← Акыда

Акыда · id 11620

اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم

ابن تيمية

Полный текст (951 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

ووجه الاختلاف أن هذا قد دخل في عموم قوله ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] (١) وفي عموم قوله ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] (٢) ؛ لأن هذه الآية تعم كل ما نطق به لغير الله. يقال: أهللت بكذا، إذا تكلمت به (٣) وإن كان أصله الكلام الرفيع، فإن الحكم لا يختلف برفع الصوت وخفضه، وإنما لما كانت عادتهم رفع الصوت في الأصل، خرج الكلام على ذلك، فيكون المعنى: وما تكلم به لغير الله وما نطق به لغير الله، ومعلوم أن ما حرم: أن يجعل غير (٤) الله مسمى، فكذلك منويا، إذ هذا مثل النيات في العبادات، فإن اللفظ بها وإن كان أبلغ، لكن الأصل القصد، ألا ترى أن المتقرب بالهدايا والضحايا سواء قال: أذبحه لله، أو سكت، فإن العبرة بالنية؟ وتسمية (٥) الله على الذبيحة، غير ذبحها لله، فإنه يسمى على ما يقصد به اللحم، وأما القربان فيذبح لله سبحانه، ولهذا قال النبي ﷺ في قربانه: (٦) " اللهم (٧) منك ولك " بعد قوله: " بسم الله والله أكبر " (٨)

стр. 597

اتباعا لقوله تعالى ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] (١) . والكافرون يصنعون بآلهتهم كذلك فتارة يسمون آلهتهم على الذبائح، وتارة (٢) (٢) يذبحونها قربانا إليهم، وتارة (٣) (٣) يجمعون بينهما، وكل ذلك -والله أعلم- يدخل فيما أهل لغير الله به، فإن من سمى غير الله فقد أهل به لغير الله، فقوله: (باسم كذا) استعانة به، وقوله (لكذا) (٤) عبادة له؛ ولهذا جمع الله بينهما في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] [ما ذبح على النصب] وأيضا، فإنه سبحانه حرم (٥) ما ذبح على النصب، وهي كل ما ينصب ليعبد من دون الله تعالى. وأما احتجاج أحمد على هذه المسألة بقوله تعالى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] (٦) فحيث اشترطت التسمية في ذبيحة المسلم؛ هل تشترط في ذبيحة الكتابي؟ على روايتين: وإن كان الخلال هنا قد ذكر عدم الاشتراط، فاحتجاجه بهذه الآية يخرج على إحدى الروايتين. فلما تعارض العموم الحاظر، وهو قول (٧) الله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] (٨) والعموم المبيح، وهو قوله:

стр. 598

﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] (١) اختلف العلماء في ذلك. والأشبه بالكتاب والسنة: ما دل عليه أكثر كلام أحمد من الحظر، وإن كان من متأخري أصحابنا من لم يذكر هذه الرواية بحال؛ وذلك لأن عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] (٢) عموم محفوظ لم تخص منه صورة، بخلاف طعام الذين أوتوا الكتاب، فإنه يشترط له الذكاة المبيحة (٣) فلو ذكى الكتابي في غير المحل المشروع لم تبح ذكاته، ولأن غاية الكتابي: أن تكون ذكاته كالمسلم، والمسلم لو ذبح لغير الله، أو ذبح باسم غير الله (٤) لم يبح، وإن كان يكفر بذلك، فكذلك الذمي؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥] (٥) سواء، وهم وإن كانوا يستحلون هذا، ونحن لا نستحله فليس كل ما استحلوه حل (٦) ولأنه قد تعارض دليلان، حاظر ومبيح، فالحاظر: أولى (٧) . ولأن الذبح لغير الله، وباسم غيره، قد علمنا يقينا أنه ليس من دين الأنبياء ﵈، فهو من الشرك الذي أحدثوه، فالمعنى الذي لأجله حلت ذبائحهم، منتف في هذا. والله أعلم. فإن قيل: أما إذا سموا عليه غير الله بأن يقولوا: باسم المسيح ونحوه، فتحريمه ظاهر، أما إذا لم يسموا أحدا، ولكن قصدوا الذبح للمسيح،

стр. 599

أو للكوكب (١) ونحوها، فما وجه تحريمه؟ قيل: قد (٢) تقدمت الإشارة إلى ذلك. وهو أن الله سبحانه قد حرم ما ذبح على النصب، وذلك يقتضي تحريمه، وإن كان ذابحه كتابيا، لأنه لو كان التحريم لكونه وثنيا، لم يكن فرق بين ذبحه على النصب وغيرها، ولأنه لما أباح لنا طعام أهل الكتاب، دل على أن طعام المشركين حرام، فتخصيص ما ذبح على الوثن يقتضي فائدة جديدة. وأيضا: فإنه ذكر تحريم ما ذبح على النصب، وما أهل به لغير الله؛ وقد دخل فيما أهل به لغير الله ما (٣) أهل به أهل الكتاب لغير الله فكذلك كل ما ذبح على النصب، فإذا ذبح الكتابي على ما قد نصبوه من التماثيل في الكنائس، فهو مذبوح على النصب، ومعلوم أن حكم ذلك لا يختلف بحضور الوثن وغيبته، فإنما حرم لأنه قصد بذبحه عبادة الوثن وتعظيمه، وهذه الأنصاب قد قيل: هي من الأصنام، وقيل: هي غير الأصنام. قالوا: كان حول البيت ثلاثمائة وستون حجرا، كان أهل الجاهلية يذبحون عليها، ويشرحون اللحم عليها، وكانوا يعظمون هذه الحجارة، ويعبدونها، ويذبحون عليها، وكانوا إذا شاءوا بدلوا هذه الحجارة بحجارة هي أعجب إليهم منها. ويدل على ذلك قول أبي ذر في حديث إسلامه: "حتى صرت كالنصب الأحمر " (٤) يريد أنه كان يصير أحمر من تلوثه بالدم.

