← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11655

تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة

البيروني

Полный текст (484 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

أبو ريحان محمد بن أحمد البيروني أبو ريحان محمد بن أحمد البيروني من كبار العلماء في القرن الرابع والخامس الهجري، ولد في الثاني من ذي الحجة عام ٣٦٢ هـ في منطقة يقال لها بيرون من توابع خوارزم ولذا لُقّب بالبيروني. لا يعرف نسبته ولا أباه ولا جده. أخذ يتلقى العلوم والمعارف المتدوالة في عصره بصورة جيدة ومما ساعده على اتساع دائرة معلوماته رحلاته الكثيرة واشتياقه المتدفق لاكتساب العلوم الذي بدأ معه منذ حداثة سنه. فكان منذ البداية يهتم بمسائل لم تكن معهودة ومعروفة بين المتعلمين في القرون الوسطى الإسلامية. في العشرين من عمره ترك موطنه قاصداً سواحل بحر الخزر، فاعتنى به في جرجان قابوس بن وشمغيز الزياري حتى أهدا إليه أول تأليف كبير له وهو الآثار الباقية. كما كانت له مكاتبات مع ابن سينا الذي كان معاصراً له. وفي عام ٤٠٠ هـ عاد إلى وطنه ولكن سرعان ما عصفت به الفتن والمحن وعندما جاء محمود الغزنوي ليحتل خوارزم في سنة ٤٠٨ هـ، ساق بعض من كان فيها أسرى بمن فيهم البيروني وهكذا ينتهي هذا العالم إلى غزنة عاصمة محمود في أفغانستان. لكن البيروني ليس بالرجل الذي يهدأ أو تعيقه المصائب عن مهماته فيبدأ بالكتابة وهو في طريقه إلى الأسر، وكتب مما كتب في هذا الوقت كتابه المعروف بتحقيق ما للهند. اشتهر اسم البيروني في المدونات العربية في مجال الجغرافيا والسياحة ولكن الذي يظهر من مؤلفاته أنه لم يكن عالماً بالجغرافيا وبتعبير أصح كان مؤلفاً ذا معرفة واسعة للغاية أكثر من أن يكون عالماً جغرافياً. وإن دائرة معلوماته واسعة للغاية بحيث أن تحديد عدد العلوم التي لم يكن يعرفها أسهل من العلوم التي عنى بها. وإن جلّ اهتماماته ونشاطاته العلمية كانت تتمحور في الرياضيات والنجوم والعلوم المتعلقة بها ولذا فقد اهتم في مجال الجغرافيا إلى الجانب الرياضي والنجومي فيه. آثاره له تأليفات عدة منها: تحديد الأماكن لتصحيح مسافات المساكن، القانون المسعودي، الآثار الباقية، الصيدنة في الطب، تحقيق ما للهند وغيرها.

стр. 2

تمهيد بسم الله الرحمن الرحيم حين شرعت في كتابة مقدمة هذا الكتاب ظننت الأمر سهلا. فلما دخلت عالم البيروني وجدته عبقريا وبحرا هائجا مائجا تقف على شاطئه فلا تدرك مداه. وتغوص فيه فلا تسبر اغواره ويسحرك فلا تستطيع رجعة وتستنجد بما كتب عنه من التناقض في تواريخ اخباره وهكذا تصبح اسيره. ولن تعرف اخباره وصفاته وشخصيته ما لم تقرأه فتنقي من مصنفاته ما تشاء. فهذا كتاب «تاريخ الهند» فهو «تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل او مرذولة» يعتبر مرجعا اساسيا كاملا للحضارة الهندية. لم يترك شيئا إلا وكتبه. ويقول المستشرق بيلر عن هذا الكتاب «كتبه ... وهو ينظر بعقل الفيلسوف والرياضي العارف بمناهج البحث عند ارسطو وافلاطون وبطليموس وجالينوس ... » ويعترف البيروني «ولقد اعيتني المداخل فيه مع حرصي الذي تفردت به في ايامي» ولقد اراد البيروني كتاب «تاريخ الهند» ان يكون لكل مسلم راعب في مناقشة الهنود. فيكون حوار الند للند؟. اسمه ولقبه ومولده: ولد البيروني في ٤ أيلول عام ٩٧٣ م قريبا من كيفا «كات» ويقال إنه لا يعرف نسبته ولا اباه ولا جده اما كلمة بيرون الفارسية فتعني «القريب او الخارج» . مما

стр. 3

يدل على انه لم يكن من افراد مجتمع مستقر لربما كان ذلك من كثرة تجوال اهله كتجار، او لإقامتهم خارج اسوار المدينة تجنبا لدفع الضرائب. استاذه: ومن حسن حظ البيروني ان يكون استاذه الفلكي المشهور ابو نصر المنصور بن علي بن العراق (تلميذ ابي الوفاء) الذي تنبه الى نبوغه ودربه ثم نشأت بينهما مودة وثقة عظيمتان. حياته وعصره: ترعرع البيروني في خوارزم وسنذكر قليلا من تاريخ هذه المنطقة وصفات اهلها. حين استقر الحكم للأمويين او عز الحجاج ابن يوسف سنة ٧٠٤ الى والي خراسان المقيم في مرو القائد قتيبة بن حلم ان يعبر نهر «اموداريا» (جيحون آنذاك) ويفتح بلاد ما وراء هذا النهر الذي توقفت عنده جيوش عثمان بن عفان، كان هذا النهر يفصل بين قوميات تتكلم الفارسية واقوام تتكلم التركية (التركمان) . بعد عمليات رائعة دامت ٨ سنوات اخضع قتيبة الاقاليم الشمالية الشرقية (بخارى، طشقند وسمرقند) كما اخضع الاقليم الشمالي الغربي (خوارزم) . ولقد دمر قتيبة كثيرا من الاصنام والمعابد. جاء هذا الفتح بعواقب محمودة إذ مهد لنمو مراكز علمية وثقافية عظيمة ساهمت في تقدم الحضارة العالمية الممثلة آنذاك بالعرب. لعل القارئ يذكر ان عباقرة ما قبل الزمخشري والخوارزمي ولدوا في خوارزم وكذلك البيروني وما بين بحر خوارزم (ارال) وبحر قزوين الى الغرب عاش البيروني النصف الأول من حياته. واشتهرت في خوارزم انذاك مدينتان: كات والجرجانية الى الشمال كلاهما

стр. 4

على نهر اموداريا وتعرفان اليوم باسمي كيفا (خيفا) واورغنج وهما في روسيا حاليا. ويقول ياقوت عن خوارزم: أهلها علماء فقهاء اذكياء اغنياء فهي لعمري بلاد طيبة فيهم جلد وقوة غالب عليهم الطول والضخامة وفي رؤوسهم عرض ولهم جبهات واسعة مرنوا على القناعة بالشيء اليسير (والمترفون مثل الفقراء) ونستنتج ايضا انهم ذو تعلق شديد بوطنهم. ويقول لنا المقريزي «١» أيضا: الجرجانية مدينة عجيبة إذ كل اهلها اجناد حتى البقال والقصاب والخباز والحائك وأهلها أهل الصناعات الدقيقة يغلب عليهم ممارسة علم الكلام في الاسواق والدروب يناظرون بلا تعصب وينكرون من احد ذلك قائلين: (ليس لك إلا الغلبة بالحجة) . وعاش البيروني ايضا في جرجان (ايران) على بحر قزوين وهي (مدينة حسنة على واد عظيم، سهلية، جبلية، بحرية، أودية هائلة، وجبال عالية، إذا غدا القناص راح بما اشتهى) . وقضى البيروني مدة كبيرة من حياته في غزنة (افغانستان) وكان عصر البيروني عصر مظلم لما اشتعلت فيه من فتن إنما يذهل بما جمع من علماء. هذا ابن يونس (متوفي ١٠٠٩) عبقري الفلك وحساب مثلثات ابتكر الرقاص الكروي. ويستعمله مقياسا للزمن وذاك ابن الهيثم نابغة الرياضيات والفيزياء يطور علم البصريات، والعدسات. وهناك علي بن عيسى اشهر جراح ومصنف في حقل البصر والعيون. ولا ننسى الفيلسوف الطبيب ابن سينا. هؤلاء قلة من علماء المشرق. ويقول المؤرخ سارطون الذي قوّم حضارات الأمم وعدد منجزاتها في كتابه الضخم «المقدمة الى تاريخ العلوم» ان النصف الاول للقرن الحادي عشر ينبغي

стр. 5

ان يسمى (عصر البيروني) لانه ملأ عصره وفاق معاصريه إذ حلق قلما يلحق به احد. اما الناحية السياسية لعصر البيروني فكان مرحلة الهوان والانحلال للخلافة العباسية.. ولا ريب في ان تشرده وهربه من فتنة ضربت (كات) حين غزاها وحاصرها والي الجرجانية المدينة الثانية والكبيرة في خوارزم، وضم كات وما حولها الى سلطانه. كان البيروني يناصر والي بلده فهرب. يقول البيروني في كتابه (الآثار الباقية عن القرون الحالية) انه لجأ الى الري «١» وكان في بؤس وفقر مدقع مما اثار عليه سخرية احد المنجمين، لكنهما تصاحبا بعد ذلك ثم دعاه الأمير البويهي فخر الدولة فبنى له مزولة كبيرة على جبل مشرف على الري وسماها باسم الأمير. وفي هذه المدة عمل في مناطق كثيرة حول بحر قزوين. حين مات محمد بن مأمون الذي منه هرب البيروني وخلفه ابنه علي كانت الأحوال السياسية والحزازات الشخصية قد هدأت، فدعاه علي ليرجع الى خوارزم فرجع لما نعرفه عن البيروني من تعلق بمنطقته وقبوله دعوة علي الذي ألحقه بحاشية أخيه الأمير ابن العباس مأمون. وبعد رحيل البيروني عن قابوس عصفت الفتن بجرجان وأودت بحياة قابوس خلال سنوات قليلة. وبعد وفاة علي حوالي سنة ١٠٠٩ خلفه أبو العباس الذي زاد من اعباء البيروني، إذ عينه مستشارا سياسيا مقيما في القصر وسفيرا معتبرا لرجاحة عقله وطلاقة لسانه وقوة حججه في الاقناع، ويقول بتذمر البيروني لأن ارصاده تأثرت وأعماله في مجلس العلوم خفت، فيقول في كتاب (تحديد ... ) ووفاء كرهت من احوال الدنيا

