فلمَّا نَزَلَ بهِ المَوْتُ فجَعَل يُغَتّ به ثمّ يُغْمَى عليه، ثمّ يتنَفَّسُ عنه، فيقُول: غُمّ غمّك، فوَعِزَّتكَ إنَّكَ لتَعْلَم أنِّي أُحبُّكَ، ثمّ يَقُول: جَرِّعني ما أرْدت.
قال الحَسَنُ بن دَاوُد: قالا لي (٣): فلمَّا فَرَغَ وَالدكَ من هذه القِصَّة، رَفَعَ يَدَيهِ مُبْتَهلًا وقال: اللَّهُمَّ اجْعَلنا منهم، وارْزُقْنا ما رَزَقْتَهم، فأصْبَح من الغَدِ أو من
стр. 4391
بَعْد الغَد مَرِيْضًا، وكُنْتُ أنا غَائِبًا عنه، فلمَّا بَلَغَني مَرضُه، جِئْتُ إليه، فإذا هو يَشْكُو ألَمًا شَدِيْدًا بجَنْبِه الأَيْسَر بحيثُ لا يَسْتَطيع الاضْطِجَاع، وكان يقُول: أُحِسُّ في جَنْبي مثْل الطَّعْنِ بالسَّيْفِ، ولم يَزَل كذلك أرْبَعَة أيَّام ولَيْلة الخَامِس إلى السَّحَر؛ لَم يَذُق النَّوْم إلَّا إغْفَاءًا نُسَنِّدُ رَأسَهُ بأيْدِينا، ثمّ وَجَدَ خِفًّا واضْطَجَع ونَام وأصْبَح بَارِئًا، وبَقِيَ على ذلك يَوْمَهُ ولَيْلَتَهُ، فلمَّا أصْبَح في اليَوْمِ السَّادِس شَكَا ألَمًا خَفِيْفًا بجَنْبِه الأيْمَن، وأخَذَ في التَّزايُدِ يَوْمَهُ ولَيْلَته، فتحَقَّق في اليَوْم السَّابِع أنَّهُ طَاعُون، واشْتَدّ الألَمُ وعَادَ كما كان في المَرَّة الأُوْلَى، وانْحَطَّت قُوَاهُ.
فلمَّا كان بين الصَّلَاتَيْن، كُنْتُ جالِسًا عندَهُ، وقد أَغْفَى، فانْتَبَه تُرْعَدُ فرائصُهُ، وأشَارَ إليَّ أنْ أَقْتَربَ منهُ، فقال: رأيْتُ النَّبِيّ ﷺ والخَضِر ﵇، وقد جاءَا إليَّ يَعُودَاني، فجلَسَا عندي ثمّ انْصَرَفا، فلمَّا كان أواخر النَّهَار قال لي: ما بَقِيَ فيَّ رَجَاءٌ، فتَهَيَّأ في تَجْهِيزي، فبَكَيْتُ وبَكَى الحَاضِرُونَ من أوْلادِه وغيرهم، فقال لي: لا تكُن إلَّا رَجُلًا، ولا تَعْمل عَملَ النِّسَاءِ، ولا تُغَيِّر هَيْئتَكَ، وكُنْ على مُقْتَضَى طَرِيقتِكَ.
فلمَّا كان اللَّيْلُ، اشْتَدَّ به الضَّعْفُ، وانْصَرَفتُ في حَاجةٍ، فحدَّثني بَعْضُ مَنْ كان جالِسًا عندَهُ من أهْلِهِ أنَّهُ أفاقَ فَزِعًا مُرْتَعِبًا، فقال: باللَّهِ تقدَّمُوا إليَّ فإنِّي أجِدُ وَحْشَةً، فسُئِلَ: مِمَّ ذلك؟ فقال: أرَى صَفًّا عن يَمِيني فيهم أبو بَكْر وسَعْدٌ، صُوَرُهُم جَمِيلةٌ، وعليهم ثِيَابٌ بيْضٌ، وصَفًّا عن يَسَارِي صُوَرُهم قَبِيْحَةٌ، فيهم أبْدَان بلا رُؤوس وهؤلاء يَقُولونَ: تَعال إلينا، وهؤلاء يقُولون: تعال إلينا! وأنا أُرِيْدُ أنْ أروْحَ إلى أهْلِ اليَمِيْن، وكُلمَّا قال لي أهل الشَّمَال مَقَالَتَهُم قُلتُ: واللَّهِ ما أجيءُ إليكم، خَلُّوني من أيْدِيكُم، وقد ارتعَبْتُ منهم. ثمّ أغْفَى إغْفَاءَةً، ثُمَّ قال: الحَمْدُ للَّهِ خلَصْتُ منهم، وقال: رأيْتُ امرأةً جَمِيلةً لَم أرَ أحْسَنَ منها، قد جاءت إليَّ فأعْرَضْتُ عنها،
стр. 4392
فكلَّمتني كالَّتي تَسْتَميلني، فقُلتُ: واللَّهِ ما لي بك من حَاجةٍ؛ هذه زَوْجَتي عندي وأنا عنها مَشْغُول، فرُوْحِي عنِّي؛ فإنَّ نَوْمَةً أحَبُّ إليَّ! فقالت: زَوْجتكَ ما تَدُومُ لكَ وما يَدْوم لك إلَّا نحنُ.
قال الحَسَنُ: وتُوفِّيَ، ﵀، صَبِيْحَة هذه اللَّيْلة حين تَنَفَّس الصُّبْح من يَوْم السَّبْتِ السَّادِس والعشْرين من جُمَادَى الأُوْلَى سَنَة ستٍّ وخَمْسِين وستمائة بالبُوَيْضَا.
كَذا قال لي وَلدُه. ووَجَدْتُ تَاريْخ وفَاته بخَطِّي أنَّهُ تُوفِّي أوَّل طُلُوع الفَجْر من يَوْم السَّبْت الثَّامن والعشرين من جُمَادَى الأُوْلَى من سَنَة ستٍّ وخَمْسِين وستمائة، وحَضَرَ المَلِك النَّاصِر يُوسُف بن مُحَمَّد الصَّلاةَ عليه، واسْتَصْحَبَني معه إلى البُوَيْضَا، وقَدَّمني للصَّلَاةِ عليه، فصَلَّيْتُ عليه بإذن أوْلادِه، وكان قد أوْصَى أنْ يُغَسِّلَهُ القَاضِي شَمْسُ الدِّين عَبْد اللَّه بن مُحَمَّد بن عَطَاءٍ الحَنَفِيّ قاضي دِمَشْق.
قال لي وَلدُه الحَسَن: فغَمضتُ عَيْنيه، وشَدَدت لحْيَيْه، وقَلَبْتُ الماءَ عليه، فرأيتُه كأحْسَنِ نائمٍ، فقُلْتُ للقَاضِي شَمْس الدِّين عَبْد اللَّه: ما تَرَى وَجْهَهُ؟ فقال: واللَّهِ هو الآن أحْسَنُ منه حَيًّا.
وحُمِلَتْ جنَازَته إلى جَبَل الصَّالِحين، فدُفِنَ في تُرْبَة أبيهِ المَلِك المُعَظَّم رَحِمَهما اللَّهُ، إلى جَانبه من الشّمال، ودَخَلَ المَلِكُ النَّاصِر (a) إلى وَالدَته بعد الصَّلاة عليه وعَزَّاها وسَلَّاها، ووَعَدها في مُخَلَّفِيهِ خَيْرًا، ﵀ رَحْمَةً وَاسِعَةً.