стр. 600

وفي قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] قولان: أحدهما: أن نفس الذبح كان يكون عليها، كما ذكرناه، فيكون ذبحهم عليها تقربا إلى الأصنام، وهذا على قول من يجعلها غير الأصنام، فيكون الذبح عليها لأجل أن المذبوح عليها مذبوح للأصنام، أو مذبوح لها، وذلك يقتضي تحريم كل ما ذبح لغير الله، ولأن الذبح في البقعة لا تأثير له إلا من جهة الذبح لغير الله، كما كرهه النبي ﷺ من الذبح في مواضع أصنام المشركين، وموضع أعيادهم، وإنما يكره المذبوح في البقعة المعينة؛ لكونها محل شرك، فإذا وقع الذبح حقيقة لغير الله؛ كانت حقيقة التحريم قد وجدت فيه. والقول الثاني: أن الذبح على النصب، أي: لأجل النصب، كما قيل: أولم (١) على زينب بخبز ولحم (٢) وأطعم فلان على ولده، وذبح فلان على ولده، ونحو ذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] (٣) وهذا ظاهر على قول من يجعل النصب نفس الأصنام، ولا منافاة بين كون الذبح لها، وبين كونها كانت تلوث بالدم، وعلى هذا القول فالدلالة ظاهرة. واختلاف هذين القولين في قوله تعالى ﴿عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] (٤) نظير

стр. 601

الاختلاف في قوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤] (١) وقوله تعالى ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨] (٢) . فإنه قد قيل: المراد بذكر اسم الله عليها، إذا كانت حاضرة. وقيل: بل يعم ذكره لأجلها في مغيبها وشهودها، بمنزلة قوله تعالى ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] (٣) . وفي الحقيقة: مآل القولين إلى شيء واحد في قوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] كما قد أومأنا إليه. وفيها قول ثالث ضعيف: أن المعنى على اسم النصب. وهذا ضعيف؛ لأن هذا المعنى حاصل من قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] فيكون تكريرا. لكن اللفظ يحتمله، كما روى البخاري في صحيحه عن موسى بن عقبة (٤) عن سالم (٥) «عن ابن عمر ﵄ أنه كان يحدث عن رسول الله ﷺ أنه لقي زيد بن عمرو بن نفيل (٦) بأسفل

стр. 602

بلدح (١) وذلك (٢) قبل أن ينزل على رسول الله ﷺ الوحي، فقدم (٣) إليه رسول الله ﷺ سفرة في لحم. فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد: إني لا (٤) آكل مما تذبحون على أنصابكم (٥) ولا آكل إلا مما ذكر اسم الله عليه» (٦) . وفي رواية له: " وإن زيد بن عمرو بن نفيل كان يعيب على قريش ذبائحهم، ويقول: " الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض الكلأ، ثم أنتم تذبحونها على غير اسم الله؟! (٧) إنكارا لذلك وإعظاما له. وأيضا فإن قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] ظاهره: أنه ما ذبح لغير الله، مثل أن يقال: هذا ذبيحة لكذا، وإذا كان هذا هو المقصود: فسواء لفظ به أو لم يلفظ. وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه للحم، وقال فيه: باسم المسيح، ونحوه، كما أن ما ذبحناه نحن متقربين به إلى الله سبحانه كان أزكى وأعظم مما ذبحناه للحم، وقلنا عليه: باسم الله، فإن عبادة الله سبحانه بالصلاة له والنسك له أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور، فكذلك الشرك بالصلاة لغيره والنسك لغيره أعظم (٨) من الاستعانة

стр. 603

باسمه (١) في فواتح الأمور. فإذا حرم ما قيل فيه: باسم المسيح، أو الزهرة؛ فلأن يحرم ما قيل فيه: لأجل المسيح والزهرة (٢) أو قصد به ذلك، أولى. وهذا يبين لك ضعف قول من حرم ما ذبح باسم غير الله، ولم يحرم ما ذبح لغير الله، كما قاله طائفة من أصحابنا وغيرهم، بل لو قيل بالعكس لكان أوجه، فإن العبادة لغير الله أعظم كفرا من الاستعانة بغير الله. وعلى هذا: فلو ذبح لغير الله متقربا به (٣) إليه لحرم (٤) وإن قال فيه: (٥) بسم الله، كما يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة الذين يتقربون إلى (٦) والكواكب بالذبح والبخور ونحو ذلك، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان. [ذبائح الجن المزعزمة] ومن هذا الباب: ما قد يفعله الجاهلون بمكة -شرفها الله- (٧) وغيرها من الذبح للجن (٨) ولهذا روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن ذبائح الجن (٩) ويدل على المسألة ما قدمناه من أن النبي ﷺ نهى عن الذبح في مواضع

стр. 604

الأصنام، ومواضع أعياد الكفار. ويدل على ذلك أيضا: ما رواه أبو داود في سننه، حدثنا هارون بن عبد الله (١) حدثنا حماد بن مسعدة (٢) عن عوف (٣) عن أبي ريحانة (٤) عن ابن عباس ﵄ قال: " نهى رسول الله ﷺ عن معاقرة الأعراب (٥) " قال أبو داود: غندر أوقفه على ابن عباس (٦) . وروى أبو بكر بن أبي شيبة في تفسيره: حدثنا وكيع، عن أصحابه، عن عوف الأعرابي (٧) عن أبي ريحانة قال: سئل ابن عباس، عن معاقرة الأعراب بينها، فقال: " إني أخاف أن تكون مما أهل لغير الله به " (٨) .

