← Акыда

Акыда · id 11620

اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم

ابن تيمية

Полный текст (951 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

مشمع (١) على أطرافه حجارة تمسكه، وكان السقف بارزا إلى السماء وبني كذلك لما احترق المسجد والمنبر سنة بضع وخمسين وستمائة (٢) وظهرت النار بأرض الحجاز، التي أضاءت لها أعناق الإبل ببصرى (٣) وجرت بعدها فتنة الترك (٤) ببغداد وغيرها (٥) . ثم عمر المسجد والسقف كما كان، وأحدث حول الحجرة الحائط الخشبي، ثم بعد ذلك بسنين متعددة بنيت القبة على السقف، وأنكره من كرهه (٦) .

стр. 737

على أنا قد روينا في مغازي محمد بن إسحاق من زيادات يونس بن بكير (١) عن أبي خلدة خالد بن دينار، حدثنا أبو العالية (٢) قال: " لما فتحنا تستر (٣) وجدنا في بيت مال (٤) الهرمزان (٥) سريرا عليه رجل ميت، عند رأسه مصحف له، فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر ﵁ فدعا له كعبا (٦) فنسخه بالعربية، فأنا أول رجل من العرب قرأه قراءة مثلما أقرأ القرآن هذا، فقلت لأبي العالية: ما كان فيه؟ ، قال: " سيرتكم وأموركم ولحون كلامكم، وما هو كائن بعد " قلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال: " حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبرا متفرقة، فلما كان بالليل دفناه، وسوينا القبور كلها لنعميه على الناس لا ينبشونه " فقلت: ما يرجون (٧) منه؟ قال: " كانت السماء إذا حبست عنهم برزوا

стр. 738

بسريره (١) فيمطرون ". فقلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: " رجل يقال له دانيال " (٢) فقلت: منذ كم وجدتموه مات؟ قال: " منذ ثلاثمائة سنة ". قلت: ما كان تغير منه شيء؟ قال: " لا، إلا شعيرات من قفاه، إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض، ولا تأكلها السباع " (٣) . ففي هذه القصة (٤) ما فعله المهاجرون والأنصار من تعمية (٥) قبره، لئلا يفتتن به الناس، وهو إنكار منهم لذلك. ويذكر (٦) أن قبر أبي أيوب الأنصاري عند أهل القسطنطينية كذلك، ولا قدوة بهم (٧) فقد كان من قبور أصحاب رسول الله ﷺ بالأمصار عدد كثير، وعندهم التابعون، ومن بعدهم من الأئمة، وما استغاثوا عند قبر صاحب قط، ولا استسقوا عند قبره (٨) ولا به، ولا استنصروا عنده ولا به. ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، بل على نقل ما هو دونه. ومن تأمل كتب الآثار، وعرف حال السلف، تيقن قطعا أن القوم ما كانوا يستغيثون

стр. 739

عند القبور، ولا يتحرون الدعاء عندها أصلا، بل كانوا ينهون عن ذلك من كان يفعله من جهالهم. كما قد ذكرنا بعضه. فلا يخلو: إما أن يكون الدعاء عندها أفضل منه في غير تلك البقعة، أو لا يكون. فإن كان أفضل لم يجز أن يخفى علم هذا عن الصحابة والتابعين وتابعيهم؛ فتكون القرون الثلاثة الفاضلة جاهلة بهذا الفضل العظيم، ويعلمه من بعدهم. ولم يجز أن يعلموا ما فيه من الفضل العظيم (١) ويزهدوا فيه، مع حرصهم على كل خير، لا سيما الدعاء، فإن المضطر يتشبث بكل سبب، وإن كان فيه نوع كراهة، فكيف يكونون مضطرين في كثير من الدعاء، وهم يعلمون فضل الدعاء عند القبور، ثم لا يقصدونه (٢) ؟ هذا محال طبعا وشرعا. وإن لم يكن الدعاء عندها أفضل، كان قصد الدعاء عندها ضلالة ومعصية، كما لو تحرى الدعاء وقصده عند سائر البقاع التي لا فضيلة للدعاء عندها، من شطوط الأنهار، ومغارس الأشجار وحوانيت الأسواق، وجوانب الطرقات، وما لا يحصي عدده إلا الله. وهذا الدليل قد دل عليه كتاب الله في غير موضع، مثل قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] (٣) فإذا لم يشرع الله استحباب الدعاء عند المقابر ولا وجوبه؛ فمن شرعه فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] (٤)

стр. 740

وهذه العبادة عند المقابر نوع من أن يشرك بالله ما لم ينزل به سلطانًا، لأن الله لم ينزل حجة تتضمن استحباب قصد الدعاء عند القبور وفضله على غيره. ومن جعل ذلك من دين الله فقد قال على الله ما لا يعلم (١) . وما أحسن قوله تعالى: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [الأعراف: ٣٣] لئلا يحتج بالمقاييس والحكايات. ومثل هذا قوله تعالى في حكايته عن الخليل: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ - وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ - وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٨٠ - ٨٣] (٢) . فإن هؤلاء المشركين الشرك الأكبر والأصغر يخوفون المخلصين بشفعائهم (٣) فيقال لهم (٤) نحن لا نخاف هؤلاء الشفعاء الذين لكم، فإنهم خلق من خلق الله، لا يضرون إلا بعد مشيئة الله، فمن مسه بضر فلا كاشف له إلا هو، ومن أصابه برحمة فلا راد لفضله وكيف نخاف هؤلاء المخلوقين الذين جعلتموهم شفعاء وأنتم لا تخافون الله، وقد أحدثتم (٥) في دينه من الشرك ما لم

стр. 741

ينزل به وحيا من السماء؟! فأي الفريقين أحق بالأمن؟ من كان لا يخاف إلا الله، ولم يبتدع في دينه شركاء، أم من ابتدع في دينه شركا بغير إذنه؟ بل من آمن ولم يخلط إيمانه بشرك فهؤلاء من (١) المهتدين. وهذه الحجة المستقيمة التي يرفع الله بها وبأمثالها أهل العلم. فإن قيل: فقد نقل عن بعضهم أنه قال: " قبر معروف (٢) الترياق المجرب (٣) وروي عن معروف أنه أوصى ابن أخيه أن يدعو عند قبره. وذكر أبو علي الخرقي (٤) في قصص مَنْ هجره أحمد، أن بعض هؤلاء المهجورين كان يجيء عند قبر أحمد، ويتوخى الدعاء عنده، وأظنه ذكر ذلك للمروذي (٥) ونقل عن جماعات أنهم دعوا عند قبور جماعات من الأنبياء والصالحين، من أهل البيت وغيرهم، فاستجيب لهم الدعاء، وعلى هذا عمل كثير من الناس. وقد ذكر العلماء (٦) المصنفون في مناسك الحج إذا زار قبر النبي ﷺ

