كما أخْرَجناهُ ووَقع إلينا عاليًا ومُوَافَقَة، ولَم يُخْرجهُ البُخَاريّ إلَّا عن أبي كَرَامَة حَسْب من هذا الطَّرِيق، وخالِد بن مَخْلَد هو أبو القَاسِم القَطَوَانيّ كُوفِيٌّ، رَوى عنه البُخَاريّ في صَحِيْحه، وأخْرَج هذا الحَدِيثَ عن ابن كَرامَة عنه، ومن جَلَالة الرَّجُل عندَهُ يُحَدِّث عنه ثُمَّ يُحدِّث عن رَجُلٍ عنهُ.
قال السَّمْعَانيّ: سَمِعْتُ أحْمَدَ بن سَعْد بن عليّ العِجْلِيّ بهَمَذَان يقُول: كان شَيْخُنا أبو مُحَّمَّد التَّمِيْميّ إذا رَوَى هذا الحَدِيث أو قُرئ عليه، قال: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ (١). وسَمِعْتُ شَيْخ الشُّيُوخ إسْمَاعِيل بن أبي سَعْد مُذَاكَرةً يقُول: كان أبو مُحمَّد التَّمِيْميُّ شَيْخُنا إذا قَرَأ عليه أبو بَكْرٍ بن الخَاضِبَةِ هذا الحَدِيث - يعني: حَدِيثَ عَطَاء عن أبي هُرَيْرة - أخَذَ خَدَّهُ وقَرَصَهُ! وقال: يا أبا بَكْر، يَنْبُت تحتَ حُبّكُم من ذَا شيءٌ.
أَنْبأنَا أبو مُحمَّد عَبْد الرَّحمن وأبو العَبَّاسِ أحْمَدُ ابْنَا عَبْد الله بن عُلْوَان الأسدِيَّان، عن أبي الفَرَج مَسْعُود بن الحَسَن بن القَاسِم الثَّقَفِيّ، قال: أخبَرنا رِزق الله بن عبْد الوَهَّاب بن عَبْد العَزِيْز بن الحَارِث بن أسَد بن اللَّيْث بن سُلَيمان بن الأسْوَد بن سُفْيان بن يَزِيْد بن أُكَيْنَة بن الهَيْثَم التَّمِيْميّ يقُول: سَمِعْتُ أبي يقول: سَمِعْتُ أبي يقول: سَمِعْتُ أبي يقول: سَمِعْتُ أبي يقول: سَمِعْتُ أبي يقول: سَمِعْتُ أبي يقول: سَمِعْتُ أبي يقول: سَمِعْتُ أبي يقول: سَمِعْتُ أبي يقول: سَمِعْتُ أبي يقول: سَمِعْتُ أبي يقُول: سَمِعْتُ عليّ بن أبي طَالِب ﵁ في خُطْبَتهِ يقُول: هتَفَ العِلْمُ بالعَمل فإنْ أجابَهُ وإلَّا ارْتَحل.
أخْبَرنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل، قال: أخْبَرنا عَبْد الكَريْم بن مُحمَّد المَرْوَزِيّ، قال: أخْبَرنا أبو الحَسَن عَبْد الرَّحيم بن عَبْد الرَّحمن اليَعْقُوبيّ
стр. 4622
مَولاهُم، بقرَاءتي عليه بجَامع إشْكِيْذَبَان، قال: أخْبَرنا أبو مُحمَّد رِزْق الله بن عَبْد الوَهَّاب التَّمِيْميّ ببَغْدَاد، قال: أخْبَرنا أبو عليّ الحَسَنُ بن أحمد بن إبْراهيْم بن شَاذَان الدَّوْرَقيّ، قال: أخْبَرنا أبو عَمْرو عُثْمان بن أحْمد بن عَبْد الله بن السَّمّاك الدَّقَّاق، قال: حَدَّثَنَا يَحْيى بن جعْفَر، قال: حَدَّثَنَا عَمْرو بن عَبْد الغَفَّار، قال: حدَّثنا الأعْمَشُ، عن شَقِيق، عن عَبْد الله ﵁، قال: تَعَلَّمُوا العِلْم فإنَّ أحَدَكم لا يَدْري مَتَى يَحْتَاج إليه.
أخْبَرنا أبو هَاشِم، قال: أخْبَرنا أبو سَعْد، قال: أنْشَدَنا إسْمَاعِيل بن أحمد بن عُمَر السَّمَرْقَنْديّ إمْلاءً، قال: أنْشَدَنا أبو مُحمَّد التَّمِيْميُّ، قال: أنْشَدَني أبو بَكْر مُحمَّد بن عُمَر العَنْبَرِيّ لنَفْسهِ: [من الخفيف]
خَبَّرُوها بأنِّني أرْقُدُ اللَّيْـ … فقالَتْ: ما ذَا مِنَ العُشَّاقِ
قُلْتُ: إنِّي رَقَدْتُ أرْتَقبُ الطَّيْـ …
стр. 4623
فيَضْحى كَرِيْشِ الدِّيْكِ فيه تَلَمُّعٌ … وأفْظَع ما تكساهُ ثَوبٌ مُلَمَّعُ
إذا ما بلغْتَ الأرْبَعين فقُلْ لمَنْ … يَودُّكَ فيما تَشْتَهيْهِ ويُسْرعُ
هَلُمُّوا لنَبْكي قَبْل فُرْقَة بيننا … فما بعْدَها عَيْشٌ لَذِيْذٌ ومَجْمَعُ
وخلِّ التَّصَابي والخَلَاعَة والهَوَى … وأُمَّ طَرِيق الحَقِّ فالحَقُّ أنْفَعُ
وخُذْ جنَّةً تُنْجي وزَادًا من التُّقَى … وصحْبَة مأمُوم فقَصْدك مفزعُ
وقال عَبْد الكَريْم: أنْشَدَنا إسْمَاعِيل بن أبي بَكْر الحَافِظُ الدِّمَشْقيّ إمْلاءً، قال: أنْشَدَني أبو مُحمَّد التَّمِيْميُّ لنفَسهِ (١): [من الطويل]
مَرَرْنا على رَسْمِ الدِّيارِ فسَلَّمْنا … وقُلْنا لَهُ: يا رَبْعُ أينَ نَأَوْا عَنَّا
وجُدْنا بدَمْعٍ كالرَّذَاذِ على الثَّرَى … فصَمَّ المُنَادى فانْصَرَفنا كما كُنَّا
وما ذاكَ إلا أنَّ رسْمَ دِيَارِهِمْ … بهِ كالّذي نلقَى فقَدْ زادَنَا حُزْنَا
فلمَّا أَيِسْنا مِن جَوَابِ رُسُومِهِمْ … نَزَلْنا فقبَّلْنا الثَّرَى قَبْلَ أنْ رُحْنا
قَرأتُ بخَطِّ عِمَاد الدِّين أبي عَبْد الله مُحمَّد بن مُحمَّد الكاتبِ الأصْبَهَانيّ لأبي مُحمَّد رِزْق الله بن عبد الوَهَّاب التَّمِيْميّ البَغْدَادِيّ: [من الخفيف]
وقَفَتْ للسَّلَام يَوْم الْتَقَيْنَا … ثُمَّ قالَتْ بِطَرْفِهَا الفَتَّانِ
تَدَّعي حُبَّنا وتَصْبِرُ عنَّا … ليسَ هذا مِنْ عَادَةِ الفِتْيَانِ
مُدَّعي حُبِّنا يَمُوتُ قَتِيلًا … وَلِصَعْبِ الأمُورِ فينا يُعَاني
أخْبَرنا أبو هَاشِم الهَاشِميّ، قال: أنْشَدَنا أبو سَعْد السَّمْعَانيّ، قال: أنْشَدَني أبو القَاسِم بن السَّمَرْقَنْديّ إمْلاءً من كتابهِ، قال: أنْشَدَنا أبو مُحمَّد التَّمِيْميُّ لنَفْسه: [من الطويل]
ولمَّا رأتْ فَصِّي يَلُوحُ سَوَادُهُ … بكَت ثُمَّ قالَتْ كُلَّ يَوْمٍ إلى نقصِ
стр. 4624
شَكَوْتُ هَوَىً ياليتَهُ لَم يكُن قُضِي … وأبديْتُ هِجرانًا وأقسَمْتُ أنْ نعْصِي
ولكنَّني وَقْتَ الصُّدُود كطَائرٍ … غَرِيبٍ يَنُوحُ الدَّهْرَ مِن أَلَمِ القَصِّ
لَبِسْتُ سَوَادِي ثُمَّ خِفْتُ فَضِيْحَتي … فصَارَ حِدَادِي ما تَسَوَّدَ مِن فَصِّي
أخْبَرنا أبو هَاشِم، قال: أنْشَدَنا أبو سَعْد، قال: أنْشَدَنا أبو الحَسَن عليٍّ بن هِبَة اللهِ بن عبد السَّلام الكاتب، قال: أنْشَدَني أبو مُحمَّد التَّمِيْميُّ ولَم يُسَمّ قَائلًا، وأظُنُّه من قِيْلِهِ: [من الطويل]
وما وَطَني إلا الّذي تَسْكُنِيْنَهُ … ولا مَنْزلي إلَّا الّذي فيهِ أحْبَابي
بِذِكْرَاكِ أدْعُو في صَلَاتي لأنَّني … أراكِ إذا صَلَّيْتُ في صَدْرِ مِحْرَابي
أخْبَرنا أبو هَاشِم، قال: أخْبَرنا أبو سَعْد، قال: أخْبَرنا أبو زَكريَّاء يَحْيَى بن عَبْد الوَهَّاب الحافِظ في كتابهِ إليَّ، قال: سَمِعْتُ أبا مُحمَّد رِزْق الله بن عبدِ الوَهَّاب الحَنْبَليّ بأصْبَهان يقُول: أدرَكتُ من أصْحَاب أبي بَكْر بن مُجَاهِد واحدًا يُقال له: أبو القَاسِم عُبَيْد الله بن مُحمَّد النَّقِيْب الخَفَّاف، وقَرأتُ عليه سُورةَ البَقَرةِ، وقَرَأها على أبي بَكْر ابن مُجَاهِد، وقال أَيضًا: وأدْرَكتُ من أصْحَاب الشِّبْليّ أيضًا واحدًا وهو أبو القَاسِم عُمَر بن تَعْويْذ، وسَمِعْتُ أبا القَاسِم يقُول: رَأيْتُ أبا بَكْرِ الشِّبْليّ في دَرْب سُلَيمانَ بن عليّ ببَغْدَاد في شَهْر رَمَضان في عشيَّة يَوْم، وقد اجْتَازَ على البَقْلِيِّ يُنَادِي على البَقْلِ: يا صَائمًا من كُلِّ الألْوَان! فلَم يَزَل يُكَرِّر هذا اللَّفْظ ويَبْكي. ثُمَّ أنْشَأ يقُول (١): [من المتقارب]
خَلِيْليَّ إنْ دَامَ هَمُّ النُّفُوسِ … على ما أرَاهُ سَرِيعًا قَتَلْ
فيا سَاقي القَوْم لا تنسَني … ويا رَبَّةِ الخِدْر عنِّي رَمَلْ
لقد كان شيءٌ يُسَمَّى السُّرُورُ … قَدِيمًا سَمِعْنا به ما فَعَلْ
стр. 4625
قَرأتُ في مَشْيَخَة أبي عليِّ الحُسَيْن بن مُحمَّد الصَّدَفيّ الأندَلُسِيّ، قال: قَدِمْتُ مَدِينة السَّلام فلَقِيتُ فيها جَمَاعَةً منهم الشَّيْخ الإمَام أَبو مُحمَّد رِزْق الله بن عَبْد الوَهَّاب التَّمِيْميّ، ما لقيتُ في بَغْدَاد مثْلَهُ، قَرأتُ عليه كَثِيرًا، وإنَّما لَم أُطِل ذِكْره لعَجْزي عن وَصْفه لكَمَاله وفَضْلهِ.
أخْبَرنا الشَّريفُ أبو مُحمَّد عَبْد الله بن عَبْد الجبَّارِ بن عَبْد اللهِ العُثْمانيّ في كتابهِ، قال: أخْبَرنا الحافِظُ أبو طَاهِر أحمدُ بن مُحمَّد السِّلَفِيّ، قال: سَمِعْتُ أبا الحَسَن عليّ بن مُحمَّد بن سَلَامَة المُقْرئ الرَّوْحَانِيّ بمِصْرَ يقول: سَمِعْتُ أبا مُحمَّد رِزْق الله بن عَبْد الوَهَّاب التَّمِيْميّ ببَغْدَاد يقُول: مَوْلدِي سَنَة سِتّ وتِسْعين وثَلاثمائة، وقَرأتُ القُرآنَ على أبي الحَسَن الحَمَّامِيّ سَنَة سَبعْ عَشْرة. وفيها تُوفِّي الحَمَّامِيّ.
قال الحَافِظ أبو طَاهر السِّلَفِيّ: وقد أجَازَ لي رِزْق الله.
قَرأتُ بخَطِّ الإمَام أبي سَعْد عَبْد الكَريْم بن مُحمَّد السَّمْعَانيّ، وأخْبَرنا به الشَّريفُ أبو هَاشِم الصَالِحيّ، قال: أخْبَرنا أبو سَعْد، قال: قَرأتُ بخَطِّ أبي الحُسَيْن مُحمَّد بن مُحمَّد بن الحُسَيْن بن الفَرَّاءَ، قال: مَوْلدُ أبي مُحمَّد بن أبي الفَرَج التَّمِيْميُّ سَنَة أرْبَعمائة، وقيل: سَنَة إحْدَى وأرْبَعمائة.
قال السَّمْعَانيّ: وسَمعْتُ أبا البَرَكات عبْد الوَهَّاب بن المبُارَك بن أحمد الحافِظ يقُول: مَوْلد أبي مُحمَّد التَّمِيْميّ سَنَة أرْبَعمائة.
