← Акыда

Акыда · id 11620

اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم

ابن تيمية

Полный текст (951 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

أو شيخ، أو بعض أهل (١) البيت - أفضل من حج البيت الحرام، ويسمي زيارتها: الحج الأكبر، ومن هؤلاء من يرى أن السفر لزيارة قبر النبي ﷺ أفضل من حج البيت. وبعضهم إذا وصل المدينة رجع (٢) وظن أنه حصل له المقصود (٣) . وهذا لأنهم ظنوا أن زيارة القبور (٤) لأجل الدعاء عندها والتوسل بها، وسؤال الميت ودعائه. ومعلوم أن النبي ﷺ أفضل من الكعبة، ولو علموا أن المقصود إنما هو عبادة الله وحده لا شريك له وسؤاله ودعاؤه، والمقصود بزيارة القبور الدعاء لها، كما يقصد بالصلاة على الميت؛ لزال هذا عن قلوبهم. ولهذا، كثير من هؤلاء يسأل الميت والغائب، كما يسأل ربه، فيقول: اغفر لي وارحمني، وتب علي، ونحو ذلك. وكثير من الناس تمثل له صورة الشيخ المستغاث به، ويكون ذلك شيطانا قد خاطبه، كما تفعل الشياطين بعبدة الأصنام (٥) وأعظم من ذلك (٦) قصد الدعاء عنده والنذر له، أو للسدنة العاكفين عليه، أو المجاورين عنده، من أقاربه أو غيرهم، واعتقاد أنه بالنذر له قضيت الحاجة، أو كشف البلاء. فإنا قد بينا بقول الصادق المصدوق: أن نذر العمل المشروع لا يأتي بخير، وأن الله لم يجعله سببا لدرك الحاجة، كما جعل الدعاء سببا لذلك، فكيف نذر المعصية، الذي لا يجوز الوفاء به؟

стр. 807

واعلم أن أهل القبور (١) من الأنبياء والصالحين، المدفونين، يكرهون ما يفعل عندهم كل الكراهة، كما أن المسيح ﵇ يكره ما يفعل النصارى به، وكما كان أنبياء بني إسرائيل يكرهون ما يفعله الأتباع، فلا يحسب المرء المسلم أن النهي عن اتخاذ القبور أعيادا وأوثانا فيه غض من (٢) أصحابها، بل هو من باب إكرامهم، وذلك أن القلوب إذا اشتغلت بالبدع أعرضت عن السنن، فتجد أكثر هؤلاء العاكفين على القبور معرضين عن سنة ذلك المقبور وطريقته، مشتغلين بقبره عما أمر به ودعا إليه. ومن كرامة الأنبياء والصالحين، أن يتبع ما دعوا إليه من العمل الصالح، ليكثر أجرهم بكثرة أجور من اتبعهم، كما قال النبي ﷺ : «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيء» (٣) . وإنما اشتغلت قلوب طوائف من الناس، بأنواع من العبادات المبتدعة: إما من الأدعية، وإما من الأشعار (٤) وإما من السماعات، ونحو ذلك لإعراضهم عن المشروع، أو بعضه - أعني لإعراض قلوبهم - وإن قاموا بصورة المشروع، وإلا فمن أقبل على الصلوات الخمس بوجهه وقلبه، عاقلا لما اشتملت عليه من الكلم الطيب، والعمل الصالح مهتما بها كل الاهتمام - أغنته عن كل ما يتوهم فيه خير من جنسها.

стр. 808

ومن أصغى إلى كلام الله وكلام رسوله بعقله، وتدبره بقلبه، وجد فيه من الفهم والحلاوة (١) والبركة والمنفعة ما لا يجده في شيء من الكلام لا منظومه ولا منثوره. ومن اعتاد الدعاء المشروع في أوقاته، كالأسحار، وأدبار الصلوات والسجود، ونحو ذلك، أغناه عن كل دعاء مبتدع، في ذاته أو بعض صفاته. فعلى العاقل أن يجتهد في اتباع السنة في كل شيء من ذلك، ويعتاض عن كل ما يظن (٢) من البدع أنه خير بنوعه من السنن، فإنه من يَتَحَرَّ الخيرَ يُعْطَهُ، ومن يتوقَّ الشرَّ يُوقَهُ.

стр. 809

[فصل في مقامات الأنبياء وحكم قصدها] [أقوال العلماء وبيان القول الصحيح وأدلته] فصل فأما مقامات الأنبياء والصالحين، وهي الأمكنة التي (١) قاموا فيها، أو أقاموا، أو عبدوا الله سبحانه، لكنهم لم يتخذوها مساجد؛ (٢) فالذي بلغني في ذلك قولان عن العلماء المشهورين: أحدهما: النهي عن ذلك وكراهته، وأنه لا يستحب قصد بقعة للعبادة، إلا أن يكون قصدها للعبادة مما جاء به الشرع، مثل أن يكون النبي ﷺ قصدها للعبادة كما قصد الصلاة في مقام إبراهيم، وكما كان يتحرى الصلاة عند الأصطوانة (٣) وكما يقصد المساجد للصلاة، ويقصد الصف الأول ونحو ذلك. والقول الثاني: أنه لا بأس باليسير (٤) من ذلك، كما نقل عن ابن عمر: أنه كان يتحرى قصد المواضع التي سلكها النبي ﷺ ، وإن كان النبي ﷺ قد سلكها اتفاقا لا قصدا. قال (٥) سندي الخواتيمي: سألنا أبا عبد الله عن الرجل

стр. 810

يأتي هذه المشاهد، ويذهب إليها، ترى ذلك؟ قال: أما على حديث ابن أم مكتوم: أنه سأل النبي ﷺ أن يصلي في بيته حتى يتخذ ذلك مصلى. وعلى ما كان يفعله ابن عمر، يتتبع مواضع النبي ﷺ وأثره، فليس بذلك بأس، أن يأتي الرجل المشاهد، إلا أن الناس قد أفرطوا في هذا جدا، وأكثروا فيه ". وكذلك نقل عنه (١) أحمد بن القاسم: أنه سئل عن الرجل يأتي هذه المشاهد التي بالمدينة، وغيرها، يذهب إليها؟ فقال: " أما على «حديث ابن أم مكتوم: أنه سأل النبي ﷺ أن يأتيه فيصلي في بيته حتى يتخذه مسجدا» ، وعلى ما كان يفعل ابن عمر ﵁: كان (٢) يتتبع مواضع سير النبي ﷺ ، حتى رئي أنه يصب في موضع ماء، فيسأل عن ذلك. فقال: رأيت النبي ﷺ يصب هاهنا ماء، قال: أما على هذا فلا بأس ". قال: ورخص فيه، ثم قال: " ولكن قد أفرط الناس جدا، وأكثروا (٣) في هذا المعنى، فذكر قبر الحسين وما يفعل الناس عنده. رواهما الخلال في كتاب الأدب (٤) . فقد فصل أبو عبد الله ﵀ في المشاهد، وهي الأمكنة التي فيها آثار الأنبياء والصالحين، من غير أن تكون مساجد لهم، كمواضع بالمدينة (٥) بين القليل الذي لا يتخذونه عيدا، والكثير الذي يتخذونه عيدا، كما تقدم. وهذا التفصيل جمع فيه بين الآثار وأقوال الصحابة، فإنه قد روى البخاري في صحيحه، عن موسى بن عقبة قال: " رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق، ويصلي فيها، ويحدث أن أباه كان يصلي فيها، وأنه رأى النبي ﷺ

стр. 811

يصلي في تلك الأمكنة " قال موسى: " وحدثني نافع أن ابن عمر كان يصلي في تلك الأمكنة " (١) فهذا كما رخص فيه أحمد ﵁. وأما ما كرهه: فروى سعيد بن منصور في سننه، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن معرور بن سويد، " عن عمر ﵁ قال: خرجنا معه في حجة حجها فقرأ بنا في الفجر بـ ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١] و ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] في الثانية، فلما رجع من حجته رأى الناس ابتدروا المسجد فقال: ما هذا؟ قالوا: مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ فقال: هكذا (٢) هلك أهل الكتاب قبلكم: اتخذوا آثار أنبيائهم بيعا، من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل، ومن لم تعرض له الصلاة فليمض " (٣) فقد كره عمر ﵁ اتخاذ مصلى النبي ﷺ عيدا، وبين أن أهل الكتاب إنما هلكوا بمثل هذا. وفي رواية عنه: " أنه رأى الناس يذهبون مذاهب فقال: أين يذهب هؤلاء؟ فقيل: يا أمير المؤمنين، مسجد صلى فيه النبي ﷺ ، فهم يصلون فيه فقال: إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، كانوا يتبعون آثار أنبيائهم ويتخذونها كنائس وبيعا، فمن أدركته الصلاة منكم في هذه المساجد فليصل،

стр. 812

ومن لا فليمض ولا يتعمدها " (١) . وروى محمد بن وضاح (٢) وغيره: أن عمر بن الخطاب أمر بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي ﷺ (٣) لأن الناس كانوا يذهبون تحتها. فخاف عمر الفتنة عليهم (٤) . وقد اختلف العلماء ﵃ في إتيان المشاهد - فقال محمد بن وضاح: كان مالك وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار التي بالمدينة، ما عدا قباء وأحدا. ودخل سفيان الثوري بيت المقدس وصلى فيه ولم يتبع تلك الآثار، ولا الصلاة فيها. فهؤلاء كرهوها مطلقا، لحديث عمر ﵁ هذا، ولأن ذلك يشبه الصلاة عند المقابر إذ هو ذريعة إلى اتخاذها أعيادا، وإلى التشبه بأهل الكتاب، (٥) ولأن ما فعله ابن عمر لم يوافقه عليه أحد من الصحابة، فلم ينقل عن الخلفاء الراشدين ولا غيرهم، من المهاجرين والأنصار، أنه (٦) كان يتحرى قصد الأمكنة التي نزلها النبي ﷺ .

стр. 813

والصواب مع جمهور الصحابة؛ لأن متابعة النبي ﷺ تكون بطاعة أمره، وتكون في فعله، بأن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعله، فإذا قصد العبادة في مكان كان قصد العبادة فيه متابعة له، كقصد المشاعر والمساجد. وأما إذا نزل في مكان بحكم الاتفاق لكونه صادف وقت النزول، أو غير ذلك، مما يعلم أنه لم يتحر ذلك المكان، فإذا تحرينا ذلك المكان لم نكن متبعين له، فإن الأعمال بالنيات. واستحب آخرون من العلماء المتأخرين إتيانها، وذكر طائفة من المصنفين من أصحابنا وغيرهم في المناسك، استحباب زيارة هذه المساجد وعدوا منها مواضع وسموها. وأما أحمد فرخص منها فيما جاء به الأثر من ذلك إلا إذا اتخذت عيدا، مثل أن تنتاب لذلك، ويجتمع عندها في وقت معلوم، كما يرخص في صلاة النساء في المساجد جماعات، وإن كانت بيوتهن خيرا لهن، إلا إذا تبرجن وجمع بذلك بين الآثار، واحتج بحديث ابن أم مكتوم. ومثله: ما خرجاه في الصحيحين، «عن عتبان بن مالك (١) قال: كنت أصلي لقومي بني سالم، فأتيت النبي ﷺ ، فقلت: إني أنكرت بصري، وإن السيول تحول بيني وبين مسجد قومي، فلوددت أنك جئت فصليت في بيتي مكانا حتى أتخذه مسجدا. فقال: " أفعل إن شاء الله " فغدا علي رسول الله ﷺ وأبو بكر معه، بعدما اشتد النهار، فاستأذن النبي ﷺ فأذنت له، فلم يجلس حتى قال: " أين تحب أن أصلي من بيتكم (٢) " فأشرت له إلى المكان الذي أحب