стр. 742

فإنه يدعو عنده، وذكر بعضهم أنه من صلى عليه سبعين مرة عند قبره ودعا استجيب له. وذكر بعض الفقهاء في حجة من يجوز القراءة على القبر: أنها بقعة يجوز السلام والذكر والدعاء عندها، فجازت القراءة (١) كغيرها. وقد رأى بعضهم منامات في الدعاء عند قبر بعض الأشياخ، وجرب أقوام استجابة الدعاء عند قبور معروفة، كقبر الشيخ أبي الفرج الشيرازي المقدسي (٢) وغيره. وقد أدركنا في أزماننا وما قاربها من ذوي الفضل (٣) علما وعملا من كان يتحرى الدعاء عندها أو العكوف عليها، وفيهم من كان بارعا في العلم، وفيهم من كان له (٤) كرامات، فكيف يخالف هؤلاء؟ وإنما ذكرت هذا السؤال مع بعده عن طريق (٥) العلم والدين، لأنه غاية ما يتمسك به المقبريون (٦) . [رد القول بأن الأمة أجمعت على استحسان الدعاء عند القبور] قلنا: الذي ذكرنا كراهته، لا ينقل في استحبابه - فيما علمناه - شيء

стр. 743

ثابت، عن القرون الثلاثة التي أثنى النبي ﷺ (١) عليها حيث قال: «خير أمتي القرن الذي بعثت فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (٢) مع شدة المقتضي فيهم (٣) لذلك (٤) لو كان فيه فضيلة، فعدم (٥) أمرهم وفعلهم لذلك مع قوة المقتضي لو كان فيه فضل يوجب (٦) القطع بأن لا فضل فيه. وأما من بعد هؤلاء، فأكثر ما يفرض: أن الأمة اختلفت، فصار كثير من العلماء أو الصديقين إلى فعل (٧) ذلك، وصار بعضهم إلى النهي عن ذلك، فإنه لا يمكن أن يقال: قد أجمعت الأمة على استحسان ذلك لوجهين: أحدهما: أن كثيرا من الأمة كره ذلك وأنكره، قديما وحديثا. الثاني: أنه من الممتنع أن تتفق الأمة على استحسان فعل لو كان حسنا لفعله المتقدمون، ولم يفعلوه، فإن هذا من باب تناقض الإجماعات، وهي لا تتناقض، وإذا اختلف فيه المتأخرون فالفاصل بينهم: هو الكتاب والسنة،

стр. 744

وإجماع المتقدمين نصا واستنباطا، فكيف (١) - والحمد لله - لا ينقل هذا عن إمام معروف، ولا عالم متبع؟ بل المنقول في ذلك إما أن يكون كذبا على صاحبه، مثل ما حكى بعضهم عن الشافعي أنه قال: " إني إذا نزلت بي شدة أجيء فأدعو عند قبر أبي حنيفة فأجاب " أو كلاما هذا معناه. وهذا كذلك معلوم كذبه بالاضطرار عند من له (٢) معرفة بالنقل، فإن الشافعي لما قدم بغداد لم يكن ببغداد قبر ينتاب للدعاء عنده البتة، بل ولم يكن هذا على عهد الشافعي معروفا، وقد رأى الشافعي بالحجاز واليمن والشام والعراق ومصر من قبور الأنبياء والصحابة والتابعين، من كان أصحابها عنده وعند المسلمين، أفضل من أبي حنيفة، وأمثاله من العلماء. فما باله لم يتوخَّ الدعاء إلا عنده (٣) ؟ ثم أصحاب أبي حنيفة الذين أدركوه، مثل أبي يوسف ومحمد (٤) وزفر (٥) والحسن بن زياد (٦) وطبقتهم، لم يكونوا يتحرون الدعاء، لا عند قبر أبي حنيفة ولا غيره.

стр. 745

ثم قد تقدم عند الشافعي ما هو ثابت في كتابه من كراهة تعظيم قبور المخلوقين (١) خشية الفتنة بها، وإنما يضع مثل هذه الحكايات من يقل علمه ودينه. وإما أن يكون المنقول من هذه الحكايات عن مجهول لا يعرف، ونحن لو روي لنا مثل هذه الحكايات المسيبة (٢) أحاديث عمن لا ينطق عن الهوى، لما جاز التمسك بها حتى تثبت. فكيف بالمنقول عن غيره؟ ومنها ما قد يكون صاحبه قاله أو فعله، باجتهاد يخطئ ويصيب، أو قاله بقيود وشروط كثيرة على وجه لا محذور فيه، فحرف النقل عنه، كما أن النبي ﷺ لما أذن في زيارة القبور بعد النهي (٣) فهم المبطلون أن ذلك هو الزيارة (٤) التي يفعلونها، من حجها للصلاة عندها، والاستغاثة (٥) بها. ثم سائر هذه الحجج دائرة بين نقل لا يجوز إثبات الشرع به، أو قياس لا يجوز استحباب العبادات بمثله، مع العلم بأن الرسول ﷺ لم يشرعها، وتركه (٦) مع قيام المقتضي للفعل بمنزلة فعله، وإنما يثبت العبادات بمثل هذه الحكايات والمقاييس - من غير نقل عن الأنبياء - (٧) النصارى وأمثالهم. وإنما المتبع في إثبات أحكام الله (٨) كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وسبيل

стр. 746

السابقين أو الأولين، لا يجوز إثبات حكم شرعي بدون هذه الأصول الثلاثة، نصا واستنباطا بحال. والجواب عنها من وجهين: مجمل ومفصل. * أما المجمل: فالنقض: فإن اليهود والنصارى عندهم من الحكايات والقياسات من هذا النمط كثير، بل المشركون الذين بعث إليهم رسول الله ﷺ كانوا يدعون عند أوثانهم فيستجاب لهم أحيانا، كما قد يستجاب لهؤلاء أحيانا، وفي وقتنا هذا عند النصارى من هذا طائفة، فإن كان هذا وحده دليلا على أن الله يرضى ذلك ويحبه، فليطرد الدليل (١) . وذلك (٢) كفر متناقض. ثم إنك تجد كثيرا من هؤلاء الذين يستغيثون، عند قبر أو غيره، كل منهم قد اتخذ وثنا أحسن به الظن، وأساء الظن بآخر، وكل منهم يزعم أن وثنه يستجاب عنده، ولا يستجاب عند غيره، فمن المحال إصابتهم جميعا، وموافقة بعضهم دون بعض تحكم، وترجيح بلا مرجح، والتدين بدينهم جميعا جمع بين الأضداد. فإن أكثر هؤلاء إنما يكون تأثرهم - فيما يزعمون - بقدر إقبالهم على وثنهم، وانصرافهم عن غيره، وموافقتهم جميعا فيما يثبتونه - دون ما ينفونه -، بضعف التأثير على زعمهم، فإن الواحد (٣) إذا أحسن الظن بالإجابة عند هذا وهذا، لم يكن تأثره مثل تأثر الحسن (٤)

