← Тараджим

Тараджим · id 1161

تاريخ البرزالي المقتفي لتاريخ أبي شامة - ت العثيمين

علم الدين البرزالي

Полный текст (2 505 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

٣٩٤٣ - وفي ليلة الاثنين أول الليل التاسع من ذي القَعْدة تُوفِّي الحاجُّ أبو مُحمد عبدُ الرَّحمن (١) بنُ يحيى بن عبدِ الرَّحمن بن مَعَالي بن حَمْد المَقْدسيُّ الصّالحيُّ، ابن المُطَعِّم، ويُعرف بطُرْزُل، ودُفِنَ من الغَد بسَفْح قاسيون. سَمِعَ من خَطيب مَرْدا حُضُورًا، وسَمِعَ من ابن عبد الدّائم، وحَدَّث. وماتَ في عَشْر السَّبْعين. وخَلَّف تركةً نحو عِشْرين ألفًا، وكانَ يُطَعِّم في الأشجار، ويتردَّدُ إلى جُبّة عُسّال (٢) ووادي بَرَدا في معيشتِه وتجارتِه. وهو ابنُ أخي شَيْخنا عيسى المُطَعِّم. ٣٩٤٤ - وفي يوم الثُّلاثاء عاشِر ذي القَعْدة تُوفِّي الشَّيخُ الكاتبُ المُجَوِّدُ الفاضلُ نَجْمُ الدِّين مُوسى (٣) بنُ عليّ بن مُحمد الحَلَبيُّ، ثم الدِّمشقيُّ، المَعْروفُ بابن البُصَيْص، ودُفِنَ من يومِه بمقبَرة الباب الصَّغير. ومولدُه سنة إحدى وخَمْسين وست مئة، عاشَ خَمْسًا وستين سنة. وكانَ مُقَدَّمًا على الكُتّاب في وقتِه، وجلسَ لذلك في حَداثة سِنِّه، فكتبَ النّاسُ عليه وانتفعُوا به نحوًا من خَمْسين سنة، وله شِعْرٌ، وعندهُ فضيلةٌ وأخلاقٌ حَمِيدةٌ ومقاصدُ جميلةٌ. ٣٩٤٥ - وفي يوم الثُّلاثاء سابع عَشَر ذي القَعْدة تُوفِّي الشَّيخُ الإمامُ العالمُ

стр. 2242

المُقْرئُ المُجيدُ الزّاهدُ العابدُ بقيّةُ السَّلَفِ الصّالح تَقِيُّ الدِّين أبو بَكْر (١) بنُ مُحمد بن أبي بَكْر بن أبي الكَرَم المَوْصليُّ، ودُفِنَ آخر النَّهار المَذْكور بمقبَرة الباب الصَّغِير على باب تُرْبة فَخْر الدِّين العَزَازِيّ، رحمه الله تعالى. وسألته عن مَولِده فذكرَ أنَّهُ في سنة ثلاثٍ وثلاثين وست مئة تَقْريبًا بالمَوْصل. وقال لي: دخلتُ دمشقَ في أول سنة ستّ وخَمْسين وست مئة، وعُمُري ثلاث وعِشْرين سنة. وقرأ القراءات على الشَّيخ زَيْن الدِّين الزَّواوي، وكانَ شيخَ المُتَصَدِّرين للتَّلْقين بجامع دمشق، ويُقرئُ أيضًا بالرِّوايات. أقامَ يُقرئ نحو خَمْسينَ سنة، وكانَ صالحًا، مُباركًا، حَسَنَ الخُلُق، عندَهُ فضيلةٌ وله خُطَبٌ وتَصْدِيقات يَجْمعها للصِّبيان يوردونها عند خَتْمِهم، وخَتَمَ عليه خَلْقٌ كثيرٌ ممّن قرأ عليه وممّن قرأ على أصحابه وتلامذته، وعلى غيرهم، كانوا يَقْصدون الخَتْم عليه لكِبَره وصلاحِه. وكانَ شيخَ الميعاد المَنْسوب إلى ابن عامر في ليالي الأحد. وسَمِعَ الحَديث من ابن أبي اليُسْر، وأيوب الحَمّاميِّ، وأبي بكر الهَرَويِّ، وشيخِنا ابن عَلّان، وغيرِهم، وحَدَّث. قرأتُ عليه "تاريخ داريّا" للخَوْلانيّ بقَرْية داريّا بسَماعه من أيّوب الحَمّاميّ، بسَماعه من الخُشُوعيِّ. حضرَ جنازتَهُ جمعٌ كبيرٌ من الأعيانِ والعُلماءِ والصُّلَحاءِ وعامّة النّاس، رحمهُ اللهُ تعالى. ٣٩٤٦ - وفي بُكْرة الأحد الثاني والعِشْرين من ذي القَعْدة تُوفِّي الشَّيخُ

стр. 2243

الصّالحُ المُقْرئُ الزّاهدُ العابدُ المُجتهدُ أبو عبد الله مُحمدُ (١) ابنُ الخَطيب سَلامة بنِ سالم بن أبي الحَسَن بن يَنْبُوت الماكسينيُّ، بالمَدْرسة الصّارِمية بدمشق، وصُلِّي عليه ظُهْر الأحد بالجامع المَعْمور، ودُفِنَ بمقبَرة الباب الصَّغير بالقُرب من قَبْر الفَنْدلاويّ، وحَضرَ جنازتَهُ جمْعٌ كبيرٌ حُزِروا بعشرة آلاف وأقلّ من ذلك. وكانَ شيخًا صالحًا، مُلازمًا لإقراءِ القُرآن من أكثر من خَمْسين سنة، وكانَ يُفَصِّح الألسِنةَ ويُعَلِّم الحُرُوف الصَّعْبة ويواظب على الجُلُوس بالجامع والإقامة به، وأوقاتُه مَعْمُورة بالتِّلاوة والصَّلاة والعِبادة ليلًا ونهارًا. وقرأ عليه جماعةٌ كبيرةٌ من أهل دمشق، وحَفِظوا عليه الكتابَ العزيز وانتفعُوا به. ومولدُه بماكسين في سنة اثنتين وثلاثين وست مئة تقريبًا، رحمهُ اللهُ تعالى. وسَمِعَ الحديثَ من الحافظ أبي البَقاء زَيْن الدِّين خالد النابُلُسيِّ، وابن أبي اليُسْر، وعُمر بن مُحمد الكِرْمانيّ، ورَوَى عنهم. وذكرَ أنَّ والدَهُ ماتَ سنة اثنتين وخَمْسين وست مئة، وكانَ هو إذ ذاك رَجُلًا ابن عِشْرين سنة أو نحوها. ٣٩٤٧ - وفي يوم السَّبْت الثامن والعِشْرين من ذي القَعْدة تُوفِّي بحَمَاة رَجلٌ صالحٌ اسمُهُ الشَّيخُ أحمدُ (٢) بنُ سِباع، وصُلِّي عليه بجامع السُّوق الأعْلَى، ودُفِنَ بالمُصَلَّى ظاهر البَلَد، وكانت له جنازةٌ كبيرةٌ حَضَرَها مُعظم أهل البَلَد من الصُّلحاء والكِبار والأعيان والعامّة.

стр. 2244

ذو الحِجّة ٣٩٤٨ - في آخر ليلة السَّبْت السّادس من ذي الحِجّة تُوفِّيت الشَّيخةُ الصّالحةُ الكبيرةُ أمُّ أحمد فاطمةُ (١) بنتُ الشَّيخ نَفِيس الدِّين أبي البَرَكات مُحمد بن الحُسَين بن عبد الله بن رَوَاحة الأنصاريّةُ الحَمَويّةُ، بمدينة حَماة، وصُلِّي عليها ظُهْرَ السَّبْت بجامع حَمَاة الأعلى؛ تَقَدَّم في الصَّلاة عليها قاضي القُضاة شَرَف الدِّين بن البارزي، ودُفِنَت جوار مَسْجد يُعْرَف ببني رَوَاحة داخل الباب القِبْليّ عندَ أخٍ لها. رَوَت عن عَمِّها عزِّ الدِّين عبد الله، وهي آخر من رَوَى عنه، وحَدَّثت بالقاهرة وحَمَاة وطرابُلُس. وكانت زَوْجة ابن عَمِّها شيخِنا زَيْن الدِّين عبدِ الرَّحيم بن عبد الله، أمُّ ولَدِه الصَّدْر الفاضل المُنْشِئ نُور الدِّين أحمد، وأصيبت بوَلَدِها المَذْكور ماتَ قبلها بمدّةٍ. ٣٩٤٩ - وفي عَشِيّة الثاني من ذي الحِجّة تُوفِّي بمكةَ الشَّيخُ الفقيهُ الإمامُ العالمُ عزُّ الدِّين عُمرُ (٢) بنُ أحمد بن أحمد بن مَهْدي المُدْلجِيُّ النَّشائيُّ، وصُلِّي عليه بعد العَصْر خَلْف المَقام، ودُفِنَ بالمَعلّاة. وكانَ قَدِمَ مكةَ في رَمَضان فأقامَ نحو ثلاثة أشْهُر، وماتَ، رحمهُ اللهُ تعالى.

стр. 2245

٣٩٥٠ - وفي يوم عَرَفة تُوفِّي عِمادُ الدِّين إسماعيلُ (١) ابنُ نَجْم الدِّين عبد الله الفُوعِيُّ، ودُفِنَ من يومِه بسَفْح قاسيون. وكانَ وكيل الأمير سَيْف الدِّين قَجْليس، وفيه نَهْضةٌ وكفاءةٌ، وحَصَّل ثروةً، ودخل في أسبابِ الدُّنيا، وعَمَر الحوانيت على باب الصَّغير لموكّله المَذْكور. وكان يُذْكَرُ عنه وعن والدِه تَشَيُّعٌ. • - وعَقِيب عيد الأضحى وصَلَت الأخبار إلى دمشق باستقرار وَلَد خَرْبَندا في المُلْك بعد أبيه، وأنه خُطِب له في جَمِيع مَمْلكة والدِه، واسمه أبو سَعِيد، وهو صَبِيٌّ عُمُره إحدى عَشْرة سنة، وأنَّ أربابَ دولتهم مُصَادرون ومَطلُوبون بالأموال، وأنَّ خَرْبَنْدا كان سُمَّ، وعاشَ بعد ذلك عِشْرين يومًا أو نَحْوها، وقَتَلَ جماعةً ممّن اتُّهم بذلك، أو وافقَ عليه من الرِّجال والنِّساء، واستمرَّ في الوِزارة عليّ شاه التِّبريزيُّ، وتَولَّى تدبيرَ الدَّولة والجيوش الأمير جُوبان (٢). • - ووَصلَ الخَبَرُ في التّاريخ المَذْكور بأنَّ الشَّريفَ حُمَيْضةَ بن أبي نُمَيّ الحَسَنيَّ المكيَّ كانَ قد لَحِقَ بخَرْبَندا، وأقامَ في بلادِه أشهُرًا، وطَلَب منهُ جَيْشًا يغزو بهم مكّةَ، وساعدَهُ جماعةٌ من الرّافضة على ذلك، وجَهَّزوا له جَمْعًا من خُراسانَ وكانوا مُهْتَمّين بذلك، فقدَّرَ اللهُ تعالى مَوْت خَرْبَندا وبَطل ذلك بحَمْد الله تعالى، وفَرِحَ المُسلمونَ أهل السُّنة والجَماعة بما يَسَّرهُ اللهُ تعالى عندَ موتِ خَرْبَندا من إهانة الرَّوافض وإذلالهم في جَميع مملكته، ومن إعزازِ أهلِ السُّنة وإعادةِ الخُطُب في جَميع ممالكة بذكْرِ الشَّيْخين ﵄، فإنَّ أهلَ السُّنة كانُوا في غَمٍّ شديد من ذلك من مدّة سِنين، وجَرَت فِتَنٌ عظيمةٌ