стр. 814

أن يصلي فيه، فقام رسول الله ﷺ فكبر، وصففنا (١) وراءه، فصلى ركعتين، ثم سلم وسلمنا حين سلم» (٢) ". ففي هذا الحديث دلالة على أن من قصد أن يبني مسجده في موضع صلاة رسول الله ﷺ فلا بأس به، وكذلك قصد الصلاة في موضع صلاته، لكن هذا كان أصل قصده بناء مسجد، فأحب أن يكون موضعا يصلي له فيه النبي ﷺ ، ليكون النبي ﷺ هو الذي رسم المسجد، بخلاف مكان صلى فيه النبي ﷺ اتفاقا فاتخذ مسجدا لا لحاجة إلى المسجد، لكن (٣) لأجل صلاته فيه. [الأمكنة التي كان النبي ﷺ يقصد الصلاة أو الدعاء عندها] فأما الأمكنة التي كان النبي ﷺ يقصد الصلاة أو الدعاء عندها، فقصد الصلاة فيها أو الدعاء سنة، اقتداء برسول الله ﷺ واتباعا له، كما إذا تحرى الصلاة أو الدعاء في وقت من الأوقات فإن قصد الصلاة أو الدعاء في ذلك الوقت سنة كسائر عباداته، وسائر الأفعال التي فعلها على وجه التقرب ومثل هذا: ما خرجاه في الصحيحين عن يزيد بن أبي عبيد (٤) قال: " كان سلمة بن الأكوع (٥) يتحرى الصلاة عند الأصطوانة التي عند المصحف. فقلت له: يا أبا مسلم، أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأصطوانة،

стр. 815

قال (١) «رأيت النبي ﷺ يتحرى الصلاة عندها» (٢) وفي رواية لمسلم عن سلمة بن الأكوع: أنه كان يتحرى الصلاة موضع المصحف، يسبح فيه، وذكر أن «رسول الله ﷺ كان يتحرى ذلك المكان، وكان بين المنبر والقبلة قدر ممر الشاة» (٣) . وقد ظن بعض المصنفين أن هذا مما اختلف فيه وجعله والقسم الأول سواء، وليس بجيد. فإنه هنا أخبر أن النبي ﷺ كان يتحرى البقعة. . فكيف لا يكون هذا القصد مستحبا؟ نعم: إيطان (٤) بقعة في المسجد لا يصلى إلا فيها منهي عنه كما جاءت به السنة، والإيطان ليس هو التحري من غير إيطان (٥) . فيجب الفرق بين اتباع النبي ﷺ ، والاستنان به فيما فعله، وبين ابتداع بدعة لم يسنها لأجل تعلقها به.

стр. 816

وقد تنازع العلماء فيما إذا فعل (١) فعلا من المباحات لسبب، وفعلناه نحن تشبها به، مع انتفاء ذلك السبب، فمنهم من يستحب ذلك ومنهم من لا يستحبه، وعلى هذا يخرج فعل ابن عمر ﵄، بأن النبي ﷺ كان يصلي في تلك البقاع التي في طريقه، لأنها كانت منزله، لم يتحر الصلاة فيها لمعنى في البقعة. فنظير هذا: أن يصلي المسافر في منزله، وهذا سنة. فأما قصد الصلاة في تلك البقاع التي صلى فيها (٢) اتفاقا، فهذا لم ينقل عن غير ابن عمر من الصحابة، بل كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وسائر السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار (٣) يذهبون من المدينة إلى مكة حجاجا وعمارا ومسافرين، ولم ينقل عن أحد منهم أنه تحرى الصلاة في مصليات النبي ﷺ . ومعلوم أن هذا لو كان عندهم مستحبا لكانوا إليه أسبق، فإنهم أعلم بسنته وأتبع لها من غيرهم. وقد قال ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة (٤) وكل بدعة ضلالة» (٥) .

стр. 817

وتحري هذا ليس من سنة الخلفاء الراشدين، بل هو مما ابتدع، وقول الصحابي (١) إذا خالفه نظيره، ليس بحجة، فكيف إذا انفرد به عن جماهير الصحابة؟ أيضا: فإن تحري الصلاة فيها ذريعة إلى اتخاذها مساجد والتشبه بأهل الكتاب مما نهينا عن التشبه بهم فيه وذلك ذريعة إلى الشرك بالله، والشارع قد حسم هذه المادة بالنهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وبالنهي عن اتخاذ القبور مساجد، فإذا كان قد نهى عن الصلاة المشروعة في هذا المكان وهذا الزمان، سدا للذريعة. فكيف يستحب قصد الصلاة والدعاء في مكان اتفق قيامهم فيه، أو صلاتهم فيه، من غير أن يكونوا (٢) قد قصدوه للصلاة فيه والدعاء فيه؟ . ولو ساغ هذا لاستحب قصد جبل حراء والصلاة فيه، وقصد جبل ثور والصلاة فيه، وقصد الأماكن التي يقال إن الأنبياء قاموا فيها، كالمقامين اللذين بطريق جبل قاسيون بدمشق، اللذين يقال إنهما مقام إبراهيم وعيسى، والمقام الذي يقال إنه مغارة دم قابيل، وأمثال ذلك، من البقاع التي بالحجاز والشام وغيرهما. ثم ذلك يفضي إلى ما أفضت إليه مفاسد القبور، فإنه يقال: إن هذا مقام نبي، أو قبر نبي، أو ولي، بخبر لا يعرف قائله، أو بمنام لا تعرف حقيقته، ثم يترتب على ذلك اتخاذه مسجدا، فيصير وثنا يعبد من دون الله تعالى. شرك مبني على إفك! والله سبحانه يقرن في كتابه بين الشرك والكذب، كما يقرن بين الصدق والإخلاص. ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «عدلت شهادة الزور الإشراك بالله» - ثلاثا - ثم قرأ قوله تعالى:

стр. 818

﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: ٣٠] (١)) (٢) . وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ - وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [القصص: ٧٤ - ٧٥] (٣) وقال تعالى عن الخليل: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ - أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: ٨٥ - ٨٦] (٤) وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٤] (٥) . وقال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ - إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ - أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ١ - ٣] (٦) . وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ - فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ - هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٢٨ - ٣٠] (٧) .

