← Акыда

Акыда · id 11620

اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم

ابن تيمية

Полный текст (951 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

حصول غرضهم إلى خصوص الدعاء بمكان لا خصوص له في الشرع، لأن جنس الدعاء هنا مؤثر، فالإضافة إليه ممكنة، بخلاف جنس النذر فإنه لا يؤثر. والغرض أن يعرف أن الشيطان إذا زين لهم نسبة الأثر إلى ما لا يؤثر نوعًا ولا وصفًا، فنسبته إلى وصف قد ثبت تأثير نوعه أولى أن يزين لهم. ثم كما لم يكن ذلك الاعتقاد منهم صحيحًا، فكذلك هذا، إذ كلاهما مخالف للشرع. ومما يوضح ذلك: أن اعتقاد المعتقد أن هذا الدعاء أو هذا النذر كان هو السبب، أو بعض السبب في حصول المطلوب لا بد له من دلالة، ولا دليل على ذلك في الغالب إلا الاقتران أحيانًا، أعني: وجودهما جميعًا، وإن تراخي أحدهما عن الآخر مكانًا أو زمانًا مع الانتقاض (١) (٢) أضعاف أضعاف الاقتران، ومجرد اقتران الشيء بالشيء بعض الأوقات مع انتقاضه، ليس دليلًا على الغلبة (٣) باتفاق العقلاء، إذا كان هناك سبب آخر صالح، إذ تخلف الأثر عنه يدل على عدم الغلبة (٤) . فإن قيل: إن التخلف بفوات شرط، أو لوجود مانع. قيل: بل الاقتران لوجود سبب آخر، وهذا هو الراجح، فإنا نرى الله في كل وقت يقضي الحاجات ويفرج الكربات، بأنواع من الأسباب، لا يحصيها

стр. 772

إلا هو، وما رأيناه يحدث المطلوب مع وجود هذا الدعاء المبتدع، إلا نادرًا، فإذا رأيناه قد أحدث (١) شيئًا وكان الدعاء المبتدع قد وجد، كان إحالة حدوث الحادث على ما علم من الأسباب التي لا يحصيها إلا الله، أولى من إحالته على ما لم يثبت كونه سببًا. ثم الاقتران: إن كان دليلًا على العلة، فالانتقاض دليل على عدمها. وهنا افترق الناس ثلاث فرق: مغضوب عليهم، وضالون، والذين أنعم الله عليهم. فالمغضوب عليهم، يطعنون في عامة الأسباب المشروعة وغير المشروعة، ويقولون: الدعاء المشروع قد يؤثر، وقد (٢) لا يؤثر ويتصل بذلك الكلام في دلالة الآيات على تصديق الأنبياء ﵈. والضالون: يتوهمون من كل ما يتخيل سببًا، وإن كان يدخل في دين اليهود والنصارى والمجوس، وغيرهم. والمتكايسون (٣) من المتفلسفة يحيلون ذلك على أمور فلكية، وقوى نفسانية، وأسباب طبيعية، يدورون حولها، لا يعدلون عنها. فأما المهتدون، فهم لا ينكرون ما خلقه (٤) الله من القوى والطبائع في جميع الأجسام والأرواح، إذ الجميع خلق الله، لكنهم يؤمنون بما وراء ذلك من

стр. 773

قدرة الله التي هو بها على كل شيء قدير، ومن أنه كل يوم هو في شأن، ومن أن إجابته لعبده المؤمن (١) خارجة عن قوة نفسه، وتصرف جسمه وروحه (٢) وبأن الله يخرق العادات لأنبيائه، لإظهار صدقهم، (٣) ولإكرامهم بذلك. ونحو ذلك من حكمه. وكذلك يخرقها لأوليائه: تارة لتأييد دينه بذلك، وتارة تعجيلًا لبعض ثوابهم في الدنيا، وتارة إنعامًا عليهم بجلب نعمة، أو دفع نقمة، ولغير ذلك، ويؤمنون بأن الله يرد بما أمرهم (٤) به، من الأعمال الصالحة، والدعوات المشروعة - (٥) ما جعله في قوى الأجسام والأنفس (٦) ولا يلتفتون إلى الأوهام التي دلت الأدلة العقلية، أو الشرعية على فسادها، ولا يعملون بما حرمته الشريعة، (٧) وإن ظن أن له تأثيرًا (٨) .

стр. 774

وأما العلم بغلبة (١) السبب: فله طرق في الأمور الشرعية، كما له طرق في الأمور الطبيعية منها: الاضطرار (٢) «فإن الناس لما عطشوا وجاعوا على عهد رسول الله ﷺ ، فأخذ غير مرة ماء قليلًا، فوضع يده الكريمة (٣) فيه حتى فار الماء من بين أصابعه (٤) ووضع يده الكريمة في الطعام، وبرك فيه حتى كثر كثرة خارجة عن العادة» (٥) فإن العلم بهذا الاقتران المعين، يوجب العلم بأن كثرة الماء والطعام كانت بسببه ﷺ ، علمًا ضروريًّا، كما يعلم أن الرجل إذا ضُرب بالسيف ضربة شديدة صرعته فمات، أن الموت كان منها، بل (٦) أوكد، فإن العلم بأن كثرة الماء والطعام ليس له سبب معتاد في مثل ذلك أصلًا، مع أن (٧) العلم بهذه المقارنة، يوجب علمًا ضروريًا بذلك. وكذلك لما «دعا ﷺ لأنس بن مالك أن يكثر الله ماله وولده» ، فكان نخله يحمل في السنة مرتين، خلاف عادة بلده، ورأى من ولده وولد ولده أكثر من مائة (٨) فإن مثل هذا الحادث يعلم أنه كان بسبب ذلك الدعاء.

стр. 775

ومن رأى طفلًا يبكي بكاء شديدًا، فألقمته أمه الثدي فسكن، علم يقينًا أن سكونه (١) كان لأجل اللبن (٢) . والاحتمالات، وإن تطرقت إلى النوع، فإنها قد لا تتطرق إلى الشخص المعين. وكذلك الأدعية، فإن المؤمن يدعو بدعاء فيرى المدعو بعينه مع عدم الأسباب المقتضية له، أو يفعل فعلًا كذلك فيجده كذلك (٣) كالعلاء بن الحضرمي ﵁ لما قال: يا عليم، يا حليم، يا علي، يا عظيم، اسقنا، فمطروا في يوم شديد الحر، مطرًا لم يجاوز عسكرهم (٤) . وقال: احملنا فمشوا على النهر الكبير مشيًا لم يبل أسافل أقدام دوابهم (٥) وأيوب السختياني (٦) لما ركض الجبل لصاحبه ركضة، نبعت له عين ماء فشرب، ثم غارت (٧) . فدعاء الله وحده لا شريك له، دل الوحي المنزل، والعقول الصحيحة على فائدته ومنفعته، ثم التجارب التي لا يحصي عددها إلا الله. فتجد أكثر المؤمنين قد دعوا الله وسألوه أشياء أسبابها منتفية (٨) في حقهم، فأحدث الله لهم