стр. 2246

بسبب ذلك وقتال وحُروب بأصبهان وهَراة وبَغْداد وساوة وإرْبِل وغيرها من بلادِ مملكته (١). ثم إنّ مُحمد بن عيسى أخا مُهَنّا هو وجَمْعٌ من العَرَب وقعوا على حُمَيضة وعلى الدَّلْقَنْدي، وكانَ معهما جَمْعٌ وأموالٌ فقهرَهُم وغَنِمَ ما معهم، ودَثَر (٢) حُميْضة، وكان الدَّلْقَنْدي رَجُلًا رافضيًّا (٣) من أعيان دَوْلة التَّتار قد قامَ بنَصْرِه وجَمَعَ له الأموال والرِّجالَ على أن يأخذَ له مكةَ ويقيمه بها. فلما وَقعَ ذلك على يدِ مُحمد بن عيسى وكانَ له مدّة ببلاد التَّتار قد خرجَ عن طاعةِ السُّلطان كاتبَ، فأُذِنَ له في الحُضُور، فحضرَ إلى دمشق أبيضَ الوَجه عَقِيب هذه الواقعة وأكرَمَهُ نائبُ السَّلْطنة كرامةً كثيرةً، وتَوجَّه إلى باب السُّلْطان مُكْرَمًا (٤). ٣٩٥١ - وفي ليلة التاسع عَشَر من ذي الحِجّة تُوفِّي القاضي عَلَمُ الدِّين مُحمدُ (٥) بنُ الخَضِر الحاكم بالمَنُوفيّة بالدِّيار المِصْرية، وكانت وفاتُهُ بالقاهرة، ودُفِنَ من الغَد بالقَرَافة. ٣٩٥٢ - وفي يوم الأربعاء بُكْرة النَّهار الرابع والعِشْرين من ذي الحِجّة تُوفِّي الشَّيخُ الفقيهُ الإمامُ العلّامةُ صَدْرُ الدِّين أبو عبد الله مُحمدُ (٦) ابنُ

стр. 2247

الشَّيخ الإمام العَلّامة مُفْتي المُسْلمين زَيْن الدِّين عُمر بن مكّي بن عبد الصَّمَد الشافعيُّ، المَعْروفُ بابن وكيل بَيْت المال، وبابن المُرَحِّل بدارٍ في الجَمَلون قريبًا من الجامع الحاكميِّ بالقاهرة، ودُفِنَ من يومِه بالقُرْب من الشَّيخ أبي مُحمد بن أبي جَمْرة بتُربة القاضي فَخْر الدِّين ناظر الجَيْش بالقَرافة. ومولدُه في شَوّال سنة خَمْسٍ وستِّين وست مئة بدِمْياط. وكانَ من أعيان الفُضَلاء، صاحب فُنُون وعُلوم، وأفتَى وله اثنتان وعِشْرون سنة. ودَرَّس بالمَدارس الكِبار بالبلاد الشّامية والدِّيار المِصْرية، وكانَ النّاسُ مُجمعينَ على كَثْرةِ فَضَائِله وعُلومِه، وله صِيْتٌ مشهورٌ بينَ النّاس بالفَضِيلة، وله تقدُّمٌ عندَ السُّلطان والدَّولة، وباشرَ مشيخةَ دار الحديث الأشرفية بدمشقَ مدّةً، ثم نَزَحَ عن دمشق وأقامَ بحَلَب مدّة، ثم انتقلَ إلى الدِّيار المِصْرية وسكنَها إلى أن ماتَ بها. وكانَ كثيرَ الاشتغال والنَّظَر والبَحْث، يَعرفُ الفقهَ، والأصْلَيْن، والنَّحوَ، والطِّبّ، والأدَب، وغير ذلك. وله شِعْر كثير رَقِيق من جيِّد الشِّعر، وكانَ له أصحابٌ وأتباع ومُحِبُّون تأسّفوا لفَقْده. ولمّا كانَ بدارِ الحَدِيث رَوَى قطعةً كبيرةً من "صحيح مُسلم" عن الأمين الإرْبِليِّ، والعامريِّ، والمِزِّي مَشايخنا، وكانَ سمِعَ "مُسنَد الإمام أحمد" ﵁، على ابن علّان، وسَمِعَ الكُتُب السِّتّة على شُيوخنا، ووَصَل الخَبَر بموتِه إلى دمشقَ في آخر يوم من السَّنة مع البَرِيد، وعُمِلَ عزاؤه بُكْرة الجُمُعة ثالث المُحَرَّم من السَّنة الآتية تَحْت النَّسْر بجامع دمشق. وفي هذا اليوم صُلِّي عليه صَلاة الغائب، ورثاهُ بعضُ الفُضَلاء: نَجمُ الدِّين الصَّفَدي، وعلاءُ الدِّين بن غانِم، ونَجْمُ الدِّين القَحْفازي، وغيرهم من الشُّعراء، ووصفُوا فضائلَهُ ومناصبَهُ ومروءتَه، رحمهُ اللهُ تعالى.

стр. 2248

٣٩٥٣ - وفي سَحَر الاثنين التاسع والعِشْرين من ذي الحِجّة تُوفِّيت الشَّيخةُ الصّالحةُ أمُّ الخَيْر عائشةُ (١) بنتُ شَيْخنا الشَّيخ الإمام القُدْوة الفقيه الحافظ قُطْب الدِّين أبي بَكْر مُحمد ابن الشَّيخ السَّيِّد القُدْوة أبي العبّاس أحمد بن عليّ بن القَسْطَلّانيّ، وتُسَمَّى ستّ الكُلّ، بمكّة، زادَها اللهُ تعالى شَرَفًا، ودُفِنَت أول النَّهار عند جَدِّها الشَّيخ أبي العبّاس بمَقْبَرة مكّة المُسَمّاة بالمَعْلَى. وهي زَوْجة الشَّيخ مُحبّ الدِّين ابن الطَّبَريّ. ومولدُها تقريبًا سنة ثلاثٍ وأربعين وست مئة بمكّة. سَمِعتْ حُضُورًا في الثالثة من بعض شُيوخ مكّةَ في سنة ستٍّ وأربعين وست مئة، ولها إجازة كُتِبَت في هذه السَّنة. وممّن أجازَ لها: إبراهيمُ بنُ الخَيِّر، وأبو جَعْفر بنُ السِّيِّديّ، والأعزَ بنُ العُلِّيق، وابنُ الجُمَّيْزيِّ، وعبدُ الرَّحمن بن أبي حَرَمي، ويوسُف بن خليل، وجَماعة. وكانت امرأةً صالحةً، مُباركةً. ٣٩٥٤ - وفي ليلة سَلْخ ذي الحِجّة تُوفِّي الشَّيخُ شَرَفُ الدِّين مُحمدُ (٢) بنُ أمينِ الدِّين عبدِ الرَّحمن بنِ شَرَف الدِّين أبي الحَسَن ابن فَخْرِ الدَّولة سناءِ المُلْك هبة الله بن مِسْكين الحَرِيريّ كان أبوه، بمِصْر. ومولدُه في سنة ثمانٍ وأربعين وست مئة بمِصْرَ. سمِعَ من الرَّشيد العَطّار، والكمال الضَّرير، وابن البُرهان، وغيرِهم، وكانَ أمينًا بمصبغة الحرير بمِصْر. ضبطَ لنا موتَهُ بَدْرُ الدِّين محمد ابن الشَّيخ جمال الدِّين المِزِّيّ.

стр. 2249

سنة سَبْع عَشْرة وسبع مئة المُحَرَّم • - في يوم الجُمُعة الثالث من المُحَرَّم صُلِّي بجامع دمشق على غائبٍ وهو الشَّيخُ الإمامُ صَدْرُ الدِّين مُحمدُ بنُ عُمر بن مكيّ، المَعْروف بابن وكيل بَيْت المال، ويُعرَف والدُه بابن المُرَحِّل أيضًا، تُوفِّي بالدِّيار المِصْرية. وقد تَقَدَّم ذِكر وفاته في آخر السنة الخارجة، رحمهُ اللهُ تعالى (١). ٣٩٥٥ - وفي ليلة الاثنين السّادس من المُحَرَّم تُوفِّي الشَّيخُ الصّالحُ الفاضلُ المُحدِّثُ علاءُ الدِّين أبو الحَسَن عليُّ (٢) بنُ مُحمد بن عبد الله الخُتَنِيُّ (٣)، الشّافعيُّ وصُلِّي عليه ظُهْر يوم الاثنين بجامع دمشق، ودُفِنَ بمقابر الصُّوفية. ومولدُه في سنة سَبْعين وست مئة تقريبًا. وكانَ صاحبَنا ووفيقَنا جُلّ عُمُره، واشتغلَ وحَصَّلَ، وكانَ يحفظ أشياءَ حَسَنة من اللُّغة والأنساب، وله نُسَخٌ بالكُتُب المتداولة بين الطَّلَبة، مثلَ "التَّنْبيه" في الفقه، و"الأحكام" لعبد الغني، و"الأربعين" للنَّواوي، و"الجُرْجانية"، وغير ذلك، قد أتقنها وصَحَّحَها وقابلَها غيرَ مرّة. وكانَ النّاسُ يقابلون نُسَخَهم عليها ويُصَحِّحونَ عليه، وكانَ كثيرَ النَّفْع والإفادة، وسَمِعَ كثيرًا من الحَديث

стр. 2250

على جماعةٍ من شيوخِنا مثل ابن البُخاري، وابنِ الواسطيِّ، ومَن بَعْدهما، وقرأ كثيرًا من الكُتُب، وسَمِعَ النّاسُ معه، وكانت الألسنة مُجْمعةً على الثَّناءِ عليه، وكانَ متواضعًا، خَيِّرًا، صالحًا، مُباركًا، عَفِيفًا، نَزِهَ النَّفْس، لا يُزاحم أحدًا. ورثاهُ الشَّيخُ علاءُ الدِّين بن غانِم بأبيات وأثنَى عليه، وذكرَ ما كانَ عليه من الخَيْر والطريقة الحَمِيدة، رحمهُ اللهُ تعالى. ٣٩٥٦ - وفي الثامن من المُحَرَّم تُوفِّي الصَّدْرُ علاءُ الدِّين عليُّ (١) بنُ مُظفّر بن قُرْناص الحَمَويُّ، بحَمَاة. وهو والدُ بَدْر الدِّين عبد الله. ٣٩٥٧ - وفي ليلة الاثنين الثالث عَشَر من المُحَرَّم تُوفِّي أحمدُ (٢) ابنُ الحاجّ نَجْم الدِّين مُحمدِ بنِ عبد الخالق بن عبد المُنْعم الحَنَفيُّ، ودُفِنَ بباب الصَّغير. وكانَ شابًّا، قرأ على الجنائز مدّة، وصاو يَنُوبُ عن النّاصح النَّقِيب. • - وفي أول ليلة الرّابع عَشر من المُحَرَّم خُسِفَ القَمَرُ وصُلِّيت صلاةُ الخُسُوف بجامع دمشق بين المَغْرب والعشاء، وفُرِغَ منها، وصُلِّيت العشاءُ عَقِيبها، وخَطَبَ نائب الخَطيب الشَّيخُ زكيّ الدِّين زَكْرِي الشّافعيُّ. ٣٩٥٨ - وفي ليلة الثُّلاثاء الحادي والعِشْرين من المُحَرَّم تُوفِّي الشَّيخُ الفقيهُ الإمامُ العالمُ ناصرُ الدِّين ناصرُ (٣) بنُ أحمد بن محمد الدَّولويُّ الرُّوميُّ، مُدرِّسُ المَدْرسة الفَرُّخشاهيّة، الحَنَفية، ودُفِنَ بمقابر الصُّوفية.

