قال أبي: وسَمِعْتُ أبا طَالِب الخَيَّاط يقُول لأبي عبد الرَّحْمن السِّجْزِيّ: أنتَ من لَدُن خُرَاسَان إلى الشَّام تُعْرفُ بخَيَّاطِ السُّنَّة، صِرْتَ اليَوْم تَتَشيَّع!.
قال الحافِظُ أبو القَاسِم (١): قَرأتُ بخَطِّ أبي القَاسِم بن صَابِر، وذَكَرَ أنَّهُ نَقَلَهُ من خَطِّ عَبْد العَزِيْز بن أحْمَد الكَتَّانِيّ، قال: قال عُبيد بن أحْمَد بن فُطَيْس: حَدَّثَني أبو عليّ الأنْصَاريّ، قال: حَدَّثَني زَكَرِيَّاء السِّجْزِيّ، وكانَ مَوْلدُهُ سَنَة خَمْسٍ وتِسْعِين ومائة، وكانت وَفَاتُه سَنَة سَبْعٍ وثَمانِيْن ومَائتَيْن، وكان عُمْرُهُ خَمْسًا وتِسْعِين سَنَة.
أنْبَأنَا أبو القَاسِم بن الحَرَسْتَانِيّ، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الكَريم بن حَمْزَة، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، عن أبي مُحَمَّد عَبْد العَزِيْز بن أحْمَد الكَتَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا مَكِّيّ بن مُحَمَّد بن الغَمْر، قال: أخْبَرَنا أبو سُليْمان بن زَبْر (٢)، قال: قال لنا الهَرَويّ: فيها - يعني سَنَة تِسْعٍ وثَمانِيْن ومَائتَيْن - ماتَ زَكَرِيَّاء بن يَحْيَى السِّجْزِيّ.
زَكَرِيَّاء بن يَحْيَى الحِمْيَرِيُّ الكِنْدِيُّ الكُوْفيُّ الأعْمَى (٣)
قَدِمَ خُنَاصِرَة على عُمَر بن عَبْد العَزِيْز، ورَوَى عنهُ، وعن عَامِر الشَّعْبِيّ، وِعِكْرِمَة موْلَى ابن عبَّاس، وعبد اللّه بن يَزِيد، وحَبِيْب بن يَسَارٍ، وأُنَيْسَة بنت زَيْد بن أرْقَم.
رَوَى عنهُ حَمَّاد بن أُسامَة، وجَعْفَر بن عَوْن العَمْريّ، وحَاتِم بن إسْمَاعِيْل المَدَنِيّ، وعَبْد الحَميْد، ومُحَمَّد بن بِشْر العَبْدِيّ.
стр. 4867
أخْبَرَنَا أبو القَاسِم عبْدُ الصَّمَد بن مُحَمَّد الأنْصَاريّ إذْنًا، قال: أنْبَأنَا أبو الفَتْح نَصْرُ اللّه بن مُحَمَّد المِصِّيْصيّ، قال: أخْبَرَنَا نَصْر بن إبْراهيم المَقْدِسِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو مُحَمَّد عَبْدُ اللّه بن الوَلِيد الأنْصَاريّ، قال: حَدَّثَنَا أبو عَبْد اللّه مُحَمَّدُ بن أحْمَد فيما كَتَبَ إليَّ، قال: أخْبَرَني جَدِّي عَبْدُ الله بن مُحَمَّد بن عليّ اللَّخْمِيّ البَاجِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو مُحَمَّد عَبْد اللّه بن يُونُس، قال: أخْبَرَنَا بَقِيّ بن مَخْلَد، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن إبْراهيم الدَّوْرَقيّ، قال: حَدَّثَني سَهْل بن مَحْمُود - وهو أبو السَّرِيّ - قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن بِشْر العَبْدِيّ، قال: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاء بن يَحْيَى، قال: أقَمْنا عندَ عُمَر بن عَبْد العَزِيْز بخُنَاصِرَة أرْبَعيْن يَوْمًا، قال: فأُتِي برَجُلٍ قد نَقَشَ على خَاتم الخِلَافَة، فقال: وَيْحَك! ما حَمَلَك على هذا؟ قال: الطَّمَع والشَّيْطان، فقال لجُلَسَائهِ من قُرَيْشٍ وأهْل الشَّام: ما تَرَون في هذا؟ قالوا: الرَّأي فيه مُسْتَقِيْم؛ تُقْطَع يَدُه، قال: لكنِّي أُرَى غير ذلك، هذا رَجُل هَمَّ بسَرِقَةٍ، ولَم يَسْرق، قال: فاسْتَحْلَفَهُ أنْ لا يَعُود، وأمَرَ بعضَ مَنْ عنده فعزَّرَهُ سَوْطَيْن أو ثلاثةً، وخَلَّى سَبِيلَهُ.
أخْبَرَنَا سُليْمان بن الفَضْل في كتابهِ، قال: أخْبَرَنَا الحافِظ أبو القَاسِم الدِّمَشقيّ (١)، قال: أخْبَرَنَا أبو القَاسِم الوَاسِطِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو بَكْر الخَطِيبُ (٢)، قال: أخْبَرَنَا أحْمَد بن مُحَمَّد بن إبْراهيم، قال: سَمِعْتُ أحْمَدَ بن مُحَمَّد بن عُبْدُوْس، قال: سَمِعْتُ عُثْمان بن سَعيد الدَّارِيِّ (٣) يَقُول: قُلْتُ ليَحْيَى بن مَعِيْن: مجرَيّاء بن يَحْيَى (a) الكُوْفيّ، عن الشَّعْبِيّ، من زَكَرِيَّاء هذا؟ قال: ليسَ بشيءٍ، قُلتُ: ابنُ مَن هو؟ قال: ابن يَحْيَى.
стр. 4868
أخْبَرَنَا أبو عَبْد اللّه الحُسَين بن عُمَر بن بَاز في كتابه، قال: أخْبَرَنَا عَبْدُ الحَقّ بن عَبْد الخَالِق، قال: أخْبَرَنَا أبو الغَنائِم بن النَّرْسِيِّ، قال: أَخْبَرَنا أبو أحْمَد الغُنْدجَانِيّ، قال: أخْبَرَنَا أحْمَد بن عَبْدَان، قال: أخْبَرَنَا مُحَمَّد بن سَهْلٍ، قال: أخْبَرَنَا أبو عَبْد اللّه مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل البُخاريّ (١)، قال: زَكَرِيَّاء بن يَحْيَى الكِنْدِيّ الحِمْيَرِيّ الأعْمَى، سَمِعَ حَبِيْب بن يَسَارٍ، وأُنَيْسَةَ، والشَّعْبِيّ، وعِكْرِمَة، رَوَى عنهُ أبو أُسامَة، وجَعْفَر بن عَوْن.
أنْبَأنَا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن عَبْدِ اللّه بن عُلْوَان، قال: كَتَبَ إلينا الرَّئِيس مَسْعُود بن الحَسَن الثَّقَفِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو عَمْرو بن مَنْدَة، إجَازَةً إن لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنَا حَمْدُ بن عَبْد اللّه، قال: أخْبَرَنَا أبو مُحَمَّد بن أبي حَاتِم (٢)، قال: زَكَرِيَّاء بن يَحْيَى الكِنْدِيّ الحِمْيَرِيّ الأعَمى، رَوَى عن الشَّعْبِيّ، وأُنَيْسَة (a)، وحَبِيْب بن يَسَارٍ، وعبد اللّه بن يَزِيد، وعِكْرِمَة، روَى عنهُ عَبْدُ الحَميْد (b)، وحَاتِم بن إسْمَاعِيْل، وأبو أُسامَة، وجَعْفَر بن عَوْن، سَمِعْتُ أبي يَقُول ذلك.
أخْبَرَنَا القَاضِي أبو نَصْر مُحَمَّد بن هِبَة اللّه بن الشِّيْرَازيّ، فيما أَذِنَ لنا في رِوَايته عنه، قال: أخْبَرَنَا الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن بن هِبَةِ اللّهِ الشَّافِعيّ (٣)، قال: زَكَرِيَّاء بن يَحْيَى الحِمْيَرِيَّ الكِنْدِيّ الكُوْفيّ، حَدَّثَ عن الشَّعْبِيّ، وحَبِيْب بن يَسَارٍ، وعبد اللّه بن يَزِيد، وعِكْرِمَة، وعُر بن عَبْد العَزِيْز، وأُنَيْسَة بنت بن أرْقَم. رَوَى عنهُ عَبْد الحَميْد، وحَاتِم بن إسْمَاعِيْل المَدَنِيّ، وأبو أُسامَة حَمَّاد بن أُسامَة، ومُحَمَّد بن بِشْر العَبْدِيّ، وجَعْفَر بن عَوْن العَمْريّ (c) الكُوْفيُّونَ، ووَفَدَ على عُمَر بن عَبْد العَزِيْز.
стр. 4869
زَكَرِيَّاء بن يَحْيَى، أبو يَحْيَى الأنْطَاكِيُّ، صَاحِبُ الأَكْسِيَةِ (١)
حَدَّثَ عن الهَيْثَم بن جَمِيل الأنْطَاكِيّ، والحارِث بن عِمْران الجعفِيّ، رَوَى عنهُ أبو عَمْرو عُثْمان بن خرَّزَاد الأنْطَاكِيّ.
أخْبَرَنَا أبو القَاسِم عبْدُ الصَّمَد بن مُحَمَّد بن أبي الفَضْل الأنْصَاريّ، قال: أخْبَرَنَا عليّ بن المُسَلَّم، قال: أخْبَرَنَا أبو نَصْر بن طَلَّاب، قال: أخْبَرَنَا أبو الحُسَين بن جُمَيْع (٢)، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيمُ بن مُحَمَّد بأنْطَاكِيَة، قال: حَدَّثَنَا عُثْمان بن خُرَّزَاد، قال: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاء بن يَحْيَى صَاحِبُ الأَكْسِيَة، قال: أخْبَرَنَا الحارِث بن عِمْرانَ الجعفَرِيّ (a)، عن مُحَمَّد بن سوْقَة، عن سَعيد بن جُبيَر، عن ابن عبَّاسيّ، قال: بينا أنا مع رسُول اللّهِ ﷺ إذْ سَمعَ رَجُلًا يَقُول: اللَّهُمَّ اغْفِر لفُلَان بن فُلَان، فقال رَسُولُ اللّهِ ﷺ : ما هذا؟ فقال: حَمَلَّني رَجُل أنْ أدْعُوَ له بين الباب والممَام، أو بين الرُّكْن والمقام، فقال رَسُولُ اللّهِ ﷺ : غُفِرَ لصَاحِبكَ.
أخْبَرَنَا عَبْد الجلَيْل بن أبي غَالِب، فيما أَذِنَ لنا في روَايَته عنْهُ، وقد سَمِعْتُ منهُ غيرَهُ، قال: أخْبَرَنَا أبو المَحَاسِن البَرْمَكِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو عَمْرو عَبد الوَهَّاب بن مُحَمَّد بن إسْحَاق بن مَنْدَة، قال: أخْبَرَنَا أبي أبو عَبْدِ اللّه، قال: زَكَرِيَّاء بن يَحْيَى الأنْطَاكِيّ، حَدَّثَ عن الهَيْثَم بن جَمِيل، تُوفِّي سَنَة نَيف وثَمانِيْن ومَائتَيْن.
стр. 4870
قَرَأتُ في تاريخ مختَار المُلْك المُسَبِّحيّ (١)، قال: سَنَة ثَمانِيْن ومَائتَيْن فيها مات أبو يَحْيَى زَكَرِيَّاء بن يَحْيَى الأنْطَاكِيّ.
زكَرى المَعْدِنيُّ (٢)
من أهْل المَعْدِن، رَجُلٌ صَالِحٌ من أوْلِيَاء اللّه تعالَى، كان عندنا بحَلَب، وكان كَثِيْر الصُّحْبَة لعمِّي ووَالدِيّ، وكان يأنسُ بي، وتَظْهر له كَرَامَات كَثِيْرة، ويَخْرجُها مَخْرج التَّبَالُهِ، واتَّخذ له كِعَاب غُزْلَان مُصَبَّغة، وجَعَلها في كيسٍ، وكان إذا أُخْبر بوقُوع شيءٍ يَقُول: أَخْبَرَتني الكُعَيْبَات، وكان لازمًا للوَقَار، ولا يَخْرج إذا ما يُخَالف بهِ الشَّرْع، وإذا قُرئ بحَضْرته شيء من أخْبَار الصَّالِحين أو الرَّقَائِق غَلَبَ عليه الحالُ، وتَسْبقه الدُّمُوع، فيقُوم من المَجْلِس أو يُشِير إلى القَارِئ بالسُّكُوت، وكان يُخْبرُنا بأُمُورِ أَنَّها تَقَعُ، فتَقَع على ما أَخْبرَ بهِ! وكان ﵀ مَحْبُوبًا إلى النَّاسِ، قَريبًا إلى القلُوبِ، خَفِيْف الرُّوْحَ.