стр. 605

وروى أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن (١) دحيم في تفسيره، حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن منصور، عن ربعي بن (٢) عبد الله بن الجارود (٣) قال: سمعت الجارود (٤) قال: كان (٥) من بني رياح (٦) رجل يقال له: ابن وثيل (٧) شاعر، نافر أبا الفرزدق غالبا (٨) الشاعر، بماء بظهر الكوفة، على أن يعقر هذا مائة من إبله، وهذا مائة من إبله إذا وردت الماء، فلما وردت الإبل الماء قاما إليها بأسيافهما فجعلا ينسفان عراقيبها، فخرج الناس على الحمرات (٩) والبغال، يريدون الحمل (١٠) وعلي ﵁ بالكوفة فخرج على بغلة

стр. 606

رسول الله ﷺ البيضاء، وهو ينادي: " يا أيها الناس لا تأكلوا من لحومها، فإنها أهل بها لغير الله " (١) . فهؤلاء الصحابة قد فسروا ما قصد (٢) بذبحه غير الله، داخلا فيما أهل به لغير الله؛ فعلمت (٣) أن الآية لم يقتصر بها على اللفظ باسم غير الله، بل ما قصد به التقرب إلى غير الله فهو كذلك، وكذلك (٤) تفاسير التابعين على أن ما ذبح على النصب هو ما ذبح لغير الله. [عودة إلى تفصيل القول فيما ذبح على النصب] وروينا في تفسير مجاهد المشهور عنه الصحيح من رواية ابن أبي نجيح في قوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] (٥) قال: " كانت حجارة حول الكعبة يذبح لها أهل الجاهلية، ويبدلونها إذا شاءوا بحجارة أعجب إليهم منها " (٦) . وروى ابن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فضيل، عن أشعث، عن الحسن، في قوله تعالى ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] (٧) قال: " هو بمنزلة (٨) ما ذبح لغير الله ". وفي تفسير قتادة المشهور عنه: " وأما ما ذبح على النصب: فالنصب حجارة كان أهل الجاهلية يعبدونها ويذبحون لها، فنهى الله عن ذلك " (٩) .

стр. 607

وفي تفسير علي بن أبي طلحة (١) عن ابن عباس: " النصب أصنام كانوا يذبحون ويهلون عليها " (٢) . فإن قيل: فقد نقل إسماعيل بن سعيد (٣) قال: سألت أحمد عما يقرب لآلهتهم يذبحه رجل مسلم. قال: " لا بأس به " (٤) . قيل: إنما قال أحمد ذلك؛ لأن المسلم إذا ذبحه سمى الله عليه، ولم يقصد ذبحه لغير الله، ولا يسمي غيره، بل يقصد ضد (٥) ما قصده صاحب الشاة، فتصير نية صاحب الشاة لا أثر لها، والذابح هو المؤثر في الذبح، بدليل أن المسلم لو وكل كتابيا في ذبيحة، فسمى عليها غير الله (٦) لم تبح. ولهذا لما كان الذبح عبادة في نفسه كره علي ﵁ (٧) وغير واحد من أهل العلم -منهم أحمد في إحدى الروايتين عنه- أن يوكل المسلم في ذبح

стр. 608

نسيكته كتابيا؛ لأن نفس الذبح عبادة بدنية، مثل الصلاة، ولهذا تختص بمكان وزمان ونحو ذلك، بخلاف تفرقة اللحم، فإنه عبادة مالية، ولهذا اختلف العلماء في وجوب تخصيص أهل الحرم بلحوم الهدايا المذبوحة في الحرم، وإن كان الصحيح تخصيصهم بها، وهذا بخلاف الصدقة، فإنها عبادة مالية محضة، فلهذا قد لا يؤثر فيها نية الوكيل، على أن هذه المسألة منصوصة عن أحمد محتملة. فهذا تمام الكلام في ذبائحهم لأعيادهم.

стр. 609

[فصل في صوم أيام عيد الكفار] فصل فأما صوم أيام أعياد الكفار مفردة بالصوم، كصوم يوم النيروز والمهرجان، وهما يومان يعظمهما الفرس، فقد اختلف فيها؛ لأجل أن المخالفة (١) تحصل بالصوم، أو بترك تخصيصه بعمل أصلا. فنذكر صوم يوم (٢) السبت أولا: وذلك أنه روى ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الله بن بسر السلمي (٣) عن أخته الصماء (٤) أن النبي ﷺ قال: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم وإن لم يجد أحدكم إلا لحاء (٥)

стр. 610

عنب أو عود شجرة - وفي لفظ: إلا عود عنب أو لحاء (١) شجرة - فليمضغه» (٢) رواه أهل السنن الأربعة، وقال الترمذي: " هذا حديث حسن " (٣) وقد رواه النسائي من وجوه أخرى عن خالد وعبد الله بن بسر، ورواه أيضا عن الصماء عن عائشة. وقد اختلف الأصحاب وسائر العلماء فيه: قال أبو بكر الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن صيام يوم السبت يفترد (٤) به فقال أما صيام يوم السبت يفترد (٥) به فقد جاء في (٦) ذلك الحديث حديث الصماء (٧) " يعني حديث ثور عن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الله بن بسر، عن أخته الصماء، عن

стр. 611

النبي ﷺ : «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم» (١) ". قال أبو عبد الله: " وكان (٢) يحيى بن سعيد يتقيه (٣) وأبى (٤) أن يحدثني به، وقد كان سمعه من ثور. قال: فسمعته من أبي عاصم (٥) . قال الأثرم: وحجة أبي عبد الله في الرخصة في صوم يوم السبت: أن الأحاديث كلها مخالفة لحديث عبد الله بن بسر، منها حديث أم سلمة حين سئلت: «أي الأيام كان رسول الله ﷺ أكثر صياما لها؟ فقالت: " السبت والأحد» (٦) . ومنها: حديث جويرية (٧) أن النبي ﷺ قال لها يوم الجمعة: «أصمت

стр. 612

أمس؟ " [قالت: لا، قال] (١) " أتريدين أن تصومي غدا؟ " (٢) فالغد هو يوم السبت» . وحديث أبي هريرة: «نهى النبي ﷺ عن صوم يوم الجمعة إلا بيوم قبله أو يوم (٣) بعده» (٤) . فاليوم الذي بعده هو (٥) يوم السبت. ومنها: أنه كان يصوم شعبان كله، (٦) وفيه يوم السبت. ومنها: أنه أمر بصوم المحرم (٧) وفيه يوم السبت، وقال: «من صام