стр. 2251

وكانَ فقيهًا فاضِلًا، صاحبَ فُنونٍ وبحثٍ ومُناظرة، وكانَ أيضًا صالحًا، زاهدًا، خَشنَ المأكل والمَلْبس، ليسَ له في الرِّياسةِ نَصِيبٌ، رحمهُ اللهُ تعالى. • - وفي بُكْرة الأحد السّادس والعِشْرين من المُحَرَّم دَخلَ المَحْمَل إلى دمشقَ والرَّكْب الشاميُّ من الحِجاز الشَّريف، وأميرُ الحاجّ الأميرُ سَيْفُ الدِّين أرْغون السِّلَحْدار النّاصريُّ، السّاكنُ عند دار الطِّراز بدمشق، ومنهم الشَّيخُ رضيُّ الدِّين المَنْطِيقيُّ الحَنَفيُّ، وعلاءُ الدِّين المَقْدسيُّ، وجمالُ الدِّين بن جُمْلة (١)، وبَدْر الدِّين بن الكاتبيّ الحَرّانيُّ الحَنْبليُّ، وشهابُ الدِّين بن العُدَيْسة، وعلاءُ الدِّين بن المِقْداد، وبَدْر الدِّين بن صبيح المؤذِّن، وولده، وجمال الدِّين بن مروان، وولده إبراهيم، وموفَّق الدِّين خطيب بيت الآبار، وأحمد الورّاق. ٣٩٥٩ - وفي الرّابع من المُحَرَّم تُوفِّي القاضي الفقيهُ الإمامُ جلالُ الدِّين أبو الحَسَن عليُّ (٢) بنُ عبدِ الله بن عبد القَويّ بن الحَسَن بن أبي المَجْد بن ناجي بن سُلَيمان المُدْلِجيُّ الشّافعيُّ، المَعْروف بالعَصْلُوجيِّ، بمِصْرَ، ودُفِنَ من الغَد بالقَرَافة. وكانَ ففيهًا مُدَرِّسًا بمِصْرَ. رَوَى كتاب "الشِّهاب" للقُضاعيّ، عن الحافظ رشيدِ الدِّين العَطّار القُرشيّ. سَمِعَ منه أمينُ الدِّين الواني وغيرُه. ومولدُه في صَفَر سنة ستٍّ وأربعين وست مئة. ونابَ في الحُكْم بمِصْرَ عن ابنِ دقيقِ العيد.

стр. 2252

صَفَر ٣٩٦٠ - في يوم الاثنين الخامس من صَفَر تُوفِّي الشَّيخُ الصّالحُ الفاضلُ نَجْم الدِّين أبو الثَّناء محمودُ (١) ابنُ الشَّيخ الفقيه الإمام شَرَف الدِّين مُحمد بن حَمْدان بن جَرّاح بن الحَسَن بن مُحمد بن أحمد النُّمَيْريّ، بقَرْية كَفْر بَطْنا من غُوطة دمشق، ودُفِنَ في يومه بمقبَرة يَعْقوبا جوار كَفْر بَطْنا. وكانَ رَجُلًا صالحًا، خيِّرًا، مُباركًا. مولدُه بكَفْر بَطْنا، ولم يزل مُقيمًا بها إلى أن ماتَ. سَمِعَ من أبي العزّ بن صُدَيْق الحَرّانيِّ، ونَجْم الدِّين بن الشَّيْرَجيّ، والنَّجيب بن شُقَيْشِقَة، والمُحبّ عبد الله المَقْدسيِّ المُحدِّث، وغيرِهم، ورَوَى عنهم. وأجازَ له في سنة خَمْسين وست مئة أبو القاسم عبد الرَّحمن بن مكّي سِبْط السِّلَفي، والحافظ زكيُّ الدِّين عبدُ العظيم، والشَّيخُ عزُّ الدِّين بن عبد السَّلام، وعبد الغني بن بَنِين، والصّائن مُحمد بن الأنجب النَّعّال، والعِماد بن عبد الهادي، وأخوه الفقيه مُحمد، والشَّيخ شَمْس الدِّين الواعظ سِبْط ابن الجَوْزي، وعبد الله بن الخُشُوعيّ، وخَطِيب مَرْدا، وإبراهيم بن خليل، وغيرهم، وسَمِعَ من الشَّيخ شَرَف الدِّين الإرْبليّ "مقامات الحَرِيري". وكانَ والده من أهل حَرّان، ونَزَل كَفْر بَطْنا واستوطنها. وكانَ فقيهًا فاضلًا، وشاعِرًا مُجيدًا. ماتَ سنة اثنتين وستّين وست مئة. وكتبَ عنه الدِّمياطي من شِعْره في "مُعجَمه".

стр. 2253

٣٩٦١ - وفي يوم الجُمُعة سادس عَشَر صَفَر تُوفِّيت ستّ العُدُول (١) بنتُ الشَّيخ الصَّدْر فَخْر الدِّين أبي الثَّناء محمود بن عبد اللَّطيف بن مُحمد بن سيما بن عامر بن إبراهيم بن سالم السُّلَميِّ الدِّمشقيِّ. وكانت امرأة كبيرة ما أعرفُ لها رواية. وسَمِعنا من وَلدِها عبد الحَميد الصّائغ، ومن أخويها شَمْس الدِّين مُحمد، ومُحيي الدِّين عليّ، رحمهما اللهُ تعالى. وكانت وفاة والدها في سنة أربع وثلاثين وست مئة. ٣٩٦٢ - وفي ليلة الأحد الخامس والعِشْرين من صَفَر تُوفِّيت ستّ الأهل (٢) بنت نَجْم الدِّين نَجْم بن يوسُف بن أحمد بن نَجْم بن الحَنْبليّ، ودُفِنَت بسَفْح قاسيون. وهي زوجة الشَّيخ ضياء الدِّين بن عبد الكافي، أمّ أولاده. وكانت امرأةً كبيرةً من بيتِ عِلْم وصَلاح. • - وفي شَهْر صَفَر شُرِعَ في عِمارة جامع ظاهر دمشق خارج باب النَّصْر قُبالة حِكْر السُّمّاقُ، وحَضَرَ إليه القُضاة والعُلماء لتحرير قبلتِه، وتَرَدّدوا بسبب ذلك مرّات، واستقرَّ الحال في أمرِها في يوم الأحد الخامس والعِشْرين

стр. 2254

من صَفَر وذلك بمَرْسوم السُّلطان، وإعانته، وإشارةِ الأمير سَيْف الدِّين نائب السَّلْطنة ورغبته في ذلك طلبًا للأجْرِ والثَّواب (١). وفي يوم الخَمِيس ثامن صَفَر تُوفِّي بمكّة الشَّيْخان الصالحان: ٣٩٦٣ - عليُّ (٢) بنُ بُحَيْر الشَّيْبيُّ. ٣٩٦٤ - ونَجْمُ الدِّين، عبدُ الله (٣) بنُ مُحمد بن أبي المَكَارم الحَمَويُّ. ودُفِنا في اليوم المَذْكور بالمَعْلَى. فأمّا ابن بُحَيْر، فكانَ فاتحَ الكَعْبة المُعظَّمة، وشيخ الحَرَم. رَوَى عن أمينِ الدِّين عبد الصَّمد بن عَساكر. سَمِعَ منه ابن قطرال، والغَرناطيُّ، وابنُ خليل. وهو من أقران نَجْم الدِّين الطَّبَري قاضي مكةَ. ومولد القاضي في سنة سَبْع وخَمْسين وست مئة. وأمّا نَجْم الدِّين الحَمَويُّ فكانَ شيْخًا صالحًا، أقامَ مدّةً طويلةً بمكّةَ، وصاهر الشَّيخَ رضيَّ الدِّين، إمامَ المقام. وكانَ من أصحاب الشَّيخ نَجْم الدِّين بن الحَكِيم الحَمَويّ، ويحفظ عنه حكايات وأشياء حَسَنة. • - وفي يوم الخَمِيس التاسع والعِشْرين من صَفَر وَصَلَت الأخبارُ إلى دمشقَ بأنّ السَّيْل حَصل ببَعْلَبَك وأهلكَ شيئًا كثيرًا من النّاس والدُّور والعمائر، وأخربَ سُور البَلَد، وحائِط الجامع (٤).

стр. 2255

ووقفتُ على كتابٍ من نَجْم الدِّين بن المَعَرِّي إلى الشَّيخ كمالِ الدِّين بن الزَّمَلُكانيّ حَرَسَهُ الله، فيه: ويُنْهي أنَّه لما كانَ نهار الثُّلاثاء سابع عِشْري صَفَر وقعَ في المدينة راعدٌ عظيم، ووقعَ عَقيبهُ سَيْل عظيم، وخُسِفَ سُور البَلَد من جهة الشِّمال ودخلَ المدينة، وأخربَ أماكنَ كثيرة تزيد على ثُلُث البَلَد، ووصلَ إلى الجامع ودخلَ إليه، وارتفعَ فيه ما يزيد على قامةٍ ونِصْف، ثم إنَّه قوي على الحائط الغربي وأخربَهُ، وأخربَ من رباع الجامع وغيرها شيئًا كثيرًا، وعُدِمَ تحت الرَّدْم خَلْق كثير لا يَعْلمهم إلّا الله تعالى من الرِّجال والنِّساء والأطفال، وعُدِمَ جميعُ ما كانَ في الجامع من الآلات. وكانَ يومًا مَشْهودًا، وتهتَّكَ النّاسُ والنَّدْبُ والعويلُ في أقطار البَلَد، وهذا الذي ذكرَهُ المملوك هو بعضُ ما جَرَى، وليسَ الخبر كالعيان. ووُجِدَ الشَّيخُ عليُّ بنُ مُحمد ابن الشَّيخ عليّ الحَرِيريّ غَرِيقًا في الجامع، ومعه خَلْقٌ كثير، ولطَفَ اللهُ تعالى بخَلْقه كونه ما جاء في الليل. ثم قرأ علينا قاضِي القُضاة نَجْم الدِّين - أيَّدهُ اللهُ تعالى - كتابَ العِمّاديّ النّائب ببَعْلَبَك إليه، وكتاب نائبه القاضي جَمال الدِّين الرَّحَبِي قاضي بَعْلَبك بنحوٍ من ذلك، وتَوجَّه من دمشق الأميرُ بَدْرُ الدّين مُحمد بن مَعْبَد إلى بَعْلَبَك لرؤية الحال وكَشْف الأمور، فرجَعَ ومعه هذا الكتاب: "قال الله تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَار﴾ [آل عمران: ١٣]، فمن لمح هذه الواقعة العظيمة بعين الاعتبار، وشاهدها بقَلْب الافتكار، حَمِدَ اللهَ تعالى حيثُ أرادَه بخيره، وجعلَ عِبْرة نفسِه بغَيْرِه، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨٢، ٨٣] ".