стр. 776

تلك المطالب على الوجه الذي طلبوه، على وجه يوجب العلم تارة، والظن الغالب أخرى - أن الدعاء كان هو السبب في هذا، وتجد هذا ثابتًا عند ذوي (١) العقول والبصائر، الذين يعرفون جنس الأدلة، وشروطها، واطرادها. وأما اعتقاد تأثير الأدعية المحرمة، فعامته إنما نجد اعتقاده، عند أهل الجهل الذين لا يميزون بين الدليل وغيره، ولا يفهمون ما يشترط للدليل من الاطراد، وإنما يتفق (٢) في أهل الظلمات، من الكفار والمنافقين، أو ذوي (٣) الكبائر الذين أظلمت قلوبهم بالمعاصي حتى لا يميزوا بين الحق والباطل. وبالجملة: فالعلم بأن هذا كان هو السبب أو بعض (٤) السبب، أو شرط السبب، في هذا الأمر الحادث، قد يعلم كثيرًا، وقد يظن كثيرًا، وقد يتوهم كثيرًا وهمًا ليس له مستند صحيح، إلا ضعف العقل. ويكفيك أن كل ما يظن أنه سبب لحصول المطالب (٥) مما حرمته الشريعة من دعاء أو غيره، لا بد فيه من أحد أمرين: إما أن لا (٦) يكون سببًا صحيحًا، كدعاء من لا يسمع ولا يبصر، ولا يغني عنك شيئًا. وإما أن يكون ضرره أكثر من نفعه. فأما ما كان سببًا صحيحًا منفعته أكثر من مضرته، فلا ينهى عنه الشرع (٧) بحال. وكل ما لم يشرع من العبادات مع قيام المقتضي لفعله من غير مانع فإنه

стр. 777

من باب المنهي عنه. كما تقدم. [الدعاء بعد تحية النبي ﷺ عند القبر] وأما ما ذكر في المناسك، أنه بعد تحية النبي ﷺ ، وصاحبيه، والصلاة والسلام يدعو، فقد ذكر الإمام أحمد وغيره: أنه يستقبل القبلة ويجعل الحجرة عن يساره لئلا يستدبره، وذلك بعد تحيته والصلاة والسلام، ثم يدعو لنفسه. وذكر أنه إذا حياه وصلى عليه يستقبل وجهه (١) - بأبي هو وأمي ﷺ ، فإذا أراد الدعاء جعل الحجرة عن يساره واستقبل القبلة ودعا، وهذا مراعاة منهم لذلك، فإن الدعاء عند القبر لا يكره مطلقًا، بل يؤمر به (٢) كما جاءت به السنة فيما تقدم ضمنًا وتبعًا، وإنما المكروه أن يتحرى المجيء إلى القبر للدعاء عنده. وكذلك ذكر أصحاب مالك قالوا (٣) يدنو من القبر، فيسلم على النبي ﷺ ، ثم يدعو مستقبل القبلة، يوليه ظهره، وقيل: لا يوليه ظهره، وإنما (٤) اختلفوا لما فيه من استدباره، فأما (٥) إذا جعل الحجرة عن يساره، فقد زال المحذور بلا خلاف وصار في الروضة، أو أمامها. ولعل هذا الذي ذكره الأئمة، أخذوه من كراهة الصلاة إلى القبر، فإن ذلك قد ثبت النهي فيه (٦) عن النبي ﷺ كما تقدم (٧) فلما نهي أن يتخذ القبر مسجدًا أو قبلة، أمروا بأن لا يتحرى الدعاء إليه، كما لا يصلى إليه.

стр. 778

وقال (١) مالك في المبسوط: لا أرى أن يقف (٢) عند (٣) قبر النبي ﷺ يدعو، لكن يسلم ويمضي " (٤) . ولهذا - والله أعلم - حرفت الحجرة وثلثت (٥) لما بنيت، فلم يجعل حائطها الشمالي على سمت القبلة، ولا جعل مسطحًا (٦) . وكذلك (٧) قصدوا قبل أن تدخل الحجرة في المسجد. فروى ابن بطة، بإسناد معروف عن هشام بن عروة، حدثني أبي، وقال: " كان الناس يصلون إلى القبر، فأمر عمر بن عبد العزيز، فرفع حتى لا يصلي إليه الناس، فلما هدم بدت قدم بساق وركبة، قال: ففزع من ذلك عمر بن عبد العزيز، فأتاه عروة فقال له: هذه ساق عمر وركبته. فسري عن عمر بن عبد العزيز (٨) . وهذا أصل مستمر، فإنه لا يستحب للداعي أن يستقبل إلا ما يستحب أن يصلى إليه، ألا ترى أن الرجل (٩) لما نهي عن الصلاة إلى جهة المشرق وغيرها، فإنه ينهى أن يتحرى استقبالها وقت الدعاء، ومن الناس من يتحرى وقت دعائه استقبال الجهة التي يكون فيها الرجل (١٠) الصالح، سواء كانت في المشرق

стр. 779

أو غيره، وهذا ضلال بين، وشرك واضح، كما أن بعض الناس يمتنع من استدبار الجهة التي فيها بعض (١) الصالحين، وهو يستدبر الجهة التي فيها بيت الله وقبر رسوله ﷺ وكل هذه الأشياء من البدع التي تضارع دين النصارى. ومما يبين لك ذلك، أن نفس السلام على النبي ﷺ قد راعوا فيه السنة، حتى لا يخرج إلى الوجه المكروه الذي قد يجر إلى إطراء النصارى عملًا بقوله ﷺ : «لا تتخذوا قبري عيدا» (٢) . وبقوله: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله» (٣) فكان (٤) بعضهم يسأل عن السلام على القبر خشية أن يكون من هذا الباب، حتى قيل له: إن ابن عمر كان يفعل ذلك. ولهذا كره مالك ﵁ (٥) وغيره من أهل العلم، لأهل المدينة كلما دخل أحدهم المسجد، أن يجيء فيسلم (٦) على قبر النبي ﷺ وصاحبيه. وقال: " وإنما يكون ذلك لأحدهم إذا قدم من سفر، أو أراد سفرًا ونحو ذلك (٧) . ورخص بعضهم في السلام عليه إذا دخل المسجد للصلاة ونحوها، وأما قصده دائمًا للصلاة والسلام، فما علمت أحدًا رخص فيه، لأن ذلك النوع من

