← Акыда

Акыда · id 11620

اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم

ابن تيمية

Полный текст (951 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المسلم والكافر على المودة الظاهرة بينهما، بل قد يصل إلى الأمور الاعتقادية والفكرية الباطنة، فإن المسلم الذي يقلد الكفار في الهدي الظاهر، يقوده ذلك على وجه المساوقة والتدرج الخفي إلى التأثر باعتقاداتهم الباطلة. وهذا الأمر كذلك ندركه الآن بين المتفرنجين، الذين يعشقون الحياة الغربية، فأكثرهم يحمل أفكارًا واعتقادات غريبة عن الإسلام، بل قد تكون هدامة تنافي العقيدة الإسلامية الصحيحة. فاعتقادهم أن القوانين الغربية متفوقة على الشريعة الإسلامية، ثم تطبيقهم لهذا، واعتقادهم أن الإسلام دين عبادة فحسب، ولا صلة له بحياة الناس وعلاقاتهم، وازدراؤهم للمتمسكين بالإسلام، وغير ذلك مما يدركه المسلمون اليوم وما يعانونه من هذه الفئة التي تسيطر على أغلب بلاد المسلمين، كل ذلك إنما هو نتيجة لما سبق أن قرَّره المؤلف مما يحدثه التشابه بين المسلمين والكفار، من آثار في الظاهر والباطن.

стр. 37

[الموضوع الرابع قواعد أساسية في التشبه] الموضوع الرابع قواعد أساسية في التشبه استطاع المؤلف من خلال استعراض الأدلة من القرآن الكريم، ثم من السنة المطهرة، الواردة في النهي عن تشبه المسلمين بالكفار، وإجماع المسلمين في العصور الفاضلة على ذلك، أن يوصلنا إلى النتائج التالية: * أن جنس المخالفة للكافرين والأعاجم ونحوهم، أمر مقصود للشارع، وأن التشبه بهم منهي عنه في الجملة، في عامة أمورهم الدينية والدنيوية. * أن هناك أمورًا خصت بالنهي، ووردت بها السنة بعينها، كالبناء على القبور، واتخاذها مساجد، وحلق اللحى وإعفاء الشوارب، والأكل والشرب بالشمال، ونحو ذلك. * أن مخالفتهم في عامة أمورهم أصلح لنا- نحن المسلمين- في دنيانا وآخرتنا. * أن تشبه فئة من المسلمين بالكفار، أمر لا بد أن يقع، مصداقًا لإخبار الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك، وأن الله تعالى حذَّر من ذلك، وأمر المسلمين بالاستمساك بالحق، والثبات والصبر رغم وقوع طوائف منهم بالمحذور. * أنه ليس شيء من أمور الكفار، في دينهم ودنياهم، إلا وهو: إما فاسد وإما ناقص في عاقبته، حتى ما هم عليه من إتقان أمور دنياهم، قد يكون اتباعنا لهم فيه مُضِرًّا: إما بدنيانا وآخرتنا، أو أحدهما، وإن لم ندرك ذلك.

стр. 38

* أن سلفنا في القرون الفاضلة، كانوا قد فهموا هذه القاعدة، فهمًا جليًّا وعملوا بها، واستدل المؤلف على ذلك بإجماعهم على تحذير المسلمين من ذلك، وعلى سدهم الذريعة إليه، ما أُثر عنهم من أقوال وأفعال ومواقف لا تكاد تُحصى، وقد أورد من ذلك الكثير. ويجب على المسلمين اليوم، أن يدركوا هذا، ويعملوا به، وأن يكونوا حذرين من كل ما يصدر عن الكفار، من اعتقادات، وأفكار، وثقافات، وعادات، وأزياء، وغيرها. فإن الكفار اليوم، رغم ما هم عليه من تفوق في أمور دنياهم، ليس لديهم ما يرشد المسلمين إلى الحق، أو يهديهم لأسباب العزة، والنصر والسعادة، فإن ذلك إنما يكون بالرجوع لكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والتمسك بالإسلام حقًّا. أما الإفادة مما عند الكفار اليوم، من صناعات، وعلوم تطبيقية ونحوها، فهذا أمر آخر، لا علاقة له بموضوع التشبه؛ لأن هذه العلوم والصناعات ليست من خصوصيات الكفار- وإن احتكروها- لأنها إمكانات بشرية لا بد أن تتوفر عند من يحرص عليها وينميها ويجد في تحصيلها، سواء كان مسلمًا أو كافرًا. كما أن استيراد الصناعات وعلومها لا يعد من قبيل التشبه والتقليد؛ لأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يستعمل ما يصنعه الكفار من لباس وآنية ونحو ذلك. إنما طريقة الإفادة من الصناعات إذا صاحبها نقل عاداتهم وتقاليدهم ونظمهم وكل ما هو من خصائصهم؛ فإن هذا هو المحذور.

стр. 39

[الموضوع الخامس فئات من الناس نهينا عن التشبه بها] الموضوع الخامس فئات من الناس نهينا عن التشبه بها نبه المؤلف إلى أن التشبه المنهي عنه، لم يكن قاصرًا على التشبه بأهل الكتاب من اليهود والنصارى، والأعاجم من الروم والفرس، والمجوس، بل النهي عن التشبه شمل أمورًا أخرى: فقد ورد النهي عن التشبه بالشيطان وأحواله وأعماله، مثل الأكل بالشمال، والشرب بها، فإن هذا من عمل الشيطان، ونحن منهيون عن كل ما هو من عمل الشيطان، فإن التشيطن مذموم شرعًا وعقلًا. ولنا عند هذا المعنى وقفة اعتبار وتأمل: فإن كل ما هو من خصال المتبعين للشيطان والغاوين، من الفساق والعصاة والمجرمين والظلمة، والزنادقة ونحوهم، يكون منهيًّا عنه، وذلك بحكم اتباعهم للشيطان، ونحن نهينا عما هو من سبيل الشيطان وعمله. فيجب على المسلم المتمسك بدينه، أن يتجنب كل ما هو من شعارات هؤلاء، أتباع الشيطان وحزبه، وأن يحذر معاشرتهم، ويبعد عن أماكن تجمعاتهم، لأنها مواطن شبهة، قربها يزري بالمسلم. ومن شعارات هذه الأصناف في عصرنا، الألبسة الضيقة، والتختم بالذهب، وحلق اللحى، وإسبال الثياب، وحمل الصور، واصطحاب الكلاب،