وقال السَّمْعَانيّ: قَرأتُ بخَطِّ أبي الفَضْل مُحمَّد بن مُحمَّد بن مُحمَّد بن عَطَّاف المَوْصِليّ في جُزءٍ خَرَّجهُ عن شُيُوخه، ورَوَى فيه أحَاديث عن الإمَام أبي مُحمَّد بن أبي الفَرَجِ التَّمِيْميّ الوَاعِظ، ثُمَّ قال عَقِيْبها: كان شَيْخُنا هذا، ﵀، من أحْسَن منْ لَقِيتهُ ببَغْدَاد لسَانًا، وأوْضَحهم بيانًا، عَالِمٌ بالكَلَام والأُصُول، لَم أعْرف منهُ غير الخَيْر والصِّدْق.
стр. 4626
وقال السَّمْعَانيّ: سَمِعْتُ أبا البَرَكات إسمَاعيلِ بن أبي سَعْد الصُّوفيّ يقُول: كان أبو مُحمَّد التَّمِيْميّ يَجْلسُ في الوَعْظ كُلّ سَنَة أَرْبَع مَرَّات، نَوْبة منها في رَجَب عند قَبْر أحْمَدَ، وكان يَحْضُر عندَهُ عَالَم لا يَعْلَمُ عَدَدهُم إلا الله كَثْرةً.
وقال أبو سَعْد السَّمْعَانيّ: سَمِعْتُ أبا زَبْر مُحمَّد بن الفَضْل القَزَّازِيّ بآمُل يقُول: أنْشَدَني المُقْرئ أبو العِزّ المُبَارَك بن أبي شَيْبَة البَغْدَادِيّ في وَسط الفُرَات عندَ قفُولنا من الحَجِّ في السّفينة بقُرْب قَرْية يُقال لها قزَاقَنْد على شَطِّ النَّهْر، قال: كان الشَّيْخُ أبو مُحمَّد التَّمِيْميّ إذا طَابَ المَجْلسُ يَذْكُر هذه الأبْيَاتَ: [من الكامل]
لو كُنْتُ أعْلَم أنَّ يَوْمَ فِرَاقكُمْ … يَقْضي عليَّ لَمَا ذَكَرْتُ فِراقا
حتَّى مَتَى نَلْقَى الرَّدَى لِفِراقِكُمْ … وتَمُرُّ أيَّامي ولا نتلَاقى
واللهِ إنْ وَعَدَ الزَّمان لقاءَكُمْ … يَوْمَ التَّلَاقِ لَقِيتُكُمْ مُشْتَاقا
أخْبَرنا جَعْفَر بن عليّ في كتابهِ، قال: أخْبَرنا أبو طَاهر السّلَفِيّ، قال: سَألتُ أبا غَالِب شُجَاع بن فَارِس الذُّهْليّ، عن أبي مُحمَّد التَّمِيْميّ رِزْق الله بن عبد الوَهَّاب فقال: كان له لسَان، وعَارضَة، وحَلَاوة مَنْطِقٍ، وهو أحَدُ الوُعَّاظ المَذْكُورين والشُّيُوخ المتُقدِّمين، حدَّث عن جَمَاعَة من الشُّيُوخ، وقد سَمِعْتُ منه.
أَنْبأنَا أبو القَاسِم بن رَوَاحَة، عن أبي طَاهر السِّلَفِيّ، قال: سَألتُ أبا نَصْر المُؤْتَمن بن أحمد السَّاجِيّ عن أبي مُحمَّد التَّمِيْميّ، فقال: هو الإمَام عِلْمًا ونَفْسًا وأبُوَّةً؛ وما يُذكَر عنهُ فتَحَامُل من أعْدَائه.
أَنْبأنَا أبو الحَسَن بن المُقَيِّر، عن أبي الفَضْل بن نَاصر، قال: أخْبَرنا أبو مُحمَّد رِزْق الله بن عَبْد الوَهَّاب بن عَبْد العَزِيز بن الحَارِث التَّمِيْميُّ، وما رَأيْتُ شَيْخًا ابن سَبعْ وثَمانين سَنَةً أحْسَن سَمْتًا وهَدْيَا واسْتِقَامة قَامَة منهُ، ولا أحْسَن كَلَامًا، وأظْرْف وَعْظًا، وأسْرَع جَوَابًا منه، فلقد كان جَمَالًا للإسْلام كما لُقِّب، وفَخْرًا
стр. 4627
لأهْل العِرَاق خَاصَّة ولجمَيع بلادِ الإسْلَام عامَّة، وما رَأينا مثلَهُ، وكان مُقَدَّمًا على الشُّيُوخ الفُقَهاء، وشُهُود الحَضْرة، وهو شَابٌّ ابنُ عِشْرين سَنَة، فكيفَ به وقد نَاهَزَ التِّسْعين سَنَة، وكان مُكَرَّمًا، وذا قَدْر رَفِيع عند الخلفاء منذ زَمَن القَادِر ومَنْ بعْدَهُ من الخُلَفاء إلى خِلَافة المُسْتَظْهِر.
أخْبَرنا أبو هَاشِمِ عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل الهَاشِميّ، قال: أخْبَرنا أبو سَعْد عَبْد الكَريْم بن مُحمَّد بن منْصُور السّمْعَانيّ، قال: رِزْق الله بنِ عبد الوَهَّاب بِن عَبْد العَزِيْز بن الحَارث بن أسَد بن اللَّيْث بن سُلَيمان بن الأسْود بن سُفْيان بن يَزِيْد بن أُكَيْنَة بن الهَيْثَم بن عَبْدِ اللهِ التَّمِيْميُّ، أبو مُحمَّد بن أبي الفَرَج بن أبي الفَضْل.
كان يَسْكُن باب المَرَاتِب، فَقِيْهُ الحَنَابلَة وإمَامهم في عَصْره، قَرَأ القُرآن والحَدِيث والفقْه والأُصُول والتَّفْسِير والفَرَائضَ واللُّغَة والعَرَبيَّة، وعُمِّر حتَّى صارَ يُقْصَد من كُلَّ جَانِب.
وكان حَسَنَ الأخْلَاق، مَلِيْح المحاوَرة، كَثِير المَحْفُوظ، مَجْلِسهُ كان جَمَّ الفَوَائد، وكان يُنْشِد الأشْعَارَ الرَّائِقَة لغيره ولنَفْسهِ، حُمِلَ عنهُ ونُقِلَ عنه الكَثِير، وانْتفَع النَّاسُ بهِ، وكان يَجْلِسُ في حَلْقَةِ أبيهِ بجَامع المَنْصُور للوَعْظ والفَتْوى، وكان حَسَنَ العِبَارة، مَلِيْح الإشَارة، فَصِيْح اللِّسَان إلى سَنَة خَمْسين وأرْبَعمائة، ثُمَّ انْقَطَع عن المُضِيّ إلى جَامِع المَنْصُور، وانتقَل إلى دَار الخِلَافة ببَاب المَرَاتِب، وكان يمضِي في السَنة أرْبَع دفعَاتٍ؛ في رَجَب وشَعْبان، إلى مَقْبَرة أحْمَد بن حَنْبَل، ﵀، ويَعْقد مَجْلِسَ الوَعْظ ثَمَّ، ويَجْتَمع عليهِ الخَلْقُ الكَثِيرُ والجَمُّ الغَفِير لاسْتِماع كَلَامهِ.
قَرَأ القُرآن على أبي الحَسَن بن الحَمَّامِيّ، وسَمِعَ الحَدِيثَ من أبيهِ أبي الفَرَج عبد الوَهَّاب، وأبي عُمَر عَبْد الوَاحِد بن مُحمَّد بن مَهْدِي الفَارِسيّ، وأبي الحُسَيْن أحمد بن
стр. 4628
مُحمَّد بن المُتَيَّمِ الوَاعِظ، وأبي الحَسَن عليّ بن أحْمد بن عُمَر الحَمَّامِيّ، وأبي الحُسَيْن مُحمَّد بن الحُسيْن بن الفَضْل القَطَّان، وأبي عليّ الحَسَن بن أحْمَد بن إبْراهيْم بن شَاذَان البَزَّاز، وأبي القَاسِم عَبْد الرَّحمن بن عُبَيْد الله الحُرَفِيّ، وأبي الفَرَج مُحمَّد بن عُمَر بن مُحمَّد بن الجَصَّاص، وأبي عَبْدِ الله أحمد بن عَبْد الله بن الحُسَيْن المَحَامِلِيّ، وأبي الفَضْل عُمَر بن إبْراهيْم بن إسْمَاعِيل الهَرَويّ، وأبي الحَسَن مُحمَّد بن مُحمَّد بن مُحمَّد بن مَخْلَد البَزَّاز، وأبي الحُسَيْن عليّ بن مُحَمَّد بن عَبْد الله بن بِشْرَان السُّكَّريّ، وأخيْهِ أبي القَاسِم عَبْد المَلِك بن مُحمَّد بن عَبْدِ الله القَنْدِيّ، وجَمَاعَة سِوَاهُم.
رَوَى لنا عنهُ بأصْبَهان جَمَاعَةٌ كَثيرةٌ؛ أكْثَر من سِتِّين نَفْسًا، فإنَّهُ وَرَدَها رَسُولًا في سَنَة ثلاثٍ وثَمانين وأرْبَعمائة، وأكْثَر عنهُ أَهْل أصْبَهان، رَوَى لنا عنه بأصْبَهان الحُفَّاظ: إسْمَاعِيل بن مُحمَّد بن الفَضْل، وأبو نَصْر أحْمَدُ بن عُمَر الغَازِي، ومُحمَّد بن أبي نَصْر اللَّفْتُوَانِيّ، وأبو سَعْد بن أبي الفَضْل بن البَغْدَادِيّ، وأبو مَسْعُود بن كُوْتَاه، وبهَمَذَان أحمد بنُ سَعْد العِجْلِيّ البَدِيْع، وببِسْطَام أبو الحُسَيْن مُحمَّد بن مُحمَّد بن بَادَوَيْه السّهْلَكيّ، وببَغْدَاد أبو القَاسِم بن السَّمَرْقَنْديّ، وعبد الوَهَّاب بن المُبَارَك الأنْمَاطيّ، وإسْمَاعِيل بن أبي سَعْد النَّيْسَابُوريّ، وأبو القَاسِم عليّ بن طَرَّاد الوَزِير الزَّيْنَبيّ، وبدِمَشْق أبو الفَتْحِ نَصْرُ الله بن مُحمَّد بن عَبْد القَوِيّ المِصِّيْصيّ، وأبو مُحمَّد هِبَة الله بن أحْمَد بن عَبْد اللهِ بن طَاوُوس إمَام جَامِع دِمَشْق، وبمَكَّة آمنَة بنتُ إسْمَاعِيل بن أحمد الصُّوفيّ، وبعُكْبَرا أبو غَالِب المُبَاركُ بن عبد الوَهَّاب الفَرَّاءُ، وبوَاسِط أبو الجَوَائِز سَعْد بن عَبْد الكَريْم الغُنْدجَانِيّ، وبإشْكِيْذَبَان أبو الحَسَن عَبْدُ الرَّحيم بن عَبْد الرَّحمن الصُّوفيّ، وبمَرْو أبو الفَضْل مُحمَّد بن عَبْد الوَاحِد المَغَازليّ، وجَمَاعة كَثيرة.
أَنْبأنَا أبو عَبْد الله مُحمَّد بن مَحْمُود بن النَّجَّار، قال: رِزْق الله بن عَبْدِ الوَهَّاب بن عَبْد العَزِيْز بن الحَارِث بن أسَد بن اللَّيْث بن سُلَيمان بن الأسْوَد بن
стр. 4629
سُفْيان بن أُكَيْنَة بن الهَيْثَم بن عَبْدِ الله التَّمِيْمِيُّ، أبو مُحمَّد بن أبي الفَرَج بن أبي الحَسَن، من سَاكني باب المَرَاتِب، فَقِيْهُ الحَنَابلَة وشَيْخهم في وَقْته.
قَرَأ القُرآن بالرِّوَاياتِ على أبي الحَسَن عليّ بن عُمَر الحَمَّامِيّ، وقَرَأ عليه جَمَاعَةٌ من القُرَّاء، وأقْرَؤُوا عنهُ. وتَفَقَّهَ على أبيهِ، وعلى عَمِّهِ أبي الفَضْل عَبْدِ الوَاحِد، ثُمَّ على القَاضِي أبي عليّ بن أبي مُوسَى الهَاشِميّ.
وسَمِعَ الحَدِيثَ من أبيهِ، وعَمّه، وأبي عُمَرَ عَبْد الوَاحِد بن مُحمَّد بن مَهْدِي، وأبي الحُسَيْن أحمد بن مُحمَّد بن المُتَيَّم الوَاعِظ، وأبي الحَسَن عليّ بن أحْمَد بن عُمَر الحَمَّامِيّ، وأبي الحُسَيْن مُحمَّد بن الحُسَيْن بن الفَضْل القَطَّان، وأبي الحُسَيْن عليّ وأبي القَاسِم عَبْد المَلِك ابْنَي مُحمَّد بن عَبْد الله بن بِشْرَان، وأبي الحَسَن أحمد بن عليّ بن البَادَا، وأبي عَبْد اللهِ أحْمَد بن عَبْد اللهِ بن الحُسَيْن المَحَامِلِيّ، وأبي الحَسَن مُحمَّد بن مُحمَّد بن مُحمَّد بن إبْراهيْم بن مَخْلَد البَزَّاز، وأبي القَاسِم عَبْد الرَّحمن بن عُبَيْدِ اللهِ الحُرْفِيّ، وأبي عليّ الحَسَن بن إبْراهيْم بن شَاذَان، وأبي الفَرَج مُحمَّد بن عُمَر بن مُحمَّد بن الجَصَّاص، وأبي الفَضْل عُمَر بن إبْراهيْم بن إسْمَاعِيل الهَرَويّ، وأبي الفَرَج أحمد بن مُحمَّد بن عُمَر بن المُسْلِمَة، وغيرهم.