стр. 780

اتخاذه عيدًا، مع أنا قد شرع لنا إذا دخلنا المسجد أن نقول: " السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته " (١) كما نقول ذلك في آخر صلاتنا. بل قد استحب ذلك لكل من دخل مكانًا ليس فيه أحد: أن يسلم على النبي ﷺ ، لما تقدم من أن السلام عليه يبلغه من كل موضع. فخاف مالك وغيره، أن يكون فعل ذلك عند القبر كل ساعة، نوعًا من اتخاذ القبر عيدًا. وأيضًا فإن ذلك بدعة، فقد كان المهاجرون والأنصار على عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ (٢) يجيئون إلى المسجد الحرام كل يوم خمس مرات يصلون، ولم يكونوا يأتون مع ذلك إلى القبر يسلمون (٣) عليه، لعلمهم ﵃ بما (٤) كان النبي ﷺ يكرهه من ذلك، وما نهاهم عنه، وأنهم يسلمون عليه حين دخول المسجد والخروج منه، وفي التشهد، كما كانوا يسلمون عليه كذلك في حياته. والمأثور عن ابن عمر يدل على ذلك. قال سعيد (٥) في سننه: حدثنا عبد الرحمن بن زيد (٦) حدثني

стр. 781

أبي (١) عن ابن عمر: أنه كان إذا قدم من سفر أتى قبر النبي ﷺ وقال: السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبتاه (٢) . وعبد الرحمن بن زيد وإن كان يضعف، لكن الحديث المتقدم عن نافع - الصحيح (٣) - يدل على أن ابن عمر ما كان يفعل ذلك دائمًا ولا غالبًا. وما أحسن ما قال مالك: " لن يصلح آخرَ هذه الأمة إلا ما أصلح أولها " (٤) ولكن كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم، ونقص إيمانهم، عوضوا ذلك بما أحدثوه من البدع والشرك وغيره. ولهذا كرهت الأئمة (٥) استلام القبر وتقبيله، وبنوه بناء منعوا الناس أن يصلوا إليه. فكانت حجرة عائشة التي دفنوه فيها منفصلة عن مسجده (٦) وكان ما بين منبره وبيته هو الروضة، ومضى الأمر على ذلك في عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، وزيد في المسجد زيادات وغُيِّرَ، والحجرة على حالها (٧) هي وغيرها من الحجر المطيفة بالمسجد من شرقيه وقبليه، حتى بناه الوليد بن عبد الملك (٨) وكان عمر بن عبد العزيز عامله على

стр. 782

المدينة، فابتاع هذه الحجر وغيرها وهدمهن وأدخلهن في المسجد، فمن أهل العلم من كره ذلك، كسعيد بن المسيب، ومنهم من لم يكرهه. قال أبو بكر الأثرم: قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل -: قبر النبي ﷺ يمس ويتمسح به؟ فقال: ما أعرف هذا. قلت له: فالمنبر؟ فقال: أما المنبر فنعم قد جاء فيه. قال أبو عبد الله: شيء يروونه (١) عن ابن أبي فديك (٢) عن ابن أبي ذئب عن ابن عمر: أنه مسح على المنبر. قال: ويروونه (٣) عن سعيد بن المسيب في الرمانة (٤) . قلت: ويروون عن يحيى بن سعيد، أنه حين أراد الخروج إلى العراق، جاء إلى المنبر فمسحه ودعا، فرأيته استحسنه ثم قال: لعله عند الضرورة والشيء. قيل لأبي عبد الله: إنهم يلصقون بطونهم بجدار القبر. وقلت له: رأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسونه ويقومون ناحية فيسلمون. فقال أبو عبد الله: نعم، وهكذا كان ابن عمر يفعل. ثم قال أبو عبد الله: بأبي وأمي ﷺ . فقد رخص أحمد وغيره في التمسح بالمنبر والرمانة، التي هي (٥) موضع

стр. 783

مقعد النبي ﷺ ويده، ولم يرخصوا في التمسح بقبره. وقد حكى بعض أصحابنا رواية في مسح قبره، لأن أحمد شيع بعض الموتى، فوضع يده على قبره يدعو له. والفرق بين الموضعين (١) ظاهر. وكره مالك التمسح بالمنبر. كما كرهوا التمسح بالقبر. فأما اليوم فقد احترق المنبر، وما بقيت الرمانة، وإنما بقي من المنبر خشبة صغيرة، فقد زال ما رخص فيه، لأن الأثر (٢) المنقول عن ابن عمر وغيره، إنما هو التمسح بمقعده. وروى الأثرم بإسناده، عن القعنبي (٣) عن مالك، عن عبد الله بن دينار (٤) قال: رأيت ابن عمر يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي على النبي ﷺ وعلى أبي بكر وعمر. (٥) . الوجه الثالث: في كراهة قصدها للدعاء: أن السلف ﵃ كرهوا ذلك، متأولين في ذلك قوله ﷺ : «لا تتخذوا قبري عيدًا» كما ذكرنا ذلك عن علي بن الحسين والحسن بن الحسن، ابن عمه، وهما أفضل أهل البيت من التابعين، وأعلم بهذا الشأن من غيرهما، لمجاورتهما الحجرة النبوية نسبًا ومكانًا.

стр. 784

وذكرنا عن أحمد وغيره، أنه أمر من سلم على النبي ﷺ ، وصاحبيه، ثم أراد أن يدعو: أن ينصرف (١) فيستقبل القبلة. وكذلك أنكر ذلك غير واحد من العلماء المتقدمين، كمالك وغيره. ومن المتأخرين: مثل أبي الوفاء (٢) ابن عقيل، وأبي الفرج بن الجوزي. وما أحفظ - لا عن صاحب ولا تابع، ولا عن إمام معروف - أنه استحب قصد شيء من القبور للدعاء عنده، ولا روى أحد في ذلك شيئًا، لا عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة ولا عن أحد من الأئمة المعروفين. وقد صنف الناس في الدعاء وأوقاته وأمكنته، وذكروا فيه الآثار، فما ذكر أحد منهم في فضل الدعاء عند شيء من القبور حرفًا واحدًا - فيما أعلم -، فكيف يجوز - والحال (٣) هذه - أن يكون الدعاء (٤) عندها أجوب وأفضل، والسلف تنكره ولا تعرفه، وتنهى عنه (٥) ولا تأمر به. نعم صار من نحو المائة الثالثة يوجد متفرقًا في كلام بعض الناس: فلان ترجى الإجابة عند قبره (٦) . وفلان يدعى عند قبره، ونحو ذلك. والإنكار (٧) على من يقول ويأمر به، كائنًا من كان، فإن أحسن أحواله أن يكون مجتهدًا في هذه (٨) المسألة أو مقلدًا، فيعفو الله عنه.