стр. 747

الظن بواحد دون آخر. وهذه كلها من خصائص الأوثان. ثم قد استجيب لبلعم بن باعور (١) في قوم موسى المؤمنين وسلبه الله الإيمان. والمشركون قد يستسقون فيسقون، ويستنصرون فينصرون. وأما الجواب المفصل فنقول: مدار هذه الشبه على أصلين: منقول: وهو ما يحكى من فعل هذا الدعاء عن (٢) بعض الأعيان. ومعقول: وهو ما يعتقد من منفعته بالتجارب والأقيسة. فأما النقل في ذلك: فإما كذب، أو غلط، أو ليس بحجة، بل قد ذكرنا النقل عمن يقتدى به بخلاف ذلك. وأما المعقول فنقول: عامة المذكور من المنافع كذب، فإن هؤلاء الذين يتحرون الدعاء عند القبور وأمثالهم - إنما يستجاب لهم في النادر. ويدعو الرجل منهم ما شاء الله من دعوات، فيستجاب له في واحدة، ويدعو خلق كثير منهم، فيستجاب للواحد بعد الواحد وأين هذا من الذين يتحرون الدعاء أوقات الأسحار، ويدعون الله في سجودهم وأدبار صلاتهم، وفي بيوت الله؟ فإن هؤلاء إذا ابتهلوا (٣) من جنس ابتهال المقابريين (٤) لم تكد تسقط لهم دعوة إلا لمانع.

стр. 748

بل الواقع أن الابتهال الذي يفعله المقابريون (١) إذا فعله المخلصون، لم يرد المخلصون إلا نادرا، ولم يستجب للمقابريين (٢) إلا نادرا، والمخلصون كما قال النبي ﷺ : «ما من عبد يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى خصال ثلاث: إما أن يعجل الله له دعوته، أو يدخر (٣) له من الخير مثلها، أو يصرف عنه من الشر مثلها، قالوا: يا رسول الله، إذن نكثر. قال: الله أكثر» (٤) . فهم في دعائهم لا يزالون بخير. وأما المقبريون: فإنهم إذا استجيب لهم نادرا، فإن أحدهم يضعف توحيده، ويقل نصيبه من ربه، ولا يجد في قلبه من ذوق الإيمان وحلاوته ما كان يجده السابقون الأولون. ولعله لا يكاد يبارك له (٥) في حاجته، اللهم إلا أن يعفو الله عنهم لعدم علمهم بأن ذلك بدعة، فإن المجتهد إذا أخطأ أثابه الله على اجتهاده، وغفر له خطأه. وجميع الأمور التي يظن أن لها تأثيرا في العالم وهي محرمة في الشرع، كالتمريجات (٦) الفلكية، والتوجهات النفسانية. كالعين، والدعاء المحرم،

стр. 749

والرقى المحرمة، أو التمريجات الطبيعية. ونحو ذلك، فإن مضرتها أكثر من منفعتها حتى في نفس ذلك المطلوب، فإن هذه الأمور لا يطلب بها غالبا إلا أمور دنيوية، فقل أن يحصل (١) لأحد بسببها أمر دنيوي إلا كانت عاقبته فيه في الدنيا عاقبة خبيثة. دع الآخرة. والمخفق (٢) من أهل هذه الأسباب أضعاف أضعاف المنجح، ثم إن فيها من النكد (٣) والضرر ما الله به عليم. فهي في نفسها مضرة ولا يكاد يحصل الغرض بها إلا نادرا وإذا حصل فضرره أكثر من نفعه (٤) . والأسباب المشروعة في حصول هذه المطالب، المباحة أو المستحبة سواء كانت طبيعية: كالتجارة والحراثة، أو كانت دينية: كالتوكل على الله والثقة به، وكدعاء الله سبحانه على الوجه المشروع، في الأمكنة والأزمنة التي فضلها الله ورسوله، بالكلمات المأثورة عن إمام المتقين ﷺ ، وكالصدقة، وفعل المعروف (٥) يحصل بها الخير المحض أو الغالب. وما يحصل من ضرر بفعل مشروع، أو ترك غير مشروع (٦) مما نهي عنه، فإن ذلك الضرر مكثور في جانب ما يحصل من المنفعة.

стр. 750

وهذا الأمر، كما أنه قد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع، فهو أيضا معقول بالتجارب المشهورة والأقيسة الصحيحة، فإن الصلاة والزكاة يحصل بهما خير الدنيا والآخرة، ويجلبان كل خير، ويدفعان كل شر. فهذا الكلام في بيان أنه لا يحصل بتلك الأسباب المحرمة لا خير محض، ولا غالب، ومن كان له خبرة بأحوال العالم (١) وعقل، تيقن ذلك يقينا لا شك فيه. وإذا ثبت ذلك: فليس علينا من سبب (٢) التأثير أحيانا، فإن الأسباب التي يخلق الله بها الحوادث في الأرض والسماء، لا يحصيها على الحقيقة إلا هو، أما أعيانها فبلا ريب - وكذلك أنواعها أيضا - لا يضبطها المخلوق (٣) لسعة ملكوت الله ، ولهذا كانت طريقة الأنبياء ﵈، أنهم يأمرون الخلق بما فيه صلاحهم، وينهونهم عما فيه فسادهم، ولا يشغلونهم بالكلام في أسباب الكائنات كما تفعل المتفلسفة، فإن ذلك كثير التعب، قليل الفائدة، أو موجب للضرر. ومثال النبي ﷺ مثال طبيب دخل على مريض، فرأى مرضه فعلمه، فقال له: اشرب كذا، واجتنب كذا. ففعل ذلك، فحصل غرضه من الشفاء. والمتفلسف قد يطول معه الكلام في سبب ذلك المرض، وصفته، وذمه وذم ما أوجبه. ولو قال له المريض: فما الذي يشفيني منه؟ لم يكن له بذلك علم تام. والكلام (٤) في بيان تأثير بعض هذه الأسباب قد يكون فيه فتنة لمن ضعف