رَوَى عنهُ أبو مَسْعُود سُلَيمان بن إبْراهيْم الحَافِظ الأصْبَهَانيّ في مُعْجَم شُيُوخه، وأبو الحَسَن عليّ بن أحْمد بن يُوسُف القُرَشيّ الهَكَّارِيّ، وأبو عليّ أحمدُ بن مُحمَّد بن البَرَدَانيّ، وأبو الحُسَيْن وأبو خَازم (a) ابْنا أبي يَعْلَى بن الفَرَّاء، وأبو غَالِب أحمد بن الحَسَن بن البَنَّاء، ومُحمَّد بن عَبْد البَاقِي الأنْصَاريّ، وأبو القَاسِم بن السَّمَرْقَنَديّ، وعبد الوَهَّاب بن المُبَارَك الأنْمَاطيّ، وأبو الحَسَن عليّ، وأبو بَكْر مُحمَّد ابْنَا عُبَيْدِ الله بن نَصْر الزَّاغُونِيّ، وأبو الفَضْلِ عبد المَلِك بن عليّ بن يُوسف،
стр. 4630
وثَابِت بن مَنْصُور الكَيْلِيّ، وأبو مَنْصُور مَسْعُود بن عَبْد الوَاحِد بن الحُصَيْن، ومُحمَّد بن نَاصِر الحَافِظ، وأبو الكَرَم المُبَارَك بن الحَسَن بن الشَّهْرَزُورِيّ، وأحمد بن مُحمَّد بن الإخْوَة، وصَدَقَة بن الحُسَيْن بن مُحمَّد بن السَّيَّاف، وأبو الفَتْح مُحمَّد بن عَبْد البَاقي بن البَطِّيّ، وسَلَامَة بن أحْمَد بن الصَّدْر، وعليّ بن مُحمَّد بن أبي عُمَر البَزَّاز، وشَاذِي فَتى الأنْصَاريّ، وجَمَاعَة غيرهم.
وكان فَقِيهًا فَاضِلًا في المَذْهَب والخِلَاف والأُصُول، وله في ذلك مُصَنَّفاتٌ حسَنَةٌ.
وكان وَاعِظًا مَلِيْحَ العِبَارةِ، لَطِيْفَ الإشَارةِ، فَصِيْحَ اللِّسَان، طَرِيْفَ المَعَاني، يَجْلِسُ في حَلْقَةِ أبيهِ بجَامِع المَنْصُور للوَعْظ والفُتْيا إلى سَنَةِ خَمْسين وأرْبَعمائة، ثُمَّ انْقَطَع عن المُضِيّ إلى جَامع المَنْصُور، وكان يَمْضِي في السَّنَة أرْبَع دفعَاتٍ؛ في رَجَب وشَعْبَان، إلى مَقْبرة أبي عَبْدِ الله أحْمَد بن حَنْبَل، ويَعْقد مَجْلِس الوَعْظ، ويَجْتَمع عليه الخَلْقُ الكَثيرُ.
وكان جَمِيْل الصُّوْرة، له القَبُول التَّام والحُرْمَة الكَامِلةُ عند الخُلَفاء والمُلُوك والأعْيَان وخَوَاصِّ النَّاسِ وعَوَامِّهِم، وقد رُوْسِل من دَار الخِلَافة إلى مُلُوك العِرَاق وخُرَاسان وما وَرَاء النَّهْر، وحدَّث هُناك، وروَى عنه خَلْق كَثِير من أهْل أصْبَهان يَجُوزُون المائة.
وكان له شِعْرٌ أرَقّ من النِّسِيْم، وأعْذَب من النَّعِيْم.
وشَهِدَ عند قَاضِي القُضَاةِ أبي عَبْد الله الحُسَيْن بن عليّ بن مَاكُولا في النِّصْف من شَعْبان سَنَة ثَلاثين وأرْبَعمائة فقَبِلَ شَهَادتَهُ، ولَم يَزَل يَشْهَدُ إلى أنْ وَلِيَ أبو عَبْد اللهِ الدَّامَغَانيّ قَضَاء القُضَاة، فلم يَشْهَد عندَهُ وتَرَك الشَّهادَة.
стр. 4631
قال ابنُ النَّجَّار: أَنْبأنَا أحمد بن طَارق، ونَقَلتُه من خَطِّه، قال: سَمِعْتُ أبا الكَرَم المُبَارك بن الحَسَن بن أحمد بن عليّ بن فَتْحَان العِجْلِيّ يقُول: سَمِعْتُ أبا مُحمَّد رِزْق الله بن عبد الوَهَّاب بن عَبْد العَزِيْز التَّمِيْميّ يقول: سَافَرتُ من بَغْدَاد ودَخَلتُ سَمَرْقَنْد، وكان السُّلْطان أبو الفَتْح مَلِك شَاه يومئذٍ بها، وأتيْتُ برِسَالةِ الإمَام المُقْتَدِي بأمْرِ الله أمير المُؤْمِنين إلى السُّلْطان مَلك شَاه إلّا أنَّني رَأيْتُ أهْل البَلَد هُوذا (١) يَرْوونَ النَّاسِخ والمَنْسُوخ لهِبَةِ اللهِ المُفَسِّر عن خَمْسة (a) رِجَالٍ إليه، فقُلتُ لهم: الكِتَابُ معي، وهذا المُصَنِّفُ جَدِّي لأُمِّي ومنه سَمِعْتُه، ولكن ما أُسْمِع (b) كُلّ واحدٍ منكم إلّا بمائة دِيْنارٍ! فما كان الظُّهْر حتَّى جَاءني كيْسٌ فيه خَمْسمائة دِيْنَار والجَمَاعَة، فسَمِعُوهُ عليَّ، وسَلَّمُوا إليَّ الذَّهَب.
قال: فلمَّا عُدْنا من سَمَرْقَنْد، دَخَلْنا أصْبَهان، وأمْلَيْتُ فيها الحَدِيث في يَوْم الجُمُعة، فقَامُوا إلى الجَمَاعَة، ومَدَحُوني على ما ذَكَرْتُ، وقالُوا: ما سَمِعْنا أحْسَن من هذا، فقُلْتُ لهم: أنْشَدَنا أبو الحَسَن عليّ بن أحْمَد بن عُمَر بن حفص الحَمَّامِيّ المُقْرئ، قال: أنْشَدَنا أبو بَكْر مُحمَّد بن الحَسَن المُقْرئ، قال: أنْشَدَنا أبو العَبَّاس أحمد بن يَحْيَى ثَعْلَبُ: [من الطويل]
وما تَنْفَعُ الآدَاب والعِلْم والنُّهَى … وصَاحِبُها عند الكَمَال يَمُوتُ
كما مَاتَ لُقْمان الحَكِيْم وغيره … وكُلّهُم تَحْت التُّرَاب صُمُوتُ
فقالوا: ما أحْسَن هذا! لسَاننا أعْجَميٌّ وما نَقْدر نُعَبِّر الدُّعاء كما يَجِب، فقُلْتُ لهم: أنْشَدَنا أبو الحَسَن عليّ بن أحمد الحَمَّامِيّ، قال: أنْشَدَنا أبو بَكْر مُحمَّد بن الحَسَن
стр. 4632
المُقْرئ، قال: أنْشَدَنا أحمد بن يَحْيَى ثَعْلَب: [من الطويل]
سَبِيْلي لسَانٌ كانَ يُعْرِبُ لَفْظَهُ … فيا لَيْتَهُ مِن وَقْفَةِ العَرضِ يَسْلَمُ
وما تَنْفَعُ الآدَابُ إذ لَم يكُنْ تُقَىً … وما ضَرَّ ذا تَقْوَى لسَانٌ معجَّمُ
قال: فحَضَرَ جَمَاعَة وقد فَاتَهم المَجْلِس، فتَحَسَّرُوا ونَدِمُوا على فَوَاتهم، فقُلْتُ لهم: أخْبَرنا أبو الحَسَن عليّ بن أحْمَد الحَمَّامِيّ، قال: أخْبَرنا مُحمَّد بن الحَسَن المُقْرئ، قال: أخْبَرنا إدْرِيس بن عَبْد الكَريْم المُقْرئ، قال: مَنْ غَابَ خابَ، وأكَلَ نَصِيْبَهُ الأصْحَاب.
أَنْبأنَا ابنُ النَّجَّار، قال: كَتَبَ إليَّ عبدُ السَّلام بن شُعَيْب بن طَاهِر الهَمَذَانيّ، قال: أخْبَرنا شَهْرَدَار بن شِيْرَوَيه بن شَهْرَدار، قال: أخْبَرنا أبي، قال: رِزْق الله بن عَبْد الوَهَّاب، أبو مُحمَّد التَّمِيْميُّ، شَيْخُ الحَنَابِلَة ومُقَدَّمهم، قَدِمَ علينا رَسُولًا سَنَة ثَمانٍ وخَمْسين، سَمِعْتُ منه، وكان ثِقَةً، صَدُوقًا، فَاضِلًا، ذا حِشْمة.
أَنْبأنَا ابنُ النَّجَّار، قال: قَرأتُ بخَطِّ الحَافِظ أبي عَامِر مُحمَّد بن سَعْدون العَبْدَرِيّ، وأَنْبأنيه عنهُ القَاضِي عَبْد الرَّحمن بن أحْمد، قال: رِزْق الله التَّمِيْميُّ، كان شَيْخًا تَقِيًّا، ظَريِفًا لَطِيْفًا، كَثِير الحِكَايات والمُلَح، ما أعْلَم منهُ إلّا خَيْرًا، مَوْلدُه سَنَة أرْبَعمائة.
أخْبَرنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل الهَاشِميّ، قِرَاءةً عليه وأنا أسْمَعُ، قال: أخْبَرنا تَاجُ الإسْلَام أبو سَعْد عَبْد الكَريْم بن مُحمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ، قال: سَمِعْتُ أبا الفَضْل مُحمَّد بن نَاصِر بن مُحمَّد بن عليّ السَّلَامِيّ يقُول: تُوفِّي شَيْخُنا أبو مُحمَّد التَّمِيْميّ في اللَّيلة الّتي صَبِيْحَتُها يَوْم الثُّلاثاء النِّصْف من جُمَادى الأُوْلى سَنَة ثَمان وثَمانين وأرْبَعمائة، ودُفِنَ بُكْرة يَوْم الأرْبعاءِ سَادِس عَشر جُمَادَى الأُوْلَى في دَاره ببَاب المَرَاتِب، وصَلَّى عليه ابنُه الأكْبَر عبد الوَهَّاب، ثُمَّ نُقِلَ بعد ذلك في
стр. 4633
يَوْم الأرْبعاء لليلَتَيْن بَقِيَتا من جُمادَى الآخرة سَنَة إحْدَى وتِسْعين وأرْبَعمائة، فحُمِلَ إلى مَقْبرة باب حَرْب، ودُفِنَ إلى جَنْب قَبْر أحْمَد بن حَنْبَل، وهو اليوم الّذي تُوفِّي فيهِ ابنُهُ عبد الوَهَّاب رَحِمَهما اللهُ.
رِزْق الله بن عُبَيْدٍ الجَزرِيّ السِّنْجَارِيّ (١)
كان رَجُلًا صَالِحًا، فَقِيرًا، حَسَنًا، وكان قد صَحِبَ عَمِّي أبا غَانمٍ مُدَّةً طَويلةً بسِنْجَار، وقَدِمَ علينا حَلَب، ونَزَلَ عند عَمِّي بالمَسْجد المَعْرُوف بنا، وبَقِي فيه مُدَّةً.
وكان له صَوْتٌ حَسَنٌ، وكان يَغْلبُ عليه الوجْدُ والحال في بَعْضِ الأوْقَاتِ، فيُنْشِدُ البَيْتَين والثَّلاثة إنْشَادًا طَيِّبًا، ويَتَرنَّم بصَوْتٍ حَسَنٍ من قَلْب مُشْتاقٍ، وعلَّقْتُ عنه أبْياتًا من الشِّعْر لا يَحْضُرني ذِكْرُها.
وأَمْلَى عليَّ يَوْمًا من الأيَّام (٢)، قال: رُوِي أنَّ بعْضَهم عُزِلَ عن وِلَايةٍ، فكَتَبَ إليه صَدِيق له يتَغَمَّم لذلك، فأجابَهُ بأنْ قال: أوْزَارٌ خَفَّت، وأقْلَامٌ بالسَّيِّئات جَفَّت، والجَنَّةُ بالمَكَارِه حُفَّت.
قال لي يُوسُف بن أبي طَاهِر الكُرْديّ المَنْبجِيّ المُلَقِّنُ: كان رِزْق الله من الأوْلِيَاءِ.
وحَكَى لي الشَّيْخ عَبْد الله الكُردِيّ المُحَدِّث نَزِيل حَلَب، قال: كان رِزْقُ الله بن عُبَيْد رَجُلًا صَالِحًا، من الأسْخِيَاء الأجْوَادِ، وكان ذا مالٍ وثَرْوةٍ، وكان أبُوه عُبْيْد من أهْلِ الجَزِيرة، وماتَ عن مَالٍ جَزِيل مقْدَاره مائة ألْف دِرْهمٍ، وكان لرِزْق الله أخٌ، فدَفَع إليه رِزْقُ الله ما يَخُصّ أخاهُ من التَّرِكَةِ، وأنْفَقَ رِزْق الله قِسْمَهُ على الفُقَراءِ، وتجرَّد عن الدُّنيا.
стр. 4634
قال لي عَبْدُ الله: وكان من سِيْرة رِزْق الله أنَّهُ يكُون له دَيْنٌ على إنْسَانٍ، فإذا لقيَهُ في الطَّريق رجَعَ واخْتَفَى عن المَدِيْن ولا يَلْقاهُ، ويُسَيِّرُ إليه الحُجَّة الّتي لهُ عليهِ، ويقُول: واللهِ تعمَّدْتُ أنْ لا ألْقَاكَ لكي لا تَخْجل من دَيْني عليْكَ، وأنْتَ في حلٍّ من المالِ الّذي لي عليك، وهذه الحُجَّةُ الّتي لي عليك فخَرِّقها.
خَرَجَ رِزْقُ الله بن عُبَيْد من عندنا من حَلَب في سَنَة ثَمان وتسْعين وخَمْسمائة، وتوجَّه إلى سِنْجَار، وكان له بها زَاوِية، فأقامَ بها إلى أنْ مَات في حُدُود السِّتِّمائة، ﵀.