стр. 613

رمضان، وأتبعه بست من شوال» . . . . " (١) وقد يكون فيها السبت. وأمر بصيام أيام البيض (٢) وقد يكون فيها السبت. ومثل هذا (٣) كثير (٤) . فهذا الأثرم، فهم من كلام أبي عبد الله أنه توقف عن الأخذ بالحديث، وأنه رخص في صومه، حيث ذكر الحديث الذي يحتج به في الكراهة، وذكر أن الإمام في (٥) علل الحديث (يحيى بن سعيد) كان يتقيه، وأبى أن يحدث به، فهذا تضعيف للحديث. واحتج الأثرم بما دل من النصوص المتواترة، على صوم يوم السبت، ولا يقال: يحمل النهي على إفراده؛ لأن لفظه: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم» والاستثناء دليل التناول، وهذا يقتضي أن الحديث عم صومه على كل وجه، وإلا لو أريد إفراده لما دخل الصوم المفروض ليستثنى فإنه لا إفراد فيه، فاستثناؤه دليل على دخول غيره، بخلاف يوم الجمعة، فإنه بين أنه إنما نهى عن إفراده. وعلى هذا؛ فيكون الحديث: إما شاذا غير محفوظ، وإما منسوخا، وهذه طريقة قدماء أصحاب أحمد الذين صحبوه كالأثرم، وأبي داود.

стр. 614

وقال أبو داود (١) "هذا حديث منسوخ " (٢) . وذكر أبو داود بإسناده (٣) عن ابن شهاب أنه كان إذا ذكر له أنه نهى عن صيام السبت، يقول ابن شهاب: " هذا حديث حمصي " (٤) وعن الأوزاعي قال: " ما زلت له كاتما حتى رأيته انتشر بعد " (٥) يعني حديث (٦) ابن بسر في صوم يوم السبت. قال أبو داود: قال مالك: " هذا كذب " (٧) وأكثر أهل العلم على عدم الكراهة. وأما أكثر (٨) أصحابنا ففهموا (٩) من كلام أحمد الأخذ بالحديث، وحمله على الإفراد، فإنه سئل عن عين الحكم، فأجاب بالحديث، وجوابه بالحديث (١٠) يقتضي اتباعه. وما ذكره عن يحيى (١١) إنما هو بيان ما وقع فيه من الشبهة، وهؤلاء يكرهون إفراده بالصوم، عملا بهذا الحديث، لجودة إسناده، وذلك موجب للعمل به، وحملوه على الإفراد كصوم يوم الجمعة، وشهر رجب.

стр. 615

وقد روى أحمد في المسند من حديث ابن لهيعة، حدثنا موسى بن وردان (١) «عن عبيد الأعرج (٢) حدثتني جدتي -يعني الصماء - أنها دخلت على رسول الله ﷺ يوم السبت هو يتغدى، فقال: " تعالي تغدي " (٣) فقالت: " إني صائمة " فقال لها: " أصمت أمس؟ " قالت: لا، قال: " كلي فإن صيام يوم السبت لا لك ولا عليك» (٤) . وهذا وإن كان إسناده ضعيفا لكن تدل عليه سائر الأحاديث، وعلى هذا فيكون قوله: " لا تصوموا يوم السبت " أي: لا تقصدوا صيامه بعينه إلا في الفرض، فإن الرجل يقصد صومه بعينه، بحيث لو لم يجب عليه إلا صوم يوم السبت، كمن أسلم ولم يبق من الشهر إلا يوم السبت فإنه يصومه وحده. وأيضا فقصده بعينه في الفرض لا يكره، بخلاف قصده بعينه في النفل، فإنه يكره، ولا تزول الكراهة إلا بضم غيره إليه أو موافقته عادة، فالمزيل للكراهة في الفرض (٥) مجرد كونه فرضا، لا للمقارنة بينه وبين غيره، وأما في النفل فالمزيل للكراهة ضم غيره إليه، أو موافقته عادة ونحو ذلك. وقد يقال: الاستثناء أخرج بعض صور (٦) الرخصة، وأخرج الباقي بالدليل.

стр. 616

ثم اختلف هؤلاء في تعليل الكراهة: فعللها ابن عقيل بأنه يوم تمسك فيه اليهود ويخصونه بالإمساك، وهو ترك العمل فيه، والصائم (١) في مظنة ترك العمل، فيصير صومه تشبها بهم، وهذه العلة منتفية في الأحد. وعلله طائفة من الأصحاب: بأنه يوم عيد لأهل الكتاب يعظمونه، فقصده بالصوم دون غيره يكون تعظيما له، فكره ذلك كما كره إفراد عاشوراء بالتعظيم لما عظمه أهل الكتاب، وإفراد رجب أيضا لما عظمه المشركون، وهذا التعليل قد يعارض بيوم (٢) الأحد، فإنه يوم عيد النصارى، فإنه ﷺ قال: " اليوم لنا، وغدا لليهود وبعد غد للنصارى " (٣) . وقد يقال: إذا كان يوم عيد، فمخالفتهم فيه بالصوم لا بالفطر، ويدل على ذلك ما رواه كريب مولى ابن عباس قال: «أرسلني ابن عباس، وناس من أصحاب النبي ﷺ إلى أم سلمة أسألها: أي الأيام كان رسول الله ﷺ أكثرها صياما؟ قالت: كان يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر ما يصوم من الأيام، ويقول: " إنهما يوما (٤) عيد للمشركين، فأنا أحب أن أخالفهم» رواه أحمد والنسائي، وابن أبي عاصم (٥) وصححه بعض

стр. 617

الحفاظ (١) . وهذا نص في استحباب صوم (٢) يوم عيدهم لأجل قصد (٣) مخالفتهم. وقد روي عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يصوم من الشهر: السبت والأحد والاثنين، ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس» رواه الترمذي، وقال: " حديث حسن " (٤) قال: " وقد روى ابن مهدي هذا الحديث عن سفيان ولم يرفعه " (٥) وهذان الحديثان ليسا بحجة على من كره (٦) صوم يوم السبت وحده، وعلل ذلك بأنهم يتركون فيه العمل والصوم مظنة ذلك، فإنه إذا صام السبت والأحد زال الإفراد المكروه، وحصلت المخالفة بصوم يوم فطرهم.

