Полный текст (484 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
هـ- في حال الأرواح وتردّدها بالتناسخ في العالم
كما أنّ الشهادة بكلمة الإخلاص شعار إيمان المسلمين والتثليث علامة النصرانيّة والإسبات علامة اليهوديّة كذلك التناسخ علم النحلة الهنديّة فمن لم ينتحله لم يك منها ولم يعدّ من جملتها فإنّهم قالوا: إنّ النفس إذا لم تكن عاقلة لم تحط بالمطلوب إحاطة كلّيّة دفعة بلا زمان واحتاجت إلى تتّبع الجزئيّات واستقراء الممكنات وهي وإن كانت متناهية فلعددها المتناهي كثرة والإتيان على الكثرة مضطرّ الى مدّة ذات فسحة ولهذا لا يحصل العلم للنفس إلّا بمشاهدة الأشخاص والأنواع وما يتناوبها من الأفعال والأحوال حتّى يحصل لها في كل واحد تجربة وتستفيد بها جديد معرفة، ولكنّ الأفعال مختلفة بسبب القوى وليس العالم بمعطّل عن التدبير وإنّما هو مزموم وإلى غرض فيه مندوب فالأرواح الباقية تتردّد لذلك في الأبدان البالية بحسب افتنان الأفعال إلى الخير والشرّ ليكون التردّد في الثواب منبها على الخير فتحرص على الاستكثار منه وفي العقاب على الشرّ والمكروه فتبالغ في التباعد عنه ويصير التردّد من الأرذل إلى الأفضل دون عكسه لأنّه يحتمل كليهما ويقتضي اختلاف المراتب فيهما لاختلاف الأفاعيل بتباين الأمزجة ومقادير الازدواجات في الكمّيّة والكيفيّة، فهذا هو التناسخ إلى أن يحصل من كلتي جنبتي النفس والمادّة كمال الغرض أمّا من جهة السفل ففناء ما عند المادّة من الصورة إلّا الإعادة المرغوب عنها وأمّا من جهة العلوّ فذهاب شوق النفس بعلمها ما لم تعلم
стр. 37
واستيقانها شرف ذاتها وقوامها لا بغيرها واستغناءها عن المادّة بعد إحاطتها بخساستها وعدم البقاء في صورها والمحصول في محسوسها والخبر في ملاذّها فتعرض عنها وينحلّ الرباط وينقصم الاتّصال ويقع الفرقة والانفصال والعود إلى المعدن فائزة من سعادة العلم بمثل ما يأخذه السمسم من العدد والأنوار فلا يفارق دهنه بعد ذلك ويتحد العاقل والمعقول ويصير واحدا. وحقيق علينا أن نورد من كتبهم شيأ من صريح كلامهم في هذا الباب وما يشبهه من كلام غيرهم فيه، قال «باسديو» «لارجن» يحرضه على القتال وهما بين الصفّين: إن كنت بالقضاء السابق مؤمنا فاعلم أنّهم ليسوا ولا نحن معا بموتى ولا ذاهبين ذهابا لا رجوع معه فإنّ الأرواح غير مائتة ولا متغيّرة وإنّما تتردّد في الأبدان على تغاير الإنسان من الطفولة إلى الشباب والكهولة ثمّ الشيوخة التي عقباها موت البدن ثمّ العود، وقال له: كيف يذكر الموت والقتل من عرف أنّ النفس أبديّة الوجود لا عن ولادة ولا إلى تلف وعدم بل هي ثابتة قائمة لا سيف يقطعها ولا نار تحرقها ولا ماء يغصّها ولا ريح تيبّسها لكنّها تنتقل عن بدنها إذا عتق نحو آخر ليس كذلك كما يستبدل البدن اللباس إذا خلق فما غمّك لنفس لا تبيد ولو كانت بائدة فأحرى أن لا تغتمّ لمفقود لا يوجد ولا يعود فإن كنت تلمح البدن دونها وتجزع لفساده فكلّ مولود ميّت وكلّ ميّت عائد وليس لك من كلي الأمرين شيء إنّما همنا إلى الله الذي منه جميع الأمور وإليه تصير، ولمّا قال له «ارجن» في خلال كلامه: كيف حاربت براهم في كذا وهو متقدّم للعالم سابق للبشر وأنت الآن فيما بيننا منهم معلوم الميلاد والسنّ؟ إجابة وقال: أمّا قدم العهد فقد عمّني وإيّاك معه فكم مرّة حيينا معا قد عرفت أوقاتها وخفيت عليك وكلّما رمت المجيء للإصلاح لبست بدنا إذ لا وجه للكون مع الناس إلا بالتأنّس؛ وحكى عن ملك أنسيت اسمه أنّه رسم لقومه: أن يحرقوا جثّته بعد موته في موضع لم يحرق فيه ميّت قطّ، وإنّهم طلبوا موضعا كذلك فأعياهم حتى وجدوا صخرة من ماء البحر ناتية فظنّوا أنّهم ظفروا بالبغية، فقال لهم «باسديو» : إنّ هذا الملك أحرق على هذه الصخرة مرّات كثيرة فافعلوا ما تريدون
стр. 38
فإنه إنّما قصد إعلامكم وقد قضيت حاجته؛ وقال «باسديو» : فمن يأمل الخلاص ويجتهد في رفض الدنيا ثمّ لا يطاوعه قلبه على المبتغى إنّه يثاب على عمله في مجامع المثابين ولا ينال ما أراد من أجل نقصانه ولكنّه يعود إلى الدنيا فيؤهل لقالب من جنس مخصوص بالزهادة ويوفّقه الإلهام القدسيّ في القالب الآخر بالتدرّج إلى ما كان إرادته «١» في القالب الأوّل ويأخذ قلبه في مطاوعته ولا يزال يتصفّى في القوالب إلى أن ينال الخلاص على توالي التوالد، وقال باسديو: إذا تجرّدت النفس عن المادّة كانت عالمة فإذا تلبّست بها كانت بكدورتها جاهلة وظنّت أنّها الفاعلة وأنّ اعمال الدنيا معدّة لأجلها فتمسكت بها وانطبعت المحسوسات فيها فإذا فارقت البدن كانت آثار المحسوسات فيها باقية فلم تنفصل عنها بالتمام وحنّت إليها وعادت نحوها وقبولها التغايير المتضادّة في تلك الأحوال يلزمها لوازم القوى الثلاث الأوّلة فماذا تصنع إذا لم تعدّ وهي مقصوصة الجناح؟ وقال أيضا: أفضل الناس هو العالم الكامل لأنّه يحبّ الله ويحبّه الله وكم تكرّر عليه الموت والولادة وهو في مدد عمره مواظب على طلب الكمال حتى ناله وفي «بشن دهرم» قول «مار كنديو» عند ذكره الروحانيّين: إنّ كل واحد من «براهم» و «كارتكيو بن مهاديو» و «لكشمي» «٢» مخرج الهناءة من البحر و «دكش» الذي ضربه «مهاديو» و «أماديو» امرأة مهاديو هم في وسط هذا «الكلپ» وكانوا كذلك مرارا كثيرة «٣» وقال «برا «٣» همهر» في: «أحكام المذنّبات» : وما يصيب الناس عند ظهورها من الدواهي الملجئة إلى الجلاء عن الديار ناحلين من الضنى مولولين من البلاء آخذين بأيدي الأطفال يسيرونهم متناجين إنّا أخذنا بذنوب ملوكنا ومتجاوبين بل هذا جزاء ما كسبناه في الدار الأولى قبل هذه الأبدان. وكان «ماني» نفي من «إيرانشهر» فدخل أرض الهند ونقل التناسخ منهم إلى نحلته، وقال في «سفر
стр. 39
الأسرار» : إن الحواريين لمّا علموا أنّ النفوس لا تموت وأنّها في الترديد منقلبة إلى شبه كل صورة هي لابسة لها ودابّة جبلت فيها ومثال كلّ صورة أفرغت في جوفها سألوا المسيح عن عاقبة النفوس التي لم تقبل الحقّ ولم تعرف أصل كونها فقال:
أيّ نفس ضعيفة لم تقبل قرائنها من الحقّ فهي هالكة لا راحة لها، وعنى بهلاكها عذابها لا تلاشيها فإنّه قال ايضا: قد ظنّ «الديصانية» أنّ عروج نفس الحياة وتصفيتها هو في جيفة البشر ولم يعلموا عداوة الجيفة النفس ومنعها إيّاها عن العروج وأنّها لها حبس وعذاب مؤلم ولو كانت صورة البشر هذه حقّا لم يدعها خالقها أن تبلى وتحدث فيها المضرّة ولم يحوجها إلى التناسل بالنطف في الأرحام وأمّا في كتاب «باتنجل» فقد قيل: إنّ مثال النفس فيما بين علائق الجهل التي هي دواعي الرباط كالأرزّ «١» في ضمن قشرة فإنه ما دام معه كان معدا للنبات والاستحصاد متردّدا بين التولّد والايلاد فإذا أزيل القشر عنه انقطعت تلك الحوادث عنه «٢» وصار له «٢» البقاء على حاله، وأمّا المكافاة فوجودها في أجناس الموجودات التي يتردّد النفس فيها بمقدار العمر في الطول والقصر وبصورة النعمة في الضيق والسعة، قال السائل: كيف يكون حال الروح إذا حصلت بين الأجور والآثام ثم اشتبكت بجنس المواليد للإنعام أو الانتقام؟ قال المجيب: تردّد بحسب ما قدّمت واجترحت فيما بين راحة وشدّة وتصرّف بين ألم ولذّة، قال السائل: إذا اكتسب الإنسان ما يوجب المكافاة في قالب غير قالب الاكتساب فقد بعد العهد فيما بين الحالين ونسي الأمر؟ قال المجيب: العمل ملازم للروح لأنّه كسبها والجسد آلة لها ولا نسيان في الأشياء النفسانية فإنها خارجة عن الزمان الذي يقتضي القرب والبعد في المدّة والعمل بملازمته الروح يجبل خلقها وطباعها إلى مثل الحال التي
стр. 40
تنتقل إليها فالنفس بصفائها عالمة ذلك متذكّرة له غير ناسية وإنّما تغطّي نورها بكدورة البدن إذا اجتمعت معه على مثال الإنسان المتذكر شيئا عرفة ثم نسيه بجنون أصابه او علّة اعترته أو سكر ران على قلبه أما ترى الصبيان والأحداث يرتاحون للدعاء لهم بطول البقاء ويحزنون للدعاء عليهم بعاجل الفناء وماذا لهم وعليهم فيهما لولا أنّهم ذاقوا حلاوة الحياة وعرفوا مرارة الوفاة في مواضي الأدوار التي تناسخوا فيها لوجود المكافاة. وقد كان اليونانيّون موافقين الهند في هذا الاعتقاد، قال سقراط في كتاب «فاذن» ، نحن نذكر في أقاويل القدماء أنّ الانفس تصير من هاهنا إلى «ايذس» ثم تصير أيضا الى ما هاهنا وتكون الأحياء من الموتى والأشياء تكون من الأضداد فالذين ماتوا يكونون في الأحياء فأنفسنا في ايذس قائمة، ونفس كلّ إنسان تفرح وتحزن للشيء وترى ذلك الشيء لها، وهذا الانفعال يربطها بالجسد ويسمّرها به ويصيّرها جسديّة الصورة، والتي لا تكون نقيّة لا يمكنها ان تصير إلى ايذس بل تخرج من الجسد وهي مملوءة منه حتّى إنها تقع في جسد آخر سريعا فكأنّها تودع فيه تثبت ولذلك لا حظّ لها في الكينونة مع الجوهر الإلهي النقيّ الواحد، وقال: إذا كانت النفس قائمة فليس تعلّمنا غير تذكّر ما تعلّمنا في الزمان الماضي لأنّ انفسنا في موضع ما قبل ان تصير في هذه الصورة الإنسيّة، والناس إذا رأوا شيئا قد اعتادوا استعماله في الصبى أصابهم هذا الانفعال وتذكروا من الصنج مثلا الغلام الذي كان يضربه وكانوا نسوه فالنسيان ذهاب المعرفة والعلم تذكّر لما عرفته النفس قبل أن تصير إلى الجسد، وقال «بروقلس» : التذكّر والنسيان خاصّان بالنفس الناطقة وقد بان أنّها لم تزل موجودة فوجب أن تكون لم تزل عالمة وذاهلة أمّا عالمة فعند مفارقتها البدن وأمّا ذاهلة فعند مقاربتها البدن فإنّها في المفارقة تكون من حيّز العقل فلذلك تكون عالمة وفي المقاربة تنحطّ عنه فيعرض لها النسيان لغلبة ما بالقوّة عليها، وإلى هذا المعنى
стр. 41
ذهب من الصوفيّة من قال: إنّ الدنيا نفس نائمة والآخرة نفس يقظانة وهم يجيزون حلول الحقّ في «١» الأمكنة كالسماء والعرش والكرسي، منهم من يجيزه في جميع العالم والحيوان والشجر والجماد ويعبّر عن ذلك بالظهور الكلّي وإذ أجازوا ذلك فيه لم يك لحلول الارواح بالتردّد عندهم خطر.