стр. 2256

ولمّا كانَ بين الظُّهْر والعَصْر من نهار الثُّلاثاء السّابع والعِشْرين من صَفَر سنة سَبْع عَشْرة وسَبْع مئة أرسلَ اللهُ تعالى سحابةً عظيمةً ذات رَعْدٍ وبَرْق ومَطَر غزير وبَرَد وودق، فسالت منها الأوديةُ شَرْقيّ بَعْلَبَك المَحْروسة، وحَمَلت ما مَرَّت عليه من أشجار العِنَب وغيرِه، فانفرقت على البَلَد فرقتين، فِرْقة في الناحية الشَّرْقية بقبلةٍ سالت حتى انتهت إلى النَّهْر، وبَحَّرَت بَحْرةً عظيمةً على السُّور حتى كادت تبلغ شُرُفاته ارتفاعًا، وتزايدت في طُوله عِظَمًا وارتفاعًا، فلطفَ اللهُ تعالى وثَبَت السُّور وما كاد، فتصرَّفت مع جَرَيان النَّهر، ولم يَحْصل بحمدِ الله بسببها كبيرُ أمرٍ ولا كثيرُ فسادٍ. والفرقة الثانية رَكبت البَلَد فيما بين باب دمشق وباب نَحْلَة (١) شرقيّ البَلَد بشمال، وانزَجَرت هُناك على السُّور نَحْوًا من ذلك المِنْوال، فلمّا اجتمعت وثقلت خَرَقت من السُّور ما مساحته في الطُّول أربعون ذراعًا، مع أنه مُحْكَمُ البُنيان، شديدُ الأركان، وحصلَ لِما يليه التَّصدُّع مع أنّ سُمْكه خمسة أذرُع، فأخذت بُرجًا على التمام والكَمال، وبعض بَدَنةٍ عن اليمين، وبعض بَدَنةٍ عن الشِّمال. وهذا البُرج ذَرْعُه من كل جانب خَمسة عشر ذِراعًا، فحملَهُ الماءُ وهو على حاله لم يَنْقُص حتى مرَّ على فَسْحةٍ عظيمة نحو خَمْس مئة ذِراع من الأرض. وأخذ السَّيْل في البَلَد إلى جهة الغرب جاريًا، فما مَرَّ بشيء في طريقه إلّا جعله خاويًا، ولا على شاخص من البناء وغيره إلّا جَعَلَهُ للأرض مُساويًا، فخرَّب المساكنَ، وأذهبَ الأموال، وغَرَّقَ الرِّجالَ والحريمَ والأطفالَ، وأثكَلَ الأُمّهات والآباء، وأيَّم الأزواجَ، وأيتَمَ الأبناء، ثم لم يزل حتى دخلَ الجامع الأعظم والمَدْرسة التي تليه فانْجَزَر بهما حتى كاد يبلغ رؤوس العُمُد في تناهيه، فأتلفَ ما فيهما من المَصَاحف والرَّبَعات وكُتُب العُلوم والأحاديث

стр. 2257

النبويات، وشعَّثَ فيهما وخَرَّب وغَرَّق ما أزعجَ القُلُوب وأقْلَق، وانفجر بالجدار الغَرْبيّ من الجامع فهدَمَهُ، وأخذَ ما مرّ عليه من البُنيان، وهذا مشاهَدٌ بالعَيان، حتى بلغَ خَنْدق القَلْعة المَنْصورة، فخرق من سُور البَلَد الغربيّ المُلاصق لها ما مقداره خَمْسة وعِشْرون ذِراعًا، وخرجَ من البَلَد، فما مرَّ على بُستانٍ إلّا وأجابته أشجاره سراعًا، وما قيلَ يا أرضُ ابْلَعِي ويا سَماءُ أقْلِعي، حتى صارت ذو المَسَاكن على الطُّرقات، وأصحاب الأمْوال يستحقُّون الصَّدَقات، وتَهدَّمت المَساجد وتَعَطَّلت الصَّلوات. ولقد جَرَى في هذا اليوم من العَجَائب ما لا يُعدُّ، ومن الغَرائبِ ما لا يُحَدُّ، حتى أخبرَ الثقاتُ أنّه نَزَلَ من السَّماء عَمُودٌ عظيمٌ من نار في أوائل السَّيْل، ورؤي من الدُّخان، وسُمِعَ من الصَّرخات في الأكوان ما يُضْعف الحِيَل، وسَلِمَ في مظنّةِ العَطَب مَن كَتَبَه اللهُ سالمًا على ضَعْفِه، وعَطَب في مظنّة السَّلامة من قَضَى بحَتْفِه. وكانت مساحة ما أُخِذَ من البنيان في العُرْض نحوًا من مَساحة ما انخرَقَ من السُّور المُتَقدِّم يزيد في بعض الأماكن وقد يَنْقص في بعض. وطُول ما خَرَقه السَّيل المَذْكور من السُّور إلى السُّور. وأمّا ما على جَنَبات مَجْرَى الماءِ من المَسَاكن القَرِيبة إليه والبناءِ الذي يَحْكُم الماء عليه فشعَّث في ذلك ما لا يُحَدّ، وتَلفَ فيه من الأموال والأثاث والمَتاع والغِلال ما لا يُعدُّ، وهَلكَ في بعض الحَمّامات من النِّساء والأطفال سبعة نَفَر مع سَلامة خَلْقٍ كَثِير، ووُجِدَ في الأماكن المُسْتَفِلة من الغَرْقَى جَمْعٌ كبير، وتَعَطَّلت بعضُ الطَّواحين والأوقاف والحَمّامات، وتَشَعَّثَ البيمارستان، وأفْضَت المَرْضَى فيه إلى المَمَات، ومعَ هذا، فما دَفعَ اللهُ كانَ أعظَمَ وأكْبَر، وما بَقِيَ من العامرِ والأحياءِ فهو أكْثَر، وحَصَلت الشَّهادة الموجِبة للجِنان للأموات، والمَوْعظة المودية إلى رِضَى الرَّحمن للأحياء في جَمِيع الجهات.

стр. 2258

ويَشْهدُ بصحّة ذلك خَطّ الحاكم بأعاليه، وشَهادة من يَضَع شهادته فيه. وخط الحاكم ثَبَت عِنْدي مَضْمونه، وعاينتُ بعضَ ذلك، وكتب أبو بكر الخابُوري. وممَّن شَهِدَ فيه: الشَّيخُ قُطْبُ الدِّين بنُ اليُونِينيّ، وابنُ أخيه مُحيي الدِّين، وشَمْسُ الدِّين بنُ المَجْد، ومُحيي الدِّين الخَطِيب، ونَجْمُ الدِّين باجُوك، وصَدْرُ الدِّين بنُ زيد، وهو كاتبُ الكتاب المَذْكور، وأخوه تاج الدِّين زَيْد، وعزُّ الدِّين بنُ العَنْبريّ، ونُور الدِّين بنُ رضيّ، وشَمْسُ الدِّين فُرَيْح، وخَلْق كثير سواهم. وبعد ذلك وقفتُ على وَرقةٍ فيها: إنَّ البيوتَ والحَوَانيت التي تَهَدَّمت في هذه الواقعة ببَعْلَبَك نحو ست مئة بَيْت وحانوت، وخَرِبَ من البَساتين نحو العِشْرين، ومن الطَّواحين ثمانية، خارجًا عن الجامع والمَدْرسة الأمينية. وأمّا الدُّور التي دخلَ إليها السَّيْلُ وعدم ما فيها فكثيرةٌ لم تُحْصَر، وعُدِمَ من النّاس المَعْروفين مئة وأربعة وأربعون من الرِّجال والنِّساء والصِّبْيان، وذلك سوى الغُرباء. شَهْر ربيع الأول ٣٩٦٥ - في يوم الثُّلاثاء ثاني عَشَر شَهْر وبيع الأول تُوفِّي العِماد عبدُ الرَّحيم (١) ابنُ الشَّيخ عليّ بن إبراهيمَ المَوْصليُّ، الجابي بالمَدْرسة الدَّوْلَعية، ودُفِنَ بسَفْح قاسيون، وكان موتُه فُجاءةً. وكانَ شابًّا عاقِلًا، وله شيء جَمَعهُ، وكانَ يُقْرِضُ وَيقْضِي حوائج النّاس، ويُخْرِجُ الزَّكاة.

стр. 2259

٣٩٦٦ - وفي ليلة الأربعاء الثالث عَشَر من ربيع الأول تُوفِّي الشَّيخُ الفقيهُ الصّالحُ الفاضلُ أبو أحمد شِبْلُ (١) بنُ سَعْد الحَوَاريُّ الحَنْبليُّ، ودُفِنَ من الغَد بمقبَرة الباب الصَّغير، وله خَمْسٌ (٢) وخَمْسون سنة. وكانَ رَجُلًا جيِّدًا، مُبارَكًا، كثيرَ الفَضِيلة والدِّيانة والعِفّة والنَّزاهة من خيار المُسلمين. • - وفي يوم السَّبْت السّادس عَشَر من شَهْر ربيع الأوّل جلسَ بجامع دمشق على المِنْبر الصَّدْرُ كمالُ الدِّين مُحمدُ ابنُ شيخِنا عزّ الدِّين مَحْفوظ بن البُزُوريّ، البَغْداديُّ التّاجرُ، ووعظَ النّاسَ وأجادَ وأحْسَنَ، وفَرِحَ النّاسُ، وتَذاكروا مجالسَ أخيه الشَّيخ نَجْم الدِّين مَعْتوق، ووصفُوا حُسْنَها، رحمهُ اللهُ تعالى. • - وفي يوم الأحد السّابع عَشَر من شَهْر ربيع الأول وصلَ من القاهرةِ إلى دمشقَ الأميرُ مُحمدُ ابنُ الأمير عيسى بن مُهَنّا من حَضْرة السُّلْطان مُكَرَّمًا مُبَجّلًا، مُنْعَمًا عليه، وتَلَقّاهُ نائبُ السَّلْطنة وحَضرَ إليه غيرَ مرّة، وهو رجلٌ كبيرُ القَدْر، فيه الخَيْر والدِّين والعَقْل الوافر، وفَرِحَ النّاسُ بحُضورِ أميرِ العَرَب بين يدي السُّلطان وإقباله عليه ورُجوعه سالمًا إلى قَوْمِه (٣). وهو أخو الأمير مُهَنّا بن عيسى. ٣٩٦٧ - وفي ليلة الخَميْس الحادي والعِشْرين من شَهْر ربيع الأول تُوفِّي الشَّيخُ الفقيهُ الإمامُ المُقْرئُ شِهابُ الدِّين أحمدُ (٤) بنُ مُحمد بنِ إبراهيمَ المَرَاغيُّ الرُّوميُّ، ودُفِنَ بمقبَرة الصُّوفية.

стр. 2260

وكانَ إمام الحَنَفية بجامع دمشق، ومُدَرِّسًا بالمَدْرسة المُعِينية، وشَيْخًا بالخانقاه الخاتونية ظاهر دمشق، وباشَرَ غير ذلك من الجِهات، وتَرَكَ الجهات المَذْكورة لولديه في حَياته، وكانَ باشرَ إمامةَ نائب السَّلْطنة الأميرِ جمالِ الدِّين الأفْرَم مدّةً، وتقدَّم عندَهُ، وكانَ يحبُّه ويُكْرمُه. وكانت فيه مُروءةٌ وافرةٌ وإعانةٌ للضَّعيف وقيامٌ في الحَقّ. وكانَ بَنَى على الشَّرَف زاويةً حَسَنةً فيها أماكن نَزِهة ومواضع طيِّبة، وكان النّاسُ يَقْصدونه ويقيمونَ عنده فيلقاهم بانشراحٍ وسَعةِ صَدْرٍ ومكارم أخلاق. ٣٩٦٨ - وفي ليلة الجُمُعة الثاني والعِشْرين من شَهْر ربيع الأول تُوفِّيت الشَّيخةُ الصّالحةُ المُباركةُ أمُّ مُحمد فاطمةُ (١) بنتُ عبدِ الرَّحمن بن عَمْرو بن مُوسى بن عَمِيرة، المَعْروف والدها بالفَرّاء وبالمنادِي أيضًا، الصّالحيةُ الحَنْبليةُ، وصُلِّي عليها عَقِيب الجُمُعة بالجامع المُظَفَّريّ، ودُفِنَت بتُربة الشَّيخ موفَّق الدِّين بن قُدامة. وقد جاوزت التسعين. وكانَ مولدُها تقريبًا في سنة ستّ وعِشْرين وست مئة. سَمِعت من ابن الزَّبِيديّ حُضُورًا ميعادين من "صحيح البُخاري"، وهما التاسع والعاشر من اثنين وعِشْرين مِيعادًا، وأولهما باب الرِّكاب والغَرْز للدّابة (٢)، وآخرهما باب نسبة أهل اليَمَن (٣)، ورَوَت ذلك غيرَ مرّة، ولا يُعْلَم لها رِواية غيره، ولم يُوجد اسمُها في الطبقة، وإنّما وجدناهُ في أوراق الأسْماء، وعلى اسمِها علامة سَمَاعها للمِيعادين المَذْكورين. وكانت امرأةً صالحةً، خَيِّرةً، مُباركةً، وأُقعِدَت في آخر عُمُرها.

стр. 2261

وهي زَوْجة ابن عمِّها الشَّيخ إبراهيم بن أبي الحَسَن بن عَمْرو الفرّاء. سَمِعْنا منها ومن زوجِها المَذْكور، ومن أخوَيها: الشَّيخ عزّ الدِّين إسماعيل، وصفيّة، رحمهُم اللهُ تعالى. وكانَ أبوها دلّالًا بالخوّاصين. ٣٩٦٩ - وفي يوم الأحد ثالث شَهْر ربيع الأول تُوفِّي القاضي الفقيهُ الإمامُ نَجْمُ الدِّين أبو سُلَيْمان داودُ (١) بنُ مَرْوان بنِ داودَ المَلَطيُّ الحَنَفيُّ، بالمَدْرسةِ الظّاهريةِ بالقاهرة، ودُفِنَ من الغَد بالقَرَافة. وكانَ شَيْخًا كبيرًا من أعيان الحَنَفية، دَرَّسَ بعدّة مَدارس، ووَلِيَ قضاءَ العَسْكر. وكانَ تقدَّم إلى دمشقَ ويَحْكم فيها نيابةً عن قاضي القُضاة حُسام الدِّين أيّام إقامته. وكانَ فيه مُروءة وتَعَصُّب. شَهْر ربيع الآخر • - في يوم الثُّلاثاء عاشِر شَهْر ربيع الآخِر وَقَعَ حريقٌ جوار المارستان الصَّغير بدمشق، وسَلَّم اللهُ تعالى المارستان، وتَشَعَّثت أماكن يسيرة. ٣٩٧٠ - وفي ليلة الثُّلاثاء السابع عَشَر من شَهْر ربيع الآخِر تُوفِّي الشَّيخُ الأجَلُّ تاجُ الدِّين أبو مُحمد فائِدُ (٢) بنُ رِضْوان بن فائِد بن راضِي بن سَلَامة بن حَسَن بن أحمد القُرَشيُّ العَجْلونيُّ، وصُلِّي عليه ظُهْر هذا اليوم بجامع دمشق، ودُفِنَ بسَفْح جَبَل قاسيون. ومولدُه بمِنَى، شَرَّفَها اللهُ تعالى، في أحدِ أيام مِنَى من سنة ثلاثٍ وخَمْسين وست مئة.

стр. 2262

وكانَ يَجْلسُ مع الشُّهود، وكَتَب بينَ يدي قاضِي القُضاة حُسام الدِّين الحَنَفيِّ مدّةً، ثم خَدَمَ في جهات الكِتابةِ، وتَنقَّلَ في جهاتٍ كبارٍ وصِغار، ولمّا ماتَ كانَ عاملًا بديوان الحَشْر. رَوَى لنا عن ابن أبي اليُسْر. ٣٩٧١ - وفي سَحَر الأربعاء الثّامن عَشَر من شَهْر ربيع الآخر تُوفِّي الشَّيخُ المُقرئُ بَدْرُ الدِّين عُثمانُ (١) بنُ سَيْف بن أبي الفَضْل القُرَشيُّ الدِّمشقيُّ القوّاسُ، ودُفِنَ بمقبَرة الباب الصَّغِير، وبلغَ التِّسعين. وكانَ شيخًا مُبارَكًا، كثيرَ التِّلاوة، حافظًا لكتابِ الله، وكانَ قرأ القراءات بالرِّوايات على الشَّيخ عَلَم الدِّين القاسم الأندلسيّ، والشَّيخ زَيْن الدِّين الزَّواوي، وكانت له حَلْقة تَصْدِير بالجامع. وهو والد صاحبنا ناصر الدِّين مُحمد بن القَوّاس. • - وفي العَشْر الأُول من شَهْر ربيع الآخِر حَصَلت غارة من عَسْكر حَلَب على مدينة آمِد، ووَقعَ أسرٌ ونَهْبٌ وسَبْيٌ، ووَصلَ خبرُها إلينا بدمشق في أول جُمادى الأولى (٢). ٣٩٧٢ - وفي عَصْر يوم الثُّلاثاء الرابع والعِشْرين من شَهْر ربيع الآخر تُوفِّي الشَّيخُ الصّالحُ الأمينُ العَدْلُ الصَّدْرُ فَخْر الدِّين أبو مُحمد عُثمانُ (٣) بنُ

стр. 2263

أبي الوَفاء بن نِعَم الدِّين العَزازيُّ ﵀، ولم يَجْتمع في جنازةٍ ما اجتمعَ له من العالَم، وصُلِّي عليه ضَحْوة يوم الأربعاء بجامع دمشق، ودُفِنَ بتُربتِه بمقبَرة الباب الصَّغير. وكانَ رَجُلًا جيِّدًا، صالحًا، مُبارَكًا، كثيرَ الأمانة، وافرَ المُروءة، مواظِبًا على التِّلاوةِ والبِرِّ والصَّدَقةِ وفِعْلِ المَعْروف، مَشْكورَ السِّيرةِ، أجمعَ النّاسُ يوم موتِه على الثَّناءِ عليه ووَصْفِه بكلِّ جميل. رَوَى لنا عن ابن أبي اليُسْر، وأيوب الحَمّاميّ. وممّا اشتُهِرَ من أمانته رَدّه لوَدِيعة الأمير عزِّ الدِّين الجَنَاحيّ نائب غَزّة، وكان أودعه إيّاها، ومقدارُها ستّون ألف دينار من عَيْن وجَوْهر وغير ذلك. وماتَ المَذْكور في التَّجْريد بحَلَب، ولم يكن اطَّلَع على الوَدِيعة أحدٌ، فاجتمعَ فَخْرُ الدِّين بوُلاة الأمر وعَرَّفهم بالوَدِيعة ديانةً وأمانةً، وبراءةً لذمّته، جَزاهُ اللهُ خَيْرًا. جُمادى الأولى • - وَصلَت الأخبارُ في جُمادى الأولى أنَّ الأميرَ مَنْصورَ بنَ جَمّاز أُعيد إلى المدينةِ الشَّريفةِ النَّبويّة، حَضرَ معهُ أميرٌ من الدِّيار المِصْرية إليها وقَرَّرَهُ فيها على عادتِه، وقد كانَ في آخرِ السَّنة الخارجة بعد الحجِّ أخذَهُ من المدينةِ الأميرُ سيْفُ الدِّين أرْغون نائب السَّلْطنة إلى الدِّيار المِصْرية، وقَرَّر عِوَضه ابنَ أخِيه فبقيَ في القاهرة مدّة يسيرة، ثم أنعمَ عليه السُّلْطان ورضيَ عنه وأعادَهُ (١).

стр. 2264

وبَلَغَنا أيضًا أنَّ بعدَ استقرارِه في المدينةِ أغارَ عليه أولادُ أخيه وألْجأوه إلى جَبَلٍ، وحَصَلَ بالمدينةِ تَشْويش، ثم سلَّمه اللهُ تعالى واستقرَّ أمرُه. • - وفي مُستَهلِّ هذا الشَّهْر جلسَ أبو سَعِيد بن خَرْبَنْدا على تَخْت المُلْك وذلك بالمدينةِ السُّلْطانيةِ وعُمُره يومئذٍ إحدى عَشْرة سنة. • - وفي يوم الخَمِيس الرابع من جُمادى الأولى خَرجَ السُّلْطان - أعزَّ اللهُ أنصارَهُ - من القاهرة، ووَصلَ إلى غزّة في ليلة الجُمُعة الثاني عَشَر منه، وتَوجَّه من دمشقَ نائبُ السَّلْطنة لتلقّي السُّلْطان في يوم الثُّلاثاء تاسعه، فاجتمعَ به بالقُرْب من حُسْبان وبِرْكة زَيزاء وخَلَعَ عليه وعلى مَن صَحِبَهُ من الأُمراء، وأذِنَ لهم في الرُّجوع، فعادُوا إلى دمشقَ ووصلُوا إليها في يوم الخَمِيس الخامس والعِشْرين من هذا الشَّهْر. وتَوجَّه السُّلطانُ إلى الكَرَك وأقامَ في أراضيه وأراضي الشَّوْبَك أيامًا، ثم رَدَّ راجعًا إلى القاهرة ودخلَها في الثامن عَشَر من جُمادى الآخرة (١). • - وفي يوم السَّبْت السّابع والعِشْرين من جُمادى الأولى قَدِمَ دمشقَ المَحْروسة قاضِي القُضاة فَخْر الدِّين أبو العبّاس أحمدُ ابنُ القاضي تاج الدِّين أبي الخَيْر سَلَامة ابن القاضي الإمام زَيْن الدِّين أبي العبّاس أحمدَ بن سَلَامة الإسكندريُّ المالكيُّ، متولِّيًا قضاءَ القُضاة بالشّام المَحْروس على مَذْهب الإمام مالك ﵁، وخَرَجَ القُضاةُ والأعيانُ للقائِه، وقُرئَ تَقْليدُهُ بجامع دمشق يوم الأحد ثاني يوم وصولِه بحضورِ الأعيان والفُقهاء وعامّة النّاس، وهو مؤرِّخ بالثاني عَشَر من شَهْر ربيع الآخر، وفيه أنه وَلِيَ عِوَضًا عن القاضي جمال الدِّين الزَّواوي لضَعْفه واشتدادِ مَرَضِه (٢).

стр. 2265

جُمادى الآخرة • - في يوم الأربعاء مُستهلّ جُمادى الآخِرة ذَكَرَ الدَّرْسَ قاضي القُضاة فَخْرُ الدِّين بنُ سَلَامة المالكيُّ بجامع دمشق والمَدْرسة النُّورية، وحَضرَ عندَهُ القُضاةُ والأعيانُ، وهو إمامٌ كبيرٌ من فُضَلاءِ مَذْهبه المَشْهورين بالدِّيار المِصْرية، جَمَعَ بين الفِقهِ والدِّينِ والصَّرامةِ، وشَرَفِ البَيْت، وطهارةِ النَّشْأة، ونَزاهة النَّفْس، ونَقاءِ السّاحة، وهو من قُضاة العَدْل، مَرْضِيُّ السِّيْرة، محمودُ الطريقة. • - وفي يوم الاثنين السّادس من جُمادى الآخرة وَصلَ الخبرُ إلى دمشقَ بخَلاص الأمير سَيْف الدِّين بَهادُر آص وأنّه حُمِلَ من الكَرَك إلى القاهرةِ مُكْرَمًا مُنْعَمًا عليه، وأنَّ السُّلطانَ رضيَ عنه، ففَرِحَ أهلُه وغِلْمانُه وجميعُ النّاس، فإنّه أميرٌ مَحْبوب إلى الرَّعيّة لجودتِه وكَثْرةِ صَدَقاتِه وعَقْلِه وسُكُونِه (١). ٣٩٧٣ - وفي عَشِيّة الثُّلاثاء سابع جُمادى الآخرة تُوفِّي عِمادُ الدِّين أحمدُ (٢) ابنُ الصَّدْرِ شهابِ الدِّين أحمدَ ابن فَخْر الدِّين عُثمان بن أبي الرَّجاء بن أبي الزَّهْر التَّنُوخيُّ الدِّمشقيُّ، المَعْروف بابن السَّلْعُوس، ببُستانِه بالرَّبْوة، ودُفِنَ بُكْرةَ الأربعاء بمقبَرة الباب الصَّغير. وكانَ حجَّ كثيرًا، وفيه مَيْلٌ إلى الفُقراء وله إحسان إليهم، وكان يَعْتَريه في بعض الأوقات نَقْصٌ في عَقْلِه، وله تِجارةٌ وتَكَسُّبٌ، وفيه عِشْرةٌ وكَيْسٌ، وكانَ في أيام عَمِّه شَهِدَ على قاضي القُضاة شهاب الدِّين بن الخُوَيِّي. ومولدُه في سنة ستٍّ وستِّين وست مئة بدمشق. وأسمَعَهُ والدُه كثيرًا. ومن شيوخِه القاضي ابن عَطاء، وابن عَلّان، وابن البُخاري، وحَدَّثَ بطريق الحِجاز بالعُلَى.