стр. 785

[تفنيد ما ورد في استحباب الدعاء عند القبر] أما أن هذا الذي قاله يقتضي استحباب ذلك فلا. بل قد يقال: هذا من جنس قول بعض الناس: المكان الفلاني يقبل النذر، والموضع الفلاني ينذر له. ويعينون (١) عينًا أو بئرًا أو شجرة، أو مغارة، أو حجرًا، أو غير ذلك من الأوثان، فكما لا يكون مثل هذا القول عمدة في الدين، فكذلك القول الأول. ولم يبلغني - إلى الساعة - عن أحد من السلف رخصة في ذلك، إلا ما روى ابن أبي الدنيا (٢) في كتاب القبور بإسناده عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك قال: أخبرني سليمان بن يزيد الكعبي (٣) عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «من زارني بالمدينة محتسبًا كنت له شفيعًا وشهيدًا يوم القيامة» (٤) . قال ابن أبي فديك: وأخبرني عمر بن حفص (٥) أن

стр. 786

ابن أبي مليكة (١) كان يقول: من أحب أن يقوم وجاءه النبي ﷺ فليجعل القنديل الذي في القبلة عند رأس القبر على رأسه (٢) . قال ابن أبي فديك: وسمعت بعض من أدركت يقول: بلغنا أنه من وقف عند قبر النبي ﷺ فتلا هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] (٣) فقال: " صلى الله عليك يا محمد " حتى (٤) يقولها سبعين مرة - ناداه ملك: صلى الله عليك يا فلان، ولم تسقط له حاجة (٥) . فهذا الأثر من ابن أبي فديك قد يقال: فيه استحباب قصد (٦) الدعاء عند القبر. ولا حجة فيه لوجوه: أحدها: أن ابن أبي فديك روى هذا عن مجهول، وذكر ذلك المجهول أنه بلاغ عمن لا يعرف، ومثل هذا لا يثبت به شيء أصلا، وابن أبي فديك متأخر في حدود المائة الثانية، ليس هو من التابعين، ولا من تابعيهم المشاهير حتى يقال قد كان هذا معروفا في القرون الثلاثة، وحسبك أن أهل العلم بالمدينة المعتمدين، لم ينقلوا شيئا من ذلك. ومما يضعفه: أنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من (٧) صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا» (٨) فكيف يكون من صلى

стр. 787

عليه سبعين مرة جزاؤه (١) أن يصلي عليه ملك من الملائكة؟ وأحاديثه المتقدمة تبين أن الصلاة والسلام عليه تبلغه عن البعيد والقريب. والثاني: أن هذا إنما يقتضي استحباب الدعاء للزائر في ضمن الزيارة، كما ذكر العلماء ذلك في مناسك الحج. وليس هذا مسألتنا، فإنا قد قدمنا أن من زار زيارة مشروعة، ودعا في ضمنها لم يكره هذا، كما ذكره بعض العلماء، مع ما في ذلك من النزاع، مع أن المنقول عن السلف كراهة الوقوف عنده للدعاء، وهو أصح. وإنما المكروه الذي ذكرناه (٢) قصد الدعاء عنده ابتداء، كما أن من دخل المسجد، فصلى تحية المسجد، ودعا في ضمنها، لم يكره ذلك، أو توضأ في مكان وصلى هنالك ودعا في ضمن صلاته لم يكره ذلك، ولو تحرى الدعاء في تلك البقعة، أو في مسجد لا خصيصة له في الشرع دون غيره من المساجد، فنهي عن (٣) هذا التخصيص. الثالث: أن الاستجابة هنا لعلها لكثرة صلاته (٤) على النبي ﷺ ، فإن الصلاة عليه قبل الدعاء، وفي وسطه وآخره، من أقوى الأسباب التي يرجى بها إجابة سائر الدعاء، كما جاءت به الآثار، مثل قول عمر بن الخطاب ﵁، الذي يروى موقوفا ومرفوعا: «الدعاء موقوف بين السماء والأرض حتى تصلي على نبيك» رواه الترمذي (٥) .

стр. 788

وذكر محمد بن الحسن بن زبالة (١) في كتاب (أخبار (٢) المدينة) ، فيما رواه عنه الزبير بن بكار (٣) روى (٤) عنه عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي (٥) قال: رأيت رجلا من أهل المدينة يقال له: محمد بن كيسان، يأتي إذا صلى العصر من يوم الجمعة، ونحن جلوس مع ربيعة بن أبي عبد الرحمن، فيقوم عند القبر، فيسلم على النبي ﷺ ويدعو حتى يمسي (٦) . فيقول جلساء ربيعة: انظروا (٧) إلى ما يصنع (٨) هذا؟ فيقول: " دعوه، فإنما للمرء ما نوى "، ومحمد بن الحسن هذا صاحب أخبار، وهو مضعف عند أهل الحديث، كالواقدي ونحوه. لكن يستأنس بما يرويه ويعتبر به. وهذه الحكاية قد يتمسك بها على الطرفين، فإنها تتضمن أن الذي فعله هذا الرجل أمر مبتدع عندهم، لم يكن من فعل الصحابة وغيرهم من علماء أهل

стр. 789

المدينة، وإلا لو كان هذا أمرا (١) معروفا من عمل أهل المدينة لما استغربه جلساء ربيعة وأنكروه. بل ذكر محمد بن الحسن لها في كتابه مع رواية الزبير بن بكار ذلك عنه، يدل على أنهم على عهد مالك وذويه، ما كانوا يعرفون هذا العمل، وإلا لو كان هذا شائعا بينهم لما ذكر في كتاب مصنف، ما يتضمن استغراب ذلك. ثم إن جلساء ربيعة - وهم قوم فقهاء علماء - أنكروا ذلك، وربيعة أقره. فغايته: أن يكون في ذلك خلاف ولكن تعليل ربيعة له بأن لكل امرئ ما نوى، لا يقتضي إلا الإقرار على ما يكره، فإنه لو أراد الصلاة هناك لنهاه، وكذلك لو أراد الصلاة في وقت نهي. وإنما الذي أراده (٢) - والله أعلم - أن من كان له نية صالحة أثيب على نيته، وإن كان الفعل الذي فعله ليس بمشروع، إذا لم يتعمد مخالفة الشرع - يعني فهذا الدعاء، وإن لم يكن مشروعا، لكن لصاحبه نية صالحة يثاب على نيته. فيستفاد من ذلك: أنهم مجمعون على أنه (٣) غير مستحب، ولا خصيصة في تلك (٤) البقعة، وإنما الخير يحصل من جهة نية الداعي، ثم إن ربيعة لم ينكر عليه متابعة لجلسائه: إما لأنه لم يبلغه أن النبي ﷺ نهى عن اتخاذ قبره عيدا، وعن الصلاة عنده. فإن ربيعة - كما قال أحمد - كان قليل العلم بالآثار. أو بلغه (٥) ذلك لكن (٦) لم ير مثل هذا داخلا في معنى النهي، أو لأنه لم ير هذا محرما، وإنما غايته أن يكون مكروها، وإنكار المكروه ليس بفرض. أو أنه رأى