стр. 6

على ما حسدني عليه الجاهل ... ثم تفرغت قليل التفرغ في ايام الشهيد ابي العباس» لكن اشغاله لا تثنيه عن انهاء ما بدأه سنة ٩٩٥ من قياسات لارتفاع الشمس، ولا سيما ان وليّ نعمته وهبه مالا لينشئ جهازا يرصد به أوج الشمس. ويقوم بذلك ما بين ٧ حزيران و ٧ كانون الاول سنة ١٠١٦. وفي هذه الفترة المزدهرة يصمم «نصف كرة» قطرها ٥ امتار لتكون جهازا يبيّن الحلول بالخطوط البيانية لمسائل تتعلق بعلم هيئة الأرض وقياس خواصها كالمساحة مثلا.. وتأبى الفتن إلا تخريب عمله فتهب فتنة يذهب مأمون ضحيتها وكما يقول البيروني «اسفر عقباها من امن لا يتسع للعود الى الحال الأول والاشتغال بما هو يمثل اولى ... » . عندئذ يثأر محمود الغزنوي لعهده فيحتل خوارزم في ٣ تموز ١٠١٧. ويسوق من في البلاط اسرى بمن فيهم البيروني في ربيع ١٠١٨ وهكذا ينتهي هذا العالم الى غزنة عاصمة محمود في افغانستان. لكن البيروني ليس بالرجل الذي يهدأ أو تعيقه المصائب عن مهماته فيبدأ بالكتابة وهو في طريقه الى الاسر. وبعد وفاة محمود في ١٠٣٠ خلفه ابنه مسعود الذي تغلب على اخيه وتحسنت احوال البيروني المادية وزادت حريته، فتمكن من زيارة بلده سنة ١٠٣٢، و ١٠٣٤ وامتازت هذه الفترة بغزارة التصنيف في حقول مختلفة.. مصنفاته: في سنة ١٠٣٦ ينهي فهرسا باعماله حتى هذا التاريخ، فلا يشكل على أحد ويقول بلغة الواثق المتيقن من اهمية اعماله: «ينبغي عليك ان تعلم فيما عددته من كتبي بما عملته في حداثتي وازدادت المعرفة بفنه بعد ذلك فلم اطرحه او استرذله فإنها جميعا ابنائي والاكثر بابنه وشعره المفتون» . ثم يذكر اسماء الكتب التي اتفق لي عملها سنة ٤٢٧ للهجرة وقد تم عمري ٦٥ سنة قمرية و ٦٣ سنة شمسية وتعرف انه كتب ١٨٠ مصنفا او أكثر نوجز الحديث عن بعض منها. «كتاب تحديد الاماكن لتصحيح مسافات المساكن» فرغ في تصنيفه في ٢٨

стр. 7

آب ١٠٢٥ والكتاب سفر قيم لقياس خطوط الطول والعرض وموقع البلدان على الكرة الارضية. (كتاب القانون المسعودي) فهو موسوعة ضخمة تلخص قواعد البيروني وابتكاراته وفي الموسوعة خزانة كبيرة لتاريخ الأمم وتقاويمها من (يوم آدم) الى يوم البيروني فليراجعه من يشاء.. وفاته: في سنة ١٠٤٠ يثور قواد مسعود ويذبحون الأمير ويخلفه ابنه (مودود) الذي يقدم اليه آخر مصنفاته (الصيدنة في الطب) وفي هذا الكتاب يذكر انه نيف الثمانين وخف سمعه وبصره وتقل اخباره بعد سنة ١٠٤٨ لكن الثابت من اقواله في كتاب (الصيدنة في الطب) انه كان حيا ذلك العام ولربما توفي حوالي ١٠٥٠. بعض مآثره: كان له من العزم ما جعله يقوم بحسابات وحل معادلات لا تعالج اليوم إلا بالأدمغة الالكترونية. اختار اصعب المسائل وحلها وتسمى هذه المسائل الهندسية والرياضية «مسائل البيروني» وقدم طريقة بسيطة للرسم على الأوراق اشكالا هندسية من أدوات البعد الثالث، كالاجسام الكروية. ومن أهم اعماله الفلكية ابتكاره نظرية خاصة لتقدير «النسبة التقريبية» الضرورية لحساب مساحات ومحيطات الدوائر. وتمكن من تقدير محيط الكرة الارضية وقطرها. يجد البيروني قيمة النسبة التقريبية ١٤١٧٤، ٣ والصحيحة هي ١٤١٥٩، ٣. هو إذن مبتكر القاعدة المعروفة بقاعدة البيروني وهي معادلة رياضية تستخدم في حساب نصف قطر الأرض استنادا الى معرفة محيطها. المعادلة بسيطة شأنها شأن القواعد الجليلة ... ويقول نللينو « ... معادلة البيروني لقياس محيط الأرض هي من الاعمال العلمية المجيدة المأثورة» صمم جهازا بسيطا لقياس

стр. 8

الوزن النوعي (الكثافة) لبعض المعادن والجواهر، ونتائجه تشهد عليه: الذهب ٢٦، ١٩، وهذه هي اليوم ويقول ان الذهب سمي كذلك «لأنه سريع الذهاب بطيء الاياب على الاصحاب!» . وهو أول من استعمل الوحدة (نسبة واحد) للنسب المعروفة في حساب المثلثات، وهذا الاستعمال قائم حتى الآن ... مصنفاته باستثناء القليل ذات اسلوب واضح لا لبس فيه ولا ابهام، وان كان غير سلس. يحب الايجاز فيقول انه يكتب « ... لمن له دراية واجتهاد، ومحب العلم ... ومن كان على غير هذه الصفة فلست أبالي أفهم أم لم يفهم. الغرب يبعثه: كان المستشرق نيكولاس دي فانيكوف اول من نبه اوروبا الى البيروني عام ١٨٦٦. وسرعان ما تتدفق الكتب «حساب المثلثات عند البيروني، جغرافية البيروني» . ومن اعظم المحققين كان الالماني ساخاو الذي ترجم الى الالمانية والانجليزية كتابين ضخمين (الآثار الباقية عن القرون الخالية عام ١٨٧٩ وتاريخ الهندسة عام ١٨٨٨) ويقول ساخاو « ... البيروني اعظم عقلية ظهرت في التاريخ ... » وبعد أن اطلع الخبراء على كتبه عن الهند قال أحدهم « ... محاولة فريدة من رجل مؤمن يدرس بنزاهة وتجرد حضارة وثنية ... ومن جهة تاريخية جاءت هذه الدراسة اكبر ظاهرة علمية في تاريخ الاسلام ... وجميع ما كتب من قبل هو أشبه بألعاب الاطفال ... » لذلك اهتم الهنود بالبيروني وفي عام ١٩١٣ قامت بعثة لتجميع آثاره وكذلك الفرس. وما ان دخل النصف الثاني من القرن العشرين حتى كثرت المهرجانات

стр. 9

والكتب وأخذت الدول تتنازع شرف الانتماء إليه، فتحسبه من ابنائها. روسيا تسمى جامعة ومدينة على اسمه وتقيم له تمثالا في جامعة موسكو. وتكرمه الهند وايران وأفغانستان. وجامعات في اميركا والمانيا واليونسكو تصدر فهرسا بالمآثر العربية، ومن بينها أعماله. حتى تركيا تريده، لأنها تظن ان البيروني سليل الاتراك الذين انتشروا بين بحري آرال وقزوين. علي صفا

стр. 10

مقدّمة المؤلّف «١» بسم الله الرحمن الرحيم إنّما صدق قول القائل «ليس الخبر كالعيان» لأنّ العيان هو إدراك عين الناظر عين المنظور إليه في زمان وجوده وفي مكان حصوله، ولولا لواحق آفات بالخبر لكانت فضيلته تبين على العيان والنظر لقصورهما على الوجود الذي لا يتعدّى آنات الزّمان وتناول الخبر إيّاها وما قبلها من ماضي الأزمنة وبعدها من مقتبلها حتّى يعمّ الخبر لذلك الموجود والمعدوم معا. والكتابة نوع من أنواعه يكاد أن يكون أشرف من غيره، فمن أين لنا العلم بأخبار الأمم لولا خوالد آثار القلم؟ ثمّ إنّ الخبر عن الشيء الممكن الوجود. في العادة الجارية يقابل الصدق والكذب على صورة واحدة وكلاهما لاحقان به من جهة المخبرين لتفاوت الهمم وغلبة الهراش والنّزاع على الأمم. فمن مخبر عن أمر كذب يقصد فيه نفسه فيعظّم به جنسه لأنّها تحته أو يقصدها فيزري بخلاف جنسه لفوزه فيه بإرادته، ومعلوم أنّ كلا هذين من دواعي الشهوة والغضب المذمومين. ومن مخبر عن كذب في طبقة يحبّهم لشكر أو يبغضهم لنكر، وهو مقارب للأوّل فإنّ الباعث على فعله من دواعي المحبّة والغلبة. ومن مخبر عنه متقرّبا إلى خير بدناءة الطبع أو

стр. 11

متّقيا لشرّ من فشل وفزع. ومن مخبر عنه طباعا كأنّه محمول عليه غير متمكّن من غيره وذلك من دواعي الشرارة وخبث مخابىء الطبيعة. ومن مخبر عنه جهلا، وهو المقلّد للمخبرين وإن كثروا جملة أو تواتروا فرقة بعد فرقة فهو وهم وسائط فيما بين السامع وبين المتعمّد الأوّل، فإذا أسقطوا عن البين بقي ذاك الأوّل أحد من عددناه «١» من التخرّصين والمجانب للكذب المتمسّك بالصدق هو المحمود الممدوح عند الكاذب فضلا عن غيره، فقد قيل «قولوا الحقّ «٢» ولو على أنفسكم «٢» » وقال المسيح ﵇ في الإنجيل ما هذا معناه: «٣» لا تبالوا بصولة الملوك في الإفصاح بالحقّ بين أيديهم فليسوا يملكون منكم غير البدن، وأمّا النفس فليس لهم عليها يد «٣» وهذا منه أمر بالتشجّع الحقيقيّ، فالخلق الذي تظنّه العامّة شجاعة إذا رأوا إقداما على المعارك وتهوّرا في خوض المهالك هو نوع منها، فأمّا جنسها العالي على أنواعها فهو الاستهانة بالموت، ثم سواء كانت في قول أو كانت في فعل، وكما أنّ العدل في الطباع مرضيّ محبوب لذاته مرغوب في حسنه كذلك الصدق إلّا عند من لم يذق حلاوته أو عرفه وتحاماه كالمسؤول من المعروفين بالكذب: هلّ صدقت قطّ؟ وجوابه: لولا أنّي أخاف أن أصدق لقلت لا، فإنّه العادل عن العدل والمؤثّر للجور وشهادة الزور وخيانة الأمانة واغتصاب «٤» الأملاك بالاحتيال والسرقة وسائر ما به فساد العالم والخليقة. وكنت ألفيت الأستاذ أبا سهل «٥» عبد المنعم بن عليّ ابن نوح التفليسيّ أيّده الله مستقبحا قصد الحاكي في كتابه عن المعتزلة الإزراء عليهم في قولهم: «إنّ الله تعالى عالم بذاته» ، وعبارته عنه في الحكاية أنّهم يقولون إنّ الله لا علم له تخييلا إلى عوامّ قومه أنّهم ينسبونه إلى الجهل، جلّ وتقدّس عن ذلك وعمّا لا يليق به من