стр. 751

عقله ودينه، بحيث تختطف (١) عقله فيتأله (٢) إذا لم يرزق من العلم والإيمان ما يوجب له الهدى واليقين. ويكفي العاقل أن يعلم أن ما سوى المشروع لا يؤثر بحال، فلا منفعة فيه، أو أنه وإن أثر فضرره أكثر من نفعه. ثم سبب قضاء حاجة بعض هؤلاء الداعين الأدعية المحرمة: أن الرجل منهم قد يكون مضطرًّا ضرورة لو دعا الله بها مشرك عند وثن لاستجيب له، لصدق توجهه إلى الله، وإن كان تحري الدعاء عند الوثن شركا. ولو (٣) استجيب له على يد المتوسل به، صاحب القبر أو غيره لاستغاثته، فإنه يعاقب على ذلك ويهوي به في النار إذا لم يعف الله عنه، كما لو طلب من الله ما يكون فتنة له. كما أن ثعلبة (٤) لما سأل النبي ﷺ أن يدعو له بكثرة المال، ونهاه النبي ﷺ عن ذلك مرة بعد مرة فلم ينته حتى دعا له، وكان ذلك سبب شقائه في الدنيا والآخرة. وقد " قال النبي ﷺ : «إن الرجل ليسألني المسألة فأعطيه إياها، فيخرج بها يتأبطها نارا "، فقالوا: يا رسول الله فلم تعطيهم؟ قال: " يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل» (٥) .

стр. 752

فكم من عبد دعا دعاء غير مباح، فقضيت حاجته في ذلك الدعاء، وكان سبب هلاكه في الدنيا والآخرة، تارة بأن يسأل ما لا تصلح له مسألته، كما فعل بلعام وثعلبة، وكخلق كثير دعوا بأشياء فحصلت لهم، وكان فيها هلاكهم. وتارة بأن يسأل على الوجه الذي لا يحبه الله كما قال سبحانه: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥] (١) فهو سبحانه لا يحب المعتدين في صفة (٢) الدعاء، ولا في المسؤول، وإن كانت حاجتهم قد تقضى، كأقوام ناجوا الله في دعواتهم بمناجاة فيها جرأة على الله، واعتداء لحدوده، وأعطوا طلبتهم فتنة، ولما يشاء سبحانه، بل أشد من ذلك. ألست ترى السحر والطلسمات (٣) والعين وغير ذلك، من المؤثرات في العالم بإذن الله، قد يقضى (٤) بها كثير من أغراض النفوس (٥) ومع هذا فقد قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ - وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢ - ١٠٣] (٦) . فإنهم معترفون بأنه لا ينفع في الآخرة، وأن صاحبه خاسر في الآخرة، وإنما يتشبثون بمنفعته في الدنيا. وقد قال تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢] (٧) . وكذلك أنواع من الداعين والسائلين قد يدعون دعاء محرما، يحصل معه

стр. 753

ذلك الغرض، ويورثهم ضررا أعظم منه، وقد يكون الدعاء مكروها ويستجاب له أيضا. ثم هذا التحريم والكراهة قد يعلمه الداعي، وقد لا يعلمه، على وجه لا يعذر فيه بتقصير في طلب العلم، أو ترك للحق، وقد لا يعلمه على وجه يعذر فيه، بأن يكون فيه مجتهدًا، أو مقلدا، كالمجتهد والمقلد اللذين يعذران في سائر الأعمال، وغير المعذور قد يتجاوز عنه في ذلك الدعاء؛ لكثرة حسناته وصدق قصده، أو لمحض رحمة الله به، أو نحو ذلك من الأسباب. فالحاصل: أن ما يقع من الدعاء المشتمل على كراهة شرعية (١) بمنزلة سائر أنواع العبادات. وقد علم (٢) أن العبادة المشتملة على وصف مكروه قد تغفر تلك الكراهة (٣) لصاحبها، لاجتهاده أو تقليده، أو حسناته أو غير ذلك. ثم ذلك لا يمنع أن يعلم أن ذلك مكروه ينهى (٤) عنه، وإن كان هذا الفاعل المعين (٥) قد زال موجب الكراهة في حقه. [أثر العبادة والدعاء عند القبور ليس دليلا على استحسانها] ومن هنا يغلط كثير من الناس، فإنهم يبلغهم أن بعض الأعيان من الصالحين عبدوا عبادة، أو دعوا دعاء، ووجدوا أثر تلك العبادة وذلك الدعاء، فيجعلون ذلك دليلا على استحسان تلك العبادة والدعاء، ويجعلون ذلك العمل سنة، كأنه قد فعله نبي، وهذا غلط، لما ذكرناه. خصوصا إذا كان ذلك العمل إنما كان أثره بصدق قام بقلب فاعله حين الفعل، ثم يفعله الأتباع صورة لا صدقا، فيضرون به (٦) لأنه ليس العمل مشروعا فيكون (٧) لهم ثواب

стр. 754

المتبعين، ولا قام بهم (١) صدق ذلك الفاعل الذي (٢) لعله بصدق الطلب وصحة القصد يكفر عن الفاعل. ومن هذا الباب ما يحكى من آثار لبعض الشيوخ، حصلت في السماع المبتدع، فإن (٣) تلك الآثار، إنما كانت عن أحوال قامت بقلوب أولئك الرجال، حركها محرك كانوا في سماعه إما مجتهدين، وإما (٤) مقصرين تقصيرا غمره حسنات قصدهم، فيأخذ الأتباع حضور صورة السماع وليس حضور أولئك الرجال سنة تتبع، ولا مع المقتدين (٥) من الصدق والقصد ما لأجله عذروا، أو غفر لهم، فيهلكون بذلك. وكما يحكى عن بعض الشيوخ، أنه رئي بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: أوقفني بين يديه وقال لي: يا شيخ السوء، أنت الذي كنت تتمثل بسُعدى ولُبنى؟ لولا أني (٦) أعلم أنك صادق لعذبتك. فإذا سمعت دعاء، أو مناجاة مكروهة في الشرع قد قضيت حاجة صاحبها (٧) فكثير ما يكون من هذا الباب. ولهذا كان الأئمة، العلماء بشريعة الله، يكرهون هذا من أصحابهم وإن وجد أصحابهم أثره، كما يحكى عن سمنون (٨) المحب قال: وقع في قلبي شيء من هذه الآيات، إلى دجلة.