стр. 2266

قرأتُ عليه لابني مُحمد، ﵀ "نُسْخة غُنْجار"، بسَماعِه من القاضي شَمْس الدِّين بن عطاء. ٣٩٧٤ - وفي يوم الأربعاء الثامن من جُمادى الآخرة تُوفِّي الشَّيخُ الفقيهُ الإمامُ العالمُ الفاضِلُ بَدْرُ الدِّين أبو القاسم (١) بنُ مُحمد بن خالد بن إبراهيم الحَرّانيُّ، ودُفِنَ آخر هذا اليوم بمقابر الصُّوفية عند والدته، وحَضَرهُ جَمْع كبير. ومولدُه تقريبًا في سنة خَمْسين وست مئة، أو إحدى وخَمْسين بحرّان. وتفقّه ولازمَ الاشتغالَ على شُيوخ مَذْهبه مدّةً، وسَمِعَ من ابن عبد الدّائم، وابن أبي اليُسْر، وابن الصَّيْرفيّ، والقاضي شَمْس الدِّين الحَنْبليّ، والقاضي شَمْس الدِّين الحَنَفيّ، وجماعة كبيرة. وكانَ إمامًا بالمَدْرسة الجَوْزية، وفقيهًا بالمَدارس، ودَرَّس بالمَدْرسة الحَنْبلية نيابةً عن أخيه لأمِّه الشَّيخ الإمام شيخ الإسلام تَقِيّ الدِّين بن تَيْميّة، نَفَعَ اللهُ تعالى به، وباشرَ إمامةَ المَسْجد الكبير بالرَّمّاحين المَعْروف بالحَنابلة، وأفتَى. وكانَ فَقِيهًا مُبارَكًا، كثيرَ الخَيْر، قليلَ الشَّرِّ، حَسَن الخُلُق، مُنْقطعًا عن النّاس، وحَصَّلَ شيئًا من المال، وكانَ يَتَّجِر ويَتكَسَّب، وخَلَّف لأولاده تَرِكةً. ورَوَى "جُزء ابن عَرَفة" مرّاتٍ عديدة. ٣٩٧٥ - وفي يوم الخَمِيس التاسع من جُمادى الآخِرة تُوفِّي قاضي القُضاة جمالُ الدِّين أبو عبد الله مُحمدُ (٢) ابنُ الشَّيخ الصّالح أبي الرَّبيع سُلَيْمان بن

стр. 2267

سُومر الزَّواويُّ المالكيُّ، بدمشق، بالمَدْرسة الصَّمْصَامية المالكية، وصُلِّي عليه عَقِيب صَلاة الجُمُعة بجامع دمشق، ودُفِنَ بمقبَرة الباب الصَّغير في طَرَف المقبَرة قُبالةَ مسجد النارنج، وحَضَرَ خلقٌ كثيرٌ، وأثنَى النّاسُ عليه وعلى سيرتِه. ومولدُه في سنة تسع وعِشْرين وست مئة، أو في سنة ثلاثين تقريبًا. وقال لي: دخلتُ الإسكندريةَ من المَغْرب يوم عيد الفِطْر سنة خَمْس وأربعين وست مئة ولم أكُن احتلمتُ، وإنّما احتلمتُ بعد ذلك بسنَتَين، وبَلَغني موت والدي في سنة سَبْع وأربعين، فلم أرجع إلى المَغْرب، وكانَ يذكر له نَسَبًا أكثر من عِشْرين اسمًا، ولكنْ غالبها مُشْكِلة تَحْتاج إلى ضَبْط، فلذلك تركتُها. واشتغلَ بالفِقه بالدِّيار المِصْرية، وسَمِعَ الحديثَ من الشَّيخ شَرَفِ الدِّين المُرْسيّ، والإمام أبي العَبّاس أحمد بن عُمر القُرْطُبيّ، والشَّيخ عزِّ الدِّين بن عبد السَّلام، وأبي مُحمد عبد الله بن عبد الرَّحمن بن برطلة المُرْسي، وغيرهم. وكانَ بالقاهرة من أعيان العُدُول والعُقّاد، ونابَ في الحُكْم بالشَّرْقية والغَرْبية، ونابَ بالقاهرة، وتَرَجَّح لتولية القَضاء بالدِّيار المِصْرية عَقِيب وفاة ابن شاس، فلم يتمّ ذلك، ووَلِيَ ابنُ مَخْلُوف. ثم إنه وَلِيَ قضاء دمشق. وقَدِمَ علينا في عاشِر جُمادى الأولى سنة سبع وثمانين وست مئة، واستمرَّ قاضيًا بدمشق نحو ثلاثين سنة، وكانَ فيه صَرامة وقوّة في الأحْكام، وبتٍّ لها، وظهرَ في أيامه من أحْكام مَذْهب مالك ما لم يَكُن مَعْروفًا قبل ذلك، وعَمَرَ المَدْرسةَ النُّورية والمَدْرسة الصَّمْصامية، وحَصَلَ له في وَسط ولايته رَعْشَة واشتدَّت به، وكانَ يقومُ بوظيفةِ القَضاء بكُلْفةٍ ومَشَقّة، وثَقُلَ لسانُه عن الكلام، وبَقِيَ كذلك إلى أن ماتَ، وانصرفَ عن الحُكْم قبل موتِه بنحو عِشْرين يومًا.

стр. 2268

وحَدَّثَ بـ "صحيح مُسلم" وبـ "موطّأ مالك" رواية يحيى بن يحيى، وبكتاب "الشِّفاء" للقاضي عِياض، وغير ذلك. ٣٩٧٦ - وفي ليلة السَّبْت الحادي عَشَر من جُمادى الآخرة تُوفِّي الشَّيخُ شَمْسُ الدِّين أبو عبد الله مُحمدُ (١) ابنُ الشَّيخِ الإمامِ الزّاهدِ القُدْوةِ صلاحِ الدِّين موسى ابنِ الشَّيخ الإمامِ الفقيهِ المُحَدِّث الزّاهدِ شهابِ الدِّين أبي عبد الله مُحمد بن خَلَف بن راجِح بن بلال المَقْدسيُّ، ثم الصّالحيُّ، الحَنْبليُّ، ودُفِنَ من الغَد بتُربة الشَّيخ موفَّق الدِّين بسَفْح قاسيون. ومولدُه في حادي عَشَر شَوّال سنة إحدى وأربعين وست مئة. وكانَ شيخًا حَسَنًا، له نَظْم، وعندهُ فَضِيلةٌ، وسافرَ إلى البلاد في طَلَب الأسْرَى، واجتمعَ بأعيانِ تلك الدِّيار، وأكرمُوه. سمِعَ من ابن قُمَيْرة الجُزء الرابع من "حديث الصَّفّار" بسَماعِه من شُهْدَة، وحَدَّثَ به مرّات عدّة، وسَمِعَ من ابن مَسْلَمة، والمُرْسِي، واليَلْدانيِّ، وابن سَعْد، وخَطِيب مَرْدا، ومُحمد وعبد الحَميد ابنَي عبد الهادي، وإبراهيم بن خليل، وجماعةٍ غيرِهم. وكانَ والدُه فقيهًا، وقَرأ طرفًا من الخِلاف، وكَتَبَ الخَطَّ الحَسَن، ثم إنه سلكَ طريقة أهل الفَقْر والتَّجْريد، وساحَ في البلاد. وله شِعْرٌ حَسَن يَسْلُك فيه مَسْلَك أهل التَّصوّف. وماتَ في سنة ثلاثٍ وأربعين (٢)، وكان ولدُهُ هذا رضيعًا.

стр. 2269

٣٩٧٧ - وفي ليلة الثُّلاثاء الثامن والعِشْرين من جُمادى الآخرة تُوفِّي الطَّواشِيُّ الصّالحُ ظهير الدِّين مُختار (١) العزّيُّ القلانسيُّ، ودُفِنَ من الغَد بسَفْح قاسيون. وكانَ رَجُلًا مُبارَكًا فيه خَيْر ومودّة وتَواضُع ونُصْح وشَفَقة، وحَجَّ غير مرّة، وكانَ كثيرَ التِّلاوة، مُلازمًا للتَّكْرار، ماتَ ولم يَبلُغ خَمْسين سنة. ورافقناهُ في الحجّ، وسَمِعَ معنا من بعض الشُّيوخ. ٣٩٧٨ - وفي الثاني عَشَر من جُمادى الآخِرة تُوفِّي الأميرُ الكبيرُ المُعَمَّر علاءُ الدِّين أبو أحمد كُشْتُغدي (٢) بنُ عبد الله الصَّيْرفيُّ الخَطائيُّ بالجَوْذَريّة، بالقاهرة. وكانَ شَيْخًا مُعَمَّرًا، جاوزَ التِّسعين. سمِعَ من النَّجيب الحَرّانيِّ، ومن بعضِ أصحاب البُوصِيريِّ والخُشُوعيِّ، وله وَلَدان سَمِعا معه، وهما: ناصر الدِّين مُحمد، وشهاب الدِّين أحمد، جُنديّان بالحَلقة المِصْرية. وضَبَطَ وفاته لنا ابنُ المِزِّي في يوم الاثنين ثالث عَشَر الشَّهْر المَذْكور. ٣٩٧٩ - وفي يوم الأحد تاسع عَشَر جُمادى الآخِرة هلكَ بَرْصُوما (٣) النَّصْرانيُّ، وكان مُقِيمًا بدَيْر شعرانة في آخِر مِصْر المَحْروسة، ويتردَّد إليه جماعة من أهلِ مِلّتِه، وجماعةٌ من المُسلمين من ضُعفاء العَقْل. كتبَ إليّ بذلك فَخْرُ الدِّين المُقاتليّ.

стр. 2270

شَهْر رَجَب • - وفي ليلة الاثنين رابع رَجَب وَصلَ إلى دمشقَ الأميرُ الكبيرُ سَيْفُ الدِّين بهادُر آص المَنْصوريُّ، ودخلَ دارَهُ وقت العِشاء، وسُرَّ النّاسُ بسلامتِه وخلاصه من السِّجْن، وتوفَّرت الأدعيةُ للسُّلْطان، أعزّ الله أنصاره (١). • - وفي يوم الاثنين رابع رَجَب تَوجَّه الشَّيخُ علاءُ الدِّين بنُ غانِم، وأخوه الشَّيخُ شهابُ الدِّين إلى القاهرةِ المَحْروسة على البَرِيد بطلبٍ من السُّلْطان، ولمّا وَصَلا أُكْرِما، ورُسِمَ للشَّيخ علاءِ الدِّين بكتابَةِ السِّرِّ بحَلَب، فاستعفَى من ذلك، وعُرِض عليه الإقامة بالقاهرة، فلم يَخْتَر سوى بَلَدِه ووطنِه، فرُسِم له بزيادةٍ في مَعْلُومه بدمشق، ورُسِم لهما بخِلْعَتين، فرجعا إلى دمشقَ على البَرِيد، ووَصَلا في مُسْتهَلِّ شَهْر رَمَضان، وحُمِلَت إليهما الخِلْعتان فلبساها، وحَضَرَ النّاسُ إليهما للتَّهنئةِ بالقُدُوم والسَّلامة واستقرار الخاطِر بدمشق. • - وفي يوم الاثنين الحادي عَشَر من رَجَب أُخرِجَ المَحْمَل السُّلْطانيّ من القَلْعة المَحْروسة بدمشق، ورَكِبَ النّاسُ أمامَهُ، وخَرجَ النّاسُ للتفرُّج، ولم يَحْضُر نائبُ السَّلْطنة لمرضِه، ولا قاضي القُضاة الشّافعي لسَفَرِه، وعَلِمَ النّاسُ بالحجِّ والإذن بتوجُّه الرَّكْب، وحُمِلَ السَّنْجَق إلى الجامع أيام الجُمَع، وتَوفَّرت الأدعيةُ للسُّلْطان، نَصَرهُ اللهُ تعالى. ٣٩٨٠ - وفي يوم الأربعاء الثالث عَشَر من رَجَب تُوفِّي الصَّدْرُ مَجْدُ الدِّين مُحمد (٢) وَلدُ الشَّيخ الصَّدرِ الكَبيرِ القاضي شَمْسِ الدِّين مُحمد بنِ يحيى ابن قاضي حَرّان، وهو وَلَد ناظر الأوقاف بدمشق، ودُفِنَ بسَفْح قاسيون. وكانَ شابًّا، ماتَ في عَشْر الثَّلاثين من العُمُر.