стр. 42
و - في ذكر المجامع ومواضع الجزاء من الجنّة وجهنّم
المجمع يسمّى «لوك» والعالم ينقسم قسمة أوّليّة إلى علوّ وسفل وواسطة فيسمّى العالم الأعلى «سفر لوك» وهو الجنّة والعالم الأسفل «ناكلوك» أي مجمع الحيّات وهو جهنّم ويسمّى أيضا «نزلوك» وربّما سمّوه «پاتال» أي أسفل الأرضين، وأمّا الأوسط الذي نحن فيه فيسمّى «مات «١» لوك» و «مانش لوك» أي مجمع الناس وهو للاكتساب والأعلى للثواب والأسفل للعقاب فيهما يستوفي جزاء العمل من استحقّهما مدّة مضروبة بحسب مدّة العمل والكون في كلّ واحد منهما للروح وحده مجرّدة عن البدن، وللقاصر عن السموّ إلى الجنّة أو الرسوب إلى جهنّم لوك آخر يسمّى «ترجكلوك» وهو النبات والحيوان غير الناطق يتردّد الروح في أشخاصها بالتناسخ إلى أن تنتقل إلى الإنس على تدريج من أدون مراتب النامية إلى عليا مراتب الحسّاسة، وكونها فيه على أحد وجهين إمّا لقصور مقدار المكافاة عن محلّى الثواب والعقاب وإمّا لرجوعها من جهنّم، فعندهم أنّ العائد إلى الدنيا متأنّس في أوّل حالته والعائد إليها من جهنّم متردّد في النبات والحيوان إلى أن يبلغ مرتبة الإنسان؛ وهم من جهة الأخبار يكثرون عدد جهنّمات وصفاتها وأساميها ويفردون لكل ذنب منها محلا، وقيل في «بشن پران» : إنّها ثمانية وثمانون ألفا
стр. 43
ونحكي منه ما ذكر فيه، قال: إنّ المدّعي بالكذب والشاهد بالزور والمعاون لهما والمستهزئ بالناس يصيرون إلى «رورو» من الجهنّمات، وسافك الدم بغير حقّ وغاصب حقوق الناس والمغير عليهم وقاتل البقر يصيرون إلى «روده» منها وإليه أيضا يصير الحنّاق، وقاتل البرهمن وسارق الذهب ومن صحبهم والأمراء الذين لا ينظرون لرعاياهم ومن يزني بأهل أستاذه أو يضاجع صهرته يصيرون إلى «سبّت كنب «١» » ، والذي يغضي على فاحشة زوجته طمعا والذي يزني بابنته أو زوجة ابنه أو يبيع ولده أو يبخل على نفسه بما يملك فلا ينفقه يصيرون إلى «مهاجال» ، والذي يردّ على أستاذه ولا يرضى به ويستخفّ بالناس والذي يأتي البهائم والذي يستهين ببيذ والپرانات أو يكتسب بها في الأسواق يصيرون إلى «شول» والسارق والمحتال والمخالف طريقة الناس المستقيمة والذي يبغض أباه ولا يحبّ الله والناس والذي لا يكرم الجواهر التي عزّزها الله ويسوى بينها وبين سائر الأحجار يصيرون إلى «كرمش» ، الذي لا يعظّم حقوق الآباء والأجداد ولا يوجب للملائكة والذي يعمل السهام والنصول يصيرون إلى «لارپكش» ، وصانع السيف والسكّين يصير إلى «بشسن» ، والذي يخفي ما يملك طمعا في صلات الولاة والبرهمن إذا باع لحما أو دهنا أو سمنا أو صبغا أو خمرا يصيرون إلى «أذومك» والذي يسمّن الدّجج والسنانير والأغنام والخنازير والطير يصير إلى ردهراند» ، أصحاب الملاعب ومنشدو الشعر في الأسواق وحافرو الآبار للاستقاء ومن يجامع امرأته في الأيّام المعظّمة والذي يرمي بيوت الناس بالنار والذي يغدر برفيقه فيقبله طمعا في ماله يذهبون إلى «رودر» ، والذي يشتار العسل يصير إلى «بيترن» ، وغاصب الأموال والنساء بسكر شبابه يصير إلى «كرشن» ، وقاطع الأشجار يصير إلى «أسپتربن» ، والصيّاد وعامل الفخاخ والحبائل يصير إلى «بهنجال» ، ومهمل الرسوم والسنن ومبطل الشرائع وهو شرّهم يصير إلى
стр. 44
«سندنشك» ؛ وإنّما عددنا هذا لنعرّف من الذنوب ما يكره عندهم من الأفعال، ومنهم من يرى الواسطة التي للاكتساب هي الإنسانيّة والتردّد فيها بالمكافاة القاصرة عن الثواب والعقاب ثمّ يرى الجنّة عالية عليها للنعيم المستوجب مدّة على حسن الصنيعة، والتردّد في النبات والحيوان سافلا عنها للعذاب والعقاب المستأهل مدّة على سوء الصنيعة ولا يرى جهنّم إلّا هذا الانحطاط عن البشريّة؛ وهذه كلّها من أجل أنّ طلب الخلاص من الرباط ربّما لم يكن على طريقه المستقيم المؤدّي إلى العلم اليقين بل على طرق مظنونة وبالتقليد مأخوذة، ولن يضيع عمل عامل هو خاتمة أعماله بعد الموازنة بين نوعي الاكتساب ولكنّ الجزاء يكون بحسب المقصود فينا له على مراتب إمّا في قالبه الذي هو فيه وإمّا في الذي ينتقل إليه وإمّا بعد خروجه عن قالبه وقبل أن يحصل في غيره، وهذا موضع انقلابهم عن البحث النظري إلى الخبر الملّىّ من أمر معدني الثواب والعقاب والكون فيهما غير متجسّم ببدن والعود بعد استيفاء أجر العمل إلى التجسّد والتأنّس ليستعدّ لما هو له، ولهذا لم يعدّ صاحب كتاب «سانك» ثواب الجنّة خيرا بسبب الانقضاء وعدم التأبّد وبسبب مشابهة الحال فيها حال الدنيا من التنافس والتحاسد لأجل تفاضل الدرجات والمراتب فإنّ الغلّ والحسرة لا يزول إلّا بالتساوي، والصوفيّة لا يعدّونها خيرا من جهة اخرى وهي التلهّي بغير الحقّ والاشتغال عن الخير المحض بما سواه. وقد قلنا: إنّهم يرون الروح في هذين المحلّين مجرّدة عن الجسميّة؛ لكنّ هذا رأي خاصّتهم الذين يتصوّرون النفس قائمة الذات وأمّا من ينحطّ عن رتبتهم ولا يكاد يتصوّر قوامها بغير جسد فإنّهم يرون في ذلك آراء مختلفة، فمنها أنّ سبب النزع هو انتظار الروح قالبا معدّا فلا تفارق البدن إلّا بعد وجود متعلّق يشبه فعله وكسبه ممّا أعدتّه الطبيعة جنينا في الأرحام أو بزرا نابتا في بطن الأرض فحينئذ تترك البدن الذي هي فيه، ومنهم من يقول من جهة الأخبار إنها ليست تنتظر ذلك وإنّما تفارق قالبها لرقّته وقد هيّئ لها من العناصر بدن يسمّى «آت باهك» وتفسيره «الكائن بسرعة، لأنّه لا يحصل على وجه الولاد فيكون فيه سنة