стр. 618

[فصل في صوم النيروز والمهرجان ونحوهما من أعياد المشركين] فصل وأما النيروز والمهرجان ونحوهما من أعياد المشركين، فمن لم (١) يكره صوم يوم السبت من الأصحاب وغيرهم، قد لا يكره صوم ذلك اليوم؛ (٢) بل ربما يستحبه لأجل مخالفتهم، وكرههما أكثر الأصحاب (٣) وقد قال أحمد في رواية عبد الله: حدثنا وكيع (٤) عن سفيان، عن رجل، عن أنس، والحسن: كرها (٥) صوم يوم (٦) النيروز والمهرجان (٧) . قال: (٨) أبي: أبان بن أبي (٩) عياش (١٠) -يعني الرجل-، وقد اختلف الأصحاب: هل يدل مثل

стр. 619

ذلك على مذهبه؟ على وجهين. وعللوا ذلك بأنهما يومان تعظمهما الكفار، فيكون تخصيصهما بالصيام دون غيرهما موافقة لهم في تعظيمهما، فكره، كيوم السبت. قال الإمام أبو محمد المقدسي (١) " وعلى قياس هذا؛ كل عيد للكفار، أو يوم يفردونه بالتعظيم (٢) . وقد يقال: يكره صوم يوم (٣) النيروز والمهرجان ونحوهما من الأيام (٤) التي لا تعرف بحساب العرب. بخلاف ما جاء في الحديث من يوم السبت والأحد؛ لأنه إذا قصد صوم مثل هذه الأيام العجمية أو الجاهلية كانت ذريعة إلى إقامة شعار هذه الأيام، وإحياء أمرها، وإظهار حالها، بخلاف السبت والأحد، فإنهما من حساب المسلمين فليس في صومهما مفسدة، فيكون استحباب صوم أعيادهم المعروفة بالحساب العربي الإسلامي، مع كراهة الأعياد المعروفة بالحساب (٥) الجاهلي العجمي، توفيقا بين الآثار. والله أعلم.

стр. 620

[فصل في سائر الأعياد والمواسم المبتدعة] [ما أحدث من المواسم والأعياد فهو منكر لوجهين] [الأول دخول سائر الأعياد والمواسم المبتدعة في مسمى البدع المحدثات] فصل ومن المنكرات في هذا الباب: سائر الأعياد والمواسم المبتدعة، فإنها من المنكرات (١) المكروهات سواء بلغت الكراهة التحريم أو لم تبلغه. وذلك أن أعياد أهل الكتاب والأعاجم نهي عنها لسببين: أحدهما: أن فيها مشابهة الكفار. والثاني: أنها من البدع. فما أحدث من المواسم والأعياد فهو منكر، وإن لم يكن فيه مشابهة لأهل الكتاب، لوجهين: أحدهما: أن ذلك داخل في مسمى البدع المحدثات (٢) فيدخل فيما رواه مسلم في صحيحه عن جابر قال: «كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش، يقول: صبحكم ومساكم، ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، ويقرن بين أصبعين السبابة والوسطى، ويقول: أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» (٣) وفي رواية للنسائي (٤) «وكل ضلالة في

стр. 621

النار» (١) . وفيما رواه أيضا في الصحيح عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢) . وفي لفظ في الصحيحين: «من أحدث في أمرنا (هذا) ما ليس منه فهو رد» (٣) . وفي الحديث الصحيح الذي رواه أهل السنن عن العرباض بن سارية (٤) عن النبي ﷺ أنه قال: «إنه (٥) من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة» (٦) .

стр. 622

وهذه قاعدة قد دلت عليها السنة والإجماع، مع ما في كتاب الله من الدلالة عليها أيضا، قال تعالى ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] (١) فمن ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله، أو أوجبه بقوله أو بفعله من غير أن يشرعه الله فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذه شريكا لله شرع له من الدين ما لم يأذن به الله. نعم: قد يكون متأولا في هذا الشرع فيغفر له لأجل تأويله، إذا كان مجتهدا الاجتهاد الذي يعفى فيه عن المخطئ ويثاب أيضا على اجتهاده، لكن (٢) لا يجوز اتباعه في ذلك كما لا يجوز اتباع سائر من قال أو عمل قولا أو عملا قد علم الصواب في خلافه، وإن كان القائل أو الفاعل مأجورا أو معذورا، وقد قال سبحانه ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] (٣) . قال عدي بن حاتم للنبي ﷺ : «يا رسول الله ما عبدوهم قال: ما عبدوهم، ولكن أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم» (٤) . فمن أطاع أحدا في دين لم يأذن به الله من تحليل أو تحريم أو استحباب أو إيجاب؛ فقد لحقه من هذا الذم نصيب، كما يلحق الآمر الناهي أيضا نصيب، ثم قد يكون كل منهما معفوا عنه لاجتهاده، ومثابا أيضا على

стр. 623

الاجتهاد (١) فيتخلف عنه الذم لفوات شرطه أو لوجود مانعه، وإن كان المقتضي له قائما. ويلحق الذم من تبين له الحق فتركه، أو من قصر في طلبه حتى لم يتبين له، أو عرض عن طلب معرفته لهوى، أو لكسل (٢) أو نحو ذلك. وأيضا، فإن الله عاب على المشركين شيئين: أحدهما أنهم أشركوا به (٣) ما لم ينزل به سلطانا. والثاني: تحريمهم ما لم يحرمه الله عليهم. وبين النبي ﷺ ذلك فيما رواه مسلم، عن عياض بن حمار ﵁ عن النبي ﷺ قال: «قال الله تعالى: إني خلقت (٤) عبادي حنفاء فاجتالتهم (٥) الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا» (٦) . قال سبحانه ﴿سَيَقُولُ (٧) الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨]