стр. 4393
ذِكْرُ مَن اسْمُ أبيْهِ مُحَمَّد ممَّن اسْمُه دَاوُد
دَاوُد بن مُحَمَّد بن الجَرَّاح الكَاتِبُ (١)
كاتبٌ مَذْكُورٌ مَشْهُورٌ، كان على مَظَالِم المُتَوَكِّلِ، وقَدِمَ معَهُ حَلَب حين اجْتازَ بها إلى دِمَشْق في سَنَة ثَلاثٍ وأرْبَعين (٢)، ووَلي دِيْوَان الزِّمَام في أيَّام المُتَوَكِّل وفي أيَّام المُسْتَعِين.
دَاوُدُ بن مُحَمَّد بن الحَسَن بن خَالِد -وقيل: ابن أبي خَالِد- أبو سُليْمان الخَالِديّ القَاضِي الإرْبِلِيّ، ثمّ المَوْصِلِيّ، ثمّ الحَصْكَفِيّ الشَّافِعيّ الفَقِيهُ (٣)
أصْلُهُ من إرْبِل، ووُلد بالمَوْصِل، ثمّ تَوَلَّى القَضَاءَ بحِصْن كِيْفَا، وقَدِمَ حلَبَ رَسُولًا مُجْتَازًا إلى دِمشْق، وحَدَّثَ بها عن أبي مَنْصُور مُحَمَّد بن عليّ بن مَحْمُود الكُرَاعِيّ، وعن ابن بَيَان (a)، وأبي طَاهِر الفَضْل بن عُمَر النَّسَائِيّ.
كَتَبَ عنهُ الحافِظ أبو المَوَاهب الحَسَنُ بن هِبَةِ اللَّه بن صَصْرِى، وأخُوه شَيْخُنا أبو القَاسِم الحُسَين، وعبد اللَّهَ بن عِيسَى المُرَاديّ نَزِيلُ حَمَاة، وروَى لنا عنْهُ زَيْن الأُمَناءِ أبو البَرَكَاتِ الحَسَن بن مُحَمَّد بن الحَسَن بن هِبَةِ اللَّه الدِّمَشقيّ.
стр. 4394
أخْبَرَنا أبو البَرَكَات الحَسَن بن مُحَمَّد، قِراءَةً عليهِ وأنا أسْمَعُ، قال: أخْبَرَنا القَاضِي مَجْد الدِّين أبو سُليْمان دَاوُد بن مُحَمَّد بن الحَسَن بن أبي خَالِد المَوْصِلِيّ الإرْبِلِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصور مُحَمَّدُ بن عليّ بن مَحْمُود الكُرَاعِيّ المَرْوَزيّ قِراءَةً عليهِ بمَرْو، قال: أخْبَرَنا جَدِّي أبو غَانِم أحْمَدُ بن عليّ بن الحَسَن الكُرَاعِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو العبَّاس عَبْد اللَّه بن الحُسَين بن الحَسَن النَّضْرِيّ القَاضِي، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد الحَارِث بن مُحَمَّد بن أبي أُسامَة، قال: حَدَّثَنَا يَزِيد بن هَارُون، قال: حَدَّثَنَا سُفْيان بن سَعيد، عن الأَعْمَش، عن إبْراهيم، عن الأسْوَد، عن عائِشَة (١)، قالت: قُبِضَ رسُول اللَّهِ ﷺ وإنَّ دِرْعه لمَرْهُونَةٌ بثلاثين صَاعًا من شَعِيْر.
أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن أبي مَنْصُور بن نَسِيم إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو مُحَمَّد القَاسِم ابن الحافِظ أبي القَاسِم عليّ بن الحَسَن، فيما ألْحَقَهُ في تاريْخ وَالدِه (٢)، قال: دَاوُدُ بن مُحَمَّد بن الحَسَن (a) بن أبي خَالِد، أبو سُليْمان الإرْبِلِيّ (b) ثمّ المَوْصِلِيّ الفَقِيه الشَّافِعيّ، قَدِمَ دِمَشْق غير مَرَّة.
وحَكَى لي بَعْضُ أصْحَابنا أنَّهُ وُلد بالمَوْصِل في سَنَة ثَلاثٍ وتِسْعِين، وتَفَقَّهَ بالعِرَاق، سَمِعَ الحَدِيْث من جَمَاعَةٍ منهم أبو القَاسِم بن بَيَان الرَّزَّازُ، ودَخَلَ خُرَاسَان، وأقام بمَرْو مُدَّةً، وسَمِعَ بها من أبي مَنْصُور الكُرَاعِيّ، وأبي طَاهِر الفَضْل بن
стр. 4395
عُمَر بن أحْمَد النَّسَائِيّ المَعْرُوف بلَيْلَى (a) الصُّوْفيّ، وحَدَّثَ بدِمَشْقَ والمَوْصِل وغيرهما من البِلادِ، ووَلِيَ القَضَاء بحِصْن كِيْفَا.
وذَكَرَ لي بعضُ أصْحَابنا أنَّهُ ذَاكرَهُ يَوْمًا فيما عندَهُ من مَسْمُوعَاتِ الكُتُب الكِبَارِ، فأخْبَر أنَّهُ سَمِعَ منها قِطْعَةً صَالِحةً، منها: الجَامِعُ الصَّحيح للبُخَارِيّ، وذَكَرَ أنَّ بينَهُ وبين البُخاريّ فيه ثلاث أنْفُسٍ، وسَمِعْتُ وَالدِي يَسْتَبعِدُ ذلك، ويقُول: الآفَةُ في ذلك من شُيُوخ القَاضِي؛ فإنَّ القَاضِي أبا سُليْمان لَم يَتَعمَّد ذلك، وإِنَّما دَخَلَ الوَهْمُ فيه على شَيْخه أو شَيْخ شَيْخه، ولا شَكَّ أنَّهُ سَقَطَ من الإسْنَاد رَجُل.
تُوفِّي ﵀ بالمَوْصِل في يَوْم عِيْد الأضْحَى سَنَة ثَلاثٍ وسَبْعِين وخَمْسِمائَة.
وَقَفْتُ على مُعْجَم شُيُوخ الحافِظ أبي المَوَاهِب الحَسَن بن هِبَة اللَّه بن صَصْرَى بخَطِّه، وخَرَّجَ فيه حَدِيثًا عن دَاوُد بن مُحَمَّد الخَالِديّ، وقال بَعدَهُ: تُوفِّي هذا الشَّيْخ، ﵀، في يَوْم عِيْد الأضْحَى سَنَة ثَلاثٍ وسَبْعِين وخَمْسِمائَة بالمَوْصِل فيما حَكَاهُ لي أخي عن بعض أصْحَاب هذا الشَّيْخِ ولم يُسَمِّه، وكان قد حَدَّثَنَا أيضًا عن ابن بَيَانٍ، والكُرَاعِيّ في تلك المَرَّة، وقَدِم دِمَشْق قدمَةً أُخْرى وأنا بالعِرَاق، فسَمِعَ منه بعضُ أصْحَابنا، وعادَ إلى المَوْصِل فاسْتَوْطَنها، ورَوَى لهم هناك أشْيَاء منها جَامِعُ الصَّحيح للبُخَارِيّ ﵀، إلَّا أنَّهُ أسْقَطَ من عدَّة الشُّيُوخِ إليه رَجُلًا، فإمَّا أنْ يكُون الوَهْمُ مَضَى عليه أو على شَيْخه، وهو مَعْذُورُ، إذْ لَم يكُن هذا الشَّأْنُ من صنَاعَته.
أخْبَرَنا بذلك أبو الغَنائِم سَالِم بن أبي المَوَاهِب إجَازَةً، قال: أخْبَرَني أبي.
стр. 4396
دَاوُدُ بن مُحَمَّد بن مَحْمُود بن أحْمَد القُرَشِيُّ الأصْبَهَانِيُّ، أبو سَعيد الحَلَبِيّ (١)
كان أبُوه صُوْفيًّا من أصْبَهَان، وكان شَيْخ خَانكَاه مَجْد الدِّين أبي بَكْر ابن الدَّايَة الّتي هي دَاخِل مَدِينَة حَلَب بالقُرْبِ من باب العِرَاق، ووُلد له دَاوُد هذا بحَلَب، وسَمَّعَهُ وَالدُهُ من أبي الفَتْحِ عُمَر بن عليّ بن مُحَمَّد بن حَمُّوْيَه الجُوَيْنِيّ شَيئًا من الحَدِيْث بحَلَب، وقَرأتُه عليه بها.