стр. 45
جرداء في أشدّ شدّة سواء كان مثابا أو كان معاقبا فهو كالبرزخ بين الكسب وبين نيل الأجر، ولذلك يقيم وارث الميّت عندهم رسوم السنة على الميّت ولا تنقضي إلّا بانقضائها لأنّ الروح تذهب حينئذ إلى المحلّ المعدّ لها؛ ونحن نذكر هاهنا أيضا من كتبهم ما يصرّح بهذه المعاني، ففي «بشن پران» : إنّ «ميتري» سأل «پراشر» عن الغرض في جهنّم والعقاب به؟ فأجابه بأنّ ذلك لتمييز الخير من الشرّ والعلم من الجهل وإظهار العدل، وما كلّ مذنب يدخل جهنّم فإنّ منهم من ينجو بتقديم التوبة والكفّارات وعظماها التزام ذكر «بشن» في كلّ عمل، ومنهم من يتردّد في النبات وخشاش الطير ومرذول الهوامّ وقذرها «١» من القمل والدود إلى مدّة الاستحقاق؛ وفي كتاب «سانك» : أمّا من استحقّ الاعتلاء والثواب فإنّه يصير كأحد الملائكة مخالطا للمجامع الروحانيّة غير محجوب عن التصرّف في السماوات والكون مع أهلها أو كأحد أجناس الروحانيّين الثمانية، وأمّا من استحقّ السفول بالأوزار والآثام فإنّه يصير حيوانا أو نباتا ويتردّد إلى أن يستحقّ ثوابا فينجو من الشدّة أو يعقل ذاته فيخلّي مركبه ويتخلّص وقال بعض من مال إلى التناسخ من المتكلّمين: إنّه على أربع مراتب هي النسخ وهو التوالد بين الناس لأنّه ينسخ من شخص إلى آخر، وضدّه المسخ ويخصّ الناس بأن يمسخوا «٢» قردة وخنازير وفيلة، والرسخ كالنبات وهو أشدّ من النسخ لأنّه يرسخ ويبقى على الأيّام ويدوم كالجبال؛ وضدّه الفسخ وهو للنبات المقطوف «٣» والمذبوحات لأنّها تتلاشى ولا تعقب؛ وذهب أبو يعقوب السجزي الملقّب «٤» في كتاب له وسمّاه بكشف المحجوب إلى أنّ الأنواع محفوظة وأنّ التناسخ في كل واحد منها غير متعدّ إلى نوع آخر؛ وقد كان هذا رأي اليونانيّين فإنّ يحيى النحوي يحكي عن أفلاطن
стр. 46
أنّه كان يرى أنّ الأنفس الناطقة تصير إلى لباس أجساد البهائم، وأنّه أتبع في ذلك خرافات فيثاغورس؛ وقال سقراط في كتاب «فاذن» : الجسد أرضيّ ثقيل رزين والنفس التي تحبّه تنقل وتتجذّب إلى المكان الذي تنظر إليه لجزعها ممّا لا صورة له ومن «ايذس» مجمع الأنفس فتتلوّث وتدور حول المقابر ومواضع الدفن فقد أريت فيه أنفس ما قد تخايلت بصورة الظلّ والخيال من الأنفس التي لم تفارق مفارقة نقيّة بل فيها جزوء من المنظور إليه، ثم قال يشبه ألّا تكون هذه أنفس الأخيار بل أنفس أهل الشرّة فتتحيّر في هذه الأشياء نقمة تنتقم منها لرداءة غذائها الأوّل ولا تزال كذلك حتى تربط أيضا في جسد بشهوة الصورة الجسميّة التي تبعتها ويكون رباطها في أبدان أخلاقها كالأخلاق التي كانت لها في العالم مثل من ليس له غير الأكل والشرب فيدخل في أجناس الحمير والسباع، والذي قدّم الظلم والتغلّب ففي أجناس الذئاب والبزاة والحدآن «١» ، وقال في المجامع: لو لم أرني صائرا أوّلا إلى آلهة حكماء سادة أخيار ثمّ من بعد إلى ناس ماتوا خير ممّن هاهنا لكان تركي الحزن على الموت ظلما، وقال في محلّى المثوبة والعقوبة: إنّ الإنسان إذا مات ذهب به «ذامون» وهو من الزبانية إلى مجمع القضاء ويحمله مع المجتمعين فيه قائد مأمور إلى «ايذس» حتى إذا أقام فيه ما ينبغي من الزمان أدوارا كثيرة وطويلة، وقد قال «طيلافوس «٢» » : إنّ طريق «ايذس» مبسوطة، قال وأنا أقول لو كانت مبسوطة أو واحدة لا ستغنى القائد فيها، فأمّا النفس التي تشتهي الجسد أو كان عملها سيّئا غير عدل ومتشبّهة بالأنفس القاتلة هربت من هناك وتحيّزت في كلّ نوع إلى أن يمرّ عليها أزمنة فيؤتى بها ضرورة إلى المسكن الذي يشبهها، وأمّا الطاهرة فإنّها تصادف مرافقين وقوّادا آلهة وسكن الموضع الذي ينبغي، وقال: من كان من الموتى متوسّط السيرة فإنّهم يركبون على مراكب معدّة
стр. 47
لهم في «اخارون» فإذا انتقم منهم ونقوا من الظلم اغتسلوا وقبلوا كرامات ما أحسنوا من الصنيع بقدر الاستئهال، وأمّا الذين ارتكبوا الكبائر مثل السرقة من قرابين الآلهة أو غصب الأموال العظيمة أو القتل بظلم وتعمّد مرارا على خلاف النواميس فإنّهم يلقون في طرطارس «١» » ولا يخرجون منه أبدا، وأمّا الذين ندموا على ذنوبهم مدّة عمرهم وقصرت آثامهم عن تلك الدرجة وكانت كالارتكاب من الوالدين وقهرهما بالغضب وقتل خطأ فإنّهم يلقون في طرطارس «١» سنة كاملة يتعذّبون، ثمّ يلقيهم الموج إلى موضع ينادون منه خصومهم يسئلونهم الاقتصار منهم على القصاص لينجوا من الشرور فإن رضوا عنهم وإلّا أعيدوا إلى طرطارس «١» ولم يزل ذلك دأبهم في العذاب إلى أن يرضى خصومهم عنهم، والذين كانت سيرتهم فاضلة يتخلّصون من هذه المواضع من هذه الأرض ويستريحون من المحابس ويسكنون الأرض النقيّة، وطرطارس «٢» شقّ كبير وهويّة يسيل إليها الأنهار، وكلّ إنسان يعبّر عن عقوبة الآخرة بأهول ما هو معروف عند قومه، وناحية المغرب مأوفة بالخسوف والطوافين، على أنّه يصفه بما يدلّ على التهاب النيران فيه وكأنّه يعني به البحر أو قاموسا فيه «دردور» ولا شك أنّ هذه عبارات أهل ذلك الزمان عن عقائدهم.
