على رَأس أرْبَعيْنْ، فأقامَ بمَكَّة عَشرًا وبالمَدِينَة عَشرًا، وتُوفِّيَ وهو ابنُ ستِّين (a) سَنَةً، وليسَ في رَأسِه ولِحْيَته عشرُون شَعرةً بَيْضاء.
أخْبَرَنا أبو القَاسِم عبدُ الرَّحيم بن يُوسُف الدِّمَشقيّ بالقَاهِرَة، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد الحافِظ الأصْبَهَانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين المُبارَكُ بن عَبْد الجَبَّار الصَّيْرَفِيّ، قال: أخْبَرَنا الحُسَين بن جَعْفَر، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بن عَبْدِ الله الدَّهَّانُ، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو عليّ مُحَمَّد بن سَعيد بن عبد الرَّحْمن القُشَيْريّ (١)، قال: حَدَّثَنَا هِلالُ بن العَلَاء، قال: حَدَّثَنَا عَمْرو بنُ عُثْمان، قال: حَدَّثَنَا مُوسَى بنُ أَعْيَن، قال: حَدَّثَنَا سَابِقٌ أبو سعيد -قال عَمْرو: وكان إمام الرَّقَّة قَبْل أجْلَح- عن العَلَاء بن عبد الرَّحْمن، عن أَبِيهِ، عن أبي هُرَيْرَة (٢): أنَّ رسُول اللهِ ﷺ ، قال: إذا ماتَ الإنسْانُ انْقَطعَ عَمَلُهُ إلَّا من ثلاثٍ: إلَّا من الصَّدَقَة، وعِلْمٍ يُنْتَفَعُ بهِ، ووَلَدٍ صالحٍ يَدْعُو له.
أنْبَأنَا أبو حَفْصٍ عُمَر بن مُحَمَّد المُؤدِّب، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم إسْمَاعِيْل بن أحْمَد بن السَّمَرْقَنْديّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد بن أبي عُثْمان، وعَاصِم بن الحَسَن، قالا: أخْبَرَنا القَاضِي أبو القَاسِم الحَسَنُ بن الحُسَين بن عليّ بن المُنْذِر، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ بن صَفْوَان، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر بن أبي الدُّنْيا (٣)، قال:
стр. 5182
حَدَّثَنَا رَبَاح (a) بن الجَرَّاح، قال: حَدَّثَنَا سَابِق بن عَبْدِ الله -وكان من البَكَّائِيْنَ- عن أبي خَلَفٍ، عن أنَس بن مَالِك (١)، قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : إذا مُدِحَ الفَاسِقُ غَضِبَ الله .
أنْبَأنَا أبو عَبْد الله الحُسَين بن عُمَر بن بَاز، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الحَقّ بن عَبْد الخَالِق، قال: أخْبَرَنا أبو الغَنائِم بن النَّرْسِيّ، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الوَهَّاب بن مُحَمَّد أبو أحْمَد الغُنْدجَانِيّ، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن عَبْدَان، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن سَهْل، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل البُخاريّ (٢)، قال: سَابِق البَرْبَرِيّ رَوَى عنهُ الأوْزَاعِيّ مُرْسَل، يُعَدُّ في الشَّامِيِّيْن.
أنْبَأنَا عُمَر بن طَبَرْزَد، عن أبي الفَضْل بن نَاصِر، عن جَعْفَر بن يَحْيَى، قال: أخْبَرَنا أبو نَصْر الوَائِلِيّ، قال: أخْبَرَنا الخَصِيْبُ بن عَبْد الله، قال: أخْبَرَني عَبْدُ الكَريم بن أبي عبد الرَّحْمن النَّسَوِيّ، قال: أَخْبَرَني أبي، قال: أبو سَعِيْد سَابِق البَرْبَرِيّ. وقال في مَوضِعٍ آخر: أبو عَبْد الله سَابِق البَرْبَرِيّ.
أخْبَرَنا أبو القَاسِم عبد الرَّحيم بن يُوسُف بن الطُّفَيْل بالقَاهِرَة، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد الحافِظ، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن الطُّيُورِيّ، قال: أخْبَرَنا الحُسَينُ بن جَعْفَر، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن عَبْد الله الدَّهَّان، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو عليّ القُشَيْريّ (٣)، قال: سَمِعْتُ إبْراهيم بن أحْمَد بن عَبْد الكَريم
стр. 5183
الحَرَّانيّ ابن أبي حُمَيْد يَقُول: سَألتُ مُحَمَّد بن سُلَيمان عن سَابِق البَرْبَرِيّ فقال: هذا كان قَاضِيًا بالرَّقَّة.
وقال: أخْبَرَنا الحافِظُ القُشَيْريّ (١)، قال: سَابِق بن عَبْد الله الرَّقِّيّ، يُكْنَى أبا سعيدٍ، حَدَّثَ عنهُ من أَهْلِ حَرَّان عُثْمان بن عبد الرَّحْمن الطَّرَائِفِيّ، قال: حَدَّثَنَا سَابِق البَرْبَرِيّ، وحَدَّثَ عنهُ مُحَمَّد بن سُلَيمان بن أبي دَاوُد، وحَدَّثَ عنهُ عُبَيْد الله بن يَزِيد بن إبْراهيم أبو ابنِ القُرْدُوَانيّ، وحَدَّثَ عنهُ مُحَمَّد بن يَزِيد (a) بن سِنَان الرُّهَاوِيّ نُسْخةً عن أبي حَنِيْفَة، وحَدَّثَ عنهُ شُجاع بن الوَلِيد فقال: حَدَّثَنَا أبو سَعيد الجَزَرِيّ.
أنْبَأنَا أبو اليُمْن الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو البَرَكَات بن المُبارَك، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا ثَابِت بن بُنْدَار، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن عليّ بن يَعْقُوب، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن أحْمَد بن مُحَمَّد، قال: حَدَّثَنَا الأحْوَصُ بن المُفَضَّلِ بن غَسَّان، قال: أبو زَكَرِيَّاء، سَابِق البَرْبَرِيّ، مَوْلَى عُمَر بن عَبْد العَزِيْز.
أنْبَأنَا أبو الفَضْل عَبْد الوَاحِد بن هَاشِم، قال: أخْبَرَنا أبو الفَرَج مَسْعُود بن الحَسَن الثَّقَفِيّ في كتابهِ، عن أبي عَمْرو بن مَنْدَة (b)، قال: أخْبَرَنا حَمْدُ بن عَبْد الله، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد بن أبي حَاتِم (٢)، قال: سَابِق البَرْبَرِيّ، رَوَى عن مَكْحُول، رَوَى عنهُ الأوْزَاعِيّ، سَمِعْتُ أبي يَقُول ذلك.
قال أبو مُحَمَّد بن أبي حَاتِم بعدَهُ (٣): سَابِق الرَّقِّيّ، رَوَى عن العَلَاء بن عبد الرَّحْمن، وخُصَيْف، وأبي خَلَفَ، رَوَى عنهُ مُوسَى بن أَعْيَن، والمُعَافَى بن عِمْران المَوْصِلِيّ، وعُثْمان بن عبد الرَّحْمن الطَّرَائِفِيّ، سَمِعْتُ أبي يَقُول ذلك.
стр. 5184
هكذا فرَّق أبو مُحَمَّد بينهما وهُما واحدٌ، وقد صرَّح عُثْمان بن عبد الرَّحْمن الطَّرَائِفِيّ، فيما حَكَاهُ الحافِظ أبو عليّ القُشَيْريّ (١) عنه، فقال: حَدَّثَنَا سَابِق البَرْبَرِيّ. وأبو مُحَمَّد جَعَل الّذي يَرْوي عنه الطَّرَائِفِيّ غير البَرْبَرِيّ وهو وَهْمٌ، وقد تابعَهُ أبو أحْمَد بن عَدِيّ (٢) فأشَار إلى الفَرْق بينهما بطَرِيق الظَّنّ.
أنْبَأنَا أبو مُحَمَّد عَبْد البَرّ بن الحَسَن العَطَّار، قال: أخْبَرَنا أبو المَحَاسِن البَرْمَكِيّ، قال: أخْبَرَنا إسْمَاعِيْل بن مَسْعَدَة، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم السَّهْمِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو أحْمَد عَبْد الله بن عَدِيّ (٣)، قال: سَابِق بن عَبْدِ الله الرَّقِّيّ، يُكْنَى أبا عَبْد الله، ويُقال: أبو سَعِيد، ويُقال: أبو المُهاجِر. أخْبَرَنا أبو يَعْلَى، ومُحَمَّد بن الحَسَن بن بَدِيْنَاء، وجَعْفَر بن مُحَمَّد بن دُبَيْس، ومُحَمَّد بن أحْمَد البُوْرَانيّ، قالُوا: حَدَّثَنَا رَبَاح (a) بن الجَرَّاح بن عَبَّاد أبو الوَلِيد المَوْصِلِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو عَبْد الله سَابِق بن عَبْد الله، عن أبي خَلَف خَادِم أنَس، عن أنَسٍ (٤)، قال: قال النَّبِيُّ ﷺ : إذا مُدِحَ الفَاسِقُ اهْتَزَّ العَرْشُ، وغَضِبَ منهُ الرَّبُّ .
وقال ابنُ عَدِيّ (٥): حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيْز بن سُفْيان (b) المَوْصِلِيّ قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن شُبَّان (c) المَوْصِلِيّ، قال: حَدَّثَنَا سَابِق بن عَبْدِ الله الحَجَّام، عن أبي خَلَف، عن أنَس، قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : إذا مُدِحَ الفَاسِقُ اهْتَزَّ العَرْشُ وغضِبَ منهُ الرَّبُّ.
وقال (٦): أخْبرناهُ ابنُ بَدِيْنَاء، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن عَبْدِ الله بن عَمَّار، قال: حَدَّثَنَا مُعَافَى، عن سَابِق، عن أبي خَلَفٍ، عن أنَس، عن النَّبِيّ ﷺ نَحْوَهُ.
стр. 5185
وقال ابنُ عَدِيّ (١): وهذا يُعْرَفُ بسَابِق هذا، عن أبي خَلَف، عن أنَس.
وقال (٢): حَدَّثَنَا عليّ بن الحَسَن (a) بن سُلَيمان، قال: حَدَّثَنَا أبو حُمَيْد (b) مُحَمَّد بن يُوسُف، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عِيسَى، قال: حَدَّثَنَا سَابِق أبو سَعيد، عن رَبِيْعَة، عن أنَس (c) وأبي سَلَمَة أنَّهُما سَمِعَا أنَسًا (d) يَقُول: بُعِثَ رسُول اللهِ ﷺ على رَأس أرْبَعيْن؛ الحَدِيْث.
قال (٣): وحَدَّثَنَا مُحَمَّد بن سَعيد الحَرَّانيّ، عن مُحَمَّد بن عُبَيْد الله القَرْدُوَانِيّ، عن أَبِيهِ، عن سَابِق بنُسَخة مِقْدَار ثلاثين حَدِيثًا.
وقال (٤): حَدَّثَنا عَبْدُ الله بن مُحَمَّد الحَرَّانيّ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ القَرْدُوانِيّ، قال: حَدَّثَني أبي، قال: حَدَّثَنَا سَابِق بن عَبْدِ الله الرَّقِّيّ، وكُنْيَتُهُ أبو المُهاجِر.
قال ابنُ عَدِيّ (٥): أَظُنُّ أنّ سَابِق صَاحِب حَدِيث: إذا مُدِحَ الفَاسِقُ، ليسَ هو الرَّقِّيّ (e)؛ لأنَّ للرَّقِّيّ أحَادِيْث مُسْتَقِيْمة عن مُطَرِّف وأبي حَنِيْفَة، وكان يَرْوي عن غيرهما (f)، فلا أدْرِي سَابِق هذا الّذي ذُكِرَ في هذه النُّسْخَة هو الّذي رَوَى حَدِيث: إذا مُدِحَ الفَاسِق، أو غيره، واللهُ أعْلَمُ. وسَابِق الّذي يُذْكَر هو غير ما ذَكَرت، وهو سَابِق البَرْبَرِيّ إنَّما له كَلَامٌ في الحِكْمَة والزُّهْد وغيره.
أنْبَأنَا أبو نَصْر بن الشِّيْرَازيّ، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم الدِّمَشقيّ (٦) قال بعد ذِكْر كَلَام ابن عَدِىَّ هذا: قُلتُ: هُما واحدٌ.
стр. 5186
قُلْتُ: وقَوْل ابن عَدِيّ: إنَّما له كَلام في الحِكْمَة والزُّهْد، يَعْني: سَابِق البَرْبَرِيّ ليس كما زَعَم بل له رِوَايَة، فإنَّ الحَدِيْث الّذي افْتَتَحنا به هذه التَّرْجَمَة قال فيه الرَّاوِي عنه، وهو مُحَمَّد بن سُلَيمان بن أبي دَاوُد القُرَشِيّ: حَدَّثَنَا سَابِق البَرْبَرِيّ، وقال الحافِظُ أبو عليّ القُشَيْريّ، فيما حَكَاهُ عن عُثْمان بن عبد الرّحْمن الطَّرَائِفِيّ، قال: حَدَّثَنَا سَابِق البَرْبَرِيّ. وفيما أوْرَدناهُ من كَلامِه وكَلَام غيره كِفَايَة في الدّلَالة على أنَّهما واحد.