وكان رَجُلًا صَالِحًا، كَثِيْر العِبَادَةِ، خَشِن العَيْش، مُتنزِّهًا عن الدُّنْيا، شَدِيد الحِرْص على طَلَب الحَلَالِ، وكان يَقْتَاتُ ممَّا يَعْمل بيَدِه، ولا يُخالِطُ أحدًا من أرْبَاب الدُّنْيا.
أخْبَرَنا شِهَابُ الدِّين دَاوُد بن مُحَمَّد بن مَحْمُود القُرَشِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح عُمَر بن عليّ بن مُحَمَّد بن حَمُّوْيَه، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الوَهَّاب بن إسْمَاعِيْل بن عُمَر الصَّيْرَفِيّ، قال: أخْبَرَنا إبْراهيم بن مُحَمَّد بن مَكِّي السَّاوِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو حَفْصٍ عُمَر بن مُحَمَّد بن مُحمّد بن عُمَر بن مَسْرُور الزَّاهِدُ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعيد عبد الرَّحْمن بن أحْمَد بن حَمدِيَّة بن مُوسَى، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن زَيْدٍ، قال: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بن حُمَيْد بن كَاسِبٍ، قال: حَدَّثَنا سَعْدُ بن سَعيد بن أبي سَعيد المَقْبُريّ، عن أخيهِ عَبْدِ الله بن سَعيدٍ، عن جَدِّه أبي سَعيدٍ أنَّهُ سَمِعَ عليّ بن أبي طَالِب ﵁ يَقُول: ما حَدَّثَني أحَدٌ حَدِيثًا لم أَسْمَعْهُ أنا من رسُولِ الله ﷺ إلَّا أمَرْتُه أنْ يُقْسِم باللهِ أنَّهُ سَمِعَهُ من رسُول اللهِ ﷺ ، إلَّا أبو بَكْرٍ، فإنَّهُ كان لا يَكْذبُ، فحَدَّثَني أنَّهُ سَمِعَ رسُول الله ﷺ
стр. 4397
يَقُول: ما ذَكَرَ عَبْدٌ ذَنْبًا فقَام حين ذَكَرَهُ فتَوَضَّأ وأَحْسَن وُضُوءَهُ، ثمّ تقدَّمَ فصَلَّى رَكْعَتَيْن، ثمّ اسْتَغْفرَ لذَنْبهِ ذلك إلَّا غُفِرَ له.
تُوفِّي شَيْخنا أبو سَعيد دَاوُد بن مُحَمَّد بحَلَب في سَنَة سَبعْ عَشْرة وسِّتمائة، ودُفِنَ خارج بَابِ العِرَاق بالقُرْبِ من مَقَام إبْراهيم ﵇.
دَاوُد بن مُحَمَّد الإمَامُ الطَّرَسُوسِيُّ
إمَامُ مَسْجِد طَرَسُوس، حَدَّثَ بها عن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمن العَلَّاف البَصْرِيّ، ومُحَمَّد بن دِيْنارٍ، ومُحَمَّد بن خَالِد، وأبي الرَّبِيْع، والقَوَايِرِيّ.
رَوَى عنهُ أبو مُحَمَّد يَحْيَى بن مُحَمَّد بن صَاعِد، وأبو عَوَانَة يَعْقُوبُ بن إسْحاق الإسْفَرَايِنيّ، وكانَ ثِقَةً.
أنْبَأنَا عُمَر بن مُحَمَّد بن طَبَرْزَد، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضْل مُحَمَّد بن نَاصِر إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن البُسْرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمن المُخَلِّص (١)، ح.
وأنْبَأنَا أبو الفَضْل عَبْد السَّلام بن عَبْد الله بن عِمْران، قال: أخْبَرَنا أبو الوَقْت عَبْدُ الأوَّل بن عِيسَى، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن أبي مَسْعُود الفَارسيِّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن أحْمَد بن أبي شُرَيْح، قالا: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد يَحْيَى بن مُحَمَّد بن صَاعِدٍ، قال: حَدَّثَنَا دَاوُد بن مُحَمَّد الإمَامُ بطَرَسُوسَ، ومُحَمَّد بن بِشْر بن مَطَر الوَرَّاق، وجَعْفَر بن عُثْمان (a) صَاحِب الطَّيَالسَة، قالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمن العَلَّاف البَصْرِيّ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ سَوَاءٍ، قال:
стр. 4398
حَدَّثَنَا ابنُ عَوْن، وهِشَام، عن ابن سِيْرِيْن، عن أبي هُرَيْرَة (١): أنَّ رسُول الله ﷺ قال: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ (٢)، وقال المُخَلِّص، قال: ﴿نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ (٣)، فيَضَعُ فيها قَدَمَهُ ﵎ حتَّى تقُول: قطٍّ قَطّ بكَرَمكَ وعَظَمتكَ.
أخْبَرَنا أبو المُظَفَّر عبدُ الرَّحيم بن أبي سَعْد السَّمْعَانيّ في كِتَابِهِ إليْنَا من مَرْو، قال: أخْبَرَنا أبو البَرَكَاتِ عَبْدُ الله بن مُحَمَّد بن الفَضْل الفَرَاوِيّ، ح.
وأخْبَرَنا أبو بَكْر القَاسِم بن أبي سَعْد عَبْد الله بن عُمَر الصَّفَّار في كِتَابِهِ إليْنَا من نَيْسَابُور، قال: أخْبَرَنا الشَّيْخان أبو الأَسْعَد عبد الرَّحْمن بن عَبْد الوَاحِد بن أبي القَاسِم القُشَيْريّ، قِراءَةً عليهِ وأنا أسْمَعُ، وأبو البَرَكَات الفَرَاوِيّ - قال أبو الأَسْعَد: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْدُ الحَميْد بن عبد الرَّحْمن البَحِيْرِيّ قِراءَةً عليهِ، وقال أبو البَرَكَات: أخْبَرَنا أبو عَمْرو عُثْمان بن مُحَمَّد بن عَبْدِ الله المَحْمِيُّ- قالا: أخْبَرَنا أبو نُعَيْم عَبْدُ المَلِك بن الحَسَن الإسْفَرَايِنِيّ، قال: أخْبَرَنا خالي الإمَامُ الحافِظُ أبو عَوَانَة يَعْقُوبُ بن إسْحاق الإسْفَرَاينِّي، قال: حَدَّثَنَا دَاوُد بن مُحَمَّد الطَّرَسُوسِيِّ، قال: حَدَّثَنَا أبو الرَّبِيْع، قال: حَدَّثَنَا مَنْصُور بن أبي الأسْوَد، عن عَبْد المَلِك بن أبي سُليْمان، عن عَطَاءٍ، عن أبي هُرَيْرَة (٤)، عن النَّبِّي ﷺ ، قال: تَسَحَّرُوا فإنَّ في السَّحُور بَرَكَة.
وقال أبو عَوَانَة: حَدَّثَنَا دَاوُد بن مُحَمَّد إمَام مَسْجِد طَرَسُوس، قال: حَدَّثَنَا القَوَارِيرِيُّ، قال: حَدَّثَنَا حَمَّاد بن زَيْد، عن عَبْد العَزِيْز بن صُهَيْب، عن أنَس، عن النَّبِّي ﷺ ، بمثْله.