стр. 12

الصفات، فأعلمته أنّ هذه طريقة قلّ ما يخلوا منها من يقصد الحكاية عن المخالفين والخصوم، ثم إنّها تكون أظهر فيما كان عن المذاهب التي يجمعها دين واحد ونحلة لاقترابها واختلاطها، وأخفى فيما كان عن الملل المفترقة وخاصّة ما لا يتشارك منها في أصل وفرع وذلك لبعدها وخفاء السّبيل إلى تعرّفها، والموجود عندنا من كتب المقالات وما عمل في الآراء والدّيانات لا يشتمل إلّا على مثله، فمن لم يعرف حقيقة الحال فيها اغترف منها ما لا يفيده عند أهلها والعالم بأحوالها غير الخجل إن هزّت بعطفه الفضيلة أو الإصرار واللجاج إن رخّت فيه الرذيلة، ومن عرف حقيقة الحال كان قصارى أمره أن يجعلها «١» من الأسمار والأساطير يستمع لها تعلّلا بها والتذاذا لا تصديقا لها واعتقادا؛ وكان وقع المثال في فحوى الكلام على أديان الهند ومذاهبهم فأشرت إلى أنّ أكثرها هو مسطور في الكتب هو منحول وبعضها عن بعض منقول وملقوط مخلوط غير مهذّب على رأيهم ولا مشذّب، فما وجدت من أصحاب كتب المقالات أحدا قصد الحكاية المجرّدة من غير ميل ولا مداهنة سوى أبي العبّاس الإيرانشهريّ، إن لم يكن من جميع الأديان في شيء بل منفردا بمخترع له يدعو إليه ولقد أحسن في حكاية ما عليه اليهود والنصارى وما يتضمّنه التوراة والإنجيل وبالغ في ذكر المانويّة وما في كتبهم من خبر الملل المنقرضة، وحين بلغ فرقة الهند والشمنيّة صاف سهمه عن الهدف وطاش في آخره إلى كتاب زرقان ونقل ما فيه إلى كتابه، وما لم ينقل منه فكأنّه مسموع من عوامّ هاتين الطائفتين ولمّا أعاد الأستاذ أيّده الله مطالعة الكتب ووجد الأمر فيها على الصّورة المتقدّمة حرّص على تحرير ما عرفته من جهتهم ليكون نصرة لمن أراد مناقضتهم وذخيرة لمن رام مخالطتهم، وسأل ذلك ففعلته غير باهت على الخصم ولا متحرّج عن حكاية كلامه وإن باين الحقّ واستفظع سماعه عند أهله فهو اعتقاده وهو أبصر به. وليس الكتاب كتاب حجاج وجدل حتّى استعمل فيه

стр. 13

بإيراد حجج الخصوم ومناقضة الزائغ منهم عن الحقّ، وإنّما هو كتاب حكاية فأورد كلام الهند على وجهه وأضيف إليه ما لليونانيّين من مثله لتعريف المقاربة بينهم، فإنّ فلاسفتهم وإن تحرّوا التّحقيق فإنّهم لم يخرجوا فيما اتّصل بعوامّهم عن رموز نحلتهم وموضعات ناموسهم، ولا أذكر مع كلامهم كلام غيرهم إلّا أن يكون للصوفية أو لأحد أصناف النصارى لتقارب الأمر بين جميعهم في الحلول والاتّحاد، وكنت نقلت إلى العربيّ كتابين أحدهما في المبادىء وصفة الموجودات، واسمه «سانك» والآخر في تخليص النفس من رباط البدن ويعرف «بياتنجل» وفيهما أكثر الأصول التي عليها مدار اعتقادهم دون فروع شرائعهم، وأرجوا أنّ هذا ينوب عنهما وعن غيرهما في التقرير ويؤدّي إلى الإحاطة بالمطلوب بمشيئة الله.

стр. 14

أ- في ذكر أحوال الهند وتقريرها أمام ما نقصده من الحكاية عنهم يجب أن نتصوّر أمام مقصودنا الأحوال التي لها يتعذّر استشفاف أمور الهند، فإما أن يسهل بمعرفتها الأمر وإمّا أن يتمهّد له العذر، وهو أنّ القطيعة تخفي ما تبديه الوصلة، ولها فيما بيننا أسباب: منها أنّ القوم يباينوننا بجميع ما يشترك فيه الأمم، وأوّلها اللغة وإن تباينت الأمم بمثلها ومتى رامها احد لازالة المباينة لم يسهل ذلك لأنّها في ذاتها طويلة عريضة تشابه العربيّة يتسمّى الشيء الواحد فيها بعدّة أسام مقتضبة ومشتقّة، وبوقوع الاسم الواحد على عدّة مسمّيات محوجة في المقاصد إلى زيادة صفات إذ لا يفرّق بينها إلّا ذو فطنة لموضع الكلام وقياس المعنى إلى الوراء والأمام، ويفتخرون بذلك افتخار غيرهم به من حيث هو بالحقيقة عيب في اللغة؛ ثمّ هي منقسمة إلى مبتذل لا ينتفع به إلّا السوقة، وإلى مصون فصيح يتعلّق بالتّصاريف والاشتقاق ودقائق النّحو والبلاغة لا يرجع إليه غير الفضلاء المهرة، ثم هي مركّبة من حروف لا يطابق بعضها حروف العربيّة والفارسيّة ولا تشابهها بل لا تكاد ألسنتنا ولهواتنا تنقاد لاخراجها على حقيقة مخارجها ولا آذاننا تسمع بتمييزها من نظائرها وأشباهها ولا أيدينا في الكتبة لحكايتها، فيتعذّر بذلك إثبات شيء من لغتهم بخطّنا لما نضطرّ إليه من الاحتيال لضبطها بتغيير النقط والعلامات وتقييدها باعراب إمّا مشهور وإمّا معمول؛ هذا مع عدم اهتمام الناسخين لها وقلّة اكتراثهم بالتصحيح والمعارضة حتى يضيع الاجتهاد

стр. 15

ويفسد الكتاب في نقل له او نقلين ويصير ما فيه لغة جديدة لا يهتدي لها داخل أو خارج من كلتي الأمّتين، ويكفيك معرّفا أنّا ربّما تلقفنا من أفواههم. اسما واجتهدنا في التوثقة منه فاذا أعدناه عليهم لم يكادوا يعرفونه إلا بجهد؛ ويجتمع في لغتهم كما يجتمع في سائر لغات العجم حرفان ساكنان وثلاثة وهي التي يسمّيها أصحابنا متحرّكات بحركة خفيّة، ويصعب علينا التفوّه بأكثر كلماتها وأسمائها لافتتاحها بالسواكن؛ وكتبهم في العلوم مع ذلك منظومة بأنواع من الوزن في ذوقهم قد قصدوا بذلك انحفاظها على حالها وتقديرها وسرعة ظهور الفساد فيها عند وقوع الزيادة والنقصان ليسهل حفظها فإنّ تعويلهم عليه دون المكتوب، ومعلوم أنّ النظم لا يخلو من شوب التكلّف لتسوية الوزان وتصحيح الانكسار وجبر النقصان، ويحوج إلى تكثير العبارات، وهو أحد أسباب تقلقل الأسامي في مسمّياتها؛ فهذا من الأسباب التي تعسّر الوقوف على ما عندهم. ومنها أنهم يباينوننا بالديانة مباينة كلّيّة لا يقع منّا شيء من الإقرار بما عندهم ولا منهم بشيء مما عندنا، وعلى قلّة تنازعهم في أكر المذاهب بينهم بما سوى الجدال والكلام دون الإضرار «١» بالنفس أو البدن أو الحال ليسوا مع من عداهم بهذه الوتيرة وإنما يسمّونه «مليج» وهو القذر لا يستجيزون مخالطته في مناكحة ومقاربة او مجالسة ومؤاكلة ومشاربة من جهة النجاسة، ويستقذرون ما تصرّف على مائه وناره وعليهما مدار المعاش، ثمّ لا مطمع في صلاح ذلك بحيلة كما يطهر النجس بالانحياز إلى حال الطهارة، فليس بمطلق لهم قبول من ليس منهم إذا رغب فيهم أو صبا إلى دينهم، وهذا ممّا يفسخ كلّ وصلة ويوجب أشدّ قطيعة. ومنها أنّهم يباينوننا في الرسوم والعادات حتى كادوا أن يخوّفوا ولدانهم بنا وبزيّنا وهيآتنا وينسبوننا إلى الشيطنة وإيّاها إلى عكس الواجب وإن كانت هذه النسبة لنا مطلقة وفيما بيننا بل وبين الأمم بأسرهم مشتركة؛ وعهدي ببعضهم وهو ينقم منّا بأنّ أحد ملوكهم هلك على يد عدو

стр. 16

له قصده من أرضنا وخلّف جنينا، ملّك بعده وسمّي «سبكر» «١» وحين الإيفاع سأل أمّه عن حال أبيه فقصّت عليه القصّة وامتعض لها فبرز من أرضه إلى أرض العدوّ واستوفى نزّته من الأمم حتى ملّ الإثخان والنكاية فألزم البقايا هذا التزبّي بزيّنا تذليلا لهم وتنكيلا فشكرت فعله لمّا سمعته إذ لم يسمنا التهنّد والانتقال إلى رسومهم. ومما زاد في النفار والمباينة أنّ الفرقة المعروفة بالشمنيّة على شدّة البغضاء منهم للبراهمة هم أقرب إلى الهند من غيرهم، وقد كانت خراسان وفارس والعراق والموصل إلى حدود الشام في القديم على دينهم إلى أن نجم «زردشت» من اذربيجان ودعا ببلخ إلى المجوسيّة وراجت «٢» دعوته عند «كشتاسب» وقام بنشرها ابنه «إسفنديار» في بلاد المشرق والمغرب قهرا وصلحا ونصب بيوت النيران من الصين إلى الروم، ثمّ استصفى الملوك بعده فارس والعراق لملّتهم فانجلت «الشمنّية» عنها إلى مشارق بلخ وبقي المجوس إلى الآن بأرض الهند ويسمّون بها «مك» ؛ وكان ذلك بدو النفار عن جنبة خراسان فيهم إلى أن جاء الإسلام وذهبت دولة الفرس، فزادهم غزو أرضهم استيحاشا لمّا دخل محمّد بن القاسم بن المنبّه أرض السّند من نواحي سجستان وافتتح بلد «بمهنوا» وسمّاه «منصورة» وبلد «مولستان» وسمّاه «معمورة وأوغل في بلاد الهند إلى مدينة «كنوج» ووطئ أرض القندهار وحدود كشمير راجعا يعارك مرّة ويصالح اخرى ويقرّ القوم على النحلة إلا من رضي منها بالنّقلة «٣» ؛ وغرس ذلك في قلوبهم السخائم، وإن لم يتجاوز بعده من الغزاة حدود كابل وماء السند أحد إلى أيّام الترك حين تملكوا بغزنه في أيّام السامانيّة ونابت الدولة ناصر الدين سبكتكين فآثر الغزو وتلقّب به وطرّق لمن بعده في توهين جانب الهند طرقا سلكها يمين الدولة محمود رحمهما الله نيّفا وثلاثين سنة فأباد بها خضرآءهم وفعل من الأعاجيب في