رِزْق الله بنُ يَحْيَى بن رِزْق الله بن يَحْيَى بن خَلِيْفَة بن سُلْطَان بن رِزْقِ الله بن غَنَائم (a) بن غَنَّام، أبو الطَّيِّب البَاجَبَّارِيُّ ثم الدُّنَيْسَرِيُّ (١)
سَافَرَ في طَلَب الحَدِيث، واجْتَهَد في سَمَاعه وتَحْصِيله، وقَدِمَ علينا حَلَب، وسَمِعَ معنا من جَمَاعَة من شُيُوخنا بها؛ سَمِعَ قَاضِي القُضَاة أَبا المَحَاسِن يُوسُف بن رَافِع بن تَميْم، والشَّريف أبا هَاشِم عَبْد المُطَّلِب بن الفَضْل الهَاشِميّ، وعَمِّي أبا غَانِمِ مُحمَّد بن هِبَةِ الله بن أبي جَرَادَة، وأبا مُحمَّد عَبْد الرَّحمن بن عَبْدِ الله بن عُلْوَان الأسَدِيّ، والخَطِيْب أبا البَرَكات سَعِيْد بن هَاشِم، وأبا حَامد عَبْد الله بن عَبْد الرَّحمن بن العَجَمِيّ، وغيرهم.
ثُمَّ توجَّه من حَلَب إلى دِمَشْق، واجْتَمَعْتُ به بها، وسَمِعَ بها معنا من شَيْخنا قَاضِيها أبي القَاسِم عَبْد الصَّمَد بن مُحمَّد بن أبي الفَضْل الحَرَسْتانيّ، وأبي
стр. 4635
البَرَكات الحَسَن، وأبي مَنْصُور عَبْد الرَّحمنِ ابْنَي مُحمَّد بن الحَسَن بن عَسَاكِر، وأبي الفُتُوح مُحمَّد بن مُحمَّد البَكْريّ، وأبي نَصْر مُحمَّد بن هِبَةِ الله بن الشِّيْرَازيّ وغيرهم، ثُمَّ عادَ إلى العِرَاق، وسَمِعَ في طَرِيقه بحَرَّان والمَوْصِل وإرْبل وغيرها من البِلَادِ.
كَتَبَ عنه أبو البَرَكات ابن المُسْتَوفِيّ، وذِكَرَهُ في تاريْخ [إرْبل] (a).
وكان يَنْظِم شِعْرًا لا بأسَ به، فمن شِعْره يَهْجُو رَجُلًا يُدْعَى بالعَفِيْف، وأظُنُّني سَمِعْتُها منه: [من مجزوء الخفيف]
يا عَفِيْفًا أخَفَّ مِن … ريشَة الطَّير عَقْلُهُ
وثَقِيلًا على النُّفُو … سِ كثهْلان ثقْلُهُ
وفَقِيْهًا شُرْبُ المُثَلَّـ … ـثِ ممَّا يُحلُّهُ
فلَقد خَابَ مَنْزِلٌ … أنْتَ فيهِ تَحُلُّهُ
ومن شِعْره ما ذَكَرهُ أبو البَرَكات بن المُسْتَوفِيّ في تَرْجَمته من تَارِيْخ إرْبل (١)، وشَاهدْتُه بخَطِّه، وقال: أنْشَدَني لنَفْسهِ: [من الطويل]
تَوَهَّمْتُ أنَّ العِلْم آفَة حِفْظهِ … لقلَّةِ تكرارٍ وكَثْرة بَلْغَمِ
وما ذَاكَ وَهْمٌ صَادِقٌ غير أنَّ مَنْ … يَخَاف المَعَاصِي واتَّقَى الله يَعْلَم
تَوَجَّه رِزْق الله البَاجَبَّارِيّ في رِحْلته إلى هَرَاة، وبَلَغَني أنَّهُ تُوفِّي بها في شَهْر رَبِيع الآخر من سَنَة خَمْس عَشرة وسِتِّمائة.
стр. 4636
رُزَيْق بن حَيَّان - وقيل: زُرَيْق بتَقْدِيم الزَّاي - أبو المِقْدَام الفَزَاوِيّ (١)
مَوْلى لهم، رَوَى عن عُمَر بن عَبْد العَزِيْز، ومُسْلمِ بن قَرَظَة، رَوَى عنهُ عَبْد الرَّحمن ويَزِيْد انْبَا يَزِيْد بن جابر، ويَحْيَى بن سَعِيْد الأنْصَاريّ، ودَخَل بِلَادَ الرُّوم غازيًا في إمارة يَزِيْد بن عَبْد المَلِك، فاجْتازَ في طَرِيقه بحَلَب أو ببَعْض عَملها، وكان أحَد الكُتَّاب من أهْلِ دِمَشْق، ووَلَّاهُ عُمَر بن عَبْد العَزِيْز، والوَليد وسُلَيمان ابْنا عَبْد المَلِك جواز مِصْر وأخْذ عُشر أمْوَال التِّجَارة بها.
وقيل: إنَّ اسْمه سَعيد بن حَيَّان، ورُزَيْق لَقَبٌ (a).
أنْبَأنَا أبو مُحَمَّد بن عَبْدِ الله بن عُلْوَان، عن الخَضِر بن الفَضْل، عن أبي عَمْرو بن مَنْدَة، قال: أخْبَرَنا حَمْد بن عَبْد الله، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد بن أبي حَاتِم (٢)، قال: رُزَيْق بن حَيَّان، أبو المِقْدَام، مَوْلَى بني فَزَارَة، كان على جوَاز مِصْر زَمَن الوَلِيد وسُليْمان وعُمَر بن عَبْد العَزِيْز.
رَوَى عن مُسْلِم بن قَرَظَة، وعُمَر بن عَبْد العَزِيْز، رَوَى عنهُ يَحْيَى بن سَعيد الأنْصَاريّ، وعَبْد الرَّحمن بن يَزِيد بن جَابِر، ويَزِيْد بن يَزِيد بن جَابِر، سَمِعْتُ أبي يَقُول ذلك. ويقال: زُرْيْق بن حَيَّان، وسَمِعْتُ أبا زُرْعَة يَقُول: رُزيْق بن حَيَّان أصَحُّ.
стр. 4637
رُسْتُم بن تَرْذُوا الفَرْغَانيّ (١)
كان قَائِدًا جَلِيْلًا، من كِبَارِ القُوَّاد في أيَّام المُكْتَفِي، وَلِيَ طَرَسُوس والثُّغُور الشَّامِيَّة سَنَة اثْنَتَيْن وتِسْعِين ومَائتَيْن، فكان له نِكايَةٌ وغَنَاءٌ في حَرْب الرُّوم، وغَزَا الصَّائِفَة في سَنَة أرْبَعٍ وسِتِّين، وغَزَا أيضًا في سَنَة تِسْعٍ وتِسْعِين ومَائتَيْن، وأحْرَقَ رَبَض ذِي الكَلَاع، وأظُنُّه عُزِلَ عن وِلَايَة الثُّغُور أو ماتَ سَنَة اثْنَتَيْن وثَلاثِمائة.
وذَكَرَ أبو بَكْر مُحَمَّد بن يَحْيَى الصُّوْلِيّ، فيما قرأتُه بخَطِّه، أنَّ رُسْتُم كان قد قَدِمَ حلَبَ مع مُحَمَّد بن سُلَيمان حين تجهَّزَ إلى حَرْب الطُّولُونَيَّة، وعادَ معَهُ إلى حَلَبَ، وقد أُمِر بالعَوْد إلى طَرَسُوس للغَزْو، فوَرَدَ (a) مُبَارَك القُمِّيّ إلى مُحَمَّد - يعني: ابن سُلَيمان - يأمُره أنْ يُقَلِّد رُسْتُم بن تَرْذُوا طَرَسُوس، ففَعَل ذلك، وضَمَّ إليهِ ألف رَجُل وذلك في سَنَة اثْنَتَيْن وتِسْعِين ومَائتَيْن.
وقَرأتُ بخَطِّ أبي بَكْر الصُّوْلِيّ أيضًا: وكان الفِدَاءُ بين المُسْلمِيْن والرُّوم في شَوَّال من سَنَة خَمْسٍ وتِسْعِين، فبَلَغَتْ عدَّة مَنْ خَرَجَ من بلادِ الرُّوم ألفَيْن وثَمانمائة إنسان، منهم ستمائة امرأةٍ على يَدَي رُسْتُم بن تَرْذُوا الفَرْغَانيّ.
أنْبَأنَا أبو اليُمْن زَيْدُ بنُ الحَسَن الكِنْدِيّ، عن أبي عَبْد الله مُحَمَّد بن عليّ
стр. 4638
العُظَيْميّ (١)، ونَقَلْتُه من خَطِّ العُظَيْميّ، قال: سَنَة اثْنَتَيْن وتِسْعِين ومَائتَيْن، وفي النِّصْف من شَوَّال، دَخَلَ مَدِينَة طَرَسُوس رُسْتُم بن تَرْذُوا وَاليًا عليها وعلى الثُّغُور الشَّامِيَّة، وكان الفِدَاءُ بين المُسْلمِيْن والرُّوم لستٍّ بَقِينَ من ذي القَعْدَة، فكان الفِدَاء ألف ومَائتَيْن، ثُمّ غَدَرَ الرُّوم فانْصَرَفُوا، ورَجع المُسْلمُونَ بمَن بَقِى معهم من الأسْرَى من الرُّوم، وكان عَقد الفِدَاءِ والهُدْنَةِ مع أبي العَشَاِئِر والقَاضِي ابن مُكْرَم، فلمَّا أغار أنْدُرُونقَس (a) على مَرْعَش، وقتل أبا الرِّجال، عُزِلَ أبو العَشَائِر ووَلي رُسْتُم، وكان الفِدَاء وتَمَامُه على يَديهِ، وكان المُتَوَلِّي لفِدَاء الرُّوم مُقَدَّمُ اسْمُه اسكَانه (b).
وقال (٢): سَنَة أرْبَعٍ وتِسْعِين، فيها دَخَلَ ابن كَيْغلَغ (c) طَرَسُوس غَازِيًا في أوَّل المُحَرَّم، وخَرَجَ معه رُسْتُم، وهي غَزَاةُ رُسْتمُ الثَّانيَة، فبَلَغُوا اسلنْدُو (d)، ففَتَحَ اللهُ عليهم، وصَارُوا إلى [آلِس فحَصَل] (e) في أيْدِيهم نَحْوًا من خَمْسَة آلاف رَأسٍ، وقَتَلُوا من الرُّوم مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وانْصَرَفوا سَالمِين.
стр. 4639
قال (١): وفيها كَاتب أنْدُرُونقَس (a) السُّلْطانَ يَطْلبُ الأمَانَ، وكان على حَرْب أهْل الثُّغُور من قِبَل الرُّوم، فأمنُوه وخَلص معَهُ أسْرَى من المُسْلمِيْن، وكان مَلِك الرُّوم بَعَثَ إليه مَنْ يَقْبضُه، فرجَع إلى ذلك البِطْرِيْق المُوَجَّه إليهِ، فأوْقَعَ بهِ وبمَن معه، وكان رُسْتُم قد خَفَّ إليه في جُمَادَى الأُوْلَى ليُخَلِّصَهُ فوَجَدَهُ قد ظَفر فتَسَلَّم الحِصْنَ منه، وانْهَزَم بَقِيَّة الرُّوم، وحَمَلَ أنْدُرونقَس (b) كُلّ ماله إلى بلادِ المُسْلمِيْن وخَلَّى سِلَاحه.
وقال (٢): سَنَة تِسْعٍ وتسْعِين ومَائتَيْن، فيها غَزَاة رُسْتُم بن تَرْذُوا الصَّائِفَة من طَرَسُوس وهو وَالي الثُّغُور، حَصَر حِصْن مَلِيْح (c) وأحْرَق رَبَض ذى الكَلَاع.
رَشَاءُ بن نَظِيف بن مَا شَاءَ الله، أبو الحَسَن المُقْرِئ المَعَرِّيّ (٣)
من أهْلِ مَعَرَّة النُّعْمان، وسَكَنَ دِمَشْقَ، وحَدَّثَ بها عن مُحَمَّد بن إبْراهيم الطَّرَسُوسِيّ، وأبي مُحَمَّد الحَسَن بن إسْمَاعِيْل بن مُحَمَّد الغَسَّانِيّ، المَعْرُوف بالضَّرَّاب، وسَمِعَهُ بمِصْر، وعن أبي العَلَاء أحْمَد بن عَبْدِ الله بن سُلَيمان المَعَرِّيّ، ولَقِيَهُ بمَعَرَّة النُّعْمَان (d).
стр. 4640
رَوَى عنهُ الشَّريفُ النَّسِيبُ أبو القَاسِم عليّ بن إبْراهيم بن العبَّاس الحُسَيْنيّ، وأبو مُحَمَّد عَبْد العَزِيْز بن أحْمَد الكَتَّانِيّ الحافِظ.
أخْبَرَنا أبو بَكْر عَتِيقُ بن أبي الفَضْل بن سَلامَة السَّلَمَانِيّ، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن بن هِبَةِ الله الشَّافِعيّ (١)، ح.
وحَدَّثَنَا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن أحْمَد بن عليّ القُرْطُبِيّ، قال: أنْبَأنَا أبو المَعَالِي عَبْدُ الله بن عبد الرَّحْمن بن صَابِر السُّلَمِيُّ، قالا: أخْبَرَنا الشَّريفُ النَّسِيبُ أبو القَاسِم عليّ بن إبْراهيم بن العبَّاسِ الحُسَيْنيّ، قال: حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أبو الحَسَنِ رشَاءُ بن نَظِيف بن مَا شَاء الله في شُهُور سَنَة ثَلاثٍ وأرْبَعين وثَلاثِمائة، قال: حَدَّثَنَا أبو مُحَمَّد الحَسَنُ بن إسْمَاعِيْل بن مُحَمَّد الغَسَّانِيّ الضَّرَّاب، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر أحْمَد بن مَرْوَان المالِكِيّ الدِّيْنَورِيّ (٢)، قال: حَدَّثَنَا الحَارِثُ بن أُسامَة التَّمِيْمِيّ، قالْ حَدَّثَنَا يَحْيَى بن عَبْد الحَميْد الِحَّمِانيّ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بنُ أَبَان، عن أبي إسْحاق، عن سَعيد بن جُبَيْر، عن ابن عبَّاسٍ، عن النَّبِيّ ﷺ ، قال: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ (٣) قال: بنِعَم الله .