стр. 4399
دَاوُد بن مُحَمَّد، أبو صالح الكَرْجِيُّ
رَوَى بطَرَسُوس عن عَبْد الله بن عليّ المُقْرِئ، وأبي صالح الفَرَّاء. رَوَى عَنْهُ ابنُه أبو أحْمَد عَبْد الله بن دَاوُد الحَنَّاط الكَرْجِيّ. وكان دَاوُد وإخْوتُه من الغُزَاة المُرَابِطين بطَرَسُوس من الكَرْجِيِّيِنْ.
قَرأتُ بخَطِّ أبي عَمْرو عُثْمان بن عَبْد الله الطَّرَسُوسِيّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن دَاوُد أبو أحْمَد بن أبي صالح الحَنَّاط، قال: حَدَّثَنَا أبي وعُمومَتي، عن أبي صالح الفَرَّاء، عن أشْعَث، قال: كان إبْراهيم بن أدْهَم يقُول للرَّجُل: اكْتَسب؛ فإنْ لم تَفْعَل احْتَجْتَ فدَاهَنْتَ النَّاس للطَّمَع والحاجَة، فتُخَالف (a) حينئذٍ الحَقَّ وأهْلَهُ.
دَاوُد بن مُعَاذٍ البَصْرِيّ، أبو سُليْمان العَتَكِيُّ المِصِّيْصيُّ (١)
ابن أُخْت مَخْلَد بن الحُسَين، أصْلُهُ من البَصْرَة، ونَزَل المِصِّيْصَة وسَكَنَها.
رَوَىِ عن عَبْد الوَارِث بن سَعيد، وسَوَّار بن مُجَشِّر، ومِسْمَع بن عَاصِم، وحَمَّاد بن زَيْد، وأبي عَوَانَة، وخَالهِ مَخْلَد بن الحُسَين، والحَسَن الجُفْرِيّ (٢).
стр. 4400
رَوَى عنه جَعْفَر بن مُحَمَّد الفِرْيَابِيِّ، ومُحَمَّد بن مُشْكان الأنْطَاكِيِّ، ويُوسُف بن سَعيد بن مُسَلَّم، وأبو عَطَاء مُحَمَّد بن إبْراهيم بن الصَّلْتِ المِصِّيْصيَّيْن، وأبو الهَيْثَم خَالِد بن يَزيد المَعْرُوف بابنِ مِخْبَط، وهَارُون بن مُحَمَّد بن إسحاق أبو مُوسَى صَاحِب كتاب النَّسَب (١)، وأبو حَاتِم مُحَمَّد بن إِدْرِيس الرَّازِيّ.
أخْبَرَنا زَيْن الأُمَناءِ أبو البَرَكَات الحَسَن بن مُحَمَّد بن الحَسَن، قِراءَةً عليهِ وأنا أسْمَعُ بدِمَشْق، قال: أخْبَرَنا الشَّيْخُ الصَّالِحُ أبو عَبْد اللهِ المُبارَكُ بن عليّ بن عَبْد البَاقِي بن عليّ البَغْدَاديّ، قال: أخْبَرَنا الشَّيْخُ الحافِظُ أبو الغَنائِم مُحَمَّد بن عليّ بن مَيْمُون الكُوْفيّ النَّرْسِيّ المَعْرُوف بأُبَيّ، قال: أخْبَرَنا القَاضِي أبو القَاسِم عليّ بن المُحَسِّن بن عليّ التَّنُوخِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن سَعيد الرَّزَّازُ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر جَعْفَر بن مُحَمَّد بن الحَسَن بن المُسْتَفَاضِ الفِرْيَابِيّ، قال: حَدَّثَنَا دَاوُد بن مُعَاذ المِصِّيْصيُّ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِث بن سَعيد، عن شُعَيْب بن الحَبْحَاب، عن أنَس بن مَالِكٍ (٢)، قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : رُؤْيا المُؤْمِن جُزءٌ من ستّة وأرْبَعين جُزءًا من النُّبُوَّة.
أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْد العَزِيْز بن الأخْضَر في كتابهِ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْدُ الله بن أحْمَد بن أحْمَد بن الخَشَّابِ، قال: أخْبَرَنا الحَاجِبُ الأشْرَفُ قَرَاتكيْن بن الأَسْعَد، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد الجَوْهَرِيّ، قال: أخْبَرَنا أَبوِ بَكْر مُحَمَّدُ بن عَبْدِ الله بن مُحَمَّد بن صالح الأبْهرِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو الهَيْثَم خَالِد بن يَزِيد ويُعْرَفُ بابن مِخْبَط، قال: حَدَّثَنَا أبو سُليْمان دَاوُد بن مُعَاذ ابن أُخْتِ مَخْلَد بن الحُسَينِ منذُ خَمْسٍ
стр. 4401
وثَمانين سَنَةً، قال: حَدَّثَنَا مِسْمَع بن عَاصِم المِسْمَعِيّ، عن سَعيد بن أبي عَرُوبَة، عن الأشْعَث، عن شَهْر بن حَوْشَب، عن أبي هُرَيْرَة (١)، قال: قال رَسُولُ الله ﷺ : فَضْلُ كَلَام الله على سَائِر الكَلَامِ كفَضْلِ الله على سَائِر خَلْقِهِ.
أنْبَأنَا عَبْدُ البَرّ بن أبي العَلَاء الحَسَن بن أحْمَد، قال: أخْبَرَنا أبو المَحَاسِن البَرْمَكِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم الإسْمَاعِيْليّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم السَّهْمِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو أحْمَد بن عَدِيّ (٢)، قال: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ الفِرْيَابِيّ، قال: حَدَّثَنَا دَاوُد بن مُعَاذ المِصِّيْصيّ بالمِصِّيْصَة (a) في سَنَة ثَلاثٍ وثَلاثين، قال: حَدَّثنَا الحَسَن الجُفْرِيّ، عن أيُّوبَ، عن عِكْرِمَة، عن ابن عبَّاسٍ (٣)، قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : لا تَفْتَخِرِوا بآبائكم الّذين مَاتُوا في الجَاهِلِيَّة، فوالّذي نَفَسِي بيَده لَمَا يُدَهْدِهُ الجُعْلُ بأَنْفها خَيْرٌ (b) من أبائكم الّذين مَاتُوا في الجَاهِلِيَّة.
تُوفِّي دَاوُد بن مُعَاذ في حُدُود سَنَة خَمْسٍ وأرْبَعين ومَائتيَنْ.
أنْبَأنَا أحْمَد بن عَبْد الله بن عُلْوَان، قال: أخْبَرَنا مَسْعُود بن الحَسَن في كتابهِ، قال: أخْبَرَنا أبو عَمْرو بن مَنْدَة، إجَازَهً أو سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا حَمْد بن عَبْد الله، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن أبي حَاتِم (٤)، قال: دَاوُد بن مُعَاذ العَتَكيِّ ابن ابْنة (c) مَخْلَد بن الحُسَين البَصْرِيّ، سَكَنَ المِصِّيْصَة، رَوَى عن عَبْد الوَارِث،
стр. 4402
والحَسَن بن أبي جَعْفَر، رَوَى عنهُ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمن ابن أخي حُسَيْن الجُعْفِيّ، وسَمِعَ منه أبي، سَمِعْتُ أبي يَقُول ذلك.
دَاوُد بن مَنْصُور بن أبي سُليْمان البَغْدَاديّ، أبو سُليْمان (١)
قاضي المِصِّيْصَة، أصْلُهُ من نَسَا، وسَكَنَ بَغْدَاد، ثمّ تَحوَّل إلى الثَّغْر ووَلي قَضَاءَ المِصِّيْصَة، وحَدَّثَ بها عن مَالِك بن أنَس، وجَرِيْر بن حَازِم، وإلْيَاس بن مُطَرِّف، وقَيْس بن الرَّبِيْع، وعُمَر بن مُوسَى الوَجِيْهِيّ، وعَبْد الرَّحمن بن أبي الزَّنَاد، ومُحَمَّد بن رَاشِد المَكْحُوليّ، واللَّيْث بن سَعْد، وإبْراهيم بن طَهْمَان، وأيُّوْب بن خَوْط (a)، وعَبْد الرَّحمن بن ثَابِت بن ثَوْبَان، ووُهَيْب (b) بن خَالِد، وأبي مَعْشَر المَدَنِيّ، وأبي السَّرِيّ مَنْصُور بن عَمَّار، وهَمَّام.