стр. 48
ز- في كيفيّة الخلاص من الدنيا وصفة الطريق المؤدّي إليه
إذا كانت النفس مرتبطة في العالم ولرباطها سبب فإنّ خلاصها من الوثاق يكون بضدّ ذلك السبب لكنّا حكينا مذهبهم في أنّ سبب الوثاق هو الجهل فخلاصها إذن بالعلم إذا أحاطت بالأشياء إحاطة تحديد كلّيّ مميّز مغن عن الاستقراء ناف للشكوك لأنّها إذا فصلّت الموجودات بالحدود عقلت ذاتها وما لها من شرف الديمومة وللمادّة من خسّة التغيّر والفناء في الصور فاستغنت عنها وتحقّقت أنّ ما كانت تظنّه خيرا ولذّة هو شرّ وشدّة فحصلت على حقيقة المعرفة وأعرضت عن تلبّس المادّة فانقطع الفعل وتخلّصتا «١» بالمباينة؛ قال صاحب كتاب «پاتنجل» : إفراد الفكرة في وحدانيّة الله يشغل المرء بالشعور بشيء غير ما اشتغل به ومن أراد الله أراد الخير لكافّة الخلق من غير استثناء واحد بسبب، ومن اشتغل بنفسه عمّا سواها لم يصنع لها نفسا مجذوبا ولا مرسلا، ومن بلغ هذه الغاية غلبت قوّته النفسية على قوّته البدنية فمنح الاقتدار على ثمانية أشياء بحصولها يقع الاستغناء، فمحال ان يستغني أحد عمّا يعجزه، واحد تلك الثمانية التمكّن من تلطيف البدن حتى يخفى عن الأعين والثاني التمكن من تخفيفه حتّى يستوي عنده وطئ الشوك والوحل والتراب والثالث التمكّن من تعظيمه حتّى يريه في صورة
стр. 49
هائلة عجيبة والرابع التمكّن من الإرادات والخامس التمكّن من علم ما يروم والسادس التمكّن من الترؤس على أيّة فرقة طلب والسابع خضوع المرؤوسين وطاعتهم والثامن انطواء المسافات بينه وبين المقاصد الشاسعة وإلى مثل هذا إشارات الصوفيّة في العارف إذا وصل إلى مقام المعرفة فإنّهم يزعمون أنّه يحصل له روحان، قديمة لا يجري عليها تغيّر واختلاف بها يعلم الغيب ويفعل المعجز، وأخرى بشريّة للتغيّر والتكوين؛ ولا يبعد عن مثله أقاويل النصارى: قالت الهند: فإذا قدر على ذلك استغنى عنه وتدرّج إلى المطلوب في مراتب، أولاها معرفة الأشياء اسما وصفة وتفاصيل غير معطية للحدود والثانية تجاوز ذلك إلى الحدود الجاعلة جزئيّات الأشياء كلّيّة إلا إنّه لا تخلو فيها من التفصيل والثالثة زوال ذلك التفصيل والإحاطة بها متّحدة ولكن تحت الزمان والرابعة تجرّدها عنده عن الزمان واستغناؤه فيها عن الأسماء والألقاب التي هي آلات الضرورة، وفيها يتحد العقل والعاقل بالمعقول حتى تكون شيئا واحدا، فهذا ما قال «پاتنجل» في العلم المخلص للنفس ويسمّون خلاصها بالهنديّة «موكش» أي العاقبة، وبه يسمّون أيضا تمام الأنجلاء في الكسوفين لأنّه عاقبة الكسوف ووقوع المباينة بين المتشبّثين؛ وعندهم أنّ المشاعر والحواسّ جعلت للمعرفة وجعلت اللذّة فيها باعثة على البحث كما جعلت لذّة الأكل والشرب في الذوق لتبقية الشخص بالغذاء ولذّة الباءة لتبقية النوع بالإيلاد فلولا الشهوة لما فعلهما الحيوان أو الانسان لهذين الغرضين؛ وفي كتاب «كيتا» : إنّ الإنسان مخلوق ليعلم ولاستواء العلم أعطي الآلات بالسويّة، ولو كان مخلوقا ليعمل لتفاوتت الآلات كاختلاف الأعمال باختلاف القوى الثلاث الأول، لكنّ الطباع الجسداني يسرع إلى العمل لما فيه من مضادّة العلم فيروم ستره بملاذّ هي بالحقيقة آلام والعلم هو الذي يترك هذا الطباع منجدلا ويجلّي النفس من الظلام جلاء الشمس من الكسوف او الغمام؛ وهذا مثل قول سقراط: إنّ النفس إذا كانت مع الجسد وأرادت ان تفحص عن
стр. 50
شيء خدعت حينئذ منه «١» وبالفكرة يستبين لها شيء من الهويّات ففكرتها في الوقت الذي لا يؤذيها فيه شيء من سمع أو بصر أو وجع أو لذة ما إذا صارت بذاتها وتركت الجسد ومشاركته بقدر الطاقة، فنفس الفيلسوف خاصّة هي التي تتهاون بالبدن وتريد مفارقته، فلو أنّا في حياتنا هذه لم نستعمل الجسد ولم نشاركه إلّا عن ضرورة ولم نقتبس طبيعته بل تبرأنا منه لقاربنا المعرفة بالاستراحة من جهله ولصرنا أطهارا لعلمنا بذواتنا إلى أن يطلقنا الله، وخليق أن يكون هذا هو الحقّ، ثمّ نعود نحن إلى سياقة الكلام فنقول: كذلك سائر المشاعر هي للمعرفة ويلتذّ العارف بتصريفها في المعارف حتى تكون جواسيسه، والشعور بالأشياء مختلف الأوقات، فالحواس التي تخدم القلب تدرك الشيء الحاضر فقط، والقلب يتفكّر في الحاضر ويتذكّر الماضي، والطبيعة تستولي على الحاضر وتدّعيه لنفسها في الماضي وتستعدّ لمغالبته في المستأنف، والعقل يعرف مائيّة الشيء غير متعلّق بوقت وزمان ويستوى عنده الغابر والمستقبل، وأقرب أعوانه إليه الفكرة والطبيعة وأبعدها الحواسّ الخمس، فمتى ما اوصلت إلى الفكرة شيئا من المعارف جزئيّا هذّبته من الأغلوطات الحسّية وسلّمته إلى العقل فجعله كلّيّا وأوقف النفس عليه فصارت به عالمة؛ وعندهم أنّ العلم يحصل للعالم على أحد ثلاثة أوجه، أحدها بإلهام وبلا زمان بل مع الولادة والمهد مثل «كپل» الحكيم فإنّه ولد مع العلم والحكمة والثاني بالهام بعد زمان كأولاد «براهم» فإنّهم ألهموا لمّا بلغوا أشدّهم والثالث بتعلّم وبعد زمان كسائر الناس الذين يتعلّمون إذا أدركوا؛ والوصول الى الخلاص بالعلم لا يكون إلّا بالاتّزاع عن الشرّ، ففروعه على كثرتها راجعة إلى الطمع، والغضب ولجهل وبقطع الأصول تذبل الفروع، ومدار ذلك على إمامة قوّتي الشهوة والغضب اللّتين هما أعدى عدوّ وأوتغه للإنسان تغرّانه باللذّة في المطاعم والراحة في الانتقام وهما بالتأدية إلى الآلام والآثام أولى وبهما يشابه