стр. 4641
الرَّشِيْدُ بن عليّ بن المُهَنَّا بن صَدَقَة، أبو اليُمْن المَعَرِّيّ
من أهْلِ مَعَرَّة النُّعْمَان، شَاعِرٌ مُجِيْدٌ، رَوَى عنهُ شَيئًا من شِعْره ابنُ أخيهِ عَلَوِي بن عَبْد القَاهِر بن المُهَنَّا.
وهذا الرَّشِيْد هو أخُو النَّاظِر المَعَرِّيّ.
قَرَأتُ في كتاب نُزْهَةِ النَّاظِر، تأليف الكَمَال عَبْد القَاهِر بن عَلَوِي بن عَبْد القَاهِر بن المُهَنَّا: للشَّيْخ أبي اليُمْن الرَّشِيْد بن عليّ بن المُهَنَّا بن صَدَقَة يَهْجُو أبا جَعْفَر بن الشُّوَيْهَةِ: [من السريع]
رَأيْتُ في النَّوْم أبي آدمًا … فقُلْتُ والقَلْبُ بهِ وَامِقُ
أَتعْرفُ الشَّيْخَ أبا جَعْفَرٍ … صَلَّى عليكَ المَلِكُ الخالِقُ
فقال: إنْ كان أبو جَعْفَرٍ … منِّي فَحَّواء أُمُّكُمْ طَالِقُ
وقَرَأتُ في هذا الكتاب: حَدَّثَني وَالدِي - يعني عَلَوِي بن عَبْد القَاهِر بن عليّ - قال: حَدّثَني عَمِّي أبو اليُمْن الرَّشِيْد بن عليّ بن المُهَنَّا بن صَدَقَة، فذَكَرَ حَكايَةً سَنَذْكرها في مَوضِعها (١) إنْ شَاءَ اللهُ تعالَى.
أنْبَأنَا الشَّريفُ أبو حَامِد مُحَمَّد بن عَبْد الله الهاشِميّ، قال: أنْشَدَنا عَبْد القَاهِر بن عَلَوِي المَعَرِّيّ لأبي اليُمْن الرَّشِيْد بن عليّ بن المُهَنَّا في القَطَائِف: [من السريع]
شِفَاءُ نَفْسِي لو بهِ أُسْعِفَتْ … قَطَائِفٌ تَعْذُبُ في اللَّقْمِ
стр. 4642
يشْهَدُ بالشُّهْدِ لنا ظَاهِرٌ … وبَاطِنٌ في اللَّوْنِ والطَّعْمِ
كأنَّها الإسْفَنْجُ في مَائِهِ … غَرِيْقَةٌ في دُهْنِها الجَمِّ
قَرَأتُ في جَمُوعٍ لبَعْض الشَّاميِّيْن لأبي اليُمْن الرَّشِيْدِ المَعَرِّيّ: [من السريع]
ونَائمٍ عن سَهَري قال لي … وَقَدْ طَوَاني حُبُّهُ طَيَّا
أأَنت حَيٌّ بَعْدُ؟ قُلْتُ: انْتَبِهْ … فالمَيْتُ في النَّوْمِ (a) يُرَى حَيَّا
رُشَيْدُ الخادِم (١)
من خَوَاصِّ الرَّشِيْد، وكان لهُ ذِكْرٌ، وكان مع الرَّشِيْد في غَرَاتهِ، ودَخَلَ معَهُ الدَّربَ حين غَزَا الرُّوم، وحَكَى عنه.
ذِكْرُ مَن اسْمُهُ رَشِيْق
رَشِيْقُ بن عَبْد الله، أبو الحَسَن الرَّقّيِّ المِصِّيْصيّ (٢)
مَوْلَى رِزْق اللهِ بن الحَسَن، أَظُنُّ أنَّ مَوْلاهُ من أهْل الرَّقَّة، ونَزَل رَشِيْق المِصِّيْصَة فَنُسِبَ إليها، وحَدَّثَ بها، وببَغْدَاد، وغيرهما عن أبي الحَسَن مُحَمَّد بن عَوْن الدِّمَشقيّ، وأبي بَكْر أحْمَد بن سَعيْد الوَرَّاق، وعبد الله بن إبْراهيم بن أَيُّوب المُخرِّميِّ، ومَحْمُود بن مُحَمَّد الوَاسِطِيّ، وَأبي يَعْلَى المَوْصلِيّ، وأبي خَلِيفَة الفَضْل بن الحُبَاب الجُمَحِيّ، [وجُمَاهِر] (b) بن مُحَمَّد الزَّمْلَكَانِيّ، وَأبي الحَسَن أحْمَد بن عُمَيْر بن
стр. 4643
جَوْصَا، ومُحَمَّد بن الرَّبِيْع بن سُلَيمان الجِيْزيّ، ومُحَمَّد بن الحَسَن العَسْقَلانِيّ، وأبي القَاسِم عَبْد الله بن مُحَمَّد البَغَويّ، وأبى حَفْصٍ عُمَر بن عبد الرَّحْمن، وأبى يزِيد خَالِد بن النَّضْر القُرَشِيّ البَصْرِيِّ، وأبي بَكْر مُحَمَّد بن سَعيد بن مُحَمَّد القَطَّان، قاضي عَسْقَلان، وأبي مُحَمَّد عَبْد الله بن قَحْطَبَة، وأبى يَعْقُوبَ إسْحاقَ بن أحْمَد الإمَام.
رَوَى عنهُ تَمَّام بن مُحَمَّد الرَّازِيّ، ومُحَمَّد بن عِيسَى بن عَبْد العَزِيْز، وأبو عَبْدِ الله مُحَمَّد بن جَعْفَر بن عُبَيْد اللهِ المُكْتِب، وسَمِعَ منه بالمِصِّيْصَةِ.
أخْبَرَنا القَاضِي أبو القَاسِم عبْدُ الصَّمَد بن مُحَمَّد بن أبي الفَضْل الحَرَسْتَانِيّ، فيما أَذِنَ لي في رِوَايتهِ عنهُ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْد الكَريم بن حَمْزَة السُّلميِّ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيْز بن أَحْمَد، قال: أخْبَرَنا تَمَّام بن مُحَمَّد، قال: حَدَّثَني أبو الحَسَن رَشِيْق بن عَبْد الله المِصِّيْصيّ، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيم بن عَبْدِ الله بن أَيُّوب المُخَرِّميِّ ببَغْدَاد، قال: حَدَّثَنَا سَعيدُ بن مُحَمَّد الجَرْميّ، قال: حَدّثَنَا أبو تُمَيْلَة، عن سُفْيان الثَّوْرِيّ، عن عُبَيْدِ الله بن عُمَر، عن نَافعٍ، عن ابن عُمَر (١): أنَّ رسُول الله ﷺ [كان يَكْرَه] (a) أنْ يَقْعُد الرَّجُل مكان أخيهِ أو يُقِيْمَهُ، وقال: تفسَّحُوا.
وذَكَرَ تمام بن مُحَمَّد هذا الحَدِيْث في جزء آخر فقال فيه: أخْبَرَني رَشِيْق بن عَبْد الله المِصيْصيّ مَوْلَى رِزْقِ الله بن الحَسَن.
أخْبَرَنا أبو سَعْد ثَابِتُ بن مُشَرَّف البَنَّاء البَغْدَاديّ بحَلَب، قال: أخْبَرنا أبو مُحَمَّد الحَسَنُ بن عليّ بن عَبْد المَلِك، قال: أخْبَرَنا الشَّريفُ أبو الفَضْل مُحَمَّدُ بن عَبْدِ السَّلام الأنْصَاريّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد اللهِ مُحَمَّدُ بن عليّ الصُّوْرِيّ، قال: قَرَأتُ على أبي عَبْدِ الله مُحَمَّد بن جَعْفَر بن عُبَيْدِ الله بن صالح بن إبْراهيم بن عَبْدِ
стр. 4644
الله المُكْتِب بطَرابُلُس في مَكْتَبهِ، قُلتُ: حَدَّثكم أبو الحَسَن رَشِيْقُ بن عَبْدِ اللهِ المِصِّيْصيِّ بالمِصِّيْصَة في شَعْبان سَنَة سَبْعٍ وأرْبَعين وثَلاثِمائة، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن عَوْن الدِّمَشقيّ، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن أبي الحَوَارِيّ، قال: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ، عن جَابِر، عن ابن [أبي] (a) عائِشَة، قال: إذا أرادَ المُتَكلِمِّ بكَلَامِهِ غير اللهِ ، زَلَّ عن قُلُوب جُلَسَائهِ كما يَزلّ الماءُ عن الصَّفَا (b).
رَشِيْقُ بن عَبْد الله، أبو الحَسَن النَّسِيْمِيّ (١)
مَوْلَى نَسِيم الشَّرَابِيّ مَوْلَى المُقْتَدِر.
كان قد حَصَل في الثَّغْرِ الشَّاميِّ مع مُحَمَّد بن الزَّيَّاتِ وَالي الثُّغُور، وكان له أثَرٌ صَالِحٌ في الجِهَاد، ولمَّا جَرَى من ابن الزَّيَّات ما جَرَى، وعَزَم على تَغْريق نَفْسهِ، على ما نَذْكُرُه في تَرْجَمَتِهِ (٢)، كَتَبَ وَصِيَّتَهُ وتقَدَّم إلى أخيهِ وإلى أبي الحَسَن رشِيْق النَّسِيْمِيّ أنْ يَطُوفُوا لَيْلَتهم في طَرَسُوس ويَحْفظُوا البَلَد، ثُمَّ غَرَّقَ مُحَمَّد بن الزَّيَّات نَفْسَهُ، فوَقَع الاتِّفاق من بَعْده على أبي الحَسَن رَشِيْق النَّسِيْمِيّ لأنَّهُ كان يُظْهرُ المَيْل إلى سَيْف الدَّوْلَة، فأهَّلَهُ أهْلُ طَرَسُوس للإمْرَة بها ووِلَايَة الثُّغُور الشَّامِيَّة، فكان رَشِيْق يَغْزُو بأهْل الثُّغُور، ويُنْكي في العَدُوّ نِكَايَات يَظْهر أثَرُها ويُتَناقَل خَبَرها، فمنها غَزَاتهُ في سَنَة اثْنَتَيْن وخَمْسِين وثَلاثِمائة الّتي سَارَ فيها
стр. 4645
بأهْلِ النَّجْدَة والبأسِ ودَخَلَ إلى قُرَّة، وقَلُونِية، وسَمَنْدُو، فسَبَى أهْلَها، ونَهَبَ وقَتَل وأحْرقَ، وغَنم غَنَائِم كَثِيْرة، ومنها غَزَاتهُ في سَنَة ثَلاثٍ وخَمْسِين وثَلاثِمائة الّتي غَزَا من طَرَسُوس بأهْلها إلى قيسارِيَّة وهِرَقْلَة، فدوَّخَ تلك البِلاد، وغَنِم غَنَائِم كَثِيْرة.
فلمَّا ضَعُفَ أمْر الثُّغُور، وتَراجَع أمْرُ سَيْف الدَّوْلَةِ، وكَرِهَهُ أهْلُ الثُّغُور، واسْتَولَى الرُّوم على المِصِّيْصَة وعَيْن زُرْبة وطَرَسُوس، والْتَجأ أكْثَر أهْل الثَّغْر إلى أنْطَاكِيَة، حَصَلَ رَشْيْق النَّسِيمِي في أنْطَاكِيَةَ، وقَطَعَ خُطْبَةَ سَيْف الدَّوْلَة، وكان سَيْف الدَّوْلَة قد تَوَجَّه إلى دِيَار بَكْر لإقَامَةِ الفِدَاءِ في سَنَة أرْبَعٍ وخَمْسِين وثَلاثِمائة، واسْتَنَاب الحَاجِب قرغُويْه في حَلَب، فاسْتَأمَن أبو يَزِيد (a) الشَّيْبَانِيّ ودِزْبَر بن أُوْنيم الدَّيْلَميِّ وجَمَاعَة من الدَّيْلَم الّذين كانُوا مع الحَاجِب بحَلَب إلى رَشيْق، وَأطْمَعوا رَشِيْقًا في حَلَب، وحَمَلَهم على ذلك رَجُل سَاقط يُقال له ابن الأَهْوَازِيّ؛ كان يَتَضَمَّن الأرْحَاء بأنْطَاكِيَة، وأدْخَلُوا معهم في الرَّأْي رَجُلًا عَلَويًّا يُعْرَفُ بالأفْطَسِيّ، كان مُنْحَرفًا عن سَيْف الدَّوْلَة، فجَبَى ابن الأهْوَازِيّ الأمْوَال.
فلمَّا أظْهَر رَشِيْق مُبَايَنة سَيْف الدَّوْلَة، وحَصَل عندَهُ مَنْ حَصَل، سَيَّرَ الحاجِب قرغُوَيْه غُلَامَهُ يُمْن في عَسْكَر إلى رَشِيْق، فخَرَجَ إليهِ رَشِيْق من أنْطَاكِيَة، والْتَقَوا بناحية أرْتاح، فاسْتَأمَن يُمْن إلى رَشِيْق، وخَلَّى عَسْكَره، فعَادُوا إلى حَلَب، وسَار رَشِيْق، وحَصَل على باب حَلَب وحَصَل على باب اليَهُود؛ وهو المَعْرُوف الآن بباب النَّصْر، وزَحَفَ على باب اليَهُود، فَخَرَجَ إليه بشَارة (b) الخادِم الإخْشِيْذيّ، خَادِم سَيْفِ الدَّوْلَةِ في جَمَاعَةٍ معه، فقَاتَل إلى وقْتِ الظُّهْر، فانْهَزَم
стр. 4646
بشَارة ودَخَلَ من باب اليَهُود، ودَخَلَتْ خَيْلُ رَشِيْق خَلْفَهُ، وحَصَلَتْ في المَدِينَةِ في اليَوْم الأوَّل من ذي القَعْدَة من سَنَة أرْبَعٍ وخَمْسِين، وكان الحاجِب قرغُوَيْه (a) في القَلْعَة، فأقام رشِيْق يُقَاتِل القَلْعَةَ ثلاثة أشْهُر وعَشرة أيَّام، وفَتَحَ باب الفَرَج، ونَزَل غِلْمَانُ الحاجِب من القَلْعَةِ، فحَمَلُوا على أصْحَاب رَشِيْق، فهزمُوهم وأخْرَجُوهم من المَدِينَةِ، فرَكِبَ رَشِيْق ودَخَلَ من باب أنْطَاكِيَة فبَلَغَ إلى القَلَانِسِيِّيْن، وخَرَجَ من باب قِنَّسْرِيْن ومَضَى إلى باب العِرَاق، فنَزَلَ غِلْمَان الحاجِب من القَلْعَةِ، وخرَجُوا من باب الفَرَج، ووَقَعَ القِتَال بينهم وبين أصْحَاب رَشِيْق، فطَعَنَ أبو يَزِيد الشَّيْبَانِيّ رَشِيْقًا، فرَمَاهُ، وأخَذَ رَأسَهُ، ومَضى بهِ إلى الحاجِب قرغُوَيْه.