стр. 40

والتدخين، والتعلق بالرياضة المفسدة والفن الساقط والطرب، وغير ذلك مما هو معروف في كل بلد من بلاد المسلمين. كما أن لهم سمات، وملابس، ومراكب، وتجمعات، يعرفها الناس في كل بيئة بحسب ما فيها من أعراف وعادات، فيلزم كل مسلم أن يتجنب كل ما هو من خصائص هؤلاء الفساق والمجرمين، وأن تكون له شخصيته المميزة التي تلتزم بالآداب الشرعية، وأن لا يختلط بهذه الأصناف إلا بقدر الضرورة، كأن يريد دعوتهم للحق، أو إنكار ما هم عليه من منكر، وأمرهم بالمعروف، واستصلاحهم، أو تضطره المصلحة المعاشية لبيع وشراء ونحوه، بشرط أن لا يكون له معهم عِشْرة ووُدّ، وأن يأمن على عقيدته وخلقه وعرضه منهم. كما نبه المؤلف كذلك على صنف آخر وَرَدَ النهي في السنة عن بعض خصاله، وهم الأعراب الذين لم يكمل دينهم. فإن الأعراب- في الغالب- يتميزون بالجفاء والغلظة، والجهل بأحكام الله وحدوده، لذلك يكون فيهم الكفر والنفاق أشد من غيرهم. فمن جهلهم- مثلًا- تسميتهم العشاء بالعتمة، كما ورد في السنة (١) وفعل المعاقرة خيلاء وفخرًا، وهم أسرع من غيرهم إلى العصبية الجاهلية والفخر بالأحساب، والطعن بالأنساب، كما أنهم أبعد عن الجمعة والجماعات، ونحو ذلك مما هو معروف عنهم، فكل هذه الصفات، التي توجد لدى الأعراب في الغالب، ولا تزال توجد لديهم غالبًا حتى الآن، يجب على المسلم أن يحذرها، ويحذر منها؛ لأن أغلبها صفات جاهلية، أو هي من سمات الجاهلية. وما هو من سمات الجاهلية وصفاتها التي محاها الإسلام فهو منهي عنه أيضًا.

стр. 41

[الموضوع السادس النهي يعم كل ما هو من سمات الكفار قديمًا وحديثًا] الموضوع السادس النهي يعم كل ما هو من سمات الكفار قديمًا وحديثًا من المفيد الإشارة إلى ما ذكره المؤلف في معرض حديثه عن التشبه بالعجم ونحوهم، من أنه إذا نهت الشريعة عن مشابهة الأعاجم، دخل في النهي ما عليه الأعاجم الكفار قديمًا وحديثًا، حتى وإن كان عليه الأعاجم المسلمون، إذا كان يخالف السنة، أو الآداب الشرعية. كذلك يدخل في مسمى الجاهلية، ما كان عليه أهل الجاهلية قبل الإسلام، وما عاد إليه كثير من العرب اليوم، من صفات وأعمال وعادات الجاهلية. وبهذا نعلم، أن المسلمين اليوم، منهيون عما عليه الأمم الأخرى من حولهم، من عبادات، وأعمال، وعادات ضارة، وأخلاق فاسدة، وإن لم يكن ذلك موجودًا في القديم أصلًا، لا سيما وأن الكثير من مظاهر الحياة وأشكالها، تبدلت تبدلًا كبيرًا في عصرنا الحاضر، عن العصور الماضية. وما يتشدق به بعض المعجبين بالكفار، وبعض الجاهلين، من أن الكفار يحملون بعض الصفات الحميدة، كالصدق، والوفاء، والأمانة، فهذا- وإن كان يوجد في بعضهم، ويفقده بعض المسلمين المتساهلين- فلا يعني أن الكفار أزكى من المسلمين على الإطلاق، ولا أنهم خير منهم على العموم، كما لا يعني، أن ما عليه الكفار من اعتقادات، وأفكار، وأخلاق، وعادات، سليم وصحيح، كما أنه إذا وجدت في بعضهم تلك الخصال الإنسانية الحميدة، فلا

стр. 42

يعني أنهم كلهم كذلك، ولا أن قلوبهم سليمة، وكيف تكون سليمة وهي خالية من الإيمان؟ لأن هذه الأخلاق الحميدة هي من أصول الإسلام، التي أُمر بها المسلمون، هذا بالإضافة إلى أننا لا نسلم بأن تلك الأخلاق الحميدة توجد فعلًا بين الكفار كما يصورها المعجبون، لكنها مظاهر توجد في حالات، وفي أفراد، وما يشهد به الواقع أن الكفار الآن عامة أخلاقهم فاسدة وخبيثة، ويكثر بينهم الحسد والغدر والخيانة، والبغي والفساد، والكذب والفجور، وغيرها من الرذائل والفساد الأخلاقي، الذي يتذمرون منه هم، ويقلق مفكريهم وعقلاءهم، ومصلحيهم، إن كان فيهم مصلحون. فينبغي للمسلمين اليوم، أن تكون لهم شخصيتهم المميزة، وأخلاقهم وعاداتهم الطيبة الكريمة، ولغتهم العربية الشريفة، وأن يستمدوا ذلك كله من شريعتهم الإسلامية، وهدي نبيهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وسلفهم الصالح. وما كان من سمات الكفار اليوم، من عادات، وتقاليد، وأزياء، وأنماط سلوك، فعلى المسلم أن يتجنبه قدر الإمكان. وكذلك ما جدده الناس اليوم، وأحدثوه، من أخلاق الجاهلية المذمومة، وسماتها، وأعرافها وتقاليدها، وآثارها، ونحو ذلك مما يحاول القوميون والوطنيون (الذين يقدسون الأوطان) ، والبعثيون ونحوهم إحياءه، ونشره بين المسلمين، تحت شعارات الأصالة، والقومية، والوطنية، وإحياء التراث، والتغني بالأمجاد، والفخر بالآثار، ونحو ذلك من الشعارات التي لا مستند لها من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. كل هذا يدخل في النهي عن سنن الجاهلية المذمومة شرعًا، وإن ألبسوه لباس التقدم والمدنية.