стр. 2271

• - وفي ليلة الخَمِيس رابع عَشَر رَجَب خُسِفَ القَمَرُ وصلَّينا صلاةَ الخُسُوف بجامع دمشق. ٣٩٨١ - وفي يوم الخَمِيس رابع عَشَر من رَجَب تُوفِّي أبو العبّاس أحمدُ (١) ابنُ الشَّيخ مُحمدِ بن عليّ بن مُلاعِب بن حَرّاز الصّالحيُّ القبّانيُّ، وكذلك كانَ أبوه، وصُلِّي عليه ظُهْر اليوم المَذْكور بالجامع المُظَفَّريّ، ودُفِنَ بسَفْح قاسيون. ومولدُه تقريبًا سنة سَبْع وخَمْسين وست مئة. وسَماعه من ابن عبد الدّائم في سنة اثنتين وستِّين وست مئة، رَوَى لنا عنه. وكانَ يَزِنُ بالقَبّان بدمشق عند العطارين بالسُّوق الكبير. ورَوَى والدُه عن موسى ابن الشَّيخ عبد القادر الجِيليّ، والشَّيخ موفَّق الدِّين. ٣٩٨٢ - وفي يوم الجُمُعة مُنتَصف رَجب تُوفِّي الشَّيخُ بُرْهانُ الدِّين (٢) البُخاريُّ الصُّوفيُّ القَصّار، بالخانقاه السُّمَيْساطية، وصُلِّي عليه بالجامع المَعْمور، ودُفِنَ بمقابر الصُّوفية. وكانَ رَجُلًا حَسَنًا، كثيرَ السُّكُون، يَحضُر معنا دارَ الحَديث الأشرفية. ٣٩٨٣ - وفي يوم الجُمُعة مُنْتَصف رَجَب تُوفِّي الشَّيخُ أبو بكر (٣) بنُ مُحمد الإسْعِرديُّ، المَتَطَبِّب، وكان مُشْتَغلًا وله كتبٌ. وهو أخو عبد الله السِّعِرْتي الإصطرلابيّ.

стр. 2272

٣٩٨٤ - وفي ليلة الأحد السّابع عَشَر من رَجَب تُوفِّي زَيْن الدِّين أبو مُحمد عبد الرَّحمن (١) ابنُ الشَّيخ شِهاب الدِّين أحمد بن عبد الرَّحمن بن حَسَن بن حامد بن حَسَن بن إدْرِيس بن حُمَيْد المَقْدسيُّ الحَنْبليُّ، المَعْروفُ بابن القِيْراط، بقَرْية الأشْعَريّ، من الشُّعْراء، ودُفِنَ هناك يوم الأحد بعد الظُّهْر. ومولدُه يوم الثُّلاثاء سادس عَشَر رَمَضان سنة إحدى وستِّين وست مئة بسَفْح قاسيون. رَوَى لنا "جزء ابن عَرَفة" عن ابن عبد الدّائم، وسَمِعَ من جماعةٍ من شُيوخ الصّالحية، من أصحاب ابن طَبَرْزَد، وغيرِهم. وكانَ يَحْضر عند قاضي القُضاة تَقِيّ الدِّين الحَنْبليّ ويَشْهد عليه وعلى غيرِه. ٣٩٨٥ - وفي يوم السَّبْت الثّالث والعِشْرين من رَجَب تُوفِّي العَدْلُ شهابُ الدِّين أبو العبّاس أحمدُ (٢) ابنُ شيْخِنا كمالِ الدِّين عبد الرَّحيم بن عبد المُحْسِن بن حَسَن بن ضِرْغام المَنْشاويُّ، الحَنْبليُّ بالقاهرة، ودُفِنَ من الغَد بالقَرَافة. ومولدُه في سنة سَبْع وخَمْسين وست مئة. سَمِعَ "جُزء ابن عَرَفة" من النَّجِيب عبد اللَّطيف الحَرّانيُّ، وكانَ شاهدًا بين القَصْرين، ويَخْدم على المَطْبخ السُّلْطانيّ. • - ووَصلَ كتابُ فَخْر الدِّين المُقاتليُّ يُخْبِرُ فيه أنّهُ حصلَ في هذه السَّنة من زيادة النِّيل ما لم يَتّفق من سِنِين، وهو أنه بَلَغ ستة أصابع من تِسْعة عَشَر

стр. 2273

ذِراعًا، وكُسِرَ بالوفاء قبل النَّيْروز بمدّة، وخافَ النّاسُ من الغَرَق بسبب ذلك، وتَقَطَّعت به جُسور كبيرةٌ، وغَرِقَ كثير من البلاد المُسْتَفِلة، وغَرِقت مُنْية الشَّيْرَج ليلًا، وذهبَ للنّاس فيها من الأموال الذَّهَب والفِضّة والبَساتين والدُّور والكَتّان والغِلال شيءٌ كثيرٌ (١). • - وأنَّهُ كانَ للأمير سَيْف الدِّين بَكْتَمُر السّاقي إصطبلٌ بأرض بِرْكة الفِيل، والأرض لورثةِ المَلكِ الظّاهر وقْفٌ عليهم، فتعرَّضَ إليهم. وقيل: إنّ الأرضَ زادت معهم، فأُرسل وكيلُ بَيت المال ونُوّاب الحُكْم والعُدُول وأميرٌ لقياس الأرض فلم تَزِد شيئًا، فأُرسلوا مرّةً أُخرى، وقيل: إنها زادت قِطْعة، فقالوا: أعطونا أرضَ الإصطبل عِوَضًا عن هذه القِطْعة الزائدة، فقيل: الأرضُ وَقْف، وما يُمْكن التَّعْويض، لكن نُشْهدُ علينا بقبض أُجرة الأرض مهما أدرتُم من السِّنين، فلم يَحْصُل الرِّضَى بذلك، فقيل: للسُّلْطان إنّ مَذْهب أبي حَنِيفة يجوز فيه التَّعْويض. فطُلِبَ قاضي القُضاة شَمْس الدِّين بن الحَرِيري الحَنَفيّ وطُلبَ منه ذلك، فامتنعَ من الحُكْم بالمُقايضة، وقال: هذه رِواية عن أبي يوسُف وحده، وأنا لا أعملُ بها. فوَلَّى السُّلطانُ بمصرَ القاضي سرَاج الدِّين عُمَر صِهْر السّروجي حاكمًا، وعَزَلَ قاضي القُضاة شَمْس الدِّين عن مِصْر، فأجابَ سراجُ الدِّين إلى الحُكْم بالتَّعويض واختارَهُ، وبَقِيَ على قَضاءِ مِصْرَ مدّة يسيرة وماتَ. وأعيدَ قاضي القُضاة شَمْس الدِّين وعَظُمت مكانتُهُ بهذه الواقعة، وخُلِعَ عليه خِلْعة سَنِيّة (٢).

стр. 2274

شَهْر شَعْبان ٣٩٨٦ - في يوم الخَمِيس الخامس من شَعْبان تُوفِّي الشَّيخُ الفقيهُ أبو مُحمد عبدُ الله (١) بنُ عليّ بن أحمد الشَّرِيشيُّ الشّافعيُّ المؤدِّب، ودَفِنَ من يومِه بمقبَرة الباب الصَّغير. وكانَ رَجُلًا جيِّدًا، مواظبًا على وظائفه ومَسْجده ومَكْتَبه، وفيه فَضِيلةٌ، وجَوَّد الخطَّ وأحسنَ على طريقة بلادِنا، ونَسَخَ جملةً من الكُتُب. وله نَظْمٌ حَسَنٌ، مَدحَ قاضي القُضاة عزِّ الدِّين بن الصّائغ، وقاضي القُضاة بهاء الدِّين بن الزَّكِي، والشَّيخ زَيْن الدِّين الفارِقيّ، وغيرِهم. وكانَ يَحْفظ القُرآنَ حِفْظًا مُتْقَنًا. وسألته عن مولدِه فقال: في سنة اثنتين وأربعين وست مئة تقريبًا بمدينة إشبيلية. وقال لي: أذكرُ أخذَ إشبيليةَ من المُسلمين، وكانَ ذلك في رَجَب سنة ستّ وأربعين وست مئة. وكان أبُوه أيضًا مُؤدِّبًا بشَرِيش مَعْروفًا بذلك. وسَمِعَ أبو مُحمد هذا كثيرًا من الأحاديث النَّبوية بدمشق من الكُتُب والأجزاء. وكانَ مواظبًا لذلك. وحَدَّث معنا بمجالس رَمَضان الثلاثة من "أمالي الجَوْهري" عن ابن عَلّان. وله مَرْثيّة رَثَى بها الشَّيخَ مُحيي الدِّين النَّواويّ، رَواها لنا عنه الشَّيخ علاءُ الدِّين بن العَطّار في جَمْعه لأخبارِ الشَّيخ، وكان هو حاضرًا فسُرَّ بذلك. ٣٩٨٧ - وفي يوم الاثنين التاسع من شَعْبان تُوفِّي الشَّيخُ الصّالحُ فَخْرُ الدِّين عُثمانُ (٢) بنُ يعقوبَ بنِ إبراهيم المارِدينيُّ، المَعْروف بالفَرّاش، المُقيم بمَقْصورة الحَلَبيِّين، بجامع دمشق، ودُفِنَ بمقابر الصُّوفية.

стр. 2275

وكانَ رَجُلًا مُبارَكًا، حَسَنَ الخُلُق، خَيِّرَ الطِّباع، كثيرَ المودّة والتَّواضع. سَمِعَ معَنا كثيرًا لمّا قَدِمَ الشَّيخ جمال الدِّين بن الظّاهريّ لتسميع وَلَدِه فَخْر الدِّين وكانَ يخدمُه ويواظبُه. ٣٩٨٨ - وفي ليلة الخَمِيس الثاني عَشَر من شَعْبان تُوفِّي الفقيهُ الفاضل شَمْسُ الدِّين محمدُ (١) ابنُ النَّجْم إبراهيم بن عُثمان بن عليّ بن اللَّبّان الشافعيُّ، وصُلِّي عليه من الغَد بجامع دمشق، ودُفِنَ بمقابر الباب الصَّغير. وكانَ رَجُلًا جيِّدًا، فَقِيهًا فاضِلًا، صالحًا، كثيرَ الخَيْر، مُحِبًّا لأهلِ العِلْم والصَّلاح، مُلازمًا للاشتغال بالفِقه، وكَتَبَ بخطِّه عدّة كُتُب، وصاهرَ الشَّيخ شمْسَ الدِّين بن النَّقيب وتَزَوَّج بابنته، وأسكنَهُ بمدرستِه الصّارمية، وبها ماتَ. ٣٩٨٩ - وفي حادي عَشَر شَعْبان تُوفِّي القاضي عمادُ الدِّين مُحمدُ (٢) بنُ محمدِ بن يعقوب الأنصاريُّ المِصْريُّ الكاتبُ، المَعْروف بالنُّوَيْريِّ، بطرابُلُس، ودُفِنَ بها، وكان يومئذٍ صاحب ديوانها. كانَ من أجودِ النّاسِ طِباعًا، ويَحْفظ الكتاب العزيز، وهو كثيرُ التِّلاوة له، ويَصُوم الخَمِيس دائمًا، وله حُسْن عقيدة في الفُقَراء، وعنده بِرٌّ كثيرٌ وصَدَقةٌ، وخدم في الأنظار الكِبار بمصرَ والشام، تَولَّى نَظَرَ المَرْج والغُوطة والإقليم، ونُقِلَ منه إلى صَحابة الدِّيوان بدمشقَ وإلى نَظَرِ صَفَد، ومن صَفَد إلى الكَرَك مدّةً طويلة، وأُعيدَ إلى صَفَد، وآخر وَقْت وَلِيَ صحابة دِيوان طرابُلُس. وكانَ كريمًا مُتواضعًا لا يدَّخِر شيئًا، كثيرَ النَّفقات، وماتَ في عَشْر الثمانين، ﵀. ضبطَهُ وذكرَ ذلك من أمرِه الشَّيخُ شَمْس الدِّين الجَزَريّ المؤرِّخ.