стр. 819

وقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [يونس: ٦٦] (١) . وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٢] (٢) . قال أبو قلابة: " هي لكل مبتدع من هذه الأمة إلى يوم القيامة " (٣) . وهو (٤) كما قال: فإن أهل الكذب والفرية عليهم من الغضب والذلة ما أوعدهم الله به. والشرك وسائر البدع مبناها على الكذب والافتراء، ولهذا: كل من كان عن التوحيد والسنة أبعد، كان إلى الشرك والابتداع والافتراء أقرب (٥) كالرافضة الذين هم أكذب طوائف أهل الأهواء، وأعظمهم شركا، فلا يوجد في أهل

стр. 820

الأهواء أكذب منهم، ولا أبعد عن التوحيد منهم، حتى إنهم يخربون (١) مساجد الله التي يذكر فيها اسمه فيعطلونها عن الجماعات والجمعات، ويعمرون المشاهد التي على القبور، التي نهى الله ورسوله عن اتخاذها، والله سبحانه في كتابه إنما أمر بعمارة المساجد لا المشاهد، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة: ١١٤] (٢) ولم يقل: مشاهد الله. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٢٩] (٣) ولم يقل: عند كل مشهد. وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧] إلى قوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨] (٤) ولم يقل: مشاهد الله. بل المشاهد إنما يعمرها من يخشى غير الله ويرجو غير الله لا يعمرها إلا من فيه نوع من الشرك. وقال الله تعالى: ﴿وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: ٤٠] (٥) وقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ - رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ - لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور: ٣٦ - ٣٨] (٦) وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] (٧)

стр. 821

ولم يقل: وأن المشاهد لله. وكذلك سنة رسول الله ﷺ الثابتة كقوله في الحديث الصحيح: «من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة» (١) ولم يقل: مشهدا. وقال أيضا في الحديث: «صلاة الرجل في المسجد تفضل عن صلاته في بيته وسوقه بخمس وعشرين صلاة» (٢) وقال في الحديث الصحيح: «من تطهر في بيته فأحسن الطهور، ثم خرج إلى المسجد لا تنهزه (٣) إلا الصلاة، كانت خطواته إحداهما ترفع درجة والأخرى تحط خطيئة. فإذا جلس ينتظر الصلاة فالعبد في صلاة ما دام ينتظر الصلاة، والملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه، اللهم اغفر له اللهم ارحمه ما لم يحدث» (٤) .

стр. 822

وهذا مما علم (١) بالتواتر والضرورة من دين الرسول (٢) ﷺ ، فإنه أمر بعمارة المساجد والصلاة فيها، ولم يأمر ببناء مشهد، لا على قبر نبي، ولا غير قبر نبي (٣) ولا على مقام نبي، ولم يكن على عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم في بلاد الإسلام، لا الحجاز ولا الشام ولا اليمن ولا العراق ولا خراسان ولا مصر ولا المغرب مسجد مبني (٤) على قبر، ولا مشهد يقصد للزيارة أصلا، ولم يكن أحد من السلف يأتي إلى قبر نبي أو غير نبي (٥) لأجل الدعاء عنده، ولا كان الصحابة يقصدون الدعاء عند قبر النبي ﷺ ، ولا عند قبر غيره من الأنبياء، وإنما كانوا يصلون ويسلمون على النبي ﷺ وعلى صاحبيه. واتفق الأئمة على أنه إذا دعا بمسجد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يستقبل قبره، وتنازعوا عند السلام عليه فقال مالك وأحمد وغيرهما: يستقبل قبره ويسلم عليه (٦) وهو الذي ذكره أصحاب الشافعي، وأظنه منصوصًا عنه. وقال أبو حنيفة: بل يستقبل القبلة ويسلم عليه، هكذا في كتب أصحابه (٧) .

стр. 823

وقال مالك فيما ذكره إسماعيل بن إسحاق (١) في المبسوط، والقاضي عياض (٢) وغيرهما: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ ويدعو، ولكن يسلم ويمضي (٣) . وقال أيضًا في المبسوط: لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج، أن يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي عليه (٤) ويدعو لأبي بكر وعمر ﵄. فقيل له: فإن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه (٥) يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر عند القبر، فيسلمون ويدعون ساعة، فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه (٦) ببلدنا، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك. ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده (٧) . وقد تقدم في ذلك من الآثار عن السلف والأئمة، ما يوافق هذا ويؤيده من

стр. 824

أنهم كانوا إنما يستحبون عند قبره ما هو من جنس الدعاء له والتحية: كالصلاة والسلام. ويكرهون قصده للدعاء، والوقوف عنده للدعاء (١) ومن يرخص منهم في شيء من ذلك فإنه إنما يرخص فيما إذا سلم عليه ثم أراد الدعاء، أن يدعو مستقبلًا القبلة إما مستدبر القبر وإما منحرفًا عنه، وهو أن يستقبل القبلة ويدعو، ولا يدعو مستقبل القبر، وهكذا المنقول عن سائر الأئمة. ليس في أئمة المسلمين من استحب للمرء (٢) أن يستقبل قبر النبي ﷺ ، ويدعو عنده، وهذا الذي ذكرناه عن مالك والسلف، يبين حقيقية الحكاية المأثورة عنه، وهي الحكاية التي ذكرها القاضي عياض عن محمد بن حميد (٣) قال: " ناظر أبو جعفر (٤) أمير المؤمنين مالكًا في مسجد الرسول ﷺ ، فقال له (٥) مالك: يا أمير المؤمنين، لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإن الله تعالى أدب قوما فقال: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] الآية (٦) ومدح قومًا (٧) فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٣] الآية (٨) وذم قومًا فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤] الآية (٩) .