أنْبَأنَا ابن طَبَرْزَد، عن ابن السَّمَرْقَنْديّ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر مُحَمَّد بن أحْمَد، قال: أخْبَرَنا هِبَة الله بن إبْراهيم بن عُمَر، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن أحْمَد بن حَمَّاد (١)، قال: أبو سَعيد سَابِق البَرْبَرِيّ.
أخْبَرَنا أبو حَفْص عُمَر بن عليّ بن قُشَام، فيما أَذِنَ لنا في روَايَته عنْهُ، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو العَلَاء الحَسَن بن أحْمَد في كتابهِ، قال: أخْبَرَنا أبو جَعْفَر مُحَمَّد بن أبي عليّ الهَمَذَانيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الصَّفَّار، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر بن مَنْجُوَيْه، قال: أخْبَرَنا الحَاكِم أبو أحْمَد الحافِظ، قال: أبو سَعيد سَابِق بن عَبْد الله البَرْبَرِيّ، إمام مَسْجِد الرَّقَّة وقَاضِي أهْلها. سَمِعَ أبا عُثْمان رَبِيْعَة بن أبي عبد الرَّحْمن التَّيْمِيّ، وأبا شِبْل العَلَاء بن عبد الرَّحْمن بن يَعْقُوب الحُرَقيّ. رَوَى عنهُ أبو عُمَر عبد الرَّحْمن بن عَمْرو الأوْزَاعِيّ، وأبو عَبْد الله مُحَمَّد بن سُلَيمان بن أبي دَاوُد الحَرَّانيّ، يُعَدُّ في الشَّامِيِّيْن.
هكذا قال: يُعَدُّ في الشَّامِيّين، وتابَع في هذا القَوْل أبا عَبْد الله مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل البُخاريّ (٢)؛ وإنَّما قالا ذلك لأنَّهُ أقام بالشَّام كَثِيْرًا، وكان انْقَطَع إلى
стр. 5187
عُمَر بن عَبْد العَزِيْز، وله معه أخْبَار، وغَزَا في أيَّام سُليْمان بن عَبْد المَلِك، وكان يكُون بِدَابِق.
قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (١)، قال: سَابِق بن عَبْد اللهِ الرَّقِّيّ المَعْرُوف بالبَرْبَرِيّ يُكْنَى أبا سَعِيد. حَدَّث عن عَمْرو بن أبي عَمْرو، والعَلَاء بن عبد الرَّحْمن، ومُطَرِّف بن طَرِيف، وعَاصِم بن كُلَيْب، وَيَزِيْد بن خَصَفَة، وإسْمَاعِيْل بن أُمَيَّة، وإسْمَاعِيْل بن أبي خَالِد، وعَمْرو بن يَحْيَى المَازِنِيّ، وعليّ بن بَذِيْمَة، وخُصَيْف بن عبد الرَّحْمن، وأبي حَنِيْفَة الفَقِيه. رَوَى عنهُ مُوسَى بن أَعْيَن، وأبو بَدْر شُجاع بن الوَلِيد، وعُثْمان بن عبد الرَّحْمن الطَّرَائِفِيّ، وغيرهم.
وقال أبو بَكْر الخطيبُ (٢): أخْبَرَنا أحْمَد بن أبي جَعْفَر القَطِيْعِيّ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن عَبْدِ الله بن مُحَمَّد الشَّيْبَانِيّ، دال: حَدَّثَنا عَبْدُ الله بن سَعْد بن يَحْيَى القَاضِي الكُرَيْزِيّ، قال: حَدَّثَنَا الفَتْح بن سَلُوْمَة، قال: حَدَّثَنَا فِهْر بن بِشْر الدَّامَانيّ (a)، قال: حَدَّثَني سَابِق أبو سَعيد البَرْبَرِيّ، إمامنا بالرَّقَّة، قال: حَدَّثَنَا عَمْرو أبو يَحْيَى بن عُمَارَة المَازِنِيّ بحَدِيثٍ ذَكَرهُ.
стр. 5188
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَبِهِ تَوْفِيقِي
أخْبَرَنا أبو القَاسِم عبْدُ الصَّمَد بن مُحَمَّد، فيما أَذِنَ لنا في روَايَته عنْهُ، عن أبي مُحَمَّد عَبْد الكَريم بن حَمْزَة السُّلمِيِّ، عن أبي نَصْر بن هِبَة الله بن مَاكُولا (١)، قال: سَابِق بن عَبْد الله (a)، أبو سَعيد المَعْرُوف بالبَرْبَرِيّ، حَدَّثَ عن عَمْرو بن أبي عَمْرو، والعَلَاء بن عبد الرَّحْمن، ومُطَرِّف بن طَرِيف، وعَاصِم بن كُلَيَب، وَيَزيْد بن خَصَفَة (b)، وأبي حَنِيْفَة النُّعْمان بن ثَابِت، وإسْمَاعِيْل بن أُمَيَّة، وإسْمَاعِيْل بن أبي خَالِد. رَوَى عنهُ مُوسَى بن أَعْيَن، وشُجاع بن الوَلِيد، وعُثْمان بن عبد الرَّحْمن الطَّرَائِفِيّ، وغيره.
أخْبَرَنا تَاج الأُمَناء أبو الفَضْل أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن الحَسَن في كتابهِ، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (٢)، قال: سَابِقُ بن عَبْدِ الله، أبو سَعيْد - ويُقال: أبو أُمَيَّة، ويُقال: أبو المُهاجِر- الرَّقِّيّ المَعْرُوف بالبرَبَرِيّ، الشَّاعِر، قَدِمَ على عُمَر بن عَبْد العَزِيْز، وأنْشَدَهُ أشْعَارًا في الزُّهْدِ.
رَوَى عن (c) رَبِيْعَة بن [أبي] (d) عبد الرَّحْمن، ودَاوُد بن أبي هِنْد، ومَكْحُول، وشُعْبَة، وعبد الله بن سَعيد بن أبي هِنْد، ومُطَرِّف بن طَرِيف، والعَلَاء بن عبد الرَّحْمن، وعَمْرو بن أبي عَمْرو، وعَاصِم بن كُلَيْب (e)، وَيَزيْد بن
стр. 5189
خَصَفَة (a)، وإسْمَاعيْل بن أُمَيَّة، وإسْمَاعِيْل بن أبي خَالِد، وعليّ بن بَذِيْمَة، وعبد الله بن سَعيد بن أَبي هِنْد (b) .
رَوَى عنهُ الأوْزَاعِيِّ، ومُحَمَّد بن يَزِيْد بن سِنَان الرُّهَاوِيّ، وعُبيد الله بن يَزِيْد القَرْدُوانيّ، ومُحَمَّد بن سُلَيمان بن أبي دَاوُد (c) ، وأبو بَدْر شُجاع بن الوَلِيدِ السَّكُونِيّ، ومُوسَى بن أَعْيَن، وعُثْمان بن عبد الرَّحْمن الطَّرَائِفِيّ، وفِهْر بن بِشْرٍ الدَّامَانيّ، والمُعَافَى بن عِمْران، ورَبَاح (d) بن الجَرَّاح المَوْصِلِيَّان.
أنْبَأنَا أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن، عن أبي مُحَمَّد الجَوْهَرِي، قال: أجَازَ لنا أبو عُبيد الله مُحَمَّد بن عِمْران بن مُوسىَ المَرْزُبانيّ، قال: سَابِق البَرْبَرِيّ، مَوْلَى الوَلِيد، يُكْنَى أبا عَبْد الله، ويُقال: أبو أُمَيَّة، أحَدُ الزُّهَّاد المَشْهُورين، وله مع عُمَر بن عَبْد العَزِيْز أخْبَارٌ، وهو القَائلُ (١): [من الطويل]
وللمَوْت تَغْذُو الوَالِداتُ سِخَالَها … كما لخَرَاب الدَّهْر تُبْنى المَنَازِل (e)
وله (٢): [من البسيط]
أمْوَالنُا لذَوي المِيْرَاث نجَمعُها … ودُوْرنا لخَرَابِ الدَّهْر نَبْنِيها
والنَّفْسُ تكْلَفُ بالدُّنْيا وقد عَلِمَتْ … أنَّ السَّلامَة منها تَرْكَ ما فيها
وله (٣): [من الطويل]
وكائن تَرَى من صَامِتٍ لكَ مُعْجب … زيادَتُه أو نَقْصُه في التَّكَلُّمِ
стр. 5190
وله (١): [من الطويل]
يُخَادِعُ ريْب الدَّهْر عن نَفْسه الفَتَى … سَفَاهًا وريبُ الدَّهْر عنها يُخَادِعُه
ويَطْمَعُ في سَوْفٍ ويَهْلك دُوْنَها … وكم من حَرِيْصٍ أهْلَكته مَطَامِعُه
أنْبَأنَا أبو حَفْصٍ عُمَر بن مُحَمَّد بن طَبَرْزَد، عن أبي غَالِب بن البَنَّاء، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن الآبنُوسِيّ، قال: أخْبَرَنا إبْراهيم بن مُحَمَّد، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بنُ سُفْيان، قال: حَدَّثَنَا سَعِيد بن رَحْمَة، قال: سَمِعْتُ ابنَ المُبارَك، عن الأوْزَاعيِّ، عن سَابِق البَرْبَرِيّ، قال: كَتَبَ مَكْحُول إلى حَسَن البَصْرِيّ فجاءَنا كِتابهُ ونحنُ بدَابِق: في الرَّجُل يَطْلُب عَدُوَّهُ وهم مَنْهزمُون، فحضَرت الصَّلاة، أَيُصَلِّي على ظَهْر فَرَسهِ؟ قال: بل يَنْزِل فيَسْتَقْبل القِبْلَة، وإنْ كان عَدُوُّهم يَطْلُبهم فليُصَلِّ على ظَهْرفَرَسه إيْماءً.
أخْبَرَنا أبو القَاسِم عبد الرَّحيم بن يُوسُف بن هبَةِ الله بن الطُّفَيْل، قِرَاءةً عليهِ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد الأصبَهَانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين المبُارَك بنُ عَبْد الحبار الصَّيْرَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد الله الحُسَينُ بن جَعْفَر بن السَّلَمَاسِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو أحْمَد مُحَمَّد بن عَبْد الله بن أحْمَد الدَّهَّان، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ مُحَمَّدُ بن سَعيد بن عبد الرَّحْمن (٢)، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن عُثْمان النُّفَيْلِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو مُسْهِر، قال: حَدَّثَنَا أبو كَامِل مَوْلَى الغَاز بن رَبِيْعَة، قال: سَمِعْتُ سَابِقًا البَرْبَريَّ ينشدُ مَكْحُولًا، وهو في الغَزْوِ (٣): [من الرجز]
يا نَفْسُ كُلُّ قَابرٍ مَقْبورُ … ويَهْلِكُ الزَّائِرُ والمَزُورُ
стр. 5191
ويَقبِضُ العَارِيَةَ المُعِيْرُ
ليسَ على صَرْفِ الدَّوَا (a) عُمُورُ
كَمْ مِن غَنِيٍّ مُكْثِرٍ فَقِيْرُ
حتَّى انْتَهى إلى قَوْلهِ:
والصّدْقُ برٌّ والتُّقَى نَظِيْرُ
والبِرُّ مَعْرُوفٌ بهِ المبْرُورُ
وذُو الهَوَى يَسُوقُهُ المَقْدُورُ
فقال مَكْحُولٌ: لا (١).
أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن عَبْد الله بن عُلْوَان الأسَدِيّ، قِراءَةً عليهِ وأنا أسْمَعُ بحَلَب، قال: أخْبَرَنا أبو عبد الرَّحْمن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمن الخَطِيبُ، ح.
وأخْبَرَنا عليّ بنُ عَبْد المنعم بن عليّ المَنْبِجِيّ ثُمَّ الحَلَبِيّ بها، قال: أخْبَرَنا يُوسُف بن آدم المَرَاغِي، قال: أنْبَأنَا أبو بكرٍ مُحَمَّد بن منصور بن مُحَمَّد السَّمْعَانيّ، قال: أخْبَرَنا الشَّيْخُ أبَو مُحَمَّد جَعْفَر بن أبي طَالِب، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ بن شَاذَان، قال: أخْبَرَنا أبو جَعْفَر بن بُرَيْه، قال: حَدَّثنا ابنُ أبي الدُّنْيا (٢)، قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بن الحُسَين، قال: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بن الوَلِيدِ الحَنْظَلِيّ، قال: سَمِعْتُ عُمَر بن ذَرّ يَذْكُر أنَّهُ بلَغَهُ عن مَيْمُون بن مِهْرَان أنَّهُ قال: دَخَلْتُ على عُمَر بن عَبْد العَزِيْز يَوْمًا وعندَهُ
стр. 5192
سابِق البَرْبَرِي الشاعِر، وهو يُنْشِدُهُ شِعْرًا، فانْتَهَى في شِعره إلى هذه الأبْيَات (١): [من الطويل]
وكم من صَحيْح باتَ للمَوْت آمِنًا … أَتَتْهُ المَنَايا بَغْتَةً بَعْدَما هَجَعْ
فلم يَسْتَطِع إذ جَاءَهُ المَوْتُ بَغْتَةً … فِرَارًا ولا منْه بقُوَّتِهِ امْتِنعَ
فأصْبَحَ تَبْكيهِ النِّسَاءُ مُقَنَّعًا … ولا يَسْمَعُ الدَّاعِي وإنْ صَوْتَهُ رَفَع
وقُرِّب من لَحْد فصَار مَقِيْلَهُ … وفَارَق ما قد كان بالأمْسِ قد جَمع
فلا يَتْركُ المَوْتُ الغَنِيّ لمَالِهِ … ولا مُعْدَمًا في المالِ ذا حَاجَةٍ يَدَع
فلم يَزَل يَبْكي ويَضْطَرب حتَّى غُشِي (a) عليه.