стр. 51
الإنسان السباع والبهائم بل الشياطين والأبالسة، وعلى إيثار القوة النطقيّة العقلية التي بها يشابه الملائكة المقرّبين، وعلي الإعراض عن أعمال الدنيا وليس يقدر على تركها إلّا برفض أسبابها من الحرص والغلبة وبذلك تنخزل القوّة الثانية من الثلاث الاول، إلّا أنّ ترك العمل يكون على وجهين، أحدهما بالكسل والتأخير والجهل على موجب القوّة الثالثة وليس هذا بالمطلوب فإنّه مذموم المغبّة والثاني بالاختيار والتبصرة وإيثار الأفضل للخيرورة وهو المحمود العاقبة، وترك الأعمال لا يتمّ إلّا بالعزلة والانفراد عن الشاغلات ليتمكّن من قبض الحواسّ عن المحسوسات الخارجة حتى لا يعرف أنّ وراءه شيء وتسكين الحركات والتنفّس، فقد علم أنّ الحريص ساع والساعي تعب والتعب ضابح فالضبح إذن نتيجة الحرص وبانقطاعه يصير التنفّس على مثال تنفّس المستغني عن الهواء في قرار الماء وحينئذ يستقرّ القلب على شيء واحد وهو طلب الخلاص والخلوص إلى الوحدة المحضة؛ وفي كتاب «كيتا» : كيف ينال الخلاص من بدّد قلبه ولم يفرده لله ولم يخلص عمله لوجهه؟ ومن صرف فكرته عن الأشياء إلى الواحد ثبت نور قلبه كثبات نور السراج الصافي الدهن في كنّ لا يزعزعه فيه ريح وشغله ذلك عن الإحساس بمؤلم من حرّ أو برد لعلمه أنّ ما سوى الواحد الحقّ خيال باطل؛ وفيه أيضا: إنّ الألم واللذّة لا يؤثران في العالم الحقيقي كما لا يؤثر دوام انصباب الأنهار إلى البحر في مائه، وهل يقدر على تسنّم هذه الثنيّة إلّا من قم؟؟؟ الشهوة والغضب وأبطلهما؟ ولأجل هذا الذي ذكر يجب ان تتّصل الفكرة اتّصالا يزول عنها العدد لأنّ العدد يقع على المرّات والمرّات لا تكون إلّا بسهو يتخلّلها فيفصل ما بينها ويمنع عن اتّحاد الفكرة بالمتفكّر فيه، وليست هذه هي الغاية المطلوبة إنّما هي اتّصال الفكرة وإليها يتدرّج إمّا في القالب الواحد وإمّا في القوالب بالتزام السيرة الفاضلة وتعويد النفس فيها حتّى تصير لها طبيعة وصفة ذاتيّة، والسيرة الفاضلة هي التي يفرضها الدين، وأصوله بعد كثرة الفروع عندهم راجعة إلى جوامع عدة هي أن لا يقتل ولا يكذب ولا يسرق ولا يزني ولا يدّخر ثم يلزم القدس
стр. 52
والطهارة ويديم الصوم والتقشّف ويعتصم بعبادة الله تسبيحا وتمجيدا ويديم إخطار «اوم» التي هي كلمة التكوين والخلق على قلبه دون التكلّم به، وذلك أنّ ترك الإماتة في الحيوان هو نوع جنسه الكفّ عن الإيذاء والإضرار، ويدخل فيه اغتصاب ما للغير والكذب بعد ما فيه من القبح والنذالة، وفي ترك الادّخار نفض التعب والأمان من طالب الفضلة وحصول الراحة من ذلّ الرّقّ بعزّ الحرّيّة، وفي لزوم الطهارة وقوف على قذر البدن وداعية إلى بغضه وحبّ النفس الطاهرة، وفي تعذيب النفس بالتقشّف تلطيفه وتسكين شرّته وتذكية حواسّه، كما قال «فيثاغورس» لرجل ذي عناية بإخضاب بدنه وإنالته الشهوات: إنك غير مقصّر في تشييد محبسك وتقوية رباطك وإيثاقه، وفي الاعتصام بذكر الله تعالى والملائكة تألّف معهم ففي كتاب «سانك» : إنّ كلّ شيء يظنّه الإنسان غاية له فإنّه لا يتعدّاه، وفي كتاب «كيتا» : كلّ ما أدام الإنسان التفكّر فيه والتذكّر له فمنطبع فيه حتى أنّه يهدى به من غير قصد ولأنّ وقت الموت هو وقت التذكّر لما يحبّه فإذا فارق الروح البدن اتّحد بذلك الشيء واستحال إليه، وكلّ ما له ذهاب وعود فالاتّحاد به ليس بالخلاص الخالص، على أنه قيل في هذا الكتاب: إنّ من عرف عند موته أنّ الله هو كلّ شيء ومنه كلّ شيء فإنّه متخلّص وإن قصرت رتبته عن رتب الصدّيقين، وفيه أيضا: اطلب النجاة من الدنيا بترك التعلّق بجهالاتها وإخلاص النّية في الأعمال وقرابين النار لله من غير طمع في جزاء ومكافاة واعتزال الناس الّذي حقيقته أن لا تفضل واحدا لصداقة على آخر لعداوة وتخالف الغفلة في النوم وقت انتباههم والانتباه وقت رقادهم فإنّه عزلة عنهم على شهادة «١» معهم، ثم حفظ النفس عن النفس فإنّها العدوّ إذا اشتهت ونعم الولي إذا عفّت، وقد قال سقراط عند قلّة اكتراثه بالقتل وفرحه بالوصال إلى ربّه: ينبغي ان لا تنحطّ رتبتي عند أحدكم عن رتبة «قوقنس» «٢» الّذي يقال إنّه طائر «آبلون الشمس» وإنّه يعلم الغيب لذلك وإنّه إذا
стр. 53
أحسّ بموته أكثر الإلحان طربا وسرورا بالمصير إلى مخدومه ولا أقلّ من أن يكون فرحي كفرح هذا الطائر بوصولي الى معبودي، ولهذا قالت الصوفيّة في تحديد العشق: إنّه الاشتغال بالخلق عن الحقّ، وفي كتاب «پاتنجل» : نقسم طريق الخلاص إلى أقسام ثلاثة، أحدها العملي بالتعويد ومداراة على قبض الحواسّ من خارج الى داخل حتى لا تشتغل إلّا بك، وقد اطلق لمن رام هذا الكفاف، ففي كتاب «بشن دهرم» : إنّ «پريكش» الملك الّذي من نسل «پرك» سأل «شتانيك» رئيس جماعة من الحكماء حضروه عن معنى من المعاني الإلهيّة؟