رَوَى عنهُ أبو حَاتِم الرَّازِيّ، وإبْراهِيم بن سَعيد الجَوْهَرِيّ، ويُوسُف بن سَعيد بن مُسَلَّم، والهَيْثَم بن خَالِدٍ، وجَعْفَر بن هَارُون المِصِّيْصيُّونَ، وأحمد بن هاشِم الأنْطَاكِيّ.
أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل بن عَبْد المُطَّلِب الهاشِميّ، قال: أخْبَرَنا أبو شُجاع عُمَر بن أبي الحَسَن البِسْطَامِيّ ببَلْخ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن
стр. 4403
عَبْد البَاقِي بن مُحَمَّد الأنْصَاريّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد الحَسَن بن عليّ بن مُحَمَّد الجَوْهَرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن عُبَيْدِ الله بن الشَّخِّيْر، قال: حَدَّثَنَا القَاسِم بن يَحْيَى بن نَصْر ابن أخي سَعْدَان بن نَصْر، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيم بن سَعيد الجَوْهَرِيّ، قال: حَدَّثَنَا دَاوُد بن مَنْصُور قَاضِي المِصِّيْصَة، قال: حَدَّثَنَا عُمَر الوَجِيْهِيّ، عن أبي الزُّبَيْر بن جَابِر، عن عَبْدِ الله (١)، قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : عليكم بقيام اللَّيْل فإنَّ فيه قُرْبةً إلى اللهِ ، وتَكْفِيرًا للسَّيِّئاتِ، ومَطْردةً للدَّاءِ عن الجَسَدِ (a).
أنْبَأنَا أبو اليُمْن زَيْدُ بن الحَسَن الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (٢)، قال: دَاوُد بن مَنْصُور، أبو سُليْمان، نَسَائِيُّ الأصْلِ، بَغْدَاديُّ الدَّارِ، وَلِيَ قَضَاءَ المِصِّيْصَةِ، وانْتَقَلَ عن بَغْدَاد إليها فسَكَنَها، وحَصَلَ حَدِيثُهُ عندَ أهْلها، فرَوَى عنهُ إبْراهيمُ بن سَعيد الجَوْهَرِيّ، وأبو حَاتِم الرَّازِيّ، والهَيْثَم بن خَالِد المِصِّيْصيّ. وقال ابنُ أبي حَاتِم (٣): سُئِلَ أبي عنه، فقال: صَدُوقٌ.
وقال الخَطِيبُ (٤): حُدِّثْتُ عن أبي الحَسَن بن الفُرَاتِ، قال: أخْبَرَني الحَسَنُ بن يُوسُفَ الصَّيْرَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَلَّال، قال: أخْبَرَني مُحَمَّد بن عليّ، قال: حَدَّثَنَا مُهَنَّى، قال: سَألْتُ أحْمَد عن دَاوُدَ بن مَنْصُور بن (b) أبي سُليْمان النَّسَائِيّ، فقال: جار أبي نَصْر التَّمَّار؟ قُلتُ: نَعَم، كان قَاضِي المِصِّيْصَة، قال: أعْرِفُهُ، قُلْتُ: كيفَ هو؟ قال: لا أدْرِي وكَرِهَهُ.
стр. 4404
أنْبَأنَا أبو مُحَمَّد عبدُ الرَّحْمن بن عَبْد الله بن عُلْوَان، عن مَسْعُود بن الحَسَن الثَّقَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَمْرو عَبدُ الوَهَّاب بن مُحَمَّد بن مَنْدَة، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا حَمْد بن عَبْدِ الله، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن أبي حَاتِم (١)، قال: دَاوُد بن مَنْصُور، قَاضي المِصِّيْصَة، بَغْدَاديٌّ سَكَنَ المِصِّيْصَة. رَوَى عن عبد الرَّحْمن بن ثَابتِ بن ثَوْبَان، ومُحمّد بن رَاشِد، وإبْراهيم بن طَهْمَان، وعَامِر بن يَسَاف، وأبي مَعْشَر، وجَرِيْر بن حَازِم، ووُهَيْب، سَمِعَ منه أبي في سَنَة عشْرين ومَائتَيْن، سُئِلَ أبي عنه، فقال: صَدُوقٌ.
دَاوُد بن الوُسَيْم بن أَيُّوب بن سُلَيمان، أبو سُليْمان البُوْشَنْجيّ (٢)
سَمِعَ بطَرَسُوس أبا بَكْر بن يَزِيد، ورَوَى عنهُ، وعن عبد الرَّحْمن ابن أخي الأصْمَعِيّ، وكَثِيْر بن عُبَيْد، ومُوسَى بن عَبْد الرَّحمن المَسْرُوقيّ، وإبْراهيم بن هَانِئ، ومُحَمَّد بن الوَلِيد القُرَشيّ، وعليّ، ومُوسَى ابْنَي سَهْل الرَّمْليَّيْن، ويَحْيَى بن عُثْمان الحِمْصِيّ، والحَسَن بن عَرَفَة، وإبْراهيم بن يَعْقُوب، ومُحَمَّد بن عَوْف، وأبي التُّقَى هِشَام بن عَبْد المَلِك، ومُحَمَّد بن عَبْد المَلِك بن زَنْجُوَيْه، وأبي سَعيد الأَشَجّ، ومُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل الأحْمَسِيّ، ومُحَمَّد بن خَلَف، وعُمَر بن شَبَّة، وأحمد بن سِنَان، ومُحَمَّد بن حَسَّان الأزْرَق، وعَمْرو بن عَبْد الله الأوْدِيّ، والحَسَن بن مُحَمَّد بن الصَّبَّاح، والعبَّاس بن الوَلِيد البَيْرُوتِيّ، وجَمِيل بن الحَسَن العَتَكِيّ، وغيرهم.
стр. 4405
رَوَى عنهُ أبو بَكْر مُحَمَّد بن الحَسَن بن زِيَاد النَّقَّاشُ، وأبو عَبْد الله مُحَمَّد بن الحَسَن البَنْدَجَانيّ (a)، وأبو عَبْدِ الله مُحَمَّد بن أحْمَد بن مُحمّد البُوْشَنْجيّ، وأبو القَاسِم مَنْصُور بن العبَّاس الفَقِيه (b).
أخْبَرَنا مُرَجَّا بن أبي الحَسَن بن هِبَةِ الله التَّاجرُ، قال: أخْبَرَنا القَاضِي أبو طَالِب مُحَمَّد بن عليّ بن أحْمَد بن الكَتَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور عَبْدُ المُحْسِن بن مُحَمَّد بن عليّ بن أحْمَد، فيما أَذنَ لَنا في الرِّوَايَةِ عنهُ، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عليّ الوَرَّاق، قال: حَدَّثَنَا القَاضِي المُعَافَى بن زَكَرِيَّاء (١)، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن الحَسَن بن زِيَاد النَّقَّاشُ، قال: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بن وُسَيْم، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمن ابن أخي الأصْمَعِيّ، عن عَمِّه، قال: قال لي أبو عَمْرو بن العَلَاءِ: يا عَبْدَ المَلِك، كُنْ من الكَرِيمِ على حَذَرٍ إذا (c) أَهَنْتَهُ، ومن اللَّئيم على حَذَرٍ إذا أكْرَمْتَهُ، ومن العَاقِلِ إذا أحْرَجْتَهُ، ومن الأحْمَق إذا مَازَحْتَهُ، ومن الفَاجِر إذا عَاشَرْتَهُ، وليسَ من الأدَب أنْ تُجيْبَ مَنْ لا يَسْألُكَ (d)، أو تُحَدِّثَ مَنْ لا يُنْصِت لكَ.
دَاوُدُ بن يُوسُفَ بن أَيُّوبَ بن شَاذِي بن يَعْقُوب بن مَرْوَان، أبو سُليْمان، مُجِيْر الدِّين المَلِك الزَّاهِر ابن المَلِك النَّاصِر، صَاحِبُ البِيْرَة (٢)
وكان شَقِيْق الملَك الظَّاهِر غَازِي، وكان مُقِيْمًا عندَهُ بحَلَب، وعَهِدَ إليه
стр. 4406
بالمُلْكِ قَبْل أنْ يُوْلَد له وَلدٌ، ثمّ إنَّهُ أعْطاهُ البِيْرَة (١) والبَرْسَمان (٢) إقْطَاعًا ونِيَابَةً عنهُ، وأقامَ بالبِيْرَة إلى أنْ تُوفِّي المَلِكُ الظَّاهِر، فاسْتَقَلَّ بها مع عدَّة مَوَاضِع غيرها.
وأخْبَرَني أخُوه المَلِك المُحْسِن أبو العبَّاس أحْمَد أنَّ مَوْلد المَلِك الزَّاهِر دَاوُد بمِصْر لسَبْعٍ بَقِينَ من ذِي الحِجَّةِ من سَنَة ثَلاثٍ وسَبْعِين وخَمْسِمائَة.
وكان قد سَمِعَ الحَدِيْث من الفَضْل بن سُلَيمان بن البَانيِاسِيّ بدِمَشْق، وأجازَ لهُ جَمَاعَة من الشُّيُوخ: أبو مُحَمَّد بن بَرِّي، وأبو القَاسِم البُوْصِيرِيّ، وأبو عَبْد الله مُحَمَّد بن عليّ الحَرَّانيّ، وأبو الحُسَين أحْمَدُ بن حَمْزَة بن عليّ السُّلَمِيّ، ولا أعْلَمُ أنَّهُ حَدَّث بشيءٍ.
وتُوفِّيَ بقَلْعَة البِيْرَة في سَنَة اثْنَتَيْن وثَلاثين وسِّتمائة، واسْتَولَى ابنُ أخيهِ المَلِك العَزِيز مُحَمَّد بن غَازِي صَاحِب حَلَب على ما كان بيَدِه من المعَاقِل والحُصُون، وخَرَجَ إلى البِيْرَة بنفْسه، ورَتَّبَ فيها الوُلَاة من قِبَلِهِ.
стр. 4407
دَاوُد بن المَغْرِبيّ القُرَشِيّ المُلَقَّب بالصَّفِيّ
شَاعِرٌ مُجِيْدٌ، دَخَلَ حَلَبَ، وامْتَدَحَ بها المَلِك الظَّاهِر غَازِي بن يُوسُف بن أَيُّوب، وسَمِعْتُ بَعْضَ مَنْ لقيَهُ يُثْنِي عليه كَثِيْرًا، ويَصِفُهُ بالخَيْر والصَّلَاح، وحُسْن العِبَادَة، وخَرَجَ عن حَلَب وأقامَ بحَمَاة.
ورَوَى لنا عنْهُ شَيئًا من شِعْره أبو القَاسِم عَبْدُ الله بن الحُسَيْن بن عَبْد الله بن رَوَاحَة، وأبو حَامِد أحْمَد بن المُفَضَّل بن رَوَاحَة الأنْصَاريَّان الحَمَوِيّان.
وقَرأتُ بخَطِّ يَحْيَى بن أبي طَيّ الحَلَبِيّ أنَّهُ وَرَدَ حَلَب سَنَة خَمْسٍ وتِسْعِين وخَمْسِمائَة، واتَّصَل بخِدْمَة أبي الفَتْح ابن المَلِك النَّاصِر صَلاح الدِّين، وامْتَدَحه بقَصِيدَةٍ أوَّلُها: [من الطويل]
أَلَحْظُكِ أمْ ما تَطْبعُ الهِنْدُ يا هِنْدُ
أنْشَدَنا هذه الأبْيَات شَيْخُنا أبو القَاسِم عَبْدُ الله بن الحُسَين بن رَوَاحَة، قال: أنْشَدَني دَاوُد بن المَغْرِبيّ القُرَشِيّ لنَفْسِه:
أَلَحْظُكِ أم ما تَطْبَعُ الهِنْدُ يا هِنْدُ … وقَدُّكُ أم غُصْنٌ مِنَ البَانِ أم رَنْدُ
ووَجْهُكِ أم بَدْرٌ مِنَ النَّقْصِ آمِنٌ … وشَعْرُكِ أم قِطْعٌ مِنَ اللَّيْلِ مُمْتَدُّ
ورِيْقُكِ أم صِرْفٌ منَ الرَّاحِ قرْقَفٌ … وخَدُّكِ أم وَرْدٌ وثَغْرُكِ أم عقْدُ
وجِسْمُكِ أم ماءٌ منَ المزْنِ جَامِدٌ … ولفْظُكِ أم سِحْرٌ وقَلْبُكِ أم صَلْدُ
وريَّاكِ أَم نَشْرٌ منَ المِسْكِ عَابِقٌ … تكَسَّبَ منهُ المنْدَلُ الطِّيْبَ والنَّدُّ
أَبِيْني لنا يا هِنْدُ كيف تَجَمَّعَت … صِفَاتُكِ يا مَنْ ما يَدُومُ لَها عَهْدُ
ومُنِّي على مَنْ شَفَّهُ الوَجْدُ والضَّنَى … بوَصْلٍ إلى كم ذا التَّهَاجُرُ والصَّدُّ
تَجَاوَزتِ حَدَّ الظُّلْم يا ابْنَةَ مَالكٍ … وجُرْتِ فمُنِّي بالوِصَالِ ولو وَعْدُ
стр. 4408
يَقُول في مَدْحه (a):
إذا ما امْتَطَى طِرْفًا وجَرَّدَ صَارِمًا … صَقِيلًا فأعْنَاقُ المُلُوكِ لَهُ غِمْدُ
أوِ اعْتَقَلَ الرُّمْحَ الرُّدَيْنيَّ كَفُّهُ … غَدَاةَ هيَاجٍ فالكُمَاةِ بهِ عِقْدُ
أنْشَدَني شِهَابُ الدِّين أبو حَامِدٍ أحْمَدُ بن المُفَضَّل بن رَوَاحَة الحَمَوِيّ، وأمْلَاها عليَّ من لَفْظه بِظَاهِر حِمْصَ، قال: أنْشَدَني الصَّفِيّ دَاوُد بن المَغْرِبيّ القُرَشِيّ لنَفْسِه في هَوَىً له، ومَدَحَ بها المَلِك المَنْصُور مُحَمَّد بن تَقِيّ الدِّين عُمَر صَاحِب حَمَاة: [من الكامل]
هَاتَا الحَدِيْثَ عَنِ الغَزَالِ الأغْيَدِ … وتَغَنَّيَا قَوْلَ الغَرِيْضِ ومَعْبَدِ
ثُمَّ اسْقِيَاني قَهْوةً ذَهَبيَّةً … صَفْراءَ صِرْفًا كالسَّنَا المُتَوَقِّدِ
مِن كَفِّ مَمْشُوقِ القَوَام مُهَفْهفٍ … كالصَّعْدَةِ السَّمْرَاءِ أسْمَرَ أمْلَدِ
في خَدِّهِ وَرْدٌ وآسٌ نَاضِرٌ … عَطِرٌ ذَكيُّ النَّشْرِ ريَّانٌ نَدِ
فكأنَّما قَوْسُ السَّحَابِ بخَدِّهِ … يَبْدُو لَنا في أخْضَرٍ ومُوَرِّدِ
ذي مُقْلَةٍ سَحَّارَةٍ سَخَّارةٍ … كَحْلَاءَ ما كُحِلَت بكُحْلِ الإثْمِدِ
آهٌ على بَرْدٍ بفيْهِ مُنَضَّدٍ … كالدُّرِّ في اليَاقُوت تَحْتَ زَبَرْجَدِ
وَالَهْفَتَا مَنْ لي برَشْفِ رُضَابِهِ … فَهْوَ الشِّفَاءُ لغُلَّةِ الدّنفِ الصَّدي
جَانٍ على العُشَّاقِ فتكَةُ لحْظِهِ … يُخْشَى كبَأسِ مُحَمَّدٍ ومُحَمَّدِ
دَاوُد الحَرَّانيّ
له ذِكْرٌ، وَجَّههُ المُعْتَصِمُ رَسُولًا إلى الرُّوم، فاجْتازَ بحَلَبَ أو ببَعْضِ عَمَلها، وحَكَى عن مَلِكِ الرُّوم. رَوَى عنهُ أحْمَد بن عبدِ الصَّمَد.