стр. 624

(١) فجمعوا بين الشرك والتحريم، والشرك يدخل فيه كل عبادة لم يأذن الله بها، فإن (٢) المشركين يزعمون أن عبادتهم إما واجبة، وإما مستحبة، وأن فعلها خير من تركها. ثم منهم من عبد غير الله ليتقرب بعبادته إلى الله، ومنهم من ابتدع دينا عبدوا به الله في زعمهم كما أحدثته (٣) النصارى من أنواع العبادات المحدثة. وأصل الضلال في أهل الأرض (٤) إنما نشأ من هذين: إما اتخاذ دين لم يشرعه الله. أو تحريم ما لم يحرمه الله. ولهذا كان الأصل الذي بنى الإمام أحمد وغيره من الأئمة عليه مذاهبهم أن أعمال الخلق تنقسم إلى: عبادات يتخذونها دينا، ينتفعون بها في الآخرة، أو في الدنيا والآخرة (٥) . وإلى عادات ينتفعون بها في معايشهم (٦) . فالأصل في العبادات: أن لا يشرع منها إلا ما شرعه الله. والأصل في العادات: أن لا (٧) يحظر منها إلا ما حظره الله. وهذه المواسم المحدثة إنما نهى (٨) عنها لما حدث

стр. 625

فيها (١) من الدين الذي يتقرب به المتقربون (٢) كما سنذكره إن شاء الله. واعلم أن هذه القاعدة، وهي: الاستدلال بكون الشيء بدعة على كراهته، قاعدة عامة عظيمة، وتمامها بالجواب عما يعارضها، وذلك أن من الناس من يقول: البدع تنقسم إلى قسمين: حسنة، وقبيحة؛ بدليل قول عمر ﵁ في صلاة التراويح: " نعمت البدعة هذه " (٣) وبدليل أشياء من الأقوال والأفعال أحدثت بعد رسول الله ﷺ ، وليست بمكروهة، أو هي حسنة؛ للأدلة الدالة على ذلك من الإجماع أو القياس. وربما يضم إلى ذلك مَنْ لم يحكم أصول العلم، ما عليه كثير من الناس من كثير من العادات ونحوها، فيجعل هذا أيضا من الدلائل على حسن بعض البدع، إما بأن يجعل ما اعتاده هو ومن يعرفه إجماعا، وإن لم يعلم قول سائر المسلمين في ذلك، أو يستنكر تركه لما اعتاده (٤) بمثابة من إذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا: حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا. وما أكثر (٥) ما قد يحتج بعض من يتميز (٦) من المنتسبين إلى علم أو عبادة، بحجج ليست من أصول العلم التي يعتمد في الدين عليها. والغرض أن هذه النصوص الدالة على ذم البدع معارضة بما دل على

стр. 626

حسن بعض البدع، إما من الأدلة (١) الشرعية الصحيحة، أو من حجج بعض الناس التي يعتمد عليها بعض الجاهلين (٢) أو المتأولين في الجملة. ثم هؤلاء المعارضون لهم هنا مقامان: أحدهما: أن يقولوا إذا ثبت أن بعض البدع حسن وبعضها قبيح، فالقبيح ما نهى عنه الشارع، وما سكت عنه من البدع فليس بقبيح، بل قد يكون حسنا، فهذا مما قد يقوله بعضهم. المقام الثاني: أن يقال عن بدعة معينة (٣) هذه بدعة حسنة؛ لأن (٤) فيها من المصلحة كيت وكيت، وهؤلاء المعارضون يقولون: ليست كل بدعة ضلالة. والجواب: أما القول إن شر الأمور محدثاتها، وإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، والتحذير من الأمور المحدثات: فهذا نص رسول الله ﷺ ، فلا يحل (٥) لأحد أن يدفع دلالته على ذم البدع، ومن نازع في دلالته فهو مراغم. وأما المعارضات، فالجواب عنها بأحد جوابين: إما أن يقال: إن ما ثبت حسنه فليس من البدع، فيبقى العموم محفوظا لا خصوص فيه. وإما أن يقال: ما ثبت حسنه فهو مخصوص من العموم، والعام المخصوص دليل فيما عدا صورة التخصيص، فمن اعتقد أن بعض البدع مخصوص من هذا العموم، احتاج إلى دليل يصلح للتخصيص، وإلا كان ذلك

стр. 627

العموم اللفظي المعنوي موجبا للنهي، ثم المخصص هو الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع، نصا واستنباطا، وأما عادة بعض البلاد أو أكثرها، أو قول كثير من العلماء أو العباد أو أكثرهم، ونحو ذلك، فليس مما يصلح أن يكون معارضا لكلام الرسول ﷺ حتى يعارض به. ومن اعتقد أن أكثر هذه العادات المخالفة للسنن مجمع عليها، بناء على أن الأمة أقرتها، ولم تنكرها (١) فهو مخطئ في هذا الاعتقاد، فإنه لم يزل ولا يزال في كل وقت من ينهى عن عامة العادات المحدثة المخالفة للسنة، وما يجوز دعوى الإجماع بعمل بلد أو بلاد من بلاد المسلمين، فكيف بعمل طوائف منهم؟ وإذا كان أكثر أهل العلم لم يعتمدوا على عمل علماء أهل المدينة وإجماعهم في (٢) عصر مالك، بل رأوا السنة حجة عليهم كما هي حجة على غيرهم مع ما أوتوه من العلم والإيمان، فكيف يعتمد المؤمن العالم على عادات أكثر من اعتادها عامة، أو من قيدته العامة، أو قوم مترئسون بالجهالة، لم يرسخوا في العلم، لا يعدون من أولي الأمر، ولا يصلحون للشورى؟ ولعلهم لم يتم إيمانهم بالله وبرسوله (٣) أو قد دخل معهم فيها بحكم العادة قوم من أهل الفضل عن غير روية، أو لشبهة أحسن أحوالهم فيها أن يكونوا فيها بمنزلة المجتهدين من الأئمة والصديقين.