فأجابه بأنّه لا يقول فيه إلّا ما سمعه من «شونك» وهو عن «اوشن» وهو عن «براهم» : إنّ الله هو الّذي لا أوّل له ولا آخر لم يتولّد عن شيء ولم يولد شيئا إلّا ما لا يمكن ان يقال إنّه هو لا يمكن ان يقال إنّه غيره، وأنّى يكون لي طاقة بذكر من الخير المحض في رضاءه والشرّ المحض في سخطه؟ وهل يمكن إدراك معرفته حتى يعبد حقّ عبادته إلّا بالاشتغال به عن الدنيا بالكلّيّة وإدامة الفكرة فيه؟ فقيل له: إنّ الإنسان ضعيف وعمره نزر طفيف ولا تكاد نفسه تطاوعه على ترك الضروريّات في معاشه فيمنعه ذلك عن طريق الخلاص فلو كان في الزمان الأوّل حين امتدّت الأعمار إلى آلاف السنين وطابت الدنيا بعدم الشرور لكان يؤمّل عمل الواجب فأمّا في آخر الزمان فمادا تراه له في الدنيا الدائرة حتى يتمكّن من عبور البحر وينجو من الغرق؟ قال براهم: لا بدّ للإنسان من الغذاء والكنّ واللباس فلا بأس به فيها ولكّن الراحة ليست إلّا في ترك ما عداها من الفضول ومتاعب الأعمال فاعبدوا الله خالصا واسجدوا له وتقرّبوا إليه في موضع العبادة بالتحف من الطيب والزهر وسبّحوه وألزموه قلوبكم حتى لا تزايله وتصدّقوا على البراهمة وغيرهم وانذروا إليه النذور الخاصّة كترك اللحم والعامّة كالصوم، والحيوانات له فلا تميّزوها عنكم فتقتلوها واعلموا أنّه كلّ شيء فما تعملونه فليكن لأجله وإن تنعّمتم بشيء «١» من زخارف الدنيا فلا تنسوه في النيّة وإنّ غرضكم فيه التقوى والاقتدار
стр. 54
على عبادته فبهذا تنالون الخلاص دون غيره، وقد قيل في «كيتا» : من أمات شهوته لم يتجاوز الحاجات الاضطراريّة ومن لزم الكفاف لم يختز ولم يسترذل، وقيل فيه أيضا: إن كان الإنسان غير مستغن عمّا تضطرّ الطبيعة إليه من مطعوم يسكّن نائرة المسغبة ونوم يزيل عادية الحركات المتعبة ومجلس يهدأ فيه فمن شريطته النظافة والوثارة والتوسّط في الارتفاع عن وجه الأرض والكفاية من انبساط البدن عليه وموضع معتدل المزاج غير مؤذ ببرد أو وهج مأمون فيه اقتراب الهوامّ فإن ذلك معين على تحديد القلب لإدامة الفكرة في الوحدانيّة لأنّ ما عدا الضروريّات في المأكول والملبوس ملاذّ وهي شدائد مستورة والاسترواح إليها منقطع وإلى أشقّ مشقّة مستحيل وما اللّذة إلّا لمن أمات العدوّين اللذين لا يطاقان أعني الشهوة والغضب في حياته دون مماته واستراح من داخله دون خارجه فاستغنى عن حواسّه، وقال «باسديو، لأرجن» : إنّ كنت تريد الخير المحض فاحرس أبواب بدنك التسعة واعرف الوالج فيها والخارج واحبس فؤادك عن نشر أفكاره وسكّن النفس بتذكّر كوّة اليافوخ التي انسدّت واشتدّت بعد لينها فلم يحتج اليها ولا تر الإحساس إلّا طباعا في آلات الحواسّ حتى لا تتبعه، والقسم الثاني الغفليّ بمعرفة سوءة الموجودات المتغيّرة والصور الفانية حتى ينفر القلب عنها وينقطع الطمع دونها ويحصل الاعتلاء على القوى الثلاث الأول التي هي سبب الأعمال واختلافها، وذلك أنّ المحيط بأحوال الدنيا يعلم أنّ خيرها شرّ وراحتها مستحيلة في المكافاة إلى شدة فيعرض عمّا يؤكّد الارتباك ويولد المقام، وفي كتاب «كيتا» : إنّ الناس قد ضلّوا في الأوامر والنواهي ولم يهتدوا لتمييز الخير من الشرّ في الأعمال فتركها والتخلّي عنها هو العمل، وفيه أيضا: إنّ طهارة العلم تفوق طهارة سائر الأشياء لأنّ بالعلم استئصال الجهل واستبدال اليقين بالشكّ الذي هو مادّة العذاب فلا راحة لشاكّ؛ ومعلوم من ذلك أنّ القسم الأوّل آلة للقسم الثاني ثم القسم الثالث أولى أن يكون آلة لكليهما وهو العبادة ليوفّق الله لنيل الخلاص ويؤهّل لقالب ينال فيه التدرّج إلى السعادة، وقد قسم العبادة صاحب كيتا على
стр. 55
البدن والصوت والقلب، فعلى البدن الصوم والصلاة وموجبات الشريعة وخدمة الملائكة وعلماء البراهمة وتنظيف البدن والتبرّؤ من القتل أصلا ومن ملاحظة ما للغير من النساء وغيرهنّ، وعلى الصوت القراءة والتسبيح ولزوم الصدق وملاينة الناس وإرشادهم وأمرهم بالمعروف، وعلى القلب تقويم النيّة وترك التعظّم ولزوم التأنّي وجمع الحواسّ مع انشراح الصدر، ثمّ اتّبعها بقسم رابع خرافيّ ويسمّى «رساين» وهي تدابير بأدوية تجري مجرى الكيمياء في تحصيل الممتنعات بها، وسيجيء لها ذكر وليس لها بهذا «١» الفنّ اتّصال إلّا من جهة العزيمة وتصحيح النيّة بالتصديق لها والسعي في تحصيلها. وإنّما ذهبوا في الخلاص إلى الاتّحاد لأنّ الله مستغن عن تأميل مكافاة أو خشية مناواة، بريء عن الأفكار لتعاليه عن الأضداد المكروهة والأنداد المحبوبة، عالم بذاته لا بعلم طاريء لما لم يكن له بمعلوم في حال ما، وهذا أيضا صفة المتخلّص عندهم فلا ينفصل عنه فيها إلّا بالمبدإ فإنه لم يكن في الأزل المتقدّم كذلك من أجل أنّه كان قبله في محلّ الارتباك عالما بالمعلوم وعلمه كالخيال مكتسب بالاجتهاد ومعلومه في ضمان الستر، وأمّا في محلّ الخلاص فالستور مرفوعة والأغطية مكشوفة والموانع مقطوعة والذات عالمة غير حريصة على تعرّف شيء خفي منفصلة عن المحسوسات الداثرة متّحدة بالمعقولات الدائمة، ولذلك سأل السائل في خاتمة كتاب «پاتنجل» عن كيفيّة الخلاص؟ فقال المجيب: إن شئت فقل هو تعطّل القوى الثلاث وعودها إلى المعدن الذي صدرت عنه، وإن شئت فقل هو رجوع النفس عالمة إلى طباعها؛ وقد اختلف الرجلان فيمن حصلت له رتبة الخلاص، فسأل الناسك في كتاب «سانك» لم لا يكون الموت عند انقطاع الفعل؟ قال الحكيم: من أجل أنّ الموجب للانفصال حالة نفسانيّة والروح بعد في البدن ولا يفرّق بينهما إلّا حال طبيعيّ مفرّق للالتئام وربّما بقي التأثير بعد زوال المؤثر مدّة يفتر فيها ويتراجع إلى