стр. 825

وإن حرمته ميتًا كحرمته حيًا، فاستكان أبو جعفر، وقال: يا أبا عبد الله، أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول الله ﷺ ؟ فقال: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى الله يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به فيشفعه (١) الله (٢) . وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ٦٤] (٣) الآية (٤) . فهذه الحكاية على هذا الوجه إما أن تكون ضعيفة، أو مغيرة، وإما أن تفسر بما يوافق مذهبه إذ قد (٥) يفهم منها ما هو خلاف مذهبه المعروف بنقل الثقات من أصحابه، فإنه لا يختلف مذهبه أنه لا يستقبل القبر عند الدعاء، (٦) وقد نص على أنه لا يقف عند الدعاء مطلقًا، وذكر طائفة من أصحابه أنه يدنو من القبر، ويسلم على النبي ﷺ ، ثم يدعو مستقبل القبلة، ويوليه ظهره، وقيل: لا يوليه ظهره. فاتفقوا في استقبال القبلة وتنازعوا في تولية القبر ظهره، وقت الدعاء. ويشبه - والله أعلم - أن يكون مالك ﵀ سئل عن استقبال القبر عند السلام عليه، وهو يسمي ذلك دعاء، فإنه قد كان من فقهاء العراق من يرى أنه عند السلام عليه يستقبل القبلة أيضًا، ومالك يرى استقبال القبر في هذه الحال كما تقدم.

стр. 826

وكما قال في رواية ابن وهب عنه: " إذا سلم على النبي ﷺ يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة، ويدنو ويسلم ويدعو، ولا يمس القبر بيده (١) وقد تقدم قوله: إنه يصلي عليه ويدعو له ". ومعلوم أن الصلاة عليه والدعاء له يوجب شفاعته للعبد يوم القيامة، كما قال ﷺ في الحديث الصحيح: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول: ثم صلوا علي فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة (٢) حلت عليه شفاعتي يوم القيامة» (٣) . فقول مالك في هذه الحكاية - إن كان ثابتًا عنه - (٤) معناه: إنك إذا استقبلته وصليت عليه وسلمت عليه، وسألت الله له الوسيلة، يشفع فيك يوم القيامة فإن الأمم يوم القيامة يتوسلون (٥) بشفاعته واستشفاع العبد به في الدنيا هو (٦) فعل ما يشفع به له يوم القيامة، كسؤال الله له الوسيلة ونحو ذلك. وكذلك ما نقل عنه من رواية ابن وهب: إذا سلم على النبي ﷺ ودعا، يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة، ويدعو (٧) ويسلم، يعني دعاءه للنبي ﷺ وصاحبيه.

стр. 827

فهذا الدعاء هو المشروع هناك، كالدعاء عند زيارة قبور سائر المؤمنين، وهو الدعاء لهم، فإنه أحق الناس أن يُصلى عليه ويسلم عليه (١) ويُدعى له - بأبي هو وأمي ﷺ . وبها تتفق أقوال مالك، ويفرق بين الدعاء (٢) الذي أحبه، والدعاء الذي كرهه وذكر أنه بدعة. وأما الحكاية في تلاوة مالك هذه الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ [النساء: ٦٤] (٣) الآية، فهي - والله أعلم - باطلة، فإن هذا لم يذكره أحد من الأئمة فيما أعلمه، ولم يذكر أحد منهم أنه استحب أن يسأل (٤) بعد الموت لا استغفارا ولا غيره، وكلامه المنصوص عنه وعن أمثاله ينافي هذا، وإنما يعرف مثل هذا في حكاية ذكرها طائفة من متأخري الفقهاء، عن أعرابي أنه أتى قبر النبي ﷺ ، وتلا هذه الآية، وأنشد بيتين: يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم (٥) ولهذا استحب طائفة من متأخري الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد، مثل ذلك، واحتجوا بهذه الحكاية التي لا يثبت بها حكم شرعي، لا سيما في مثل هذا الأمر الذي لو كان مشروعا مندوبا؛ لكان الصحابة والتابعون أعلم به وأعمل به من غيرهم، بل قضاء حاجة مثل هذا الأعرابي وأمثاله لها أسباب

стр. 828

قد بسطت في غير هذا الموضع (١) . وليس كل من قضيت حاجته بسبب يقتضي أن يكون السبب مشروعًا مأمورًا به، فقد كان رسول الله ﷺ يُسأل في حياته المسألة فيعطيها لا يرد سائلا، وتكون المسألة محرمة في حق السائل: حتى (٢) قال «إني لأعطي أحدهم العطية فيخرج بها يتأبطها نارا " قالوا يا رسول الله فلم تعطيهم؟ قال: " يأبون إلا أن يسألوني، ويأبى الله لي البخل» (٣) . وقد يفعل الرجل العمل (٤) الذي يعتقده صالحًا، ولا يكون عالمًا أنه (٥) منهي عنه، فيثاب على حسن قصده، ويُعفى عنه لعدم علمه. وهذا باب واسع. وعامة العبادات المبتدعة المنهي عنها، قد يفعلها بعض الناس، ويحل له بها نوع من الفائدة، وذلك لا يدل على أنها مشروعة بل (٦) لو لم تكن مفسدتها أغلب من مصلحتها لما نهي عنها. ثم الفاعل قد يكون متأولا، أو مخطئا مجتهدا أو مقلدا، فيغفر له خطؤه ويثاب على ما فعله من الخير المشروع المقرون بغير المشروع، كالمجتهد المخطئ، وقد بسط (٧) هذا في غير هذا الموضع (٨) .