стр. 628

والاحتجاج بمثل هذه الحجج، والجواب عنها معلوم: أنه ليس طريقة أهل العلم، لكن لكثرة الجهالة قد يستند إلى مثلها خلق كثير من الناس، حتى من المنتسبين إلى العلم والدين، وقد يبدي ذو العلم و (١) الدين له فيها مستندا آخر من الأدلة الشرعية، والله يعلم أن قوله بها وعمله لها (٢) ليس مستندا (٣) إلى ما أبداه من الحجة الشرعية، وإن كانت شبهة، وإنما هو مستند إلى أمور ليست مأخوذة عن الله ورسوله، من أنواع المستندات التي يستند إليها غير أولي العلم والإيمان، وإنما يذكر الحجة الشرعية حجة على غيره، ودفعا لمن يناظره. والمجادلة المحمودة إنما هي بإبداء المدارك وإظهار الحجج التي هي مستند الأقوال والأعمال، وأما إظهار الاعتماد على ما ليس هو المعتمد في القول والعمل، فنوع من النفاق في العلم والجدل، والكلام والعمل. وأيضا، فلا يجوز حمل قوله ﷺ : " كل بدعة ضلالة " على البدعة التي نهى عنها بخصوصها؛ لأن هذا تعطيل لفائدة هذا الحديث، فإن ما نهى عنه من الكفر والفسوق وأنواع المعاصي، قد علم بذلك النهي أنه قبيح (٤) محرم، سواء كان بدعة، أو لم يكن بدعة، فإذا كان لا منكر في (٥) الدين إلا ما نهى عنه بخصوصه، سواء كان مفعولا على عهد رسول الله ﷺ أو لم يكن، وما نهى عنه فهو منكر، سواء كان بدعة أو لم يكن، صار وصف البدعة عديم التأثير،

стр. 629

لا يدل وجوده على القبح، ولا عدمه على الحسن، بل يكون قوله: «كل بدعة ضلالة» بمنزلة قوله: كل عادة ضلالة. أو: كل ما عليه العرب والعجم فهو ضلالة، ويراد بذلك: أن ما نهى عنه من ذلك فهو الضلالة. . وهذا تعطيل للنصوص من نوع التحريف والإلحاد، وليس من نوع التأويل السائغ، وفيه من المفاسد أشياء: أحدها: سقوط الاعتماد على هذا الحديث، فإنما علم أنه منهي عنه بخصوصه، فقد علم حكمه (١) بذلك النهي، وما لم يعلم لا يندرج في هذا الحديث، فلا يبقى في هذا الحديث فائدة! مع كون النبي ﷺ كان يخطب به في الجمع، ويعده من جوامع الكلم. الثاني: أن لفظ البدعة ومعناها يكون اسما عديم التأثير، فتعليق الحكم بهذا اللفظ أو المعنى، تعليق له بما لا تأثير له، كسائر الصفات العديمة التأثير. الثالث: أن الخطاب بمثل هذا، إذا لم يقصد إلا الوصف الآخر- وهو كونه منهيا عنه- كتمان لما يجب بيانه، وبيان لما لم (٢) يقصد ظاهره، فإن البدعة والنهي الخاص بينهما عموم وخصوص، إذ ليس كل بدعة عنها (٣) نهي (٤) خاص، وليس كل ما فيه (٥) نهي خاص بدعة، فالتكلم بأحد الاسمين وإرادة الآخر تلبيس محض، لا يسوغ للمتكلم، إلا أن يكون مدلسا، كما لو قال: (الأسود) ، وعنى به الفرس، أو: الفرس، وعنى به الأسود.

стр. 630

الرابع: (١) أن قوله «كل بدعة ضلالة» ، وإياكم ومحدثات الأمور، إذا أراد بهذا ما فيه نهي خاص، كان قد أحالهم في معرفة المراد بهذا الحديث على ما لا يكاد يحيط به أحد، ولا يحيط بأكثره إلا خواص الأمة، ومثل هذا لا يجوز بحال. الخامس: أنه إذا أريد به ما فيه النهي الخاص، كان ذلك أقل مما ليس فيه نهي خاص من البدع، فإنك لو (٢) تأملت البدع التي نهى (٣) عنها بأعيانها، وما لم ينه (٤) عنها بأعيانها، وجدت هذا الضرب هو الأكثر، واللفظ العام لا يجوز أن يراد به الصور القليلة أو النادرة. فهذه الوجوه وغيرها: توجب القطع بأن هذا التأويل فاسد، لا يجوز حمل الحديث عليه، سواء أراد المتأول أن (٥) يعضد التأويل بدليل صارف، أو لم يعضد، فإن على المتأول (٦) بيان جواز إرادة المعنى الذي حمل الحديث عليه، من ذلك الحديث، ثم بيان الدليل الصارف له إلى ذلك. وهذه الوجوه تمنع جواز إرادة هذا المعنى بالحديث. فهذا الجواب عن مقامهم الأول. وأما مقامهم الثاني فيقال: هب أن البدع تنقسم إلى حسن وقبيح، فهذا القدر لا يمنع أن يكون هذا الحديث دالا على قبح الجميع، لكن أكثر ما يقال: إنه إذا ثبت أن هذا حسن يكون مستثنى من العموم، وإلا فالأصل أن كل بدعة

стр. 631

ضلالة، فقد تبين أن الجواب عن كل ما يعارض به من أنه حسن، وهو بدعة: إما أنه ليس ببدعة، وإما أنه مخصوص، فقد سلمت دلالة الحديث. وهذا الجواب إنما هو عما ثبت حسنه، فأما أمور أخرى قد يظن أنها حسنة وليست بحسنة، أو أمور يجوز أن تكون حسنة، ويجوز أن لا تكون حسنة، فلا تصلح المعارضة بها، بل يجاب عنها بالجواب المركب، وهو: إن ثبت أن هذا حسن فلا يكون بدعة، أو يكون مخصوصا، وإن لم يثبت أنه حسن فهو داخل في العموم. وإذا عرفت أن (١) الجواب عن هذه المعارضة بأحد الجوابين، فعلى التقديرين: الدلالة من الحديث باقية، لا ترد بما ذكروه (٢) ولا يحل لأحد أن يقابل هذه الكلمة الجامعة من رسول الله ﷺ الكلية، وهي قوله: «كل بدعة ضلالة» بسلب عمومها، وهو أن يقال ليست كل بدعة ضلالة، فإن هذا إلى مشاقة الرسول (٣) أقرب منه إلى التأويل، بل الذي يقال فيما يثبت به حسن الأعمال التي قد يقال هي بدعة: إن هذا العمل المعين مثلا ليس ببدعة، فلا يندرج في الحديث، أو إن اندرج لكنه مستثنى من هذا العموم لدليل كذا وكذا، الذي هو أقوى من العموم، مع أن الجواب الأول أجود، وهذا الجواب فيه نظر، فإن قصد التعميم المحيط ظاهر من (٤) رسول الله ﷺ بهذه الكلمة الجامعة، فلا يعدل عن مقصوده (٥) بأبي هو وأمي ﵊. فأما صلاة التراويح، فليست بدعة في الشريعة، بل سنة بقول