стр. 43

[الموضوع السابع متى يباح التشبه بغير المسلمين] الموضوع السابع متى يباح التشبه بغير المسلمين؟ بما أن الشريعة الإسلامية جاءت بما فيه صلاح الناس وإصلاحهم وتميزت باليسر والسماحة، وتقدير المصالح، ودفع المضار، فإن فيها للضرورات أحكامًا، تخرج المسلم من الحرج حينما يقع فيه، فإن المؤلف أشار إلى أمر مهم فيما يتعلق بمسألة النهي عن التشبه بالكفار والأعاجم ونحوهم، فهو بعد أن أصّل القاعدة، ذكر أن لها استثناء، فهو يذكر أن المسلم إذا واجهته حالة يضطر معها إلى التشبه بالكفار، فإنه يجوز له ذلك في حدود الضرورة، ويضرب لذلك مثلًا فيقول: "ومثل ذلك اليوم، لو أن المسلم بدار حرب، أو دار كفر غير حرب، لم يكن مأمورًا بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر، لما عليه في ذلك من الضرر، بل قد يستحب للرجل، أو يجب عليه أن يشاركهم أحيانًا في هديهم الظاهر، إذا كان في ذلك مصلحة دينية: من دعوتهم إلى الدين، والاطلاع إلى باطن أمورهم؛ لإخبار المسلمين بذلك، أو دفع ضرر عن المسلمين، وغير ذلك من المقاصد الصالحة" (١) . ثم يشير إلى أنه في دار الإسلام لا يجوز شيء من ذلك؛ لأنها شرعت فيها المخالفة (٢) .

стр. 44

وعليه: فبهذه الشروط والمحترزات والمصالح التي ذكرها المؤلف، يمكن للمسلم أن يتشبه بغير المسلمين؛ لتحقيق مصلحة كبرى، أو دفع مضرة عظمى، وأضيف إلى ذلك: أن لا يصاحب فعله هذا: استحلال محرم، أو ترك واجب، أو إخلال بعقيدة. كما أنه ينبغي للمسلم أن لا يسافر إلى بلاد غير إسلامية لغير ضرورة، ومصلحة كبرى؛ لأن ذلك يوقعه في مخالفات شرعية كثيرة، عند تعامله مع الكفار.

стр. 45

[الموضوع الثامن في الأعياد والاحتفالات البدعية] الموضوع الثامن في الأعياد والاحتفالات البدعية إن مسألة الأعياد، والاحتفالات البدعية، من أشد وأخطر ما تساهل فيه المسلمون، بعد القرون الفاضلة، فقد سارع كثير منهم إلى التشبه بالأمم الأخرى، في أعيادها، واحتفالاتها. فأحدث بعضهم بدعة الاحتفال بالمولد النبوي، والاحتفال بليلة الإسراء والمعراج. وهذه الأعياد الوطنية والقومية- التي تزداد يومًا بعد يوم بين المسلمين- وغيرها إنما هي من الأغلال والآصار التي ابتليت بها الأمة الإسلامية، وما أنزل الله بها من سلطان. لذلك نجد أن المؤلف ﵀ أطال في مسألة الأعياد البدعية، بل إنه أشار في أول الكتاب- كما ذكرت- أنها هي سبب تأليف الكتاب، وغيرها جاء تابعًا لها. فقد بيَّن أن الله تعالى لم يشرع للمسلمين إلا عيدين، هما عيد الأضحى، وعيد الفطر، وأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن اتخاذ الأعياد سواء كانت أعيادًا جديدة، أو أعيادًا قديمة تُحيا. كما بيَّن أن مسألة الأعياد من المسائل الشرعية التعبدية، التي لا يجوز الابتداع فيها، ولا الزيادة ولا النقص، فلا يجوز إحداث أعياد غير ما شرعه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

стр. 46

كما بيَّن أن كل اجتماع عام يحدثه الناس، ويعتادونه، في زمان معين أو مكان معين، أو هما معًا، فإنه عيد، كما أن كل أثر من الآثار القديمة أو الجديدة، يحييه الناس، ويرتادونه؛ فإنه يكون عيدًا؛ وذلك كأسواق الجاهلية، وآثارها، وأوثانها. فقد كان للناس قبل الإسلام أعياد زمانية ومكانية كثيرة، وكلها حرّمها الإسلام وأماتها، وشرع للمسلمين عيدين فقط. فقد دلت السنة على ذلك بوضوح وصراحة، كما دل عليه فعل المسلمين في صدر الإسلام، وإجماعهم، وما أُثر عنهم من النهي عن ذلك والتحذير منه أكثر من أن يحصى، وقد ذكر المؤلف الكثير منه. فإذا عرفنا ذلك، وعرفنا أن ما شاع بين المسلمين من أعياد واحتفالات لم يكن يفعله الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل نهى عنه، ولم يكن الصحابة ولا التابعون خلال القرون الفاضلة يفعلون ذلك، بل كانوا ينهون عنه ويحذرون من الوقوع فيه؛ فهذا يكفي للحكم على هذه الأعياد والاحتفالات المحدثة بأنها دسيسة من دسائس المبطلين، وغفلة وجهل من أكثر المسلمين، مهما بررها الناس ورضوها، والتمسوا لها الفتاوى والتأويلات التي لا تستند إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فأي عيد أو احتفال ليس له في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أصل، ولم يعهد في عصر الصحابة، والقرون الفاضلة، فإنما قام على الباطل، ويقال لمن فعله أو أحله: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] (١) ولن يجدوا إلا قول من سبقوهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢] (٢) .

стр. 47

وإن أقوى حجة يستند إليها المتشبثون بهذه الأعياد والاحتفالات المبتدعة، قولهم بأن ذلك- خاصة الاحتفال بالمولد- مما تعارف عليه المسلمون، وعلمه ورضيه كثير من علماء المسلمين المعتبرين، واجتمعت عليه الأمة، وهي لا تجتمع على ضلالة. فيقال لهم: هذه دعوى واهية؛ لأنها: أولًا: لا تستند إلى دليل شرعي من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وثانيًا: لم يتعارف على ذلك جميع المسلمين، ولم يرضه جميع العلماء، بل ولا المعتبرون منهم، ولم تجتمع عليه الأمة، فإنه منذ أن استحدثت هذه المبتدعات إلى اليوم لا تزال طائفة من الأمة تنكرها وتبين للمسلمين الحق، وتنصح للأمة وترشدها إلى الطريق المستقيم، الذي سنَّه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وسلكه الصحابة والسلف الصالح. وما دعوة الإمام أحمد بن حنبل، ثم الإمام أحمد بن تيمية، ثم دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب، وسائر أئمة أهل السنة والجماعة- بخافية على أحد-، ولم يفعل ذلك الصحابة ولا التابعون، ولا الأئمة في القرون الفاضلة كالأئمة الأربعة وسائر أئمة الهدى المهتدين. وبالرغم من أن عصرنا هذا، من أسوأ عصور المسلمين، وأكثرها انحرافًا، إلا أننا نجد طائفة منهم لا تزال- بحمد الله- تنكر هذه المبتدعات، وتصدع بالحق، وتحذر المسلمين من الوقوع في البدع، فإن أكثر بلاد المسلمين ابتلاء بالبدع والخرافات والشركيات- خاصة الأعياد والاحتفالات البدعية، وبدع الصوفية، والبدع التي تقام حول القبور- توجد فيها طائفة تنكر هذه البدع، وتحاربها، وترشد المسلمين وتناصحهم بعدم الوقوع فيها، بصراحة وجرأة