стр. 755

فقلت: وعزتك لا أذهب حتى يخرج لي حوت. فخرج حوت عظيم، أو كما قال. قال: فبلغ ذلك الجنيد، فقال: كنت أحب أن تخرج إليه حية فتقتله. وكذلك حكي لنا أن بعض المجاورين بالمدينة، جاء إلى عند قبر النبي ﷺ فاشتهى عليه نوعا من الأطعمة، فجاء بعض الهاشميين إليه، فقال: إن النبي ﷺ بعث لك ذلك (١) وقال لك: اخرج من عندنا، فإن من يكون عندنا لا يشتهي مثل هذا. وآخرون قضيت حوائجهم، ولم يقل لهم مثل (٢) هذا، لاجتهادهم أو تقليدهم، أو قصورهم في العلم، فإنه يغفر للجاهل ما لا يغفر لغيره، كما يحكى عن برخ العابد (٣) الذي استسقى في بني إسرائيل. ولهذا عامة ما يحكى في هذا الباب، إنما هو عن قاصري المعرفة، ولو كان هذا شرعا ودينا لكان أهل المعرفة أولى به. ولا يقال: هؤلاء لما نقصت معرفتهم ساغ لهم ذلك، فإن الله لم يسوغ هذا لأحد، لكن قصور المعرفة قد يرجى معه العفو والمغفرة. أما استحباب المكروهات، أو إباحة المحرمات، فلا نفرق بين العفو عن

стр. 756

الفاعل والمغفرة له، وبين إباحة فعله أو المحبة له (١) سواء كان ذلك متعلقا بنفس الفعل، أو ببعض صفاته. وقد علمت جماعة ممن سأل حاجته من بعض المقبورين (٢) من الأنبياء والصالحين. فقضيت حاجته، وهو لا يخرج عما ذكرته، وليس ذلك بشرع (٣) فيتبع (٤) ولا سنة وإنما يثبت استحباب الأفعال واتخاذها دينا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وما كان عليه السابقون الأولون، وما سوى هذه (٥) من الأمور المحدثة فلا يستحب، وإن اشتملت أحيانا على فوائد، لأنا نعلم أن مفاسدها راجحة على فوائدها. ثم هذا التحريم أو الكراهة المقترنة بالأدعية المكروهة، إما من جهة المطلوب، وإما من جهة نفس الطلب، وكذلك الاستعاذة المحرمة أو المكروهة فكراهتها: إما من جهة المستعاذ منه، وإما من جهة نفس الاستعاذة، فينجون من ذلك (٦) الشر، ويقعون فيما هو أعظم منه. أما المطلوب المحرم، فمثل أن يسأل ما يضره في (٧) دنياه أو آخرته، وإن كان لا يعلم أنه يضره، فيستجاب له، «كالرجل الذي عاده (٨) النبي ﷺ ، فوجده مثل الفرخ فقال: " هل كنت تدعو الله بشيء؟ " قال: كنت أقول: اللهم

стр. 757

ما كنت معاقبني به في الآخرة فعجله لي (١) في الدنيا. قال: " سبحان الله إنك لا تسطيعه - أو لا تطيقه - هلا قلت: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار؟» (٢) وكأهل جابر بن عتيك (٣) لما مات، فقال النبي ﷺ : «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون» (٤) . وقد عاب الله على من يقتصر على طلب الدنيا بقوله: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ٢٠٠] (٥) فأخبر أن من لم يطلب إلا الدنيا لم يكن له في الآخرة من (٦) نصيب.

стр. 758

ومثل أن يدعو على غيره دعاء منهيا عنه، كدعاء بلعم بن باعور على قوم موسى ﵇، وهذا قد يبتلى به كثير من العباد أرباب القلوب، فإنه قد يغلب على أحدهم ما يجده من حب أو بغض لأشخاص، فيدعو لأقوام وعلى أقوام بما لا يصلح، فيستجاب له، ويستحق العقوبة على ذلك الدعاء، كما يستحقها على سائر الذنوب، فإن لم يحصل له ما يمحوه، من توبة أو حسنات ماحية، أو شفاعة غيره، أو غير ذلك، وإلا فقد يعاقب، إما بأن يسلب ما كان عنده من ذوق طعم الإيمان ووجود حلاوته، فينزل عن درجته، وإما أن يسلب عمل الإيمان، فيصير فاسقا، وإما بأن يسلب أصل الإيمان، فيصير كافرا منافقا، أو غير (١) منافق. وما أكثر ما يبتلى بمثل هذا (٢) المتأخرون من أرباب الأحوال القلبية، بسبب عدم فقههم في أحوال قلوبهم، وعدم معرفة شريعة الله في أعمال القلوب، وربما غلب على أحدهم حال قلبه، حتى لا يمكنه صرفه عما توجه إليه، فيبقى ما يخرج منه مثل السهم الخارج من القوس. وهذه الغلبة إنما تقع غالبا بسبب التقصير في الأعمال المشروعة، التي تحفظ حال (٣) القلب، فيؤاخذ على ذلك، وقد تقع بسبب اجتهاد يخطئ صاحبه، فتقع معفوا عنها. ثم من غرور هؤلاء وأشباههم، اعتقادهم أن استجابة مثل هذا الدعاء كرامة من الله تعالى لعبده، وليس في الحقيقة كرامة، وإنما تشبه الكرامة من جهة أنها دعوة نافذة، وسلطان قاهر (٤) . وإنما الكرامة في الحقيقة: ما نفعت في الآخرة، أو نفعت في الدنيا ولم تضر في الآخرة، وإنما هذا

стр. 759

بمنزلة ما ينعم به (١) الكفار والفساق، من الرياسات والأموال في الدنيا، فإنها إنما تصير نعمة حقيقية، إذا لم تضر صاحبها في الآخرة، ولهذا اختلف أصحابنا وغيرهم من العلماء: هل ما ينعم به الكافر، نعمة أو ليس (٢) بنعمة؟ وإن كان الخلاف لفظيا. قال الله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ - نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦] (٣) وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] (٤) . وفي الحديث: «إذا رأيت الله ينعم على العبد مع إقامته على معصيته، فإنما هو استدراج يستدرجه» (٥) " (٦) . ومثال هذا في الاستعاذة: «قول المرأة التي جاء (٧) النبي ﷺ ليخطبها فقالت: أعوذ بالله منك، فقال: " لقد عذت بمعاذ ". ثم انصرف عنها، فقيل

стр. 760

لها: إن هذا النبي ﷺ ، فقالت: أنا كنت أشقى من ذلك» (١) ". وأما التحريم من جهة الطلب: فيكون تارة لأنه دعاء لغير الله، مثل ما يفعله السحرة من مخاطبة الكواكب، وعبادتها ونحو ذلك، فإنه قد يقتضي عقب ذلك أنواعا من القضاء، إذا لم يعارضه معارض، من دعاء أهل الإيمان وعبادتهم، أو غير ذلك ولهذا تنفذ هذه الأمور في أزمان فترة الرسل، وفي بلاد الكفر والنفاق، ما لا تنفذ في دار الإيمان (٢) وزمانه. ومن هذا: أني أعرف رجالا يستغيثون ببعض الأحياء في شدائد (٣) تنزل بهم، فيفرج عنهم، وربما يعاينون أمورا، وذلك الحي المستغاث به لم يشعر بذلك، ولا علم به البتة، وفيهم من يدعو على أقوام، أو يتوجه في إيذائهم، فيرى بعض الأحياء (٤) أو بعض الأموات يحول بينه وبين إيذاء أولئك، وربما رآه ضاربا له بسيف، وإن كان الحايل (٥) لا شعور له بذلك، وإنما ذلك من فعل الله سبحانه، بسبب يكون بين المقصود وبين الرجل الدافع، من اتباع له، وطاعته فيما يأمره من طاعة الله، ونحو ذلك. فهذا قريب. وقد يجري لعباد الأصنام أحيانا من الجنس المحرم، (٦) محنة من الله، بما تفعله الشياطين لأعوانهم، فإذا كان الأثر قد يحصل عقب دعاء من قد (٧) تيقن أنه لم يسمع الدعاء، فكيف يتوهم أنه هو الذي تسبب في ذلك، أو أن له فيه فعلا؟ .

стр. 761

وإذا قيل: إن الله يفعله بذلك السبب، فإذا كان السبب محرما لم يجز، كالأمراض التي يحدثها الله عقب أكل السموم، وقد يكون الدعاء المحرم في نفسه دعاء لغير الله، وأن يدعو الله (١) كما تقول النصارى: يا والدة الإله اشفعي لنا إلى الإله. وقد يكون دعاء لله (٢) لكنه توسل إليه بما لا يُحب أن يتوسل به، كالمشركين (٣) الذين يتوسلون إلى الله بأوثانهم، وقد يكون دعاء لله (٤) بكلمات لا تصلح أن يناجى بها الله، ويدعى بها، لما في ذلك من الاعتداء. فهذه الأدعية ونحوها، وإن كان قد يحصل لصاحبها أحيانا غرضه، لكنها محرمة، لما فيها من الفساد الذي يربي (٥) على منفعتها، كما تقدم. ولهذا كانت هذه فتنة في حق من لم يهده (٦) الله، وينور قلبه، ويفرق بين أمر (٧) التكوين وأمر التشريع، ويفرق بين القدر والشرع (٨) ويعلم أن الأقسام ثلاثة: * أمور قدرها الله، وهو لا يحبها ولا (٩) يرضاها، فإن الأسباب المحصلة لهذه تكون محرمة موجبة لعقابه. * وأمور شرعها فهو يحبها من العبد ويرضاها، لكن لم يعنه على

стр. 762

حصولها، فهذه محمودة عنده (١) مرضية، وإن لم توجد. * والقسم الثالث: أن يعين الله العبد على ما يحبه منه. فالأول: إعانة الله. والثاني: عبادة الله. والثالث: جمع له بين العبادة والإعانة. كما قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] فما كان من الدعاء غير المباح إذا أثر: فهو من باب الإعانة لا العبادة (٢) كسائر الكفار والمنافقين والفساق. ولهذا قال تعالى في مريم: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ [التحريم: ١٢] (٣) «وكان النبي ﷺ يستعيذ " بكلمات الله التامات التي لا يجاوزها بر ولا فاجر» (٤) . ومن رحمة الله تعالى، أن الدعاء المتضمن شركًا، كدعاء غيره أن يفعل، أو دعائه أن يدعو، ونحو ذلك - لا يحصل غرض صاحبه، ولا يورث حصول الغرض شبهة (٥) إلا في الأمور الحقيرة، فأما الأمور العظيمة، كإنزال الغيث عند القحوط، أو كشف العذاب النازل، فلا ينفع فيه هذا الشرك. كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠ - ٤١] (٦) .

стр. 763

وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧] (١) . وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ﴾ [النمل: ٦٢] (٢) . وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا - أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٦ - ٥٧] (٣) . وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ - قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٣ - ٤٤] (٤) . فكون (٥) هذه المطالب العظيمة لا يستجيب فيها إلا هو سبحانه، دل على توحيده، وقطع شبهة من أشرك به، وعلم بذلك أن ما دون هذا أيضًا من الإجابات إنما فعلها هو سبحانه (٦) وحده لا شريك له، وإن كانت تجري بأسباب محرمة أو مباحة، كما أن خلقه السماوات والأرض والرياح والسحاب، وغير ذلك من الأجسام العظيمة، دل على وحدانيته، وأنه خالق لكل شيء، وأن

стр. 764

ما دون هذا بأن يكون خلقًا له أولى، إذ هو منفعل (١) عن مخلوقاته العظيمة، فخالق السبب التام، خالق للمسبب لا محالة. [أنواع الشرك] وجماع الأمر: أن الشرك نوعان: * شرك في ربوبيته: بأن يجعل لغيره معه تدبيرًا ما، كما قال سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢] (٢) فبين سبحانه أنهم لا يملكون ذرة (٣) استقلالا، ولا يشركونه في شيء من ذلك. ولا يعينونه على ملكه، ومن لم يكن مالكًا ولا شريكًا ولا عونًا، فقد انقطعت علاقته (٤) . * وشرك في الألوهية: بأن يدعى غيره دعاء عبادة، أو دعاء مسألة كما قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] فكما أن إثبات المخلوقات أسبابًا لا يقدح في توحيد الربوبية، ولا يمنع أن يكون الله خالق كل شيء، ولا يوجب أن يدعى المخلوق دعاء عبادة أو دعاء استغاثة. كذلك إثبات بعض الأفعال المحرمة، من شرك أو غيره أسبابا، لا يقدح في توحيد الألوهية، ولا يمنع أن يكون الله هو الذي يستحق الدين الخالص، ولا يوجب أن نستعمل الكلمات والأفعال التي فيها شرك، إذا كان الله يسخط ذلك، ويعاقب العبد عليه، وتكون مضرة ذلك على العبد أكثر من منفعته، إذ قد جعل الخير كله في أنا لا نعبد إلا إياه، ولا نسعتين إلا إياه. وعامة آيات القرآن تثبت (٥) هذا الأصل (٦) حتى إنه سبحانه قطع أثر

стр. 765

الشفاعة بدون إذنه، كقوله سبحانه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] (١) وكقوله سبحانه: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: ٥١] (٢) وقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: ٧٠] (٣) وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾ [الأنعام: ٧١] الآية (٤) . وقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٤] (٥) وسورة الأنعام سورة عظيمة مشتملة على أصول الإيمان (٦) . وكذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: ٤] (٧) وقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] (٨) وقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ - قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٣ - ٤٤] (٩) . وسورة الزمر أصل عظيم في هذا.