стр. 829

[الاستسقاء بأهل الخير الأحياء إنما يكون بدعائهم] والمقصود هنا أنه قد علم أن مالكًا من أعلم الناس بمثل هذه الأمور، فإنه مقيم بالمدينة، يرى ما يفعله التابعون وتابعوهم، ويسمع ما ينقلونه عن الصحابة وأكابر التابعين، وهو ينهى عن الوقوف عند القبر للدعاء، ويذكر أنه لم يفعله السلف. وقد أجدب الناس على عهد عمر (١) ﵁، فاستسقى بالعباس. ففي صحيح البخاري، عن أنس: " أن عمر استسقى بالعباس، وقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقِنا، فيُسقون (٢) . فاستسقوا به كما كانوا يستسقون بالنبي ﷺ في حياته، وهو أنهم يتوسلون بدعائه وشفاعته لهم، فيدعو لهم ويدعون معه كالإمام والمأمومين، من غير أن يكونوا يقسمون على الله بمخلوق، كما ليس لهم أن يقسم بعضهم على بعض بمخلوق، ولما مات النبي ﷺ توسلوا بدعاء العباس واستسقوا به. ولهذا (٣) قال الفقهاء: يستحب الاستسقاء بأهل الخير والدين، والأفضل أن يكون من أهل (٤) بيت النبي ﷺ ، وقد استسقى معاوية بيزيد بن الأسود الجرشي (٥) وقال اللهم إنا (٦) نستسقي بيزيد بن الأسود، يا يزيد ارفع (٧)

стр. 830

يدك فرفع (١) يديه ودعا، ودعا الناس حتى أمطروا (٢) . ولم يذهب أحد من الصحابة إلى قبر النبي ﷺ ولا غيره يستسقي (٣) عنده ولا به، والعلماء استحبوا السلام على النبي ﷺ ؛ للحديث الذي في سنن أبي داود عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من رجل يسلم علي إلا رد الله عليّ روحي حتى أرد ﵇» (٤) هذا مع ما في النسائي وغيره، عنه ﷺ أنه قال: «إن الله وكّل بقبري ملائكة يبلغوني عن أمتي السلام» (٥) . وفي سنن أبي داود وغيره عنه، أنه قال «أكثروا من الصلاة علي ليلة الجمعة ويوم الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي "، فقالوا يا رسول الله، كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ -أي بليت -فقال: " إن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء» (٦) . فالصلاة عليه -بأبي هو وأمي- والسلام عليه مما أمر الله به ورسوله، وقد ثبت في الصحيح (٧) أنه قال «من صلى علي مرة صلى الله عليه بها (٨) عشرا» (٩) .

стр. 831

والمشروع لنا عند زيارة قبور (١) الأنبياء والصالحين وسائر المؤمنين، هو من جنس المشروع عند جنائزهم. فكما أن المقصود بالصلاة على الميت الدعاء له؛ (٢) فالمقصود بزيارة قبره الدعاء له (٣) كما ثبت عن النبي ﷺ في الصحيح والسنن والمسند (٤) " أنه كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور، أن يقول قائلهم: «السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. ويرحم الله المستقدمين منا (٥) ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم» (٦) . فهذا دعاء خاص للميت، كما في دعاء الصلاة على الجنازة الدعاء العام والخاص (٧) «اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، إنك (٨) تعلم متقلبنا

стр. 832

ومثوانا» (١) أي (٢) ثم يخص الميت بالدعاء. قال الله تعالى في حق المنافقين: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] (٣) الآية. فلما نهى الله نبيه ﷺ عن الصلاة عليهم والقيام على قبورهم - لأجل كفرهم - دل ذلك بطريق التعليل والمفهوم على أن المؤمن يصلى عليه ويقام على قبره. ولهذا في السنن: أن النبي ﷺ «كان إذا دفن الرجل من أصحابه يقوم على قبره، ثم يقول: " سلوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل» (٤) . فأما أن (٥) يقصد بالزيارة: سؤال الميت، أو الإقسام به على الله، أو استجابة الدعاء عند تلك البقعة، فهذا لم يكن من فعل أحد من سلف الأمة، لا الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، وإنما حدث ذلك بعد ذلك. بل قد كره مالك وغيره من العلماء أن يقول القائل: زرنا قبر النبي ﷺ .

стр. 833

وقال القاضي عياض: (كره مالك أن يقال: زرنا قبر النبي ﷺ ، وذكر عن بعضهم أنه علله بلعنه ﷺ زوارات القبور، قال (١) وهذا يرده قوله (٢) «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» (٣) . وعن بعضهم أن (٤) الزائر أفضل من المزور، قال: وهذا مردود بما جاء من زيارة أهل الجنة لربهم (٥) . قال: والأولى أن يقال في ذلك: إنه إنما كرهه مالك لإضافة الزيارة إلى قبر النبي ﷺ ، وأنه لو قال: زرنا النبي ﷺ لم يكرهه، لقوله «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٦) فحمى إضافة هذا اللفظ إلى القبر والتشبه بأولئك؛ قطعًا للذريعة وحسمًا للباب (٧) كتاب (الشفا) للقاضي عياض (٢ / ٨٢، ٨٣) ، وقد ذكره المؤلف مختصرا. . قلت (٨) غلب في عرف كثير من الناس استعمال لفظ: (زرنا) في زيارة قبور الأنبياء والصالحين على (٩) استعمال لفظ زيارة القبور في (١٠) الزيارة

стр. 834

البدعية الشركية لا في الزيارة الشرعية، ولم يثبت عن النبي ﷺ حديث واحد في زيارة قبر مخصوص، ولا روى أحد في ذلك شيئًا، لا أهل الصحيح ولا السنن، ولا الأئمة المصنفون في المسند (١) كالإمام أحمد وغيره. وإنما روى ذلك من جمع الموضوع وغيره، وأَجَلُّ حديث روي في ذلك ما رواه الدارقطني، وهو ضعيف باتفاق أهل العلم بل الأحاديث المروية في زيارة قبره، كقوله: «من زارني وزار أبي إبراهيم الخليل في عام واحد ضمنت له على الله الجنة» (٢) و «من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي» (٣) و «من حج ولم يزرني فقد جفاني» (٤) ونحو هذه الأحاديث، كلها مكذوبة موضوعة. لكن النبي ﷺ رخص في زيارة القبور مطلقا، بعد أن كان قد نهى عنها، كما ثبت عنه في الصحيح أنه قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» (٥) وفي الصحيح عنه أنه قال: «استأذنت ربي في أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة» (٦) فهذه زيارة لأجل (٧) تذكرة الآخرة، ولهذا يجوز زيارة قبر الكافر لأجل ذلك.