стр. 48

وشجاعة، كجماعة أنصار السنة المحمدية في السودان، وفي مصر، وغيرها من الأفراد والجمعيات في كل مكان. وبهذا تبطل دعوى اجتماع الأمة، وحاشاها أن تجتمع على ضلالة. هذا بالإضافة إلى ما فصله المؤلف من وجوه أخرى في تحريم الأعياد المبتدعة والنهي عنها، وضررها على المسلمين، منها: * أن الأعياد من جملة الشرائع والمناسك، كالقبلة، والصلاة، والصيام، وليست مجرد عادات، وهنا يكون أمر التشبه والتقليد فيها للكافرين أشد وأخطر، وكذلك تشريع أعياد لم يشرعها الله يكون حكمًا بغير ما أنزل الله، وقولًا على الله بغير علم، وافتراء عليه، وابتداعًا في دينه. * أن الأعياد والاحتفالات البدعية، من شرائع الكفار، ومن شعائر أديانهم الباطلة المحرفة، فلا يجوز للمسلمين أن يتشبهوا بما هو من خصائص الكفار وشعائرهم الباطلة. * أن أعياد الكفار، وما يفعلونه فيها، معصية؛ لأنه: إما مبتدع في دينهم أصلًا، وإما منسوخ بالإسلام، فهو بمنزلة صلاة المسلم لبيت المقدس. * إذا فعل المسلمون القليل من الأعياد المبتدعة، فسيؤدي ذلك إلى فعل الكثير؛ لأن هذا أمر لا ضابط له إلا الشرع، ومن ثم تكثر الأعياد، وتشغل المسلمين عن عبادتهم، وعن أمور معاشهم ومصالحهم. وهذا ما حدث فعلًا الآن، فكل بلد من بلاد المسلمين اليوم له أعياد واحتفالات، فعيد لميلاد الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وآخر لميلاد الرئيس، وثالث للوطن، ورابع للاستقلال، وخامس للاعتلاء، وسادس للمرأة، وسابع للطفل، وثامن للأم، وتاسع للربيع. وعاشر للنصر! إلخ مما لا يحصى من الأعياد التي أولها قَطْر، وآخرها طوفان، بل لقد وصلت قائمة الأعياد المبتدعة في بعض بلاد المسلمين إلى أكثر من ذلك، وفي ذلك مضاهاة لدين الله.

стр. 49

* ويضاف إلى ذلك ما تستنزفه هذه الأعياد من الأموال والجهود، والطاقات والأوقات، التي تضيع هدرًا على المسلمين في سبيل الشيطان، وتشغلهم عن ذكر الله وعن الصلاة، وعن كثير من الفروض والواجبات التي شرعها الله، وسنها رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما أنها مفتاح اللهو والعبث والمجون والانحلال في حياة الفرد والمجتمع. فهل يفطن أولئك الذين لا يزالون يبيحون للمسلمين مثل هذه الأعياد والاحتفالات، ويشرعونها لهم، ويزعمون أن الإسلام لم يحرم هذا؟ فإذا كانت عميت بصائرهم عن الدليل، فهل عميت أبصارهم عن الواقع؟ لكن من لم يجعل الله له نورًا، فما له من نور. والجدير بالتنبيه هنا، التنويه بما أنعم الله تعالى به على المسلمين في هذه البلاد- البلاد السعودية- حيث طهر أرضها وأهلها بحمد الله من هذه الأعياد، وغيرها من البدع التي تقام حول القبور، ونحوها، ولا تزال البدع فيها بحمد الله مكبوتة، بقوة العقيدة، وقوة الحجة، وقوة السلطة، وذلك من آثار دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب المباركة، وهذه نعمة من نعم الله عليها وعلى جميع المسلمين، يجب أن تشكرها وترعاها، وتحافظ عليها، وتعض عليها بالنواجذ، ونسأل الله تعالى أن يوفق أولي الأمر بهذه البلاد للمحافظة على هذه النعمة، ليرعوها حق رعايتها، ويأخذوا على أيدي السفهاء الذين يحاولون إيقاع المسلمين في هذه البلاد بما ابتُلي به غيرهم من البدع والمخالفات والانحرافات.

стр. 50

[الموضوع التاسع في الرطانة] الموضوع التاسع في الرطانة لنا وقفة عند ما يسميه المؤلف "الرطانة"، وهو تعلم المسلمين وتكلمهم بغير اللغة العربية، وهذه المسألة من القضايا الملحة التي تواجه المسلمين في هذا العصر، والتي تحتاج إلى بحث طويل، واستجلاء للحكم الشرعي المفصل فيها، ولست هنا أنتزع ولا أصدر أحكامًا، بقدر ما أستخلص فوائد وتوجيهات من كلام المؤلف في هذا الموضوع، الذي يبين لنا الحكم العام، ومواقف السلف نحو اللغات الأخرى، وآثارها على دين المسلمين ومعتقدهم. فقد بيَّن لنا أن للصحابة مواقف معروفة نحو ذلك، تتمثل بقول عمر: "إياكم ورطانة الأعاجم" فكانوا يكرهون أن يتكلم المسلم بغير العربية على وجه الاعتياد والدوام، ولغير ضرورة. أما عند الحاجة والضرورة، وما تقتضيه مصلحة المسلمين العامة، فإن ذلك جائز، وقد جاءت السنة به، فقد «أمر الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم زيد بن ثابت أن يتعلم السريانية» ، لغة يهود، ليقرأ في كتبهم، ويكتب بها إليهم، ويترجم كلامهم، ويأمن مكرهم. كما كان الخلفاء الراشدون يفعلون ذلك، وكتبوا الدواوين بغير العربية، إلى أن صارت القدرة على تعريبها، وكان المسلمون مضطرين لمخاطبة الشعوب التي دخلت الإسلام بعد الفتوح بلغاتها كذلك.