стр. 766

ومن هذا قوله سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ - يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ - يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج: ١١ - ١٣] (١) . وكذلك قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١] (٢) . والقرآن عامته إنما هو في تقرير هذا الأصل العظيم الذي هو أصل الأصول. وهذا الذي ذكرناه كله من تحريم هذا الدعاء، مع كونه قد يؤثر، إذا قدر أن هذا الدعاء كان سببًا أو جزءًا من السبب، في حصول طلبته. والناس قد اختلفوا في الدعاء المستعقب لقضاء الحاجات فزعم (٣) قوم من المبطلين، متفلسفة ومتصوفة، أنه لا فائدة فيه أصلًا، فإن المشيئة الإلهية والأسباب العلوية، إما أن تكون قد اقتضت وجود المطلوب، وحينئذ فلا (٤) حاجة إلى الدعاء، أو لا تكون اقتضته، وحينئذ فلا (٥) ينفع الدعاء. وقال قوم ممن تكلم (٦) في العلم: بل الدعاء علامة ودلالة على حصول المطلوب، وجعلوا ارتباطه بالمطلوب ارتباط الدليل بالمدلول، لا ارتباط السبب بالمسبب بمنزلة الخبر الصادق والعلم السابق.

стр. 767

والصواب: ما عليه الجمهور - من أن الدعاء سبب لحصول الخير المطلوب، أو غيره، كسائر الأسباب المقدرة والمشروعة. وسواء سمي سببًا أو جزءًا من السبب أو شرطًا، فالمقصود هنا واحد، فإذا (١) أراد الله بعبد خيرًا ألهمه دعاءه والاستعانة به، وجعل استعانته ودعاءه سببًا للخير الذي قضاه له، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: " إني لا أحمل هم الإجابة، وإنما أحمل (٢) هم الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه " (٣) . كما أن الله تعالى إذا أراد أن يشبع عبدًا، أو يرويه ألهمه أن يأكل أو يشرب، وإذا أراد الله أن يتوب على عبد ألهمه أن يتوب، فيتوب عليه، وإذا أراد أن يرحمه ويدخله الجنة يسره لعمل أهل الجنة، والمشيئة الإلهية اقتضت وجود هذه الخيرات، بأسبابها المقدرة لها، كما اقتضت وجود دخول الجنة بالعمل الصالح، ووجود الولد بالوطء، والعلم بالتعليم. فمبدأ الأمور من الله، وتمامها على الله، لا أن العبد نفسه هو المؤثر في الرب، أو في ملكوت الرب، بل الرب سبحانه هو المؤثر في ملكوته وجاعل دعاء عبده سببًا لما يريده سبحانه من القضاء، كما «قال رجل للنبي ﷺ : يا رسول الله (٤) أرأيت أدوية نتداوى بها، ورقى نسترقي بها وتقى نتقيها (٥) هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: هي من قدر الله» (٦) .

стр. 768

وعنه ﷺ قال (١) «إن الدعاء والبلاء ليلتقيان (٢) فيعتلجان بين السماء والأرض» (٣) فهذا في الدعاء الذي يكون سببًا في حصول المطلوب (٤) (٥) . وأعلى من هذا ما جاء به الكتاب والسنة، أن رضا الله وفرحه، وضحكه بسبب أعمال عباده الصالحة، كما جاءت به النصوص، وكذلك غضبه ومقته. وقد بسطنا الكلام في (٦) هذا الباب، وما للناس فيه من المقالات والاضطراب (٧) . فما فرض من الأدعية المنهي عنها سببًا، فقد تقدم الكلام عليه. فأما غالب الأدعية التي ليست مشروعة لا تكون هي السبب في

стр. 769

حصول المطلوب، ولا جزءًا منه، ولا يعلم ذلك، بل يتوهم وهما كاذبًا (١) كالنذر سواء. فإن في الصحيح عن ابن عمر " عن النبي ﷺ : أنه نهى عن النذر وقال: «إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل» (٢) وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن النذر لا يقرب من ابن آدم شيئًا لم يكن الله قدره له، ولكن النذر يوافق القدر فيخرج بذلك (٣) من البخيل، ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج» (٤) . فقد أخبر النبي ﷺ : أن النذر لا يأتي بخير، وأنه ليس من الأسباب الجالبة للخير، أو الدافعة لشر أصلًا، وإنما يوافق القدر موافقة كما توافقه سائر الأسباب فيخرج من البخيل حينئذ ما لم يكن يخرجه من قبل ذلك. ومع هذا فأنت ترى الذين يحكون أنهم وقعوا في شدائد، فنذروا نذورًا (٥) تكشف شدائدهم، أكثر - أو قريبًا - من الذين يزعمون أنهم دعوا عند القبور، أو غيرها، فقضيت حوائجهم، بل من كثرة اغترار المضلين (٦) بذلك؛ صارت النذور المحرمة في الشرع مآكل لكثير من السدنة والمجاورين، والعاكفين عند (٧) بعض المساجد أو غيرها، ويأخذون من الأموال شيئًا كثيرًا، وأولئك الناذرون يقول أحدهم: مرضت فنذرت. ويقول آخر: خرج علي المحاربون فنذرت (٨) ويقول الآخر:

стр. 770

ركبت البحر فنذرت (١) . ويقول الآخر: حبست فنذرت. ويقول الآخر: أصابتني فاقة فنذرت. وقد قام بنفوسهم، أن هذه النذور هي السبب في حصول مطلوبهم، ودفع مرهوبهم. وقد أخبر الصادق المصدوق أن نذر طاعة الله - فضلًا عن معصيته - ليس سببًا لحصول الخير (٢) وإنما الخير الذي يحصل للناذر يوافقه (٣) موافقة كما يوافق سائر الأسباب، فما هذه الأدعية غير المشروعة، في حصول المطلوب (٤) بأكثر من هذه النذور في حصول المطلوب. بل تجد كثيرًا من الناس يقول: إن المكان الفلاني، أو المشهد الفلاني، أو القبر (٥) الفلاني، يقبل النذر، بمعنى أنهم نذروا له نذرًا إن قضيت حاجتهم، وقضيت (٦) . كما يقول القائلون: الدعاء عند المشهد الفلاني، أو القبر الفلاني، مستجاب، بمعنى أنهم دعوا هناك مرة، فرأوا أثر الإجابة. بل إذا كان المبطلون يضيفون (٧) قضاء حوائجهم (٨) إلى خصوص نذر المعصية (٩) مع أن جنس النذر لا أثر له في ذلك، لم يبعد منهم إذا أضافوا