стр. 17

بلادهم ما صاروا به هباء منثورا وسمرا مشهورا، فبقيت بقاياهم المتشرّدة «١» على غاية التنافر والتباعد عن المسلمين بل كان ذلك سبب انمحاق علومهم عن الحدود المفتتحة وانجلائها إلى حيث لا يصل إليه اليد بعد من كشمير وبانارسي وأمثالهما مع استحكام القطيعة فيها مع جميع الأجانب بموجب السياسة والديانة. وبعد ذلك أسباب ذكرها كالطعن فيهم ولكنّها حافية «٢» في أخلاقهم غير خفيّة، والحمق دآء لا دوآء له؛ وذلك أنّهم يعتقدون في الأرض أنّها أرضهم وفي الناس أنّهم جنسهم وفي الملوك أنّهم رؤساؤهم وفي الدين أنّه نحلتهم وفي العلم أنّه ما معهم فيترفّعون ويتبظرمون «٣» ويعجبون بأنفسهم فيجهلون، وفي طباعهم الضنّ بما يعرفونه والإفراط في الصيانة له عن غير أهله منهم فكيف عن غيرهم، على أنّهم لا يظنّون أنّ في الأرض غير بلدانهم وفي الناس غير سكّانها وأنّ للخلق غيرهم علما حتى أنّهم إن حدّثوا بعلم أو عالم في خراسان وفارس استجهلوا المخبر ولم يصدّقوه للآفة المذكورة، ولو أنّهم سافروا وخالطوا غيرهم لرجعوا عن رأيهم؛ على أنّ أوائلهم لم يكونوا بهذه المثابة من الغفلة، فهذا «براهمهر» أحد فضلائهم حين يأمر بتعظيم البراهمة يقول: «إنّ اليونانيين وهم أنجاس لمّا تخرّجوا في العلوم وأنافوا «٤» فيها على غيرهم وجب تعظيمهم فما عسى نقوله في البرهمن إذا حاز إلى طهارته شرف العلم؟» وكانوا يعترفون لليونّانيين بأنّ ما أعطوه من العلم أرجح من نصيبهم منه، ويكفيك دليلا عليه من مادح نفسه وهو يقرئك السلام؛ إنّي كنت أقف من منجّميهم مقام التلميذ من الأستاذ لعجمتي فيما بينهم وقصوري عمّا هم فيه من مواضعاتهم، فلمّا اهتديت قليلا لها أخذت أوقّفهم على العلل وأشير إلى شيء من البراهين والوّح لهم الطرق الحقيقيّة في الحسابات فانثالوا عليّ

стр. 18

متعجّبين وعلى الاستفادة متهافتين يسألون: عمّن شاهدته من الهند حتى أخذت عنه؟ وأنا أريهم مقدارهم وأترفّع عن جنبتهم مستنكفا، فكادوا ينسبونني الى السخر ولم يصفوني عند أكابرهم بلغتهم إلا بالبحر والماء يحمض حتى يعوزا «١» الخلّ، فهذه صورة الحال، ولقد أعيتني المداخل فيه مع حرصي الذي تفرّدت به في أيّامي وبذلي الممكن غير شحيح عليه في جمع كتبهم من المظانّ واستحضار من يهتدي لها من المكامن ومن لغيري «٢» مثل ذلك إلا أن يرزق من توفيق الله ما حرمته في القدرة على الحركات عجزت فيها عن «٣» القبض والبسط في الأمر والنهي طوي عنّي جانبها، والشكر لله على ما كفي منها؛ وأقول: إنّ اليونانيين أيّام الجاهلية قبل ظهور النصرانية كانوا على مثل ما عليه الهند من العقيدة، خاصّهم في النظر قريب من خاصّهم وعامّهم في عبادة الأصنام كعامّهم، ولهذا أستشهد من كلام بعضهم على بعض بسبب الاتّفاق وتقارب الأمرين لا التصحيح فإنّ ما عدا الحقّ زائغ والكفر ملّة واحدة من أجل الانحراف عنه، ولكنّ اليونانيّين فازوا بالفلاسفة الذين كانوا في ناحيتهم حتى نقّحوا لهم الأصول الخاصة دون العامّة لأنّ قصارى الخواصّ اتّباع البحث والنظر وقصارى العوامّ التهوّر واللجاج إذا خلوا عن الخوف والرهبة يدلّ على ذلك سقراط لمّا خالف في عبادة الأوثان عامّة قومه وانحرف عن تسمية الكواكب «آلهة» في لفظه كيف أطبق قضاة أهل اثينية الأحد عشر على الفتيا بقتله دون الثاني عشر حتى قضى نحبه غير راجع عن الحقّ؛ ولم يك للهند أمثالهم ممّن يهذّب العلوم فلا تكاد تجد لذلك لهم خاصّ كلام إلا في غاية الاضطراب وسوء النظام ومشوبا في آخره خرافات العوامّ من تكثير العدد وتمديد المدد ومن موضوعات النحلة التي يستفظع أهلها فيها المخالفة، ولأجله يستولي التقليد عليهم وبسببه أقول فيما هو بابتي منهم أنّي لا «٤» أشبّه ما في كتبهم من

стр. 19

الحساب ونوع التعاليم إلا بصدف مخلوط بخزف «١» أو بدرّ ممزوج ببعر أو بمهى مقطوب بحصى، والجنسان عندهم سيّان إذ لا مثال لهم لمعارج البرهان؛ وأنا في أكثر ما ساورده من جهتهم حاك غير منتقد إلا عن ضرورة ظاهرة، وذاكر من الأسماء والمواضعات في لغتهم ما لا بدّ من ذكره مرّة واحدة يوجبها التعريف، ثمّ إن كان مشتقا يمكن تحويله في العربيّة إلى معناه لم أمل عنه إلى غيره إلا أن يكون بالهندية أخفّ في الاستعمال فنستعمله بعد غاية التوثقة منه في الكتبة، أو كان مقتضبا شديد الاشتهار فبعد الإشارة إلى معناه، وإن كان له اسم عندنا مشهور فقد سهل الأمر فيه؛ ويتعذّر فيما قصدناه سلوك الطريق الهندسي في الإحالة على الماضي دون المستأنف، ولكنه ربّما يجيء في بعض الأبواب ذكر مجهول وتفسيره آت في الذي يتلوه، والله الموفّق.

стр. 20

ب- ذكر اعتقادهم في الله سبحانه إنّما اختلف اعتقاد الخاصّ والعامّ في كلّ أمّة بسبب أنّ طباع الخاصّة ينازع المعقول ويقصد التحقيق في الأصول، وطباع العامّة يقف عند المحسوس ويقتنع بالفروع ولا يروم التدقيق وخاصّة فيما افتنّت فيه الآراء ولم يتّفق عليه الأهواء؛ واعتقاد الهند في الله سبحانه أنه الواحد الأزلي، من غير ابتداء ولا انتهاء المختار في فعله القادر الحكيم الحيّ المحيي المدبّر المبقي الفرد في ملكوته عن الأضداد والأنداد لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء؛ ولنورد في ذلك شيئا من كتبهم لئلا تكون حكايتنا كالشيء المسموع فقط، قال السائل في كتاب «باتنجل» : من هذا المعبود الذي ينال التوفيق بعبادته؟ قال المجيب: هو المستغني بأوّليّته «١» ووحدانيّته عن فعل لمكافاة عليه براحة تؤمّل وترتجي أو شدّة تخاف وتتّقي، والبريء عن الأفكار لتعاليه عن الأضداد المكروهة والأنداد المحبوبة، والعالم بذاته سرمدا إذ العلم الطارئ يكون لما لم يكن بمعلوم وليس الجهل بمتّجه عليه في وقت ما أو حال؛ ثمّ يقول السائل بعد ذلك: فهل له من الصفات غير ما ذكرت؟ ويقول المجيب: له العلوّ التامّ في القدر لا المكان فإنّه يجلّ عن التمكّن، وهو الخير المحض التامّ الذي يشتاقه كلّ موجود، وهو العلم الخالص

стр. 21

عن دنس السهو والجهل؛ قال السائل: أفتصفه بالكلام أم لا؟ قال المجيب: إذا كان عالما فهو لا محالة متكلم؛ قال السائل: فإن كان متكلّما لأجل علمه فما الفرق بينه وبين العلماء الحكماء الذين تكلّموا من أجل علومهم؟ قال المجيب: الفرق بينهم هو الزمان فإنّهم تعلّموا فيه وتكلّموا بعد أن لم يكونوا عالمين ولا متكلّمين ونقلوا بالكلام علومهم إلى غيرهم فكلامهم وإفادتهم في زمان، وإذ ليس للأمور الإلهية بالزمان اتّصال فالله سبحانه عالم متكلّم في الأزل، وهو الذي كلّم «براهم» وغيره من الأوائل على أنحاء شتّى، فمنهم من ألقى إليه كتابا ومنهم من فتح لواسطة اليه بابا ومنهم من أوحى إليه فنال بالفكر ما أفاض عليه؛ قال السائل: فمن أين له هذا العلم؟ قال المجيب: علمه على حاله في الأزل، وإذ لم يجهل قطّ فذاته عالمة لم تكتسب علما لم يكن له، كما قال في «بيذ» الذي أنزله على براهم: احمدوا وامدحوا من تكلّم ببيذ وكان قبل بيذ: قال السائل: كيف تعبد من لم يلحقه الإحساس؟ قال المجيب: تسميته تثبت إنّيّته فالخبر لا يكون إلا عن شيء والاسم لا يكون إلّا لمسمّى، وهو وإن غاب عن الحوسّ فلم تدركه فقد عقلته النفس وأحاطت بصفاته الفكرة وهذه هي عبادته الخالصة وبالمواظبة عليها ينال السعادة؛ فهذا كلامهم في هذا الكتاب المشهور. وفي كتاب «كيتا» وهو جزوء من كتاب «بهارت» فيما جرى بين «باسديو» «١» وبين «آرجن» : إنّي أنا الكلّ من غير مبدأ بولادة أو «٢» منتهى بوفاة، لا أقصد بفعلي مكافاة ولا اختصّ بطبقة دون أخرى لصداقة او عداوة، قد اعطيت كلّا من خلقي حاجته في فعله، فمن عرفني بهذه الصفة وتشبّه بي في إبعاد الطمع عن العمل انحلّ وثاقه وسهل خلاصه، وعتاقه، وهذا كما قيل في حدّ الفلسفة: إنّها التقيّل بالله ما أمكن، وقال في هذا الكتاب: أكثر الناس يلجئهم الطمع في الحاجات إلى الله، وإذا حقّقت الأمر لديهم وجدتهم من معرفته في مكان سحيق