стр. 51

أما التكلم بغير العربية لغير ضرورة، فإن السلف كانوا يكرهونه أشد الكراهية، وينهون عنه، ولهم في ذلك أقوال معروفة سرد المؤلف الكثير منها. وكانوا يرون أن العربية من مستلزمات الدين، وغيرها شعار النفاق، لذلك لما فتحوا الأمصار، سارعوا إلى تعليم أهلها العربية حتى سرت سريان النور في الظلام، رغم صعوبة ذلك ومشقته. فالعربية هي لغة الإسلام، ولغة القرآن، ولا يتأتى فهم الكتاب والسنة فهمًا صحيحًا سليمًا إلا بها، فهي من مستلزمات الإسلام وضرورياته، وإهمالها والتساهل بها لا بد أن يضعف من فهم الدين، ويساعد على الجهل به. وأرى أنه من الخطأ الفادح: مزاحمة اللغة العربية باللغات الأخرى في مناهج التعليم في البلاد الإسلامية (١) على العموم، والعربية على الخصوص. فليس هناك أي مبرر يجعل اللغات الأخرى تفرض في المدارس على جميع الطلبة، ولا على غالبهم، وفي كل المستويات، والواقع يثبت ما أقوله، فإن طلاب المدارس التي تفرض فيها اللغات الأجنبية اليوم، هم أضعف في اللغة العربية، في حين أنهم لم يكتسبوا من اللغات الأخرى شيئًا يذكر، فهم كالمنبت: لا ظهرًا أبقى، ولا أرضًا قطع، كما أنها تشكل عبئًا ثقيلًا، وشبحًا مخيفًا أمام أغلب الطلبة. نعم، قد تكون هناك ضرورة للدول لتعلم بعض اللغات الأجنبية، وحينئذ يجب أن يتعلمها من يقع الاختيار عليه لحاجة الأمة، أو تفرض ذلك عليه طبيعة

стр. 52

عمله أو دراسته، فتتعلم طائفة من أبناء الأمة لغات الأمم الأخرى بقدر الحاجة، أما أن تكون اللغة الدخيلة مفروضة على كل ناشئة المسلمين، فهذا ما أرى أنه خطأ، ويخالف حكم الإسلام، ولم يأت إلا عن جهل، أو إعجاب بالأعاجم، أو قصد إفساد شباب المسلمين والتضييق على لغتهم العربية، أو عن قصور في التفكير يكون سببه حب التقليد والشعور بالنقص.

стр. 53

[الموضوع العاشر حول مفهوم البدعة] الموضوع العاشر حول مفهوم البدعة لقد أخطأ كثير من الناس في العصور المتأخرة في مفهوم البدعة وأحكامها، فقالوا بأن البدعة تنقسم إلى: حسنة، وقبيحة، وأنه ليست كل بدعة ضلالة، وأنا ما ارتضاه المسلمون وتعارفوا عليه لا يكون بدعة، وهذه المفاهيم كلها إنما حدثت بعد القرون الثلاثة الفاضلة. فاستطاع المؤلف ﵀، أن يؤصل لهذه المسألة، ويستقرئ أدلتها، ويبين أحكامها، ووجه الخطأ فيها، على النحو التالي: * بيَّن أن كل بدعة ضلالة بصريح السنة ومنطوقها، حيث ذكر الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن «كل بدعة ضلالة» (١) وأن «شر الأمور محدثاتها» (٢) وأن «كل محدثة بدعة» (٣) وما زعمه بعض الناس من أنه ليس كل بدعة ضلالة، فهو مصادم لقول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومشاقَّة له. * أن البدع التي هي محل الكلام هنا هي ما أحدثه الناس في العبادات

стр. 54

وشعائر الدين، وشرائعه، كالأعياد المحدثة، والبدع التي أحدثها الناس حول القبور والمزارات والمشاهد، وكالصلوات المحدثة، مثل صلاة الرغائب، والصلاة الألفية، والصيام المحدث، مثل صيام أول خميس من رجب، ونحو ذلك من المبتدعات التي يتعبد الناس بها، أو تصير من شعائرهم وسماتهم الدينية، فهذه الأصل فيها أن لا يشرع منها إلا ما شرعه الله. أما العادات فالأصل فيها الإباحة، إلا ما حرمه الله. * مسألة أن كل بدعة في الدين ضلالة محرمة، هذا مما أجمع عليه الصحابة والسلف الصالح، ولم تنتشر البدع إلا بعد القرون الثلاثة الفاضلة حين صارت للروافض والقرامطة دولة، وكثرت الطرق الصوفية النكدة. * أن ما اعتاده بعض الناس، أو حتى أكثرهم، في بلاد المسلمين، من الإقرار ببعض البدع، وعملهم لها، وسكوت بعض العلماء عنها، وعمل بعضهم لها، ودعوة آخرين إليها؛ كل هذا لا يصلح دليلًا على أنها بدع حسنة ومقبولة، ومرضية في دين الله؛ لأن الدليل المجمع عليه إنما هو كتاب الله، أو سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وسنة الخلفاء الراشدين والإجماع، وهذه الأصول كلها تبطل البدع، أما مجرد أعمال وأقوال تصدر من بعض المسلمين أو أكثرهم- وإن سموا علماء- فهذا لا يصير دليلًا بالإجماع. * استدل بعضهم على أن بعض البدع حسنة في الدين بقول عمر ﵁ في صلاة التراويح: "نعمت البدعة" وأنه سنها وأقره الصحابة على ذلك، لكن المؤلف يرد هذا بأن صلاة التراويح لها أصل في السنة، وأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلاها، وصلاها الصحابة خلفه، وأنه تركها خشية أن تفرض، فبقيت مسنونة بعد توقف الوحي وانقطاع احتمال فرضها. ثم إن قول عمر لا يُرد به قول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم:

стр. 55

«كل بدعة ضلالة» ، كما أن تسمية عمر لها: "بدعة" تسمية لغوية؛ إذ مفهوم البدعة في اللغة أوسع منه في الشرع، فلا تعني تسمية عمر لها: "بدعة" أنها بدعة في الدين، ثم إن عمر قال: "نعمت البدعة" من باب الرد والتنزل في الحجة على من قال: إنها بدعة، فالإلزام بأنه ﵁ يقصد أنها بدعة حسنة، أو أن البدع منها ما هو حسن من حيث المبدأ؛ إنما هو تحكُّم وافتراء على عمر، وافتراء على الدين.

