← Акыда

Акыда · id 11620

اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم

ابن تيمية

Полный текст (951 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

ومسائل الأثرم وإبراهيم بن الحارث يشتركان فيها. ونقل عنه مهنا قال: سألت أحمد عن الرجل يكري المجوس داره، أو دكانه، وهو يعلم أنهم يزنون، فقال: " كان ابن عون (١) لا يرى أن يكري المسلمين، يقول: أرعبهم (٢) في أخذ الغلة، وكان يرى أن يكري غير المسلمين ". قال أبو بكر الخلال: كل من حكى عن أبي عبد الله في رجل يكري داره من ذمي، فإنما أجابه أبو عبد الله على فعل ابن عون، ولم ينفذ (٣) لأبي عبد الله فيه قول. وقد حكى عنه إبراهيم أنه رآه معجبا بقول ابن عون، والذين رووا عن أبي عبد الله في المسلم يبيع داره من الذمي (٤) أنه كره ذلك كراهة شديدة، فلو نفذ (٥) لأبي عبد الله (٦) قول في السكنى؛ لكان (٧) السكنى والبيع عندي واحدا، والأمر في ظاهر قول أبي عبد الله أنه لا يباع منه؛ (٨) (٨) لأنه يكفر فيها، وينصب الصلبان، وغير ذلك، والأمر عندي: أنه لا يباع منه ولا يكرى (٩) (٩) ؛ لأنه معنى واحد.

стр. 562

قال: وقد أخبرني أحمد بن الحسين بن حسان (١) قال: سئل أبو عبد الله عن حصين بن عبد الرحمن (٢) فقال: " روى عنه (٣) حفص (٤) لا أعرفه " قال أبو بكر: هذا من النساك حدثني أبو سعيد الأشج (٥) سمعت أبا خالد الأحمر (٦) يقول: حفص هذا العدوي نفسه باع دار حصين بن عبد الرحمن عابد أهل الكوفة، من عون البصري (٧) فقال له أحمد: " حفص "؟ قال: نعم.

стр. 563

فعجب أحمد، يعني من حفص بن غياث، قال الخلال: وهذا أيضا تقوية لمذهب أبي عبد الله. قلت: عون هذا كأنه من أهل البدع، أو من الفساق بالعمل، فقد أنكر أبو خالد الأحمر على حفص بن غياث قاضي الكوفة، أنه باع دار الرجل الصالح من مبتدع، وعجب أحمد (١) أيضا من فعل القاضي. قال الخلال: " فإذا كان يكره بيعها من فاسق، فكذلك من كافر، وإن كان الذمي يقر، والفاسق لا يقر، لكن ما يفعله الكافر فيها أعظم "، وهكذا ذكر القاضي عن أبي بكر عبد العزيز (٢) أنه ذكر قوله في رواية أبي الحارث: لا أرى أن يبيع داره من كافر يكفر بالله فيها، يبيعها من مسلم أحب إلي، فقال أبو بكر: " لا فرق بين الإجارة والبيع عنده، فإذا أجاز البيع أجاز الإجارة، وإذا منع البيع منع الإجارة" ووافقه القاضي (٣) وأصحابه على ذلك. وعن إسحاق بن منصور (٤) أنه قال لأبي عبد الله: سئل -يعني الأوزاعي - عن الرجل يؤاجر نفسه لنظارة كرم النصراني، فكره ذلك، وقال أحمد: " ما أحسن ما قال؛ لأن أصل ذلك يرجع إلى الخمر، إلا أن يعلم أنه يباع لغير الخمر فلا بأس به (٥) ".

стр. 564

وعن أبي النضر العجلي (١) قال: قال أبو عبد الله فيمن يحمل خمرا أو خنزيرا أو ميتة لنصراني، فهو يكره أكل كرائه، ولكنه يقضي للحمال (٢) بالكراء، وإذا كان للمسلم فهو أشد كراهية ". وتلخيص الكلام في ذلك: أما بيع داره من كافر، فقد ذكرنا منع أحمد منه. ثم اختلف أصحابه: هل هذا تنزيه أو تحريم؟ فقال الشريف أبو علي بن أبي موسى: (٣) " كره أحمد أن يبيع مسلم داره من ذمي يكفر فيها بالله تعالى، ويستبيح فيها (٤) المحظورات، فإن فعل أساء، ولم يبطل البيع " وكذلك أبو الحسن الآمدي أطلق الكراهة مقتصرا عليها، وأما الخلال وصاحبه (٥) والقاضي فمقتضى كلامهم تحريم ذلك، وقد ذكر كلام الخلال وصاحبه، وقال القاضي: " لا يجوز أن يؤاجر داره أو بيته ممن يتخذه بيت نار، أو كنيسة، أو يبيع فيه الخمر، سواء شرط أنه يبيع فيه الخمر، أو لم يشرط لكنه يعلم أنه يبيع فيه الخمر ".

стр. 565

وقد قال أحمد في رواية أبي الحارث: " لا أرى أن يبيع داره من كافر يكفر بالله فيها (١) يبيعها من مسلم أحب إلي ". قال أبو بكر: " لا فرق بين الإجارة والبيع عنده، فإذا أجاز (٢) البيع أجاز الإجارة، وإذا منع البيع منع الإجارة ". وقال أيضا في نصارى أوقفوا ضيعة لهم للبيعة: " لا يستأجرها الرجل المسلم منهم، يعينهم على ما هم فيه ". قال: وبهذا قال الشافعي " (٣) . فقد حرم القاضي إجارتها لمن يعلم أنه يبيع فيها الخمر، مستشهدا على ذلك بنص أحمد على أنه لا يبيعها لكافر، ولا يستكري وقف الكنيسة، وذلك يقتضي أن المنع في هاتين الصورتين عنده منع تحريم، ثم قال القاضي في أثناء المسألة: فإن قيل أليس قد أجاز أحمد إجارتها من أهل الذمة، مع علمه بأنهم يفعلون فيها ذلك؟ قيل: " المنقول عن أحمد أنه حكى قول ابن عون (٤) وعجب منه، وذكر القاضي رواية الأثرم، وهذا يقتضي أن القاضي لا يجوز إجارتها من ذمي. وكذلك أبو بكر قال: إذا أجاز أجاز (٥) وإذا منع منع (٦) وما لا يجوز فهو محرم "، وكلام أحمد ﵀ (٧) محتمل الأمرين، فإن قوله في رواية

стр. 566

أبي الحارث " يبيعها من مسلم أحب إلي " يقتضي أنه منع تنزيه. واستعظامه لذلك (١) في رواية المروذي (٢) وقوله: " لا تباع من الكفار " (٣) -وشدد في ذلك- يقتضي التحريم. وأما الإجارة فقد سوى الأصحاب بينها وبين البيع، وأن ما حكاه عن ابن عون ليس بقول له، وإن إعجابه بفعل ابن عون إنما كان لحسن مقصد ابن عون، ونيته الصالحة، ويمكن أن يقال: بل ظاهر الرواية أنه أجاز ذلك، فإن إعجابه بالفعل دليل على (٤) جوازه عنده، واقتصاره على (٥) الجواب بفعل رجل يقتضي أنه مذهبه في أحد الوجهين. والفرق بين الإجارة والبيع: أن ما في الإجارة من مفسدة الإعانة قد عارضه مصلحة أخرى، وهو صرف إرعاب المطالبة بالكراء عن المسلم، وإنزال ذلك بالكفار، وصار ذلك بمنزلة إقرارهم بالجزية، فإنه وإن كان إقرارا لكافر (٦) لكن لما تضمنه (٧) من المصلحة جاز، وكذلك جازت مهادنة الكفار في الجملة. فأما البيع: فهذه المصلحة منتفية فيه، وهذا ظاهر على قول ابن أبي موسى (٨) وغيره أن البيع مكروه غير محرم، فإن الكراهة في الإجارة تزول

стр. 567

بهذه المصلحة الراجحة كما في نظائره فيصير في المسألة أربعة أقوال (١) . وهذا الخلاف عندنا، والتردد في الكراهة، هو (٢) إذا لم يعقد الإجارة على المنفعة المحرمة، فأما إن آجره إياه لأجل بيع الخمر، أو اتخاذها كنيسة أو بيعة؛ لم يجز قولا واحدا، وبه قال الشافعي وغيره، كما لا يجوز أن يكري أمته أو عبده للفجور. وقال أبو حنيفة: " يجوز أن يؤجرها لذلك " (٣) . قال أبو بكر الرازي: لا فرق عند أبي حنيفة بين أن يشترط (٤) أن يبيع فيه الخمر، وبين أن (٥) لا يشترط لكنه يعلم أنه يبيع فيه الخمر، أن الإجارة تصح". ومأخذه في ذلك أنه لا يستحق عليه بعقد الإجارة فعل هذه الأشياء، وإن شرط؛ لأن له أن لا يبيع فيها الخمر ولا يتخذها كنيسة، وتستحق عليه الأجرة بالتسليم في المدة، فإذا لم يستحق عليه فعل هذه الأشياء، كان ذكرها وترك ذكرها سواء، كما لو اكترى دارا لينام فيها أو يسكنها، فإن الأجرة تستحق عليه، وإن لم يفعل ذلك، وكذا يقول (٦) فيما إذا استأجر رجلا يحمل (٧) خمرا، أو ميتة، أو خنزيرا: أنه يصح؛ لأنه لا يتعين حمل الخمر، بل لو حمل عليه

стр. 568

بدله عصيرا استحق الأجرة، فهذا التقييد عنده لغو، فهو بمنزلة الإجارة المطلقة، والمطلقة عنده جائزة، وإن غلب على ظنه أن المستأجر يعصي فيها، كما يجوز بيع العصير لمن يتخذه خمرا، ثم إنه كره بيع السلاح في الفتنة، قال: لأن السلاح معمول للقتال لا يصلح لغيره. وعامة الفقهاء خالفوه في المقدمة الأولى، وقالوا: " ليس المقيد كالمطلق، بل المنفعة المعقود عليها هي المستحقة، فتكون هي المقابلة بالعوض، وهي منفعة (١) محرمة، وإن جاز للمستأجر أن يقيم غيرها مقامها، وألزموه ما لو اكترى دارا يتخذها مسجدا، فإنه لا يستحق عليه فعل المعقود عليه، ومع هذا فإنه أبطل هذه الإجارة بناء على أنها اقتضت فعل الصلاة، وهي لا تستحق بعقد إجارة. ونازعه أصحابنا وكثير من الفقهاء في المقدمة الثانية وقالوا: " إذا غلب على ظنه أن المستأجر ينتفع بها في محرم حرمت الإجارة له؛ لأن النبي ﷺ لعن عاصر الخمر ومعتصرها، والعاصر إنما يعصر عصيرا لكن إذا رأى أن المعتصر (٢) يريد أن يتخذه خمرا، وعصره (٣) استحق اللعنة، وهذا أصل مقرر في غير هذا الموضع. لكن معاصي الذمي (٤) قسمان: أحدهما: ما اقتضى عقد الذمة إقراره عليها. والثاني: ما اقتضى عقد الذمة منعه منها، أو من (٥) إظهارها.

стр. 569

فأما القسم الثاني: فلا ريب أنه لا يجوز (١) على أصلنا أن يؤاجر أو يبايع (٢) إذا غلب على الظن أن يفعل ذلك كالمسلم وأولى. وأما القسم الأول: فعلى ما قاله ابن أبي موسى: " يكره ولا يحرم "؛ لأنا قد أقررناه (٣) على ذلك، وإعانته على سكنى هذه (٤) الدار كإعانته على سكنى دار الإسلام، فلو كان هذا من الإعانة المحرمة لما جاز إقرارهم بالجزية، وإنما كره ذلك لأنه إعانة من غير مصلحة، لإمكان بيعها من مسلم، بخلاف الإقرار (٥) بالجزية، فإنه جاز (٦) لأجل المصلحة ". وعلى ما قاله القاضي لا يجوز؛ لأنه إعانة على ما يستعين به على المعصية، من غير مصلحة تقابل (٧) هذه المفسدة فلم يجز، بخلاف إسكانهم دار الإسلام، فإن فيه من المصالح ما هو مذكور في فوائد إقرارهم بالجزية. [ابتياع الذمي أرض العشر من مسلم] ومما يشبه ذلك: أنه قد اختلف قول أحمد إذا ابتاع الذمي أرض عشر من مسلم، على روايتين، منع من (٨) ذلك في إحداهما، قال: " لأنه لا زكاة على الذمي، وفيه إبطال العشر (٩) وهذا ضرر على المسلمين " قال: " وكذلك لا يمكنون (١٠)

стр. 570

من استئجار أرض العشر لهذه العلة (١) . وقال في الرواية الأخرى: " لا بأس أن يشتري الذمي أرض العشر من مسلم ". واختلف قوله إذا جاز ذلك فيما على الذمي فيما تخرج هذه الأرض على روايتين: قال في إحداهما: " لا عشر عليه، ولا شيء سوى الجزية ". وقال في الرواية الأخرى: " عليه فيما يخرج من هذه الأرض (٢) الخمس ضعف ما كان على المسلم " ومن أصحابنا من حكى رواية أنهم ينهون عن شرائها، فإن اشتروها أضعف (٣) عليهم العشر (٤) . وفي كلام أحمد ما يدل على هذا (٥) فإذا كان قد اختلف قوله في جواز تمليكهم عامر (٦) الأرض العشرية؛ لما فيه من رفع العشر، فالمفسدة الدينية الحاصلة بكفرهم وفسقهم -في دار كانت للمسلمين (٧) يعبد الله فيها ويطاع- أعظم من منع العشر. ولهذا تردد: " هل يرفع الضرر بمنع التملك بالكلية؟ " إذ مع تجويز البيع: إما أن يعطل حق المسلمين، أو تؤخذ الزكاة من الكفار، وكلاهما غير ممكن، فكان منع التملك أسهل، كما منعناه من تملك العبد المسلم والمصحف، لما فيه من تمكين عدو الله من أولياء الله (٨) وكلام الله. وكذلك نمنعهم -على ظاهر المذهب- من شراء السبي الذي جرى عليه

стр. 571

سهام المسلمين (١) كما شرط عليهم عمر بن الخطاب ﵁ أو يرفع الضرر بإبقاء حق الأرض عليه، كما يؤخذ ممن اتجر منهم في أرض المسلمين (٢) ضعف ما يؤخذ من المسلمين من الزكاة. ويتخرج: أنه لا يؤخذ منه إلا عشر واحد كالمسألة الآتية، وهذا في العشرية التي ليست خراجية. فأما الخراجية فقالوا: ليس لذمي (٣) أن يبتاع أرضا فتحها المسلمون عنوة، وإذا جوزنا بيع أرض العنوة كان حكم الذمي في ابتياعها كحكمه في ابتياع أرض العشر المحض، إذ جميع الأرض عشرية عندنا وعند الجمهور، بمعنى (٤) أن العشر يجب فيما أخرجت. وكذلك أرض الموات من أرض الإسلام التي ليست خراجية، هل للذمي أن يتملكها بالإحياء (٥) ؟ قال طائفة من العلماء: ليس (٦) له ذلك، وهو قول الشافعي (٧) وابن حامد (٨) وهذا قياس إحدى الروايتين عن أحمد في

стр. 572

منعه ابتياعها (١) فإنها إذا لم يجوِّز تملكها بالابتياع فبالإحياء أولى، لكن قد يفرق بينهما بأن (٢) المبتاعة أرض عامرة، ففيه ضرر محقق بخلاف إحياء الميتة فإنه لا يقطع حقا، والمنصوص عن أحمد - وعليه الجمهور من أصحابه (٣) - أنه يملكها بالإحياء، وهو قول أبي حنيفة، واختلف فيه عن مالك (٤) . متسوى٣ أخذ العشر على أرض أهل الذمة ثم هل عليه (٥) العشر؟ فيه روايتان: قال ابن أبي موسى: " ومن أحيا من أهل الذمة أرضا مواتا فهي له، ولا زكاة عليه فيها، ولا عشر فيما أخرجت " وقد روي عنه رواية أخرى: " أنه لا خراج على أهل الذمة في أرضهم، ويؤخذ منهم العشر مما يخرج، يضاعف عليهم " والأول عنه أظهر. فهذا الذي حكاه ابن أبي موسى، من تضعيف العشر فيما يملكه بالإحياء، هو قياس تضعيفه فيما ملكه بالابتياع. لكن نقل حرب عنه في رجل من أهل الذمة أحيا مواتا. قال: " هو عشر " (٦) ففهم القاضي وغيره من الأصحاب أن الواجب هو العشر المأخوذ من المسلم من غير تضعيف (٧) فحكوا في وجوب العشر فيها روايتين، وابن أبي موسى نقل الروايتين في وجوب عشر مضعف (٨) .

стр. 573

وعلى طريقة القاضي يخرج في مسألة الابتياع كذلك. وهذا الذي نقله ابن أبي موسى أصح؛ فإن (١) الكرماني (٢) ومحمد بن أبي (٣) حرب (٤) وإبراهيم بن هانئ (٥) ويعقوب بن بختان (٦) نقلوا: أن أحمد سئل- وقال حرب: سألت أحمد (٧) قلت-: " إن أحيا رجل من أهل الذمة مواتا ماذا عليه؟ " قال: " أما أنا فأقول: ليس عليه شيء " قال: " وأهل المدينة يقولون في هذا قولا حسنا، يقولون: لا يترك الذمي أن يشتري أرض العشر ". قال: " وأهل البصرة يقولون قولا عجبا! يقولون: يضاعف عليه العشر " (٨) قال: وسألت أحمد مرة أخرى، فقلت: إن أحيا رجل من أهل الذمة مواتا؟ قال: " هو عشر ". وقال مرة أخرى: " ليس عليه شيء ". وروى حرب عن عبيد الله بن الحسن العنبري (٩) أنه قيل له: أخذكم

стр. 574

الخمس من أرض أهل (١) الذمة، التي في أرض العرب، أبأثر عندكم، أم بغير أثر؟ قال: " ليس عندنا فيه أثر، ولكن قسناه بما (٢) أمر به عمر ﵁ أن يؤخذ من أموالهم إذا اتجروا بها، ومروا بها على عشار ". فهذا أحمد ﵁ سئل عن إحياء الذمي (٣) الأرض، فأجاب: بأنه ليس عليه شيء، وذكر اختلاف الفقهاء في مسألة اشترائه الأرض: هل يمنع، أو يضعف عليه العشر؟ وهذا يبين لك أن المسألتين عنده واحدة، وهو تملك الذمي الأرض العشرية، سواء كان بابتياع أو إحياء أو غير ذلك. وكذلك ذكر العنبري قاضي أهل البصرة: أنهم يأخذون الخمس (٤) من جميع أرض أهل (٥) الذمة العشرية، وذلك يعم ما ملك (٦) انتقالا، أو ابتداء (٧) . وهذا يفيدك أن أحمد إذا منع الذمي أن يبتاع الأرض العشرية، فكذلك يمنعه من إحيائها، وأنه إذا أخذ منه فيما ابتاعه الخمس، فكذلك فيما أحياه، وأن من نقل عنه عشرا مفردا في الأرض المحياة دون المبتاعة (٨) فليس بمستقيم، وإنما سببه قوله (٩) في الرواية الأخرى التي نقلها الكرماني: هي أرض

стр. 575

عشر (١) . ولكن هذا كلام مجمل قد فسره (٢) أبو عبد الله في موضع آخر، وبين مأخذه. ونقل الفقه: إن لم يعرف الناقل مأخذ الفقيه، وإلا فقد يقع فيه الغلط كثيرا. وقد أفصح أرباب هذا القول بأن مأخذهم قياس الحراثة على التجارة، فإن الذمي إذا (٣) اتجر في غير أرضه (٤) فإنه يؤخذ منه ضعف ما يؤخذ من المسلمين، وهو نصف العشر، فكذلك إذا استحدث أرضا غير أرضه (٥) ؛ لأنه في كلا الموضعين قد أخذ يكتسب في غير مكانه الأصلي، وحق الحرث والتجارة قرينان، كما في قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] (٦) . وكذلك قال أحمد في رواية الميموني: يؤخذ من أموال أهل الذمة، إذا اتجروا فيها قومت، ثم أخذ منهم زكاتها مرتين، تضعف عليهم؛ لقول (٧) عمر ﵁: " أضعفها عليهم ". فمن الناس من شبه (٨) الزرع (٩) على ذلك.

стр. 576

قال الميموني: " والذي لا شك (١) فيه من قول أبي عبد الله -غير مرة-: أن أرض أهل الذمة التي في الصلح ليس عليها خراج، إنما ينظر إلى ما أخرجت، يؤخذ منهم العشر مرتين ". قال الميموني: " قلت لأبي عبد الله: فالذي يشتري أرض العشر ما عليه؟ " قال لي: " الناس كلهم يختلفون في هذا: منهم من لا يرى عليه شيئا، ويشبهه بماله ليس عليه فيه زكاة إذا كان مقيما ما كان بين أظهرنا، وبماشيته " فيقول (٢) " هذه أموال، وليس عليه فيها صدقة ". ومنهم من يقول: " هذه حقوق لقوم، ولا يكون شراؤه الأرض يذهب بحقوق هؤلاء منهم "، والحسن يقول: " إذا اشتراها ضوعف عليه ". قلت: " كيف يضعف عليه؟ " قال: " لأن عليه العشر، فيؤخذ منه الخمس " قلت: " يذهب إلى أن يضعف عليه الخمس فيؤخذ منه الخمس (٣) فالتفت إلي، فقال: " نعم يضعف عليهم ". قال: وذاكرنا أبا عبد الله: أن مالكا كان يرى أن لا يؤخذ منهم شيء، وكان يحول بينهم وبين الشراء لشيء منها، وهذه الرواية اختيار الخلال، وهي مسألة كبيرة، ليس هذا موضع استقصائها. والفقهاء أيضا مختلفون في هذه المسألة، كما ذكره أبو عبد الله. فمن نقل عنه تضعيف العشر: عمر بن عبد العزيز، والحسن البصري، وغيره من أهل البصرة، وبعضهم يرويه عن عمر بن الخطاب ﵁ وهو قول أبي يوسف (٤) .

стр. 577

ومنهم من قال: " بل يؤخذ العشر على ما كان عليه، كالقول الذي ذكره بعض أصحابنا ". ويروى هذا عن (١) الثوري، ومحمد بن الحسن. وحكي عن الثوري: لا شيء عليه كالرواية الأخرى عن أحمد. ويروى هذا عن مالك أيضا، وعن مالك: أنه يؤمر ببيعها. وحكي ذلك عن الحسن بن صالح (٢) وشريك (٣) وهو قول الشافعي. وقال أبو ثور (٤) يجبر على بيعها. وقياس قول من يضعف العشر: أن المستأمن لو زرع في دار الإسلام لكان الواجب عليه خُمْسَيْن (٥) ضعفا ما يؤخذ من الذمي، كما أنه إذا اتجر في دار الإسلام (٦) يؤخذ منه العشر، ضعفا ما يؤخذ من الذمي. فقد ظهر

стр. 578

أنا (١) -على إحدى الروايتين، وقول طوائف من أهل العلم -نمنعهم من (٢) أن يستولوا على عقار في دار الإسلام للمسلمين فيه حق من المساكن والمزارع، كما نمنعهم أن يحدثوا في دار الإسلام (٣) بناء لعباداتهم من كنيسة أو بيعة أو صومعة؛ لأن عقد الذمة اقتضى إقرارهم على ما كانوا عليه (٤) من غير تعد منهم إلى الاستيلاء فيما ثبت للمسلمين فيه حق من عقار أو رقيق. وهذا لأن مقصود الدعوة: أن تكون كلمة الله هي العليا، وإنما أقروا بالجزية للضرورة العارضة، والحكم المقيد بالضرورة مقدر بقدرها، ولهذا لم يثبت عن (٥) واحد من السلف حق شفعة على مسلم، وأخذ بذلك أحمد ﵀ وغيره؛ لأن الشقص الذي يملكه مسلم، إذا أوجبنا فيه شفعة لذمي، كنا قد أوجبنا على المسلم أن ينقل الملك في عقاره إلى ذمي بطريق القهر للمسلم، وهذا خلاف الأصول (٦) . ولهذا نص أحمد على أن البائع للشقص إذا كان مسلما وشريكه ذمي، لم يجب (٧) له شفعة؛ لأن الشفعة في الأصل إنما هي من حقوق أحد الشريكين على الآخر، بمنزلة الحقوق التي تجب على المسلم للمسلم: كإجابة الدعوة، وعيادة المريض، وكمنعه (٨) أن يبيع على بيعه أو يخطب على خطبته، وهذا كله عند أحمد مخصوص بالمسلمين، وفي البيع والخطبة خلاف بين الفقهاء.

стр. 579

[استئجار الأرض الموقوفة على الكنيسة وشراء ما يباع للكنيسة] وأما استئجاره الأرض الموقوفة على الكنيسة، وشراؤه ما يباع (١) للكنيسة: فقد أطلق (٢) أحمد المنع أنه لا يستأجرها، لا يعينهم على ما هم فيه، وكذلك أطلقه (٣) الآمدي وغيره. ومثل هذا ما لو اشترى من المال الموقوف للكنيسة أو الموصى (٤) لها به، أو باع آلات يبنون بها كنيسة ونحو ذلك، والمنع هنا أشد؛ لأن نفس هذا المال الذي يبذله يصرف في المعصية، فهو كبيع العصير لمن يتخذه خمرا بخلاف نفس السكنى، فإنها ليست محرمة، ولكنهم يعصون في المنزل، فقد يشبه ما لو قد باعهم الخبز واللحم والثياب، فإنهم قد يستعينون بذلك على الكفر، وإن كان الإسكان فوق هذا؛ لأن نفس الأكل والشرب ليس بمحرم، ونفس المنفعة المعقود عليها في الإجارة -وهو اللبث- قد يكون محرما، ألا ترى أن الرجل لا ينهى أن (٥) يتصدق على الكفار والفساق في الجملة، وينهى أن يقعد في منزله من يكفر أو يفسق؟ وقد تقدم تصريح ابن القاسم أن هذا الشراء لا يحل، وأطلق الشافعي المنع من معاونتهم على بناء الكنيسة، ونحو ذلك، فقال في كتاب الجزية من الأم (٦) " ولو أوصى -يعني الذمي- بثلث ماله أو شيء منه يبني به كنيسة لصلوات (٧) النصارى (٨) أو يستأجر به خدما للكنيسة، أو تعمر به الكنيسة،

стр. 580

أو يستصبح به فيها، أو يشتري به أرضا (١) فتكون صدقة على الكنيسة، أو تعمر به (٢) أو ما في هذا المعنى؛ كانت الوصية باطلة (٣) ولو أوصى أن يبني كنيسة (٤) ينزلها مار الطريق، أو وقفها على قوم يسكنونها (٥) جازت الوصية، وليس في بنيان الكنيسة معصية، إلا أن تتخذ لمصلى النصارى الذي اجتماعهم فيها على الشرك"، قال: وأكره للمسلم أن يعمل بناء أو نجارا، أو غير (٦) ذلك في كنائسهم التي لصلاتهم (٧) . وأما مذهب أحمد في الإجارة لعمل ناووس ونحوه، فقال الآمدي: لا يجوز رواية واحدة؛ لأن المنفعة المعقود عليها محرمة، وكذلك الإجارة لبناء كنيسة أو بيعة، أو صومعة، كالإجارة لكتبهم (٨) المحرفة. وأما مسألة حمل الخمر والميتة والخنزير للنصراني أو للمسلم فقد تقدم لفظ أحمد أنه قال فيمن حمل (٩) خمرا أو خنزيرا أو ميتة لنصراني: فهو يكره أكل كرائه، ولكن يقضي للحمال بالكراء، وإذا كان للمسلم فهو أشد. زاد بعضهم فيها: ويكره أن يحمل الميتة بكراء، أو يخرج دابة ميتة، ونحو هذا. ثم اختلف أصحابنا في هذا الجواب على ثلاث طرق:

стр. 581

أحدها: إجراؤه على ظاهره، وأن المسألة رواية واحدة، قال ابن أبي موسى: وكره أحمد أن يؤجر المسلم نفسه لحمل ميتة أو خنزير لنصراني. قال: فإن فعل قضي له بالكراء، وإن آجر (١) نفسه لحمل محرم لمسلم (٢) كانت الكراهة أشد، ويأخذ الكراء. وهل يطيب له أم لا (٣) على وجهين، أوجههما: أنه لا يطيب له، وليتصدق (٤) به. وهكذا ذكر أبو الحسن الآمدي، قال: وإذا آجر (٥) نفسه من رجل في حمل خمر أو خنزير أو ميتة؛ كره. نص عليه. وهذه كراهة تحريم؛ لأن النبي ﷺ لعن حاملها. إذا ثبت هذا فيقضى (٦) له بالكراء، وغير ممتنع أن يقضى بالكراء وإن كان محرما، كإجارة الحجام، فقد صرح هؤلاء بأنه يستحق الأجرة مع كونها محرمة عليه على الصحيح. الطريقة الثانية: تأويل هذه الرواية بما يخالف ظاهرها، وجعل المسألة رواية واحدة: أن هذه الإجارة لا تصح، وهي طريقة القاضي في المجرد (٧) وهي طريقة ضعيفة، رجع عنها القاضي في كتبه المتأخرة، فإنه صنف المجرد قديما. الطريقة الثالثة: تخرج هذه المسألة على روايتين: إحداهما: أن هذه الإجارة صحيحة يستحق بها الأجرة مع الكراهة للفعل وللأجرة.

стр. 582

والثانية (١) لا تصح الإجارة، ولا يستحق بها أجرة، وإن حمل. وذلك (٢) على قياس قوله في أن الخمر (٣) لا يجوز إمساكها، وتجب إراقتها. قال في رواية أبي طالب (٤) إذا أسلم، وله خمر أو خنازير، تصب الخمر وتسرح الخنازير، وقد حرما عليه، وإن قتلها (٥) فلا بأس، فقد نص على أنه لا يجوز إمساكها، ولأنه قد نص في رواية ابن منصور: أنه يكره أن يؤاجر نفسه لنظارة كرم النصراني؛ لأن أصل ذلك يرجع إلى الخمر إلا أن يعلم أنه يباع لغير الخمر. فقد منع من إجارة نفسه على حفظ الكرم الذي يتخذ للخمر، فأولى أن يمنع من إجارة نفسه على حمل الخمر. فهذه طريقة القاضي في التعليق وتصرفه، وعليها أكثر أصحابه، مثل أبي الخطاب، وهي طريقة من احتذى حذوه من المتأخرين. والمنصور عندهم الرواية المخرجة، وهي مذهب مالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد، وهذا عند أصحابنا فيما إذا استأجر على حمل الخمر إلى بيته، أو حانوته، أو حيث لا يجوز إقرارها، سواء كان حملها للشرب أو مطلقا: فأما إن كان (٦) يحملها ليريقها، أو يحمل

стр. 583

الميتة (١) لينقلها إلى الصحراء؛ لئلا يتأذى بنتن ريحها، فإنه يجوز الإجارة على ذلك؛ لأنه عمل مباح، لكن إن كانت الأجرة جلد الميتة لم تصح، واستحق أجرة المثل، وإن كان قد سلخ الجلد وأخذه رده على صاحبه، وهذا مذهب مالك، وأظنه مذهب الشافعي أيضا. ومذهب أبي حنيفة كالرواية الأولى، ومأخذه في ذلك: أن الحمل إذا كان مطلقا لم يكن المستحق عين (٢) حمل الخمر، وأيضا فإن مجرد حملها ليس معصية؛ لجواز أن تحمل لتراق، أو تخلل عنده، ولهذا إذا كان الحمل للشرب لم يصح، ومع هذا فإنه يكره الحمل. والأشبه -والله أعلم- طريقة ابن أبي موسى، فإنها أقرب إلى مقصود أحمد، وأقرب إلى القياس، وذلك لأن النبي ﷺ لعن عاصر الخمر ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه، فالعاصر والحامل قد عاوضا على منفعة تستحق عوضا، وهي ليست محرمة في نفسها، وإنما حرمت لقصد المعتصر، والمستحمل فهو كما لو باع عنبا أو عصيرا لمن يتخذه خمرا، وفات العصير والخمر في يد المشتري، فإن مال البائع لا يذهب مجانا، بل يقضي له بعوضه، كذلك هاهنا المنفعة التي وفاها المؤجر لا تذهب مجانا، بل يعطى بدلها، فإن تحريم الانتفاع بها إنما كان من جهة المستأجر لا من جهته. ثم نحن نحرم الأجرة عليه، لحق الله سبحانه لا لحق المستأجر، والمشتري بخلاف من استأجر للزنا أو التلوط أو القتل أو الغصب أو السرقة، فإن نفس هذا العمل محرم لا (٣) لأجل قصد المشتري، فهو كما لو باعه ميتة أو خمرا، فإنه لا يقضي له (٤) بثمنها؛ لأن نفس هذه العين محرمة.

стр. 584

ومثل هذه الإجارة والجعالة لا توصف بالصحة مطلقا، ولا بالفساد مطلقا، بل هي صحيحة بالنسبة إلى المستأجر، بمعنى أنه يجب عليه مال (١) الجعل والأجرة (٢) وهي فاسدة (٣) بالنسبة إلى الأجير، بمعنى أنه يحرم عليه الانتفاع بالأجرة والجعل، ولهذا في الشريعة نظائر. وعلى هذا فنص أحمد على كراهة نظارة كرم النصراني لا ينافي هذا، فإنا ننهاه عن هذا الفعل وعن ثمنه، ثم نقضي له (٤) بكرائه، ولو لم نفعل هذا لكان (٥) في هذا منفعة عظيمة للعصاة، فإن كل من استأجروه على عمل يستعينون به على المعصية قد حصلوا غرضهم منه، ثم لا يعطونه شيئا، وما هم بأهل أن يعاونوا على ذلك. بخلاف من سلم إليهم عملا لا قيمة له بحال. نعم: البغي والمغني والنائحة، ونحوهم؛ إذا أعطوا أجورهم ثم تابوا: هل يتصدقون بها، أو يجب أن يردوها على من أعطاهموها؟ فيها (٦) قولان أصحهما: أنا لا نردها على الفساق الذين بذلوها في المنفعة المحرمة (٧) ولا يباح الأخذ (٨) بل يتصدق بها، وتصرف في مصالح المسلمين، كما نص عليه أحمد في أجرة حمال الخمر.

стр. 585

ومن ظن (١) أنها ترد على الباذل المستأجر؛ لأنها مقبوضة بعقد فاسد، فيجب (٢) ردها عليه كالمقبوض بالربا، أو نحوه من العقود الفاسدة. فيقال له: المقبوض بالعقد الفاسد يجب فيه التراد من الجانبين، فيرد كل منهما على الآخر ما قبضه منه، كما في تقابض الربا عند (٣) من يقول: المقبوض بالعقد الفاسد لا يملك (٤) كما هو المعروف من مذهب الشافعي وأحمد. فأما إذا تلف المقبوض عند القابض، فإنه لا يستحق استرجاع عوضه مطلقا، وحينئذ فيقال: وإن كان ظاهر القياس يوجب ردها بناء على أنها مقبوضة بعقد فاسد، فإن الزاني ومستمع الغناء والنوح قد بذلوا هذا المال عن طيب نفوسهم، واستوفوا العوض (٥) المحرم، والتحريم الذي فيه ليس لحقهم، وإنما هو لحق الله تعالى، وقد فاتت هذه المنفعة (٦) بالقبض، والأصول تقتضي: أنه إذا رد أحد العوضين يرد الآخر، فإذا تعذر (٧) على المستأجر رد المنفعة لم يرد عليه المال. وأيضا، (٨) فإن هذا الذي استوفيت منفعته عليه ضرر في أخذ منفعته (٩) وعوضها جميعا منه، بخلاف ما لو كان العوض خمرا أو ميتة، فإن تلك لا ضرر عليه في فواتها، فإنها لو كانت باقية أتلفناها عليه، ومنفعة الغناء والنوح

стр. 586

لو لم تفت لتوفرت عليه، بحيث كان يتمكن من صرف تلك المنفعة في أمر آخر، أعني من صرف القوة التي عمل بها. فيقال على هذا: فينبغي أن يقضوا بها إذا طالب بقبضها. قيل: نحن لا نأمر بدفعها ولا بردها كعقود الكفار المحرمة، فإنهم إذا أسلموا قبل (١) القبض لم نحكم بالقبض، ولو أسلموا بعد القبض لم نحكم بالرد، ولكن في حق (٢) المسلم تحرم (٣) هذه الأجرة (٤) عليه؛ لأنه كان معتقدا لتحريمها بخلاف الكافر، وذلك لأنه إذا طلب الأجرة قلنا له: أنت فرطت، حيث صرفت قوتك في عمل محرم، فلا يقضى لك بأجرة. فإذا قبضها ثم قال الدافع: هذا المال اقضوا لي برده، فإنما (٥) أقبضته إياه عوضا عن منفعة محرمة. قلنا له: دفعته بمعاوضة رضيت بها، فإذا طلبت استرجاع ما أخذ (٦) فاردد إليه ما أخذت إذا كان له في بقائه معه منفعة، فهذا ومثل هذا (٧) يتوجه فيما يقبض من ثمن الميتة والخمر، وأيضا فمشتري الخمر إذا أقبض (٨) ثمنها وقبضها وشراها، ثم طلب أن يعاد إليه الثمن كان الأوجه أن يرد إليه الثمن ولا يباح للبائع، ولا سيما ونحن نعاقب الخمار -بياع الخمر- بأن نحرق الحانوت التي تباع فيها الخمر، نص على ذلك أحمد وغيره من العلماء؛ (٩) فإن عمر بن الخطاب ﵁

стр. 587

حرق حانوتا يباع فيها الخمر (١) وعلي بن أبي طالب ﵁ حرق قرية يباع فيها الخمر (٢) وهي آثار معروفة، وهذه المسألة مبسوطة في غير هذا الموضع (٣) ؛ وذلك لأن (٤) العقوبات المالية (٥) عندنا باقية غير منسوخة (٦) . فإذا عرف أصل أحمد في هذه المسائل، فمعلوم أن بيعهم ما يقيمون به أعيادهم المحرمة، مثل بيعهم العقار للسكنى وأشد، بل هو إلى بيعهم العصير أقرب منه إلى بيعهم العقار؛ لأن ما يبتاعونه من الطعام واللباس ونحو ذلك يستعينون به على العيد، إذ العيد كما قدمنا اسم لما يفعل من العبادات والعادات، وهذه إعانة على ما يقام من العادات، لكن لما كان جنس الأكل والشرب واللباس ليس محرما في نفسه، بخلاف شرب الخمر؛ فإنه محرم في نفسه. فإن كان ما يبتاعونه يفعلون به نفس المحرم: مثل صليب، أو شعانين، أو معمودية، أو تبخير، أو ذبح لغير الله، أو صورة ونحو ذلك؛ فهذا لا ريب في تحريمه، كبيعهم العصير ليتخذوه خمرا، وبناء الكنيسة لهم، وأما ما ينتفعون به في أعيادهم (٧) للأكل والشرب واللباس، فأصول أحمد وغيره تقتضي كراهته. لكن: كراهة تحريم كمذهب مالك، أو كراهة تنزيه؟ والأشبه: أنه كراهة

стр. 588

تحريم كسائر النظائر عنده، فإنه لا يجوز بيع الخبز واللحم والرياحين للفساق الذين يشربون عليها (١) الخمر، ولأن هذه الإعانة قد تفضي إلى إظهار الدين (٢) وكثرة اجتماع الناس لعيدهم وظهوره، وهذا أعظم من إعانة شخص معين. لكن من يقول: هذا مكروه كراهة تنزيه يقول: هذا متردد بين بيع العصير وبيع الخنزير، وليس هذا مثل بيعهم العصير الذي يتخذونه خمرا؛ لأنا إنما يحرم علينا أن نبيع الكفار ما كان محرم الجنس: كالخمر، والخنزير. فأما ما (٣) يباح في حال دون حال كالحرير ونحوه فيجوز بيعه لهم. وأيضا، فإن الطعام واللباس الذي يباعونه (٤) في عيدهم ليس محرما في نفسه، وإنما الأعمال التي يعملونها (٥) به لما كانت شعار الكفر (٦) نهي عنها المسلم لما فيها من مفسدة انجراره إلى بعض فروع الكفر (٧) . فأما الكافر فهي لا تزيده من الفساد أكثر مما هو فيه؛ لأن نفس حقيقة الكفر قائمة به؛ فدلالة الكفر وعلامته إذا كانت مباحة (٨) لم يكن فيها كفر زائد (٩) كما لو باعهم المسلم ثياب الغيار (١٠) التي يتميزون بها عن المسلمين، بخلاف شرب الخمر وأكل الخنزير فإنه زيادة في الكفر.

стр. 589

نعم: لو باعهم المسلم ما يتخذونه صليبا، أو شعانين ونحو ذلك (١) فهنا قد باعهم ما يستعينون به على نفس المعصية (٢) ومن نصر التحريم يجيب عن هذا بأن شعار الكفر وعلامته ودلالته على وجهين: وجه نؤمر به في دين (٣) الإسلام، وهو (٤) ما فيه إذلال للكفر وصغار، فهذا إذا اتبعوه (٥) كان ذلك إعانة على ما يأمر الله به ورسوله، فإنا نحن نأمرهم بلباس (٦) الغيار. ووجه ننهى عنه وهو ما فيه إعلاء للكفر وإظهار له، كرفع أصواتهم بكتابهم، وإظهار الشعانين، وبيع النواقيس لهم، وبيع الرايات والألوية لهم، ونحو ذلك، فهذا من شعائر الكفر التي نحن مأمورون (٧) بإزالتها، والمنع منها في (٨) ديار الإسلام، فلا يجوز إعانتهم عليها. [قبول الهدية من أهل الذمة يوم عيدهم] وأما قبول الهدية منهم يوم عيدهم، فقد قدمنا عن علي ﵁ أنه أتي بهدية النيروز فقبلها (٩) . وروى ابن أبي شيبة في المصنف: حدثنا جرير (١٠) عن قابوس (١١) عن أبيه (١٢) أن امرأة سألت عائشة، قالت: إن لنا

стр. 590

أظآرا (١) من المجوس، وإنه يكون لهم العيد فيهدون لنا. فقالت: "أما ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا (٢) ولكن كلوا من أشجارهم " (٣) وقال حدثنا وكيع عن الحسن (٤) بن حكيم، عن أمة (٥) عن أبي برزة: أنه كان له سكان مجوس، فكانوا يهدون له في النيروز والمهرجان، فكان يقول لأهله: " ما كان من فاكهة فكلوه (٦) وما كان من غير ذلك فردوه " (٧) . فهذا كله يدل على أنه لا تأثير للعيد في المنع من قبول هديتهم، بل حكمها في العيد وغيره سواء؛ لأنه ليس في ذلك إعانة لهم على شعائر (٨) كفرهم. لكن قبول هدية الكفار من أهل الحرب وأهل الذمة مسألة مستقلة بنفسها؛ فيها خلاف وتفصيل ليس هذا موضعه، وإنما يجوز أن يؤكل من طعام أهل الكتاب في عيدهم، بابتياع أو هدية، أو غير ذلك مما (٩) لم يذبحوه للعيد، فأما ذبائح المجوس، فالحكم فيها معلوم، فإنها حرام عند العامة (١٠) .

стр. 591

[ذبيحتهم يوم عيدهم وأنواع ذبائح أهل الكتاب] فأما ما ذبحه أهل الكتاب لأعيادهم، وما يتقربون بذبحه إلى غير الله، نظير ما يذبح المسلمون هداياهم وضحاياهم متقربين بها إلى الله تعالى، وذلك مثل ما يذبحون للمسيح والزهرة، فعن أحمد روايتان: أشهرهما في نصوصه أنه لا يباح أكله، وإن لم يسم عليه غير الله تعالى، ونقل النهي عن ذلك، عن عائشة وعبد الله (١) بن عمر. قال الميموني: سألت أبا عبد الله عن ذبائح أهل الكتاب فقال: إن كان (٢) مما يذبحون لكنائسهم (٣) . فقال: يدعون التسمية على عمد، إنما يذبحون للمسيح (٤) . وذكر أيضا: أنه سأل أبا (٥) عبد الله عمن ذبح من أهل الكتاب ولم يسم، فقال: إن كان مما يذبحون لكنائسهم. فقال ابن عمر (٦) يترك التسمية فيه على عمد؛ إنما يذبح للمسيح، وقد كرهه ابن عمر، إلا أن أبا الدرداء يتأول أن طعامهم حل، وأكثر ما رأيت منه (٧) الكراهية لأكل ما ذبحوا لكنائسهم. وقال أيضا: سألت أبا عبد الله عن ذبيحة المرأة من أهل الكتاب، ولم تسم. قال: " إن كانت ناسية فلا بأس، وإن كان مما يذبحون لكنائسهم قد يدعون التسمية فيه على عمد " وقال المروزي: قرئ على أبي عبد الله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] (٨) قال: " على الأصنام " وقال: " كل شيء ذبح على الأصنام لا يؤكل ".

стр. 592

وقال حنبل: قال عمي (١) " أكره كل ما ذبح لغير الله، والكنائس إذا ذبح لها، وما ذبح أهل الكتاب على معنى الذكاة فلا بأس به (٢) وما ذبح يريد به غير الله فلا آكله، وما ذبحوا في أعيادهم أكرهه ". وروى أحمد عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي: سألت ميمونا (٣) عما ذبحت النصارى لأعيادهم وكنائسهم، فكره أكله. قال حنبل: سمعت أبا عبد الله قال: " لا يؤكل؛ لأنه أهل لغير الله به (٤) ويؤكل كل ما سوى ذلك، وإنما أحل الله من طعامهم ما ذكر اسم الله عليه، قال الله ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] (٥) وقال: (٦) ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] (٧) فكل ما ذبح لغير الله فلا يؤكل لحمه ". وروى حنبل عن عطاء في ذبيحة النصراني (٨) يقول: اسم المسيح، قال: كل، قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يسأل عن ذلك قال: لا تأكل، قال الله تعالى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] (٩) فلا أرى هذا ذكاة ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] (١٠) . فاحتجاج أبي عبد الله بالآية دليل على أن الكراهة عنده كراهة تحريم،

стр. 593

وهذا قول عامة قدماء الأصحاب، قال الخلال في باب التوقي لأكل ما ذبحت النصارى وأهل الكتاب لأعيادهم وذبائح أهل الكتاب لكنائسهم: " كل من روى عن أبي عبد الله روى الكراهة (١) فيه، وهي متفرقة في هذه الأبواب. وما قاله حنبل في هاتين المسألتين ذكر عن أبي عبد الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] (٢) ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] (٣) فإنما الجواب من أبي عبد الله فيما أهل لغير الله به، وأما التسمية وتركها، فقد روى عنه جميع أصحابه: أنه لا بأس بأكل ما لم يسموا عليه، إلا في وقت ما يذبحون لأعيادهم وكنائسهم، فإنه معنى قوله تعالى ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] (٤) وعند أبي عبد الله أن تفسير ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] (٥) إنما عنى به (٦) الميتة. وقد أخرجته (٧) في موضعه. ومقصود الخلال: أن نهي أحمد لم يكن لأجل ترك التسمية فقط؛ فإن ذلك عنده لا يحرم، وإنما كان لأنهم ذبحوا لغير الله، سواء كانوا يسمون غير الله أو لا يسمون الله ولا غيره، ولكن قصدهم الذبح لغيره (٨) وقال ابن أبي موسى: ويجتنب أكل كل ما ذبحه اليهود والنصارى لكنائسهم وأعيادهم، ولا يؤكل ما ذبح للزهرة (٩) .

стр. 594

والرواية الثانية: أن ذلك مكروه غير محرم، وهذه التي ذكرها القاضي وغيره. وأخذوا ذلك -فيما أظنه- مما نقله عبد الله بن أحمد، قال: سألت أبي عمن ذبح للزهرة، قال: لا يعجبني. قلت: أحرام أكله؟ قال: لا أقول حراما، ولكن لا يعجبني (١) . وذلك أنه أثبت الكراهة دون التحريم. ويمكن أن يقال: إنما توقف عن تسميته محرما؛ لأن ما اختلف في تحريمه وتعارضت فيه الأدلة، كالجمع بين الأختين المملوكتين (٢) ونحوه، هل يسمى حراما؟ على روايتين، كالروايتين عنه في أن ما اختلف في وجوبه، هل يسمى فرضا؟ على روايتين. ومن أصحابنا من أطلق الكراهة، ولم يفسر: هل أراد التحريم أو التنزيه؟ قال أبو الحسن الآمدي: ما ذبح لغير الله مثل الكنائس والزهرة والشمس والقمر. فقال أحمد: مما أهل لغير الله به (٣) أكرهه، كل ذبح لغير الله، والكنائس، وما ذبحوا في أعيادهم، أكرهه؛ فأما ما ذبح أهل الكتاب على معنى الذكاة فلا بأس به. وكذلك مذهب مالك، يكره ما ذبحه النصارى لكنائسهم، أو ذبحوا على اسم المسيح، أو الصليب، أو أسماء من مضى من أحبارهم ورهبانهم (٤) . وفي المدونة: " وكره مالك أكل ما ذبحه أهل الكتاب لكنائسهم، أو لأعيادهم، من غير تحريم، وتأول قول الله تعالى ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] (٥) قال

стр. 595

ابن القاسم: وكذلك ما ذبحوا وسموا عليه اسم المسيح، وهو بمنزلة ما ذبحوا لكنائسهم، ولا أرى أن يؤكل. ونقلت الرخصة في ذبائح الأعياد ونحوها، عن طائفة من الصحابة ﵃، وهذا فيما لم يسموا (١) غير الله. فإن سموا غير الله في عيدهم، أو غير عيدهم: حرم في أشهر الروايتين، وهو مذهب الجمهور، وهو مذهب الفقهاء الثلاثة فيما نقله غير واحد، وهو قول علي بن أبي طالب، وغيره من الصحابة، منهم أبو الدرداء (٢) وأبو أمامة، والعرباض بن سارية، وعبادة بن الصامت، وهو قول أكثر فقهاء الشام وغيرهم. والثانية: لا يحرم، وإن سموا غير الله، وهذا قول عطاء ومجاهد ومكحول والأوزاعي والليث. نقل ابن (٣) منصور: أنه قيل لأبي عبد الله: سئل سفيان عن رجل ذبح ولم يذكر اسم (٤) الله متعمدا، قال: أرى أن لا يؤكل، قيل له: أرأيت إن كان يرى أنه يجزي عنه فلم يذكر؟ قال: أرى أن لا يؤكل. قال أحمد: المسلم (٥) فيه اسم الله، يؤكل. ولكن قد أساء في ترك التسمية؛ النصارى: أليس يذكرون غير (٦) اسم الله.

стр. 596

ووجه الاختلاف أن هذا قد دخل في عموم قوله ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] (١) وفي عموم قوله ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] (٢) ؛ لأن هذه الآية تعم كل ما نطق به لغير الله. يقال: أهللت بكذا، إذا تكلمت به (٣) وإن كان أصله الكلام الرفيع، فإن الحكم لا يختلف برفع الصوت وخفضه، وإنما لما كانت عادتهم رفع الصوت في الأصل، خرج الكلام على ذلك، فيكون المعنى: وما تكلم به لغير الله وما نطق به لغير الله، ومعلوم أن ما حرم: أن يجعل غير (٤) الله مسمى، فكذلك منويا، إذ هذا مثل النيات في العبادات، فإن اللفظ بها وإن كان أبلغ، لكن الأصل القصد، ألا ترى أن المتقرب بالهدايا والضحايا سواء قال: أذبحه لله، أو سكت، فإن العبرة بالنية؟ وتسمية (٥) الله على الذبيحة، غير ذبحها لله، فإنه يسمى على ما يقصد به اللحم، وأما القربان فيذبح لله سبحانه، ولهذا قال النبي ﷺ في قربانه: (٦) " اللهم (٧) منك ولك " بعد قوله: " بسم الله والله أكبر " (٨)

стр. 597

اتباعا لقوله تعالى ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] (١) . والكافرون يصنعون بآلهتهم كذلك فتارة يسمون آلهتهم على الذبائح، وتارة (٢) (٢) يذبحونها قربانا إليهم، وتارة (٣) (٣) يجمعون بينهما، وكل ذلك -والله أعلم- يدخل فيما أهل لغير الله به، فإن من سمى غير الله فقد أهل به لغير الله، فقوله: (باسم كذا) استعانة به، وقوله (لكذا) (٤) عبادة له؛ ولهذا جمع الله بينهما في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] [ما ذبح على النصب] وأيضا، فإنه سبحانه حرم (٥) ما ذبح على النصب، وهي كل ما ينصب ليعبد من دون الله تعالى. وأما احتجاج أحمد على هذه المسألة بقوله تعالى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] (٦) فحيث اشترطت التسمية في ذبيحة المسلم؛ هل تشترط في ذبيحة الكتابي؟ على روايتين: وإن كان الخلال هنا قد ذكر عدم الاشتراط، فاحتجاجه بهذه الآية يخرج على إحدى الروايتين. فلما تعارض العموم الحاظر، وهو قول (٧) الله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] (٨) والعموم المبيح، وهو قوله:

стр. 598

﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] (١) اختلف العلماء في ذلك. والأشبه بالكتاب والسنة: ما دل عليه أكثر كلام أحمد من الحظر، وإن كان من متأخري أصحابنا من لم يذكر هذه الرواية بحال؛ وذلك لأن عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] (٢) عموم محفوظ لم تخص منه صورة، بخلاف طعام الذين أوتوا الكتاب، فإنه يشترط له الذكاة المبيحة (٣) فلو ذكى الكتابي في غير المحل المشروع لم تبح ذكاته، ولأن غاية الكتابي: أن تكون ذكاته كالمسلم، والمسلم لو ذبح لغير الله، أو ذبح باسم غير الله (٤) لم يبح، وإن كان يكفر بذلك، فكذلك الذمي؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥] (٥) سواء، وهم وإن كانوا يستحلون هذا، ونحن لا نستحله فليس كل ما استحلوه حل (٦) ولأنه قد تعارض دليلان، حاظر ومبيح، فالحاظر: أولى (٧) . ولأن الذبح لغير الله، وباسم غيره، قد علمنا يقينا أنه ليس من دين الأنبياء ﵈، فهو من الشرك الذي أحدثوه، فالمعنى الذي لأجله حلت ذبائحهم، منتف في هذا. والله أعلم. فإن قيل: أما إذا سموا عليه غير الله بأن يقولوا: باسم المسيح ونحوه، فتحريمه ظاهر، أما إذا لم يسموا أحدا، ولكن قصدوا الذبح للمسيح،

стр. 599

أو للكوكب (١) ونحوها، فما وجه تحريمه؟ قيل: قد (٢) تقدمت الإشارة إلى ذلك. وهو أن الله سبحانه قد حرم ما ذبح على النصب، وذلك يقتضي تحريمه، وإن كان ذابحه كتابيا، لأنه لو كان التحريم لكونه وثنيا، لم يكن فرق بين ذبحه على النصب وغيرها، ولأنه لما أباح لنا طعام أهل الكتاب، دل على أن طعام المشركين حرام، فتخصيص ما ذبح على الوثن يقتضي فائدة جديدة. وأيضا: فإنه ذكر تحريم ما ذبح على النصب، وما أهل به لغير الله؛ وقد دخل فيما أهل به لغير الله ما (٣) أهل به أهل الكتاب لغير الله فكذلك كل ما ذبح على النصب، فإذا ذبح الكتابي على ما قد نصبوه من التماثيل في الكنائس، فهو مذبوح على النصب، ومعلوم أن حكم ذلك لا يختلف بحضور الوثن وغيبته، فإنما حرم لأنه قصد بذبحه عبادة الوثن وتعظيمه، وهذه الأنصاب قد قيل: هي من الأصنام، وقيل: هي غير الأصنام. قالوا: كان حول البيت ثلاثمائة وستون حجرا، كان أهل الجاهلية يذبحون عليها، ويشرحون اللحم عليها، وكانوا يعظمون هذه الحجارة، ويعبدونها، ويذبحون عليها، وكانوا إذا شاءوا بدلوا هذه الحجارة بحجارة هي أعجب إليهم منها. ويدل على ذلك قول أبي ذر في حديث إسلامه: "حتى صرت كالنصب الأحمر " (٤) يريد أنه كان يصير أحمر من تلوثه بالدم.

стр. 600

وفي قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] قولان: أحدهما: أن نفس الذبح كان يكون عليها، كما ذكرناه، فيكون ذبحهم عليها تقربا إلى الأصنام، وهذا على قول من يجعلها غير الأصنام، فيكون الذبح عليها لأجل أن المذبوح عليها مذبوح للأصنام، أو مذبوح لها، وذلك يقتضي تحريم كل ما ذبح لغير الله، ولأن الذبح في البقعة لا تأثير له إلا من جهة الذبح لغير الله، كما كرهه النبي ﷺ من الذبح في مواضع أصنام المشركين، وموضع أعيادهم، وإنما يكره المذبوح في البقعة المعينة؛ لكونها محل شرك، فإذا وقع الذبح حقيقة لغير الله؛ كانت حقيقة التحريم قد وجدت فيه. والقول الثاني: أن الذبح على النصب، أي: لأجل النصب، كما قيل: أولم (١) على زينب بخبز ولحم (٢) وأطعم فلان على ولده، وذبح فلان على ولده، ونحو ذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] (٣) وهذا ظاهر على قول من يجعل النصب نفس الأصنام، ولا منافاة بين كون الذبح لها، وبين كونها كانت تلوث بالدم، وعلى هذا القول فالدلالة ظاهرة. واختلاف هذين القولين في قوله تعالى ﴿عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] (٤) نظير
следующие страницы →