стр. 4409
قَرأتُ بخَطِّ عليّ بن مُوسَى (a) بن إسْحاق الرَّزَّاز في نَوَادر أبي بَكْر مُحَمَّد بن المَرْزُبَان، سَمَاع الرَّزَّاز منهُ: حَدَّثَني مُحَمَّد بن زَكَرِيَّاء، قال: حَدَّثَني أبو نَصْر أحْمَدُ بن عبد الصَّمَد، قال: أخْبَرَني دَاوُد الحَرَّانيّ، قال: وَجَّهَني المُعْتَصِم باللهِ إلى مَلِكِ الرُّوم، فتَغَدَّيْتُ معَهُ، فأتَوه من الأطْعِمَة بما لَم أرَ أكْثَر منها، ثمّ دَعَا بشيءٍ أوْمَأ إليهم، فأُتِيَ ببَرْنِيَّةٍ صَفْراءَ مُلَّمعَة بشَقَائِق النُّعْمان مَخْتُومة، ففَكَّ الخَاتمَ، ثمّ اسْتَخْرَج من جَوْفها بَرْنِيَّةً أُخْرى، فأخْرَج بيَدِه منها قَضِيْبَيْن من كَبَرٍ (١) فأكَلَهُ، ودَفَع إليَّ مثْلَ ذلك، ثُمَّ خَتَمَها بيَدِه وقال: عندَكُم من هذا شيءٌ؟ قُلتُ: عندنا يَأكُلُه الدَّوَابُّ كَثْرةً، فقال لي: فبلادُكُم إذًا أخْرَبُ بلادِ الله؛ لأنَّ هذا لا يَنْبُتُ إلَّا في الخَرَاب، وبلادنا ليسَ فيها منهُ شيء إلَّا العُود بعد العُود.
دَارَان بن كشيردَاد بن شَمِر بن قُيُوْمَرْت بن كَيْكَاوُس بن صمَاربخت بن كيَاردَشِيْر بن كيوسَا بن يَزْدَجِرْد بن سَابُور كَرمَانْشَاه بن هُرْمُز بن نَرْسِي بن بَهْرَام بن هُرْمُزان بن سَابُور بن أَرْدَشِيْر بن بَابَك بن سَاسَان بن بَابَه بن سَاسَان بن بلَاس بن شَهْرَآبَاد (٢)
ابن أوْلَاد مُلُوك الفُرْسِ، أسْلَم على يَدِ عليّ بن أبي طَالِب ﵁، وشَهِدَ معه صِفِّيْنَ، وقُتِلَ بها ﵀.
стр. 4410
دَارَا بن مَنْصُور بن دَارَا بن العَلَاء بن أحْمَد بن عليّ بن عبد الرَّحْمن بن عليّ بن عِيسَى بن يَزْدَجِرْد بن شَهْرَيَار الشِّيْرَازيّ، أبو الفَتْح الفَارسِيُّ الكَاتِبُ (١)
رَوَى عن جَدِّه دَارَا إنْشَادًا، رَوَاهُ عنه القَاضِي أبو اليُسْر شَاكِر بن عَبْد الله بن سُلَيمان الكَاتِب، وكان بحَلَب في صُحْبَةِ نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي بن آقْ سُنْقُر؛ يَكْتُب له بالعَرَبيّ والعَجَمِيّ، وتَولَّى دِيْوَان الأشْرَاف بحَمَاة، وأقام بحِمْص مُدَّةً مُرَابِطًا لحِصْن الأكْرَاد.
وكان جَدُّه أبو الفَتْحِ دَارَا كَاتبًا للسُّلْطَانِ أبي الفَتْح مَلِك شَاه، وكان من رُؤَسَاءِ فارس وفُرْسَانِهِم في الأدَبِ، وكان يَرْوي عن شُيُوخ خُرَاسَان، وأبي مُحَمَّد الأسْوَد الغُنْدجَانِيّ، ثمّ تَرَكَ الكتابة وانْقَطَعَ في مَنْزِله، وقال يَصِفُ حالَهُ أبْيَاتًا رَوَاها ابنُ ابْنهِ أبو الفَتْحِ هذا عنه.
أنْبَأنَا أبو العبَّاسِ أحْمَدُ بن عَبْدِ الله بن عُلْوَان الأسَدِيّ، عن القَاضِي أبي اليُسْرِ شَاكِر بن عَبْدِ الله بن سُلَيمان، قال: أنْشَدَنا أبو الفَتْح دَارَا، قال: أنْشَدَنا جَدِّي لنَفْسِه (٢): [من الكامل]
قالَتْ أُمَيْمَةُ إذ رَأَتْ مِن عطْلَتي … ما اسْتَنْكَرَتْهُ وَحَقَّ ذَا مِن شَاني
أَنَبَا بكَ الدِّيْوَانُ أم بِكَ نبْوَةٌ … عنهُ فتقْعُدَ خَارِجَ الدِّيْوَانِ
إذْ أنْتَ مَن شَهِدَ اليَرَاعَةُ أنَّهُ … في خلقَتَيْهَا (a) فَارِسُ الفُرْسَانِ
стр. 4411
أو كُنتَ مَنْ أفْنَى ثُمَيْلَةَ عُمرِهِ … وشَبَابِهِ في خِدْمَةِ السُّلْطانِ
ولكَم مَقَامٍ قُمْتَ فيهِ ومَجْلِسٍ … رُفِّعْتَ فيهِ إلى أَعَزِّ مَكَانِ
وكتابةٍ سَيّرتَ مِن أبرادِهَا … ما سَيَّرَتْهُ البُرْدُ في البُلْدَانِ
فَلِمَ اطُّرِحْتَ ولِمَ جَفَتْكَ عِصَابَةٌ … لَهُمُ بحَقِّكَ أصْدَقُ العِرْفَانِ
فأجَبْتُها إنَّ الأحَاظِيَ (a) لَم تَزَلْ … مَقْدُورةً لِرجالِ كُلِّ زمَانِ
إن لَم أنَل فيها كفَاءَ فَضِيْلَتي … فالفَضْلُ ينْطِقُ لي بكُلِّ لِسَانِ
ولَوَ انَّ نَفْسِي طَاوَعَتْنِي لَم أكُن … في نَيْلِ أسْبَاب الغِنَى بالوَانِي
ولرُبَّما لَحِقَ الجَوَاهِرَ بذلَةٌ … مِن بَعْدِ ما رُصِّعْنَ في التِّيْجَانِ
دَامِس أبو الهَوْل (١)
من مَوَالِي طَرِيف من مُلُوك كِنْدَة، كان مع الجَيْشِ الّذي أمَدَّ بهِ عُمَرُ ﵁ أبا عُبَيْدَة ﵁ وهو على حَلَب، وتَسَوَّرَ قلْعَة حَلَب مع جَمَاعَةٍ وفَتَحُوها على ما نَقَلَهُ بعضُ الرُّوَاةِ.