стр. 632

رسول الله ﷺ وفعله، فإنه قال: «إن الله فرض عليكم صيام رمضان، وسننت لكم قيامه» (١) ولا صلاتها جماعة بدعة، بل هي سنة في الشريعة، بل قد صلاها رسول الله ﷺ في الجماعة في أول شهر رمضان ليلتين، بل ثلاثا (٢) وصلاها أيضا في العشر الأواخر في جماعة مرات (٣) وقال: «إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة» (٤) كما قام بهم حتى خشوا أن يفوتهم الفلاح (٥) رواه أهل السنن. وبهذا الحديث احتج أحمد وغيره على أن فعلها في الجماعة أفضل من فعلها في حال (٦) الانفراد، وفي قوله هذا ترغيب

стр. 633

لقيام شهر رمضان خلف الإمام، وذلك أوكد من أن يكون سنة مطلقة، وكان الناس يصلونها جماعات (١) في المسجد على عهده ﷺ ويقرهم، وإقراره سنة منه ﷺ . وأما قول عمر: " نعمت البدعة هذه " (٢) فأكثر المحتجين بهذا لو أردنا أن نثبت حكما بقول عمر الذي لم يخالف فيه؛ لقالوا: قول الصاحب (٣) ليس بحجة، فكيف يكون حجة لهم في خلاف قول رسول الله ﷺ ؟ ومن اعتقد أن قول الصاحب حجة، فلا يعتقده إذا خالف الحديث. فعلى التقديرين لا تصلح معارضة الحديث بقول الصاحب. نعم، يجوز تخصيص عموم الحديث بقول الصاحب الذي لم يخالف، على إحدى (٤) الروايتين، فيفيدهم هذا حسن تلك البدعة، أما غيرها فلا. ثم نقول: أكثر ما في هذا تسمية عمر تلك: بدعة، مع حسنها، وهذه تسمية لغوية، لا تسمية شرعية، وذلك أن (٥) البدعة في اللغة تعم كل ما فعل ابتداء من غير مثال سابق. وأما البدعة الشرعية: فما (٦) لم يدل عليه دليل شرعي، فإذا كان نص رسول الله ﷺ قد دل على استحباب فعل أو إيجابه (٧) بعد موته أو دل عليه مطلقا، ولم يعمل به إلا بعد موته، ككتاب الصدقة، الذي أخرجه أبو بكر

стр. 634

-﵁ فإذا عمل (١) ذلك العمل بعد موته صح أن يسمى بدعة في اللغة؛ لأنه عمل مبتدأ (٢) كما أن نفس الدين الذي جاء به النبي ﷺ يسمى بدعة ويسمى محدثا في اللغة، كما قالت رسل قريش للنجاشي (٣) عن أصحاب النبي ﷺ المهاجرين إلى الحبشة: " إن هؤلاء خرجوا من دين آبائهم، ولم يدخلوا في دين الملك، وجاءوا بدين محدث لا يعرف " (٤) . ثم ذلك العمل الذي يدل عليه الكتاب والسنة: ليس بدعة في الشريعة، وإن سمي بدعة في اللغة، فلفظ البدعة في اللغة أعم من لفظ البدعة في الشريعة. وقد علم أن قول النبي ﷺ : «كل بدعة ضلالة» (٥) لم يرد به كل (٦) عمل مبتدأ، فإن (٧) دين الإسلام، بل كل دين جاءت به الرسل فهو عمل مبتدأ، وإنما أراد: ما ابتدئ من الأعمال التي لم يشرعها هو ﷺ . وإذا كان كذلك: فالنبي ﷺ قد كانوا يصلون قيام رمضان على عهده جماعة وفرادى؛ وقد قال لهم في الليلة الثالثة،

стр. 635

أو الرابعة (١) لما اجتمعوا: "إنه لم يمنعني أن أخرج إليكم إلا كراهة أن تفرض عليكم، فصلوا في بيوتكم؛ فإن أفضل صلاة المرء في بيته، إلا المكتوبة" (٢) فعلّل ﷺ عدم الخروج بخشية الافتراض، فعلم بذلك أن المقتضي للخروج قائم، وأنه لولا خوف الافتراض لخرج إليهم. فلما كان في عهد عمر ﵁ جمعهم على قارئ واحد، وأسرج المسجد، فصارت هذه الهيئة وهي اجتماعهم في المسجد على إمام واحد مع الإسراج عملا لم يكونوا يعملونه من قبل؛ فسمي بدعة؛ لأنه في اللغة يسمى بذلك، ولم (٣) يكن بدعة شرعية؛ لأن السنة اقتضت أنه عمل صالح لولا خوف الافتراض، وخوف الافتراض قد زال بموته ﷺ فانتفى المعارض. وهكذا جمع القرآن، فإن المانع من جمعه على عهد رسول الله ﷺ كان أن الوحي كان لا يزال ينزل، فيغير (٤) الله ما يشاء ويحكم ما يريد، فلو جمع في مصحف واحد لتعسر أو تعذر تغييره كل وقت، فلما استقر القرآن بموته ﷺ واستقرت الشريعة بموته ﷺ أمن الناس من زيادة القرآن ونقصه، وأمنوا من زيادة الإيجاب والتحريم، والمقتضي للعمل قائم بسنته صلى الله عليه وعلى آله
следующие страницы →