стр. 22

لأن الله ليس بظاهر لكلّ أحد يدركه بحواسّه فلذلك جهلوه؛ فمنهم من لم يتجاوز فيه المحسوسات، ومنهم من إذا تجاوزها وقف عند المطبوعات، ولم يعرفوا أنّ فوقها من لم يلد ولم يولد ولم يحط بغير «١» إنّيّته علم احد وهو المحيط بكلّ شيء علما. ويختلف كلام الهند في معنى الفعل فمن اضافه إليه كان من جهة السبب الأعمّ لأنّ قوام الفاعلين إذا كان «٢» به كان هو سبب فعلهم فهو فعله بوساطتهم، ومن أضافه إلى غيره فمن جهة الوجود الأدنى. وفي كتاب «سانك» قال الناسك: هل اختلف في الفعل والفاعل أم لا؟ قال الحكيم: قد قال قوم إنّ النفس غير فاعلة والمادّة غير حيّة فالله المستغني هو الذي يجمع بينهما ويفرق فهو الفاعل والفعل واقع من جهته بتحريكهما كما يحرّك الحيّ القادر الموات العاجز؛ وقال آخرون: إنّ اجتماعهما بالطباع فهكذا جرت العادة في كل ناش بال، وقال آخرون: الفاعل هو النفس لأنّ في «بيذ» أنّ كلّ موجود فهو من «پورش» وقال آخرون: الفاعل هو الزمان فإنّ العالم مربوط به رباط الشاة بحبل مشدود بها حتى تكون حركتها بحسب انجذابه واسترخائه، وقال آخرون: ليس الفعل سوى المكافاة على العمل المتقدّم؛ وكلّ هذه الآراء منحرفة عن الصواب وإنّما الحقّ فيه أنّ الفعل كلّه للمادّة لأنّها هي التي تربط وتردّد في الصور وتخلّي فهي الفاعلة وسائر ما تحتها أعوان لها على إكمال الفعل، ولخلّو النفس عن القوى المختلفة هي غير فاعلة. فهذا قول خواصّهم في الله تعالى ويسمّونه «ايشفر» أي المستغنى الجواد الذي يعطي ولا يأخذ لأنهم رأوا وحدته هي المحضة ووحدة ما سواه بوجه من الوجوه متكثرة ورأوا وجوده حقيقيّا لأنّ قوام الموجودات به ولا يمتنع توهم ليس فيها مع «أيس» «٣» فيه كما يمتنع توهّم ليس فيه مع «أيس» فيها، ثمّ إن تجاوزنا طبقة الخواصّ من الهند إلى عوامّهم اختلف الأقاويل عندهم وربّما سمجت كما

стр. 23

يوجد مثله في سائر الملل بل وفي الاسلام من التشبيه والإجبار وتحريم النظر في شيء وأمثال ذلك ويوجب «١» التهذّب «١» ، مثاله أنّ بعض خواصّهم يسمى الله تعالى «نقطة» ليبرئه بها عن صفات الأجسام، ثمّ يطالع ذلك عامّيّهم فيظنّ أنه عظمه بالتصغير ولا يبلغ به فهمه إلى تحقيق النقطة فيتجاوز سماجة التشبيه والتحديد بالتعظيم إلى قوله: إنّه يطول اثنى عشر إصبعا في عرض عشر أصابع تعالى عن التحديد والتعديد، ومثل ما حكيناه من إحاطته بالكل حتى لا يخفى عليه خافية فيظن عامّيّهم أنّ الإحاطة تكون بالبصر والبصر بالعين والعينان أفضل من العور فيصفه بألف عين عبارة عن كمال العلم؛ وأمثال هذه الخرافات الشنعة عندهم موجودة وخاصّة في الطبقات التي لم يسوّغ لهم تعاطي العلم على ما يجيء ذكرهم في موضعه.

стр. 24

ج- في ذكر اعتقادهم في الموجودات العقليّة والحسيّة إنّ قدماء اليونانيّين قبل نجوم الحكمة فيهم بالسبعة المسمّين «أساطين الحكمة» وهم آ «سولن» الأثيني ب و «بيوس» الفاريني ج و «فارياندروس» القورنتي د و «ثالس» المليسوسي هـ و «كيلون» اللقاذوموني «١» و «فيطيقوس «٢» لسبيّوس» ز و «قيليبولوس لنديوس» وتهذّب الفلسفة عندهم بمن نشأ بعدهم كانوا على مثل مقالة الهند، وكان فيهم من يرى أنّ الأشياء كلّها شيء واحد، ثمّ من قائل في ذلك بالكمون ومن قائل بالقوّة وأنّ الإنسان مثلا لم يتفضّل عن الحجر والجماد إلا بالقرب من العلّة الأولى بالرتبة وإلا فهو هو، ومنهم من كان يرى الوجود الحقيقيّ لعلّة الأولى فقط لاستغنائها بذاتها فيه وحاجة غيرها إليها وأنّ ما هو مفتقر في الوجود إلى غيره فوجوده كالخيال غير حقّ والحقّ هو الواحد الأوّل فقط، وهذا رأي السوفيّة وهم الحكماء فإنّ «سوف» باليونانيّة الحكمة وبها سمّى الفيلسوف «بيلاسوبا» أي محبّ الحكمة ولما ذهب في الإسلام قوم إلى قريب من رأيهم سمّوا باسمهم ولم يعرف اللقب بعضهم فنسبهم للتوكّل إلى «الصفّة» وأنّهم أصحابها في عصر النبيّ ﷺ ، ثمّ صحّف بعد ذلك فصيّر من صوف التيوس؛ وعدل أبو الفتح البستيّ عن ذلك أحسن عدول في قوله:

стр. 25

تنازع الناس في الصوفيّ واختلفوا ... قدما وظنّوه مشتقّا من الصوف ولست أنحل هذا الاسم غير فتي ... صافي فصوفي حتى لقّب الصوفيّ وكذلك ذهبوا إلى أنّ الموجود شيء واحد وأنّ العلّة الأولى تترايا فيه بصور مختلفة وتحلّ قوّتها في أبعاضه بأحوال متباينة توجب التغاير مع الاتّحاد، وكان فيهم من يقول: إنّ المنصرف بكلّيّته إلى العلّة الأولى متشبّها بها على غاية إمكانه يتّحد بها عند ترك الوسائط وخلع العلائق والعوائق؛ وهذه آراء يذهب إليها الصوفيّة لتشابه الموضوع، وكانوا يرون في الأنفس والأرواح أنّها قائمة بذواتها قبل التجسّد بالأبدان معدودة مجنّدة تتعارف وتتناكر وأنّها تكتسب في الأجساد بالخيرورة ما يحصل لها به بعد مفارقة الأبدان الاقتدار على تصاريف العالم ولذلك سمّوها «آلهة» وبنوا الهياكل بأسمائها وقرّبوا القرابين لها؛ كما يقول جالينوس في كتاب «الحثّ على تعلّم الصناعات» : ذوو الفضل من الناس إنّما استأهلوا ما نالوه من الكرامة حتى لحقوا بالمتألّهين بسبب جودة معالجتهم للصناعات لا بالإحصار والمصارعة ورمى الكرة، من ذلك أنّ «أسقليبيوس» و «ديونوسيوس» إن كانا فيما مضى إنسانين ثمّ إنّهما تألّها أو كانا منذ أوّل أمرهما متألّهين فانّهما إنّما استحقّا أعظم الكرامة بسبب أنّ أحدهما علّم الناس الطبّ والآخر علمهم صناعة الكروم؛ وقال جالينوس في تفسيره لعهود ابقراط: أمّا الذبائح باسم «اسقليبيوس» فما سمعنا قطّ بأنّ أحدا قرّب له ما عزا من أجل أنّ غزل شعره لا يسهل وأنّ الإكثار من لحمه يصرع لرداءة كيموسه، وإنّما يقرّبون ديكة كما قرّبها أبقراط «١» فإنّ هذا الرجل الإلهيّ اقتنى للناس صناعة الطبّ وهي أفضل ممّا استخرجه «ديونوسيوس» أعني الخمر و «ذيميطر» أعني الحبوب التي يتّخذ منها الخبز ولذلك تسمّى الحبوب باسم هذه «٢» ، وشجرة الكرم باسم هذا؛ وقال

стр. 26

أفلاطن في «طيماوس» : «الطي» الذين يسمّيهم الحنفاء «آلهة» بسبب أنّهم لا يموتون ويسمّون الله «الإله الأوّل» هم الملائكة، ثمّ قال هو: إنّ الله قال للآلهة إنّكم لستم في أنفسكم غير قابلين للفساد أصلا وإنّما لن تفسدوا بموت أنّكم نلتم من مشيئتي وقت إحداثي لكم أوثق عقد؛ وقال فيه في موضع آخر: الله بالعدد الفرد لا آلهة بالعدد المكثّر؛ فعندهم على ما يظهر من أقاويلهم يقع اسم الآلهة من جهة العموم على كلّ شيء جليل شريف يوجد ذلك كذلك عند أمم كثيرة حتى يتجاوزون «١» به إلى الجبال والبحار وأمثالها، ويقع من جهة الخصوص على العلّة الأولى وعلى الملائكة وأنفسهم «٢» وعلى نوع آخر يسمّيها أفلاطن «السكينات» ، ولم تبلغ عبارة المترجمين فيها إلى التعريف التامّ فلذلك وصلنا منها إلى الاسم دون المعنى؛ وقال يحيى النحويّ في ردّه على «ابروقلس» : كان اليونيّون يوقعون اسم «الآلهة» على الأجسام المحسوسة في السماء، كما عليه كثير من العجم، ثمّ لمّا تفكّروا في الجواهر المعقولة أوقعوا هذا الاسم عليها؛ فباضطرار يعلم أنّ معنى التألّه راجع إلى ما يذهب إليه في الملائكة، وذلك في صريح كلام جالينوس في ذلك الكتاب: إن كان الأمر حقّا في أنّ «اسقليبيوس» كان فيما مضى إنسانا ثمّ إنّ الله أهّله لأن جعله ملكا من الملائكة فما عداه هذيان، وفي موضع آخر منه يقول: إنّ الله قال «للوفرغوس «٣» » إنّي في بابك بين أمرين بين أن أسمّيك إنسانا وبين أن أسمّيك ملكا وإلى هذا أميل فيك؛ ولكنّ من الألفاظ ما يسمج في دين دون دين ويسمح «٤» به لغة وتأباه «٥» أخرى ومنها لفظة التألّه في دين الإسلام فإنّا إذا اعتبرناها في لغة العرب وجدنا جميع الأسامي التي سمّى بها الحقّ المحض متّجهة