وحُكي عن الوَاقِدِيّ (٢) أنَّهُ قال: كان أبو الهَوْل دَامِسُ أسْوَد شَدِيدَ السَّوَادِ بَصَّاصًا، وكان إذا رَكِبَ البَعِيْرَ أو الفَرَسَ العَالِيَ من الخَيْلِ تَخُطّ رِجْلَاه الأرْض، وإذا رَكِبَ البَعِيْرَ العالي البَازلَ من الإِبِل تُقَارِبُ رِجْلاهُ رُكْبتَي البَعِير.
وكان فَارِسًا شُجَاعًا، قد شَاعَ ذِكْرُهُ ونَمَا أمْرُه، وعَلَا قَدْرُه في بلادِ كِنْدَة، وأوْدِيَة حَضْرَمَوْت وجِبَال مَهْرَة وأرْضِ الشِّحْر (b)، وقد أخافَ البَادِيَةَ، وانْتَهَبَ
стр. 4412
أمْوَال الحَاضِرَة، وكان مع ذلك لا تُدْركُه الخَيْلُ العِتَاق (a) حُصُونتها ولا حجورَتُها، وكان إذا ذكَرتْهُ العَرَبُ في أنْدِيتَها تَعْجَبُ من صَوْلته وشَجَاعتهِ وجُرْأتهِ (b) .
دَاوِدَاد، أبو السَّاج (١)
قَائِدٌ مَذْكُورٌ مَشْهُورٌ من قُوَّاد بني العبَّاس، وَلِيَ ديار مُضَر وقِنَّسْرِيْن والعَوَاصِم في أيَّام المُعْتَزّ، وكانت قِنَّسْرِيْن أيضًا في ولايته أيَّام المُعْتَمد.
قَرأتُ في تاريخ [الطَّبَرِيّ] (c) في شَهْر رَبِيعِ الأوَّل سَنَة أرْبَعٍ وخَمْسِين ومَائتَيْن: عَقَدَ صالِح بن وَصِيْف لدَاوِدَاد على ديار مُضَر وقِنَّسْرِيْن والعَوَاصِم.
ونَقَلْتُ من كتابٍ بخَطِّ أبي الفَوَارِس بن الخَازِن، جَمَعَ فيه أخْبَار الخُلفَاء من بني العبَّاسِ وأُمَرَائهم (٢)، قال: وقال المُوَفَّق لصَاعِد -يعني: ابن مَخْلَد ذي الرِّيَاسَتَيْن-: هذه السَّنَةُ -يعني سَنَة اثْنَتَيْن وسَبْعِين ومَائتَيْن- سَنَة الانْغِلَاق لا سَنَة الافْتِتَاح؛ مِصْر وسَائِر الشَّامات في يَدِ خُمَار بن طُوْلُونَ، والجَزِيْرَة مع إسْحاق
стр. 4413
لا فَضْل فيِها عنهُ، وقِنَّسْرِيْن والعَوَاصِم مع أبي السَّاج، وخُرَاسَان ومَا وَرَاء النَّهْر في يَدِ نصْر بن أحْمَد، وطَخَارَسْتان وبَلْخ وسَمَرْقَنْد في يَدِ دَاوُد بن هاشِم بن كَنْجُور، ونَيْسَابُور في يَدِ رَافِعِ، [و] سِجِسْتَان وكَرْمَان والسِّنْد وفَارِس وأصْفَهَان في يَدِ عَمْرو بن اللَّيْث، وذَكَرَ البِلادَ بأسْرِها وأسْماء مَنْ هي في يَدِه، وقال: ليس في الدُّنْيا غير سَقِي الفُرَات.
أنْبَأنَا أبو رَوْح عَبْد المُعِزّ بن مُحَمَّد بن أبي الفَضْل، عن أبي القَاسِم زَاهِر بن طَاهِر، عن أبي القَاسِم البُنْدَارِ، قال: أخْبَرَنا أبو أحْمَد القَارئ إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن يَحْيَى الصُّوْلِيّ إجَازَةً، قال في كتاب الأوْرَاق: وانْصَرَفَ أبو السَّاج عن عَسْكَر عَمْرو بن اللَّيْث يُرِيدُ بَغْدَاد، فماتَ بجُنْدَيسَابُور في شَهْر رَبِيع الآخر؛ يعني: من سَنَة ستٍّ وسِتِّين ومَائتَيْن.
стр. 4414
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَبِهِ تَوْفِيْقِي
دُبَيْسُ بن صَدَقَة بن مَنْصُور بن دُبَيْس بن عليّ بن مَزْيَد بن مَرْثَد بن زَنْجِي بن رَيَّان (a) بن عَدَنِيّ بن عَذَوَّر (b) - وقيل: رَيَّان بن عَذَوَّر بن عَدِيّ (c)- ابن جِلْد بن حَيّ بن عَمْرو بن أبي المظْفَارِ مَالِك بن عَوْف بن مُعاوِيَة بن كِسْر بن نَاشِرَة بن سَعْد بن سُوَاءَةَ بن مَالِك بن سَعْد بن ثَعْلَبَة بن ذُوْدَان بن أسَد بن خُزَيْمَة بن مُدْرِكَة بن إلْيَاس بن مُضَر بن نِزَار بن مَعَدّ بن عَدْنَان، الأَميرُ أبو الأَغرّ ابن الأَمير سَيْف الدَّوْلَة صَدَقَة ابن الأَمِير بَهَاءِ الدَّوْلَة مَنْصُور ابن الأمِير أبي الأَغرّ دُبَيْس ابن الأَمير سَنَد الدَّوْلَة عليّ الأسَدِيّ، صاحِب الحِلَّة المَزْيَدَيَّة (١)
هَكَذَا ذكَرَ نَسَبَهُ أبو السَّعَادَاتِ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمن، فيما أخْبَرَنا به أبو العبَّاس
стр. 4415
أحْمَد بن عَبْد الله بن عُلْوَان الأسَدِيّ، إجَازَةً عنهُ؛ ذكَرَهُ في شَرْح المقامات (١).
وذَكَرَ الأَبِيْوَرْدِيّ أنَّهُ أبو الأَغرّ دُبَيْس مَلِكُ العَرَب ابن سَيْفِ الدَّوْلَة صَدَقَة بن مَنْصُور بَهَاء الدَّوْلَةِ ابن دُبَيْس نُوْر الدَّوْلَة ابن عليّ الأَمِير ابن مَزْيَد الأَمِير ابن مَرْثَد الأَمِير ابن الرَّيَّان بن عَدَنِيّ بن خَالِد بن مَالِك بن حَيّ بن عُبَادَة بن مَالِك بن عَوْف بن مُعاوِيَة بن كِسْر بن نَاشِرَة بن نَصْرِ بن سُوَاءَة بن مَالِك بن مَالك (a) بن ثَعْلَبَة بن ذُوْدَان بن أسَد بن خُزَيْمَة.
قَدِمَ حلَبَ، ونَزَلَ على ظَاهِرها في نصْف شَعْبان سَنَة ثَمان عَشرة وخَمْسِمائَة، وحَاصَرها مع إبْراهيم ابن المَلِك رِضْوَان، ومع الملك بَغْدَوين الرُّوَيْس الفِرِنْجيّ فطَالَ حِصَارهم لها، واجْتَمَع عليها ثلاثُ رَاياتٍ لهؤلاء المُلُوك الثَّلاثة إلى أنْ تَدَاركها الله بآقْ سُنْقُر البُرْسُقِيّ، فوَصَل إلى حَلَب، ورَحَلوا عنها.