стр. 56

[الموضوع الحادي عشر حول بدع القبور والمزارات والمشاهد والآثار ونحوها] الموضوع الحادي عشر حول بدع القبور والمزارات والمشاهد والآثار ونحوها من أكثر المبتدعات الشركية، وأخطرها على المسلمين، وأكثرها انتشارًا: تقديس الموتى، وقبورهم، والبناء عليها، وتخصيص النذور إليها، والذبح عندها، ودعاء أصحابها، من دون الله، والتمسح بها، وشد الرحال إليها، والعكوف والمجاورة عندها، والصلاة عندها، وفيها، واتخاذ الآثار- آثار الأنبياء والصالحين ونحوها- مزارات ومشاهد، والتبرك بها، واتخاذها أعيادًا، ونحو ذلك مما هو معروف ومنتشر بين المسلمين، منذ القرن الرابع الهجري. فالمؤلف يشير إلى أن أول مَنْ فَتَن المسلمين وأحدث فيهم هذه البدع: الروافض، وما تفرع عنهم من فرق الباطنية، التي انتشرت بين المسلمين، والطرق الصوفية، ثم الفرق الحاقدة، كالإسماعيلية، والقرامطة، والنصيرية، والاتحادية، والحلولية (١) فهؤلاء هم الذين أشاعوا هذه البدع حينما كانت لهم دولة- بعد قيام الدولة الفاطمية، ودولة القرامطة- في القرن الرابع وما بعده، ونشروا هذه الشركيات وأقاموها في بلاد المسلمين. وهذه البدع لا تزال جاثمة في أكثر بلاد المسلمين- ما عدا البلاد السعودية وبعض دول الخليج- وهي تزداد وتنتشر، خاصة عند الشيعة

стр. 57

وأصحاب الطرق الصوفية، والتي ابتُلي بها أغلب المسلمين. وما تكلم عنه المؤلف بهذا الصدد من مظاهر البدع والشركيات ينطبق على عصرنا، وإن اختلفت بعض الشكليات والمظاهر لعامل الزمن. وأمر آخر كذلك بحثه المؤلف، وهو مما نلاحظه الآن ينمو ويسري في بلاد المسلمين كلها، وهو: العناية بالآثار، وعمل المزارات لها وارتيادها، والاهتمام بها والحفاظ عليها، بل هذا من أبرز اهتمامات وزارات السياحة، وإدارات الآثار. وسواء كانت تلك الآثار: آثار الأنبياء والصالحين، كغار حراء، وغار ثور، وأماكن صلاة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومكان الشجرة التي تمت تحتها بيعة الرضوان، ونحو ذلك، أو كانت آثار الأمم والشعوب، كآثار الفراعنة، والآشوريين، والكنعانيين، والجاهليين، وسواهم، أو آثار المسلمين. فإن تقديس هذه الآثار، وإعطاءها اهتمامًا وعناية خاصة، مما لا يجوز في الإسلام؛ لأنه: إما شرك أو ذريعة إلى الشرك؛ لأن هذا الاهتمام هو مبدأ التقديس وأساسه، وبداية الفتنة، لذلك حسم الإسلام هذه المادة، ومن هذا القبيل ما يسميه بعض الناس اليوم: (الاهتمام بالآثار والمحافظة عليها) ، وهذه هي جرثومة الشرك، ويجب على المسلمين- خاصة في البلاد السعودية حيث لا توجد فيها هذه المظاهر بحمد الله- أن يحذروا من هذه الفكرة كل الحذر، وأن يقطعوا دابرها، قبل أن تستفحل، فإنها بدأت تخرج أعناقها، فإن وجدت غفلة من الرقيب فلربما يقع المحذور. وما ذكرته لا يتعارض مع ما أمر الله به من السير في الأرض، والنظر في خلق الله، والاعتبار بمصائر الأمم السابقة؛ لأن الأمر بالنظر والاعتبار لا يعني المحافظة والتقديس لآثار السابقين، ومما يوضح ذلك أننا نهينا عن البقاء بديار

стр. 58

الأمم الغابرة التي هلكت، وأُمرنا إذا مررنا بآثارها أن نكون مسرعين باكين، فكيف نعدها من التراث الثمين، والأمجاد. أما آثار الصالحين، فالأمر فيها أخطر؛ لأنها مظنة التقديس، ومن ثم: العبادة والشرك؛ والإسلام نهى عن ذلك أشد النهي وحذر منه. فهذه الأماكن والآثار والمشاهد، والأبنية على القبور، وما يجري فيها وحولها، إنما هي أماكن ضرار، تضاهي بيوت الله التي أمر أن ترفع ويذكر فيها اسمه، واتخاذ تلك المبتدعات إنما هو سعي في خراب بيوت الله، وصرف للناس عن ذكر الله وعن الصلاة، إنها معابد الشيطان، وبيوته، نسأل الله تعالى أن يطهر أرضه منها، وأن يحمينا من الزيغ والزلل، إنه نعم المولى المجيب وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 59

[القسم الثاني: الكتاب محققا مع التعليق عليه] اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم تأليف شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية المتوفى سنة ٧٢٨ هـ تحقيق وتعليق د. ناصر بن عبد الكريم العقل طبعة جديدة مصححة ومنقحة

стр. 60

[خطبة الحاجة من كتاب المحقق] [سبب تأليف الكتاب] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي أكمل لنا ديننا، وأتم علينا نعمته، ورضي لنا الإسلام دينا، وأمرنا (١) أن نستهديه صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم (٢) غير المغضوب عليهم: اليهود، ولا الضالين: النصارى. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالدين القيّم، والملة الحنيفية (٣) وجعله على شريعة من الأمر، أمر باتباعها، وأمره بأن يقول: ﴿هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ (٤) أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] (٥) صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما. وبعد: فإني كنت (٦) قد نهيت: إما مبتدئا أو مجيبا (٧) عن التشبه بالكفار