стр. 27

على غيره بوجه ما سوى اسم «الله» فإنّه يختصّ به اختصاصا قيل له إنّه اسمه الأعظم، وإذا تأمّلناه في العبريّة والسريانيّة اللتين بهما الكتب المنزلة قبل القرآن وجدنا «الربّ» في التوراة وما بعدها من كتب الأنبياء المعدودة في جملتها موازيا لله في العربيّ غير منطلق على أحد بإضافة كربّ البيت وربّ المال ووجدنا الإله فيها موازيا للربّ في العربيّ، فقد ذكر فيها: إنّ بني أولوهيم نزلوا إلى بنات الناس قبل الطوفان وخالطوهنّ، وذكر في كتاب «أيوب الصدّيق» : إنّ الشيطان دخل مع بني أولوهيم إلى مجمعهم، وفي توراة موسى قول الربّ له: إنّي جعلتك إلها لفرعون، وفي المزمور الثاني والثمانين من زبور داود: إنّ الله قام في جماعة الآلهة يعني الملائكة، وسمّي في التوراة الأصنام «آلهة غرباء» ولولا أنّ التوراة حظرت عبادة كلّ ما دون الله والسجود للأصنام بل ذكرها أصلا وخطرها على البال لقد كان يتصوّر من هذه اللفظة أنّ المأمور به هو رفض الآلهة الغرباء دون التي ليست بعبريّة «١» والأمم الّذين كانوا حول أرض فلسطين هم الّذين كانوا على دين اليونانيّين في عبادة الأصنام، ولم تزل بنو إسرائيل كانوا يعصون الله بعبادة صنم «بعلا» وصنم «استروث» الّذي للزهرة؛ فالتألّه على وجه التملّك عند أولئك كان يتّجه على الملائكة وعلى الأنفس التي اقتدرت وبالاستعارة على الصور المعمولة بأسماء أبدانها وبالمجاز على الملوك والكبار، وهكذا اسم «الأبوّة» والنبوّة فإنّ الإسلام لا يسمح بهما إذ الولد والابن في العربيّة متقاربا المعنى وما وراء الولد من الوالدين والولادة منفى عن معاني الربوبيّة وما عدا لغة العرب يتّسع لذلك جدّا حتى تكون المخاطبة فيها بالأب قريبة من المخاطبة بالسّيد، وقد علم ما عليه النصارى من ذلك حتى أنّ من لا يقول بالأب والابن فهو خارج عن جملة ملّتهم والابن يرجع إلى عيسى بمعنى الاختصاص والأثرة وليس يقصر عليه بل يعدوه إلى غيره فهو الذي يأمر تلاميذه

стр. 28

في الدعاء بأن يقولوا: يا أبانا الذي في السماء ويخبرهم في نعي نفسه إليهم بأنّه ذاهب إلى أبيه وأبيهم ويفسّر ذلك بقوله في أكثر كلامه عن نفسه: إنّه ابن البشر، وليست النصارى على هذا وحدها ولكنّ اليهود تشركها فإنّ في سفر الملوك: إنّ الله تعالى عزّى داود على ابنه المولود له من امرأة «أوريا» ووعده منها ابنا يتبنّاه، فإذا جاز بالتبنّي بالعبريّ أن يكون سليمان ابنا جاز أن يكون المتبنّي أبا، و «المنّانيّة» تشابه النصارى من أهل الكتاب وصاحبهم «ماني» يقول في هذا المعنى في كتاب «كنز الأحياء» : إنّ الجنود النيّرين يسمّون أبكارا وعذارى وآباء وأمّهات وأبناء وإخوة وأخوات لما جرى به الرسم في كتاب الرسل، وليس في بلدة السرور ذكر ولا أنثى ولا أعضاء سفاد وكلّهم حاملون للأجساد الحيّة والأبدان الالهوت لا يختلفون بضعف وقوّة ولا طول وقصر ولا صورة ومنظر كالسرج المتشابهة المسرجة من سراج واحد، موادّ أغذيتهم واحدة، وإنّما سبب تلك التسمية تعاني «١» المملكتين، فالسفليّة المظلمة لمّا نهضت من غورها ورأتها الملكوت العالية النيّرة أزواجا ذكرانا وإناثا صوّرت أبناءها الظاعنين إلى الحرب من ظاهر بصور كذلك فأقامت «٢» كل جنس بإزاء جنسه؛ والخواصّ من الهند يأبون هذه الأوصاف وعوامّهم وكلّ من كان في فروع النحلة يفرطون في إطلاقها ويتجاوزون المقدار المذكور إلى الزوجة والابن والابنة والإحبال والإيلاد وسائر الأحوال الطبيعية ولا يتحاشون عن التجازف في ذكرها، ولا معتبر عليهم ومذاهبهم وإن كثرت فإنّ قطبها ما عليه البراهمة وقد رشّحوا لحفظه وإقامته وهو الّذي نحكيه ونقول: إنّهم يذهبون في الموجود إلى أنّه شيء واحد على مثل ما تقدّم فإنّ «باسديو» يقول في الكتاب المعروف «بكيتا» : أمّا عند التحقيق فجميع الأشياء إلهية لأنّ «بشن» جعل نفسه أرضا ليستقرّ الحيوان

стр. 29

عليها وجعله ماء ليغذّيهم وجعله نارا وريحا لينميهم وينشئهم وجعله قلبا لكلّ واحد منهم ومنح الذكر والعلم وضدّيهما على ما هو مذكور في «بيذ» ، وما أشبه قول صاحب كتاب «بليناس» في علل الأشياء بهذا وكأنّه مأخوذ منه: إنّ في الناس كلّهم قوّة إلهيّة بها تعقل الأشياء بالذات وبغير الذات كما سمّى بالفارسيّة «خذا» بغير ذات واشتق للانسان من ذلك اسم؛ فأمّا الّذين يعدلون عن الرموز إلى التحقيق فإنّهم يسمّون النفس «بورش» ومعناه الرجل بسبب أنّها الحيّ في الموجود ولا يرون منها غير الحياة ويصفونها بتعاقب العلم والجهل عليها وأنّها جاهلة بالفعل وعاقلة بالقوّة تقبل العلم بالاكتساب وأنّ جهلها سبب وقوع الفعل وعلمها سبب ارتفاعه، وتتلوها المادّة المطلقة أعني الهيولى المجرّدة ويسمّونها «أبيكت» أي شيء بلا صورة وهي موات ذات قوى ثلاث بالقوّة دون الفعل أسماؤها «ست» و «رج» و «تم» وسمعت أنّ عبارة «بدّهودن» عنها لقومه الشمنيّة «بدّ دهرم «١» سنك» وكأنّها العقل والدين والجهل، فالأولى «٢» منها راحة وطيبة منها الكون والنماء والثانية تعب ومشقّة منها الثبات والبقاء والثالثة فتور وعمه منها الفساد والفناء، ولهذا تنسب «٣» الأولى إلى الملائكة والثانية إلى الناس والثالثة إلى البهائم، وهذه أشياء تقع فيها قبل وبعد وثمّ من جهة الرتبة وتضايق العبارة لا من جهة الزمان: وأمّا المادّة خارجة إلى الفعل بالصور والقوى الثلاث الأول فإنّهم يسمّونها «بيكت» أي المتصوّرة ويسمّون مجموع الهيولى المجرّدة والمادّة المتصوّرة «پركرت» ولا فائدة في هذا الاسم لاستغنائنا عن ذكر المطلقة ويكفينا المادّة في العبارة فليس إحداهما في الوجود بغير الأخرى؛ وتتلوها الطبيعة ويسمّونها «أهنكار «٤» » واشتقاقه من الغلبة والازدياد والصلف من أجل أنّ المادّة

стр. 30

عند لبس الصور تأخذ في إنماء الكائنات عنها والنموّ لا يكون إلا إحالة الغير وتشبيهه بالنامي فكأنّ الطبيعة تغالب في تلك الإحالة وتستطيل على المستحيل؛ ومن البيّن أنّ كلّ مركب فله بسائط منها يبدو التركيب وإليها يعود التحليل، والموجودات الكلّيّة في العالم هي العناصر وهم على رأيهم السماء والريح والنار والماء والأرض وتسمى «مهابوت» أي كبار الطبائع، ولا يذهبون في النار إلى ما يذهب إليه من الجسم الحارّ اليابس عند تقعير الإيثر وإنّما يعنون بها هذه الموجودة على وجه الأرض من اضطرام الدخان؛ وفي «باج پران» : إنّ في القديم كان الأرض والماء والريح والسماء وإنّ براهم رأى شررة تحت الأرض فأخرجها وجعلها أثلاثا، فالأوّل «بارتب» وهي النار المعهودة التي تحتاج إلى حطب ويطفئها الماء، والثاني «دبت» وهو الشمس، والثالث «بدد» وهي البرق فالشمس تجذب الماء والبرق يمض من خلال الماء وفي الحيوان نار في وسط الرطوبات تغتذى بها ولا تطفئها؛ وهذه العناصر مركّبة فلها بسائط تتقدّمها تسمّى «بنج ماتر» أي أمّهات خمسة ويصفونها بالمحسوسات الخمسة فبسيط السماء «شبد» وهو المسموع وبسيط الريح «سپرس» وهو الملموس وبسيط النار «روپ» وهو المبصر وبسيط الماء «رس» وهو المذوق وبسيط الأرض «كند» وهو المشموم، ولكلّ واحد من هذه البسائط ما نسب إليه وجميع ما نسب إلى ما فوقه فللأرض الكيفيّات الخمسة والماء ينقص عنها بالشمّ والنار تنقص عنها به وبالذوق والريح بهما وباللون والسماء بها وباللمس، ولست أدري ماذا يعنون بإضافة الصوت إلى السماء وأظنّه شبيها بما قال «أوميروس» شاعر اليونانيّين: إنّ ذوات اللحون السبعة ينطقن ويتجاوبن بصوت حسن، وعنى الكواكب السبعة، كما قال غيره من الشعراء: إنّ الأفلاك المختلفة اللحون سبعة متحرّكات أبدا ممجدات للخالق لأنّه ماسكها محيط بها إلى أقصى نهاية الفلك غير المكوكب، وقال «فرفوريوس» في كتابه في آراء أفاضل الفلاسفة في طبيعة الفلك: إنّ الأجرام السماوية إذا تحرّكت على متقن أشكالها وهيآتها وترنّمها بالأصوات العجيبة على ما قاله «فوثاغورس» و