стр. 835

وكان ﷺ يخرج إلى البقيع فيسلم على موتى المسلمين ويدعو لهم، فهذه زيارة مختصة بالمسلمين، كما أن الصلاة على الجنازة تختص بالمؤمنين. وقد استفاض عنه ﷺ في الصحيح أنه قال: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما فعلوا، قالت عائشة: " ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدًا " (١) . وفي الصحيح أنه ذكر له كنيسة بأرض الحبشة، وذكر من حسنها وتصاوير فيها، فقال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح (٢) بنوا على قبره مسجدا، وصوّروا فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» وهذه في الصحيح (٣) . وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس، وهو يقول «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ ابراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» (٤) . وفي السنن عنه أنه قال: «لا تتخذوا قبري عيدا، وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني» (٥) وفي الموطأ وغيره عنه ﷺ أنه قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٦) .

стр. 836

وفي المسند، وصحيح أبي حاتم، عن ابن مسعود عنه ﷺ أنه قال: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد» (١) . ومعنى هذه الأحاديث متواتر عنه ﷺ بأبي هو وأمي - وكذلك عن أصحابه. فهذا الذي ينهى (٢) عنه: من اتخاذ القبور مساجد، مفارق لما أمر به وشرعه من السلام على الموتى، والدعاء لهم، فالزيارة المشروعة من جنس الثاني (٣) . والزيارة المبتدعة من جنس الأول (٤) فإن نهيه عن اتخاذ القبور مساجد يتضمن النهي عن بناء المساجد عليها، وعن قصد الصلاة عندها، وكلاهما منهي عنه باتفاق العلماء، فإنهم قد نهوا عن بناء المساجد على القبور، بل صرحوا بتحريم ذلك، كما دل عليه النص. واتفقوا أيضا على أنه لا يشرع قصد الصلاة والدعاء عند القبور، ولم يقل أحد من أئمة المسلمين إن الصلاة عندها والدعاء عندها أفضل منه في المساجد الخالية عن القبور، بل (٥) اتفق علماء المسلمين على أن الصلاة والدعاء في المساجد التي لم تبن على القبور، أفضل من الصلاة والدعاء في المساجد التي بنيت على القبور، بل الصلاة والدعاء في هذه منهي عنه مكروه باتفاقهم، وقد (٦)

стр. 837

صرح كثير منهم بتحريم ذلك بل (١) وبإبطال الصلاة فيها، وإن كان في هذا نزاع. والمقصود هنا: أن هذا ليس بواجب ولا مستحب، باتفاقهم، بل هو (٢) مكروه باتفاقهم. والفقهاء قد ذكروا في تعليل كراهة الصلاة في المقبرة علتين: إحداهما: نجاسة التراب باختلاطه بصديد الموتى، وهذه علة من يفرق بين القديمة والحديثة، وهذه العلة في صحتها نزاع، لاختلاف العلماء في نجاسة تراب القبور، وهي من مسائل الاستحالة (٣) وأكثر علماء المسلمين يقولون إن النجاسة تطهر بالاستحالة، وهو مذهب أبي حنيفة وأهل الظاهر (٤) وأحد القولين في مذهب مالك وأحمد. وقد ثبت في الصحيح: أن مسجد النبي ﷺ كان حائطًا لبني النجار، وكان (٥) قبورًا من قبور المشركين، ونخلا وخربًا (٦) فأمر النبي ﷺ بالنخيل فقطعت، وبالخرب فسويت، وبالقبور فنبشت (٧) وجعل النخل في صف القبلة (٨) .

стр. 838

فلو كان (١) تراب قبور المشركين نجسا (٢) ؛ لأمر النبي ﷺ بنقل ذلك التراب، فإنه لا بد أن يختلط ذلك التراب بغيره، والعلة الثانية ما في ذلك من مشابهة الكفار بالصلاة عند القبور؛ لما يفضي إليه ذلك من الشرك وهذه العلة صحيحة باتفاقهم. والمعللون بالأولى، كالشافعي وغيره، عللوا بهذه أيضًا، وكرهوا ذلك لما فيه من الفتنة، وكذلك الأئمة: من أصحاب أحمد ومالك، كأبي بكر الأثرم صاحب أحمد، وغيره وعللوا بهذه الثانية أيضًا، وإن كان منهم من قد يعلل بالأولى. وقد قال تعالى ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] (٣) ذكر ابن عباس وغيره من السلف: " أن هذه أسماء قوم صالحين، كانوا في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، وصوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم " قد ذكر هذا البخاري في صحيحه (٤) وأهل التفسير: كابن جرير وغيره (٥) وأصحاب قصص الأنبياء كوثيمة (٦) وغيره. ويبين صحة هذه العلة أنه ﷺ لعن من يتخذ قبور الأنبياء مساجد، ومعلوم

стр. 839

أن قبور الأنبياء لا تنبش ولا يكون ترابها نجسا، وقد قال ﷺ عن نفسه: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد» (١) . وقال: «لا تتخذوا قبري عيدا» (٢) فعلم أن نهيه عن ذلك من جنس نهيه عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها؛ لأن الكفار يسجدون للشمس حينئذ، فسد الذريعة، وحسم المادة، بأن لا يصلى في هذه الساعة، وإن كان المصلي لا يصلي إلا لله، ولا يدعو إلا الله (٣) . وكذلك نهى عن اتخاذ القبور مساجد، وإن كان المصلي عندها لا يصلي إلا لله، ولا يدعو إلا الله (٤) ؛ لئلا يفضي ذلك إلى دعائها والصلاة لها (٥) . وكلا الأمرين قد وقع، فإن من الناس من يسجد للشمس وغيرها من الكواكب ويدعو لها بأنواع (٦) الأدعية والتسبيحات (٧) ويلبس لها من اللباس والخواتم ما يظن مناسبته لها، ويتحرى الأوقات والأمكنة والأبخرة المناسبة لها في زعمه. وهذا من أعظم أسباب الشرك الذي ضل به كثير من الأولين والآخرين؛ حتى شاع ذلك في كثير ممن ينتسب إلى الإسلام، وصنف فيه بعض المشهورين كتابا سماه: " السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم " (٨) على مذهب المشركين من الهند والصابئة، والمشركين من العرب وغيرهم، مثل طمطم (٩)