стр. 771

حصول غرضهم إلى خصوص الدعاء بمكان لا خصوص له في الشرع، لأن جنس الدعاء هنا مؤثر، فالإضافة إليه ممكنة، بخلاف جنس النذر فإنه لا يؤثر. والغرض أن يعرف أن الشيطان إذا زين لهم نسبة الأثر إلى ما لا يؤثر نوعًا ولا وصفًا، فنسبته إلى وصف قد ثبت تأثير نوعه أولى أن يزين لهم. ثم كما لم يكن ذلك الاعتقاد منهم صحيحًا، فكذلك هذا، إذ كلاهما مخالف للشرع. ومما يوضح ذلك: أن اعتقاد المعتقد أن هذا الدعاء أو هذا النذر كان هو السبب، أو بعض السبب في حصول المطلوب لا بد له من دلالة، ولا دليل على ذلك في الغالب إلا الاقتران أحيانًا، أعني: وجودهما جميعًا، وإن تراخي أحدهما عن الآخر مكانًا أو زمانًا مع الانتقاض (١) (٢) أضعاف أضعاف الاقتران، ومجرد اقتران الشيء بالشيء بعض الأوقات مع انتقاضه، ليس دليلًا على الغلبة (٣) باتفاق العقلاء، إذا كان هناك سبب آخر صالح، إذ تخلف الأثر عنه يدل على عدم الغلبة (٤) . فإن قيل: إن التخلف بفوات شرط، أو لوجود مانع. قيل: بل الاقتران لوجود سبب آخر، وهذا هو الراجح، فإنا نرى الله في كل وقت يقضي الحاجات ويفرج الكربات، بأنواع من الأسباب، لا يحصيها

стр. 772

إلا هو، وما رأيناه يحدث المطلوب مع وجود هذا الدعاء المبتدع، إلا نادرًا، فإذا رأيناه قد أحدث (١) شيئًا وكان الدعاء المبتدع قد وجد، كان إحالة حدوث الحادث على ما علم من الأسباب التي لا يحصيها إلا الله، أولى من إحالته على ما لم يثبت كونه سببًا. ثم الاقتران: إن كان دليلًا على العلة، فالانتقاض دليل على عدمها. وهنا افترق الناس ثلاث فرق: مغضوب عليهم، وضالون، والذين أنعم الله عليهم. فالمغضوب عليهم، يطعنون في عامة الأسباب المشروعة وغير المشروعة، ويقولون: الدعاء المشروع قد يؤثر، وقد (٢) لا يؤثر ويتصل بذلك الكلام في دلالة الآيات على تصديق الأنبياء ﵈. والضالون: يتوهمون من كل ما يتخيل سببًا، وإن كان يدخل في دين اليهود والنصارى والمجوس، وغيرهم. والمتكايسون (٣) من المتفلسفة يحيلون ذلك على أمور فلكية، وقوى نفسانية، وأسباب طبيعية، يدورون حولها، لا يعدلون عنها. فأما المهتدون، فهم لا ينكرون ما خلقه (٤) الله من القوى والطبائع في جميع الأجسام والأرواح، إذ الجميع خلق الله، لكنهم يؤمنون بما وراء ذلك من

стр. 773

قدرة الله التي هو بها على كل شيء قدير، ومن أنه كل يوم هو في شأن، ومن أن إجابته لعبده المؤمن (١) خارجة عن قوة نفسه، وتصرف جسمه وروحه (٢) وبأن الله يخرق العادات لأنبيائه، لإظهار صدقهم، (٣) ولإكرامهم بذلك. ونحو ذلك من حكمه. وكذلك يخرقها لأوليائه: تارة لتأييد دينه بذلك، وتارة تعجيلًا لبعض ثوابهم في الدنيا، وتارة إنعامًا عليهم بجلب نعمة، أو دفع نقمة، ولغير ذلك، ويؤمنون بأن الله يرد بما أمرهم (٤) به، من الأعمال الصالحة، والدعوات المشروعة - (٥) ما جعله في قوى الأجسام والأنفس (٦) ولا يلتفتون إلى الأوهام التي دلت الأدلة العقلية، أو الشرعية على فسادها، ولا يعملون بما حرمته الشريعة، (٧) وإن ظن أن له تأثيرًا (٨) .

стр. 774

وأما العلم بغلبة (١) السبب: فله طرق في الأمور الشرعية، كما له طرق في الأمور الطبيعية منها: الاضطرار (٢) «فإن الناس لما عطشوا وجاعوا على عهد رسول الله ﷺ ، فأخذ غير مرة ماء قليلًا، فوضع يده الكريمة (٣) فيه حتى فار الماء من بين أصابعه (٤) ووضع يده الكريمة في الطعام، وبرك فيه حتى كثر كثرة خارجة عن العادة» (٥) فإن العلم بهذا الاقتران المعين، يوجب العلم بأن كثرة الماء والطعام كانت بسببه ﷺ ، علمًا ضروريًّا، كما يعلم أن الرجل إذا ضُرب بالسيف ضربة شديدة صرعته فمات، أن الموت كان منها، بل (٦) أوكد، فإن العلم بأن كثرة الماء والطعام ليس له سبب معتاد في مثل ذلك أصلًا، مع أن (٧) العلم بهذه المقارنة، يوجب علمًا ضروريًا بذلك. وكذلك لما «دعا ﷺ لأنس بن مالك أن يكثر الله ماله وولده» ، فكان نخله يحمل في السنة مرتين، خلاف عادة بلده، ورأى من ولده وولد ولده أكثر من مائة (٨) فإن مثل هذا الحادث يعلم أنه كان بسبب ذلك الدعاء.

стр. 775

ومن رأى طفلًا يبكي بكاء شديدًا، فألقمته أمه الثدي فسكن، علم يقينًا أن سكونه (١) كان لأجل اللبن (٢) . والاحتمالات، وإن تطرقت إلى النوع، فإنها قد لا تتطرق إلى الشخص المعين. وكذلك الأدعية، فإن المؤمن يدعو بدعاء فيرى المدعو بعينه مع عدم الأسباب المقتضية له، أو يفعل فعلًا كذلك فيجده كذلك (٣) كالعلاء بن الحضرمي ﵁ لما قال: يا عليم، يا حليم، يا علي، يا عظيم، اسقنا، فمطروا في يوم شديد الحر، مطرًا لم يجاوز عسكرهم (٤) . وقال: احملنا فمشوا على النهر الكبير مشيًا لم يبل أسافل أقدام دوابهم (٥) وأيوب السختياني (٦) لما ركض الجبل لصاحبه ركضة، نبعت له عين ماء فشرب، ثم غارت (٧) . فدعاء الله وحده لا شريك له، دل الوحي المنزل، والعقول الصحيحة على فائدته ومنفعته، ثم التجارب التي لا يحصي عددها إلا الله. فتجد أكثر المؤمنين قد دعوا الله وسألوه أشياء أسبابها منتفية (٨) في حقهم، فأحدث الله لهم
следующие страницы →