стр. 31

«ديوجانس» دلّت على منشئها الّذي لا مثل له ولا شكل، وقيل: إنّ ديوجانس للطافة حسّه كان اختصّ باستماع صوت حركة الفلك؛ وهذه كلّها رموز مطّردة بالتأويل على القانون المستقيم، وذكر بعض من تبعهم من القاصرين عن التحقيق: إنّ البصر مائيّ والشمّ ناريّ والطعم أرضيّ واللمس من إفادة الروح كلّ البدن بالاتصال به، وما أظنّه نسب البصر إلى الماء إلّا لما سمع من رطوبات العين وطبقاتها والشمّ إلى النار بسبب البحور والدخان والطعم إلى الأرض بسبب طعامه الذي تزقمه وفنيت العناصر الأربعة فعاد في اللمس إلى الروح؛ ثمّ نقول: إنّ الحاصل ممّا بلغ التعديد إليه هو الحيوان وذلك أنّ النبات عند الهند نوع منه كما أنّ أفلاطن يرى أنّ للغروس حسّا لما يرى في النبات من القوّة المميّزة بين الملائم والمخالف والحيوان حيوان بالحس، والحواس خمسة تسمّى «اندريان» وهي السمع بالأذن «١» والبصر بالعين والشمّ بالأنف والذوق باللسان واللمس بالجلد، ثمّ إرادة تصرّفها على ضروب المضارب محلّها منه القلب وسمّوها به «من» والحيوانيّة تكمل بأفاعيل خمسة ضروريّة له يسمّونها «كرم اندريان» أي الحواسّ بالفعل فإنّ الحاصل من الأولى علم ومعرفة ومن هذه الأخرى عمل وصنعة ولنسمّها «ضروريّات» وهي التصويت بصنوف الحاجات والإرادات والبطش بالأيدي للاجتلاب والاجتناب والمشي بالأرجل للطلب والهرب ونفض فضول الأغذية بكلي المنفذين المعدّين له، فهذه خمسة وعشرون هي النفس الكلّيّة والهيولى المجرّدة والمادّة المتصوّرة والطبيعة الغالبة والأمّهات البسيطة والعناصر الرئيسيّة والحواسّ المدركة والإرادة المصرّفة والضروريّات الآليّة، واسم الجملة «تتو «٢» » والمعارف مقصورة عليها ولذلك قال «بياس بن براشر» : أعرف الخمسة والعشرين بالتفصيل والتحديد والتقسيم معرفة برهان وإيقان لا دراسة باللسان ثمّ ألزم أيّ دين شئت فإنّ عقباك النجاة.

стр. 32

د- في سبب الفعل وتعلّق النفس بالمادّة الأفعال الإراديّة الموجودة من بدن الحيوان لا تصدر عنه إلا بعد وجود الحياة فيه ومجاورة الحيّ إيّاه، وقد زعموا أنّ النفس بالفعل جاهلة بذاتها وبما تحتها من المادّة توّاقة إلى الإحاطة بما لا تعرف ظانّة أن لا قوام لها إلا بالمادّة فتشتاق إلى الخير الذي هو البقاء وتروم الاطّلاع على ما هو منها مستور فتنبعث للإتحاد بها لكنّ الكثيف واللطيف إذا كانا على أقصى أفق صفتيهما امتنع تقاربهما وامتزاجهما إلا بالوسائط التي تناسبهما كتوسّط الهواء فيما بين النار والماء المتضادّين بكلتي الكيفيّتين فإنّه يناسب كلّ واحد منهما باحدى الكيفيّتين فيمكّنه بها من مخالطته، ولا تباين أشدّ بعدا ممّا بين الجسم واللاجسم ولذلك لن تبلغ النفس مرامها كما هي إلا بأمثال تلك الوسائط وهي ارواح ناشئة من الأمّهات البسيطة في عوالم «بهورلوك» و «بهوبرلوك» و «سفرلوك» سمّوها بازاء الأبدان الكثيفة الكائنة من العناصر «أبدانا لطيفة» تشرق النفس عليها فتصير مراكب لها بذلك الاتّحاد كانطباع صورة الشمس وهي واحدة في عدة مرايا منصوبة على محاذاتها أو مياه مصبوبة في أوان موضوعة على موازاتها ترى في كلّ واحد منها بالسواء ويوجد فيه «١» أثرها بالحرّ والضياء فإذا حصلت الأبدان الأمشاجيّة المختلفة وتركّبت من الذكر والأنثى، أمّا من الذكر فما

стр. 33

فيها من العظام والعروق والمني، وأمّا من الأنثى فما فيها من اللحم والدم والشعر واستعدّت لقبول الحياة اقترنت بها تلك الأرواح وكانت لها كالقصور المهيّأة لصنوف مصالح الملوك، وداخلتها الرياح الخمسة التي باثنتين منها جذب النفس وإرساله، وبالثالثة اختلاط الأغذية في المعدة، وبالراعبة طفرة البدن من موضع إلى آخر، وبالخامسة انتقال الإحساس من طرف البدن إلى آخر؛ والأرواح عندهم غير مختلفة في الجوهر مطبوعة على التساوي وإنّما يختلف أخلاقها وآثارها من جهة اختلاف الأجساد التي تقترن بها بسبب القوى الثلاث التي تتغالب فيها وتفاسدها بالحسد والغيظ، فهذا هو السبب الأعلى في الانبعاث للفعل؛ وأمّا السبب الأسفل من جهة المادّة فهو طلبها الكمال وإيثارها الأفضل الذي هو الخروج من القوة إلى الفعل، وبما في سنخ الطبيعة من المباهاة ومحبّة الغلبة تعرض ما فيها من أصناف الممكن على من تعلّم وتردّد النفس في ضروب النبات وأنواع الحيوان، وشبهّوها «١» برقّاصة حاذقة بصناعتها عارفة بأثر كل وصل وفصل فيها حضرت مترفا شديد الحرص على مشاهدة ما معها فأخذت في أنواع صناعتها «٢» تبرزها واحدا بعد آخر وصاحب المجلس يطالعها إلى أن فنى ما معها وانقطع ولوع الناظر فانخزلت «٣» باهتة إذ ليس معها غير الإعادة والمعاد مرغوب عنه فسرحها وارتفع الفعل على مثال رفقة في مفازة قطع عليها وتهارب أهلها سوى ضرير كان فيها ومقعد بقيا بالعراء آيسين من النجاء ولمّا التقيا وتعارفا قال الزّمن للضرير أنا عاجز عن الحركة وقادر على الهداية وأمرك فيهما بخلاف امري فمكّني من عاتقك واحملني لأدلّك على الطريق ونخرج معا من الهلكة ففعل وتمّت الإرادة بتعاونهما وانفصلا عند الخروج من الفلاة؛ ثم تختلف العبارة عندهم في الفاعل

стр. 34

كما ذكرنا فقد قيل في «بشن پران» : إنّ المادّة أصل العالم وفعلها فيه بالطباع على مثال فعل البذر للشجرة بالطباع من غير قصد واختيار وكتبريد الريح للماء من غير قصد لغير الهبوب، إنّما الفعل الإرادي لبشن؛ وهذه إشارة منه إلى الحيّ الذي يعلو المادة وبه تصير المادّة فاعلة تسعى له سعي الصديق لصديقه من غير طمع، وقد بنى عليه «ماني» قوله: سأل الحواريّون عيسى ﵇ عن حياة الموات فقال لهم إنّ الميّت إذا فارق الحيّ المخالط إياه وبان على حدته عاد ميّتا لا يحيى والحيّ الذي فارقه حيّا لا يموت، وأما في كتاب «سانك» فإنه ينسب الفعل إلى المادّة من أجل أنّ ما يعرض من الصور مختلفة في اختلافها بسبب القوى الثلاث الأول وغلبتها فرادي ومزدوجة أعني الملكيّة والإنسيّة والبهيمية وهذه القوى لها دون النفس، والنفس لتعرف أفعالها بمنزلة النّظّارة على مثال أحد السابلة؟؟؟ قعد في قرية للاستراحة وكلّ واحد من أهلها ساع في غير ما يسعي فيه الآخر فهو ينظر إليهم ويعتبر أحوالهم فيكره بعضها ويحبّ بعضها ويعتبر بها فهو مشتغل من غير أن يكون له حظّ فيها ولا سبب في إثارتها: وإنّما ينسب الفعل إلى النفس مع تبرّئها «١» منه على مثال رجل اتّفقت له مرافقة مع جماعة لم يعرفهم وكانوا لصوصا راجعين من قرية قد كبسوها وخرّبوها ولم يسر معهم إلّا قليلا حتّى لحقهم الطلب واستوثق من الجماعة وحمل ذلك البريء في جملتهم وعلى مثل حالهم قد أصابه ما أصابهم من غير مشاركة إيّاهم في فعلهم؛ وقالوا: إن مثال النفس مثال ماء المطر النازل من السماء على حاله وكيفيّة واحدة فإذا اجتمع في أوان له موضوعة مختلفة الجواهر من ذهب وفضّة وزجاج وخزف وطين وسبخة فإنّه بها يختلف في المرأى والمذاق والمشمّ كذلك النفس لا تؤثر في المادة سوى الحياة بالمجاورة فإذا اخذت المادّة في الفعل اختلف ما يظهر منها بسبب القوة الغالبة من القوى الثلاث ومعاونة الأخريين

стр. 35

المستترتين إيّاها على صنوف الأنحاء تعاون الدهن الرطب والذّبالة اليابسة والنار المتدّخنة على الإضاءة، فالنفس في المادّة كراكب العجلة يخدمها الحواسّ في سوقها على إرادته ويهديها العقل الفائض عليها من الله سبحانه فقد وصفوه بأنّه ما ينظر به إلى الحقائق ويؤدّي إلى معرفة الله تعالى، ومن الأفعال إلى كلّ محبوب إلى الجملة ممدوح عند الكافّة.

стр. 36

هـ- في حال الأرواح وتردّدها بالتناسخ في العالم كما أنّ الشهادة بكلمة الإخلاص شعار إيمان المسلمين والتثليث علامة النصرانيّة والإسبات علامة اليهوديّة كذلك التناسخ علم النحلة الهنديّة فمن لم ينتحله لم يك منها ولم يعدّ من جملتها فإنّهم قالوا: إنّ النفس إذا لم تكن عاقلة لم تحط بالمطلوب إحاطة كلّيّة دفعة بلا زمان واحتاجت إلى تتّبع الجزئيّات واستقراء الممكنات وهي وإن كانت متناهية فلعددها المتناهي كثرة والإتيان على الكثرة مضطرّ الى مدّة ذات فسحة ولهذا لا يحصل العلم للنفس إلّا بمشاهدة الأشخاص والأنواع وما يتناوبها من الأفعال والأحوال حتّى يحصل لها في كل واحد تجربة وتستفيد بها جديد معرفة، ولكنّ الأفعال مختلفة بسبب القوى وليس العالم بمعطّل عن التدبير وإنّما هو مزموم وإلى غرض فيه مندوب فالأرواح الباقية تتردّد لذلك في الأبدان البالية بحسب افتنان الأفعال إلى الخير والشرّ ليكون التردّد في الثواب منبها على الخير فتحرص على الاستكثار منه وفي العقاب على الشرّ والمكروه فتبالغ في التباعد عنه ويصير التردّد من الأرذل إلى الأفضل دون عكسه لأنّه يحتمل كليهما ويقتضي اختلاف المراتب فيهما لاختلاف الأفاعيل بتباين الأمزجة ومقادير الازدواجات في الكمّيّة والكيفيّة، فهذا هو التناسخ إلى أن يحصل من كلتي جنبتي النفس والمادّة كمال الغرض أمّا من جهة السفل ففناء ما عند المادّة من الصورة إلّا الإعادة المرغوب عنها وأمّا من جهة العلوّ فذهاب شوق النفس بعلمها ما لم تعلم