стр. 61

في أعيادهم، وأخبرت ببعض ما في ذلك: من الأثر القديم، والدلالة الشرعية، وبيَّنت بعض حكمة الشرع (١) في مجانبة الكفار، من الكتابيين والأميين، وما جاءت به الشريعة من (٢) مخالفة أهل الكتاب والأعاجم (٣) . وإن كانت هذه قاعدة (٤) عظيمة من قواعد الشريعة، كثيرة الشّعَب، واصطلاحا جامعا من أصولها كثير (٥) الفروع، لكني (٦) نبهت على ذلك بما يسر الله تعالى (٧) وكتبت جوابا في ذلك لم يحضرني الساعة، وحصل بسبب ذلك من الخير (٨) ما قدّره الله سبحانه، ثم بلغني بأخرة (٩) أن من الناس من استغرب ذلك واستبعده؛ لمخالفة عادة قد نشؤوا عليها، وتمسكوا في ذلك بعمومات وإطلاقات اعتمدوا عليها، فاقتضاني (١٠) بعض الأصحاب أن أعلق في ذلك ما يكون فيه

стр. 62

إشارة إلى (١) أصل هذه المسألة؛ لكثرة فائدتها، وعموم المنفعة بها، ولما قد عمَّ كثيرا من الناس من الابتلاء بذلك، حتى صاروا في نوع جاهلية، فكتبت ما حضرني الساعة، مع أنه (٢) لو استُوفي ما في ذلك من الدلائل، وكلام العلماء، واستُقريت الآثار في ذلك، لوُجد (٣) فيه أكثر مما كتبته. ولم أكن أظن أن من خاض في الفقه، ورأى إيماءات الشرع ومقاصده، وعلل الفقهاء ومسائلهم، يشك في ذلك، بل لم أكن أظن أن من وقر الإيمان في قلبه، وخلص إليه حقيقة الإسلام، وأنه دين الله، الذي لا يقبل من أحد سواه - إذا نبَّه على هذه النكتة (٤) - إلا كانت حياة قلبه، وصحة إيمانه، توجب استيقاظه بأسرع تنبيه، ولكن نعوذ بالله من رين (٥) القلوب، وهوى النفوس، اللذَيْن يصدان عن معرفة الحق واتباعه.

стр. 63

[فصل في حال الناس قبل الإسلام] فصل حال الناس قبل الإسلام اعلم أن الله بعث (١) محمدا ﷺ إلى الخلق على فترة من الرسل (٢) وقد مقت أهل الأرض: عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب (٣) ماتوا - أو أكثرهم - قبل مبعثه. والناس إذ ذاك أحد رجلين: إما كتابي معتصم (٤) بكتاب: إما مبدل، وإما مبدل منسوخ (٥) ودين (٦) دارس، بعضه مجهول، وبعضه متروك، وإمّا أميّ من عربي وعجمي، مقبل على عبادة ما استحسنه، وظن أنه ينفعه: من نجم، أو وثن، أو قبر، أو تمثال، أو غير ذلك.

стр. 64

والناس في جاهلية جهلاء، من مقالات يظنونها علما وهي جهل، وأعمال يحسبونها صلاحا وهي فساد. وغاية البارع منهم علما وعملا، أن يحصل قليلا من العلم الموروث عن الأنبياء المتقدمين، قد اشتبه عليهم حقه بباطله. أو يشتغل بعمل القليل منه مشروع، وأكثره مبتدع لا يكاد يؤثر في صلاحه إلا قليلا، أو أن يكدح بنظره كدح المتفلسفة، فتذوب مهجته في الأمور الطبيعية والرياضية (١) وإصلاح الأخلاق، حتى يصل - إن وصل - بعد الجهد الذي لا يوصف، إلى نزر (٢) قليل مضطرب، لا يروي ولا يشفي (٣) من العلم الإلهي، باطله أضعاف حقه - إن حصل - وأنَّى له ذلك مع كثرة الاختلاف بين أهله، والاضطراب وتعذر الأدلة عليه، والأسباب؟ فهدى الله الناس ببركة نبوة محمد ﷺ ، وبما جاء به من البينات والهدى، هداية جلت عن وصف الواصفين، وفاقت معرفة العارفين، حتى حصل لأمته المؤمنين (٤) عموما، ولأولي العلم منهم خصوصا، من العلم النافع، والعمل الصالح، والأخلاق العظيمة، والسنن المستقيمة، ما لو جمعت حكمة سائر الأمم، علما وعملا، الخالصة من كل شوب، إلى الحكمة التي بعث بها، لتفاوتا تفاوتا يمنع معرفة قدر النسبة بينهما، فلله الحمد كما يحب ربنا ويرضى (٥) ودلائل (٦) هذا وشواهده ليس هذا موضعها.

стр. 65

ثم إنه سبحانه بعثه بدين الإسلام، الذي هو الصراط المستقيم، وفرض على الخلق أن يسألوه هدايته كل يوم (١) في صلاتهم (٢) ووصفه بأنه صراط الذين أنعم (٣) عليهم، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، غير المغضوب عليهم ولا الضالين (٤) . قال عدي بن حاتم (٥) ﵁: «أتيت رسول (٦) الله ﷺ وهو جالس في المسجد، فقال القوم: هذا عدي بن حاتم. وجئت بغير أمان ولا كتاب، فلما دفعت إليه أخذ بيدي، وقد كان (٧) قال قبل ذلك: " إني لأرجو أن يجعل الله يده بيدي " قال: فلقيته امرأة وصبي معها فقالا: إن لنا إليك حاجة. فقام معهما حتى قضى حاجتهما، ثم أخذ بيدي، حتى أتى بي داره، فألقت له الوليدة (٨) وسادة، فجلس عليها، وجلست بين يديه. فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " ما يفرّك (٩) . أيفرّك (١٠) أن تقول لا إله إلا الله؟ فهل تعلم من إله سوى الله؟ قال:

стр. 66

قلت: لا. ثم تكلم ساعة (١) ثم قال: " إنما يفرّك (٢) أن تقول: الله أكبر، وتعلم (٣) شيئا أكبر من الله؟ " قال: قلت: لا. قال: " فإن اليهود مغضوب عليهم، وإن النصارى (٤) ضلّال "، قال: فقلت: فإني حنيف (٥) مسلم. قال: فرأيت وجهه ينبسط (٦) فرحا» وذكر حديثا طويلا. رواه الترمذي وقال: " هذا حديث حسن غريب " (٧) . وقد دل كتاب الله على معنى هذا الحديث، قال الله سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠] (٨) والضمير عائد إلى اليهود، والخطاب معهم كما دل عليه سياق الكلام. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾ [المجادلة: ١٤] (٩) وهم المنافقون الذين تولوا اليهود (١٠) باتفاق

стр. 67

أهل التفسير، وسياق الآية يدل عليه. وقال تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٢] (١) وذكر في آل عمران (٢) قوله تعالى: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٢] (٣) وهذا بيان أن اليهود مغضوب عليهم. وقال في النصارى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] إلى قوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ (٤) وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] (٥) . وهذا خطاب للنصارى كما دل عليه السياق، ولهذا نهاهم عن الغلو، وهو مجاوزة الحد، كما نهاهم عنه في قوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [المائدة: ٧٧] (٦) ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ [النساء: ١٧١] (٧) الآية. واليهود مقصرون عن الحق، والنصارى غالون فيه، فأما وسم (٨) اليهود بالغضب، والنصارى بالضلال، فله أسباب ظاهرة وباطنة، ليس هذا موضعها.