стр. 2276

٣٩٩٠ - وفي الخامس والعِشْرين من شَعْبان تُوفِّي الشَّيخُ عمادُ الدِّين أبو عبد الله مُحمدُ (١) بنُ عبد المؤمن بن عبد الكريم بن عبد المُحسن بن عبد الله بن مُحمد البُوصِيريُّ الصَّعِيديُّ الإسكندريُّ، بها، ويُلقَّب أيضًا بالجَمال. وكانَ شَيْخًا كَتّانيًّا، سَمِعَ من سِبْط السِّلَفي، وحَدَّث. وأجازَ لنا قبل موتِه بنحو ثلاثين سنة. ٣٩٩١ - وفي يوم الخَمِيس السّادس والعِشْرين من شَعْبان تُوفِّي الأميرُ زَيْنُ الدِّين مُبارك (٢) المَنْصوريُّ، ودُفِنَ بسَفْح قاسيون. وكانَ أميرَ خَمْسين بدمشق، ثم نُقِلَ إلى طرابُلُس فعمِيَ هناك، فقُطِعَ خُبْزُه، ثم إنه قَدَحَ عينه فأبصرَ ولم يُعَد إليه الخُبْز. ٣٩٩٢ - وفي يوم الجُمُعة السّابع والعِشْرين من شَعْبان تُوفِّي القاضي الأجَلُّ الصَّدْرُ الرَّئيسُ العالمُ الفاضِلُ عزُّ الدِّين أبو عبد الله مُحمدُ (٣) ابنُ شيخِنا القاضي الإمام العالِم الصَّدْرِ الرَّئيس سَعْدِ الدِّين أبي الفَضْل سعْدِ الله ابن الشَّيخ الفقيه العَدْل بَدْرِ الدِّين مَرْوان بن عبد الله الفارقيُّ، وصُلِّي عليه عَقِيب الجُمُعة بجامع دمشق، ودُفِنَ بمقبَرة المِزّة، وعُمُره اثنتان وخَمْسون سنة. وسَمِعَ معي من ابن علّان، وغيرِه. وكانَ فاضِلًا، حَسَن الكتابة، مُتَعيِّنًا بين كُتّاب الدَّرْج، مَشْكورَ السِّيرة، مُواظبًا على وظيفتِه، وخَلَّفَ عدّة أولادٍ، منهم اثنان خَدَما عَقِيب موتِه في ديوان الإنشاء. ٣٩٩٣ - وفي ليلة الأحد التاسع والعِشْرين من شَعْبان تُوفِّي صلاحُ الدِّين

стр. 2277

مُحمدُ (١) بنُ أيوب بن خَليفة الدِّمشقيُّ، الشعّارُ والدُه، ودُفِنَ من الغَد بمقبَرة الباب الصَّغير، وله من العُمُر أربع (٢) وعِشْرون سنة. سَمِعَ معنا على جماعةٍ من الشُّيوخ، وكَمَّل حِفْظ "التَّنْبيه" و"الأحكام"، ونَظَمَ شيئًا من الشِّعْر. وكان شابًّا عاقلًا، فيه نَباهةٌ ومَعْرفةٌ وحُسن مَوَدّة. شَهْر رَمَضان ٣٩٩٤ - وفي يوم الثُّلاثاء الثاني من شَهْر رَمَضان تُوفِّي القاضي الصَّدْرُ الكبيرُ العالمُ الفاضلُ البارعُ الكاملُ شَرَفُ الدِّين أبو مُحمد عبد الوَهّاب (٣) ابنُ الصَّدْر جمال الدِّين فَضْل الله، ابنُ المُجَلِّي القُرشِيُّ العَدَويُّ العُمَريُّ، وصُلِّي عليه ضُحى يوم الأربعاء بجامع دمشق، ودُفِنَ بسَفْح جبل قاسيون. ومولدُه في سابع ذي الحِجّة سنة ثلاثٍ وعِشْرين وست مئة بدمشق. وكانَ مُقَدَّم كُتّاب الإنشاء بالدِّيار المِصْرية والبلاد الشّامية، ومُتولّي أمر أسرار الدَّولة. وكان فاضِلًا، عارفًا بتَدْبير الممالك. قَضَى مُعْظَم عُمُره في ذلك، ولم يَزَل قائمًا بهذه الوَظِيفة، مثابرًا عليها، كافيًا فيها إلى أن تُوفِّي، ولم يَتَغيَّر عليه شيءٌ من حواسِّه، بل كانَ يَرْكب ويُسافر، ويَكْتُب كتابةً حَسَنةً، ويَضْبط أمرَ الدِّيوان، ويَخْدم السُّلْطان أتمّ خدمة، وكان مَشْكورَ السِّيرة، حَسَن الخُلُق، مُحبًّا للخَيْر، له عَقيدةٌ في أهل العِلْم والدِّين، لا يُسمع منه إلّا الخَيْر ويَقْضِي حاجةَ من قَصَدَهُ.

стр. 2278

سَمِعَ وهو كبيرٌ ابن خَمْس (١) وأربعين سَنة من ابن عبد الدّائم المَقْدسي "جُزء ابن عَرَفة"، و"جُزء الحَوْراني"، وحَدَّث بهما عنه، وأجازَ له الرَّشيدُ بنُ مَسْلَمة، والسَّديد بن عَلّان، وجماعةٌ، ولم تكن روايته على مِقْدار عُمُره. ورثاهُ القاضي شِهابُ الدِّين محمود بقصيدةٍ عِدّتُها ثلاثة وأربعون بيتًا، أوّلها: لتَبْكِ المَعالي والنُّهَى الشَّرَفَ الأعلى … وتَبْك الوَرَى الإحسانَ والحِلْمَ والفَضْلا وفارقَ منه الدَّسْتُ صَدْرًا مُكَملًا … رَحِيبًا يردّ الحَزْنَ تَدْبِيرُه سَهْلا تولَّى حَمِيدًا ما أساءَ إلى امرئ … فأغضَبَهُ قولًا وكَمْ سرَّه فِعْلا ولا شانَ مَرْزوقًا، ولا سَبَّ مُسْلمًا … ولا تاه كِبْرًا منذ كان، ولا استعلَى سأنْدِبُه عُمْري، وأرثيه جاهِدًا، … وأُكثِرُ فيه من بُكائِي وإن قَلّا ولم لا وقد صاحَبْتُهُ جُلّ مُدَّتي … أراهُ أبًا بَرًّا ويَعْتَدّني نَجْلا ومنها: عزاؤك محيي الدين في الذّاهب الذي … قَضَى إذ قَضَى فَرْض المناقب والنَّفْلا وقالوا قَضَى عُمرًا طويلًا، نَعَم قَضَى … زَمانًا ولم تُعرَف له صَبْوةٌ أصلا وكانَ حَمِيدَ الظنِّ جدًّا بربِّه … ويُحسِنُ في أهل التُّقَى القولَ والفِعْلا ورثاهُ أيضًا الشَّيخُ علاءُ الدِّين بن غانِم، والشَّيخُ نَجْمُ الدِّين حَسَن بن مُحمد القُرشيُّ الصَّفديُّ بقصيدةٍ تُقارب خَمْسين بيتًا، ومَطْلعُها: نُكِبَتْ شُمُوس العُلَى وجدًا على الشَّرَف … وأصبحت في حَضِيض من خَوِي الأسف

стр. 2279

وأجادَ فيها كل الإجادة. وعِدّة القصائد التي رُثِي بها تُناهز خَمْس عَشْرة قصيدة، وجمالُ الدِّين بن نُباتة، وغيرهم. ٣٩٩٥ - وفي ليلة السَّبْت السّادس من شَهْر رَمَضان تُوفِّي الشَّيخُ الفقيهُ الصّالحُ أبو عبد الله مُحمدُ (١) بنُ أحمد بن عَزّاز بن نائِل المَرْداويُّ الحَنْبليُّ، ودُفِنَ من الغَد بسَفْح قاسيون بمقبَرة المَرْداويِّين. وكانَ شيخًا صالحًا، سَمِعَ من خَطِيب مَرْدا، وابن عبد الدّائم، ورَوَى لنا عنهما. ومولدُه تقريبًا سنة ثلاثين وست مئة بقَرْية مَرْدا. سَمِعْت أنه من أقْران ابن عبد القَوِي، وكان غالب إقامته بمَرْدا، ويَتَردَّدُ إلى الصّالحية ويقيمُ بها. ٣٩٩٦ - وفي ليلة الخَمِيس الحادي عَشَر من شَهْر رَمَضان تُوفِّي الفقيهُ الإمامُ العالمُ الفاضِلُ جمالُ الدِّين أبو المَحَاسن يوسُفُ (٢) بنُ أحمد بن جَعْفر بن يوسُف بن عبد الجبّار الشّاطبيُّ الشّافعيُّ، وصُلِّي عليه من الغَد على باب جامع جَرّاح عَقِيب الظُّهر، ودُفِنَ بمقبَرة الباب الصَّغير بالقُرب من قبّة القَلَنْدَريّة. ومولدُه في شَوّال سنة ثمانٍ وسبعين وست مئة بجزيرة الأندَلُس. وكانَ رَجُلًا فاضِلًا، اشتغلَ بفُنون، وحَصَّلَ فضائلَ، وله نَظْمٌ ونَثْرٌ، وفيه أمانةٌ ونَهْضةٌ ودِيانةٌ، وشهِدَ له قاضي القُضاة بَدْر الدِّين بن جَماعة وغيرُه بأهليّة التَّدْريس والإشْغال والإفادة، ووَلِيَ خطابةَ جامع جَرَاح أشهُرًا يسيرةً، وكانَ يَخْطب من إنشائه وأدركَهُ أجَلُهُ. ولم يَبْلغ الأربعين. أنشدنِي من نَظْمه عدّةَ قَصائد، وكَتَبها لي بخَطِّه في جُزء.

стр. 2280

٣٩٩٧ - وفي ليلةِ الاثنين مُنْتَصف شَهْر رَمَضان تُوفِّيت أمُّ إبراهيم خَديجةُ (١) بنتُ بَلَبان بنِ عبد الله، عَتِيقِ الشَّيخ شَمْس الدِّين سِبْط الجَوْزي، وصُلِّي عليها ظُهْر الاثنين، بجامع دمشق، ودُفِنَت بسَفْح قاسيون بتُربة الشَّيخ شمْس الدِّين المَذْكور. وكانت امرأةً مُباركةً، خَيِّرةً، جاوزَت السَّبعين. سَمِعَت من مُعْتِق والدِها المَذْكور في سنة إحدى وخَمْسين وست مئة حُضُورًا. وهي زوجةُ ناصرِ الدِّين بن المُقَدَّم أمُّ وَلَدِه فَخْر الدِّين عُثمان. ورَوَت "جُزء ابن عَرَفة" قبل مَوْتها بيومين بجامع دمشق عن مُعتِق والدها، وعن ابن عبد الدّائم. سمعهُ منها جمعٌ كبير، واغتبط الطَّلبةُ بالأخذ عنها، فإنّها ماتت فجاءةً، وفَرِحنا لها (٢) بالتَّحْديث في آخر عُمُرها، رحمها الله تعالى. ٣٩٩٨ - وفي شَهْر رمَضان تُوفِّي الشَّيخُ صَدْرُ الدِّين مُحمدُ (٣) ابنُ الشَّيخ نَجْم الدِّين عُثمان بن عبد الله بن عَلّاق بن طَعّان المُدْلِجيُّ، بالقاهرة، في اليوم الذي ماتَ فيه علاء الدِّين بن عبد الظّاهر الموقِّع. ومولدُه في ثامن رَمَضان سنة ستِّين وست مئة. وكانَ رَوَى عن أصحاب البُوصِيري: ابن عَزّون، وابن زين الدِّين، وغيرهما. ومن سَماعاته "الجُمُعة" للنَّسائيّ، و"مَجْلس البِطاقة"، و"سُداسيّات الرّازي"، وكان شاهدًا بباب زَوِيلة، ومُقرئًا بالمَنصورية. ويُعرَف بابن الأعمى.
следующие страницы →