стр. 37

واستيقانها شرف ذاتها وقوامها لا بغيرها واستغناءها عن المادّة بعد إحاطتها بخساستها وعدم البقاء في صورها والمحصول في محسوسها والخبر في ملاذّها فتعرض عنها وينحلّ الرباط وينقصم الاتّصال ويقع الفرقة والانفصال والعود إلى المعدن فائزة من سعادة العلم بمثل ما يأخذه السمسم من العدد والأنوار فلا يفارق دهنه بعد ذلك ويتحد العاقل والمعقول ويصير واحدا. وحقيق علينا أن نورد من كتبهم شيأ من صريح كلامهم في هذا الباب وما يشبهه من كلام غيرهم فيه، قال «باسديو» «لارجن» يحرضه على القتال وهما بين الصفّين: إن كنت بالقضاء السابق مؤمنا فاعلم أنّهم ليسوا ولا نحن معا بموتى ولا ذاهبين ذهابا لا رجوع معه فإنّ الأرواح غير مائتة ولا متغيّرة وإنّما تتردّد في الأبدان على تغاير الإنسان من الطفولة إلى الشباب والكهولة ثمّ الشيوخة التي عقباها موت البدن ثمّ العود، وقال له: كيف يذكر الموت والقتل من عرف أنّ النفس أبديّة الوجود لا عن ولادة ولا إلى تلف وعدم بل هي ثابتة قائمة لا سيف يقطعها ولا نار تحرقها ولا ماء يغصّها ولا ريح تيبّسها لكنّها تنتقل عن بدنها إذا عتق نحو آخر ليس كذلك كما يستبدل البدن اللباس إذا خلق فما غمّك لنفس لا تبيد ولو كانت بائدة فأحرى أن لا تغتمّ لمفقود لا يوجد ولا يعود فإن كنت تلمح البدن دونها وتجزع لفساده فكلّ مولود ميّت وكلّ ميّت عائد وليس لك من كلي الأمرين شيء إنّما همنا إلى الله الذي منه جميع الأمور وإليه تصير، ولمّا قال له «ارجن» في خلال كلامه: كيف حاربت براهم في كذا وهو متقدّم للعالم سابق للبشر وأنت الآن فيما بيننا منهم معلوم الميلاد والسنّ؟ إجابة وقال: أمّا قدم العهد فقد عمّني وإيّاك معه فكم مرّة حيينا معا قد عرفت أوقاتها وخفيت عليك وكلّما رمت المجيء للإصلاح لبست بدنا إذ لا وجه للكون مع الناس إلا بالتأنّس؛ وحكى عن ملك أنسيت اسمه أنّه رسم لقومه: أن يحرقوا جثّته بعد موته في موضع لم يحرق فيه ميّت قطّ، وإنّهم طلبوا موضعا كذلك فأعياهم حتى وجدوا صخرة من ماء البحر ناتية فظنّوا أنّهم ظفروا بالبغية، فقال لهم «باسديو» : إنّ هذا الملك أحرق على هذه الصخرة مرّات كثيرة فافعلوا ما تريدون

стр. 38

فإنه إنّما قصد إعلامكم وقد قضيت حاجته؛ وقال «باسديو» : فمن يأمل الخلاص ويجتهد في رفض الدنيا ثمّ لا يطاوعه قلبه على المبتغى إنّه يثاب على عمله في مجامع المثابين ولا ينال ما أراد من أجل نقصانه ولكنّه يعود إلى الدنيا فيؤهل لقالب من جنس مخصوص بالزهادة ويوفّقه الإلهام القدسيّ في القالب الآخر بالتدرّج إلى ما كان إرادته «١» في القالب الأوّل ويأخذ قلبه في مطاوعته ولا يزال يتصفّى في القوالب إلى أن ينال الخلاص على توالي التوالد، وقال باسديو: إذا تجرّدت النفس عن المادّة كانت عالمة فإذا تلبّست بها كانت بكدورتها جاهلة وظنّت أنّها الفاعلة وأنّ اعمال الدنيا معدّة لأجلها فتمسكت بها وانطبعت المحسوسات فيها فإذا فارقت البدن كانت آثار المحسوسات فيها باقية فلم تنفصل عنها بالتمام وحنّت إليها وعادت نحوها وقبولها التغايير المتضادّة في تلك الأحوال يلزمها لوازم القوى الثلاث الأوّلة فماذا تصنع إذا لم تعدّ وهي مقصوصة الجناح؟ وقال أيضا: أفضل الناس هو العالم الكامل لأنّه يحبّ الله ويحبّه الله وكم تكرّر عليه الموت والولادة وهو في مدد عمره مواظب على طلب الكمال حتى ناله وفي «بشن دهرم» قول «مار كنديو» عند ذكره الروحانيّين: إنّ كل واحد من «براهم» و «كارتكيو بن مهاديو» و «لكشمي» «٢» مخرج الهناءة من البحر و «دكش» الذي ضربه «مهاديو» و «أماديو» امرأة مهاديو هم في وسط هذا «الكلپ» وكانوا كذلك مرارا كثيرة «٣» وقال «برا «٣» همهر» في: «أحكام المذنّبات» : وما يصيب الناس عند ظهورها من الدواهي الملجئة إلى الجلاء عن الديار ناحلين من الضنى مولولين من البلاء آخذين بأيدي الأطفال يسيرونهم متناجين إنّا أخذنا بذنوب ملوكنا ومتجاوبين بل هذا جزاء ما كسبناه في الدار الأولى قبل هذه الأبدان. وكان «ماني» نفي من «إيرانشهر» فدخل أرض الهند ونقل التناسخ منهم إلى نحلته، وقال في «سفر

стр. 39

الأسرار» : إن الحواريين لمّا علموا أنّ النفوس لا تموت وأنّها في الترديد منقلبة إلى شبه كل صورة هي لابسة لها ودابّة جبلت فيها ومثال كلّ صورة أفرغت في جوفها سألوا المسيح عن عاقبة النفوس التي لم تقبل الحقّ ولم تعرف أصل كونها فقال: أيّ نفس ضعيفة لم تقبل قرائنها من الحقّ فهي هالكة لا راحة لها، وعنى بهلاكها عذابها لا تلاشيها فإنّه قال ايضا: قد ظنّ «الديصانية» أنّ عروج نفس الحياة وتصفيتها هو في جيفة البشر ولم يعلموا عداوة الجيفة النفس ومنعها إيّاها عن العروج وأنّها لها حبس وعذاب مؤلم ولو كانت صورة البشر هذه حقّا لم يدعها خالقها أن تبلى وتحدث فيها المضرّة ولم يحوجها إلى التناسل بالنطف في الأرحام وأمّا في كتاب «باتنجل» فقد قيل: إنّ مثال النفس فيما بين علائق الجهل التي هي دواعي الرباط كالأرزّ «١» في ضمن قشرة فإنه ما دام معه كان معدا للنبات والاستحصاد متردّدا بين التولّد والايلاد فإذا أزيل القشر عنه انقطعت تلك الحوادث عنه «٢» وصار له «٢» البقاء على حاله، وأمّا المكافاة فوجودها في أجناس الموجودات التي يتردّد النفس فيها بمقدار العمر في الطول والقصر وبصورة النعمة في الضيق والسعة، قال السائل: كيف يكون حال الروح إذا حصلت بين الأجور والآثام ثم اشتبكت بجنس المواليد للإنعام أو الانتقام؟ قال المجيب: تردّد بحسب ما قدّمت واجترحت فيما بين راحة وشدّة وتصرّف بين ألم ولذّة، قال السائل: إذا اكتسب الإنسان ما يوجب المكافاة في قالب غير قالب الاكتساب فقد بعد العهد فيما بين الحالين ونسي الأمر؟ قال المجيب: العمل ملازم للروح لأنّه كسبها والجسد آلة لها ولا نسيان في الأشياء النفسانية فإنها خارجة عن الزمان الذي يقتضي القرب والبعد في المدّة والعمل بملازمته الروح يجبل خلقها وطباعها إلى مثل الحال التي

стр. 40

تنتقل إليها فالنفس بصفائها عالمة ذلك متذكّرة له غير ناسية وإنّما تغطّي نورها بكدورة البدن إذا اجتمعت معه على مثال الإنسان المتذكر شيئا عرفة ثم نسيه بجنون أصابه او علّة اعترته أو سكر ران على قلبه أما ترى الصبيان والأحداث يرتاحون للدعاء لهم بطول البقاء ويحزنون للدعاء عليهم بعاجل الفناء وماذا لهم وعليهم فيهما لولا أنّهم ذاقوا حلاوة الحياة وعرفوا مرارة الوفاة في مواضي الأدوار التي تناسخوا فيها لوجود المكافاة. وقد كان اليونانيّون موافقين الهند في هذا الاعتقاد، قال سقراط في كتاب «فاذن» ، نحن نذكر في أقاويل القدماء أنّ الانفس تصير من هاهنا إلى «ايذس» ثم تصير أيضا الى ما هاهنا وتكون الأحياء من الموتى والأشياء تكون من الأضداد فالذين ماتوا يكونون في الأحياء فأنفسنا في ايذس قائمة، ونفس كلّ إنسان تفرح وتحزن للشيء وترى ذلك الشيء لها، وهذا الانفعال يربطها بالجسد ويسمّرها به ويصيّرها جسديّة الصورة، والتي لا تكون نقيّة لا يمكنها ان تصير إلى ايذس بل تخرج من الجسد وهي مملوءة منه حتّى إنها تقع في جسد آخر سريعا فكأنّها تودع فيه تثبت ولذلك لا حظّ لها في الكينونة مع الجوهر الإلهي النقيّ الواحد، وقال: إذا كانت النفس قائمة فليس تعلّمنا غير تذكّر ما تعلّمنا في الزمان الماضي لأنّ انفسنا في موضع ما قبل ان تصير في هذه الصورة الإنسيّة، والناس إذا رأوا شيئا قد اعتادوا استعماله في الصبى أصابهم هذا الانفعال وتذكروا من الصنج مثلا الغلام الذي كان يضربه وكانوا نسوه فالنسيان ذهاب المعرفة والعلم تذكّر لما عرفته النفس قبل أن تصير إلى الجسد، وقال «بروقلس» : التذكّر والنسيان خاصّان بالنفس الناطقة وقد بان أنّها لم تزل موجودة فوجب أن تكون لم تزل عالمة وذاهلة أمّا عالمة فعند مفارقتها البدن وأمّا ذاهلة فعند مقاربتها البدن فإنّها في المفارقة تكون من حيّز العقل فلذلك تكون عالمة وفي المقاربة تنحطّ عنه فيعرض لها النسيان لغلبة ما بالقوّة عليها، وإلى هذا المعنى
следующие страницы →