стр. 790

أن ذلك الرجل إنما قصد السلام، والدعاء جاء ضمنا وتبعا. وفي هذا نظر. ولا ريب أن العلماء قد يختلفون في مثل هذا كما اختلفوا (١) في صحة الصلاة عند القبر، ومن لم يبطلها قد لا ينهى من فعل ذلك. والعمدة على الكتاب والسنة، وما كان عليه السابقون، مع أن محمد بن الحسن هذا قد روى أخبارا عن السلف تؤيد ما ذكرناه. فقال: حدثني عمر بن هارون، عن سلمة بن وردان (٢) قال: رأيت أنس بن مالك يسلم على النبي ﷺ ، ثم يسند ظهره إلى جدار القبر، ثم يدعو " (٣) فهذا إن كان ثابتا عن أنس فهو مؤيد لما ذكرناه، فإن أنسا لم يكن ساكنا بالمدينة، وإنما كان يقدم من البصرة، إما مع الحجيج أو نحوهم، فيسلم (٤) على النبي ﷺ ، ثم إذا أراد الدعاء الذي (٥) في حق مثله إنما يكون ضمنا وتبعا، استدبر القبر. وذكر محمد بن الحسن، عن عبد العزيز محمد (٦) ومحمد بن إسماعيل (٧) وغيرهما، عن محمد بن هلال (٨) وعن غير واحد من

стр. 791

أهل العلم: أن بيت رسول الله ﷺ الذي فيه قبره - هو بيت عائشة الذي كانت تسكن، وأنه مربع مبني بحجارة سود وقصة (١) والذي يلي القبلة منه أطوله، والشرقي والغربي سواء، والشامي أنقصها، وباب البيت مما يلي الشام، وهو (٢) مسدود بحجارة سود وقصة. ثم بنى عمر بن عبد العزيز على ذلك البيت هذا البناء الظاهر، وعمر بن عبد العزيز زوَّاه (٣) لئلا يتخذه الناس قبلة تخص فيها الصلاة من بين مسجد النبي ﷺ ، وذلك أن رسول الله ﷺ قال - كما حدثني عبد العزيز بن محمد (٤) عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر (٥) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: «قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٦) . وحدثني (٧) مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٨) .

стр. 792

فهذه الآثار، إذا ضمت إلى ما قدمنا من الآثار، علم كيف كان حال السلف في هذا الباب. وأن ما عليه كثير من الخلف في ذلك (١) من المنكرات عندهم. ولا يدخل في هذا الباب: ما يروى من أن قوما سمعوا رد السلام من قبر النبي ﷺ ، أو قبور غيره من الصالحين. وأن سعيد بن المسيب كان يسمع الأذان من القبر ليالي الحرة (٢) . ونحو ذلك. فهذا كله حق ليس مما نحن فيه، والأمر أجل من ذلك وأعظم. وكذلك أيضا ما يروى: " أن رجلا جاء إلى قبر النبي ﷺ ، فشكا إليه الجدب عام الرمادة (٣) فرآه وهو يأمره أن يأتي عمر، فيأمره أن يخرج يستسقي بالناس " (٤) فإن هذا ليس من هذا الباب. ومثل هذا يقع كثيرا لمن هو دون النبي ﷺ ، وأعرف من هذا وقائع. وكذلك سؤال بعضهم للنبي ﷺ ، أو لغيره من أمته حاجة فتقضى له، فإن هذا قد وقع كثيرا، وليس هو مما نحن فيه. وعليك أن تعلم: أن إجابة النبي ﷺ أو غيره لهؤلاء السائلين، ليس مما يدل على استحباب السؤال، فإنه هو " القائل ﷺ : «إن أحدهم ليسألني المسألة فأعطيه إياها، فيخرج بها يتأبطها نارا "،

стр. 793

فقالوا: يا رسول الله، فلم تعطيهم؟ قال: " يأبون إلا أن يسألوني، ويأبى الله لي البخل» (١) . وأكثر هؤلاء السائلين الملحين لما هم فيه من الحال، لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم، كما أن السائلين به في الحياة كانوا كذلك، وفيهم من أجيب وأمر بالخروج من المدينة. فهذا القدر (٢) إذا وقع يكون كرامة لصاحب القبر، أما أن يدل على حسن حال السائل، فلا فرق (٣) بين هذا وهذا. فإن الخلق لم ينهوا عن الصلاة عند القبور (٤) واتخاذها مساجد استهانة بأهلها، بل لما يخاف عليهم من الفتنة، وإنما تكون الفتنة إذا انعقد سببها، فلولا أنه قد يحصل عند القبور ما يخاف الافتتان به لما نهي الناس عن ذلك. وكذلك ما يذكر من الكرامات، وخوارق العادات، التي توجد عند قبور الأنبياء والصالحين مثل نزول الأنوار والملائكة عندها وتوقي الشياطين والبهائم لها، واندفاع النار عنها وعمن جاورها، وشفاعة بعضهم في جيرانه من الموتى، واستحباب الاندفان عند بعضهم، وحصول الأنس والسكينة عندها، ونزول العذاب بمن استهانها - فجنس هذا حق، ليس مما نحن فيه. وما في قبور الأنبياء والصالحين، من كرامة الله ورحمته، وما لها عند الله من الحرمة والكرامة فوق ما يتوهمه أكثر الخلق، لكن ليس هذا موضع تفصيل ذلك.

стр. 794

وكل هذا لا يقتضي استحباب الصلاة، أو قصد الدعاء أو النسك عندها، لما في قصد العبادات عندها من المفاسد التي علمها الشارع (١) كما تقدم. فذكرت هذه الأمور لأنها مما يتوهم معارضته لما قدمناه، وليس كذلك. الوجه الرابع (٢) أن اعتقاد استجابة الدعاء عندها وفضله، قد أوجب أن تنتاب لذلك وتقصد، وربما اجتمع عندها (٣) اجتماعات كثيرة، في مواسم معينة، وهذا بعينه هو الذي نهى عنه النبي ﷺ بقوله: «لا تتخذوا قبري عيدا» وبقوله: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» وبقوله ﷺ : «لا تتخذوا القبور مساجد، فإن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» (٤) . [بعض بدع القبور] حتى إن بعض القبور يجتمع عندها (٥) في يوم من السنة ويسافر إليها (٦) إما في المحرم، أو رجب، أو شعبان، أو ذي الحجة، أو غيرها. وبعضها يجتمع عنده في يوم عاشوراء! ، وبعضها في يوم عرفة، وبعضها