وكان عَمِّي أبو غَانِم يَمِيْل إليهِ، ويَعْتَقد فيه، وكان له عَادة في أنْ يَخْرُج بأهْلِه وأوْلَادِهِ ومَنْ يعزّ عليه إلى صُمَّعُّ الفُوْقا؛ قَرْيَةٌ من قُرَى حَلَب، كان له فيها حصَّة في أيَّام البِطِّيْخ، فطلَبهُ عمِّي أنْ يَخْرُج معه، وسَبقتُ الجَماعَة، وخَرَجْتُ والشَّيْخ زَكرى معي رَاكبٌ على حِمَارٍ، فكُنْتُ معه في بعض الطَّريق فأنشد: [من البسيط]
قَلْبي بحَرِّ سِهَامِ الدِّبسْ مَجْرُوِحُ … بينَ العصَائِدِ والأحْمَانِ مَطْرُوحُ
قد قَدَّمُوا السَّمْنَ والأعْسَالَ في قَدحٍ … فالقَلْبُ في قَلَقٍ والدَّمْعُ مَسْفُوحُ
ثُمَّ جَعَل يَبْكي بُكَاءً شَدِيْدًا، حتَّى رَقَّ قلي لكَثْرة بُكَائهِ، ووَصَلْنا إلى القَرْيَةِ وعمِّي بها، وكان ولد عمِّي الأكْبَر أبو الفَضْل هِبَة اللّه قد تَرَكناهُ ليَخْرُج بعدَنا
стр. 4871
بزَوْجَته، وهي أُخْتي الكُبْرَى، فصَلَّينا المَغْرب مع عَمِّي، وقامَ عمِّي لوِرْدِه بين المَغْرب والعِشَاء، وجَلَسْتُ أنا وزَكّرى فأبْطَأ وُصول النِّسَاء عنَّا، فسَلَّم عمِّي من بَعْض أوْرَادِه، وقال: قد أبْطَأ الجَمَاعَة، فالْتَفَتَ الشَّيْخ زَكرى إليَّ وقال: قد تَاهُوا عن الطَّريق، ثُمَّ أبْطأوا سَاعةً، فقال لي زَكرى: قد سَقَطَتْ أخْتك عن الدَّابَّةِ ولكنَّها سَلِمَتْ، ثمّ قال لي: السَّاعَة يَصِلُون، وكُنَّا نَنتَظرُ وُصُولهم من جِهَة القِبْلَة؛ من جِهَة حَلَب، فوَصَلُوا بعد سَاعة من جِهة الشَّمَال من جهَة عَزَاز، فقُمْتُ إليهم، فأخْبَرُوني أنَّهم تَاهُوا عن الطَّريق، وتَعَدّوا المَوضع الّذي يُسَامت صُمُّع، وأخْبَرُوني أنَّ أُخْتي سَقَطَت عن الدَّابَّةِ واشْتَغلُوا به سَاعةً! وكان يَتَّفِق له معنا وقَائِع كَثِيْرة من هذا النَّوع.
وممَّا أعْرِفه من كَرَامَاته، أنَّ عمِّي أبا غَانِم عَزَمَ علي زيارة البَيْت المُقَدَّس في سَنَة سَبعٍ وسِتِّمائة أو سَنَة ثَمان، فتَوجَّه وأهْله معه، وبَرَز إلى تُرْبَةِ مَجْد الدِّين ابن الدَّايَة، بالقُرْبِ من مَقَامِ إبْراهِيم ﵇ وباتَ بها، وبِتْنا معه لنُودِّعَهُ، وخَرَجَ معنا الشَّيْخ زَكرى فيمن خَرَجَ، فلمَّا ودَّعْناهُ أخَذَني الشَّيْخ زَكرى مُنْعَزلًا عن الجَمَاعَة، وقال لي: ما أعُود ألْتَقِي عمَّكَ بعدَ اليَوْم إلَّا في القِيامَة! فحَكَيْتُ ذلك لوَالدِي فتألَّم لذلك، وخَافَ على عَمِّي لعِله أنَّ الشَّيْخ زَكرى لا يُخْبر بشيءٍ إلَّا ويَقَع، وأقامَ عَمِّي بالبيت المُقَدَّس، واشْتَاق إلى أخيهِ، وتوجَّه إليهِ وإلى الزِّيَارَة وأنا معه، ووصَلْنا إلى البَيْت المُقَدَّس وأقنا بهِ مُدَّةً، وعُدْنا جَمِيعًا مع عَمِّي إلى حَلَب، ووَصَلْنا قَول الشَّيْخ زَكرى الّذي قال لي وَقْتَ وَدَاع عَمِّي، فلَّمَا وصَلْنا إلى حِمْص، لقيَنا رَجُلٌ قد خرجَ من حَلَب؛ وكان من أصْحَاب الشَّيْخِ أبي الحَسَن الفَاسِيّ، فأخْبَرَنا أنَّ الشَّيْخ زَكرى تُوفِّي بحَلَب من أرْبَعة أيَّام أو خَمْسة.
وكانت وَفَاتُه في سَنَة تِسْعٍ وسِتِّمائة، ودُفِنَ بالجُبَيْل خارج باب الأرْبَعِين في تُرْبَة الشَّيْخ عليّ الفَاسِيّ عند رِجْليهِ، رَحِمَهُما اللّهُ.
стр. 4872
زكِي بن عَبْد الله، أبو الفَهْم الحَلَبِيُّ
كَتَبَ عنهُ شَيْخُنا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن أبي الفَهْم بن عبد الرَّحْمن اليَلَدَانِيّ، وخَرَّجَ عنهُ إنْشَادًا.
كَتَبَ إلينا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن اليَلَدَانِيّ، ونَقَلْتُه من خَطِّه، قال: أنْشَدَنا أبو الفَهْم زَكي بن عَبْد اللّه الحَلَبِيِّ: [من المتقارب]
وطَائِرةٍ أبَدًا تُتَّبَعْ … فَطَورًا تَطِيرُ وطَوْرًا تِقَعْ
تَموتُ إذا تَرَكَتْها الكُمَاة … وتَحْيا إذا الضَّرْبُ فيهما وقَعْ
قُلتُ: وهي الكُرَة.
زَمَّاخُ بن يَحْيَى بن صَافِي الأعْسَرُ الشَّيْزَرِيُّ (١)
شَاعِر مُتَوسِّط الشِّعْر، من أهْلِ شَيْزَر، وكان أبُوه يَحْيَى فَارِسًا مَذْكُورًا بها، مَوْصُوفًا بالشَّجَاعَة، وجَدُّه صَافِي منِ أتْبَاع بني مُنْقِذ بها. وانْقَطَعَ زَمَّاخ إلى سَابِق الدِّين عُثْمان بن الدَّايَة صَاحِب شَيْزَر.
أنْشَدَني أبو السَّعَادَات المُبارَك بن أبي بَكْر بن حَمْدَان المَوْصِلِيّ لزَمَّاخ بن يَحْيَى بن صَافِي الشَّيْزَرِيّ، وذَكَرَ لي أَنَّها من جُمْلَةِ قَصيدَة مَدَح بها نَاصِر الدِّين أبا سَعيد مُحَمَّد بن شِيرْكُوه المَعْرُوف بالمَلِك القَاهِر، وَأنَّهُ شَاهَدها في مَدَائِحه: [من البسيط]
يَوي نَدَاهُ الصَّدَى مع عُظْمِ صَوْلَتِهِ … كصَفْحةِ السَّيْفِ مِن ماءٍ ومِن نَارِ
الطَّيّبُ الخِيْمِ والأصْلُ القَدِيمُ لَهُ الـ … ــمَجْدُ الموثَّلُ والعَارِي مِنَ العَارِ
стр. 4873
ولو جَرَى في نَداهُ النَّاسُ أغْرَقَهُمْ … ما كُلُّ ماءٍ على شَاطٍ بزَخَّارِ
فاقَ الوَرَى بأيَاديهِ الّتي هَطَلَتْ … مِنَ النَّدَى سُحُبًا من بَحْرهِ الجارِي
اجْتزَتُ في بعضِ السِّنِيْن بشَيْزَر، فسَألتُ بعضَ مَنْ حَضَر عندِي من أمَاثِلها، عن شُعَرَاء شَيْزر، فذَكَرَ لي زَمَّاخ بن صَافِي الأعْسَر، ومَضَى إلى مَنْزِله وسَيَّر لي رُقْعَةً فيها أبْيَاتٌ كَتَبَها زَمَّاخ المَذْكُور عن سَابِق الدِّين عُثْمان بن الدَّايَة إلى سِنَان صَاحِب الدَّعْوَة النِّزَارِيَّة، جَوَابًا عن أبْيَاتٍ كَتَبَها سِنَان إلى سَابِق الدِّين عُثْمان يتَهَدَّده، وهي (١): [من البسيط]
يا ذَا الّذي بقِرَاع السَّيْف هَدَّدني (a) … لا قامَ مَصْرع جَنْبي حين تصْرَعُه
قام الغُرَابُ (b) إلى البَازِي يُهَدِّدُه … واسْتأسَدَت للقاء الأسد (c) أَضْبُعُه
يا منْ يفكُّ (d) فَم الأفْعى بإصْبَعِهِ … يَكْفِيْه ممَّا تلاقي منه إصْبَعُه
قال: فأجَابَهُ زَمَّاخ الأعْسَرُ عن سَابِق الدِّين عُثْمان بهذه الأبْيَات: [من البسيط]
يا مَنْ يقُول مَقَالًا ليس تَسْمَعَهُ … أُذْني ولا هو ذو قَدْرٍ فيَرفَعُه
وظَنَّني بقِرَاع السَّيفِ أُوعدُه … والرُّعْب في قلبهِ والخوف يَقْطَعُه
وما دَرَى أنَّني البَازِيُّ تَرْهَبُه … نَفْسُ الغُرَابِ الّذي في الكَهْف مَوضِعُه
وأنَّني أسَدٌ والأُسْدُ تَرْهَبُني … هذا وكم أسَدٍ بي حَانَ مَصْرَعُهُ
والضَّبع أنْتَ ورِجْلاكَ العُراج بها … والضَّبْع أعْرَج والمَيْتَاتُ مَرْتَعُه
ما يَسْتَحي ثَعْلَبٌ مع ضَعْف أسْرَتهِ … يَمُرّ بالأسَد الضَّارِي يُفَزِّعُهُ
стр. 4874
وقد فَككتُ فَم الأفْعَى فما قَدَرت … يَوْمًا على إصْبَع منِّي فتلسَعه
والسَّمُّ ليسَ يَضُرُّ الآن جِسْم فَتَىً … اللهُ يَحْفَظه ممَّا يُرَوِّعُه
فالعَيْر لا يرْهَبُ الأفْعَى ويَأكُلُها … قَسْرًا ومن خَالِص الدِّرْيَاق مدْمَعُه
فكمَ تغطي الهُدَى جَهْلًا وتَسْتره … بأسْوَد الكُفْر والإيْمانُ يقشَعُهُ
هَدّد بذلك غَيْري كي تُخوِّفُه … ما يَجْزَعُ الطّودُ من شَنٍّ يُقَعْقعُه
تُوفِّي زَمَّاخ الأعْسَرُ هذا في سَنَة عَشر أو إحْدَى عَشْرة وستِّمائة، فإنَّني سَألتُ ابن أخيهِ عن وَفَاة عَمِّه، فقال: ماتَ قبل مَوْت السُّلْطان الظَّاهرِ بسَنَتين.
زِمْلُ بن عَمْرو بن العِتْر بن خَشَّاف - وقيل: خُشَاف، وقيل: حَشَّاف - ابن خَدِيْج بن وَاثِلَة بن حَارِثَة بن هِنْد بن حَرَام (a) بن ضِنَّة بن عَبْدِ بن كَبِيْر (b) بن عُذْرَةَ بن سَعْد بن زَيْد بن لَيْث بن سُود بن أسْلَم بن الْحاف بن قُضَاعَة العُذْرِيُّ الحَرَامِيُّ (c) الضِّنِّيُّ (١)
وقيل هو: زِمْل بن رَبِيْعَة، وقيل: زُمَيْل بن عَمْرو، وقيل: زَامِل بن عَمْرو
стр. 4875
العُذْرِيّ من بني هِنْد بن حَرَام (a).
وَفَدَ على النَّبي ﷺ ، وكَتَبَ له كِتَابًا، وعَقَدَ له لِوَاءً، فشَهِدَ بلوَائهِ ذلك صِفِّيْن مع مُعاوِيَةَ بن أبي سُفْيان، وسَكَنَ الشَّامَ، واسْتَعْمَلهُ مُعاوِيَةُ على شُرْطَته، وهو أحَدُ شُهُود مُعاوِيَة في أمْر الحَكَمَيْن، رَوَى عَنْهُ ابنُه المِقْدَاد بن زِمْل، وصَعْصَعَة بن صُوْحَان.
أنْبَأنَا أبو اليُمْن زَيْدُ بن الحَسَن الكِنْديِّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي الأنْصَاريّ، إجَازَهً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد الحَسَن بن عليّ الجوهَرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عُمَر بن حَيَّوْيَه، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن مَعْروف بن بِشْر، قال: أخْبَرَنا الحارِثُ بن أبي أُسامَة، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن سَعْد (١)، قال: أخْبَرَنا هِشَام بن مُحَمَّد بن السَّائِب، قال: حَدَّثّنّا شَرْقيّ بن القُطَامِيِّ، عن مُدْلِج بن المِقْدَاد بن زِمْل العُذْرِيّ، قال: وحَدّثَني ببَعْضِه أبو زُفَر الكَلْبيِّ، قالا: وَفَدَ زِمْل بن عَمْرو العُذْرِيّ على النَّبي ﷺ ، فأخْبَرَهُ بما سَمعَ من صَنَمِهم، فقال: ذلك مُؤْمِنُ الجِنّ، فأسْلَم، وعَقَدَ له رسُول الله ﷺ لِوَاءً على قَوْمه، فشَهِدَ به بعدَ ذلك صِفِّيْن مع مُعاوِيَةَ، ثمّ شَهِدَ بهِ المَرْج فقُتِلَ، وأنْشَأ يَقُولُ حين وَفَدَ على النَّبي ﷺ : [من الطويل]
стр. 4876
إليكَ رسُولَ اللهِ أَعْملتُ نَصَّها … أُكَلِّفُها حَزْنًا وَقُوْرًا (a) منَ الرَّمْل
لأنْصُرَ خَيْرَ النَّاسِ نَصْرًا مُؤزَّرًا … وأَعْقدَ حَبْلًا مِن حِبَالكَ في حَبْلي
وأشْهَدُ أنَّ اللّهَ لا شيءَ غَيرُهُ … أَدِينُ لَهُ ما أثْقَلَتْ قَدَمي نَعْلي
أنْبَأنَا أبو المَحَاسِن سُليْمان بن الفَضْل، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن الشَّافعيّ (١)، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد الله مُحَمَّدُ بن غَانِم الحَدَّادُ، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّحْمن بن مُحَمَّد بن إسْحاق، قال: أخْبَرَنا أبي، قال: أخْبَرَنا سَهْلُ بن السَّرِيّ، قال: أخْبَرَنا سَهْل بن شَاذَوَيْه (b)، عن عَبْد الله بن مُحَمَّد بن أبي بلج (c)، عن مُحَمَّد بن خَاقَان، عن هِشَام بن الكَلْبي، عن شَرْقيّ بن القُطَامِيِّ، عن مُدْلِج بن المِقْدَادِ العُذْرِيّ، عن أبيهِ، قال: وحَدَّثَني بَبعْضِه الحَارِث بن عَمْرو بن جُزَيّ، عن عَمِّه عُمَارَة بن جُزَيّ، قال: قال زِمْلُ بن عَمْرو: سَمِعْتُ صَوْتًا من صَنَم، ثُمَّ ذَكَرَ الحَدِيْثَ.