وكان أبو يَزِيد الشَّيْبَانِيّ ممَّن اسْتأمَن إلى رَشِيْق من عَسْكَر سَيْف الدَّوْلَة. وقيل: إنَّ أبا يَزِيد طَعَنَ رَشِيْقًا فوقَع إلى الأرْض وضَرَبَهُ حَسْنش الدَّيْلَميّ واحْتزَّ رَأسَهُ عَبْدُ اللهِ التَّغْلِبيّ.
أنْبَأنا أبو اليُمْن زَيْدُ بن الحَسَن الكِنْدِيّ، عن أبي عَبْد اللهِ مُحَمَّد بن عليّ العُظَيْميّ (١)، قال: وفي هذه السَّنَة - يعني: سَنَة خَمْسٍ وخَمْسِين وثَلاثِمائة - مَلَكَ مَدِينَة حَلَب دُون القَلْعَة رَشِيْق النَّسِيْمِيّ وَالي أنْطَاكِيَة، وكَسَر عَسْكَر قرغُوَيْه الحاجِب، وحَاصَر القَلْعَة، فقُتِلَ وهو مُحَاصِر القَلْعَة، وعَادَ قرغُوَيْه مَلَكَ حَلَب، ومَلَكَ أنْطَاكِيَة دِزْبَر الدَّيْلَمِيّ عند قَتْل رَشِيْق.
وقَراتُ في تاريْخِ أبي غَالِب هَمَّام بن الفَضْل بن جَعْفَر بن عليّ بن المُهَذَّب المَعَرِّيّ (٢): سَنَة أرْبَعٍ وخمْسِين وثَلاثِمائة، قال: وفيها خَرَجَ ابنُ الأهْوَازِيّ بأنْطَاكِيَة،
стр. 4647
وكان يَتَضَمَّن بها المُسْتَغَلَّات لسَيْف الدَّوْلَةِ، وكان قد حَصَل في أنْطَاكِيَة رَجُلٌ من وُجُوه أهْلِ الثَّغْر اسْمُه رَشِيْق يُعْرَفُ بالنَّسِيْمِيّ، فعَمل له ابن الأهْوَازِيّ كِتَابًا ذَكَرَ أنَّهُ من الخلَيفَة ببَغْدَاد بتَقْلِيدِهِ أعْمَال سَيْفِ الدَّوْلَةِ، فقُرئ على مِنْبَر أنْطَاكِيَة، وكان قد اجْتَمَع لابن الأهْوَازِيّ جُمْلَةٌ من مال المُسْتَغلِّ، وطَالَبَ قَوْمًا بوَدَائِع ذَكَرَ أنَّها عندَهُم، فعَرَض الرِّجَال، وقبَّضَهم من أمْوَالِ أنْطَاكِيَة، وفَرَضَ لجَمَاعة فُرْسَان ورجَّالة؛ أكْثَرهم من أهْلِ الثَّغْرِ، وسَار بهم إلى حَلَب في عَسْكَرٍ كَبرٍ، فحَاصَرُوا قرغُوَيْه الحاجِب في القَلْعَة بحَلَب، وكان القِتَال يَجْري بينهم كُلّ يَوْم مُدَّة شُهُور، وقُتِلَ رَشِيْق النَّسِيْمِيّ في الحَرْب، وكان فيما قيل مُتَوجِّعًا، وعَقَدَ ابنُ الأهْوَازِيّ الإمَارة بعد رَشِيْق النَّسِيمِيّ لرَجُلٍ دَيْلَميّ كان من رِجَالِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ يُقالُ له: دِزْبَر (١)، وعادَ بالعَسْكَر إلى أنْطَاكِيَة.
هكذا ذَكَرَ العُظَيْميّ وابن المُهَذَّب كما حَكَينا عن كُلِّ واحدٍ منهُما؛ والصَّحيحُ أنَّ اسْتِيْلَاء رَشِيْق على مَدِينَة حَلَب دُون القَلْعَة في ذي القَعْدَة من سَنَة أرْبعٍ وخَمْسِين، وقتلَ رَشِيْق على باب حَلَب في صَفَر سَنَة خَمْسٍ وخَمْسِين وثَلاثِمائة.
قَرأتُ بخَطِّ ثَابِت بن سِنَان بن قُرَّة المُؤرِّخ في جُزءٍ كَتَبَ فيه وَفَيَات مَنْ تُوفِّي من الأعْيَان من سَنَة ثَلاثمائة إلى السَّنَة الّتي تُوفِّي فيها، قال ثَابِتٌ: رَشِيْق النَّسِيْمِيّ المُتَغلِّب على حَلَب، قُتِلَ في اليَوْم الرَّابِع من صَفَر سَنَة خَمْسٍ وخَمْسِين وثَلاثِمائة.
стр. 4648
ذِكْر مَن اسْمُهُ رِضْوَان
رِضْوَانُ بن إسْحاق القُرَشِيّ، أبو زُفَر السَّاميِّ (١)
من بني سَامَة بن لُؤَي من أهْلِ دِمَشْق، سَكَنَ أذَنَة؛ بَلْدَة من الثُّغُور الشَّامِيَّة، وحَدَّثَ بها عن أبي يَعْقُوب إسْحاق بن إبْراهيم الحُنَيْنِيّ، وأبي عَبْد اللهِ مُوسَى بن دَاوُد الضَّبِّيِّ القَاضِي بالثَّغْر، وعُثْمان بن سَعيد الحْمِصِيّ، وأبى العَلَاء كَثِيْر بن الأَسْوَد الحبشيّ.
رَوَى عنهُ أبو حَاتِم مُحَمَّد بن إِدْرِيس الرَّازِيّ (a).
أنْبَأنَا سَعيد بن هاشِم بن أحْمَد الخَطِيب، عن أبي طَاهِر الخَضِر [بن المُفَضَّل، قال] (b): أنْبَأنَا أبو عَمْرو عَبد الوَهَّاب بن مُحَمَّد بن إسْحاق بن مَنْدَة، قال: أخْبَرَنا حَمْد بن عَبْدِ اللهِ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد بن أبي حَاتِم (٢)، قال: رِضْوَان بن إسْحاق القُرَشِيّ، أبو زُفَر الدِّمَشقيِّ، من بني سَامَةَ بن لُؤَي، رَوَى عن إسْحاق بن إبْراهيم الحُنَيْنِيّ، وعُثْمان بن سَعيد بن كَثِيْر بن دِيْنار، ومُوسَى بن دَاوُد، كَتَبَ عنهُ أبي بأذَنَة عند ابن الطَّبَّاعِ في رِحْلَته الأُوْلَى، سُئِلَ أبي عنه، فقال: صَدُوقٌ.
стр. 4649
رِضْوَانُ بن تُتُش بن ألْب أَرَسْلَان بن جَغْرِي بَك بن سَلْجُوق بن دُقَاق، أبو المُظَفَّر التُّرْكِّي السَّلْجُوقِيّ (١)
وُلِدَ سَنَة خَمْسٍ وسَبْعِين وأرْبَعِمائة، ونَشَأ في دِمَشْقَ في حَجْر أبيهِ، وكانت أمُّهُ أُمّ وَلد فزوَّجها أبُوه من جَنَاح الدَّوْلَة حُسَيْن، وجَعَلَهُ أتَابِكًا له ومُرَبِّيًا، ولمَّا توجَّه أبُوه تُتُش لمُحَارَبة بَرْكْيَارُق ووَصَلَ إلى هَمَذَان، كَتَبَ إلى وَلده رِضْوَان إلى دِمَشْق، وكان قد تَرَكَهُ بها، يَسْتَدعيهِ إليه من دِمَشْق، وأمَرَهُ أنْ يُحْضِر معَهُ مَنْ تَخَلَّف بالشَّام من العَسْكَر، فامْتَثَل أمْر أبيه، وخَرَجَ من دِمَشْق بالعَسْكَر مُتَوَجِّهًا إلى أبيهِ، ووَصَلَ إلى عَانَة - وقيل: إلى الأنْبَار - فبَلَغَهُ قَتْل أبيهِ تُتُش، فحَطَّ خِيَمَهُ وسَارَ مُجِدًّا عَائدًا، فوَصَلَ إلى حَلَبَ، وتَسَلَّمَها من وَزِير أبيهِ أبي القَاسِم بن بَدِيْع في سَنَة ثَمانٍ وثَمانين وأرْبَعِمائة، وتَوَلَّى حُسَيْن، زَوْجُ أُمِّه، تَدْبِير مُلكْه.
ووَصَلَ أخُوه دُقَاق إلى حَلَب، ومَضَى سِرًّا من رِضْوَان إلى دِمَشْق فمَلَكَها، وقَدِمَ يَغِي سغَان، ويُوسُف بن أَبَق بعَسْكَرهما من أنْطَاكِيَة إلى خِدْمَة رِضْوَان، وسَارَا معه إلى الرُّهَا ليتَسَلَّمها من نُوَّاب وَالده، فأرَادَا القَبْض على حُسَيْن
стр. 4650
ليَنْفَردَا بتَدْبِير رِضْوَان، فبَلغَ حُسَيْن ذلك، فهَرَبَ إلى حَلَب، وتَبِعَهُ رِضْوَان إليها، واسْتَوْحَش رِضْوَان منهما، فرَجَعا إلى أنْطَاكِيَة.
وسَارَ رِضْوَان إلى دِمَشْق ليأخُذها من أخيه دُقَاق، ونَزَل جَنَاح الدَّوْلَة حُسَيْن بحَلَب، وسارَ معه سُكْمَان بن أُرْتُق، فلمَّا وَصَلَ رِضْوَان إلى دِمَشْق اعْتَقَل دُقَاق نَجْم الدِّين إيلْغَازِي بن أُرْتُق، ولَم يَسْتَتبَّ لرِضْوَان أمر دِمَشْق فرَجع إلى حَلَب، وتوجَّه سُكْمَان إلى البَيْت المُقَدَّس، وتَسَلَّمه من نُوَّاب أخيهِ إيلْغَازِي.
ووَصَلَ يُوسُف بن أَبَق إلى رِضْوَان إلى حَلَب وسَكَنها، فخَافَ منه رِضْوَان وحُسَيْن، فتَقَدَّما إلى المِجَنّ الفُوْعِيِّ فهَجَم عليه فقَتَلَهُ.
وخَرَجَ رِضْوَان وحُسَيْن فتَسَلَّما تَلّ بَاشِر وشيْح الدَّيْر من نُوَّاب يَغِي سغَان، وأغَارَا على بَلَد أنْطَاكِيَة، ثُمَّ توجَّها إلى دِمَشْق، وسارَ يَغِي سغَان إليها مُنْجِدًا دُقَاق، فضعُفَت نَفْس (a) رِضْوَان عن دِمَشْق، فسَارَ إلى البَيْت المُقَدَّس، فتَبِعَهُ دُقَاق وطُغْتِكِين ويَغِي سغَان، وأشْرَف عَسْكَر رِضْوَان على التَّلَف، فهَرَبَ حُسَيْن على البَرِّيَّة، واتَّبَعَهُ رضْوَان، ثُمَّ وَصَلَ سُكْمَان أيضًا على البَرَّيَّة إلى حَلَب، ووَصَلَ دُقَاق وطُغْتِكِين إلى نَاحِيَةِ حَلَب، واسْتَنْجَدَ رِضْوَان بسُليْمان بن إيلْغَازِي صَاحِب سُمَيْسَاط، فوَصَلَ إلى حَلَب بعَسْكَرٍ كَبيرٍ، واجْتَمَع العَسْكَران بقِنَّسْرِين على نَهْر قُوَيْق، وتَحَارَبا، فهَرَبَ دُقَاق وطُغْتِكِين إلى دِمَشْق، ويَغِي سغَان إلى أنْطَاكِيَة.
وتغيَّرت نِيَّةُ رِضْوَان على حُسَيْن، فهَرَبَ من حَلَب إلى حِمْص ومعَهُ زَوْجَتهُ أُمّ رِضْوَان.
ثُمَّ تجدَّدَ بعد ذلك خُرُوج الفِرِنْج إلى أنْطَاكِيَة، ووَصَلَ يَغِي سغَان إلى المَلِك رِضْوَان إلى حَلَب إلى خِدْمَة رِضْوَان، وتزوَّج رِضْوَان بابْنَته خَاتُون
стр. 4651
جِيْجِك (a)، ونَزَل الفِرِنْج على أنْطَاكِيَة، وشَنُّوا الغَارَات على بَلَد حَلَب، ووَصَلَ ابن يَغِي سغَان إلى حَلَب مُسْتَنْجِدًا على الفِرِنْج، فسَيَّرَ رِضْوَان معَهُ عَسْكَر حَلَب وسُكْمَان، فلَقِيَهُم من الفِرِنْج دُون عُدَّتهم، فانْهَزَم المُسْلُمون إلى حَارِم، وغَلَبَ أهْلُ حَارِم من الأرْمن عليها، وعاد سُكْمَان بن أُرْتُق مُفَارِقًا رِضْوَان، وصار مع دُقَاق.
واسْتَولَى الفِرِنْج على أنْطَاكِيَة، وضَعُفَ أمْر رِضْوَان، واسْتَمال البَاطِنِيَّة وظَهَرَ مَذْهَبهُم بحَلَب، وشَايَعهم رِضْوَان، واتَّخَذُوا دَارَ دَعْوة بحَلَب، وكَاتَبه مُلُوك الإسْلَام في أمْرهم، فلم يَلْتَفتْ، ولَم يَرْجع عنهم، ودامَ على مُشَايعتهم.