стр. 840

الهندي، وملكوشا (١) البابلي (٢) وابن وحشية (٣) وأبي معشر البلخي (٤) وثابت بن قرة (٥) وأمثالهم ممن دخل في هذا (٦) الشرك، وآمن بالجبت والطاغوت، وهم ينتسبون إلى أهل (٧) الكتاب. كما قال تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا - أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٥١ - ٥٢] (٨) وقد قال غير واحد من السلف: " الجبت: السحر، والطاغوت: الأوثان "، وبعضهم قال: "الشيطان" وكلاهما حق (٩) . هؤلاء يجمعون بين الجبت الذي هو السحر (١٠) والشرك الذي هو عبادة

стр. 841

الطاغوت، كما يجمعون بين السحر ودعوة الكواكب، وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام - بل ودين جميع الرسل - أنه شرك محرم، بل هذا من أعظم أنواع الشرك الذي بعثت الرسل بالنهي عنه، ومخاطبة إبراهيم الخليل ﷺ لقومه كانت في نحو هذا الشرك. وكذلك قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ - فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ - فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ - فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ - إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ - وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ - وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ - وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٧٥ - ٨٣] (١) . فإن إبراهيم ﵇ سلك هذه السبيل لأن قومه كانوا يتخذون الكواكب أربابا، يدعونها ويسألونها، ولم يكونوا هم ولا أحد من العقلاء يعتقد (٢) أن كوكبا من الكواكب خلق السماوات والأرض، وإنما كانوا يدعونها من دون الله على مذهب

стр. 842

هؤلاء المشركين، ولهذا قال الخليل ﵇ ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ - أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ - فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٧٧] (١) وقال الخليل (٢) ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ - إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧] (٣) . والخليل صلوات الله عليه، أنكر شركهم بالكواكب (٤) العلوية، وشركهم (٥) بالأوثان، التي هي تماثيل وطلاسم لتلك (٦) أو هي أمثال (٧) لمن مات من الأنبياء والصالحين وغيرهم، وكسر (٨) الأصنام، كما قال تعالى عنه: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٨] (٩) . والمقصود هنا: أن الشرك (١٠) وقع كثيرا، وكذلك الشرك بأهل القبور بمثل (١١) دعائهم، والتضرع إليهم، والرغبة إليهم، ونحو ذلك. فإذا كان النبي ﷺ : نهى عن الصلاة التي تتضمن (١٢) الدعاء لله وحده خالصا عند القبور؛ لئلا يفضي ذلك إلى نوع من الشرك بربهم، فكيف إذا وجد ما هو نوع (١٣) الشرك من الرغبة إليهم، سواء طلب منهم قضاء الحاجات، وتفريج

стр. 843

الكربات، أو طلب منهم أن يطلبوا ذلك من الله تعالى؟ بل لو أقسم على الله ببعض خلقه من الأنبياء والملائكة وغيرهم؛ لنهي عن ذلك ولو لم يكن عند قبره (١) كما لا يقسم بمخلوق مطلقا، وهذا القسم منهي عنه، غير منعقد (٢) باتفاق الأئمة. وهل هو نهي تحريم أو تنزيه؟ على قولين: أصحهما: أنه نهي تحريم (٣) . ولم يتنازع العلماء إلا في الحلف بالنبي ﷺ خاصة، فإن فيه قولين في مذهب أحمد (٤) وبعض أصحابه، كابن عقيل طرد الخلاف (٥) في الحلف بسائر الأنبياء، لكن القول الذي عليه جمهور الأئمة، كمالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم: أنه لا ينعقد اليمين بمخلوق البته، ولا يقسم بمخلوق البته، وهذا هو الصواب (٦) . والإقسام على الله بنبيه محمد ﷺ مبني على هذا الأصل، ففيه هذا النزاع، وقد نقل عن أحمد في التوسل بالنبي ﷺ في (منسك المروزي) ما يناسب قوله بانعقاد اليمين به، لكن الصحيح أنه لا تنعقد اليمين به. فكذلك هذا (٧) . وأما غيره: فما علمت بين الأئمة (٨) فيه نزاعا بل قد صرح العلماء بالنهي

стр. 844

عن ذلك، واتفقوا على أن الله يُسأل (١) ويقسم عليه بأسمائه وصفاته، كما يقسم على غيره بذلك، كالأدعية المعروفة في السنن: «اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، أنت الله المنان (٢) بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام» (٣) . وفي الحديث الآخر (٤) " (٥) «اللهم إني أسألك بأنك أنت (٦) الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد» (٧) وفي الحديث الآخر (٨) «أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك» (٩) فهذه الأدعية

стр. 845

ونحوها مشروعة باتفاق العلماء. وأما إذا قال: " أسألك بمعاقد (١) العز من عرشك " فهذا فيه نزاع، رخص فيه غير واحد لمجيء الأثر به. ونقل عن أبي حنيفة كراهته. قال أبو الحسين (٢) القدوري (٣) في (شرح الكرخي) : قال بشر بن الوليد (٤) سمعت أبا يوسف قال: قال أبو حنيفة ﵀: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول: بمعقد العز من عرشك، أو بحق خلقك (٥) . قال أبو يوسف: بمعقد (٦) العز من عرشه (٧) هو الله، فلا أكره هذا، وأكره: بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت والمشعر الحرام، بهذا الحق يكره. قالوا جميعًا: فالمسألة بخلقه لا تجوز؛ لأنه لا حق للخلق على الخالق، فلا يجوز أن يسأل بما ليس مستحقا (٨) ولكن معقد (٩) العز من
следующие страницы →