قال (٢): وأخْبَرَنا أبي، قال: وأخْبَرَنا مُحَمَّد بن عَبْد اللهِ بن دِيْنار، قال: حَّدَّثَنَا جَعْفَرُ بن مُحَمَّد بن سَوَّار، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن حَرْب، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّحْمن بن يَحْيَى العُذْرِيّ، عن أبي المنذِر - وهو هِشَام بن السَّائبِ - عن الشَّرْقيّ، عن مُدْلِج العُذْرِيّ، عن أبيه، ثُمَّ ذَكَرَ الحَدِيْث بطُولِه.
стр. 4877
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه توفيقي
أنْبَأنَا أبو حَفْص عُمَر بن مُحَمَّد بن طَبرزَد، قال: أخْبَرَنا أبو غَالِب أحْمَد بن الحَسَنِ بن البنَّاء إذْنًا، عن أبي مُحَمَّد الحَسَن بن عليّ الجوهَرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عُمَر بن حيَّوْيَه، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن مَعْرُوف، قال: حَدَّثَنَا الحُسَين بن فَهْم، قال: حَدَّثنا مُحَمَّد بن سَعْدٍ، قال: في الطَّبَقَةِ الرَّابِعة من بني عُذْرَة بن سَعْد بن زَيْد بن سُود بن أسْلَم بن الحْاف بن قُضاعَة: زِمْلُ بن عَمْرو بن العِتْر بن خَشَّاف بن خَدِيْج بن وَائِل بن حَارِثَة بن هِنْد بن حَرَام (a) بن ضِنَّة بن عَبْد (b) بن كَبِير (c) بن عُذْرة، وَفَدَ على النَّبي ﷺ ، وكَتَبَ لهُ كِتَابًا، وعَقَدَ له لِوَاءً، وشَهِدَ بلوَائهِ ذلك يَوْم صِفِّيْن مع مُعاويَةَ، من وَلده مُدْلِج بن المِقْدَاد بن زِمْل، كان شَرِيْفًا بالشَّام، وكانت عندَهُ آمنةُ أُخْت خَالِد بن عَبْدِ الله القَسْرِيّ.
أخْبَرَنا ابن طَبرزَد إذْنًا، عن أبي غَالِب بن البنَاء، عن عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد بن أحْمَد، قال: أخْبَرَنا عليّ بن عُمَر الدَّارَقُطْنِيّ، قال: زِمْل بن عرو بن العِتْر بن خَشَّاف بن خَدِيْج بن وَاثِلَة بن حَارِثَة بن هِنْد بن حَرَام (d) بن ضِنَّة العُذْرِيّ، وَفَدَ على النَّبي ﷺ ، وكَتَبَ لهُ كِتَابًا، وعَقَدَ له لِوَاءً، فشَهِدَ بلوَائهِ ذلك صِفِّيْن مع مُعاوِيَةَ، قال ذلكَ ابن الكَلْبيّ (١).
أنْبَأنَا سُليْمان بن الفَضْل، قال: أخْبَرَنا عليّ بن الحَسَن الحافِظ (٢)، قال:
стр. 4878
أخْبَرَنا أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن غَانِم، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّحْمن بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا أبي، قال: زِمْل بن عَمْرو العُذْرِيّ، وقيل: ابن رَبيعَة، ويقال: زُمَيْل بن عَمْرو مِن بني هِنْد بن حَرَامٍ (a)، أتَى النَّبي ﷺ وأخْبَره بصَوْتٍ سُمِعَ من صنم.
أخْبَرَنا أبو الفُتُوح نَصْرُ بن أبي الفَرَج الحُصْرِيّ، فيما كَتَبَ بهِ إلينا من مَكَّة، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو مُحَمَّد عَبْدُ الله بن مُحَمَّد بن عليّ الأَشيْرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الوَلِيد يُوسُف بن عَبْد العَزِيْز بن الدَّبَّاغ، قال: أخْبَرَنا أبَو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن عَبْد العَزِيْز بن ثَابِت، قال: أخْبَرَنا أبو عُمَر يُوسُف بن عَبْدِ الله بن عَبْد البَرّ النَّمرِيّ (١)، قال: زُمَيْل - ويُقال: زِمْل - ابن رَبيعَة الضِّنِّيّ ثُمَّ العُذْرِيّ، له خَبَرٌ في إعْلَام النُّبُوَّةِ من رِوَايَةِ أهْلِ الأخْبار، قَدِمَ على رسُول الله ﷺ ، وآمنَ به، وعَقَدَ له رسُولُ الله ﷺ لِوَاءً على قَوْمِهِ، وكَتَبَ له كِتَابا، ولَم يَزَل معه ذلك اللِّوَاءُ حتَّى شَهَدَ بهِ صِفِّيْن مع معاوِيَةَ، وقُتِلَ يَوْم مَرْج رَاهِط.
وقال ابنُ الكَلْبي (٢): هو زِمْلُ بن عَمْرو بن العِتْر (b) بن خَشَّاف بن خَدِيْج (c) بن وَاثِلَة بن حَارِثَة بن عَبْد بن حَرَام (d) بن ضِنَّة العُذْرِيّ. وذَكَرَ خَبَرهُ كما ذكَرنا سَواء، وكذلك ذكَرهُ الطَّبَريّ (٣) ومن كتابِهِ أخَذَهُ، واللهُ أعْلَمُ.
أنْبَأنَا أبو القَاسِم عَبْدُ الصَّمَد بن مُحَمَّد، عن أبي مُحَمَّد عَبْد الكَريم بن حَمْزَة السُّلمَيّ، عن أبي نَصْر بن مَاكُولا (٤)، قال: ومن ولد حَارِثَة بن هِنْد بن حَرَام (e) بن
стр. 4879
ضِنَّة: زِمْل بن عَمْرو بن العِتْر بن خَشَّاف بن خَدِيْج بن وَاثِلَة بن حَارِثَة بن هِنْد، وَفَدَ على النَّبي ﷺ ، وكَتَبَ لهُ كِتَابًا، وعَقَدَ لهُ لِوَاءً، وشَهِدَ بلوَائهِ صِفِّيْن مع مُعاوِيَةَ.
وقال (١): وأمَّا خَشَّاف - بفَتْح الخاء المُعْجَمة - زِمْلُ بن عَمْرو، وسَاقَ نَسَبَهُ كما تقدَّم، وشُهُوده صِفِّيْن. ثُمَّ قال: قال ذلك ابنُ الكَلْبي، والطَّبَريّ.
ثُمَّ قال (٢): وأمَّا عِتْر - بكَسْر العَيْن المُهْملَة وسُكُون التَّاءِ المعجَمة باثْنَتَيْن من فَوْقها - زِمْلُ بن عَمْرو بن العِتْر.
أخْبَرَنا أبو نَصر مُحَمَّد بن هِبَة الله الشِّيْرَازيّ، فيما أَذِنَ لَنا فيه، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن بن هِبَة الله (٣)، قال: زِمْلُ بن عَمْرو بن العِتْر (a) بن خَشَّاف بن خَدِيْج بن وَاثِلَة بن حَارِثَة بن هِنْد بن حَرَام (b) بن ضِنَّة (c) بن عَبْد بن كَبيْر (d) بن عُذْرَة، وقيل: زمْل بن ربيعَة، وقيل: زُمَيْل بن عَمْرو العُذْرِيّ، من بني هِنْد بن حَرَام (e)، له وِفَادَة على رسُول الله ﷺ ، وسَكَنَ الشَّامَ، رَوَى عَنْهُ ابنُه المِقْدَام (f) بن زِمْل، وكان عند مُعاوِيَة بدِمَشْق، واسْتَعْمَلهُ على شُرْطَته، وهو أحَدُ شُهُوده في التَّحْكِيْم، وَسَنَذْكُر ذلك في تَرْجَمَةِ نَاتِل بن قَيْس الجُذَامِيِّ (٤). وأقْطَعَهُ مُعاوِيَةُ دَارًا عند باب تُوْمَا، وشَهِدَ بيعَة مَرْوَان بن الحَكَمِ بالجابِيَة فيما ذَكَرَه البَلاذُرِيّ.
стр. 4880
وقال: أخْبَرَنا الحافِظ (١)، قال: أخْبَرَنا أبو غَالِب مُحَمَّد بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن عليّ بن أحْمَد، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن إسْحاق، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن عِمْران، قال: حَدَّثَنَا مُوسَى بن زَكَرِيَّاء، قال: حَدَّثَنَا خَلِيفَةُ بن خَيَّاطٍ (٢)، قال في تَسْمِيَةِ عُمَّال يَزِيِد بن مُعاوِيَة: وعلى خَاتمه زِمْل بن عَمْرو، قال: وفي سَنَة أرْبَعٍ وسِتِّين وَقْعَة مَرْج رَاهِط بالشَّامِ، قال أبو الحَسَن؛ يعني المَدَائِنِيّ: وقُتِلَ يَوْمئذٍ رَبِيْعَة بن عَمْرو الجُرَشِيّ، وزِمْل بن عَمْرو العُذْرِيّ.
زَنْكَل بن عليّ العُقَيْلِيُّ الرِّقِّيُّ (٣)
مولى لبني عُقَيْل، من أهْلِ الرَّقَّة، صَحِبَ عُمَر بن عَبْد العَزِيْز ووَزر له، وكان في صُحْبَتهِ بخُنَاصِرَة.
حَدَّثَ عن مُحَمَّد بن المُنْكَدِر، وأيُّوْب السَّخْتِيَانيّ، وأُمّ الدَّرْدَاءِ. رَوَى عنهُ جَعْفَرُ بن بُرْقَان، وأبو المُلَيْح الحَسَن بن عُمَر الرَّقِّيّ، وإسْحَاق بن نَجِيْح.
أخْبَرَنا أبو القَاسِم عبد الرَّحيم بن يُوسُف بن الطُّفَيْل بالقَاهِرَة بدَار الوِزَارَة، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد السِّلَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين المُبارَك بن عَبْد الجَبَّار الصَّيْرَفِيّ، قال: خَدَّثَنَا أبو عَبْد الله بن السَّلَمَاسِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو أحْمَد مُحَمَّد بن عَبْد الله بن أحْمَد بن القَاسِم بن جامِع الدَّهَّان، قال: حَدَّثَنَا أبو عِليّ مُحَمَّد بن سَعيد بن عبد الرَّحْمن القُشَيْريّ الحافِظ (٤)، قال: حَدَّثني جَعْفَر بن مُحَمَّد الخُرَاسَانيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو عليّ حَسَنُ بن أبي مَنْصُور الحِمْصِيّ، قال:
стр. 4881
حَدَّثَنا عَبْدُ الصَّمَد بن عَبْد الحَميْد بن مُحَمَّد بن عُمَر، قال: حَدَّثَنَا أبي، قال: حَدَّثَنَي سَلَمَة بن كُلْثُوم، عن جَعْفَر، عن زنْكَل، عن أَيُّوب السَّخْتِيَانيّ، عن شُعَيْب بن عَبْد الله بن عَمْرو بن العَاص، عن أَبِيهِ، عن جَدِّه (١)، قال: نَهَى رسُول الله ﷺ عن بَيْعِ السَّلَف (a)، وعن شَرْطين في بَيْعٍ، وعن بَيْعِ ما لم يمُلك، وعن ربْح ما لَم يُضْمَن.
وقال: وحَدَّثَثَا أبو عليّ القُشَيْريّ الحافِظ (٢)، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن الخَضِر بن عليّ، قال: حَدَّثَنَا ابن أبي أُسامَة، قال: حَدَّثَنَا أبي، عن جَعْفَر بن مُحَمَّد، عن زَنْكَل بن عليّ، قال: سَألْتُ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانيّ فقُلتُ: ما تَرَى فيمَن يُبَايع ويُقْرض؟ قال: سَمِعْتُ عَمْرو بن شُعَيْب يَذْكرُ حَدِيثًا يَرْفعُهُ، قال: نَهَى رسُول الله ﷺ عن سَلَفٍ وبَيْعٍ، وعن شَرْطين في بَيْع، وعن بَيْع ما لا يُمْلكُ، وعن رِبْح ما لا يُضْمَن.
وقال: حَدَّثَنَا أبو عليّ (٣)، قال: حَدَّثَنَا هِلال بن العَلَاء، قال: حَدَّثَنَا فِهْر (b)، قال: حَدَّثَنَا جَعْفَر بن بُرْقَان، عن زَنْكَل بن عليّ، عن مُحَمَّد بن المُنْكَدِر، قال: ما أسْكَرَ كَثِيْرُهُ فقليْلُهُ حَرَامٌ.
أنْبَأنَا أبو اليُمْن الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور بن زُرَيْق، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (٤)، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن أحْمَد بن رِزْق، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الله بن
стр. 4882
أحْمَد بن جَعْفَر النَّيْسَابُوريّ، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن مُحَمَّد بن عليّ بن رَزِيْن الهَرَويّ، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحيم بن حَبِيْب البَغْدَاديّ، قال: حَدَّثَنَا إسْحاق بن نَجِيْح المَلَطِيِّ، عن زَنْكَل بن عليّ السُّلَمِيّ (a)، عن أُمّ الدَّرْدَاء، عن أبي الدَّرْدَاء، قال: قال النَّبِيُّ ﷺ : ثلاثٌ لا يَتْركهنَّ العَرَبُ وهي بهم كُفْرٌ: الاسْتِسْقاء بالأنْوَاءِ، والطَّعْن في النَّسَب، والنَّوْح.
وبإسْنَادِه، قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ (١): إذا كَبَّر العَبْدُ سَرَت تَكْبيرتُهُ ما بين السَّماء والأرْض من شيء.
أخْبَرَنا أبو حَفْص عُمَر بن مُحَمَّد بن طَبَرْزَد إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن السَّمَرْقَنْديِّ إذْنًا أو سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن النَّقُّور، قال: أخْبَرَنا عِيسَى بن عليّ، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الله بن مُحَمَّد، قال: حَدَّثَنَا أبو سَعيد عِيْسَى بن سَالِم الشَّاشِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو المُلَيْح، عن زَنْكَل بن عليّ - قال أبو سَعِيد: زنْكَل بن عليّ وَزِير لعُمَر بن عَبْد العَزِيْز - قال: قال حُذَيْفَة بن اليَمَان: يا طَاعُون خُذْني إليك - ثلاث مَرَّاتٍ - قَبْل سَفْك دَم حَرَام، وقَبل جَوْر في الحُكْم، وإمارَة الصِّبْيَان، وكَثْرة الرِّئَاسَة.
أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن الطُّفَيْل، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر السِّلَفِيِّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن الطُّيُورِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو عَبْد الله بن السَّلَمَاسِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو أحْمَد بن عَبْد الله، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن سَعيد القُشَيْريّ الحافِظ (٢)، قال: الأعْشَى الشَّاعر الرَّقِّيّ، ذَكَرُوا أنَّهُ من وَلد زَنْكَل بن عليّ، زَنْكَلُ بن عليّ يتَوَلَّى بني عُقَيْل.
стр. 4883
أنْبَأنَا أبو نَصْرِ مُحَمَّد بن هِبَة الله، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن الدِّمَشقيّ (١)، قال: زَنْكَلُ بن عليّ العُقَيْلِيُّ الرَّقّيّ، كان من صَحَابِةِ عُمَر بن عَبْد العَزِيْز، حَدَّثَ عن مُحَمَّد بن المُنْكَدِر، وأيُّوْب السَّخْتِيَانيّ، وأمّ الدَّرْدَاءِ، رَوَى عنهُ أبو المُلَيْح الحَسَنُ بن عُمَر الرَّقِّيّ، وجَعْفَر بن بُرْقَان.
ذِكْرُ مَن اسْمُهُ زَنْكِي
زَنْكِي بن آقْ سُنْقُر، أبو المُظَفَّر التُّرْكِيّ (٢)
وقيل: آق سُنْقُر بن التُّرْغَان من قَبِيلَة سَاب يُوْ، وقيل إنَّ آقْ سُنْقُر كان مَمْلُوكًا للسُّلْطَان مَلِك شَاه، وقد ذَكَرنا ذلك في تَرْجَمَتِهِ (٣)، ويُعْرف زَنْكِي بأتَابك ابن قَسِيم الدَّوْلَة، لأنَّهُ كان عندَهُ وَلدان للسُّلْطَان مَحْمُود بالمَوْصِل يُرَبِّيهما.
стр. 4884
وكانَ مَوْلدُهُ بحَلَب في أيَّام وِلَايَة أبيهِ في سَنَة ثَمانين وأرْبَعِمائة، ورَبي بها، وكان في أوَّل أمْره مُضَافًا إلى آقْ سُنْقُر البُرْسُقِيّ، والبُرْسُقِيّ شِحْنَة بَغْدَاد، ووَلَّاهُ البَصْرَة، فلمَّا عُزِلَ البُرْسُقِيّ عن شِحْنَكِيَّة بَغْدَاد، فارَق البَصْرَة، وقَصَدَ السُّلْطان مَحْمُود بن مُحَمَّد بن مَلِكْشاه، فأكْرَمَهُ وأقْطَعَهُ البَصْرَةَ، وأعادَهُ إليها في سَنَة ثَمان عَشرة وخَمْسِمائَة، ثُمَّ تَرَقَّت به الحالُ إلى أنْ مَنَكَ المَوْصِل في سَنَة إحْدَى وعِشْرين وخَمْسمائة.
وكان خُتْلُغ آبَه بحَلَب، وأسَاءَ السِّيْرَة مع أهْلها، فحَصَرُوه، وبالمَدِينَة بَدْر الدَّوْلَة سُليْمان بن عَبْد الجَبَّار بن أُرْتُق، فأجْمَع رَأي خُتْلغُ آبَه وسُليْمان على أنْ سَارَا إلى أتَابِك زَنْكِي ويُحَكِّماهُ فيما يَفْعل، فلَم يُوقِّع لواحدٍ منهما بحَلَب، وتوجَّه إليها فقَدِمَها، وكان له أتْرَابٌ بحَلَب من الحَلَبِيِّيْن، قد تَرَبَّى بينهم، فكانُوا يَمِيلُون إليه لذلك، فسَلَّمُوا إلى نائبه حَلَب في شَهْر رَمَضَان سَنَة إحْدَى وعشْرين وخَمْسِمائَة، وتوجَّه إليها فتَسَلَّمها في سَنَة اثْنَتَيْن وعِشْرين وخَمْسِمائَة في جُمَادَى الآخرة.
وتوجَّه بعد ذلك إلى السُّلْطان مَحْمُود، وعاد في سَنَة ثَلاثٍ وعشرين ومعه تَوْقِيْع مُجَدَّدٌ بوِلَايَة الجَزِيرتَيْن والشَّام وحَلَب والشَّطِّ، ومَلَكَ حِمْصَ، وحَمَاة، وبَعْلَبَك، والرَّقَّة، ودَارَا، وحَرَّان، ورَأس عَيْن. واشْتَغَل بمُحَارَبةِ الفِرِنْج، ففَتَح من أيْدِيهم مَعَرَّة النُّعْمَان، وكَفَرْ طَاب، وبَارِين، والأثَارِب، وزَرَدْنَا، وتَلّ أعْذَى، وبُزَاعَا، وسَرُوْج، والرُّهَا.
وكان له أثر عَظِيم في نُصْرَة الإسْلَام، وكَفِّ عَاديةِ الفِرِنْج، ومَهَّدَ لمَن بعْدَه فَتْح البِلَادِ، بعد أنْ كان الفِرِنْج قد ضَايقوا مَدِينَة حَلَب واسْتَولَوا على حُصُوِنها، وأخَذُوا المُنَاصفَة من المُسْلمين إلى بابها، فأَغاثَهم الله بزَنْكِي وبوَلده من بَعْده.
стр. 4885
وكان زَنْكِي مَلِكًا عَظيْمًا، شُجَاعًا، جَبَّارًا، كَثِيْر العَظَمة والتَّجبُّر، وهو مع ذلك يُرَاعي أحْوَال الشَّرْع ويَنْقاد إليهِ، ويُكْرم أهْل العِلْم، وبَلَغَني أنَّهُ كان إذا قيل له: أمَا تَخَاف الله، خافَ من ذلك، ويتَصَاغَرُ في نَفْسه، فأظْهَر اللهُ تعالَى سرَّه المَحْمُود في وَلدِه مَحْمُود.
أنَبْأنَا أبو اليُمْن الكِنْدِيّ، عن الأُسْتَاذ أبي عَبْد الله مُحَمَّد بن عليّ العُظَيْميّ، ونَقَلْتُه من خَطِّ العُظَيْميّ (١)، قال في حَوَادِث سَنَة إحْدَى وعِشْرين وخَمْسِمائَة، قال بعد ذِكْر حِصَار الحَلَبِيِّيْنَ وبَدْر الدَّوْلَة ابن أُرْتُق وإبْراهيم ابن المَلِك رِضْوَان خُتْلُغ آبَه (٢) غُلَام السُّلْطان مَحْمُود: وطال الأمرُ على خُتْلُغ آبَه، وحَفَرُوا خَنْدَقًا حَوْل القَلْعَة، فكُلّما خَرَجَ منها رَجُل أو دَخَل إليها أُخِذَ إلى نصْف ذِي الحِجَّة، [و] وَصَلَ الأَمِير سُنْقُر دَراز (a)، والأَمِير حَسَن قَرَاقُش، وجَمَاعَة أُمَرَاء في عَسْكَرٍ قَوِيّ إلى باب حَلَب، واتَّفَق الأمرُ على أنْ يَسِيْر بَدْر الدَّوْلَة وخُتْلُغ آبَه إلى باب المَوْصِل إلى عِمَاد الدِّين قَسِيم الدَّوْلَة ابن قَسِيم الدَّوْلَة زَنْكِي بن آقْ سُنْقُر، إلى المَوْصِل، فلِمَنْ وَلَّى عَادَ إلى مَنْصِبهِ.
وأقَامَ بحَلَب الأَمِير حَسَن قَرَاقُش والرَّئِيس ابن بَدِيْع، فأصْلَح عِمَاد الدِّين بينهما، ولَم يُوقِّع لأحدٍ منهما، وطَمِع بمُلْك البَلَدِ، وسَيَّر سَريَّةً إلى حَلَب مع الأَمِير الحَاجِب صَلاح الدِّين العِمَادِيّ، فوَصَل إلى حَلَب، وأطْلعَ إلى القَلْعَة وَاليًا
стр. 4886
من قِبَلِه، ورتَّب الأُمُور، وجَرَت على يَده على السَّدَادِ، وهو الّذي تَوَلَّى إنْزَاله وإليهِ اطْمَأنَّ.
وقال العُظَيْميّ (١): سَنَة اثْنَتَيْن وعِشْرين وخَمْسِمائَة، في جُمَادَى الآخرة منها وَصَلَ الأَمِير عِمَاد الدِّين قَسِيم الدَّوْلَة أبو سَعيد زَنْكِي بن آقْ سُنْقُر قَسِيم الدَّوْلَة إلى حَلَب ومَلَكَها، وصَعدَ القَلْعَة، وباتَ بها، وعادَ إلى نُقْرَة بني أَسَد، وقبضَ على خُتْلُغُ آبَهْ، وحَمَلَهُ إلى حَلَب وسَلَّمَهُ إلى عَدُوِّه ابن بَدِيْع، فكحَلُوهُ بدَاره في النِّصْف من رَجَب.
وقال العُظَيْميّ (٢): وفي جُمَادَى الآخرة - يعني من سَنَة ثَلاثٍ وعشْرين وخَمْسِمائَة - عادَ الأَمِيرُ عِمَاد الدِّين قَسِيم الدَّوْلَة زنْكِي من عند السُّلْطان إلى المَوْصِلِ ومعه طُغْرَاء بَتْجدِيد الجَزِيرتَين والشَّام وحَلَب والشَّطِّ، وما اتَّصَل بذلك، بعدَما خَرَجَ عن يَده بالدَّرْكَاةِ مائة وعِشْرُون ألف دِيْنار.
قال (٣): وفي مُسْتَهَلّ رَجَب - يعني من سَنَة أرْبَعٍ وعشْرين - وَصَلَ عِمَاد الدِّين زَنْكِي بن آقْ سُنْقُر إلى أكْنَاف الفُرَات وفَتَح قَلْعَة السِّنِّ، وسَيَّر سَرِيَّة تقدَّمت مع الثَّقَل إلى باب حَلَب، ونهضَت الخَيْل أغارَت على بَلَد عَزاز، وعَاثُوا في بَلَدِ جُوسْلِين مُقابَلة (a) له على قَدِيم قَبِيْحَة في غَيْبَة الأَمِير قَسِيم الدَّوْلَةِ.
стр. 4887
ثمّ عَبَرَ الأَمِيرُ قَسيم الدَّوْلَة بتاريخ الأَحَدِ ثَامن عِشْرين رَجَب، فخيَّم بِظَاهِر حَلَب، وتكرَّرت الرُّسُل في الصُّلْح، فاصطَلحُوا مُدَّة سَنَة، وكان الأَمِيرُ قد رَعَى زَرْعَ الرُّهَا في طَرِيْقهِ، وظَفِرَ بالتُّرْكُمَان أيضًا وكَسَرَهُم.
قال (١): وفي هذه المُدَّة تزوَّج أتَابِك قَسِيم الدَّوْلَة بخَاتُون بنت المَلِك رِضْوَان، ودَخَلَ بها ليلَة الاثنين في عشْرين من شَعْبان.
قال (٢): وفي يَوْم الاثنين عَاشِر شَوَّال تَسلَّم أتَابِك عِمَاد الدِّين حَمَاة، وقبضَ على خَيْر خَان (a) صَاحِب حِمْص، وأنْهَبَ عَسْكَره وخَفَّ إلى حِمْص، فنَزَلَ رَبَضها، وطَلَب من أوْلادِ خَير خَان التَّسْلِيم، فامْتَنَعُوا، وشبَّت الحَرْبُ بينَهُم، وشُنِّع على الأَمِير أَطْسِيْس بن ترك (b) فقَتَلُوه، ورُميَ برَأسه، ونقبُوا القَلْعَة فبَطل النَّقْب، ونُصِبَت المَجَانِيْق فبطلَت، وطال الشَّرْح، وهَجَم الشِّتَاء، فعاد العَسْكَرُ إلى حَلَب ثاني ذِى الحِجَّة.
وقال (٣): فيها يَعنى - سَنَة خَمْسٍ وعِشْرين وخَمْسِمائَة - في المُحَرَّم، سار أتَابِك عِمَاد الدِّين مُشَرِّقًا يَوْم الخَمِيْس غُرَّته، وكان السُّلْطان مَحْمُّود شَتَّى ببَغْدَاد، فلمَّا كان في ثالث عَشر ربيع الآخر شَرَّق نحو أصْبَهَان، وبَلَغَهُ أنَّ أخاهُ بايَنَ بالعَدَاوَة، فردَّ أمْر العِرَاق إلى عِمَادِ الدِّين قَسِيم الدَّوْلَة زَنْكِي مُضَافًا إلى ما كان في يَدِه من
стр. 4888
الجَزِيْرَة والشَّام، هذا كُلُّه ودُبيس مُقيمٌ بفَم البَّرِّيةِ يتَواعَدُ بَغْدَاد بالَخرَاب، وبلغَ أتَابِك عِمَاد الدِّين وَفَاة السُّلْطان مَحْمُّود بن [مُحَمَّد] (a) وهو على القَرْيتَيْن، فسَارَ نحو المَوْصِل ليلَة الخَمِيْس سَادس عَشر شَوَّال ومعه دُبَيْس.
وكان لهذا السُّلْطانِ عند الأَمِير وَلدان؛ أحَدُهما الّذي كانت أُمُّهُ عند سُنْقُر البرسُقِيّ وماتَتْ، اسْمُه ألْب أَرَسْلَان أبو طَالِب، والآخر الّذي كان عند دُبيس، فبَعَثَ عِمَاد الدِّين يَسُوم المُسْترشِد أنْ يَخْطب لأبي طَالِب وَلد السُّلْطان، فاعْتَذَر المُسْترشِدُ إليه بأنَّهُ صَبيٌّ، وأنَّ المنقُول رَسْم لوَلدِه دَاوُد وهو بأصْبَهَان، وقد وَصَلَتْ رُسُل البِلادِ كُلها تقُول: اخْطُب لدَاوُد فنحنُ له طَائعُون، وأنا مُنْتَظرٌ جَوَاب كتاب سَنْجَر عَمّ القَوْمِ، وكان أتَابِك عِمَاد الدِّين قد أخَذَ خَبَر عَوْدةِ ابن الأنْبارِيّ رَسُول الخلَيفَة من دِمشْق؛ كان المُسْترشِد نفَّذَهُ في مَعْنَى دُبيس إلى تاج المُلُوك، فوجدَهُ قد صَار إلى عِمَاد الدِّين، فعاد وكانت في صُحْبَتهِ قَافِلَة عَظِيمَة فيها أمْوَالٌ، فبَعَثَ عِمَاد الدِّين إليهِ سريَّةً للقَبْض عليه، فقبضُوا عليه، ونَهَبُوا القَافِلَة في كيَادِ الخَلِيفَة، وفكّ القيُود عن دُبَيْس وخَلَعَ عليهِ، وحَمَل له من المالِ والجوهَر والخيْل والعُدَد ما لا حَدّ عليه، وخَرَجَ من الدَّار الّتي كان يشرب فيها وسَلَّمها إليهِ بآلاتها وكُلِّ ما فيها.
قُلتُ: وبعد ذلك وَصَلَ دَاوُد بن مَحْمُّود بن مُحَمَّد بن مَلِكْشاه إلى زَنْكِي، فأَخذَهُ وسَارَ بهِ إلى بَغْدَاد، وأنْزَله في دَار السَّلْطَنَة ببَغْدَاد، وزنْكِي في الجانب الغَرْبيِّ، والخَلِيفَةُ إذ ذاكَ الرَّاشِد بعد قتل المُسْترشِد، فوَصَلَ السُّلْطان مَسْعُود إلى بَغْدَاد فَحَصَرهم بها، فوقَع الوَبَاء في عَسْكَره، فسَار إلى أرْض وَاسِط ليعبُرَ إلى الجانِب الغَرْبيِّ، فاغْتَنَم زَنْكِي غَيبته، وسار إلى الموصِل، وسار داود إلى مرَاغة، وبلغ الخبر
стр. 4889
إلى السُّلْطان مَسْعُود، فعَاد فهَرَبَ الرَّاشِد ولَحِقَ أتَابِك زَنْكِي بالمَوْصِل، ودَخَلَ مسْعُود بَغْدَاد، فبايعَ مُحَمَّدًا المقتَفِي، وخُطِبَ له ببَغْدَاد وعْمَال السُّلْطان، وبَقِيت الخُطْبَةُ بالشَّام والمَوْصِل على حالها إلى أنْ اتَّفقَ زَنْكِي والسُّلْطان مَسْعُود واصْطَلَحا، وخُطِبَ بالشَّام والمَوْصِل للمُقْتَفِي ولمَسْعُود، وفارَق الرَّاشِدُ إذ ذاك زَنْكِي، وسار عن المَوْصِل إلى خُرَاسَان، وذلك في سَنَة إحْدَى وثَلاثين وخَمْسِمائَة.
قَرأتُ بخَطِّ القَاضِي بَهِاء الدِّين أبي مُحَمَّد الحَسَن بن إبْراهيم بن الخشَّاب، في تاريخ مُخْتَصَر عَمِلهُ أبو شُجاع مُحَمَّد بن عليّ بن شُعَيْب الفَرَضِيّ البَغْدَاذيّ المَعْرُوف بابن الدَّهَّان (١)، وذَكَرَ أنَّهُ نَقَلَهُ من خَطِّه، قال في حَوَادِث سَنَة إحْدَى وعشرِين: واتَّفَقَ الأمرُ على أنْ يَسِيْر بَدْرُ الدَّوْلَةِ وخُطْلُبَا إلى باب المَوْصِل إلى عِمَاد الدِّين زنْكِي، فلمنَ وَلّى عاد إلى مَنْصِبهِ، وأقَامَ بحَلَب الأَمِير قَرَاقُش والرَّئِيس فَضَائِل بن بَدِح، فأصْلَح عِمَاد الدِّين بينهما، ولَم يُوقِّع لأحدٍ منهما، وسيَّرَ سريَّةً إلى حَلَب صُحْبَة الحَاجِب صَلاح الدِّين العِمَادِيّ، فوَصَلَ إلى حَلَب وطَلعَ إلى القَلْعَة، وأقام فيها وَاليًا من جَانبهِ.
وقال: وفي هذه السَّنَة - يعني سَنَة اثْنَتَيْن وعِشْرين وخَمْسِمائَة - دَخَلَ عِمَاد الدِّين زَنْكِي بن آقْ سُنْقُر إلى حَلَب في يَوْم الاثْنين رَابع عَشر جُمَادَى الآخرة، والطَّالع السُّنْبُلة أرْبَع عَشرة دَرَجة، وطَالعُه الأصْليّ المِيَزان، كَذَا حَكَى لي البرهانُ (a)، وقبضَ على خُطْلُبَا وسَلَّمَهُ إلى ابن بَدِيْع فكحَلهُ في مُنْتَصَف رَجَب سَنَة [اثنتَيْن وعشرين] (b) وخَمْسِمائَة.
стр. 4890
قال: وانْحَازَ قاضِي القُضَاة الزَّيْنَبي إلى المَوْصِل في وِلَايَةِ الرَّاشِد والآن عاد وسَمِعَ البَيِّنَة في خَلْع الرَّاشِد، وانْضَافَ إلى الرَّاشِد لمَّا أصعَد إلى المَوْصِل أبو الفُتُوح الوَاعِظ الإسْفَرَايني وجَلَال الدِّين بن صَدَقَة الّذي كان وَزِيره، وقَوَام الدِّين بن صَدَقَة، وأكَابر بَيْت صَدَقَة، وحَصَل الجَمَاعَةُ عند زَنْكِي بالمَوْصِل.
ولمَّا اتَّفقَت الكَلِمَةُ على المقتَفِي لأمْر اللهِ وعلى السُّلْطان مَسْعُود، اسْتَشْعَر الرَّاشِد من زَنْكِي، وطلبَ منه أنْ يَعْبُر إلى الجانب الغَرْبيّ ليَمضِي إلى هَمَذَان، فمشَى بينَ يَدَيْهِ إلى أنْ حَصَل في الشَّبَّارَة وعَبَر، وتخلَّفَ عند زَنْكِي جَلَال الدَّوْلَة صَدَقَة وجَمَاعَة من بيتهِ.
وسَمِعْتُ قَوَام الدِّين [ابن] (a) صَدَقَة يَحْكي أنَّ الرَّاشِدَ لمَّا حَصَل على شَاطِئ دِجْلَة بالمَوْصِل يُريدُ العبُورَ وزنْكِي بينَ يَديْه، قال لأبي الرِّضَا بن صَدَقَة: أُريدُ أَقْتُل زَنْكِي، فقال أبو الرِّضَا لابن عَمِّه قَوَام الدِّين: قُل لزَنْكِي يُسْرِع خَطْوَهُ بحيث يبعُد عن الرَّاشِدِ، ففَعَل، وعرَف زَنْكِي ذلك لأبي الرِّضَا، فاسْتوْزرَهُ، ومَضَى الرَّاشِدُ إلى أصْفَهَان وصُحْبته أبو الفُتُوح الإسْفَرَايني، وأقام عليها إلى أنْ قُتِلَ.
وقال: في خَامِس عَشْريّ جُمَادَى الآخرة - يعني سَنَة تِسْعٍ وثَلاثين وخَمْسِمائَة - فَتَحَ زَنْكِي الرُّهَا؛ كان نَازِلًا على آمِد فكَتَبَ إليه رِئيسُ حَرَّان يُخْبره أنَّ صَاحِب الرُّهَا قد تَوجَّه إِلى الشَّام، فأغَذَّ زنْكِي السَّير حتَّى نَزَلَ على الرُّهَا، وحال بينها وبين صَاحِبها، وحاصرها أشَدّ الحِصَارِ، وفَتَحَها بالسَّيْف فغَنم المُسْلمُون منها.
قرأت في تاريخ أبي المحاسن بن سلامة بن الحرَّاني لحَرَّان، دَفَعهُ إليَّ الخَطِيبُ سَيْف الدِين أبو مُحَمَّد عبد الغنِي ابن شيخنا فَخْر الدِين أبي عبدِ الله مُحَمَّد بن
стр. 4891
الخَضِر بن تَيْمِيَّة، وذَكَرَ لي أنَّهُ نَقَلَهُ من خَطِّ شَيْخه المؤلِّف أبي المحاسِن، قال: وفي سَنَة تِسْعٍ وثَلاثين وخَمْسِمائَة نَزَل - يعني أَتَابِك زَنْكِي - على الرُّهَا وفيها الإفْرنج، فَحَصَرها وأخَذَها بالسَّيْفِ في يَوْم السَّبْت سادِس عَشر جُمَادَى الآخر، وكانت أيَّام الشِّتَاءِ والبرد، قال الشَّاعر: [من الوافر]
إذا كانَتْ جُمَادَى في جُمَادَى … فذَاكَ القُرُّ والبَرْدُ الشَّدِيدُ
ولمَّا فَتَحَها أوْصَى بأهْلها خَيْرًا، ولَم يَسْبِ أهْلها، ونَوَى عِمَارتها، ووجَدُوا على عِضَادةِ المحْرَاب مَكْتُوبًا (١): [من السرج]
أَصْبَحْتُ صِفْرًا من بني الأصْفَرِ … أخْتَال بالأعْلَام والمِنْبَرِ
دَان من المَعْرُوف حَالٍ بهِ … نَاءٍ عن الفَحْشَاءِ والمُنْكَرِ
مُطَهَّر الرّحْبِ على أنَّني … لولا جَمَالُ الدِّين لم أَطْهُرِ
فبَلغَ ذلك رَئيس حَرّان جَمال الدِّين فَضْلَ الله أبا المَعَالِي، فقال: امْحوا جَمال الدِّين واكْتُبُوا عِمَاد الدِّين، فبَلغَ ذلك أتَابك عِمَاد الدِّين، فقال: صَدَقَ الشَّاعِر، لولاك ما طَمعْنا فيها، وأمر عُمَّالَهُ إذا جاءت جَائِحَةٌ في الغَلَّةِ أنْ يأخذُوا الخَرَاج على قَدْرها، فكانُوا يأخذُون خَرَاجًا، وتارةً نصْف خَرَاج، وتارةً ثُلْث خرَاج، وتارةً رُبْعَ خَراج، وتارة لا يأخذُونَ شَيئًا إذا أمْحَلَت البِلادُ، وقسّمَ الماءَ الّذي لحَرَّان ثلاثة أقْسَامٍ: قسْمًا للسُّلْطَان، وقِسْمًا للشّنايات (a) وقسْمًا لآبَار حَرَّان ولخَنْدَق القَلْعَة.
فلمَّا أخَذَ الرُّهَا، نَزَلَ على البِيْرَة وفيها الإفْرنج، وذلك في سَنَة تِسْعٍ وثَلاثين
стр. 4892
وخَمْسِمائَة، وجاءه الخبرُ من المَوْصِل أنَّ نَصِيْر الدِّين نائبَهُ بالمَوْصِل قُتِلَ (١)، فخافَ عليها، وسار حتَّى دخَلَ المَوْصِل، وأخَذَ فرخَافشَاه ابن السُّلْطان الّذي قَتَلَ نَصِيْر الدِّين جَقَر بن يعْقُوب، فقتَلَه بدَم نَصِيْر الدِّين.
سَمِعْتُ شَيْخَنا قاضِي القُضَاةِ أبا المحاسِن يُوسُف بن رَافِع بن تَمِيْم، قاضي حَلَب، ﵀ يَقُول: كان عندنا بالمَوْصِل رَجُلٌ يُقال له مُولى يُؤذِّنُ بالمَدْرَسَة، وكان أشْقَر، شَكْلهُ شَكْل الأرْمَن، وكان جَهْوَريّ الصَّوْت، وكان له قَرْيَةٌ مَلَّكَهُ إيَّاها أتَابِك زَنكِي، فسَألتُهُ عن السَّبَب في تَمْليْكه القَرْيَة، فقال: إنِّي كُنْتُ مع أتَابِك لمَّا نَزَل مُحَاصِرًا للرُّهَا، فنَزلتُ إلى السُّوق واشْتَريْتُ لباسًا من لباسِ الأرْمَن، وتزيَّيْتُ في زيِّهِم، ووصَلْتُ إلى البَلَدِ لأنظُرَهُ وأكْشفَ حَالَهُ، فَجئْتُ إلى الجَامع فدَخَلْتُه ورَأيْتُ المَنَارَة، فقُلْتُ في نَفْسِي: أصْعَدُ إلى المَنَارَة وأُؤَذِّن وحتَّى يَجْري ما جَرَى! فصَعَدْتُ ونادَيْتُ: الله أكْبَر، الله أكْبر، وأذَّنْتُ والكُفَّار على الأسْوَار، فوَقَع الصِّيَاح في البَلَدِ: أنَّ المُسْلمِيْن قد هَجَمُوا البَلَدَ من الجِهَةِ الأُخْرى، فَتَرَك الكُفَّارُ القِتَال وَنزَلُوا عن السُّور، فصَعدَ المُسْلمُون وهَجَمُوا المَدِينَة، فأعْطَاني أتَابِكُ هذه القَرْيَة لذلك.
قَرَأتُ في تاريخ حَرَّان، جَمْعُ أبي المَحَاسِن بن سَلامَة الحَرَّانيّ، قال: حَدَّثَني أبي ﵀، قال: كان أتَابك زنْكِي بن قَسِيم الدَّوْلَة آقْ سُنْقُر ﵀ إذا رَكبَ مَشَى العَسْكَر خَلْفَه كأنَّهُم بين حَيْطَين مَخَافَة أنْ يَدُوسَ العَسْكَر شَيئًا من الزَّرْعِ، ولا يَجْسُر أحدٌ من هَيْبَته يَدُوس عِرْقًا من الزَّرْع، ولا يَمْشي فَرَسُه فيهِ، ولا يقدر أحدٌ من الأجْنَادِ يأخُذُ لفلَّاح عِلَاقَة تبْن إلَّا [بثَمنها] (a) أو بخَطٍّ من
стр. 4893
الدِّيْوَان إلى رَئيسِ القَرْيَة، وإنْ تعَدَّى أحدٌ صَلَبَه عليها، وكان إذا بَلَغهُ عن جُنْدِيٍ أنَّهُ تعدَّى على فلَّاحٍ قَطَع خُبْزَهُ وطَرَدهُ، حتَّى عمَّر البِلَاد بعد خَرَابها، وأحْسَن إلِى أهْلِ مَمْلَكَته، وكان لا يُبْقي على مُفْسِد، وأوْصَى وُلاتَهُ بأهْلِ حَرَّان وعُمَّاله، ونَهَى عن الكُلَف والمَغَارم والسُّخَر والتَّثْقِيل على الرَّعِيَّةِ، وأقام الحُدُودَ في بلادِهِ ﵁. هذا ما حَكَاهُ أبو المحاسِن عنه (a).
وسَمِعْتُ من جَمَاعَةٍ من فَلَّاحي حَلَب أنَّهُ كان عليهم منه جَوْر وظُلْم في أيَّام ولايته، وأكْثَر ما كان يُذْكر عنهُ من الظُّلْم ما يلزم النَّاس به من جَمْع الرَّجَّالَة للقِتَال والحِصَار، فإنْ كان ذلك في جِهاد الكُفَّار، فقد كان يجبُ عليهم ذلك، وله إلْزَامهم به، وبَلَغَني أنَّهُ كان لا يَتَجَاسَر أحدٌ من رَعيَّته كائنًا مَنْ كان أنْ يَظْلم أحدًا من خَلْقِ الله، ويقُول: لا يتَّفق ظالمِان، يعني نفسَهُ وغَيْره (b).
وبَلَغَني أنَّ أتَابِك زَنْكِي تَزَوَّج خَاتُون بنت المَلِك رِضْوَان [وبَني بها في] (c) دَيْر الزَّبِيْب خَارِج مَدِينَة حَلَب، وكان إذْ ذاك فيه بقايا عِمارَة، ودَامَتْ معه بحَلَبَ إلى أنْ دَخَل يوْمًا إلى الخِزَانَة بحَلَب [ليَعْتَبر] (d) ما فيها، فرَأى الكِبْر الّذي كان على أبيهِ آقْ سُنْقُر حين أسَرهُ تَاج الدَّوْلَة تُتُش وقَتَلَهُ بينَ يَدَيْه صَبْرًا، وهو مُلوَّث بالدَّم، فقيل له: هذا كِبْر أبيك الّذي قُتِلَ فيه، فانْزَعَج لذلك وَأخَذَهُ بيَده، ودَخَلَ على زَوْجته بنت المَلِك رِضْوَان، وألْقَى الكِبْر بينَ يديْها وهو مُضَمَّخٌ بالدَّم، وقال لها: أمَا هذا فعْل مَنْ لا ﵀؟ يعني: جَدَّها تَاج الدَّوْلَة تُتُش، ثمّ هَجَرها من ذلك اليَوْم، وانْقَطَعَ عن الدخُول إليها، ودَامَ على ذلك.
فَحدَّثني عَمِّي أبو غَانِم، عن أَبيِهِ أبي الفَضْل، قال: كان أتَابِك زَنْكِي
стр. 4894
مُتزوِّجًا بنت المَلِك رِضْوَان فهَجَرَها، وبَقىَ مُهاجِرًا لها مُدَّة من الزَّمان، فجاءت إلى وَالدِي القَاضِي أبي غَانِم وهو قاضي حَلَب إذ ذاك، وقالت له: أيُّها القَاضِي، قد جئتُكَ مُتَمسِّكةً بذَيْلك، ومُسْتَجيْرة بالشَّريْعَة المُطَهَّرة، فإنِّي مع أتَابِك لا أعْلَم حالي معه، أمُطَلَّقة أم مُعَلَّقة، وأنا مَهْجُورة من مُدَّة طَوِيلَة، فوَعَدها الاجْتِمَاع بهِ في ذلك، ثمّ صَعدَ إليهِ إلى القَلْعَة ولَقِيَهُ وهو رَاكبٌ على الباب، فقال له: يا مَوْلاي، قد جاءت إليَّ خَاتُون وذَكَرَت لي كَذَا وكذا، قال: فسَاقَ أتَابِك فَرَسَهُ ولَم يُجِبْهُ بشيءٍ، قال: فأمْسَك وَالدِي بلِجَام الدَّابَّة ومَنَعَهُ من المَسِيْر، وقال: يا مَوْلايّ، هذه الشَّريْعَة المُطَهَّرة لا يَنْبَغي الخُرُوج عنها، فقال أتَابِك: اشْهَد على أنَّها طالقٌ، قال: فأرْسَل وَالدِي حينئذٍ لِجَام الدَّابَّة من يَدِه، وقال: أمَّا السَّاعَة فنَعَم.
وسَمِعْتُ عَمِّي أبا غَانِم يَقُول: قال لي وَالدِي أبو الفَضْل: لمَّا مَاتَ أبي القَاضِي أبو غَانِم، وولَّاني أتَابِك زَنْكِي القُضَاءَ بعدَهُ على أهْلِ حَلَب وأعْمَالها، وأحْضَرَني مَجْلسَهُ، وقال لي: يا قَاضي، هذا أمرٌ قد نَزَعتُه من عُنُقي وقَلَّدتُكَ إيَّاهُ، فانْظُر كيف تكُون، واتَّق اللّه، سَاوِ بين الخَصْمَين هكذا؛ وجَمَع بين سَبَّابته ووُسْطاه، ولا تَمِل على أحد الخَصمَيْن، ولا تُحاب أحدًا، ومَنْ امْتَنَع عليك فها أنا من وَرَائك.
أخْبرَني أبو مُحَمَّد عَبْد اللَّطِيْف بن مُحَمَّد بن أبي الكَرَم بن المُعَلَّى السِّنْجَارِيّ، قال: أخْبَرَني أبي، قال: كان بالمَوْصِل رَجُلٌ من أهْلِ الصَّلَاح يُنْكر المُنْكَر أين رَآهُ، فإنْ رَأى خَمْرًا أرَاقهُ، أو رَأى جَنْكًا أو عُوْدًا كَسَرهُ، فيُضْرَب على ذلك، فيَجْلِس في بَيْته ويُدَاوي أثرَ الضَّرْب، ثمّ يَخْرُج، فإنْ رَأى مُنْكَرًا أنْكَرَهُ على عَادَته، فيُضْرب ضَرْبًا عَنِيفًا، فيَجْلِس في البيت على العَادَة ويُدَاوي نفسَهُ إلى أنْ يَبْرئ، ويَخْرُج ويُنْكِر على عَادَتِهِ.
فاتَّفقَ يَوْمًا من الأيَّامِ أنْ خَرَجَ فنَظَر إلى دِجْلَة، وزَنْكِي بن آقْ سُنْقُر رَاكبٌ في شَبَّارة وعندَهُ مُغَنِّية تُغَنِّي وهو يَشْرَبُ، وعنده جَمَاعَة، فنَزَع ذلك
стр. 4895
الرَّجُل ثِيَابَهُ وسَبَح وجاء إلى الشَّبَّارَة الّتي فيها زَنْكِيّ، فعَلَّق يَدهُ فيها ليَصْعَد، فقال بعضُ مَن مع زَنْكِي: أأضْربُ يَدَهُ بالسَّيْف؟ فقال: لا اتْركهُ، فتَعَلَّق وصَعدَ فجَلَس، فأشَارَ ذلك الشَّخْصُ إلى زَنْكِي: أأضْربه؟ فقال: لا اتْركهُ، فقَعَدَ في الشَّبَّارة وأخَذَ الجَنْكَ وقَطَعَ أوْتارَهُ، ثمّ أخَذَ الأقْدَاح وصَبَّها في دِجْلَة، وغَسَّلها بالماءِ، وتَرَكها في الشَّبَّارة، وألْقَى جَمِيع ما ثَمَّ مِن الخَمْر في الماء، وغَسَّل الآنيَة وتَرَكها، ثمّ مَدَّ يده إلى إزَار المُغَنِّية فأخَذَهُ وسَتَرَها به، ثمَّ ألْقَى بنفْسه في دِجْلَة وسَبَح وعَبَر، ولَم يُكَلِّمه زَنْكِي بكَلمة، وأمَّا زَنْكِي فإنَّهُ لمَّا سَبَح ذلك الرَّجُل وعَبَرَ، قال: نَرْجع ونَدْخُل إلى دُورنا، فليسَ لنا في هذا اليَوْم اشْتِغَالٌ بما كُنَّا فيه، وأمَرَ الملَّاحِيْن فأتَوا بالشَّبَّارَة إلى دَاره فنَزَلَ فيها.
قال: وأمَّا الرَّجُل الّذي كان يُنْكر [المُنْكَر] (a)، فكان بعد ذلك إذا أنْكَر المُنْكَر لا يَتَجاسَر أحدٌ على ضَرْبه، وإذا رَأوه مُقْبلًا ليُنْكر عليهم انْهزمُوا منه، واخْتَفوا من طَرِيقه، ولمَّا مَاتَ غُلِّقَت أسْوَاقُ المَوْصِل لحُضُور جنَازَته، ﵀.
أنْبَأنَا أبو المَحَاسِن سُليْمان بن الفَضْلِ بن سُلَيمان، قال: أخْبَرَنَا الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن الدِّمَشقيّ (١)، قال: زَنْكِي بن آقْ سُنْقُر، أبو المُظَفَّر التُّرْكِيّ المَعْرُوف بابنِ قَسِيم الدَّوْلَةِ، دَخَل دِمَشْقَ في صُحْبَةِ الأَمِير مَمْدُود (b) صَاحِب المَوْصِل الّذي قُتِلَ بدِمَشْق (c)، وكان من خَوَاصِّهِ، ثمّ تَرَقَّت بهِ الحالُ إلى أنْ مَلَك المَوْصِل وحَلَب وحَمَاة وحِمْصَ، وحَصَر دِمَشْقَ، ثُمَّ اسْتَقرَّت الحال على أنْ يُخْطب (d) له على مِنْبَرها، ومَلَك بَعْلَبَك وغيرها من بلَادِ الشَّام والجَزِيْرَة،
стр. 4896
واسْتَرْجَع عدَّةً من حُصُون الفِرِنْج وبلادِهم، مثل: المَعَرَّة، وكَفَرْ طَاب، وتَلِّ بَارِين، وفَتَحَ مَدِينَة الرُّهَا، وكان له أثرٌ حَسَنٌ في مُقَاومة مُتَمَلِّك الرُّوم لمَّا حَصَر شَيْزَر، وأسَر عدَّةً من أبْطَالِ العَدُوّ، وكان شَهْمًا صَارِمًا، قُتِلَ وهو مُحَاصِرٌ لقَلْعَة ابن مَالِك في سَنَة إحْدَى وأرْبَعين وخَمْسِمائَة [ودُفِنَ] (a) بالرَّقَّة، ﵀.
قَرَأتُ في تاريْخ أبي شُجاع مُحَمَّد بن عليّ بن الدَّهَّان الفَرَضِيّ (١)، في حَوَادِث سَنَة إحْدَى وأرْبَعين وخَمْسِمائَة، قال: وفي هذه السَّنَة قُتِلَ عِمَاد الدِّين زَنْكِي لَيْلَة الأَحَد سَادِس شَهْر رَبيع الآخر على قَلْعَة جَعْبَر، قَتَلَهُ خَادِمٌ له اسْمُه يَرَنْقُش، وانْهَزَم إلى قَلْعَة جَعْبَر.
قُلتُ: وفي تَعْليقي من الفَوَائِد أنَّ أتَابِك زَنْكل سارَ من الرُّهَا، ونَزَلَ على قلَعَة جَعْبَر بالمَرْج الشَّرْقيّ تحت القَلْعَة يَوْم الثّلاثَاء ثالث ذِي الحِجَّة من سَنَة أرْبَعيْن وخَمْسِمائَة، فأقامَ عليها إلى لَيْلَة الأَحَد سَادِس شَهْر رَبيع الآخر نصْف اللَّيْل من سَنَة إحْدَى وأرْبَعين وخَمْسِمائَة، فقَتَلَهُ يَرْنْقُش الخَادِم؛ كان تهَدَّدَهُ في النَّهَارِ، فخافَ منه، فقَتَلَهُ في اللَّيْلِ في فِرَاشهِ. وقيل: إنَّهُ شَرِبَ ونامَ فانْتَبَه فوَجَدَ يَرَنْقُش الخَادِمَ وجَمَاعَة من غِلْمَانه يَشْربُون فَضْل شَرَابه، فتوعَّدَهُم ونام، فأجْمَعُوا على قَتْله، فقَتَلَهُ يَرَنْقُش المَذْكُور.
سَمِعْتُ وَالدِيّ، ﵀، يَقُول: إنَّ حَارِس أتَابِك كان يَحْرسُه في اللَّيْلة الّتي قُتِلَ فيها بهذين البَيْتَيْن (٢): [من البسيط]
يا رَاقِدَ اللَّيْل مَسْرُورًا بأوَّلهِ … إنَّ الحَوَادِثَ قد يَطْرُقْنَ أسْحَارا
لا تأَمَننَّ بلَيْلٍ طابَ أوَّلُهُ … فرُبَّ آخر لَيْلٍ أجَّجَ النَّارَا
стр. 4897
قَرَأتُ في تاريْخ حَرَّان، تأليف أبي المَحَاسِن بن سَلامَة الحَرَّانيّ، قال: فلمَّا كان في سَنَة أرْبَعيْن وخَمْسِمائَة نَزَل - يعني أتَابِك زَنْكِي - على قَلْعَة جَعْبَر بالمَرْجِ الشَّرْقيّ تحت القَلْعَة يَوْم الثّلاثَاء ثالث ذِي الحِجَّة، فأقام عليها إلى لَيْلَة الأَحَد سَادِس رَبِيع الآخر نصْف اللَّيْل من سَنَة إحْدَى وأرْبعين وخَمْسِمائَة، فقَتَلَهُ يَرَنْقُش الخَادِم؛ كان تهَدَّدَهُ في النَّهَار، فخافَ منه، فقَتَلَهُ في اللَّيْل في فراشِهِ، وجاءَ إلى تحت القَلْعَة فنَادَى أهْلَ القَلْعَة: شِيْلُونيّ، فقد قَتَلْتُ السُّلْطانَ، فقالوا له: إذْهَبْ إلى لَعْنَة اللّه؛ قد قَتَلْتَ المُسْلمِيْن كُلَّهُم بقَتْله!.
وافْتَرَقت العَسَاكِرُ، فأخَذَ أوْلَادُ الدَّايَة نُور الدِّين مَحْمُود المَلِك العادِل ابن عِمَاد الدِّين زَنْكِي وطلبُوا حَلَب والشَّام فمَلَكها (a)، وسَارَ أجْنَادُ المَوْصِل بسَيْف الدِّين غَازِي إلى المَوْصِل وأعْمَالها فمَلَكَها ومَلَكَ الجَزِيْرَة، وبقي عِمَاد الدِّين أتَابِك زَنْكِي وَحْدَهُ، فخَرَج إليهِ أهْلُ الرَّافِقَة فغَسَّلُوه بقِحْفِ جرَّة، ودَفَنُوهُ على باب مَشْهَد الإمَام عليّ ﵇ في جِوَار الشُّهَدَاء من الصَّحَابَة، وبَني بنوه عليه قُبَّةً فهي باقية إلى الآن.
كذا قال أبو المَحَاسِن، وإنَّما دُفِنَ أوَّلًا دَاخِل مَشْهَد عليّ ﵁، قريبًا من الباب، ثمّ نُقِلَ من ذلك المَوضِع إلى جوار الشُّهَدَاء لِمَا نَذْكُره بعد هذا، وبَنى عليه وَلده نُور الدِّين مَحْمُود حائطًا يَقْصُر عن القامة، ولَم يُبْن عليه قُبَّة.
أخْبَرَني الأَمِير بَدْرَان ابن جَنَاح الدَّوْلَة حُسَيْن بن مَالِك بن سَالِم بن مَالِك العُقَيْلِيّ، قال: لمَّا طَالَ حِصَار أتَابِك زَنْكِي لعمِّي عليّ بن مَالِك على قَلْعَة (b) جَعْبَر، تقدَّم حَسَّان البَعْلَبَكِّيّ صَاحِب مَنْبِج إلى عمِّيّ، وقال له من تحت القَلْعَة: يا أمير عليّ، أيْشٍ بَقي يُخَلِّصُكَ من أتَابِك؟ فقال له: يا عَاقِل، يُخَلِّصُني الّذي خَلَّصَكَ من جُبِّ خَرْتَبِرْت، فذُبِحَ أتَابِكُ في تلك اللَّيْلة.
стр. 4898
وكان حَسَّان قد قَبَضَ عليه بَلَك بن بَهْرَامِ بن أُرْتُق، وطَلَبَ منه أنْ يُسَلِّم إليهِ مَنْبِج فلم يَفْعَل، فسَيَّرَهُ إلى خَرْتَبِرْت وحَبَسَهُ في جُبٍّ بها، وحَاصَر مَنْبِج، فجاءَهُ سَهْمٌ فقَتَلَهُ عليها وخلصَ حَسَّان، وعاد إلى مَنْبِج (١).
وقال لي بَدْرَان: ومن عَجِيْب ما اتَّفَق في حِصَار القَلْعَة ما حَكاهُ لي جَمَاعَةٌ من عَبِيْدنا وشُيُوخ أصْحَابنا أنَّ أَتَابِك زَنْكِي لمَّا قَصَدَ القَلْعَة وحَاصَرها، وبها عَمِّي عليٌّ، أقامَ [مُضَايقًا لها] (a) حتَّى عَدِمُوا الماءَ، فبَذَلَ له عَمِّي ثلاثين ألف دِيْنارٍ ليَرْحل عنها، فأجابَهُ إلى ذلك، ونَزَل رسُول عمِّي إليهِ وقد جَمَع الذَّهَبَ حتَّى قَلَع الحَلَق من آذانِ عَمَّاتي؛ أخَواته، على ما حَكَى لي المَشَايخُ.
قال: فلمَّا نَزَل الرَّسُول إليهِ، قال لبعض خَوَاصِّهِ: امْضِ بفَرَسه وقَرِّبه إلى قِدْر اليَخْنِيّ؛ فإنْ شَرِبَ منه فأعْلِمنيّ، قال: فمَضَى بهِ إلى قِدْر اليَخْنِي وجَعَلَ مَرَقَة اليَخْنِي بينَ يَدَيْهِ، فشَرِبَها الفَرَسُ، فأخْبَرهُ بذلك، فقال: إنَّ الماءَ عندَهُم قليل جدًّا، فقال للرَّسُول: ارْجع إليهم فلا سَبِيل إلى الصُّلْح إلَّا على القَلْعَة، فقال له الرَّسُول: لا تَفْعَل، فقال: قد فَعَلتُ وأنتُم فما بقي عندكم ماءٌ يَكْفيْكم، قال: فصَعدَ الرَّسُول إلى القَلْعَةِ، وأخْبر عمِّي بذلك، فأُسْقِطَ في يَده.
قال: وكان في القَلْعَة بقَرَةُ وَحْشٍ، وقد أجْهَدَها العَطَشُ، فصَعَدَت في دَرَجة المئْذَنة حتَّى عَلَتْ عليها، ورَفَعَتْ رَأسَها إلى السَّماءِ، وصَاحَت صَيْحَةً عَظِيمَة مَلأت الوَادِيّ، قال: فأرْسَل اللّه سُبْحَانهُ سَحَابةً ظلَّلَتْ القَلْعَةَ وأُمْطِرُوا حتَّى رَوُوا، ولمَّا كان عَشِيَّة ذلك اليَوْم، باتوا تلكَ اللَّيْلهَ فقُتِلَ أتَابِك في جَوْف اللَّيْل، وفَرَّج اللّه عنهم.
стр. 4899
قُلتُ: وكان القَاضِي أبو مُسْلم قاضي الرَّقَّة هو الّذي خَرَجَ من الرَّقَّة مع جَمَاعَةٍ من أهْلها، وتَوَلَّى تَجْهيز زَنْكِي ونَقْله إلى الرَّقَّة ودَفْنه، فكان ثَوَابه من نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي أنْ وَقَف عليه وعلى ذُرِّيَّته من بَعْدهْ قَرْيَة عَامِرة ببَلَدِ حَلَب.
أخْبَرَني شِهَاب الدِّين أبو عَبْد اللّه مُحَمَّد بن عليّ بن أبي مُسْلِم قاضي الرَّقَّة، بالرَّقَّة، قال: كان أتَابِك زَنْكِي حين قُتِلَ وحُمِلَ إلى الرَّقَّة قد دُفِنَ في مَشْهَد عليّ بن أبي طَالِب ﵇، داخل الباب على يَميْن الدَّاخِل، والمكان مَعْرُوف وأرَانيهِ حين حَكَى لي هذه الحِكَايَةَ، قال: وكان بالمَشْهَد قَيِّمٌ أعْجَميٌّ يُقال له: بِبْنَار، وكان رَجُلًا صَالِحًا، فاتَّفَقَ ليلَةَ النّصْف من شَعْبان أنْ رَأى في المَنَام كأنَّهُ خَرَجَ من البَلَدِ، وجاءَ إلى المشهَد، فرَأى على بابهِ ثلاثة أفْرَاسٍ يُمْسكُها عَبْدٌ أسْوَد، قال: فدَخَلْتُ المَشْهَد، فرَأيْتُ ثلاثة رجالٍ، فقُلتُ: مَنْ أنتُم؟ فقال أحدُهم: أنا عليّ بن أبي طَالِب وهذان الحَسَن والحُسَين، ثمّ سَألني عن القَبْر، فقُلْتُ: هذا قَبْر سُلْطانٍ عَظِيم، فقال لي: مَهْ! السُّلْطانُ العَظِيْمُ هو اللّهُ. فقُلْتُ: هذا قبر أتَابِك زَنْكِي الشَّهِيْد، فقال لي: تَمْضِي إلى وَلده مَحْمُود وتقُول له: نحنُ جَعَلنا هذا المكان مَعْبَدًا لَم نَجْعَله مَدْفنًا، فقُل له: يَنْقله من هَا هُنا، قال: ثمّ مَشَوا إلى المكان الّذي يُقال فيه الكَفُّ، ودَعَوا، ثمّ قال لي: يا بِبْنَار، أنتَ ما تقُول له، نحنُ نقُول له!
قال: فأصْبَح بِبْنَار ودَخَلَ إلى جَدِّي القَاضِي مُوَفَّق الدِّين أبي مُسْلِم، فحَكَى له ما رَأى وعنده جَمَاعَة، فأخَذَ جَدِّي وكَتَبَ كِتَابًا إلى نُور الدِّين مَحْمُود يُخْبره فيه بصُورة المَنَام، قال: فلَم يَصِل إليهِ الكتاب حتَّى سيَّر نُور الدِّين محمُود كِتَابًا إلى القَاضِي أبي مُسلم يقُول له: إنِّي رَأيتُ ليلَة نصْف شَعْبان عليّ بن أبي طَالِب ووَلديه الحَسَن والحُسَين ﵈، وقالوا لي: تَنْقُل أباك من المَشْهَد؛ فنحنُ جَعَلْناهُ مَعْبَدًا لَم نَجْعَله مَدْفنًا، وقد سَيَّرتُ إليك أرْبَعةَ آلاف قرْطِيْس فتَبْني بها تُرْبَةً مثل تُرَب الفُقَرَاءِ والمَسَاكِيْن، لا مثل تُرَب المُلُوك والسَّلَاطين، وتَنْقُله إليها، قال:
стр. 4900
فبَنى له حَظِيْرة مُخْتَصَرة بالقُرْبِ من باب المَشْهَد، ونَقَلَهُ إليها، ورَأيْتُها بالرَّقَّة، وهي قَصِيْرة البُنْيان.
سَمِعتُ قاضِي القُضَاة أبا المَحَاسِن يُوسُفَ بن رَافِع تَمِيْم يَقُول: قد رُؤي أتَابِك زَنْكِي بعدَ مَوْته في المَنَام، فقيل له: ما فَعَلَ اللّهُ بكَ؟ قال: غَفَرَ لي بفَتْحي الرُّهَا.
زَنْكِي بن مَوْدُود بن زَنْكِي بن آقْ سُنْقُر، أبو سَعيد المُلَقَّب عِمَاد الدِّين، صَاحِبُ سِنْجَار (١)
وهو حَفِيْد المُقَدَّم ذِكْره، ويُلَقَّب: المَلِك العادِل.
وكان عَادِلًا يَمِيْل إلى الدِّين وأهْله، وكان أخُوه عِزّ الدِّين مَسْعُود بن مَوْدُود بعدَ مَوْت المَلِك الصَّالِح ابن عَمّه قد مَلَك حَلَب، فسَيَّرَ إليهِ عِمَاد الدِّين زَنْكل وقال: كيف تَخْتصّ أنْتَ ببلاد عمِّي وابْنه وأمْوَاله، وأنا لا أصْبِرُ على ذلك، وطَلَب منه حَلَب، ويَدْفع إليهِ سنْجَار عِوَضًا عنها، فأجابَهُ إلى ذلك، وأخَذَ جميع ما كان بحَلَب من الأمْوَال والذَّخَائِر، واتَّفقا على تَسْلِيم حَلَب إلى زَنْكِيّ، وتَسْليم سِنْجَار إلى عِزّ الدِّين.
стр. 4901
فسَيَّرَ عِمَاد الدِّين زَنْكِي وَلده قُطْب الدِّين إلى حَلَب فتَسَلَّمها، ثمّ وَرَد بعده بأهْله وأمْوَاله وزَوْجَته بنت عمِّه نُور الدِّين وأجْنَاده، ووَصَلَ إلى حَلَب على البَرِّيَّة من جِهَة الأحَصِّ، والْتَقاه أكَابِرُ الحَلَبِيِّيْن، وصَعدَ إلى قَلْعَة حَلَب في ثالث عَشر المُحَرَّم من سَنَة ثَمانٍ وسَبْعِين وخَمْسِمائَة، وقيل: في مُسْتَهَلِّه.
ووَصَلَ المَلِك النَّاصر صَلاح الدِّين يُوسُف بن أَيُّوبَ إلى حَلَب، ونَزَل عليها ثلاثة أيَّام، فقال له زَنْكِي: مُرْ إلى سِنْجَار وافْتَحها وادْفَعِها إليَّ وأنا أدْفعَ إليك حَلَب، فرَحَل المَلِك النَّاصر عن حَلَب ومَضَى إلى المَوْصِلِ، ثمّ رَحَلَ عنها إلى سِنْجَار، وفَتَحها في ثَاني عَشر شَعْبان من السَّنَة وعاد عنها، وعَزَم على مُنَازلة حَلَب.
وبَلَغ عِمَاد الدِّين زَنْكِي ذلك فخرَّب عَزَاز وِحِصْن بُزَاعَا وحِصْن بَالِس وحِصْنِ كَفر لَاثَا بعد أخْذه من بكْمش (١)، وأخَذَ رهائن الحلبِيِّيْن خَوْفًا من تَسْليم البَلَد، ونَزَل المَلِكُ النَّاصِر على حَلَب وَقْت الضُّحَى من يَوْم السَّبْت لأرْبَع بَقِينَ من المحرَّم من سَنَة تِسْعٍ وسَبْعِين وخَمْسِمائَة، وأقام عليها شَهْرًا يَجِدُّ في القِتَال، فرَأى عِمَاد الدِّين زَنْكِي أنَّهُ لا طَاقة له به، وأنَّ أخاهُ عِزّ الدِّين قد جَعَلها خاليةً من الأمْوَال والذَّخَائِر، فأحْضَر إليهِ الأَمِير طُمَان، واتَّفَق معه على أنْ يَخْرُج في السِّرِّ ليلًا، ويتحدَّث في تَقْرير الأمْر بينهما على تَسْليم حَلَب وأعْمَالها إلى المَلِك النَّاصِر، وأنْ يُعوِّضَهُ عنها بسِنْجَار ونَصِيبِيْن والخَابُور والرَّقَّة وسَرُوْج، وأنْ تكُون بُصْرَى لطُمَان، ويكُون في خِدْمَةِ زَنْكِي، وكَتَم ذلك عن الحَلَبِيِّيْن والأجْنَاد، وكان يَخْرُج إلى إصْطَبْله ودَاره بالحَاضِر ويُظْهِر أنَّهُ يخرج لحِفْظِ أَخْشَابَه بَهْما، ويَجْتِمع بالسُّلْطان إلى أنْ قرَّر ما قرَّرَهُ، ولَم يَشْعُر أحدٌ من الجانبين إلَّا وأعْلَامُه قد رُفِعت على قَلْعَة حَلَب، واسْتَقَرَّ الأمرُ على إجْرَاء الأُمَرَاء وأعْيَان المَدِينَة على عَادَتهم في مَعَايشهم وأمْلَاكهم.
стр. 4902
وكان الحَلَبِيُّونَ يَجِدُّون في قِتَال عَسْكَر المَلِك، ويَخْرُج منهم في كُلِّ يَوْم عَشرة آلاف مُقَاتِل أو أَكْثَر يَجِدُّون في القِتَال، فخَافُوا على أنْفُسهم لِمَا تكرَّر منهم في قِتَال المَلِك النَّاصِر مَرَّةً بعد أُخرى: في أيَّام المَلِك الصَّالِح إسْمَاعِيْل بن نور الدِّين، وفي أيَّام عِمَاد الدِّين زَنْكِيّ، وصَرَّح العَوَامُّ بسَبِّه، ونَزَل عِمَاد الدِّين زَنْكِي من قَلْعَة حَلَب يَوْم الخَمِيْس ثالث وعشْرِين من صَفَر من سَنَة تِسْعٍ وسَبْعِين وخَمْسِمائَة، ورَتَّب فيها طُمَان إلى أنْ يتَسَلَّم نُوَّاب عِمَاد الدِّين ما اعْتَاض به عن حَلَب واسْتَنابه في بَيْع جميع ما كان في قَلْعَة حَلَب حتَّى باع الأغْلَاقَ والخَوَابِيّ، واشْترَى المَلِك النَّاصِر منها شيئًا كَثِيْرًا، ونَزَل عِمَاد الدِّين في ذلك اليَوْم إلى السُّلْطان المَلِك النَّاصِر، وعَمِلَ المَلِكُ له وَلِيْمَةً واحْتَفَل، وقدَّم لعِمَاد الدِّين أشْيَاء فَاخِرة من الخَيْل والعُدَد والمَتَاع الفَاخِر، وسارَ عِمَاد الدِّين نحو بلاده حتَّى نزَل مَرْج قَرَاحِصَار، وسارَ المَلِكُ النَّاصِر وشَيَّعَهُ ورَجَع.
سَمِعْتُ عمِّي أبا المَعَالِي عبد الصَّمَد بن هِبَةِ اللّه بن أبي جَرَادَة (١)، قال: نَقَلَ عِزُّ الدِّين صَاحِب المَوْصِل من حَلَب، حين مَلَكَها، جميعَ ما في قَلْعَة حَلَب من الذَّخَائِر والسِّلاح والأمْوَال إلى الرَّقَّة، وصَانَع عِمَاد الدِّين على أنْ يأخُذَ منه سِنْجَار وأعْطاهُ حَلَب، فقَدِمَ عِمَاد الدِّين إلى حَلَب مُجِدًّا في السَّير على البَرِّيَّةِ.
قال لي عَمِّي: فخَرَجْتُ أنا ووَالدك والْتَقَيْناهُ، وقد قَدِمَ من نَاحيةِ الأحَصِّ، ودَخَلَ حَلَب، وأقامَ بها فلَم يَجِد في قَلْعتها من الذَّخَائِر والأمْوَال إلَّا القليل، فبَلغَ المَلِك النَّاصِر، فقال: أخَذْنا واللّه حَلَب، وكان لمَّا بَلَغَهُ تَسلُّم عِزّ الدِّين حَلَب قال: خَرَجَت حَلَب من أيْدِينا! فقيل له: كيفَ قُلْتَ في عِزّ الدِّين لمَّا أخَذَها: خَرَجَت حَلَب عن أيْدِينا، وقُلْتَ في عِمَاد الدِّين: أخَذْنا حَلَب؟! فقال: لأنَّ عِزَّ الدِّين مَلِكٌ صَاحِب رجالٍ ومال، وعِمَاد الدِّين لا رجَال ولا مَال.
стр. 4903
وجاءَ المَلِك النَّاصِر ونازَلَ حَلَب، فقال له عِمَاد الدِّين: امْضِ إلى سِنْجَار وخُذْها وأنا أدْفَع إليك حَلَب وتُعْطِيني سِنْجَارِ، فرَحَلَ عنها المَلِكُ النَّاصِر بعَسَاكِره ونَازَل سِنْجَار وفَتَحَها، وعاد المَلِكُ النَّاصِر، ونَزَلَ على حَلَب وبها الأُمَرَاءُ اليَارُوْقِيَّة في قُوَّتهم وعُدَّتهم، فسَعَى الأَمِير طُمَان بين عِمَاد الدِّين والمَلِك النَّاصِر وصَالحَهُ على أنْ يُعْطِيه سنْجَار ويأخُذ حَلَب، ولَم يَعْلَم أحدٌ من الأُمَرَاءَ وأهْل البَلَد إلَّا وأعْلَام المَلِك النَّاصِر على قَلْعَة حَلَب، فشَقّ عليهم ذلك، وجَرَى على اليَارُوْقِيَّة أمرٌ عَظِيم، وخَافُوا على أخْبَازهم، وكذلك على أهْلِ البَلَدِ؛ لأنَّ المَلِك النَّاصِر كان قد حَاصَرها في أيَّام المَلِك الصَّالِح ورَأى من قِتَالهم ونُصْحهم ما لم يُشَاهده من غيرهم، وصَعدَ الرَّئِيس بحَلَب مُقَدَّم الأَحْدَاث إلى عِمَاد الدِّين ووَبَّخَهُ على ذلك، فقال له وهو في القَلْعَة: لَم نَخْرُج منها بعدُ فما فات شيء، فاسْتَهْزَأ به الرَّئِيس، وجَمَعَ له الحَلَبِيُّيونَ والأجْنَاد إجَّانَات الغَسَّالين إلى تحت القَلْعَة يُشِيْرون بذلك إلى أنَّه يُغْسل فيها كالمَخَانِيْث، وعَمِلَ عَوَام حَلَبَ فيه شِعْرًا مَلْحُونًا من نَظْم العامَّة الجُهَّال، وكانوا يُغَنُّون بها، ويَدُقُّون على طَبْل لهم منها (١):
يا حْبَابْ قَلْبي لا تلُومُوْني … هذا عِمَادُ الدِّين مَجْنُونِ
قايَضْ بسِنْجَارْ لقَلْعَةْ حَلَبْ … وزَادَهُ المَوْلَى نَصِيبِيْن
قال: وضَرَب آخر من العَوَامّ السَّفِلَة على طَبْلِهِ، وقال مُشِيْرًا إلى عِمَاد الدِّين (٢): [من المتقارب]
وبِعْتَ بسِنْجَارْ قَلْعَةْ حَلَبْ … عَدِمْتُكَ من بَايِعٍ مُشْتَري
خَريْتَ على حَلَبٍ خَرْيةً … نسخْتَ بها خَرْيَةَ الأشْعَرِي
стр. 4904
وقَرأتُ بخَطِّ أبي غَالِب عَبْد الوَاحِد بن الحُصَيْن، فيما كَتَبَهُ بخَطِّه، عن القَاضِي الفَاضِل عبد الرَّحيم بن عليّ في دُسْتُوره الّذي جَعَلَهُ تَاريْخًا للمَاجَرَايَات (١) في كُلِّ يَوْمٍ، بعضُه بخَطِّ الفَاضِل وبعضُه بخَطِّ [ابن] (a) الحُصَيْن، قال: يَوْم الجُمُعَة سَابِع عَشر صَفَر - يعني من سَنَة تِسْعٍ وسَبْعِين وخَمْسِمائَة - في لَيْلَته خَرَجَ الحُسَام طُمَان، واجْتَمَع بالسُّلْطان، وتقرَّر الأمْرُ في تَسْليم حَلَب إلى السُّلْطان وقَلْعتها، وأخْذِ العَوَض عنها سِنْجَار، ونَصِيبِيْن، والخَابُور، والرَّقَّة، وسَرُوْج، وعَقَدَ المُصَافاة مع العِمَاد على المُسَاعدة في الغَزْو بَعْسَكرِ سَرُوْج والرَّقَّة متى اسْتُدْعوا للجِهَادِ، وأنْ يُسَاعِد بنفْسهِ وباقي رجالهِ متى خفَّ رِكَابه لذلك، وأنْ يُتابع السُّلْطِان في حَالَتَي سِلْمهِ وحَرْبهِ، ويُخْلِص في طَاعته في بُعْدِه وقُرْبهِ، وحُرِّرت من الجانبَيْن نُسْخَة يَمِين يُسْتَحلف بأَحديْهما العِمَاد ويَحْلف هو بالأُخْرى.
وقال: خَرَجَ في آخر نَهار هذا اليَوْم حُسَام الدِّين طُمَان وجُورْديك وجَمَاعَةٌ من أُمَرَاءَ اليَارُوْقِيَّةِ، وحَضَرُوا خِدْمَة السُّلْطان المَلِك النَّاصِر، ولخصَّوا من نُسْخَة اليَمِيْن فُصُولًا مختَصَرةً اسْتَوْفَوا أقْسَام الحِلْفِ بها على السُّلْطان، وباتُوا تلك اللَّيْلة بالمُعَسْكر التَّقَوِيّ خَوفًا من تَشْغِيب العَوَامّ.
стр. 4905
وقال: يَوْم السَّبْت ثامن عَشر صَفَر، خَرَج الأُمَرَاءُ الحَلَبِيُّونَ كافَّة من اليَارُوْقِيَّة والمَمَالِيْك النُّوريَّة وحَضَرُوا خِدْمَة السُّلْطان، وجاء أعْيَانُ المَدِينَة وبياضُها، وشَمِلَهُم إنْعَام السُّلْطان في رَدِّ الأَمْلَاك على أرْبَابها، وإقْرَار الأجْنَادِ على مَعَايشهم وإقْطَاعاتِهم، وإجْرَاء الرَّعَايا على عَوَائدِهم.
وقال؛ يعني في هذا اليَوْم: أعْلَن أهْلُ حَلَب بسَبِّ عِمَاد الدِّين زَنْكِي بن مَوْدُود، وذَمِّه وتَسْخِيف رَأيه، ووَصْف ذُلِّهِ وجُبْنه فيما اعْتَمده من السِّلْم والتَّسْلِيم حتَّى حَمَلُوا إلى باب القَلْعَة مِغزَلًا وقُطْنًا وإجَّانَة، يَعْنُونَ: إنَّكَ شَأنك شَأن النِّسَاء من الغَزْلِ والغَسْل.
وقال: يَوْم الأَحَد تاسع عَشر صَفَر، خَرَجَ في أوَّله الأُمَرَاءُ الحَلَبِيُّونَ إلى الخِدْمَة بأَسْرهم، وسَارُوا في الخِدْمَة إلى الميدَان الأخْضَر، وفُتِحَت أبْوَاب حَلَب بأسَرها، وجَلَسَ أهْلها في مَعَايشهم.
وقال؛ يعني في هذا اليَوْم: أنْعَم السُّلْطانُ على ابْنَة نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي زَوجة عِماد الدِّين زَنْكِي بن مَوْدُود بإقْطَاعٍ من أعْمَال حَلَب، وعِبْرته في كُلِّ سَنَة عشرُون ألف دِيْنارٍ.
وقال: يَوْم الخَمِيْس ثالث عَشْرِيّ صَفَر، خَرَجَ عِمَاد الدِّين زَنْكِي بن مَوْدُود من قَلْعَة حَلَب، ورَكب السُّلْطان فتَلَقَّاهُ واعْتَنَقا رَاكبَيْن، وتَسَايرا، فلَّمَا قَارَبا مُخَيَّم السُّلْطان تقدَّم عِمَاد الدِّين أمَامَهُ، فترجَّل عن فَرَسهِ قَرِيب أطْنَاب الدِّهْلِيْز حيث يَنْزل الأُمَرَاء في خِدْمَة السُّلْطان، فأمْسَكَ السُّلْطانُ رأس فَرَسه حتَّى دَخَل عِمَاد الدِّين إلى دِهْلِيْز سُرَادِقه ثمّ سَارَ السُّلْطانُ ونَزَلَ حيثُ جَرَت عَادَتُه ودَخَلَ، وفُرِشَ تحت قَدَمي عِمَاد الدِّين عِدَّة ثِيَاب أَطْلَس.