стр. 68

وجماع ذلك: أن كفر اليهود أصله من جهة عدم العمل بعلمهم فهم يعلمون الحق ولا يتبعونه عملا أو لا قولا ولا عملا (١) وكفر النصارى من جهة عملهم بلا علم، فهم يجتهدون في أصناف العبادات بلا شريعة من الله، ويقولون على الله ما لا يعلمون. ولهذا كان (٢) السلف (٣) سفيان بن عيينة (٤) وغيره، يقولون: إن (٥) من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود! ومن فسد من عبّادنا ففيه شبه من النصارى. وليس هذا موضع شرح ذلك. ومع أن (٦) الله قد حذرنا سبيلهم، فقضاؤه نافذ بما أخبر به رسوله، مما سبق في علمه، حيث قال فيما خرجاه في الصحيحين: عن أبي سعيد الخدري (٧) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لتتبعن سنن من كان (٨)

стр. 69

قبلكم حذو القذة (١) بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ". قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: " فمن» (٢) . وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة (٣) ﵁ عن النبي ﷺ قال (٤) «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي مأخذ القرون، شبرا بشبر، وذراعا بذراع ". فقيل: يا رسول الله، كفارس والروم؟ قال: ومَن الناس إلا

стр. 70

أولئك؟» (١) . فأخبر أنه سيكون في أمته مضاهاة لليهود والنصارى، وهم أهل الكتاب، ومضاهاة لفارس والروم، وهم الأعاجم. وقد كان ﷺ ينهى عن التشبه بهؤلاء وهؤلاء، وليس هذا إخبارا عن جميع الأمة، بل قد تواتر عنه: " أنه قال «لا تزال (٢) طائفة من أمته (٣) ظاهرة على الحق حتى تقوم الساعة» (٤) . وأخبر ﷺ : «أن الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة (٥) وأن الله لا يزال

стр. 71

يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم فيه بطاعته» (١) " (٢) . فعلم بخبره الصدق أنه (٣) في أمته قوم متمسكون بهديه، الذي هو دين الإسلام محضا، وقوم منحرفون (٤) إلى شعبة من شعب (٥) اليهود، أو إلى شعبة من شعب (٦) النصارى، وإن كان الرجل لا يكفر بكل (٧) انحراف، بل وقد لا يفسق أيضا، بل قد يكون الانحراف كفرا، وقد يكون فسقا، وقد يكون معصية (٨) وقد يكون خطأ.

стр. 72

وهذا الانحراف أمر تتقاضاه الطباع ويزينه الشيطان، فلذلك أمر العبد بدوام دعاء الله سبحانه بالهداية إلى الاستقامة التي لا يهودية فيها ولا نصرانية أصلا. [بعض أمور أهل الكتاب والأعاجم التي ابتلي بها بعض المسلمين] وأنا أشير (١) إلى بعض أمور أهل الكتاب والأعاجم، التي ابتليت بها هذه الأمة، ليجتنب المسلم الحنيف الانحراف عن الصراط المستقيم، إلى صراط المغضوب عليهم، أو (٢) الضالين. قال الله سبحانه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا (٣) مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩] (٤) . فذم اليهود على ما حسدوا المؤمنين على الهدى والعلم. وقد يبتلى بعض المنتسبين إلى (٥) العلم وغيرهم بنوع من الحسد لمن هداه الله بعلم (٦) نافع أو عمل صالح، وهو خلق مذموم مطلقا، وهو في هذا الموضع من أخلاق المغضوب عليهم. وقال الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا - الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٦ - ٣٧] (٧) . فوصفهم بالبخل الذي هو البخل بالعلم والبخل بالمال، وإن كان

стр. 73

السياق يدل على أن البخل بالعلم هو المقصود الأكبر، وكذلك (١) وصفهم بكتمان العلم في غير آية، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] (٢) الآية، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ (٣) أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ - إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠] (٤) الآية، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ [البقرة: ١٧٤] (٥) الآية، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٦] (٦) . فوصف المغضوب عليهم بأنهم يكتمون العلم: تارة بخلا به (٧) وتارة اعتياضا عن إظهاره بالدنيا، وتارة خوفا في (٨) أن يُحتج عليهم بما أظهروه منه.

стр. 74

وهذا قد يبتلى (١) به طوائف من المنتسبين إلى العلم (٢) فإنهم تارة يكتمون العلم بخلا به، وكراهة لأن (٣) ينال غيرهم من الفضل ما نالوه، وتارة اعتياضا عنه (٤) برئاسة أو مال، فيخاف من إظهاره انتقاص رئاسته أو نقص ماله، وتارة يكون قد خالف غيره في مسألة، أو اعتزى (٥) إلى طائفة قد خولفت في مسألة، فيكتم من العلم ما فيه حجة لمخالفه وإن لم يتيقن أن مخالفه مبطل. ولهذا قال عبد الرحمن بن مهدي (٦) وغيره: أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم. وليس الغرض تفصيل ما يجب أو يحتسب (٧) في ذلك (٨) بل الغرض التنبيه على مجامع يتفطن اللبيب بها لما ينفعه الله به. وقال تعالى:

стр. 75

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١] (١) بعد (٢) أن قال: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] (٣) . فوصف اليهود: بأنهم كانوا يعرفون الحق قبل ظهور (٤) الناطق به، والداعي إليه. فلما جاءهم (٥) الناطق به من غير طائفة يهوونها لم ينقادوا له. وأنهم لا يقبلون الحق إلا من الطائفة التي هم منتسبون إليها، مع أنهم لا يتبعون ما لزمهم في (٦) اعتقادهم. وهذا يبتلى به كثير من المنتسبين إلى طائفة معينة في العلم، أو (٧) الدين، من المتفقهة، أو المتصوفة (٨) . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →