← Акыда

Акыда · id 11620

اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم

ابن تيمية

Полный текст (951 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم فيه بطاعته» (١) " (٢) . فعلم بخبره الصدق أنه (٣) في أمته قوم متمسكون بهديه، الذي هو دين الإسلام محضا، وقوم منحرفون (٤) إلى شعبة من شعب (٥) اليهود، أو إلى شعبة من شعب (٦) النصارى، وإن كان الرجل لا يكفر بكل (٧) انحراف، بل وقد لا يفسق أيضا، بل قد يكون الانحراف كفرا، وقد يكون فسقا، وقد يكون معصية (٨) وقد يكون خطأ.

стр. 72

وهذا الانحراف أمر تتقاضاه الطباع ويزينه الشيطان، فلذلك أمر العبد بدوام دعاء الله سبحانه بالهداية إلى الاستقامة التي لا يهودية فيها ولا نصرانية أصلا. [بعض أمور أهل الكتاب والأعاجم التي ابتلي بها بعض المسلمين] وأنا أشير (١) إلى بعض أمور أهل الكتاب والأعاجم، التي ابتليت بها هذه الأمة، ليجتنب المسلم الحنيف الانحراف عن الصراط المستقيم، إلى صراط المغضوب عليهم، أو (٢) الضالين. قال الله سبحانه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا (٣) مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩] (٤) . فذم اليهود على ما حسدوا المؤمنين على الهدى والعلم. وقد يبتلى بعض المنتسبين إلى (٥) العلم وغيرهم بنوع من الحسد لمن هداه الله بعلم (٦) نافع أو عمل صالح، وهو خلق مذموم مطلقا، وهو في هذا الموضع من أخلاق المغضوب عليهم. وقال الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا - الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٦ - ٣٧] (٧) . فوصفهم بالبخل الذي هو البخل بالعلم والبخل بالمال، وإن كان

стр. 73

السياق يدل على أن البخل بالعلم هو المقصود الأكبر، وكذلك (١) وصفهم بكتمان العلم في غير آية، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] (٢) الآية، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ (٣) أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ - إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠] (٤) الآية، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ [البقرة: ١٧٤] (٥) الآية، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٦] (٦) . فوصف المغضوب عليهم بأنهم يكتمون العلم: تارة بخلا به (٧) وتارة اعتياضا عن إظهاره بالدنيا، وتارة خوفا في (٨) أن يُحتج عليهم بما أظهروه منه.

стр. 74

وهذا قد يبتلى (١) به طوائف من المنتسبين إلى العلم (٢) فإنهم تارة يكتمون العلم بخلا به، وكراهة لأن (٣) ينال غيرهم من الفضل ما نالوه، وتارة اعتياضا عنه (٤) برئاسة أو مال، فيخاف من إظهاره انتقاص رئاسته أو نقص ماله، وتارة يكون قد خالف غيره في مسألة، أو اعتزى (٥) إلى طائفة قد خولفت في مسألة، فيكتم من العلم ما فيه حجة لمخالفه وإن لم يتيقن أن مخالفه مبطل. ولهذا قال عبد الرحمن بن مهدي (٦) وغيره: أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم. وليس الغرض تفصيل ما يجب أو يحتسب (٧) في ذلك (٨) بل الغرض التنبيه على مجامع يتفطن اللبيب بها لما ينفعه الله به. وقال تعالى:

стр. 75

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١] (١) بعد (٢) أن قال: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] (٣) . فوصف اليهود: بأنهم كانوا يعرفون الحق قبل ظهور (٤) الناطق به، والداعي إليه. فلما جاءهم (٥) الناطق به من غير طائفة يهوونها لم ينقادوا له. وأنهم لا يقبلون الحق إلا من الطائفة التي هم منتسبون إليها، مع أنهم لا يتبعون ما لزمهم في (٦) اعتقادهم. وهذا يبتلى به كثير من المنتسبين إلى طائفة معينة في العلم، أو (٧) الدين، من المتفقهة، أو المتصوفة (٨) . . . . . . . . . . . . . .

стр. 76

أو غيرهم (١) . أو إلى رئيس معظم عندهم (٢) في الدين - غير النبي ﷺ فإنهم لا يقبلون من الدين رأيا (٣) ورواية إلا ما جاءت به طائفتهم، ثم إنهم لا يعلمون ما توجبه طائفتهم، مع أن دين الإسلام يوجب اتباع الحق مطلقا: رواية ورأيا (٤) من غير تعيين شخص أو طائفة - غير الرسول ﷺ . وقال تعالى في صفة المغضوب عليهم: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦] (٥) . ووصفهم بأنهم (٦)

стр. 77

﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧٨] (١) والتحريف قد فسر بتحريف التنزيل، وبتحريف التأويل. فأما تحريف التأويل فكثير جدا، وقد ابتليت به طوائف من هذه الأمة، وأما تحريف التنزيل فقد وقع في (٢) كثير من الناس، يحرفون ألفاظ الرسول، ويروون الحديث بروايات منكرة. وإن كان الجهابذة يدفعون ذلك، وربما يطاول بعضهم إلى تحريف التنزيل، وإن لم يمكنه ذلك، كما قرأ بعضهم وَكَلَّمَ اللَّهُ (٣) مُوسَى تَكْلِيمًا (٤) . وأمّا ليّ (٥) الألسنة (٦) بما يُظَن أنه من عند الله فكوضع الوضاعين الأحاديث (٧) على (٨) رسول الله ﷺ ، أو إقامة ما يظن أنه حجة في الدين، وليس بحجة، وهذا الضرب من أنواع أخلاق اليهود، وذمها (٩) كثير لمن تدبره في كتاب الله وسنة رسوله، ثم نظر بنور الإيمان إلى ما وقع في الأمة من الأحداث (١٠) .

стр. 78

وقال سبحانه عن النصارى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١] (١) وقال تعالى (٢) ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] (٣) إلى غير ذلك من المواضع. ثم إن الغلو في الأنبياء والصالحين قد وقع في طوائف من ضلّال المتعبدة والمتصوفة (٤) حتى خالط كثيرا (٥) منهم من مذهب الحلول والاتحاد ما هو أقبح من قول النصارى أو مثله أو دونه. وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة: ٣١] (٦) وفسره النبي ﷺ لعدي بن حاتم ﵁ بأنهم: «أحلّوا الحرام فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال فاتبعوهم» (٧) .

стр. 79

وكثير من أتباع المتعبدة يطيع بعض المعظمين عنده في كل ما يأمر به وإن تضمن تحليل حرام أو تحريم (١) حلال، وقال سبحانه عن الضالين: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ٢٧] (٢) . وقد ابتلي طوائف (٣) من المسلمين من الرهبانية المبتدعة بما الله به عليم. وقال الله سبحانه: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١] (٤) فكان الضالون - بل والمغضوب عليهم - يبنون المساجد على قبور الأنبياء والصالحين، وقد نهى رسول (٥) الله ﷺ أمته عن ذلك في غير موطن (٦) حتى في وقت مفارقته الدنيا - بأبي هو وأمي -. ثم إن هذا قد ابتلي به كثير من هذه الأمة. ثم إن الضالين تجد عامة دينهم إنما يقوم بالأصوات المطربة، والصور الجميلة، فلا يهتمون بأمر دينهم بأكثر من تلحين الأصوات، ثم تجد (٧) قد ابتليت هذه الأمة (٨) من اتخاذ السماع المطرب، بسماع (٩) القصائد (١٠)

стр. 80

وإصلاح القلوب والأحوال به (١) ما فيه مضاهاة لبعض حال الضالين، وقال سبحانه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣] (٢) فأخبر أن كل واحدة من الأمتين تجحد كل ما الأخرى عليه. وأنت تجد كثيرا من المتفقهة، إذا رأى المتصوفة والمتعبدة لا يراهم شيئا ولا يعدهم إلا جهالا ضلالا، ولا يعتقد في طريقهم (٣) من العلم والهدى شيئا، وترى كثيرا من المتصوفة، والمتفقرة (٤) لا يرى الشريعة والعلم شيئا، بل يرى أن المتمسك (٥) بها منقطعا عن الله وأنه ليس عند أهلها مما ينفع عند الله شيئا (٦) . وإنما الصواب (٧) أن ما جاء به الكتاب والسنة من هذا وهذا حق، وما خالف الكتاب والسنة من هذا وهذا: باطل. وأما مشابهة فارس والروم، فقد دخل (٨) في هذه الأمة من الآثار الرومية، قولا وعملا، والآثار الفارسية، قولا وعملا، ما لا خفاء به (٩) على مؤمن عليم

стр. 81

بدين الإسلام، وبما حدث فيه، وليس الغرض هنا تفصيل الأمور التي وقعت في الأمة، مما تضارع (١) طريق المغضوب عليهم أو الضالين، وإن كان بعض ذلك قد يقع مغفورا لصاحبه: إما لاجتهاد أخطأ فيه، وإما لحسنات محت السيئات، أو غير ذلك. وإنما الغرض أن نبين ضرورة العبد وفاقته إلى هداية الصراط المستقيم، وأن ينفتح (٢) باب إلى معرفة الانحراف. ثم إن الصراط المستقيم هو أمور باطنة في القلب: من اعتقادات، وإرادات، وغير ذلك، وأمور ظاهرة: من أقوال، أو أفعال قد تكون عبادات، وقد تكون أيضا عادات في الطعام واللباس، والنكاح والمسكن، والاجتماع والافتراق، والسفر والإقامة، والركوب وغير ذلك. وهذه الأمور الباطنة والظاهرة بينهما ارتباط ومناسبة، فإن ما يقوم بالقلب من الشعور والحال يوجب أمورا ظاهرة، وما يقوم بالظاهر من سائر الأعمال، يوجب للقلب شعورا وأحوالا. [الأمر بمخالفة المغضوب عليهم والضالين في الهدي الظاهر] وقد بعث الله محمدا ﷺ بالحكمة التي هي سنته، وهي الشرعة والمنهاج الذي شرعه له، فكان من هذه الحكمة أن شرع له من الأعمال والأقوال ما يباين سبيل المغضوب عليهم والضالين، فأمر بمخالفتهم في الهدي الظاهر (٣) وإن

стр. 82

لم يظهر لكثير من الخلق في ذلك مفسدة لأمور: منها: أن المشاركة في الهدي الظاهر تورث تناسبا وتشاكلا بين المتشابهين، يقود (١) إلى موافقة ما (٢) في الأخلاق والأعمال، وهذا أمر محسوس؛ فإن اللابس ثياب أهل العلم يجد من نفسه نوع انضمام إليهم، واللابس لثياب (٣) الجند المقاتلة - مثلا - يجد من نفسه نوع (٤) تخلق بأخلاقهم، ويصير طبعه متقاضيا (٥) لذلك، إلا أن يمنعه (٦) مانع (٧) . ومنها: أن المخالفة في الهدي الظاهر توجب مباينة ومفارقة توجب الانقطاع عن موجبات الغضب وأسباب الضلال، والانعطاف على أهل الهدى والرضوان، وتحقق ما قطع الله من الموالاة بين جنده المفلحين وأعدائه الخاسرين.

стр. 83

وكلما كان القلب أتم حياة، وأعرف بالإسلام - الذي هو الإسلام، لست أعني مجرد التوسم (١) به ظاهرا (٢) أو باطنا بمجرد الاعتقادات (٣) (٤) من حيث الجملة - كان إحساسه بمفارقة (٥) اليهود والنصارى باطنا وظاهرا (٦) أتم، وبعده عن أخلاقهم الموجودة في بعض المسلمين أشد. ومنها: أن مشاركتهم في الهدي الظاهر، توجب (٧) الاختلاط الظاهر، حتى يرتفع التميز ظاهرا، بين المهديين (٨) المرضيين، وبين المغضوب عليهم والضالين (٩) إلى غير ذلك من الأسباب الحكمية. هذا إذا لم يكن ذلك الهدي الظاهر إلا مباحا محضا لو تجرد عن مشابهتهم، فأما إن كان من موجبات كفرهم؛ كان (١٠) شعبة من شعب الكفر؛ فموافقتهم فيه موافقة في نوع من أنواع معاصيهم (١١) . فهذا أصل ينبغي أن يتفطن له (١٢) .

стр. 84

[فصل في ذكر الأدلة على الأمر بمخالفة الكفار عموما وفي أعيادهم خصوصا] [بيان المصلحة في مخالفة الكفار والتضرر والمفسدة من متابعتهم] فصل لما كان الكلام في المسألة الخاصة (١) قد يكون مندرجا (٢) في قاعدة عامة؛ بدأنا بذكر بعض ما دل (٣) من الكتاب والسنة والإجماع على الأمر (٤) بمخالفة الكفار، والنهي عن مشابهتهم في الجملة، سواء كان ذلك عاما في جميع أنواع المخالفات (٥) أو خاصا ببعضها، وسواء كان أمر إيجاب، أو أمر استحباب. ثم أتبعنا ذلك بما يدل على النهي عن مشابهتهم في أعيادهم خصوصا. وهنا نكتة قد نبهت عليها في هذا الكتاب، وهي (٦) أن الأمر بموافقة قوم أو بمخالفتهم (٧) قد يكون لأن نفس (٨) قصد موافقتهم، أو نفس موافقتهم مصلحة، وكذلك نفس قصد مخالفتهم، أو نفس مخالفتهم (٩) مصلحة، بمعنى:

стр. 85

أن ذلك الفعل يتضمن مصلحة للعبد، أو مفسدة؛ وإن كان ذلك الفعل الذي حصلت به الموافقة، أو المخالفة، لو تجرد عن الموافقة والمخالفة، لم يكن فيه تلك المصلحة أو المفسدة، ولهذا نحن ننتفع بنفس (١) متابعتنا لرسول الله ﷺ والسابقين (٢) في أعمال لولا أنهم فعلوها لربما قد كان لا يكون لنا مصلحة؛ لما يورث ذلك من محبتهم وائتلاف قلوبنا بقلوبهم، وأن ذلك يدعونا إلى موافقتهم في أمور أخرى، إلى غير ذلك من الفوائد. كذلك: قد نتضرر بمتابعتنا (٣) الكافرين في أعمال لولا أنهم يفعلونها لم نتضرر بفعلها، وقد يكون الأمر بالموافقة والمخالفة لأن ذلك الفعل الذي يوافق فيه (٤) أو يخالف، متضمن للمصلحة أو المفسدة ولو لم يفعلوه، لكن عبر عن (٥) ذلك بالموافقة والمخالفة، على سبيل الدلالة والتعريف؛ فتكون (٦) موافقتهم دليلا على المفسدة، ومخالفتهم دليلا على المصلحة، واعتبار الموافقة والمخالفة على هذا التقدير: من باب قياس الدلالة (٧) وعلى الأول: من باب قياس العلة، وقد يجتمع الأمران، أعني: الحكمة الناشئة من نفس الفعل الذي

стр. 86

وافقناهم أو خالفناهم فيه، ومن نفس مشاركتهم فيه، وهذا هو الغالب على الموافقة والمخالفة المأمور بهما (١) والمنهي عنهما (٢) فلا بد من التفطن لهذا المعنى، فإنه به يعرف معنى نَهْي الله لنا عن اتباعهم وموافقتهم، مطلقا ومقيدا. واعلم: أن دلالة الكتاب على خصوص الأعمال وتفاصيلها، إنما يقع بطريق الإجمال (٣) والعموم (٤) أو الاستلزام (٥) وإنما السنة هي التي تفسر الكتاب (٦) وتبينه وتدل عليه، وتعبر عنه. [الاستدلال من القرآن على النهي عن اتباع الكافرين] فنحن نذكر من آيات الكتاب ما يدل على أصل هذه القاعدة - في الجملة - ثم نتبع ذلك الأحاديث المفسرة في أثناء الآيات وبعدها (٧) قال الله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ - وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ - ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ١٦ - ١٨]

стр. 87

﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٩] (١) أخبر سبحانه أنه أنعم على بني إسرائيل بنعم الدين والدنيا، وأنهم اختلفوا بعد مجيء العلم بغيا من بعضهم على (٢) بعض. ثم جعل محمدا ﷺ على شريعة شرعها له (٣) وأمره باتباعها، ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون، وقد دخل في الذين لا يعلمون: كل من خالف شريعته. وأهواؤهم: هو (٤) ما يهوونه، وما عليه المشركون من هديهم الظاهر، الذي هو من موجبات دينهم الباطل، وتوابع ذلك، فهم (٥) يهوونه، وموافقتهم فيه اتباع لما (٦) يهوونه، ولهذا: يفرح الكافرون (٧) بموافقة المسلمين في بعض أمورهم ويسرون به، ويودون أن لو بذلوا (٨) عظيما ليحصل ذلك، ولو فرض أن ليس الفعل من اتباع أهوائهم فلا ريب أن مخالفتهم في ذلك أحسم لمادة متابعتهم، وأعون على حصول مرضاة الله في تركها، وأن موافقتهم في ذلك قد تكون (٩) ذريعة إلى موافقتهم في غيره، فإن من حام حول الحمى أوشك أن يواقعه، وأي الأمرين كان؛ حصل المقصود في الجملة؛ وإن كان الأول أظهر.

стр. 88

وفي هذا الباب قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ - وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٦ - ٣٧] (١) فالضمير (٢) في (أهوائهم) ، يعود - والله أعلم - إلى ما تقدم ذكره، وهم الأحزاب الذين ينكرون بعضه (٣) فدخل في ذلك كل من أنكر شيئا من القرآن: من يهودي أو نصراني أو غيرهما (٤) وقد قال: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [الرعد: ٣٧] (٥) ومتابعتهم فيما يختصون به من دينهم وتوابع دينهم اتباع لأهوائهم، بل يحصل اتباع أهوائهم بما هو دون ذلك. ومن هذا أيضا قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠] (٦) . فانظر كيف قال في الخبر: (مِلَّتَهُمْ) ، وقال في النهي (٧) (أَهْوَاءَهُمْ) ، لأن القوم لا يرضون إلا باتباع الملة مطلقا، والزجر وقع عن اتباع أهوائهم في قليل أو كثير، ومن المعلوم أن متابعتهم في بعض ما هم عليه من الدين نوع متابعة لهم في بعض ما يهوونه، أو مظنة (٨) لمتابعتهم فيما يهوونه، كما تقدم.

стр. 89

ومن هذا الباب قوله سبحانه: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥] (١) ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ - الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ - وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ - وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ - وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦ - ١٥٠] (٢) . قال غير واحد من السلف (٣) " معناه: لئلا يحتج اليهود عليكم بالموافقة في القبلة، فيقولون: قد وافقونا في قبلتنا، فيوشك أن يوافقونا في ديننا، فقطع الله بمخالفتهم في القبلة هذه الحجة، إذ الحجة: اسم لكل ما يحتج به من حق وباطل، ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] (٤) وهم قريش، فإنهم يقولون: عادوا إلى قبلتنا، فيوشك أن يعودوا إلى ديننا ". فبين (٥) سبحانه أن من حكمة نسخ القبلة وتغييرها مخالفة الناس (٦)

стр. 90

الكافرين في قبلتهم، ليكون ذلك أقطع لما يطمعون فيه من الباطل، ومعلوم أن هذا المعنى ثابت في كل مخالفة وموافقة، فإن الكافر إذا اتُّبع في شيء من أمره كان له في الحجة مثل ما كان أو قريب مما كان لليهود من الحجة في القبلة. وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥] (١) وهم: اليهود والنصارى، الذين افترقوا على أكثر من سبعين فرقة، ولهذا نهى النبي ﷺ عن متابعتهم (٢) في نفس التفرق والاختلاف، مع أنه ﷺ قد أخبر (٣) أن أمته: ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة (٤) مع أن قوله: لا تكن مثل فلان، قد يعم مماثلته بطريق اللفظ أو المعنى، وإن لم يعم دل على أن جنس مخالفتهم وترك مشابهتهم أمر مشروع، ودل على أنه (٥) كلما بعد الرجل عن مشابهتهم فيما لم يشرع لنا كان أبعد عن الوقوع في نفس المشابهة المنهي عنها، وهذه مصلحة جليلة. وقال سبحانه لموسى وهارون: ﴿فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٨٩] (٦) وقال سبحانه (٧) ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢] (٨) وقال تعالى:

стр. 91

﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ (١) نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١١٥] (٢) إلى غير ذلك من الآيات. وما هم (٣) عليه من الهدي والعمل، هو من سبيل غير المؤمنين، بل ومن سبيل المفسدين، والذين لا يعلمون، وما يقدر عدم اندراجه في العموم، فالنهي ثابت عن جنسه، فيكون مفارقة الجنس بالكلية أقرب إلى ترك المنهي (٤) ومقاربته مظنة وقوع المنهي عنه، قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا (٥) فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: ٤٨] إلى قوله (٦) ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩] (٧) ومتابعتهم في هديهم: هي (٨) من اتباع ما يهوَوْنه، أو مظنة لاتباع ما يهوونه، وتركها معونة على ترك ذلك، وحسم لمادة متابعتهم فيما يهوونه. واعلم: أن في كتاب الله من النهي عن مشابهة الأمم الكافرة وقصصهم التي فيها عبرة لنا بترك ما فعلوه كثيرًا، مثل قوله لما ذكر ما فعله بأهل الكتاب

стр. 92

من المثلات (١) ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] (٢) وقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١] (٣) وأمثال ذلك، ومنه ما يدل على مقصودنا، ومنه ما فيه إشارة وتتميم للمقصود. ثم متى كان المقصود بيان أن مخالفتهم في عامة أمورهم أصلح لنا؛ فجميع الآيات دالة على ذلك وإن كان المقصود أن مخالفتهم واجبة علينا، فهذا إنما يدل عليه بعض الآيات دون بعض، ونحن ذكرنا ما يدل على أن مخالفتهم مشروعة في الجملة، إذ كان (٤) هو المقصود هنا. وأما تمييز دلالة الوجوب، أو الواجب (٥) عن غيرها (٦) وتمييز (٧) الواجب عن غيره، فليس هو المقصود هنا. وسنذكر إن شاء الله أن مشابهتهم في أعيادهم من الأمور المحرمة، فإنه هو المسألة المقصودة (٨) بعينها، وسائر المسائل (٩) إنما جلبها (١٠) تقرير القاعدة الكلية العظيمة المنفعة. وقال الله :

стр. 93

﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ - وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ - كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ - أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ - وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ - وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ - يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: ٦٧ - ٧٣] (١) بين الله في هذه الآيات - أخلاق المنافقين وصفاتهم، وأخلاق المؤمنين وصفاتهم - وكلا الفريقين مُظهِر للإسلام ووعد المنافقين المظهرين للإسلام مع هذه الأخلاق، والكافرين المظهرين للكفر نار جهنم، وأمر نبيه (٢) بجهاد الطائفتين. ومنذ بعث الله (٣) محمدا ﷺ ، وهاجر إلى المدينة، صار الناس (٤) ثلاثة أصناف:

стр. 94

مؤمن، ومنافق، وكافر. فأما الكافر - وهو المظهر للكفر - فأمره بَيِّن، وإنما الغرض هنا متعلق بصفات المنافقين المذكورة في الكتاب والسنة، فإنها هي التي تخاف (١) على أهل القبلة (٢) فوصف الله سبحانه المنافقين بأن بعضهم من بعض، وقال في المؤمنين: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] (٣) وذلك لأن المنافقين تشابهت قلوبهم وأعمالهم وهم مع ذلك ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: ١٤] (٤) فليست قلوبهم متوادة متوالية إلا ما دام الغرض الذي يؤمونه مشتركا بينهم، ثم يتخلى بعضهم عن بعض، بخلاف المؤمن؛ فإنه يحب المؤمن، وينصره بظهر الغيب، وإن تناءت بهم الديار وتباعد الزمان. ثم وصف سبحانه كل واحدة من الطائفتين بأعمالهم في أنفسهم (٥) وفي غيرهم، وكلمات الله جوامع، وذلك أنه لما (٦) كانت أعمال المرء المتعلقة بدينه قسمين: أحدهما: أن يعمل ويترك. والثاني: أن (٧) يأمر غيره بالفعل والترك.

стр. 95

ثم فعله: إما أن (١) يختص هو بنفعه أو ينفع به غيره؛ فصارت الأقسام ثلاثة ليس لها رابع: أحدها: ما يقوم بالعامل (٢) ولا يتعلق بغيره كالصلاة مثلا. والثاني: ما يعمله لنفع غيره كالزكاة. والثالث: ما يأمر غيره أن يفعله، فيكون الغير هو العامل، وحظه هو الأمر به. فقال سبحانه في صفة المنافقين: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ [التوبة: ٦٧] (٣) وبإزائه في صفة المؤمنين: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] (٤) . والمعروف: اسم جامع لكل ما يحبه الله من الإيمان والعمل (٥) الصالح. والمنكر: اسم جامع لكل ما نهى (٦) الله عنه. ثم قال: ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] (٧) قال مجاهد: (٨) " يقبضونها عن

стр. 96

الإنفاق في سبيل الله " (١) وقال قتادة: " يقبضون أيديهم عن كل خير " (٢) فمجاهد أشار إلى النفع بالمال، وقتادة أشار إلى النفع بالمال والبدن. وقبض اليد: عبارة عن الإمساك (٣) كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] (٤) . وفي قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤] (٥) وهي (٦) حقيقة عرفية (٧) ظاهرة من اللفظ، أو هي مجاز مشهور (٨)

стр. 97

وبإزاء قبض أيديهم قوله في المؤمنين: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [التوبة: ٧١] (١) فإن الزكاة - وإن كانت قد صارت حقيقة عرفية (٢) في الزكاة المفروضة - فإنها اسم لكل نفع للخلق: من نفع بدني، أو مالي. فالوجهان هنا كالوجهين في قبض اليد. ثم قال: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] (٣) ونسيان الله ترك ذكره، وبإزاء ذلك (٤) في صفة المؤمنين: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [التوبة: ٧١] فإن الصلاة أيضا تعم الصلاة (٥) المفروضة، والتطوع، وقد يدخل فيها كل ذكر الله: إما لفظا وإما (٦) معنى، قال ابن مسعود (٧) ﵁: " ما دمت تذكر الله فأنت في صلاة وإن كنت في

стр. 98

السوق " (١) وقال معاذ بن جبل (٢) " مدارسة العلم التسبيح". ثم ذكر (٣) ما وعد الله به المنافقين والكفار: من النار (٤) ومن اللعنة، ومن العذاب المقيم (٥) وبإزائه ما وعد (٦) المؤمنين: من الجنة والرضوان، ومن الرحمة.

стр. 99

ثم في ترتيب الكلمات وألفاظها أسرار كثيرة، ليس هذا موضعها، وإنما الغرض تمهيد قاعدة لما سنذكره إن شاء الله (١) . وقد قيل: إن قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٨] (٢) إشارة إلى ما هو لازم لهم في الدنيا والآخرة من الآلام النفسية: غمّا وحزنا، وقسوة وظلمة قلب (٣) وجهلا، فإن للكفر والمعاصي من الآلام العاجلة الدائمة ما الله به عليم، ولهذا تجد غالب هؤلاء لا يطيّبون عيشهم إلا بما يزيل العقل، ويلهي (٤) القلب (٥) ومن تناول مسكر، أو رؤية مُلْهٍ، أو سماع مطرب، ونحو ذلك (٦) وبإزاء (٧) ذلك قوله في المؤمنين: ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٧١] (٨) فإن الله

стр. 100

يعجل للمؤمنين من الرحمة في قلوبهم، وغيرها بما (١) يجدونه من حلاوة الإيمان ويذوقونه من طعمه، وانشراح صدورهم للإسلام، إلى غير ذلك من السرور بالإيمان، والعلم (٢) والعمل الصالح، بما لا يمكن وصفه. وقال سبحانه في تمام خبر المنافقين: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾ [التوبة: ٦٩] (٣) وهذه الكاف قد قيل: إنها رفع (٤) خبر مبتدأ محذوف، تقديره: أنتم كالذين من قبلكم. وقيل: إنها (٥) نصب بفعل محذوف تقديره: فعلتم كالذين من قبلكم، كما قال النمر بن تولب: (٦) " كاليوم مطلوبا ولا طالبا " أي: لم أر كاليوم، والتشبيه - على هذين القولين - في أعمال الذين من قبل، وقيل: إن التشبيه في العذاب ثم قيل: العامل محذوف، أي: لعنهم وعذبهم كما لعن (٧) الذين من قبلكم،

стр. 101

وقيل (١) - وهو أجود -: بل العامل ما تقدم، أي: وعد الله المنافقين كوعد الذين من قبلكم، ولعنهم كلعن الذين من قبلكم، ولهم عذاب مقيم كالذين من قبلكم أو (٢) محلها نصب، ويجوز أن يكون رفعا، أي: عذاب كعذاب الذين من قبلكم. وحقيقة الأمر على هذا القول: أن الكاف تناولها (٣) عاملان ناصبان، أو ناصب ورافع، من جنس قولهم: أكرمت وأكرمني زيد (٤) والنحويون لهم فيما إذا لم يختلف العامل، كقولك (٥) أكرمت وأعطيت زيدا - قولان: أحدهما: وهو قول سيبويه (٦) وأصحابه: أن العامل في الاسم هو أحدهما وأن الآخر حذف معموله؛ لأنه لا يرى اجتماع عاملين على معمول واحد. والثاني: قول الفراء وغيره من الكوفيين: أن الفعلين عملا في هذا الاسم، وهو يرى أن العاملين يعملان في المعمول الواحد.

стр. 102

وعلى هذا اختلافهم في نحو قوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧] (١) . وأمثاله. فعلى قول الأولين يكون التقدير: وعد الله المنافقين النار، كوعد الذين من قبلكم ولهم عذاب مقيم، كالذين من قبلكم، أو كعذاب الذين (٢) . من قبلكم ثم حُذف اثنان من هذه المعمولات؛ لدلالة الآخر عليهما (٣) وهم يستحسنون حذف الأولين (٤) . وعلى القول الثاني يمكن أن يقال: الكاف المذكورة بعينها هي المتعلقة بقوله: (وعد) وبقوله: (ولعن) وبقوله (٥) ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٨] لأن الكاف لا يظهر فيها إعراب، وهذا على القول بأن عمل الثلاثة النصب ظاهر. وإذا قيل: إن الثالث يعمل الرفع؛ فوجهه: أن العمل واحد في اللفظ، إذ التعلق تعلق معنوي لا لفظي. وإذا عرفت أن من الناس من يجعل التشبيه في العمل، ومنهم من يجعل التشبيه في العذاب، فالقولان متلازمان إذ المشابهة في الموجب تقتضي المشابهة في الموجَب، وبالعكس فلا خلاف معنوي بين القولين. وكذلك ما ذكرناه من اختلاف النحويين في وجوب في (٦) الحذف وعدمه - إنما هو اختلاف في تعليلات ومآخذ، لا تقتضي (٧) اختلافا لا في إعراب،

стр. 103

ولا في معنى؛ فإذن: الأحسن أن تتعلق الكاف بمجموع ما تقدم: من العمل والجزاء، فيكون التشبيه فيهما لفظا (١) . وعلى القولين الأولين: يكون قد دل على أحدهما لفظا، على الآخر لزوما (٢) . وإن سلكت طريقة الكوفيين - على هذا - كان أبلغ وأحسن؛ فإن لفظ الآية يكون قد دل على المشابهة في الأمرين من غير حذف، وإلا فيضمر (٣) حالكم كحال الذين من قبلكم، ونحو ذلك، وهو قول من قدره: أنتم كالذين من قبلكم. ولا يسع هذا المكان بسطا أكثر من هذا (٤) فإن الغرض متعلق بغيره. وهذه المشابهة في هؤلاء (٥) بإزاء ما وصف الله به المؤمنين من قوله: ﴿وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: ٧١] (٦) فإن طاعة الله ورسوله تنافي مشابهة الذين من قبل (٧) قال سبحانه: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩] (٨) . فالخطاب في قوله: ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً﴾ [التوبة: ٦٩] وقوله: ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ﴾ [التوبة: ٦٩]

стр. 104

إن كان للمنافقين، كان من باب خطاب التلوين والالتفات، وهذا انتقال من المغيَّب (١) إلى الحضور، كما في قوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ - إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٣ - ٥] ثم حصل الانتقال من الخطاب إلى المغيب (٢) في قوله: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [التوبة: ٦٩] (٣) وكما (٤) في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا﴾ [يونس: ٢٢] (٥) وقوله: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧] (٦) فإن الضمير في قوله: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [التوبة: ٦٩] الأظهر أنه عائد إلى المستمتعين الخائضين من هذه الأمة كقوله (٧) - فيما بعد -: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٠] (٨) وإن كان الخطاب لمجموع الأمة المبعوث إليها، فلا يكون الالتفات إلا في الموضع الثاني. وأما قوله: ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ﴾ [التوبة: ٦٩] ففي تفسير عبد الرزاق (٩) عن