стр. 795

في (١) النصف من شعبان، وبعضها في وقت آخر، بحيث يكون لها يوم من السنة تقصد فيه، ويجتمع عندها فيه كما تقصد عرفة ومزدلفة ومنى، في أيام معلومة (٢) من السنة، أو كما يقصد مصلى المصر يوم العيدين، بل ربما كان الاهتمام بهذه الاجتماعات في الدين والدنيا أهم (٣) وأشد. ومنها: ما يسافر إليه من الأمصار، في وقت معين أو في وقت غير معين (٤) لقصد الدعاء عنده، والعبادة هناك، كما يقصد بيت الله لذلك، وهذا السفر لا أعلم بين المسلمين خلافا في النهي (٥) عنه، إلا أن يكون خلافا حادثا. وإنما ذكرت الوجهين المتقدمين في السفر المجرد لزيارة القبور. فأما إذا كان السفر للعبادة عندها بالدعاء أو الصلاة (٦) أو نحو ذلك: فهذا لا ريب فيه. حتى إن بعضهم يسميه الحج ويقول: نريد الحج إلى قبر فلان وفلان (٧) . ومنها ما يقصد الاجتماع عنده في يوم معين من الأسبوع. وفي الجملة: هذا الذي يفعل عند هذه القبور هو بعينه الذي نهى عنه

стр. 796

رسول الله ﷺ بقوله: «لا تتخذوا قبري عيدًا» فإن اعتياد قصد المكان المعين، وفي وقت معين، عائد بعود السنة أو الشهر أو الأسبوع، هو بعينه معنى العيد. ثم ينهى عن دِقِّ ذلك وجله، وهذا هو الذي تقدم عن الإمام أحمد إنكاره، لما قال: " قد أفرط الناس في هذا جدا وأكثروا " وذكر ما يفعل عند قبر الحسين. وقد ذكرت (١) فيما تقدم: أنه يكره اعتياد عبادة في وقت إذا لم تجئ بها السنة. فكيف اعتياد مكان معين في وقت معين؟ . ويدخل في هذا: ما يفعل بمصر، عند قبر نفيسة (٢) وغيرها. وما يفعل بالعراق عند القبر الذي يقال إنه قبر علي ﵁، وقبر الحسين، وحذيفة بن اليمان، وسلمان الفارسي. وقبر موسى بن جعفر (٣) ومحمد بن علي الجواد (٤) ببغداد.

стр. 797

وعند قبر أحمد بن حنبل، ومعروف الكرخي. وغيرهما وما يفعل عند قبر أبي يزيد البسطامي (١) . وكان يفعل نحو ذلك بحران، عند قبر يسمى قبر الأنصاري (٢) إلى قبور كثيرة، في أكثر بلاد الإسلام لا يمكن حصرها. كما أنهم بنوا على كثير منها مساجد وبعضها مغصوب، كما بنوا على قبر أبي حنيفة والشافعي وغيرهم. وهؤلاء الفضلاء من الأئمة، إنما ينبغي محبتهم واتباعهم، وإحياء ما أحيوه من الدين، والدعاء لهم بالمغفرة والرحمة والرضوان، ونحو ذلك. فأما اتخاذ قبورهم أعيادا، فهو مما حرمه الله ورسوله واعتياد قصد هذه القبور في وقت معين، أو الاجتماع العام عندها في وقت معين، هو اتخاذها عيدا، كما تقدم. ولا أعلم بين المسلمين (٣) أهل العلم في ذلك خلافا. ولا يغتر بكثرة العادات الفاسدة، فإن هذا من التشبه بأهل الكتابين، الذين أخبرنا النبي ﷺ أنه كائن في هذه الأمة. وأصل ذلك: إنما هو اعتقاد فضل الدعاء (٤) عندها، وإلا فلو لم (٥) يقم

стр. 798

هذا الاعتقاد بالقلوب انمحى (١) ذلك كله، فإذا كان قصدها للدعاء (٢) يجر هذه المفاسد كان حراما، كالصلاة عندها وأولى، وكان ذلك فتنة للخلق، وفتحا لباب الشرك، وإغلاقا لباب الإيمان.

стр. 799

[فصل في عدم جواز سائر العبادات عند القبور] فصل قد تقدم أن النبي ﷺ نهى عن اتخاذها (١) مساجد وعن الصلاة عندها، وعن اتخاذها عيدا، وأنه دعا الله أن لا يتخذ قبره وثنا يعبد. وقد تقدم أن اتخاذ المكان عيدا هو: اعتياد إتيانه للعبادة عنده أو غير ذلك، وقد تقدم النهي الخاص عن الصلاة عندها أو إليها، والأمر بالسلام عليها والدعاء لها. وذكرنا ما في دعاء المرء لنفسه عندها، من الفرق بين قصدها لأجل الدعاء، أو الدعاء ضمنا وتبعا. وتمام الكلام في ذلك، بذكر سائر العبادات، فالقول فيها جميعا (٢) كالقول في الدعاء، فليس في ذكر الله هناك، أو القراءة عند القبر، أو الصيام عنده، أو الذبح عنده، فضل على غيره من البقاع، ولا قصد ذلك عند القبور مستحبا. وما علمت أحدا من علماء المسلمين يقول إن الذكر هناك، أو الصيام أو القراءة، أفضل منه في غير تلك البقعة. فأما ما يذكره بعض الناس، من أنه ينتفع الميت بسماع القرآن (٣) بخلاف ما إذا قرئ في مكان آخر - فهذا (٤) إذا عني به أن يصل الثواب إليه، إذا قرئ

стр. 800

عند القبر خاصة، فليس عليه أحد من أهل العلم المعروفين، بل الناس على قولين: أحدهما: أن ثواب العبادات البدنية: من الصلاة والقراءة وغيرهما، يصل إلى الميت، كما يصل إليه ثواب العبادات المالية (١) بالإجماع (٢) . وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد وغيرهما، وقول طائفة من أصحاب الشافعي، ومالك (٣) . وهو الصواب لأدلة كثيرة، ذكرناها في غير هذا الموضع (٤) . والثاني: أن ثواب البدنية لا يصل إليه بحال، وهو المشهور عند أصحاب الشافعي (٥) ومالك. وما من أحد من هؤلاء (٦) يخص مكانا بالوصول (٧) أو عدمه، فأما استماع الميت للأصوات، من القراءة أو غيرها - فحق. لكن الميت ما بقي يثاب بعد الموت على عمل يعمله (٨) هو بعد الموت من استماع أو غيره، وإنما ينعم أو يعذب بما كان عمله (٩) هو، أو بما يُعمل عليه (١٠) بعد الموت من أثره، أو بما يعامل به. كما قد اختلف في تعذيبه بالنياحة عليه،

стр. 801

وكما ينعم بما يهدى إليه، وكما ينعم بالدعاء له وإهداء العبادات المالية بالإجماع (١) . وكذلك ذكر طائفة من العلماء، من أصحاب أحمد وغيرهم، ونقلوه عن أحمد، وذكروا فيه آثارا أن الميت يتألم بما يفعل عنده من المعاصي، فقد يقال أيضا: إنه ينعم بما يسمعه من قراءة وذكر. وهذا - لو صح - لم يوجب استحباب القراءة عنده، فإن ذلك لو كان مشروعا لسنه رسول الله ﷺ لأمته، وذلك لأن هذا، وإن كان من نوع مصلحة، ففيه مفسدة راجحة، كما في الصلاة عنده، وتنعم الميت بالدعاء له، والاستغفار والصدقة عنه (٢) وغير ذلك من العبادات (٣) يحصل له به (٤) من النفع أعظم من ذلك، وهو مشروع ولا مفسدة فيه، ولهذا لم يقل أحد من العلماء بأنه يستحب قصد القبر دائما للقراءة عنده، إذ قد علم بالاضطرار من دين الإسلام، أن ذلك ليس مما شرعه النبي ﷺ لأمته. لكن اختلفوا في القراءة عند القبور: هل تكره، أم لا تكره؟ والمسألة مشهورة، وفيها ثلاث روايات عن أحمد: إحداها أن ذلك لا بأس به. وهي اختيار الخلال وصاحبه، وأكثر المتأخرين من أصحابه. وقالوا: هي الرواية المتأخرة عن أحمد، وقول جماعة من أصحاب أبي حنيفة، واعتمدوا على ما نقل عن ابن عمر (٥) رضي الله

стр. 802

عنهما، أنه أوصى أن يقرأ على قبره وقت الدفن بفواتيح (١) البقرة، وخواتيمها. ونقل أيضا عن بعض المهاجرين قراءة سورة البقرة. والثانية: أن ذلك مكروه. حتى اختلف هؤلاء: هل تقرأ الفاتحة في صلاة الجنازة إذا صُلِّيَ عليها في المقبرة؟ وفيه عن أحمد روايتان، وهذه الرواية هي التي رواها أكثر أصحابه عنه، وعليها قدماء أصحابه الذين صحبوه، كعبد الوهاب الوراق (٢) وأبي بكر المروزي، ونحوهما، وهي (٣) مذهب جمهور السلف، كأبي حنيفة ومالك وهشيم بن بشير وغيرهم، ولا يحفظ عن الشافعي نفسه في هذه المسألة كلام، وذلك لأن ذلك كان عنده بدعة. وقال مالك: " ما علمت أحدًا يفعل ذلك "، فعلم أن الصحابة والتابعين ما كانوا يفعلونه. والثالثة: أن القراءة عنده وقت الدفن لا بأس بها، كما نقل عن ابن عمر (٤) ﵄، وبعض المهاجرين، وأما القراءة بعد ذلك - مثل الذين ينتابون (٥) القبر للقراءة عنده - فهذا مكروه، فإنه لم ينقل عن أحد من السلف مثل ذلك أصلا. وهذه الرواية لعلها أقوى من غيرها، لما فيها من التوفيق بين الدلائل.

стр. 803

والذين كرهوا القراءة عند القبر، كرهها بعضهم، وإن لم يقصد القراءة هناك، كما تكره الصلاة، فإن أحمد نهى عن القراءة في صلاة الجنازة هناك. ومعلوم أن القراءة في الصلاة ليس المقصود بها القراءة عند القبر، ومع هذا فالفرق بين ما يفعل ضمنا وتبعا، وما (١) يفعل لأجل القبر، بُيِّنَ كما تقدم. والوقوف (٢) التي وقفها الناس على القراءة عند قبورهم، فيها من الفائدة أنها تعين على حفظ القرآن، وأنها رزق لحفاظ القرآن، وباعثة لهم على حفظه ودرسه وملازمته، وإن قدر أن القارئ لا يثاب على قراءته فهو مما يحفظ به الدين، كما يحفظ بقراءة الفاجر (٣) وجهاد الفاجر، وقد قال النبي ﷺ : «إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» (٤) . وبسط الكلام في الوقوف وشروطها، قد ذكر في موضع آخر (٥) وليس هو المقصود هنا. فأما ذكر الله هناك فلا يكره، لكن قصد البقعة للذكر هناك بدعة مكروهة، فإنه نوع من اتخاذها (٦) عيدا، وكذلك قصدها للصيام عندها.

стр. 804

ومن رخص في القراءة فإنه لا يرخص في اتخاذها عيدا، مثل أن يجعل له وقت معلوم، يعتاد فيه القراءة هناك، أو يجتمع عنده للقراءة ونحو ذلك، كما أن من يرخص في الذكر والدعاء هناك، لا يرخص في اتخاذه عيدا كذلك (١) كما تقدم. وأما الذبح (٢) هناك فمنهي عنه مطلقا، ذكره أصحابنا وغيرهم. لما روى أنس عن النبي ﷺ قال: «لا عقر في (٣) الإسلام» . رواه أحمد (٤) وأبو داود، وزاد: قال عبد الرزاق: " كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة " (٥) قال أحمد في رواية المروزي: " قال النبي ﷺ : «لا عقر في الإسلام» كانوا إذا مات لهم الميت نحروا جزورا على قبره، فنهى رسول الله ﷺ عن ذلك، وكره أبو عبد الله أكل لحمه. قال أصحابنا: وفي معنى هذا ما يفعله كثير من أهل زماننا في التصدق عند القبر بخبز أو نحوه. فهذه أنواع العبادات البدنية، أو المالية، أو المركبة (٦) منهما.

стр. 805

[فصل في العكوف عند القبور ومجاورتها وسدانتها] فصل ومن المحرمات: العكوف عند القبر (١) والمجاورة عنده، وسدانته، وتعليق الستور عليه، كأنه بيت الله الكعبة. فإنا قد بينا أن نفس بناء المسجد عليه منهي عنه باتفاق الأمة، محرم بدلالة السنة، فكيف إذا ضم إلى ذلك المجاورة في ذلك المسجد، والعكوف فيه كأنه المسجد الحرام؟ بل عند بعضهم أن العكوف فيه أحب إليه من العكوف في المسجد الحرام، إذ من الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله، والذين آمنوا أشد حبا لله. بل حرمة ذلك المسجد المبني على القبر الذي حرمه الله ورسوله، أعظم عند المقابريين (٢) من حرمة بيوت الله التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وقد أسست على تقوى من الله (٣) ورضوان (٤) . وقد بلغ الشيطان بهذه البدع إلى الشرك العظيم في كثير من الناس، حتى إن منهم من يعتقد أن زيارة المشاهد التي (٥) على القبور - إما قبر لنبي،