وقَوي الفِرِنْج عليهِ، فباعَ من أمْلَاك بَيْت المَال عدَّة مواضع للحَلَبيِّيْن، وقَصَدَ بذلك اسْتِمَالتهم، وأنْ يَتَعلَّقُوا بحَلَب بسَبَب أمْلَاكهم فيها، حتَّى أنَّهُ بَاعَ في سَاعةٍ واحدةٍ ستِّين خِرْبَة من مَزَارِع حَلَب لجَمَاعَةٍ من أهْلها، وكُتِبَ بها كتابٌ واحدٌ، يَذْكُر حُدُود كُلّ خِرْبَة ومُشْتريها وثَمَنها. وكان الكِتَاب عندي في جُمْلَة الكُتُب الّتي كانت لوالدي ﵀.
وكان المَلِك رِضْوَان بَخِيْلًا شَحِيْحًا يُحبُّ المال، ولا تَسْمَح نَفْسَه بإخْرَاجهِ، حتَّى أنَّ أُمَرَاءه وكُتَّابه كانُوا يَنْبزُونَهُ بأبي حَبَّة، وذلك هو الّذي أضْعَفَ أمْرَهُ، وأفْسَدَ حالَهُ مع الفِرِنْج والبَاطِنِيَّة، وجَدَّد في حَلَب مُكُوسًا وضَرَائب لَم تكُن، ومع هذا كُلّه كان فيه لُطْفٌ ومُحَاسَنَةٌ للحَلَبيِّيْنَ حتَّى أنَّهُ بَلَغَني أنَّهُ مَرَّ يَوْمًا رَاكِبًا ليَخْرُج من باب العِرَاق، فلمَّا وَصَلَ إلى المَرْمَى، وهو دَاخِل السُّور بالقُرْبِ من باب العِرَاق، سَمِعَ امرأةً تُنَادي أُخْرى: يا زَلِيْخَا، تعالي أبْصِري المَلِك، فأمْسَك رَأس فَرَسهِ ووَقَف سَاعةً، ثُمَّ نَظَر فلم يَرَ أحدًا، فقال: أين هي زَلِيْخَا؟ قُولُوا لها تأتي تُبْصرنا أو نَمْشي! وهذا من أبْلَغ اللَّطَافة من مَلِكٍ مثْله.
стр. 4652
وحَدَّثَني وَالدِي، قال: أخْبَرَني أبي، قال: وقَعَ بين وَالدِي أبي غَانِم وبين القَاضِي أبي الفَضْل بن الخَشَّاب مُشَاجَرة في التَّخْم الّذي بين قَرْيَة وَالدِي أقْذَار (١) وبين قَرْيَة ابن الخَشَّاب عبْطِين (٢)، وآلَ الأمرُ في ذلك إلى مُوَاحَشة وغِلْظَة، فبَلَغَ المَلِك رِضْوَان، فقال: أنَا أخْرُج بنفْسِي وأقفُ معكما على التَّخْم، فخَرَجَا مع المَلِك ووَقَف معهما، وقال لأحدهما: إلى أين تَدَّعي؟ فقال: إلى هَا هُنا، وقال للآخر: إلى أين تَدَّعي؟ فقال: إلى هَا هُنا، فقال لكُلِّ واحدٍ منهما: أُرِيْدُ أنْ تَهَبَ لي نِصْفَ ما تَدَّعي بهِ على صَاحِبك، فأجَابَاهُ جَمِيعًا إلى ذلك، وأصْلَح بينهما على أنْ نَزَل كُلّ واحدٍ عن نِصْف المُدَّعي به، وجَعَل بينهما تَخْمًا اتَّفقا عليهِ، ورَجَع إلى المَدينَة، وهذا أيضًا من المآثر الّتى يَنْبَغي أنْ تُكْتَب وتُسَطَّر، وتُنْقَل في التَّوَاريخ وتُذْكَر.
قَرأتُ بخَطِّ الشَّريف إِدْرِيس بن الحَسَن الإِدْرِيسِيّ الإسْكَنْدَرَانِيّ: قال الشَّيْخ أبو الحَسَن بن المَوْصُول، وأمْلَانيه بدَار الشَّريف أَمِينْ الدِّين أبي طَالِب أحْمَد بن مُحَمَّد النَّقِيْب الحُسَيْنيّ الإسْحَاقِيّ من تَعْلِيقٍ لبَعْضِ أسْلَافه، قال: وفي شَهْر رَبِيع الأوَّل سَنَة خَمْسٍ وخَمْسِمائَة وَصَلَ إلى حَلَب رجُلٌ كبيرٌ فَقِيْهٌ تاجرٌ، يُقال له: أبو حَرْب عِيسَى بن زَيْد بن مُحَمَّد الخُجَنْدِيّ، ومعه خَمْسُمائة حِمْل (a) عليها أحْمَال أصْنَاف التِّجَارَات، وكان شَدِيْدًا على الإسْمَاعِيْليَّةِ مُسْعِدًا لمَن يَقْصدُهم، مُبَالغًا في بَابهم، أَنْفَق في المُجَاهِدين لهم بسَبَبهم أمْوَالًا جَلِيْلَةً، فقام في غِلْمَان له يَسْتَعرضُ أحْمَالَهُ وحَوْله جَمَاعَة من مَمَالِيْكهِ وخَدَمه، وكان قد أصْحَب من خُرَاسَان
стр. 4653
بَاطِنيًّا يُقالُ لهُ: أحْمَد بن نَصْرٍ الرَّازِيّ، وكان أخُوه قَتَلَهُ رجال هذا الخُجَنْدِيّ، فدَخَلَ إلى حَلَب، واسْتَدَلَّ على أبي الفَتْحِ الصَّائِغ رَئيس المَلَاحِدَة بها، وكان مُتَمكِّنًا من رِضْوَان، فصَعدَ إلى المَلِك رِضْوَان، وعَرَّفَهُ ما جَرَى بينهم وبين الفَقِيه أبي حَرْب، وأطْمَعَهُ في مالهِ، وأرَاهُ أنَّهُ بَريء من التُّهْمَة في بَابهِ إذْ كان مَعْرُوفًا بعَدَاوَة المُلْحِدة.
فطَمِعَ رِضْوانُ وانْتَهَزَ الفُرْصَة فيه، وطَارَ فَرَحًا، فبَعَثَ بغِلْمَان له يَتَوكَّلُون بهِ، فبَرَز إلى أبي حَرْب عِيسَى الفَقِيهِ أحْمَدُ بن نَصْر الرَّازِيِّ وهَجَمَ عليه، فقال لغِلْمَانهِ وأصْحَابهِ: أليسَ هذا رَفِيْقُنا؟! فقالوا: هو هو، فوقعُوا عليه فقَتَلُوه، وهَجَم جَمَاعَةُ من أصْحَاب أبي الفَتْح البَاطِنيّ الحَلَبِيّ على أبي حَرْب، فقُتِلُوا عن آخرهم، ثمّ قال أبو حَرْب: الغيَاثُ باللهِ من هذا البَاطِنيّ الغَادِر، أمنَّا المَخَاوفَ وَرَاءنا وجِئْنا إلى الأمَنَة، فبعَثَ علينا مَنْ يَقْتُلنا، فرجَعُوا إلى رِضْوَان، فأخْبَرُوه بما قال، فأبْلَسَ.
وصارَ السُّنَّةُ والشِّيْعَةُ إلى هذا الرَّجُل، وأظْهَرُوا إنْكَار ما تَمَّ عليهِ، وعَبَثَ أحْدَاثُهم بجَمَاعَةٍ من أحْدَاث البَاطِنِيَّة فقَتَلُوهم، وأُنْهِي ذلك إلى المَلِك رِضْوَان فلَم يَتَجَاسَر على إنْكَاره.
وأقام الرَّجُل بحَلَب، وكاتَب أتَابِك ظَهِيْر الدِّيْن وغيره من مُلُوك الشَّام، فتَوَافَتْ رُسُلُهم عند رِضْوَان بكُتُبهم يُنْكرون عليهِ ما جاءَهُ في بَابهِ، فأنْكَرَ وحَلَفَ أنَّهُ لَم يكُن له في هذا الرَّجُل نِيَّة.
وخَرَجَ الرَّجُل عن حَلَب مع الرُّسُلِ، فخَيَّرُوه في التَّوَجُّهِ فتَوجَّه نحو الرَّقَّة، وعادَ إلى بَلَدِه، ومَكُثَ النَّاسُ يَتَحدَّثُون بما جَرَى على الرَّجُل، ونَقَص في أعْيُن النَّاسِ، فتَوَثَّبوا على البَاطِنِيَّة من ذلك اليَوْم.
стр. 4654
أنْبَأنَا زَيْدُ بن الحَسَن، عن أبي عَبْد الله مُحَمَّد بن عليّ العُظَيْميّ (١) في حَوَادِثِ سَنَة إحْدَى وخَمْسِمائَة، قال: وفي هذه السَّنَة بَلَغَ فَخْر المُلُوك رِضْوَان ما ذُكِرَ به عن مُشَايَعَة البَاطِنِيَّة واصْطِنَاعِهم، وحِفْظ جَانِبهم، وأنَّهُ لُعِنَ بذلك في مَجْلِس السُّلْطان، فلمَّا بَلَغَهُ الخَبَر أمَرَ أبا الغَنائِم ابن أخي أبي الفَتْح البَاطِنيّ بالخُرُوج عن حَلَب فيمَن معه، فانْسَلَّ القَوْم بعد أنْ تُخِطِّف جَانبهم، وقُتِل منهم أفْرادٌ.
قلتُ: ولمَّا ملك رِضوان حَلَب قَتَلَ أخوَين له كانا من أبيهِ، فلمَّا مَاتَ رِضْوَان ومَلَكَ ابْنُه ألْب أَرَسْلَان قَتَلَ أخوَين له كانا من أحْسَن النَّاس صُوْرة، فانْظُر إلى هذه المُوَاحَدَة (٢) العَجِيْبَة!.
أنْبَأنَا المُؤيَّد بن مُحَمَّد بن عليّ الطُّوْسيّ، عن أبي عَبْد الله مُحَمَّد بن عليّ العُظَيْميّ (٣)، قال: وفيها - يعني سَنة تِسْعين وأرْبَعِمائة - عَصَى المِجَنّ المُوَفَّق على المَلِك رضْوان، وتَعَصَّب معه الحَلَبِيُّون، ثُمَّ تَخَاذلُوا عنه، واخْتَفَى، فقَبَضَ عليه المَلِكُ رِضْوَان، وعلى ذَويهِ وبَنِيه، واسْتَصْفَى أمْوَالَهُ في ذي القَعْدَة، وعَذَّبهم بأنْوَاع العَذَاب، ثُمّ قَتَلَهُ بعد ذلك، وقَتَلَهم حَوْله.
قال (٤): وفيها وَصَلَ رَسُول مِصْر إلى المَلِك رِضْوَان - يعني: من المُسْتَعْليّ - بالتَّشْرِيْفِ والخلَعِ، وخَطَبَ للمِصْرِيِّيْن شَهْرًا، ثمّ عَادَ عن ذلك.
وقال (٥): سَنَة ثَلاثٍ وتِسْعِين، وفيها كَسَرَت الإفْرَنْج المَلِك (a) رِضْوَان على مَوضعٍ يُقال له: كَلَّا، وكان المُسْلُمون في خَلْقٍ، وكان الإفْرَنْج في مائة فَارِس،
стр. 4655
فَقَتَلُوا خَلْقًا من النَّاسِ، وأسَروا خَلْقًا، وكانت الكَسْرَة يَوْم الجُمُعَة خامِس شَعْبان.
وقال (١): سَنَة ثَمانٍ وتِسْعِين وأرْبَعِمائة، فيها كَسَر الفِرِنْج المَلِك رِضْوَان على عَيْن تسيلُوا (٢) من أرض أرْتاح؛ وكان سَبَب ذلك حِصْن أرْتاح؛ خَرَجُوا إليه ليأخُذُوه، وجَمَعَ المَلِك رضْوان الخَلْق العَظِيم، وخَرَجَ لنَجْدَة الحِصْن، ومعه من الرَّجَّالَة الخَلْق العَظِيْم، وكان المَصَافُّ يَوْم الخَمِيْس، فانْهَزَمَت الخَيْل وأسْلَموا الرَّجَّالَة، فقُتِلَ منهم الخَلْق العَظيْم، وفُقِدَ من الحَلَبِيِّيْن جَمَاعَة كَثِيْرة غُزَاة، ﵏، وانْهَزَم أكْثَر مَنْ بهِ.
قُلتُ (٣): بَلَغَني أنَّهُ قُتِلَ من المُسْلمِيْن مِقْدَار ثلاثة آلاف ما بين فَارِس ورَاجِل، وهَرَبَ مَنْ بأرْتاحِ من المُسْلمِيْن، وقَصَدَ الفِرِنْج بَلَد حَلَب، فأجْفَل أهْلُهُ، ونُهِبَ مَنْ نُهِبَ، وسُبِيَ مَنْ سُبي، واضْطَرَبت أحْوَال بَلَد حَلَب من جَبَل لَيْلُون إلى شَيْزَر، وتَبَدَّل الخَوْف بعد الأمْن والسُّكُون، وهَرَب أهْل الجَزْر ولَيْلُون إلى حَلَب، فأدْرَكَتهم خَيْل الفِرِنْج، فسَبَوا أكْثَرهُم وقَتَلُوا جَمَاعَة، وكانت هذه النَّكْبَة على أعْمَال حَلَب أعْظَم من النَّكْبَة الأُوْلَى على كلَّا.
ونَزَل طَنْكرِيد الفِرِنْجيّ على تَلّ أعْذَى (٤) من عَمل لَيْلُون وأخَذَهُ، وأخَذَ بَقِيَّة الحُصُون الّتي في عَمَل حَلَب.
ولَم يَبْقَ في يَد المَلِك رِضْوَان من الأعْمَال القِبْليَّة إلَّا حَمَاة، وليس في يَده من الأعْمَال الغَرْبيَّة شيء، وبَقِي في يَدهِ الأعْمَال الشَّرْقيَّة والشَّماليَّة وهي غير آمنَة.
стр. 4656
وضَاقَ الأمْرُ بأهْلِ حَلَب، ومَضَى بعضُهُم إلى بَغْدَاد، واسْتَغاثُوا في أيَّام الجُمَع، ومَنَعُوا الخُطَبَاء من الخُطْبَة مُسْتَصْرِخين بالعَسَاكِر الإسْلَاميَّة على الفِرِنْج، وكَسَرُوا بعض المَنَابِر، فجهَّز السُّلْطان مُحَمَّد بن مَلِكْشاه: مَوْدُود (a) صَاحِب المَوْصِل، وأحْمَدِيْل الكُرْدِيّ، وسُكْمَان القُطْبِيّ في عَسَاكِر عَظِيمَة ضَخمة، وماتَ سُكْمَان قَبْل وُصُوله إلى حَلَب.
ووَصَلت العَسَاكِر إلى حَلَب، فأغْلَق رِضْوَان أبْوَاب حَلَب في وُجُوههم، وأخَذَ إلى القَلْعَة رهائن عنده (b) من أهْلها لئلَّا يُسَلِّمُوها، ورتَّبَ قَوْمًا من الجُنْد والبَاطنِيَّةِ الّذين في خِدْمته لحِفْظ السُّوِر، ومَنَعَ الحَلَبِيِّيْن من الصُّعُود إِليه، وضَبَرَ (١) إنْسَانٌ من السُّور، فأمَرَ به، فضُرِبت عُنُقه، ونَزَع رَجُلٌ ثَوْبَهُ ورمَاهُ إلى آخر، فأمَرَ بهِ فأُلْقي من السُّور إلى أسْفَل!
وبَقِيَت أبْوَابُ حَلَب مُغْلَقةً سَبعْ عَشرة ليلةً، وأقام النَّاسُ ثلاثَ ليالٍ لا يَجِدُونَ ما يَقْتَاتونَهُ، وكَثُرت اللُّصُوصُ، وضَافَ الأعْيَانُ على أنْفُسهم، وسَاءَ تَدْبِير المَلِك رِضْوَان، فأطْلَق العَوَامُّ ألْسِنَتَهم بسَبِّه وتَعْييبه، وتحدَّثُوا بذلك فيما بينَهُم، فاشْتَدَّ خَوْفُهُ من الرَّعِيَّةِ أنْ يُسَلِّمُوا البلَد، وتَرَكَ الرُّكُوبَ بينَهُم، وبَثَّ الحَرَاميَّة تَتَخَطَّفُ مَنْ يَنْفرِدُ من العَسَاكِر فيأخُذُونَهُ، وعاثَ العَسْكَرُ فيما بَقِي سَالِمًا ببَلَد حَلَب بعد نَهْب الفِرِنْج له.
ورَحَل العَسْكَر إلى مَعَرَّة النُّعْمَان بعد اسْتيْلَاء الفِرِنْج عليها في آخر صَفَر من سَنَةِ خَمسٍ وخَمْسِمائَة، وأقامُوا عليها أيَّامًا، وقدَّم عليهم أتَابِك طُغْتِكِين، فرَاسَل رِضْوَان بعْضَهم حتَّى أفْسَد ما بينهم، وظَهَرَ لأتَابِك طُغْتِكِين منهم الوَحْشَة،
стр. 4657
فصارَ في جُمْلَة مَمْدُود، وثَبَتَ له مَمْدُود، ووَفَى له، وحَمَلَ لهم أتَابِك هَدَايًا وتُحَفًا، وعَرَضَ عليهم المَسِيْر إلى طَرابُلُس، والمَعُونَة لهم بالأمْوَال، فلَم يُعَرِّجُوا، وسارَ أحْمَدِيْل وبُرْسُق بن بُرْسُق، وعَسْكَر سُكْمَان إلى الفُرَات، وبقي موْدُود مع أتَابِك، فرَحَلا من المَعَرَّة إلى العَاصِي، فنَزَلَا على الجَلَالي (a)، ونَزَل الفِرِنْج أفَامِيَة: بَغْدَوين، وطَنْكرِيد، وابن صَنْجِيْل، وسَارُوا لقَصْد المُسْلمِيْن، فَخَرَجَ أبو العَسَاكِر سُلْطان بن مُنْقِذ من شَيْزَر بأهْلهِ وعَسْكَره، واجْتَمَعوا بمَوْدُود وأتَابِك، وسَارُوا إلى الفِرِنْج، ودَارَتْ خُيُول المُسْلمِيْن حَوْلهم ومَنَعُوهُم الماءَ، والأتْرَاكُ حَوْل الشَّرَائع بالقِسِيّ تَمْنعهُم الوِرْدَ، فأصْبَحُوا هَارِبين سَائرين يَحْمي بَعْضُهم بَعْضًا.
ونَزَل طَنْكرِيد على قَلْعَة عَزَاز، وبَذَل له رِضْوَان مُقاطَعة عن حَلَب (b) عشرين ألف دِيْنار وخَيْلًا وغير ذلك، فامْتَنِعَ طَنْكِريد من ذلك، ورَأى رِضْوَانُ أنْ يَسْتَميل طُغْتِكِين أتَابِك إليهِ، فاسْتدعاهُ إلى حَلَب، فوَصَلَ إليها، وتَعَاهَدا على مُساعَدة كُلّ منهما لصَاحِبهِ بالمالِ والرِّجَال، واسْتَقَرَّ الأمرُ على أنْ أقام طُغْتِكِين الدَّعْوَة والسِّكَّة لرِضْوَان بدِمَشْق، فلم يَظْهَر من رِضْوَان الوَفَاء بما تَعَاهَدا عليه.
ووَصَلَ مَوْدُود إلى الشَّام، واتَّفق مع طُغْتِكِين على الجِهادِ، وطَلَبَ نَجْدَة من المَلِك رِضْوَان، فتأخَّرَت إلى أنْ اتَّفق للمُسْلِمين وقْعَة اسْتَظْهرُوا فيها على الفِرِنْج، ووَصَلَ عَقِيْبَها نَجْدَة للمُسْلِمين من رِضْوَان دُون المائة فَارِس، وخَالَف فيما كان قرَّره ووَعَدَ به، فأنْكَر أتَابِك ذلك، وتقدَّم بإبْطَالِ الدَّعْوَة والسِّكَّة باسْم رِضْوَان من دِمَشْق في أَوَّلِ شَهْر رَبيع الأوَّل من سَنَة سَبْعٍ وخَمْسِمائَة.
أنْبَأنَا سُليْمان بن الفَضْل بن سُلَيمان، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم
стр. 4658
عليّ بن الحَسَن (١)، قال: رِضْوَان بن تُتُش بن ألْب أَرَسْلَان بن جَغْرِي بَك بن سَلْجُوق بن تُقَاق التُّرْكِيّ (a)، كان بدمَشْق عند توَجُّه أبيهِ إلى نَاحِيَةِ الرَّيّ، فكَتَبَ إليه يَسْتَدعيهِ، فَخَرَجَ إليه، فلمَّا كان بالأنْبَارِ بَلَغَهُ قَتْلُه، فرَجَع إلى حَلَب، فتَسَلَّمها من الوَزِير أبي القَاسِم، وكان المُسْتَولِي على أمْرها جَنَاح الدَّوْلَة حُسَيْن في سَنَة ثَمانٍ وثَمانين وأرْبَعِمائة.
ثُمّ قَدِمَ دِمَشْق بعدَ مَوْت أخيهِ دُقَاق، فحاصَرهِا، وقرَّر له الخُطْبَة والسِّكَّة، فلَم تَسْتَتِبَّ أُمُوره (b)، وعادَ إلى حَلَب، وأقام بها، وجرَتْ منه أُمُورٌ غير مَحْمُودةٍ (c) في قِتَال الفِرِنْج، وظَهَرَ منهُ المَيْلُ إلى البَاطِنِيَّة، واسْتَعانَ بهم بحَلَب، ثمّ اسْتَدْعَى طُغْتِكِين أتَابَك إلى حَلَب، وَلاطَفَهُ، وأرَادَ اسْتِصْلَاحَهُ، وقرَّر بينهما أمُورًا، وأقامَ له طُغْتِكِين الدَّعْوَة والسِّكَّة بدِمَشْق، فلم يَظْهَر منهُ الوَفَاء بما وعَد، فأُبْطِلَت دَعْوته.
وكان؛ لمَّا ملك حَلَب، قد قَتَلَ أخوَيهِ: أبا طَالِب وبَهْرَام ابْنَي تُتُش، وماتَ في الثَّامن والعِشْرين من جُمَادَى الآخرة سَنَة سَبْعٍ وخَمْسِمائَة.
أنْبَأنَا أبو اليُمْن الكِنْدِيّ، عن أبي عَبْد الله مُحَمَّد بن عليّ العُظَيْميّ (٢)، ونَقَلْتُه من خَطِّه، قال: سَنَة سَبْعٍ وخَمْسِمائَة، فيها ماتَ المَلِك رِضْوَان ابن تَاج الدَّوْلَة صَاحِب حَلَب بحَلَب، وجَلَسَ مَوضِعَهُ وَلده تَاج الدَّوْلَة ألْب أَرَسْلَان (d). وفيها قَتَلَ تَاجُ الدَّوْلَة ابن المَلِك رِضْوَان أخوَيه مَلِك شَاه وإبْراهيم؛ صَبِيَّيْن أحْسَن النَّاس صُوْرًا.
стр. 4659
كَذا وَجَدْتُه! وإبْراهيم بَقِي زَمَانًا، ورَأيْتُ وَلده بحَلَب؛ وأظُنُّه مُبَارَك، واللهُ أعْلَمُ.
وقَرَأتُ في كتاب تاريْخ وَقَعَ إليَّ بمَارِدِين جَمَعَهُ الرَّئِيسُ أبو عليّ الحَسَنُ بن عليّ بن الفَضْل الدَّارِيّ، وشَاهدْتُه بخَطِّه، قال: وفيها - يعني: سَنَة ثَمانٍ وخَمْسِمائَة - ماتَ المَلِك رِضوَان بن تُتُش بحَلَب، وتَوَلَّى وَلده الأخْرَس.
وقَرَأتُ في بَعْضِ ما عَلَّقْتُه من الفَوَائِد: مَرضَ رِضْوَان بحَلَب مَرَضًا حادًّا، وتُوفِّي في الثَّامِن والعشْرين من جُمَادَى الآخرة سَنَة سَبْعٍ وخَمْسِمائَة، ودُفِنَ بمَشْهَد المَلِكِ، فاضْطَرَبَ أمْرُ حَلَب لوَفَاته، وتأسَّفَ أصْحَابُهُ لفَقْدِه، وقيل: إنَّهُ خَلَّفَ في خِزَانَته من العَيْن، والآلات، والعُرُوض، والأوَاني ما يَبْلغُ مِقْدَارُه ستِّمائة ألف دِيْنار.
قَرَأتُ في كتاب عُنْوَان السِّيَر، تأليف مُحَمَّد بن عَبْد المَلِك الهَمَذَانيّ (١)، قال: ومَلَكَها - يعني: حَلَب - بعدَهُ - يَعْني: بعْدَ قَتْلِ أبيهِ تُتُش - في سَنَة ثَمانٍ وثَمانين وأرْبَعِمائة أبو المُظَفَّر رِضْوَان بن تُتُش تِسْعِ عَشرة سَنَة وشُهُورًا، وتُوفِّيَ في سُحْرَة يَوْم الأرْبَعَاءِ آخر يَوْم من جُمَادَى الآخرة سنة سَبع وخَمْسِمائَة، وعُمرُه اثْنان وثَلاثُون سَنَةً، وخَلَّفَ عَيْنًا وعُرُوضًا تُقَارِبُ ألفَ ألفِ دِيْنار.
رِضْوَانُ بن سَعيد المِصِّيْصيّ
ذَكَرَ أبو بَكْر أحْمَد بن عليّ بن ثَات الخَطِيب (٢) في تَرْجَمَةِ أبي العبَّاس مُحَمَّد بن أحْمَد بن عَبْد الكَريم البَزَّاز المُخَرِّمِيِّ، أَنَّهُ رَوَى عن رِضْوَان بن سَعيد المِصِّيْصيّ.
وأظُنُّه، واللهُ أعْلَمُ، وَهْمًا وَقَعَ في الرِّوَايَة، وأنَّهُ أبو رِضْوَان بن سَعيد المِصِّيْصيُّ واسْمُهُ اليَمَان.
стр. 4660
رِضْوَان بن عليّ الرَّقِّيُّ الطَّبِيْبُ (١)
من أهْلِ الرَّقَّة، سَافَرَ إلى بلَادِ الرُّوم، وصارَ بها طَبِيْبًا في خِدْمَةِ كَيْخُسْرُو بن كَيْقُبَاذ، ولمَّا دَخَلَ التَّتَار بلاد الرُّوم، وكَسَرُوا كَيْخُسْرُو، أَسَرُو الحَكِيم رِضْوَان ثُمَّ أطْلقُوه حين عَرفُوِا أنَّهُ يَعْرف الطِّبَّ، وسَيَّرَهُ التَّتَار رَسُولًا إلى حَلَب إلى المَلِك النَّاصِر يُوسُف بن مُحَمَّد مَرَّتَين.
واجْتَمَعْتُ به بحَلَب، وأنْشَدَني لنَفْسِه بحَلَب من أبْيَاتٍ: [من الكامل]
من كُلِّ أرْوَعَ يَستَلذُّ بطَبْعِهِ … طعْمَ الشّفَار حَدِيدُها من صَالِبِ
شَكَتِ القَنَا منهُ الصُّدَاعَ وَحَاوَلْت … منهُ العِلَاج فشَدَّها بعَصَائِبِ
بَلَغَني أنَّ رِضْوَان الحَكِيم تُوفِّى بمُوْغَان، ووَصَلَ إلينا خَبَرُ وَفَاتهِ في جُمَادَى الآخرة من سَنَة خَمْسٍ وأرْبَعين وستِّمائة.
ذِكْرُ مَن اسْمُهُ رِفَاعَة
رِفَاعَةُ بن رَافِع بن مَالِك بن العَجْلَان بن عَمْرو بن عَامِر بن زُرَيْق، أبو مُعَاذ الأنْصَاريّ الزُّرَقِيّ (٢)
وأُمُّهُ أُمُّ مَالِك بنتُ أُبَيّ بن سَلُول.