стр. 105

معمر (١) عن الحسن (٢) في قوله: ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ﴾ [التوبة: ٦٩] قال: بدينهم (٣) ويروى ذلك عن أبي هريرة (٤) ﵁ وروي عن ابن عباس (٥) بنصيبهم من الآخرة في الدنيا (٦) وقال آخرون: بنصيبهم من

стр. 106

الدنيا (١) . قال أهل اللغة: الخلاق: هو النصيب والحظ، كأنه ما خلق للإنسان، أي ما قدر له، كما يقال: (القسم) لما قسم له، و (النصيب) لما نصب له، أي أثبت. ومنه قوله تعالى: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] (٢) أي: من نصيب، وقول النبي ﷺ : «إنما يلبس الحرير من لا خلاق له في الآخرة» (٣) . والآية تعم ما ذكره العلماء جميعهم، فإنه سبحانه قال: ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾ [التوبة: ٦٩] فتلك القوة التي كانت فيهم كانوا يستطيعون أن يعملوا بها للدنيا والآخرة، وكذلك أموالهم وأولادهم، وتلك القوة والأموال والأولاد: هو الخلاق، فاستمتعوا بقوتهم وأموالهم وأولادهم في الدنيا، ونفس الأعمال التي عملوها بهذه القوة والأموال: هي دينهم، وتلك الأعمال، لو أرادوا بها الله، والدار الآخرة؛ لكان لهم ثواب في الآخرة عليها، فتمتعهم بها أخذ حظوظهم العاجلة بها، فدخل في هذا من لم يعمل إلا لدنياه، سواء كان جنس العمل من العبادات، أو غيرها (٤) .

стр. 107

ثم قال سبحانه: ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩] (١) . وفي (الذي) وجهان: أحسنهما أنها صفة المصدر، أي كالخوض الذي خاضوه (٢) فيكون العائد محذوفا كما في قوله (٣) ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١] (٤) وهو كثير فاش في اللغة، والثاني: أنه صفة الفاعل، أي: كالفريق (٥) أو الصنف أو الجيل الذي خاضوه، كما لو قيل: كالذين خاضوا. وجمع سبحانه بين الاستمتاع بالخلاق، وبين الخوض، لأن فساد الدين (٦) إما أن يقع بالاعتقاد الباطل، والتكلم به، أو يقع في العمل بخلاف الاعتقاد الحق. والأول: هو البدع (٧) ونحوها. والثاني: (٨) فسق الأعمال ونحوها (٩) .

стр. 108

والأول: من جهة الشبهات. والثاني: من جهة الشهوات. ولهذا كان السلف يقولون: احذروا من الناس صنفين: صاحب هوى قد فتنه هواه، وصاحب دنيا أعمته دنياه. وكانوا يقولون: احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون (١) فهذا (٢) يشبه المغضوب عليهم، الذين يعلمون الحق ولا يتبعونه وهذا (٣) يشبه الضالين الذين يعملون بغير علم. ووصف بعضهم أحمد بن حنبل (٤) فقال: " ﵀، عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضين ما كان أشبهه، أتته البدع

стр. 109

فنفاها (١) والدنيا فأباها " (٢) . وقد وصف الله أئمة المتقين فقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤] (٣) فبالصبر تُترك الشهوات وباليقين تُدفع الشبهات. ومنه قوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣] (٤) وقوله: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥] (٥) . ومنه الحديث المرسل عن النبي ﷺ : «إن الله يحب البصر (٦) الناقد عند ورود الشبهات ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات» (٧) .

стр. 110

فقوله سبحانه: ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٩] إشارة إلى اتباع الشهوات، وهو داء العصاة، وقوله: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩] إشارة إلى اتباع الشبهات، وهو داء المبتدعة وأهل الأهواء والخصومات، وكثيرا ما يجتمعان، فقلّ من تجد (١) في اعتقاده فسادا إلا وهو يظهر (٢) في عمله. وقد دلت الآية على أن الذين كانوا من (٣) قبل استمتعوا وخاضوا، وهؤلاء فعلوا مثل أولئك. ثم قوله: ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ﴾ [التوبة: ٦٩] و ﴿وَخُضْتُمْ﴾ [التوبة: ٦٩] خبر عن وقوع ذلك في الماضي وهو ذم لمن يفعله، إلى يوم القيامة، كسائر ما أخبر الله به عن الكفار (٤) والمنافقين، عند مبعث (٥) محمد ﷺ ، فإنه ذم لمن (٦) حاله كحالهم إلى يوم القيامة، وقد يكون خبرا عن أمر دائم (٧) مستمر؛ لأنه - وإن كان بضمير الخطاب - فهو كالضمائر (٨) في نحو قوله: (اعْبُدُوا) (٩) و (اغْسِلُوا) (١٠) و
следующие страницы →