стр. 806

أو شيخ، أو بعض أهل (١) البيت - أفضل من حج البيت الحرام، ويسمي زيارتها: الحج الأكبر، ومن هؤلاء من يرى أن السفر لزيارة قبر النبي ﷺ أفضل من حج البيت. وبعضهم إذا وصل المدينة رجع (٢) وظن أنه حصل له المقصود (٣) . وهذا لأنهم ظنوا أن زيارة القبور (٤) لأجل الدعاء عندها والتوسل بها، وسؤال الميت ودعائه. ومعلوم أن النبي ﷺ أفضل من الكعبة، ولو علموا أن المقصود إنما هو عبادة الله وحده لا شريك له وسؤاله ودعاؤه، والمقصود بزيارة القبور الدعاء لها، كما يقصد بالصلاة على الميت؛ لزال هذا عن قلوبهم. ولهذا، كثير من هؤلاء يسأل الميت والغائب، كما يسأل ربه، فيقول: اغفر لي وارحمني، وتب علي، ونحو ذلك. وكثير من الناس تمثل له صورة الشيخ المستغاث به، ويكون ذلك شيطانا قد خاطبه، كما تفعل الشياطين بعبدة الأصنام (٥) وأعظم من ذلك (٦) قصد الدعاء عنده والنذر له، أو للسدنة العاكفين عليه، أو المجاورين عنده، من أقاربه أو غيرهم، واعتقاد أنه بالنذر له قضيت الحاجة، أو كشف البلاء. فإنا قد بينا بقول الصادق المصدوق: أن نذر العمل المشروع لا يأتي بخير، وأن الله لم يجعله سببا لدرك الحاجة، كما جعل الدعاء سببا لذلك، فكيف نذر المعصية، الذي لا يجوز الوفاء به؟

стр. 807

واعلم أن أهل القبور (١) من الأنبياء والصالحين، المدفونين، يكرهون ما يفعل عندهم كل الكراهة، كما أن المسيح ﵇ يكره ما يفعل النصارى به، وكما كان أنبياء بني إسرائيل يكرهون ما يفعله الأتباع، فلا يحسب المرء المسلم أن النهي عن اتخاذ القبور أعيادا وأوثانا فيه غض من (٢) أصحابها، بل هو من باب إكرامهم، وذلك أن القلوب إذا اشتغلت بالبدع أعرضت عن السنن، فتجد أكثر هؤلاء العاكفين على القبور معرضين عن سنة ذلك المقبور وطريقته، مشتغلين بقبره عما أمر به ودعا إليه. ومن كرامة الأنبياء والصالحين، أن يتبع ما دعوا إليه من العمل الصالح، ليكثر أجرهم بكثرة أجور من اتبعهم، كما قال النبي ﷺ : «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيء» (٣) . وإنما اشتغلت قلوب طوائف من الناس، بأنواع من العبادات المبتدعة: إما من الأدعية، وإما من الأشعار (٤) وإما من السماعات، ونحو ذلك لإعراضهم عن المشروع، أو بعضه - أعني لإعراض قلوبهم - وإن قاموا بصورة المشروع، وإلا فمن أقبل على الصلوات الخمس بوجهه وقلبه، عاقلا لما اشتملت عليه من الكلم الطيب، والعمل الصالح مهتما بها كل الاهتمام - أغنته عن كل ما يتوهم فيه خير من جنسها.

стр. 808

ومن أصغى إلى كلام الله وكلام رسوله بعقله، وتدبره بقلبه، وجد فيه من الفهم والحلاوة (١) والبركة والمنفعة ما لا يجده في شيء من الكلام لا منظومه ولا منثوره. ومن اعتاد الدعاء المشروع في أوقاته، كالأسحار، وأدبار الصلوات والسجود، ونحو ذلك، أغناه عن كل دعاء مبتدع، في ذاته أو بعض صفاته. فعلى العاقل أن يجتهد في اتباع السنة في كل شيء من ذلك، ويعتاض عن كل ما يظن (٢) من البدع أنه خير بنوعه من السنن، فإنه من يَتَحَرَّ الخيرَ يُعْطَهُ، ومن يتوقَّ الشرَّ يُوقَهُ.

стр. 809

[فصل في مقامات الأنبياء وحكم قصدها] [أقوال العلماء وبيان القول الصحيح وأدلته] فصل فأما مقامات الأنبياء والصالحين، وهي الأمكنة التي (١) قاموا فيها، أو أقاموا، أو عبدوا الله سبحانه، لكنهم لم يتخذوها مساجد؛ (٢) فالذي بلغني في ذلك قولان عن العلماء المشهورين: أحدهما: النهي عن ذلك وكراهته، وأنه لا يستحب قصد بقعة للعبادة، إلا أن يكون قصدها للعبادة مما جاء به الشرع، مثل أن يكون النبي ﷺ قصدها للعبادة كما قصد الصلاة في مقام إبراهيم، وكما كان يتحرى الصلاة عند الأصطوانة (٣) وكما يقصد المساجد للصلاة، ويقصد الصف الأول ونحو ذلك. والقول الثاني: أنه لا بأس باليسير (٤) من ذلك، كما نقل عن ابن عمر: أنه كان يتحرى قصد المواضع التي سلكها النبي ﷺ ، وإن كان النبي ﷺ قد سلكها اتفاقا لا قصدا. قال (٥) سندي الخواتيمي: سألنا أبا عبد الله عن الرجل

стр. 810

يأتي هذه المشاهد، ويذهب إليها، ترى ذلك؟ قال: أما على حديث ابن أم مكتوم: أنه سأل النبي ﷺ أن يصلي في بيته حتى يتخذ ذلك مصلى. وعلى ما كان يفعله ابن عمر، يتتبع مواضع النبي ﷺ وأثره، فليس بذلك بأس، أن يأتي الرجل المشاهد، إلا أن الناس قد أفرطوا في هذا جدا، وأكثروا فيه ". وكذلك نقل عنه (١) أحمد بن القاسم: أنه سئل عن الرجل يأتي هذه المشاهد التي بالمدينة، وغيرها، يذهب إليها؟ فقال: " أما على «حديث ابن أم مكتوم: أنه سأل النبي ﷺ أن يأتيه فيصلي في بيته حتى يتخذه مسجدا» ، وعلى ما كان يفعل ابن عمر ﵁: كان (٢) يتتبع مواضع سير النبي ﷺ ، حتى رئي أنه يصب في موضع ماء، فيسأل عن ذلك. فقال: رأيت النبي ﷺ يصب هاهنا ماء، قال: أما على هذا فلا بأس ". قال: ورخص فيه، ثم قال: " ولكن قد أفرط الناس جدا، وأكثروا (٣) في هذا المعنى، فذكر قبر الحسين وما يفعل الناس عنده. رواهما الخلال في كتاب الأدب (٤) . فقد فصل أبو عبد الله ﵀ في المشاهد، وهي الأمكنة التي فيها آثار الأنبياء والصالحين، من غير أن تكون مساجد لهم، كمواضع بالمدينة (٥) بين القليل الذي لا يتخذونه عيدا، والكثير الذي يتخذونه عيدا، كما تقدم. وهذا التفصيل جمع فيه بين الآثار وأقوال الصحابة، فإنه قد روى البخاري في صحيحه، عن موسى بن عقبة قال: " رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق، ويصلي فيها، ويحدث أن أباه كان يصلي فيها، وأنه رأى النبي ﷺ
следующие страницы →