أخْبَرَنا أبو بَكْر عَتِيق بن أبي الفَضْل السَّلمَانيّ، قِراءَةً عليهِ وأنا أسْمَعُ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (٢)، ح.
وحَدَّثَنَا أبو الحَسَن مُحَمَّد بنُ أحْمَد بن عليّ من لفظه، قال: أنْبَأنَا أبو المَعَالِي عَبْدُ الله بن عبد الرَّحْمن، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن إبْراهيم العَلَويّ، قال: أخْبَرَنا رَشَاء بن نَظِيف، قال: أخْبرنا الحَسَن بن إسْمَاعِيْل بن مُحَمَّد، ح.
وأخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْد الغَنِيّ بن سُلَيمان بن بَنِيْن، قال: أخبَرنا أبو عَبْدِ الله مُحَمَّد بن حَمْد الأرْتاحِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن الحسُين الفَرَّاء إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْد العَزِيْز بن الحَسَن بن إسْمَاعِيْل الضَّرَّاب، قال: أخْبَرَنا أبي، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن مَرْوَان (٣)، قال: أنْشدَنا إسْمَاعِيْلُ بن إسْحَاق السَّرَّاج، قال: أنْشَدَني أبو زَيْدٍ النُّمَيْرِيُّ لسابِق (٤): [من الطويل]
стр. 5193
وكم من صَحِيْح باتَ للمَوْتِ آمِنَا … أتَتْهُ المنَايا بَغْتَةً بعدَما هَجَعْ
فلم يستَطع إذْ جَاءَهُ المَوْتُ بَغْتَةً … فِرَارًا ولا منهُ بقُوَّته امْتَنَع
وأصْبَح تَبْكِيْهِ النِّسَاءُ مُقَنَّعًا … ولا يَسْمَع الدَّاعِي وإنْ صَوْتَهُ رَفَع
وقُرِّب من لَحْدٍ فصارَ مَقِيْلَهُ … وفَارَق ما قد كان بالأمْسِ قد جَمِع
ولا يَتْرُك المَوْتُ الغِنيَّ لمَالِهِ … ولا مُعْدَمًا في المال ذا حَاجَةٍ يَدع
أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل الهاشمىِّ، قِراءَةً عليهِ وأنا أسْمَعُ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور، قال: أخْبَرَنا خلِيفَة بن مَحْفُوظ المُؤدِّب بالأنْبَار، في الرِّحْلَة الأُوْلَى إليها، قال: حَدَّثنا أبو طَاهِر مُحَمَّد بن أحْمَد بن أبي الصّقْر العَدْل إمْلاءً من لفظهِ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن المُغَلِّس البَزَّاز (a)، ح.
وأخْبَرَنا أبو عليّ حَسَنُ بن أحْمَد بن يُوسُف الأَوَقِيّ، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد السِّلَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْدِ الله مُحمَّد بن أحْمَد بن إبْراهيم الرَّازِيّ، عن أبيِهِ أبي العبَّاس الفَقِيه أنَّ أبا الحَسَن مُحَمَّد بنِ المُغَلِّس بن جَعْفَر البَزَّاز أخْبَرَهُم بِمَصْر، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد الحَسَن بن رشيْق المُعَدَّل العَسْكَريّ. وقال ابنُ أبي الصَّقْر: الحَسَن بن رَشِيْق المِصْرِيّ، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن جَعْفَر بن مُحَمَّد السَّامَرِّيّ بالرَّمْلَة، قال: حَدّثنا العبَّاس بن مُحْتَاج، قال: قال سَابِق البَرْبَرِيّ (١): [من البسيط]
العِلْمُ زَيْنٌ وتَشْريفٌ لصَاحِبهِ … فاطْلُب هُدِيْتَ فُنُونَ العِلْمِ والأدَبَا
يا جَامعَ العِلْم نِعْم الذُّخْر تَجْمَعُه … لا تَعْدلنَّ به دُرًّا ولا ذَهَبا
стр. 5194
قد يَجْمعُ المَرْءُ مَالًا ثمّ يُتْلِفُه … عمَّا قَلِيل فيَلقَى الذُّلَّ والحَرَبَا
وجَامِعُ العِلْم مَغْبُوط به بَهجٌ … ما إنْ يُحَاذرُ فوتًا لا ولا سَلَبَا
أخْبَرَنا أبو الفَضْل أحْمَد بن مُحَمَّد في كتابهِ، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم عَمِّي (١)، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن شُجاع، قال: أخْبَرَنا أبو عَمْرو بن مَنْدَة، قال: أخْبَرَنا الحَسَن بن مُحَمَّد بن أحْمَد بن يَوَه، قال: أخبَرَنا أبو الحَسَن اللُّنْبَانِيّ (a)، قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي الدنيا، قال: حَدَّثني مُحَمَّد بن الحسين، قال: حَدَّثَنَا إسْحَاقُ بن يَحْيَى العَبْدِيّ، قال: حَدَّثنا عُثْمان في عَبْد الحَميْد، قال: دَخَلَ سَابِق البربَرِيّ على عُمَر بن عَبْد العَزِيْز، فقال له عُمَرُ: عِظْنِي يا سَابِق وأوْجِز، قال: نَعَم يا أَمِير المُؤْمنِيْن، وأبْلغُ إنْ شَاءَ اللهُ، فقال: هَاتِ (b)، فأنْشَدَه (٢): [من الطويل]
إذا أنْتَ لَم تَرْحَل بزَادٍ من التُّقَى … ووَافَيْتَ بعدَ المَوْتِ مَنْ قد تَزوَّدَا
نَدِمْتَ على أنْ لا تكُون شَرِكتَهُ … وأرْصَدْتَ قبلَ المَوْتِ ما كان أرْصَدَا
فبَكَى عُمَرُ حتّى سَقَط مَغْشيًّا عليه.
وقال: أخْبَرَنا الحافِظ عمّي (٣)، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد هِبَة الله بن أحْمَد بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (٤)، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن بشْرَان، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ بن صَفْوَان، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر في أبي الدُّنْيا، قال: حَدَّثَني أبو عَبْد
стр. 5195
الله مُحَمَّد بن أَيُّوبَ، قال: حَدَّثَني عَبْد الله بن حَمَّاد -وكانَ ثِقَةً- أنَّ عُمَر بن عَبْد العَزِيْز كَتَبَ إلى سَابِق البَرْبَرِيّ أنْ عِظْنِي، فكَتَبَ إليه بهذه (١): [من البسيط]
بِسْم الّذي أُنْزلَتْ من عندِه السُّوَرُ … والحَمْدُ للهِ، أمَّا بَعْدُ يا عُمَرُ
إنْ كُنْتَ تَعْلَم ما تأتي وما تَذَرُ … فكُنْ على حَذَرٍ قد يَنْفَعُ الحَذَرُ
واصْبِر على القَدَر المَحْتُوم (a) وارْضَ بهِ … وإنْ أتاكَ بما لا تَشْتَهي القَدَرُ
فما صَفَا لامْرِئٍ عَيْشٌ يُسَرُّ بهِ … إلَّا سَيتْبعُ يَوْماً صَفْوَهُ (b) كَدَرُ
أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلب بن الفَضْل الهاشِميّ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد الخُلْمِيّ، قال: أنْشَدَنا أبو المُعِيْن مَيْمُون بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُعْتَمد المَكْحُوليّ النَّسَفِيّ إمْلاءً، قال: أنْشَدوا لسَابِق البَرْبَرِيّ (٢): [من الطويل]
أَلَمِ تَرَ أنَّ الحِلْم زَيْنٌ مُسَوّدٌ … لصَاحِبِه والجَهْلُ للمَرءِ شَائِنُ
ومنْ لا يَزَلْ يَوْمًا مع الجَهْل مُذْعنًا … يَقُدْهُ إلى حين وذو الجَهْلِ حائِن
ومن هذه الأبْيَات ما أنْبَأنَا بهِ أو حَفْصٍ عُمَر بن مُحَمَّد بن طَبَرْزَد، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن السَّمَرْقَنْديّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن النَّقُّور، وأبو القَاسِم بن البُسْرِيّ، وأبو مُحَمَّد بن أبي عُثْمان، قالُوا: أخْبَرَنا أحْمَد بن مُحَمَّد بن مُوسَى بن القَاسِم بن الصَّلْت المُجْبِر، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن القَاسِم، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن مُحَمَّد الأسَدِيّ، قال: أنْشَدَنا الرِّيَاشِيُّ لسَابِق البَرْبَرِيّ ﵀ (٣): [من الطويل]
ألَا رُبَّما صَارَ البَغِيْضُ مُصَافيًا … وحَالَ عن العَهْدِ لصَّدِيْقُ المُتَاقِنُ
стр. 5196
فلا تَغْتَرِرْ ما عِشْتَ من مُتَجَمِّلٍ … بِظَاهِر وُدٍّ قد تُغَطَّى البَطَاِئِنُ
قال الرِّيَاشِيّ: المُتَاقِنُ: المُؤَانِس المُعَاشِر. وأنْشَد لابن مُقْبِلٍ (١): [من الطويل]
يقُول الّذي أمْسَى إلى الحَزْن أهْلُه … بأيّ الحشَى أمْسَى الخَلِيْط المُتَاقِن
أخْبَرَنا أبو بَكْر عَتِيق بن أبي الفَضْل السَّلَمَانيّ، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن الدِّمَشقيّ (٢)، ح.
وحَدَّثَنَا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن أحْمَد بن عليّ من لَفْظهِ، قال: أنْبَأنَا أبو المَعَالِي عَبْد الله بن عبد الرَّحْمن في صَابِر، قالا: أخْبَرَنا الشَّريفُ أبَو القَاسِم عليّ بن إبْراهيم العَلَويّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن رَشَاءُ بن نَظِيف، ح.
وأخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْد الغَنِيّ بن سُلَيمان بن بَنِيْن، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْدِ الله مُحَمَّد بن حَمْد الأرْتاحِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن الحُسَين الفَرَّاءُ إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْد العَزِيْز بن الحَسَن، قالا: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد الحَسَنُ بن إسْمَاعِيْل بن مُحَمَّد الضَّرَّاب، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن مَرْوَان (٣)، قال: أنْشَدَنا عَمْرو بن مُحَمَّد البَصْرِيّ، قال: أنْشَدَنا أبو الفَضْل الرِّيَاشِيّ، قال: أنْشَدَني بعضُ أصْحَابنا لسَابِق البَرْبَرِيّ (٤): [من مجزوء الكامل]
إنْ كُنْتَ مُتَّخِذًا خَليلًا … فتَنَقَّ وانْتَقِدِ الخَلِيْلَا
منْ لَم يكُن لكَ مُنْصِفًا … في الوُّدِّ فابْغِ بهِ بَدِيْلا
وعليكَ نَفْسَكَ فارْعَها … واكْسَبْ لها عَملًا جَمِيْلا
ومَنْ اسْتَخَفَّ بنَفْسهِ … زرعَتْ له قالًا وقِيْلا
وأقَلّ ما تَجِدُ اللَّئَيـ … ــم عليك إلَّا مُسْتَطِيْلا
стр. 5197
وقال ابن بَنِيْن: ولقَلّ.
والمَرْءُ إنْ عَرِفَ الجَمِيْـ …
стр. 5198
قد فوَّض نَصْر أُمُوره إلى سَدِيد المُلْك أبي الحَسَن عليّ بن مُنْقِذ بعد عَوْده من طَرابُلُس، وفَوَّضَ إليه أُمُوره، وكان الوَزِير ابن النَّحَّاس بقَلْعَة حَلَب، وفي القَلْعَة وَالٍ يُقَال له: وَرْد، وعندهما جَمَاعَة من الخَوَّاص، فلمَّا عَلِمُوا بقَتْل نَصْر اسْتَدْعوا أخاهُ سَابِق بن مَحُمُود، وكان سَاكِنًا في العَقَبَة في الدَّار الّتي تُنْسَبُ إلى عَزِيز الدَّوْلَة فَاتِك، وكان قد شَرِبَ فيها وسَكِرَ، فحُمِلَ من العَقَبَة وهو سَكْران، ورُفِعَ من السُّور بحَبْل إلى القَلْعَة وهو سَكْران، ونادوا بشِعَاره، وأطَاعَهُ الأجْنَادُ، وأشَاروا عليه بإطْلاق أحْمَد شَاه من الاعْتِقَال؛ وكان نَصْر اعْتَقَله، فأطْلَقَهُ في الحَالِ، وخَلَعَ عليه، فنَزَلَ أحْمَد شَاه إلى العَسْكَر بالحاَضِر فسَكَّن الفِتْنَة.
واسْتَقَرَّتْ قَاعِدةُ سَابِق، ولُقِّبَ عِزّ المُلْك أبو الفَضائِل، ودَخَلَ عليهِ أبو الفِتْيَان ابن حَيُّوس، فمَدَحَهُ بقَصِيْدَتهِ الّتي أوَّلها (١): [من الطويل]
عَلَيَّ لها أنْ أحْفَظَ العَهْدَ والوُدَّا … وإنْ لم يُفِدْ إلَّا القَطِيْعَةَ والصَّدَّا (a)
فأطْلَق له سَابِق ألف دِيْنار، وجَعَلَ له في كُلِّ شَهْرٍ ثلاثين دِيْنارًا.
وكان سَابِق من مُتَخَلِّفِي بني مِرْدَاس، وكان يَنْظم الشِّعْر، فإنَّني وَقَفْتُ في دِيْوان شِعْر ابن النَّحَّاس على أبْيَاتٍ يُخَاطب بها سَابِق بن مَحْمُود، وقد أنْشَده شِعْرًا لنَفْسِه فيه: [من الخفيف]
كُنْتَ أنْشَدْتَني مِنَ الشِّعْرِ نَظْمًا … بُحْتُريًّا يَفُوقُ لَفْظًا ومَعْنَى
ولمَّا مَلَك سَابِق، وعَرِفَ بنو كِلَاب تخلُّفه، اجْتَمَعوا إلى أخيهِ وَثَّاب، وحَسَّنُوا له أخْذَ حَلَب، وانْضَاف إليه أَخُوه شَبِيْب بن مَحْمُود، ومُبَارَك بن شِبْل؛ ابن خَالهما، فسَيَّرَ سَابِق واسْتَدْعَى أحْمَد شَاه أمير الأتْرَاك، وكان في ألْف فَارِس،
стр. 5199
واسْتَعانَ بهِ، فأَنْفَذَ إلى رَجُل من الأتْرَاك يُعْرَفُ بمُحَمَّد بن دمْلَاج كان نَازِلًا في طَرِيق بَلَد الرُّوم في خَمْسمائة فارس، وضَمِنَ له مَالًا، فوَصَلَ ابن دمْلَاج في يَوْم الأرْبَعَاء مُستَهَلّ ذي القَعْدَة من سَنَة ثَمانٍ وسِتِّين وأربَعِمائة.
وتَحَالفُوا، وخَرَجُوا إلى وَثَّاب وبني كِلَاب في يَوْم الخَمِيْس مُسْتَهَلّ ذِي الحِجَّة، وكان بنو كِلَاب في جَمْعٍ يُقارب سَبْعِين ألف فارسٍ ورَاجِل، وكانوا بقِنَّسْرِيْن، فعندَما عَاينُوا الأتْرَاك، انْهَزَموا من غير قِتَال، وخَلَّفُوا حلَلَهم، وأمْوَالهم، ونسائهم، وأوْلَادهم (a)، فغَنِمَ أحْمَد شَاه وابنُ دمْلَاج وأصْحَابُهما جميعَ ذلك، فيُقالُ إنَّهُم أخَذُوا لهم مائةَ ألف جَمَلٍ، وأرْبَعِمائة ألف شَاةٍ، وسِبَوا من حُرَمهم الحَرَائِر، وإمَائهم وعَبِيْدهم ما لا يُحْصىِ كَثْرةً، وعَادوا بالأسْرَى إلى حَلَب، فأطْلَقهُم سَابِق، وأنْزَل أُخْته زَوْجَة مُبَارك بن شِبْل في دَارٍ وأكْرَمها.
فسَار وَثَّاب ومُبَارَك بن شِبْلِ إلى السُّلْطان مَلِك شَاه بن ألْب أَرَسْلَان، وشَكوا حالهم، وسَألوا منه أنْ يُعينَهم على سَابِق، فوَعَدَهُم وأقْطَعهِم في الشَّام، وأقْطَع الشَّام أخاه نُتُش، فسَار ومعه جُمُوع التُّرْك ووِثَّاب ومُبَارك بن شِبْل، ووَصَلَ إليه بنو كِلَاب، فنَزَلَ على حَلَب سَنَة إحْدَى وسبْعِين وأرْبَعِمائة، ووَصَلَ إليه أبو المَكَارِم مُسْلِمِ بن قُرَيْش، ونَزَل معه عليها، وكان هَوَاهُ مع سَابِق، فكان يُسَيَّر إليه بما يُقَوِّي نَفْسَه، ويُنْكِر على بني كِلَاب خلْطَتهم [بعَسْكَر التُّرْك] (b)، ودَام الحِصَار ثلاثة أشْهُر (c).
وأحَسَّ أبو المَكَارِم بتَغيُّر النّيَّة فيه، وتَحْقِيقِ التُّهْمَة بهِ من مُرَاسَلَة سَابِق وأهْل حَلَب، فاسْتَأذَن تَاجَ الدَّوْلَة في الرَّحِيْل، ورَحَل، وجَعَل رحيْلَهُ وعبُورَهُ بعَسْكَره على باب حَلَب، وبَاع أصْحَابُهُ أهْلَ حَلَب كُلَّ ما كان في عَسْكَره
стр. 5200
عَصَبِيَّةً وتَقْويةً لهم، وقَوَّى نفُوسَهُم ونَفْسَ سَابِق، وسَار بعد أنْ قَوِيَ أهْل حَلَب بما ابْتاعُوه من عَسْكَره بعد الضَّعْف الشَّدِيد إلى بلادِه.
ورَحَل مُعْظَم بني كِلَاب، وبَقي مع تَاج الدَّوْلةَ تُتُش من بني كِلَاب وَثَّابٌ وشَبِيْبٌ أخَوا سَابِق ومُبَارَك بن شِبْل فىِ عَدَدٍ يَسِيْر، فأشَار عليهم أبو المَكَارِم في قُرَيْشٍ بالاحْتِيَاط على أنْفُسهم أو الهَرَب إلى حَلَب، وكاتَبهم سَابِق، وَتألَّفَهُم، وقال لهم: إنَّما أَذبّ وأُحَامِي عن بلادكُم وعزِّكُم، ولو صار هذا البَلَدُ إلى تُتُش، أزالَ مُلْكَ العَرَب وذلُّوا، واسْتَوْحَشوا من الأتْرَاك، فهَرَبُوا إلى حَلَب، وصَاروا إلى سَابِق، وكَتَبَ سَابِق إلى الأَمِير أبي زَائِدَة مُحَمَّد بن زَائِدَهَ قَصِيدَةً من شِعْر وَزِيره أبىِ نَصْر بن النَّحَّاس؛ يُعَرِّفُه ما هو فيه من الضِّيْق، ويَسْألُه الإقْبَال عليهِ، والقيام بمَعُونَته، ويُحَذِّرُه من التَّخلُّف عنه، فيكُون ذلك سَبَبًا لزَوَال مُلْك العَرَب، ويَعِيْب عليه في التَّوَقُّف عنه، والقَصِيدَة (١): [من الطويل]
دَعَوتُ لكَشْفِ الخَطْبِ والخَطْبُ مُعْضِلٌ … فَلَبَّيْتَنىِ لَمَّا دعَوْتُ مُجَاوِبَا
ووَفَّيْتَ بالعَهْدِ الّذىِ كانَ بَيْنَنا … وَفَاءَ كَرِيمٍ لَم يخُنْ قَطُّ صَاحِبَا
وما زلْتَ فَرَّاجًا لكُلِّ مُلِمَّةٍ … إذا المِحْرَبُ الصِّنْدِيْدُ ضَجَّعَ هَائبا
فشَمِّرْ لها وَانْهَضْ نُهُوضَ مُشَيَّعٍ … لَهُ غَمَرَاتٌ تَسْتَقِلُّ النَّوَائِبا
وقُلْ لكِلَابٍ: بدَّدَ اللهُ شَمْلكُمْ … أوَ يحْكُمُ ما تَتَّقُونَ المَعَايبا
أتَسْتَبْدلُونَ الذُّلَّ بالعِزِّ مَلْبَسًا … وتُمْسُونَ أذْنابًا وكُنتُمْ ذَوَائِبا
وما زلْتُمُ الآسَادَ تَفْترِسُ العِدَى … فما بالُكُمْ مَعْ هؤلاءَ ثَعَالِبَا
ثِبُوا وَثْبةً تَشْفِي الصُّدُورَ مِن الصَّدَى … ولا تُخْجِلُوا أحْسَابَنا والمَنَاقِبا
ولا بُدَّ من يَوْمٍ نُحَكِّمُ بَيْنَنَا … وبَينَ العِدَى فِيه القَنَا والقَوَاضِبَا
أرَى الثَّغْرَ رُوْحًا أنتُمُ جَسَدٌ لَهُ … إذا الرُّوْحُ زَالتْ أصْبَحَ الجِسْمُ عَاطِبَا
стр. 5201
وقَد ذُدْتُ عَنهُ طَالبًا حِفْظَ عِزِّكُمْ … إباءً ولاقَيْتُ المَنَايا الشَّوَاغبَا (a)
وها أنا لا أنْفَكُّ أَبْذُلُ في حِمَى … حِمَاكُمْ مُجِدًّا مُهْجَتي والرَّغَائِبا
أأَذخَرُ مالي عنكُمُ وذَخَائِري … إذًا بِتُّ عَن طُرْقِ المَكَارِم عَازِبَا
شَكَرْتُ صَنِيعَ ابنِ المُسَيَّبِ إذ أَتَى … يَجُرُّ مَغَاويرًا تَسُدُّ السَّبَاسِبَا
منها:
أيا رَاكِبًا يَطْوِي الفَلَاةَ بجَسْرَةٍ … هَمَلَّعَةٍ لُقِّيْتَ رُشْدَكَ رَاكِبا
ألَا ابْلغْ وأبا الرَّيَّان عنِّي ألُوكَةً … تُزيحُ مِنَ الإيْلَافِ ما كانَ وَاجِبَا
أخًا شَخْصُهُ لا يَبْرَحُ الدَّهْرَ حَاضِرًا … تُمثِلُهُ عَيْني وإنْ كانَ غَائِبَا
مَتَى تَجْمَعُ الأيَّامُ بَيْني وَبينَهُ … أَشُدُّ علَيهِ ما حَيِيْتُ الرَّوَاجِبَا
وأَهْدِ إلى شِبْلٍ سَلَامي وقُلْ لَهُ: … لَكَ الخَيْرُ دَعْ ما قَدْ تَقَدَّمَ جَانبِا
فَتِلكَ حُقُودٌ لو تَكَلَّمَ صَامِتٌ … لجاَءَ إليها الدَّهْرُ مِنْهُنَّ تَائِبَا
وقَد أمكَنَتْكُمْ فُرْصَةٌ فانْهَضُوا لَها … عِجَالًا وإلَّا أعْوَزَ الدُّرُّ جَالِبا
فإنِّي رَأيْتُ المَوْتَ أجْمَلَ بالفَتَى … وأهْوَنَ أنْ يلقَى المَنَايا مُجَاوِبَا
وكان قد بَلَغَ سَابِقًا أنَّ أميرًا من أُمَرَاء خُرَاسَان يُقال له تَركُمان (b) التُّرْكِيّ، قد توجَّهَ مُنْجِدًا تَاج الدَّوْلَة تُتُش ومعَهُ عَسْكر، فأخْرَج سَابِقٌ مَنْصُور بن كَامِل الكِلَابيّ، أحَد أُمَرَاء بني كِلَاب، من حَلَب لَيْلًا، وأعْطَاهُ كتابَهُ إلى أبي زَائِدَة، وفيه هذه الأبْيَات، ومعه بعض أصْحَاب سَابِق، ومعهم مالٌ، فاتَّفَقَ مع مَنْصُور ونائب سَابِق، وجَمَعُوا ما يَزِيد على ألف فَارِس وخَمْسِمائَة رَاجِل من بن نُمَيْر، وقُشَيْر، وكِلَاب، وعُقَيْل، بتَدْبِير أبي المكَارِم بن قُرَيْش، والْتَقوا تَرْكُمان التُّرْكِيّ (c) في أرْضِ الفَايَا، فكَبَسُوا عَسْكَرَهُ، وقَتَلُوه.
стр. 5202
وبلغَ ذلك تَاج الدَّوْلَة تُتُش، فرَحَلَ عن حَلَب إلى الفُرَات، وشَتَّى بدِيَار بَكْر، ثُمَّ عادَ إِلى حَلَب، وافْتَتَح مَنْبج في طَرِيْقهِ وبُزَاعَا وعَزَاز، وصبَّح حَلَب صبَاحًا، فَخَرَج عَسْكَر حَلَب، فالْتَقَوا على الخناقِيَّة (١)، وانْهَزَم عَسْكَر تُتُش بغير قِتَالٍ.
وكان أبو زَائِدَة وابن عَمّه شِبْل بن جَامِع بن زَائِدَة في قَدْر خَمْسِين فَارِسًا مُقَابلهم، فَحَمَلُوا عليه، واتَّفقتْ هَزِيمَتهم فقَتلُوا من الغُزِّ جَمَاعَةً وغَنِمُوا، وتقدَّم مُحَمَّد بن زَائدَة إلى الشّيْخ أبىِ نَصْر منْصُور بن تميْم السَّرْمِيْنِيّ المعرُوف بابنِ زَنْكَل أنْ يُجِيْبَ أَبا الفَضائِل سَابِق بن محمود عن القَصِيدَة الّتي أنْفَذَها إليه، ويُعَرِّفه ما لبني كِلاب من الأيَّام المَعْرُوفة، ويَذْكر هذه الوَقَائِع، فعَمِل (٢): [من الطويل]
دَعَوْتَ مجُيْبًا نَاصِحًا لكَ مُحْلِصًا … يَرَى ذاكَ فَرْضًا لا مَحَالَةَ وَاجِبَا
فلَبَّيتُ لا مُسْتَنْكِفًا جَزِعًا ولا … هِدَانًا إذا خَاضَ الكَرِيهةَ هَائبِا
قال فيها في ذِكْر هذه الوَقَائِع:
ولمَّا دَعَاني المُدْرِكيُّ ابنُ صَالِحٍ … شَقَقْتُ ولَم أرْهَبْ إليَهِ الكَرَائِبا
أسَابِقُ صَرْفَ الدَّهْرِ في نَصْرِ سَابِقٍ … إلى تَرْكُمانِ التركِ أُزْجِي النَّجَائِبا
فلمَّا الْتَقَيْنَاهُم غَدَا البَعْضُ سَالِبًا … لأنْفُسِهِمْ والبَعْضُ للمَالِ نَاهِبَا
فيا لَكَ مِن يَوْمٍ سَعيدٍ بِيُمْنِهِ … عَنٍ الثَّغْرِ أضْحَىِ عَسْكَرُ الضِّدِّ هَارِبَا
وَكانَ يَرَى في كَفِّهِ الشَّامَ حَاصِلًا … ويوْمَ بُزَاعَا ردَّ ما ظَنَّ خَائِبَا
стр. 5203
وفي يَوْم خُنَّاقِيَّةٍ قَدْ خَنَقْتُهُمْ … بِعِثْيَرِ (a) ذُلٍّ رَدَّ ذا الشَّرْخَ شَائبِا
عَطَفْتُ لَهُم إذْ خَامَ مَنْ خَامَ مِنهُمُ … بفِتْيَانَ كالعقْبانِ شَامَتْ تَوالِبَا
فَلِلّهِ قَوْمي الصَّادرُونَ لَوِ انثنَوا (b) … مَعِيْ أو فَرِيق كُنْتُ لِلجمْع نَاكِبَا
فوَلَّوْا وقُضْبانُ المَخَافَةِ فيهِمُ … مُسَابِقَةٌ أرْمَاحَنا والقَوَاضِبَا
فكَمْ فَارِسٍ منهُمْ تَرَكْنا مُجَدَّلًا … يُبَاشِرُ تُرْبُ القاعِ منهُ التَّرَائبا
وإذْ أَيْقَنُوا أنْ ليسَ لِلكَسْرِ جَابِرٌ … تَوَلَّوا وَعَنْ جِبْرِينَ حَثُّوا الرَّكَائِبا
وخَلَّوْا بها كَسْبًا حوَوْهُ وأبْصَرُوا … سَلامَتَهُمْ منَّا أجَلَّ مكَاسِبَا
ورَحَل تَاجُ الدَّوْلَةِ تُتُش من جِبْرِين، وكان نَازِلًا بعَسْكَره عليها إلى دِمشق. ولمَّا جَرَى هذا الحادثُ، طَمعَ شَرَفُ الدَّوْلَة أبو المَكَارِمِ مُسْلِم بن قُرَيْش في الشَّام، وكَاتَبهُ سَابِق بن مَحْمُود يَبْذُل له تَسْليم حَلَب إليهِ، ووفَدت عليه بنو كِلَاب بأَسرْها، فتَوَجَّه إلى حَلَب، ونَزَل عليها في السَّادِس عَشر من ذِي الحِجَّة من سَنَة اثْنَتَيْن وسَبْعِين وأرْبَعِمائة، فغُلِّقت أبْوَابُها في وَجْههِ، وكان عند سَابِق أخَواهُ شَبِيْب ووَثَّاب بحَلَب، فلم يُمَكِّناهُ من التَّسْلِيم، فلم يُقَاتلها، وأهْلها يَحْرصُون على التَّسْلِيم إليه لِمَا هُم فيه من الجُوع وعَدَم القُوْت، وسَلَّم البَلَد إليه وَلد الشَّريف الحُتَيْتيّ (c)، على ما نَذْكرهُ في ش تَرْجَمَةِ أبي المَكَارِم مُسْلِم بن قُرَيشْ (١)، فانْحَازَ سَابِق إلى القَلْعَة، وأخواهُ شَبِيب ووثَّاب في القَمْر لضِيْق القَلْعَة، وحَصَر (d) أبو المَكَارِم القَلْعَة إلى أنْ دَبَّر شَبِيْب ووَثَّاب وهُما في القَصْر على سَابِق، وقَفَزا في القَلْعَة، وصَاحَ الأجْنَاد بها: شَبِيْب يا مَنْصُور، وقُبِضَ سَابِق وحُبِسَ، وتَسَلَّم
стр. 5204
شَبِيْب ما كان بها من المالِ، وسَفَرَ سَدِيد الملك ابن مُنْقِذ بين مُسْلِم بن قُرَيْشْ وبين شَبِيْب إلى أنْ تَسَلَّم القَلْعَة في شهر رَبِيع الآخر من سَنَة ثَلاثٍ وسَبعِين وأرْبَعِمائة، وانْقَضَى أمْرُ سَابِق بعد حِصَار القَلْعَة أرْبَعة أشْهُر، وانْقَضَت دَولة آلِ مِرْدَاس.
دَفَعَ إليَّ القَاضِي أبو مُحَمَّد بن الخشَّاب جُزْءًا بخَطِّه، وذَكَرَ لي أنَّهُ نَقَلَهُ من خَطِّ أبي الحَسَن عليّ بن عَبْد الله بن أبي جَرَادَة في ذِكْر مُلُوك حَلَب، وكَتَبَ إلينا المُؤيَّد بن مُحَمَّد بن عليّ الطُّوْسيّ، عن أبي الحَسَن، قال بعد ذِكْر نَصْر بن مَحْمُود وقتله بِظَاهِر حَلَب ثَاني عِيْد الفِطْر من سَنَة ثَمانٍ وِسِتِّين: [ومَلَك] (a) بَعْدَهُ (b) أخُوه سَابِق بن مَحْمُود؛ أقامَ أرْبَع سِنين، وسَلَّم البَلَد إلى شَرف الدَّوْلَة أبي المَكَارِم مُسلم بن قُرَيْش العُقَيْلِيّ سَنَة اثْنَتَيْن وسَبْعِينِ وأرْبَعِمائة؛ يُريد: البَلَد دون القَلْعَة.
قَرأتُ بخَطِّ أبي عَبْد الله العُظَيْميّ (١)، وأنْبَأنَا به أبو اليُمْن الكِنْدِيّ وغيره عنه، قال: سَنَة ثَمان وسِتِّيِن وأرْبَعِمائة فيها قُتِلَ نَصْر بن مَحْمُود صَاحِب حَلَب يَوم الأَحَد، يَوْم عِيْد الفِطْر، وجَلَسَ سَابِق بن مَحْمُود مَكانَهُ.
قال (٢): وفي هذه السَّنَة -يعني: سَنَة اثنتَيْن وسَبْعِين وأرْبَعِمائة- وَصَلَ شَرَف الدَّوْلَة إلى حَلَب وتسلَّمها منِ سَابِق بن مَحْمُود، وامْتَنَعت القَلْعَهُ عليه، وكان بالقَلْعَة سَابِق وأخُوه شَبِيْب، فقَبَض شَبِيْب على سَابِق يَوْم السَّبْت ثَاني عَشر صَفَر، وتولَّى الأمْر بنَفْسه يَوْمًا واحدًا، ثمّ عاد سَابِق فقبضَ على أخيهِ شَبِيْب وتولَّى الأمر كان أوَّلًا، وبَقِي الحِصَار أرْبَعة أشْهُر، ثُمَّ سَلَّم القَلْعَةَ سَابِق إلى
стр. 5205
شَرَف الدَّوْلَة يَوْم الأَحَد عَاشِر رَبيع الآخر، وقيل: جُمَادَى الآخر، وهو الأصَحُّ؛ يعني: من سَنَة ثَلاثٍ وسَبْعِين وأرْبَعِمائة.
نَقَلْتُ من خَطِّ أبي الحَسَن عليّ بن مُرْشِد بن عليِّ بن مُنْقِذ في تَارِيْخه، قال: وأقام نَصْرٌ مَالِكًا إلى سَنَة ثَمانٍ وسِتّين، فلمَّا كان يوْم عِيْد الأضْحَى، عيًّدَ وخَرَجَ العَصْرَ لينهَبَ الأتْرَاك: ابن خَان وأَصْحَابه، ويأخُذ نسَاءَهُم فإنَّهُ قال: نُريد الوُجُوه المِلَاح، فضَرَبهُ واحِدٌ فقَتَلَهُ، واخْتَبَطَت حَلَبُ، وقُفِلَتْ أبْوَابُها، وقُفِلَ باب القَلْعَة، فجاء الأَمِير أبو الحَسَن سَدِيد المُلْك، وكان قد نَزَل لمَّا مَاتَ مَحْمُود، وقال له نَصْرٌ: ما يَرُبُّ هذه الدَّوْلَةَ غيرك، فلمَّا قُتِلَ نَصْر لَم يَجْسُر أنْ يَذْكُرَ للوَزِير ابن النَّحَّاس، وكان صَدِيْقَهُ، ذلك ظَاِهرًا، فقال له وهو في القَلْعَة من تحت السُّور: الأَمِير نصْر سَالِم تُحبّ، ولكن سَألتَني عن شيء قبل خُرُوجي وهو: القَيْل فَاد (a)، معناهُ: القَيْل: المَلِك، وفَاد: ماتَ.
فاحْتَفَظَ ابنُ النَّحَّاس من القَلْعَةِ، وأجْلَسُوا بعدَهُ أخاهُ سَابقًا، وكان سَابِق -كما قيل لي- من أحْسَن النَّاسِ مُحاضَرَةً، وأصْبَحهم وَجْهًا، وأَسْواهم فعْلًا في نفسهِ وأفْعَالِهِ.
حدَّثني مَوْلاي ﵀، قال: من طَرِيف عَملهِ أنَّهُ مَدَحَهُ الشَّرِيفُ أبو المجد بثلاثِ قَصَائِد، فتأخًّرت الجَائِزَة، فكَتَبَ إليه، وقد ضَاع له دَنَانِيْر ثُمَّ وَجَدَها: [من الكامل]
قُلْ للأمِيْر أبي الفَضائِل سَابِق … قَوْلًا يَفُوهُ بهِ لسَانُ النَّاطِقِ
بحَقِّ مَنْ رَدَّ الدَّنَانِيْر الّتي … ضَاعَتْ بتَقْدِير الإلَهِ الخاَلِقِ
ارْدُدْ عليَّ مَدَائِحًا أنْشَدْتُها … ذَهَبَتْ لدَيْك ذَهَابَ خُلَّبٍ بَارِقِ
стр. 5206
قال: فأَنْفَذَ له قَصِيدَةً وكَتَبَ إليه على ظَهْرها: نحنُ نَسْألُ عن الباقي ونُنْفذه إليك.
وأقَامَ بحَلَب مُسْتَضْعَفًا يُغِيرُ بنوِ كِلَاب على باب حَلَب، تأخُذُ منه الغَسَّالَات والقَوَافِل، ولا يَخْرُج أحَدٌ إلَّا بخِفَارة، ولا يَدْخُلُ إلَّا كذلك.
والأمِيرُ سَدِيدُ المُلْك مُقِيم بالجِسْر لعِلْمه أنَّ الدَّاءَ قد أعْضَل، قال: فاشْتَغَل عنهم بحِصْنه وبَلَدِه كَفَرْ طَاب، يَشْتُو بالجِسْرِ، ويُصِيِّف بكَفَرْ طَاب، إلى أنْ غُلِبَ سَابِق، واسْتَحْكم يَأسُه، أنْفَذَ إليه وقال: أشْتَهِي أنْ تَحْضُر تفصِل بيني وبين إخْوَتي، وما قد دَهِمَنا من شَرَف الدَّوْلَةِ، فَمضَى حينئذٍ وقد أمنَ غَائلتَهُم.
وقال: سَنَة ثَلاثٍ وسَبْعِين وأرْبَعِمائة، فيها تَسَلَّم شَرَف الدَّوْلَة قلعَة حَلَب، شَهْر رَبي الآخر، ولَم يكُن فيها ما يُؤْكَل.
قلتُ: انْقَطَع ذكر سَابِق بعد أخْذ حَلَب منه، فلَم نَقَع له على ذِكْرٍ ولا خَبَرٍ، والظَّاهِرُ أنَّهُ لم تَطُل مُدَّتُه، وأنَّهُ تُوفِّي بعد ذلك بقليلٍ.
السَّابِق بن أبي مَهْزُول المَعَرِّيّ (١)
واسْمُه مُحَمَّد بن الخَضِر، والسَّابِق لَقَبٌ اشْتَهر به، ورُبَّما يلتبس بأنَّهُ اسْمُه، وَسَنَذْكُره في المُحَمَّدين (٢) فيما يأتي إنْ شَاءَ اللهُ تعالَى.
стр. 5207
ذكْرُ مَن اسْمُهُ سَابُور
سَابُور بن أرْدَشِيْر بَابكَان المَلِك ابن سَاسَان بن بَابَك بن سَاسَان بن بَابَك بن سَاسَان بن بَهْمَن المَلِك، وهو سَابُور الجُنُود (١)
مَلَكَ بعد أبيهِ أرْدَشيْر، مَلَكَ إحْدَى وثَلاثين سَنَة ونصْف وثَمانية عَشر يَوْمًا، هكذا نَقَلْتُ نَسَبَهُ من خَطِّ عَبْد السَّلام بن الحُسَين البَصْرِيّ المعرُوف بالوَاجْكَا في كتابٍ ذَكَرَ فيه فَضَائِل الفُرْس ومُلُوكهم وأنْسَابهم وأخْبَارهم.
ونَقَلْتُ من خَطّ المَذْكُور في هذا الكتاب: قال سَابُور بن أَرْدَشِيْر المَلِك يَوْم مَلَك: لا يَتَعَقَّبن أحدٌ أَمْرنا ونَهْيَنا ما لَم يَعْرف أسْبَابَهُما.
وقال: وبَنى سَابُور الجنود المَلِكُ: جُنْدَي سَابُور، وبَنى بفَارِس مَدِينَة سَابُور، وقد كان في موضع مَدِينَة سَابُور مَدِينَة بناها طَهْمُورث المَلِك، وبَنى سَابُور أيضًا بميسَان مَدِينَة سمَّاها شَاذ سَابُور (a) وبالنَّبَطِيّة تُسَمَّى: ويها.
قيل: إنَّ سَابُور بن أَرْدَشِيْر افْتَتَحَ الرَّقَّة، ودَخَلَ إلى بلاد الروم فقَتَلِ منهم وسَبَى وانْتَهى إلى القُسْطَنْطِينِيَّة، ففي دُخُوله من الرَّقَّة إلى بلادِ الرُّوم اجْتاز بحَلَب أو عَملها. وكان له كَلام حِكْمَة.
стр. 5208
قَرآتُ في كتابٍ وَقَعَ إليَّ يتضَمَّن أخْبَار مُلُوك الفُرْس: ثمّ مَلَك من بَعْدِه - يعني أَرْدَشِيْر- سَابُور بن أَرْدَشِيْر، فعَقَدَ التَّاج على رَأسِه وهو ابنُ عشْرين سَنَةً، وقد كان النَّاسُ آنَسُوا منه فىِ حَيَاةِ أبيه فَضْلًا فىِ إصَابةِ رَأيهِ، وصِحَّة عَقْله، وعُمُوْرة حِلْمهِ، وشِدَّة بَطْشهِ، وبَلَاغَة مَنْطقهِ مع حَزْمهِ ورَأيهِ ويمن نَقِيْبَته، وعِظَم رَأفَته ورَحمَتهِ.
وأمرَ بما في الخَزَائن من الأمْوَال والجَوْهَرِ والأمْتَعهِ، ففرَّق أكْثَر ذلك فيمَن قبلَهُ من الجنُودِ والرَّعِيَّةِ، ووَصَلَ إلى كُلٍّ منهم بقَدْر ما هو أهْله ومُسْتحقّه، وقَدْر حَاجَته إليهِ، حتَّى وَصَلَ ذلك إلى الخاصِّ والعامّ، ونَالَتْ مَنْفَعَتُه القَريْب والبَعِيْدَ، والشَّريفَ والوَضِيْعَ، وسَاسَ مُلْكَهُ بأحْسَن السِّيَاسَةِ، ووَصَلَ إلى رَعِيَّتهِ من اللِّيْن والرَّفَاهَةِ في ولايِتهِ ما اشْتَدَّت مَودَّتُهم له، ورَغْبتهم فيهِ، وحُسْن سَمَاعهِ في النَّاسِ.
فلمَّا مَضَى من مُلْكه إحْدَى عَشْرَة سَنَةً، سَارَ بجُنُودهِ إلى الجَزِيْرَة، فنَزَلَ على نَصِيبِيْنَ فافْتَتَحَها، ثمّ افْتَتَح الرَّقَّة، وأوْغَل في بِلَادِ الرُّوم، فقَتَل منهم مَقْتَلَةً عَظِيمَةً وسَبَى سَبَايا كَثِيْرهً، ثمّ انْصَرَفَ إلى مملَكَتِهِ بغَنائم كَثِيْرة، وقد كان انْتَهى في مَسِيْره إلى القُسْطَنْطينِيَّةِ، وفَي ثلاثَ مَدَائن؛ منهُنَّ جُنْدَي سَابُور، وسَابُور الّتي بفَارِس، وتُسْتَر بالأَهْوَاز.
واسْتَقْبل السِّيْرَة في مَمْلكَته ورَعيَّته بأحسَن ما كان عليه من الجُوْد (a) بالأمْوَال، والتَّخْفِيْف عن الخَرَاج والرَّحمَة للضُعَفَاء، والرَّقَّة عليهمِ، والشِّدَّة على أهْل الرّيْب، والتَّحَرِّي للعَدْلِ، وكان جميع ما مَلَكَ ثلاثين سنَةً وشهرًا إلَّا يومين.
стр. 5209
سَابُور بنُ عليّ بن هِلَال بن حُبيش بن عَبْدِ العَزِيْز، أبو طَاهِر بن أبي الحُسَين بن أبي البَدْر الحَلَبيُّ المُؤدِّبُ المعرُوف بابنِ الجبْرِيّ (١)
شَاعِرٌ ابن شَاعِر ابن شَاعِر ابن شَاعِر ابن شَاعِر، وقد ذَكَرْنا لكُلّ واحدٍ منهم في تَرْجَمَتِهِ شِعْرًا (٢). وأصْلُهم من جِبْرِين قُوْرَسْطَايَا من نَاحيَة عَزَاز، وسَكَنُوا حَلَب.
رَوَى عنه شَيئًا من شِعْره أبو عَبْد الله بن المِلْحِيِّ، وأبو نَصْر أحْمَدُ بن مُحَمَّد الطُّوْسيّ.
أخْبَرَنا أبو الفَضْل تَاجُ الأُمَناءَ أحْمَد بنُ مُحَمَّد بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنا عَمِّي الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (٣)، قال: سَابُور بن الجبْرِيّ المُعِلّم، شَاعِرٌ قَدِمَ دِمَشْق، ذَكَرَهُ لي أبو عَبْد الله بن الملحِيّ فيمَن لَقِيَهُ بدِمَشْق من أهْل (a) الأدَب؛ فَحدَّثنا أبو عَبْدِ الله مُحَمَّد بن المحسِّن بن أحْمَد بن الملحِيّ، من لفظهِ وكَتَبَهُ لي بخَطِّه، قال: سَابُور بنُ الجُبْريِّ المُعَلمّ، شَاعِرٌ مُجِيْدٌ، وأبُوه كذلك، مُتَرَسِّلٌ (b)، له مَقَاماتٌ ورَسَائِل يُشْبه بَعْضُها بَعْضًا في الجودَة، وهو القائلُ في مُقَلَّد بن قُريْشْ وأُسامَة بن مُبَارَك: [من مجزوء الكامل]
كُنَّا نَعُدّ مُقَلَّدًا … في بُخْله (c) رَبَّ المَلَامَهْ
وإذا مُقَلَّدُ حينَ جَا … ءَ أُسامَةٌ كَعْبُ بنَ مَامَهْ
стр. 5210
رَأيتُه في رِوَايَةٍ أُخْرى:
وإذا بهِ كَعْبُ بنُ مَا … مَةَ حينَ عايَنَّا أُسَامَهْ
أخْبَرَنا أبو المُظَفَّر حَامِد بنُ أَمِيْري (a) القَزْوِينيِّ، فيما أجَازَ لنا رِوَايتَهُ عنه، قال: أجَازَ لنا خَطِيْبُ المَوْصَل أبو الفَضْل عَبْدُ الله بن أحْمَد بن مُحَمَّد الطُّوْسيّ، قال: أخْبَرَنا وَالدِي، قال: أنْشَدَنا أبو طَاهِر سَابُور لنفسِه في الكَذِب: [من الكامل]
المَيْنُ يَجمعُ كُلَّ شيءً طَالحٍ … مِن خَصْلَةٍ مَبْغُوضَةٍ لا تَحْسُنُ
فَتَوَقَّهُ إنْ كُنْتَ مَرأ صَالِحًا … قد يتَّقِيهِ على الصَّلَاحَ المُؤْمِنُ
وقال: أنْشَدَنا أبو طَاهِر، يَعْني لنفسِه: [من الكامل]
مَنْ كان يكذبُ ما يَقُوِلُ فلا تكُنْ … مِنهُ قَرِيبًا إنَّهُ لَكَ مُفْسدُ
هىَ خَصْلَة لا تُرتْضَى فَتوَقَّها … إنْ كُنْتَ مَرءأً في الدِّيانَةِ تُحْمَدُ
وقال: أنْشَدَنا أبو طَاهِر: [من الطويل]
وقد كُنْتُ حُرًّا غَيرَ أنَّ مَطَامِعي … تَرَكْنَ إِبائي عِندَ عِزَّتِهِ عَبْدَا
ومَنْ تَابَعَ الأطْمَاعَ ضَلَّ برَأيهِ … وحَلَّ مَريرًا كان أحْكَمهُ عَقْدَا
نَقَلْتُ من بعض تَعَالِيْقي، ممَّا نَقَلْتُهُ من خَطِّ بعض الحلبِيِّيْن لأبي طَاهِر الجُبْريِّ الحَلَبيِّ: [من الطويل]
مَدَحْنا كُمُ ظَنًّا بأنَّ مَدِيْحَنا … يُقَرِّبُنا منْكُمْ فنَظْفَرَ بالبَذْلِ
ولَمِ نَدْر أنَّ الجُودَ لَم يُلْقِ (b) عندَكُمْ … عَصَاهُ ولَم تَثْبُتْ لكُمْ قَدَمُ الفَضْل
فتَبًّا لنا مِن قَاصدِيْ غَيرِ أهْلِهِ … وَوَاهًا لكُم لمَّا عَكَفْتُمْ على البُخْل
стр. 5211
نَقَلْتُ من خَطِّ مُحَمَّد بن عليّ (a) العُظَيْميِّ في تَارِيْخهِ (١)، وأنْبَأنَا عنه أبو اليُمْن زَيْدُ بن الحَسَن الكِنْدِيّ، والمُؤيَّد بن مُحَمَّد بن عليّ الطُّوْسي، قال: سَنَة إحْدَى وثَلاثين وخَمْسِمائَة، فيها ماتَ سَابُور بن عليّ الجبريِّ الشَّاعرُ، وعُمْره ثَمانون سَنَة.
ثُمَّ ذَكَرَ في سَنَة ثَلاث وثَلاثين وخَمْسِمائَة: ماتَ سَابُور أوَّل رَبيع الأوَّل في يَوْم مَطِيْر، وقد ذُكِرَ في السُّنَة الخاليةِ (b) مَوْتُه وهذا هو الصَّحيحُ.
سَابُوو بن هُرْمُز الملَكُ ابن نَرْسيِ المَلِك ابن بَهْرَام المَلِك، ويُقَال له شَاهانْشَاه بن بَهْرَام المَلِك ابن هُرْمُز البَطَل الملَك ابن سَابُور الجنُود المَلِك ابن أرْدَشِيْر المَلِك ابن بَابَك بن سَاسَان بن بَابَك بن سَاسَان بن بَابَك بن سَاسَان بن بَهْمَن الملَك، وهو سَابُور ذُو الأكْتَاف (٢)
هكذا نَقَلْتُ نَسبه من خَطِّ عَبْد السَّلام بن الحسُين بن مُحَمَّد البَصْريِّ في الكتاب المُتَضَمِّن ذِكْر فَضَائِل الفُرْس وذِكْر طَبَقَات مُلُوكهم.
стр. 5212
وذَكَرَ غيره أنَّهُ سَابُور بن هُرْمُز بن نرسيِ بن بَهرام بن سَابُور، وأنَّ بَهْرَام شَاهَانْشَاه (a) أخُو نَرْسِي بن بَهْرَام. قيل: إنَّهُ دَخَلَ الشَّام وقَصَدَ مَلِك الرُّوم أبولْيَاس (b) إلى أنْطَاكِيَة فقَبَض عليه وحَبَسَهُ بأنْطَاكِيَة.
قَرأتُ بخَطِّ عَبْد السَّلام البَصْرِيّ (c): وكان سَابُور حَمْلًا يَوْم ماتَ أبُوه هُرْمُز المَلِكُ، فعُقِدَ التَّاجُ على بَطْن أُمِّه، وكان المَلِكُ يَوْم يمُلَكَ يَتَكلَّم بكَلامٍ يُرَغِّبُ النَّاس ويُرَهِّبهم، ويَعِدُهُم العَدْلَ، وحُسْنَ السِّيْرَة، إذا قَعَدَ على سَرِير المُلْك ووَضَع التَّاج على رَأسِه، يَحْمَدُ الله ثمّ يَتَكلَّم بذلك، فإنْ كان المَلِكُ صَغِيرًا لا يَحْتَمل أنْ يُعَلَّقَ التَّاج على رَأسِه، وُضعَ التَّاج على كُرْسِيِّ وتكلَّم عنه وَزِيره والمَوَابذَةُ والهَرَابذَةُ، فإذا كان صبِيْحَة اليَوْم الّذي يُدركُ فيهِ، وُضعَ التَّاجُ على رَأسهِ، وجَلَس مَجْلِسَ المُلُوك، ثُمَّ تكلَّم هو.
وإنَّما سُمِّي سَابُور ذو الأكْتاف لأنَّهُ كان يَخْلعُ أكْتَاف العَدُوّ (١). وهو الّذي قَتَلِ إيَادًا، وإنَّما كان جُرْم إيَادٍ عندَهُ أنَّ شَاةً لرَجُل من أهْل السَّوَادِ سُرِقَت فاتّهِمِ بها رَجُلًا من إيَادٍ، كان دَخَل السَّوَاد في حاجةٍ له فقَتَل سَابُور إيَادًا، وهَربتْ بَقِيَّةُ منهم فدَخَلَتْ بلادَ الرُّوم، فَخلعَ سَابُور أكْتَاف مَنْ بقي منهم.
ومن خَطِّ عَبْد السَّلام: وبَلَغَنا أنَّ مُعاوِيَة بن أبي سُفْيان كَتَبَ إلى بَني تميْم يأمرُهم بالوثُوب على عليّ بن أبي طَالب ﵇ (d)، فأجَابَهُ إلى ذلك قَوْمٌ منهم، وعليّ ﵇ يَوْمئذٍ بالبَصْرَة، فبلَغَه ذلك، فصَعدَ المنبَر فَخَطَبَ النَّاسَ، ثم قال (٢): [من الخفيف]
стр. 5213
إنَّ حيًّا يرَى الصَّلَاح فسَادًا … ويَرَى الغَيَّ للشَّقَاءِ رشَادَا
لقَرِيبٌ من الهَلَاكِ كما أهْلَكَ … سَابُور بالسَّوَادِ إيَادَا
قال: وبَلَغَنا أنَّ سَابُور ذا الأكْتَاف المَلكَ أقام بجندَي سَابُور ثلاثين سَنَة من مُلكه، ثمّ تحوَّل إلى المَدَائن، وهى دَارُ المَلكَ في القَدِيم، فتحوَّل عن جَانِب المَدَائِن الّتي كانت المُلُوك تنْزله، وبَنى الإِيْوَان الّذي بالمَدَائِن اليَوْم والقَصْرَ في الجانب الآخر.
فلَم تَزَل المُلُوك -بعد سَابُور ذي الأكْتَاف إلى أنْ خَرَج المُلْكُ من أيْدِيهم - ينْزلونَ الإِيْوَان الّذي بالمَدَئِن والقَمْر الّذي الإِيْوَان فيهِ، ومَلَكَ سَابُور اثنتَيْن وسَبْعِين سَنَةً، فحين حَضَرته الوَفَاةُ كان ابنُه سَابور بن سَابُور ذي الأكْتَاف صَغِيرًا، فأوْصَى بالمَلِك لأَخِيهِ أَرْدَشِيْر (a) في هُرْمُز المَلِك.
ومن خَطِّ عَبْد السَّلام: وبن سَابُور ذو الأكْتَاف الإِيْوَان الّذي بالمَدَائِن والقَصْرَ الّذي فيه الإِيْوَان، وبَنى الأنبار وسمَّاها فيرُوز سَابُور، وبَن مَدِينَة السُّوْس بالأهْوَاز، وفي مَدَائِن بسِجِسْتَان، وبنى مَدِينَة الكَرَج، وبَنى مَدِينَة بآجُرٍ وسمَّاها جُنْدَي سَابُور؛ أسْكَنَ فيها سَبْيًا سَبَاهُم من الرُّوم، وبنى مَدِينَة نَيْسَابُور بأرْض خُرَاسَان، وفي مَدَائنًا بالسِّنْد.
هذا ما نَقَلْتُهُ من خَطِّ عَبْد السَّلام البَصْرِيّ المعرُوف بالوَاجْكَا.
وذُكِرَ في غير هذا الكتاب أنَّ أبولْيَاس مَلِكَ الرُّوم، وكان ينْزلي أنْطَاكِيَةَ، قَصَدَهُ سَابُور ذو الأكْتَاف فظَفر به أبولياس إمَّا في حَرْبه، وإِمَّا لأنّ سَابُور -كما يُقال- مَضَى إلى أرْض الرُّوم ليقتَصَّ أمْرَها، ففَطنَ له وقَبَض عليه، فكيفَ ما كان فقد دَخَلَ أنْطَاكِيَة.
стр. 5214
وقيل: إنَّ أبولياس سار (a) إلى أرْض العَجَم حتَّى بلَغَ جُنْدَي سَابُور فَحصَرَها فاسْتَصْعَبَ عليه فتحها، وكان سَابُور مَحْبُوسًا في قَصْر أبولياس، فعَشِقَتهُ ابنَةُ المَلِك، فَخلَّصَتْهُ، فطَوَى البِلَاد مُتَخفِيًا إلى أنْ وَصَلَ جُنْدَيْسَابُور، فدَخَلها وقويت نفُوس مَن بها من أصْحَابهِ، وخَرَجُوا من فَوْرهم، فأوْقَعُوا بالرُّوم تَفَاؤلًا بخَلَاصِ سَابور، فأسُروا أبولْيَاس فقَتَلَهُ سَابُور ذو الأكْتَاف، واخْتَلَفت الرُّوم فيمَنِ يُولُّونَه وضَعُفُوا عن مُقَاومته، وكان لسَابُور عناية بقُسْطُنْطِيْن فولَّاهُ على الرُّوم، ومنَّ عليهم بسَبَبهِ، وجَعَل لهم طَرِيقًا إلى الخُرُوج من بِلَادِه، وبعد أنْ شَرَط علِى قُسْطُنْطِيْن بأنْ يَغْرس بإزَاء كُلّ نَخْلة قُطِعَت من أرْض السَّوَادِ وبلَادِه شَجْرَةَ زَيْتُون، وأنْ يُنْفذ إليه مَنْ ببلادِ الرّوم فوَفى له.
وَقَعَ إليَّ كتاب يَتَضَمَّن أخْبَار الفُرْس لَم يُذكر اسْم مؤلِّفه، فَنَقَلْتُ منهُ (١): فلمَّا بلغَ سَابُور ستّ عَشرة سَنَة، واشْتَدَّ عَظْمُه، وقَويَ عِلى حَمْل السِّلاح، جَمعَ إليه عُظَمَاء أهْل مملكته، ثُمَّ قام وخَطَبهم، وحَمدَ الله، ووعَظهُم، ثمّ أمرَهم أنْ يَخْتارُوا نُجَدَائهم وأهْل الَبأس منهم ألْفَ أسْوَار، ففَعَلُوا، وعُرِضُوا عليه بأسْلَحتهِم وكُرَاعِهم، فأقامِ لهم ما يَكْفيهم وأوْلَادهُم من الأرْزَاق والأطْعِمَةِ، ثمّ جَمع الألفَ إليه وحثَّهم على القيام بحِفْظ البِلاد، وكات الأحْوَال -بسَبَب صِغَر سِنِه- قد اخْتلَّت، فأجَابُوه بما يُؤثره، ثمّ سَار إلى النَّواحِي التي كانت العَرَبُ فيها، فقَتَل مَنْ قَدر عليه منهم، وهَرَب بَقِيَّتُهم حتَّى لحَقُوا ببلادهم، فقَطَع البَحْر حتَّى أتَى الخَطَّ، ثمّ غَزَا بلادَ البَحْرين، فَجَعَل لا يُبْقي على شيءٍ قَتْلًا وإخْرَابًا، غير أنَّهُ لَم يكُن يأخُذ لهم سَلْبًا ولا مَالًا، ثمّ مَضَى إلى هَجَر، فأعْظَم المَقْتَلَة فيهم، ثمّ أتَى عَبْد
стр. 5215
القَيْس ففَعَلِ بهم مثْلَ ذلك حتَّى أبادَهُم، وفعَل ذلك باليمَاَمَة وما يليها، وقَتَل بالمَدِينَة وخَيْبر، ثمّ هَبَطَ إلى ما يلي الشَّام من بلادِهم ففَعَل مثل ذلك بهم، وقال: هذا جَزَاؤكم بما كان من بَغْيكُم علينا وإفْسَادِكُم في بلادِنا بعدَما شَرَطْتُم لدَارَا بن دَارا المَلِك من الكَفِّ عن بلَاده والتَّشَبه بالنِّسَاء في إطَالة الشَّعر واتِّخَاذ الأُزُر، وكان دَارَا بن دارَا المَلِكُ ابن عَمِّ بَابك بن سَاسَان والد أَرْدَشِيْر.
فلمَّا بَلغَ سَابُور ما في نفسه، وأدْرَك منهم ثأره، قال لمَن معه من الجنُود: إنِّي أُريد دُخُولَ أرْض الرُّوم ومُسْتَخْفٍ فيها حتَّى أبْحَث عن أسْرَارهم وأعرْف عدَّة جُنُودِهم، ومَسَالكَ بلادهم، حتَّى إذا بَلَغْتُ نَهْمَتي من ذلك وحَاجَتي، انْصَرفتُ إلى مملكتي، فسِرتُ إليهم بمَن أحْتَاج إليه من الجنُود، فحذَّره الجنُود التَّغْرِيرَ بنَفْسه فلَم يَقْبل.
وانْصَرَف مُتَنكِّرًا حتَّى دَخَل أرْضَهُم، فمكُث فيها حيْنًا يَجُول فيها، فبينا هو كذلك إذْ بَلَغَهُ أنَّ ابن قَيْصَر أعْرَسَ فأوْلَم وِلِيمَةٌ لسَفِلَة النَّاسِ ومَسَاكِيْنهم، وأمرَ أنْ يُجمعُوا له ويحضرُوا طَعَامَهُ بعد فَرَاغهِ من طَعَام الأشْرَاف، فانْطَلق سَابُور مُتَهيِّئًا بهَيْئَةِ السُّؤَّال حتَّى شَهِدَ ذلك الجَمْعِ، ليَنْظُرَ إلى قيصَر ويَعْرِف هَيْئَتَهُ في مَجْلِسه وطَعَامه، فبينا هو كذلك إذ أُتي قيصرُ بإناءٍ يَشْرَبُ فيه من آنيةِ سَابُور مَنْقُوش فيهِ تِمْثَال سَابُور، فَجعَلوا يسْقُونَ بهِ قَيْصَر ومَنْ حَوْله، حتَّى انْتَهَىَ الإناءُ إلى حَكِيمٍ من حُكَمائهم الّذين يَنْظرُون في النُّجُوِم، ويعْرفونَ الفِرَاسَةَ، فنَظَر في التِّمْثالِ الّذي فيه، وقَبْل ذلك ما قد كان أبْصَر وجْهَ سَابُور وهو جالسٌ في رِفْقة المَسَاكِيْن، فأمْسَكَ الإناء وقال: إنِّي لأرَى أمرًا مُعجبًا! قال قَيْصَر وما ذلك؟ قال الحَكِيم: أرَى في الجلسَاءَ رَجُلًا شَبِيه الصُّوِرَة بهذا التِّمْثال، فإنْ لم يَكُن ذلك سَابُور فما في الأرْض أحَدٌ أشبَه منهُ بهِ! فأمرَ قيْصَر فدَعا سَابُور إليهِ فسَأله عن أمْره، فقال: أنا رَجُلٌ مِسْكِين من أهْل فارس، وكان سَابُور جَمِيل الوَجهِ،
стр. 5216
حَسَن الصُّورَةِ، مُعْتَدل القَامَة، تَامّ الخَلْقِ، فازْدَاد قَيْصَر -لمَّا رَأى من حَالهِ في ذلك- ارْتيابًا في أَمْره وأحَسَّ بأنَّهُ لَمْ يَصْدُقه عن نفسه، فألَحَّ عليه في السُّؤَالِ، وقال: ما صَدَقْتَنا عن خَبَرك، فقال سَابُور: أمَّا إذا أَبَيْتُم إلّا التَّقَصِّي عن أمْرِي فإنِّي لا أجِدُ من صدْقكم بُدًّا، أنا من أَسَاورَة فَارِس، وكان وَالدِي قد أجْرَم إلى مَلِكنا جُرْمًا عَظيْمًا فقَتَلَهُ، واسْتَصْفَى مالَهُ، فتَخَوَّفْتُه على نَفْسِي، فلَحِقْتُ بكم وقد أصَابَنِي فَقْرٌ ومَسْكَنَةٌ، فأتَيْتُ هذا المَوضِعَ لِمَا بي من الجُوع والجهْد والفَاقَة، فَرَقُّوا له وظنُّوا أنْ قد صَدَقهُم عن نَفْسِه، فهمُّوا بتَخْلية سَبِيلِهِ، فأبَى ذلك العَالِم عليهم أنْ يُخَلُّوه، ونَظَر في حِسَابهِ فأتَاهُ في ذلك ما وَافَق ظَنَّهُ، وقال: اعْلمُوا أنَّ هذا سَابُور نَفْسُه، فاسْتَوْثِقُوا منه واشْتَدُّوا عليه حتَّى يُعْلمكم أمْرَهُ، فاشْتَدّ عليه قَيْصَر عند ذلك، وتَوَعَّدَهُ بالقَتْلِ، وجَعَل له الأمَان على أنْ يُحقِّق له الخَبَر عن أمْه، فقال لهم سَابُور: عَجَبًا لكم ومن طَمَعكم بي أنْ يُؤثر سَابُور الجهْدَ والحاجَةَ والجُوع في بلاكم على المَقَام في مُلكه ونِعْمته، فلَم يَقْبَلُوا ذلك منه، ولَم يُخلُّوا عنه حتَّى اعْتَرَفَ لهم سَابُور، فاشْتَدّ فَرحَ قَيْصَر وجُنُودِه وقالوا: قد أعْظَم اللّهُ علينا النّعْمَةَ فسَاق إلينا عَدُوّنا وأمْكَنَنا منه، فنحنُ مُنْتَقِمُون منه، ومُنْزلون به وبأرْضه ما أجْرَم إلينا سَابُور الأوَّل.
فأمَرَ قَيْصَر بسَابُور، فُجُعِلِ في نُقْرةٍ جَوْفاءَ من جُلُود البَقَرِ، ثمّ أطْبقَ عليه وألْزَمَهُ الرُّقَبَاءَ والحَفَظَة. وسار بِجُنُوده إلى أرْض فَارِس، ثُمّ أرْسَل إليهم: أنِّي قد أخَذَتُ مَلِكَكُمُ، فإمَّا أنْ تَفْتَدُوه، وإمّا أنْ أقتُلَهُ، وأمَرَ سَابُور أنْ كَتَبَ إلى أهْل أرْضه، فيُرسِل أهْلُ كُلّ مَدِينَةٍ بما يَسْألهم، فجَعَل لا يَنْزل بأرْضٍ إلّا أخْرَبها، وجَعَلَت الأعَاجِم تَتَّقِيهِ بكُلّ ما قَدَرت عليه، فكَثُر منه القَتْلُ والإخْرَاب في مَدَائنهم وقُرَاهم والعَقْر في نَخْلهم وشَجَرهم، وسَابُور معه يَسِيْر به حيثُ ما تَوجَّه،
стр. 5217
حتَّى انْتَهَى إلى جُندَيْسَابُور، وكان قد تحصَّن جُنُود (a) فَارِس وعظماؤهم، فنَصَبَ عليهم المَجَانِيْق حتَّى هَدَم نِصْفَها، ولَم يَسْتَطِع دُخُولها.
فبَيْنا هو كذلك، إذ غَفَل حُرّاسُ سَابُور من الرُّوم ذات لَيْلَةٍ فلم يغلقُوا البابَ الّذي كان يلقَى إليهِ الطّعَام في النُّقْرة، وكانت لَيْلَة مُقْمِرَةً، وكان حَوْل النُّقْرة ممَّن غَنِمَت الرُّوم من سَبْي الأهْوَاز أناسٌ كَثِيْرٌ، فرَفَعَ سَابُور رأسَهُ، وقَبْل ذلك ما سَمِعَ كلامهم وعَرِفَ لُغَتَهم، وكان عندَهُم زِقَاق زَيْت، فدَعا سَابُور بعضَهُمِ فقال: خُذُوا من هذه الزِّقَاق فأفْرغُوه على رَأسِيِ، ففَعَل ذلك فابْتَلّ القَدّ وَلَان، وكان قد نَحلَ جِسْمُه فلَم يَلْبَث أنْ أسْبَل يَدَيهِ ورِجْليه من الوِثَاقِ، وخَرَجَ من النُّقْرة يَدُبُّ على قَوَائمِهِ شِبْه الدّابَّةِ، حتَّى إذا جاء من باب المَدِينَة رَآهُ الحَرَسُ فصَاحُوا به، فأشار إليهم أنْ اصْمِتُوا وأخْبَرَهم باسْمه، فعرفُوا صَوْتَهُ ففَتَحُوا باب المَدِينَة (b)، فلمَّا دَخَلَ على أهْلها اشْتَدَّ سُرُورهم به، ورَفَعُوا أصْوَاتَهم بحمدِ اللّهِ وتَسْبِيحه.
فاسْتَنْبه قَيْصَر وأصْحَابه بأصْوَاتهم (c)، وظنُّوا أنَّهُ أتاهم مَدَدٌ من وَرَائهم، ثمّ قال لهم سَابُور: اسْتَعدُّوا وتَعَبَّوا، فإذا سَمِعْتُم صَوْتَ نَاقُوس الرُّوم فارْكَبُوا خُيُولكم، فإذا ضُرِبَ بهِ الثَّانيَة فواقفُوهُم (d)، فإنِّي أرْجُو أنْ يَفْتَح اللّهُ لم عليهم، ويَفُلّ حَدَّهُم، ففَعَلُوا ذلك بهم، فقَتَلوا الرُّوم أبْرَحَ القَتْلِ، وأمْرَهم سَابُور أنْ يأخُذوا قَيْصَرًا أسِيْرًا ولا يَقْتُلوه، فأسَروا قَيْصَر، واسْتَباحُوا ما كان معه من أمْوَالِهِ وأمْتَعته ونِسَائهِ، فأمَرَ بكُلِّ ما كان معَهُ من السَّبْي فرُدَّ إلى بلادِهِم وأرْضِهم، وبما كانوا أصَابُوا أنْ يُدْفع إلى مَنْ كان له.
стр. 5218
وأوْثق قَيْصَر حَدِيدًا وقال: إنِّي مُكَافئك بما أولَيْتَنِي كما أحْيَيتَني، وآخُذك بإصْلَاح ما أفْسَدْت، وعِمَارَة ما أخْرَبْتَ مِن أرْضي، فلَسْتَ بنَازِح (a) حتَّى تَغْرس مَكان كُلّ نَخْلة اقْتَلَعْتها أو شَجَرَة عقَرتها زَيْتُونة، وحتَّى تَبْنِي كُلّ مَدِينَة أخْرَبْتَها أو بناء هَدَمْته بنَفْقتكَ وعُمَّالك.
وكَتَبَ قيصَر إلى الرُّوم يَسْألهم أنْ يَفْدُوه بذلك، فحملُوا التُّراب من أرْض الشَّام حتَّى عَمَّروا به المَدَائِن، فبَنوا له المَدِينَة العَتِيقة، وبنَوا ما هَدَمُوا من جُنْدَيْسَابُور بالآجُر والجِصّ، فصَار (b) سُور تلك المَدِينَة نصفًا آجُر ونصفًا لِبْن، وغَرَسُوا الزَّيْتُون بأرض فَارِس والأهْوَاز والسَّوَاد، ولَم يكُن قبل ذلك بها زَيْتُون.
فلَّمَا قَضَى سَابُور حاجتَهُ من قَيْصَر، سَألَهُ أنْ يُخْلي سَبِيلَهُ، ورغبَ إليهِ في ذلك، فقَطع عَقِبَيه وكَفّه، وقال: هذا جَزاؤُك بما ابْتدأتَ به من الظُّلْم والعُدْوَان والبَغْيّ، ثُمَّ حَمَلَهُ على حِمَار وبَعَثَ بهِ إلى الرُّوم، فلذلك ما تَرَكت الرُّوم اتِّخَاذ الأعْقَاب للخفَاف ورُكُوب الدَّوَابّ (c).
ثُمَّ أقام سَابُور في مُلْكه، وأقْبَل على عِمارَة بلَادِهِ وإصْلَاحه مَمْلَكَته، ومَكُث بذلك حينًا، ثُمّ سَارَ إلى أرْض الرُّوم فقَتَل فيهم مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وسَبَى منهم سَبَايا كَثِيْرة، وبَني بالسُّوْس مَدِينَةً وسمَّاها أبرانحره سَابُور (d)، وعَمد إلى السَّبْي الّذين جاء بهم من الرُّوم فأسْكَنَهُم تلكَ المَدِينَةَ، ثُمَّ عَفَا عن العَرَب واسْتَصْلحهِم، وِأسْكَن ما أصَابَ من سَبَايا العَرَب من بَنِي تَغْلِب بَرَاري وسَمَاهِيْج والخَطّ، ومَنْ سَبَى من عَبْد القَيْسِ وأفْخَاذٍ من تَمِيْم بهَجَر، ومَنْ سَبَى من بَكْر بن وَائِل بكَرْمَان،
стр. 5219
ومَن سَبَى من بني حَنْظَلَة وتَنُوِخ بالأهْوَاز، وإنَّما كان يُسْكنُ كُلّ قَوْم ممَّن يَسْبِي في ما يُوافِق بلادهم من الأرَضيْنَ، وفَي مَدِينَة أُخرى بنَيْسَابُور، ومَدَائن أُخَر بالسِّنْد وسِجِسْتَان، وذلك سِوَى أنْهارٍ كَثِيْرة احْتَفَرها، وقَنَاطِر وجُسُور عَقَدَها، وقُرَىً أسَّسَها وعَمَّرَها.
قُلتُ: الّذي أظُنُّه أنَّ هذه الحِكَايَة عن سَابُور مَصْنُوعة، واللّهُ أعْلَمُ.
وإلى سَابُوِر هذا، أو إلى سَابُور الجُنُود جَدُّ جَدّ جَدّه الّذي قَدَّمْنا ذِكْرهُ، أشَار عَدِيّ بن زيْدٍ العِبَادِيُّ بقَوْله (١): [من الخفيف]
أينَ كِسْرَى، كِسْرَى المُلُوك أنُو … شِرْوَانَ أم أينَ قَبْلَهُ سَابُورُ
سَارِيَة بن مُحَمَّد -وقيل: سَارِيَة بن عَبْد- ابن سَارِيَة، أبو الحَسَن البَغْدَاديّ ثُمَّ الطَّرَسُوسِيّ الحافِظ
بغدَاديٌّ سَكَنَ طَرَسُوس، وحَدَّثَ بها عن أبي سَعيد الأَشَجّ، والحَسَن بن الصَّبَّاح الوَاسِطِيّ، وسَلْمَان بن تَوْبَة النَّهْرَوَانيّ.
رَوَى عنهُ سَدِد بن الفَتْح، وأبو حَفْص عُمَر بن جَعْفَر الطَّبَريّ، وأبو بَكْر مُحَمَّد بن أحْمَد بن إسْمَاعِيْل المِصِّيْصيُّ.
قَرأتُ بخَطِّ الحَافِظ أبي طَاهِرٍ أحْمَد بن مُحَمَّد السِّلَفِيّ: أبو الحَسَن سَارِيَة بن مُحَمَّد بن سَارِيَة البَغْدَاديَ الحافِظ، رَوَى عن أبي عليّ الحَسَن بن الصَّبَّاح البَزَّار (a) الوَاسِطِيّ، وأبي سَعيد عَبْد الله بن سَعيد الأَشَجّ الكُوْفيّ وغيرهما. رَوَى عنهُ أبو بَكْر مُحَمَّد بن أحْمَد بن إسْمَاعِيْل المُعَيْطِيّ المِصِّيْصيّ بمِصْر، وأبو حَفْصٍ عُمَر بن جَعْفَر بن
стр. 5220
مُحَمَّد الطَّبَريّ بمَكّة، في حَرْف السِّيْن المُهْمَلَة من مُعْجَم شُيُوخه، وذَكَرَ أنّهُ كَتَبَ عنهُ سَنَة خَمْسٍ وتِسْعِين ومَائتَيْن.
أخْبرَني أبو بَكْر مُحَمَّد بن عبد العَظِيْم بن عَبْد القَوِيّ المُنْذِريّ من لَفْظهِ، قال: نَقَلْتُ من خَطِّ الحَافِظ أبي الحَسَن علِيّ بن المُفَضَّل المَقْدِسيّ بالإسْكَندَريَّة، ونَقَلَهُ من خَطِّ الحافِظ أبي طَاهِر السِّلَفِيّ ﵄: أبو الحَسَن سَارِيَةُ بن عَبْد بن سَارِيَة الطَّرَسُوسِيّ، رَوَى عن سَلْمَان بن تَوْبَة بن زِيَاد النَّهْرَوَانِيّ سَنَة اثْنَتَيْن وتِسْعِين ومَائتَيْن، وعن غيره، حَدَّثَ عنهُ سَعيدُ بن الفَتْح مَوْلَى مُحَمَّد بن العَلَاء بأنْطَاكِيَة، وكَتَبَ عن سَعيد هذا مُحَمَّد بن المحسِّن بن الحُسَين الأذَنِيّ بأنْطَاكِيَة، ورَوَى عنهُ بمِصْرَ.
سَاطعُ بن عَبْد البَاقِي بن المُحَسِّنِ بن عَبْد البَاقِي بن عَبْد الله بن المُحَسِّن بن عَبْد الله بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن سَعيد بن أحْمَد بن دَاوُد، أبو [البَيَان] (a) التَّنُوخِيّ المَعَرِّيّ (١)
شَاعِرٌ مُجِيْدٌ من بَنِي أبي حَصِين، بَيْت القَضَاءَ والفَضْل والعِلْم، وكان سَاطع هذا من أعْيَان أهل المَعَرّة، وكان يَتَردَّدُ إلى حَلَب، واجْتَمَعْتُ به مِرَارًا مُتَعدِّدةً بمَعَرَّة النُّعْمَان وبحَلَب، وسَمِعْتُ منه مَقَاطِيعْ منِ شِعْره، وقَصَائِد مَدَح بها المَلِكَ الظَّاهِر غَازِي بن يُوسُف بن أَيُّوب، وِكان قد نَفق عليهِ ومالَ إليهِ، فمِمَّا سَمِعْتُه من لَفْظه قَصِيدَة أنْشَدَها بقَلْعَة حَلَب بين يَدَيْهِ، وذلك في بعض ليالي شَهْر رَمضَان من سَنَة اثْنَتي عَشرة وسِتُّمَائة، وذَكَرَ فيها وَلده المَلِك العَزِين مُحَمَّد بعد أنْ