стр. 56
أن يفني مثل الحرّار الذي يدير دوّارته بخشبة حتى يحتدّ دورانها ثمّ يتركها وليست تسكن مع إزالة الخشبة المديرة عنها وإنّما يفتر «١» حركتها قليلا قليلا إلى أنّ تبطل فكذلك البدن بعد ارتفاع الفعل يبقى فيه الأثر حتى ينصرف في الشدّة والراحة إلى انقطاع القوّة الطبيعية وفناء الأثر المتقدّم فيكون كمال الخلاص عند انجدال البدن، وأمّا في كتاب «پاتنجل» فالذي يشهد لمثل ما تقدّم قوله فيمن قبض حواسّه ومشاعره قبض السلحفاة اعضاءها عند الخوف: إنّه ليس بموثوق لأنّه حلّ الرباط ولا متخلّص لأنّ بدنه معه، والذي يخالفه من كلامه قوله: إنّ الأبدان شباك الأرواح لاستيفاء المكافاة والمنتهي الى درجة الخلاص. قد استوفاها في قالبه على ماضي الفعل ثمّ تعطّل عن الاكتساب للمستأنف فانحلّ عن الشبكة واستغنى عن القالب وتقلقل فيه غير مشتبك فهو قادر على الانتقال الى حيث أحبّ ومتى اراد لأعلى وجه الموت فإنّ الأجسام الكثيفة المتماسكة غير ممانعة لقالبه فكيف جسده لروحه؛ وإلى قريب من هذا يذهب الصوفيّة فقد حكى في كتبهم عن بعضهم: إنّه وردت علينا طائفة من الصوفيّة وجلسوا بالبعد عنّا وقام أحدهم يصلّي فلمّا فرغ التفت وقال لي يا شيخ تعرف هاهنا موضعا يصلح لأن نموت فيه؟ فظننت أنّه يريد النوم فأومأت إلى موضع وذهب وطرح نفسه على قفاه وسكن فقمت إليه وحرّكته وإذا أنّه قد برد، وقالوا في قول الله تعالى «إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ»
«٢» : إنّه إن شاء طويت له وإن شاء مشى على الماء والهواء يقاومانه «٣» فيه ولا تقاومه الجبال في القصد. وأمّا من تخلّف عن رتبة الخلاص مع اجتهاده فتختلف درجاتهم، وقيل في «سانك» : إنّ المقبل على الدنيا مع حسن السيرة الجواد بما يملك منها مكافى في الدنيا بنيل الأمانّي والإرادة والتردّد فيها على السعادة مغبوطا في البدن والنفس
стр. 57
والحال فإنّ حقيقة الدولة أنّها مكافاة على الأعمال السابقة في ذلك القالب او غيره، والزاهد في الدنيا من غير علم يفوز بالاعتلاء والثواب ولا يتخلّص لعوز الآلة، والقانع المستغني إذا اقتدر على الثمانية الحال المذكورة واغترّ بها وتنجّح وظنّها الخلاص بقي عندها، وضرب مثل «١» للمتفاضلين في درجات المعرفة برجل غلّس مع تلاميذه في حاجة فاعترض لهم في الطريق شخص منتصب حجز ظلام الليل عن معرفة حقيقته فالتفت الرجل إلى تلاميذه وسألهم عنه واحدا بعد آخر، فقال الأوّل: لا أدري ما هو وقال الثاني: لا أدريه ولا قدرة لي على درايته، وقال الثالث: لا فائدة في معرفته فإنّ طلوع النهار يبديه فإن كان مخفيا انصرف بالاصباح وإن كان غيره اتّضح لنا أمره، فجميع الثلاثة قاصرون عن المعرفة، أوّلهم بالجهل والثاني بالعجز وآفة في الآلة والثالث بالتراخي والرضاء بالجهل وأمّا الرابع فلم يجد جوابا قبل التّثبّت فقصده وحين قاربه رأى يقطينا عليه ملتفّ «٢» فعلم أنّ الانسان الحيّ المختار لا يبقى في موضعه قائما إلى أن يحصل عليه ذلك الالتفات وتحقّق أنّه موات منصوب، ثم لم يأمن أن يكون مخبئا لمزبلة شيء فدنا منه وركله برجله حتى سقط وزالت الشبهة في أمره وعاد إلى أستاذه بالخبر اليقين وقد فاز من يديه «٣» بالمعرفة. وأمّا مشابه كلام اليونانيّين لهذه المعاني فإنّ «امّونيوس» حكى عن فيثاغورس قوله: ليكن حرصكم واجتهادكم في هذا العالم على الاتّصال بالعلّة الأولى التي هي علّة علّتكم ليكون بقاؤكم دائما وتنجون من الفساد والدثور، وتصيرون إلى عالم الحسّ الحقّ والسرور الحقّ والعزّ الحقّ في سرور ولذّات غير منقطعة، وقال فيثاغورس: كيف ترجون الاستغناء مع لبس الأبدان وكيف تنالون العتق وأنتم فيها محبوسون؟ وقال «امونيوس» : أمّا «انباذقلس» ومن تقدّمه إلى «هرقل» فإنّهم رأوا أنّ الأنفس الدنسة تبقى بالعالم متشبّثة حتى تستغيث بالنفس
стр. 58
الكلّيّة فتتضرّع لها إلى العقل والعقل إلى البارئ فيفيض من نوره عليه ويفيض العقل منه على النفس الكلّية وهي في هذا العالم فتستضيء به حتى تعاين الجزئيّة الكلّيّة وتتصل بها فتلحق بعالمها إلّا أنّ ذلك بعد دهور كثيرة تمرّ عليها ثمّ تصير الى حيث لا مكان ولا زمان ولا شيء ممّا في هذا العالم من تعب او سرور منقطع؛ وقال سقراط: النفس بذاتها تصير إلى القدس الدائم الحياة الثابت على الأبد بما فيها من المجانسة عند ترك التحيّز فتصير مثله في الدوام لأنّها منفعلة منه بشبه التماسّ ويسمّى انفعالها عقلا، وقال ايضا: النفس مشابهة جدّا للجوهر الإلهي الذي لا يموت ولا ينحلّ والمعقول الواحد الثابت على الأزل، والجسد «١» على خلافها، فإذا اجتمعا أمرت الطبيعة البدن أن يخدم والنفس ان ترأس، فإذا افترقا ذهبت النفس إلى غير مكان الجسد وسعدت بما يشبهها واستراحت من التحيّز والحمق والجزع والعشق والوحشة وسائر الشرور الإنسيّة، وذلك أنّها إذا كانت نقيّة وللجسد باغضة، وأمّا إذا انتجست بموافقة الجسد وخدمته وعشقه حتى تسخّر الجسد منها بالشهوات واللذّات فإنّها لا ترى شيئا أحقّ من النوع الجسميّ وملامسته؛ وقال «ابروقلس» : الجرم الذي حلّته النفس الناطقة قبل الشكل الكريّ كالأثير «٢» وأشخاصه والذي حلّته وغير الناطقة قبل الاستقامة كالانسان، والذي حلّته غير الناطقة فقط قبل الاستقامة بانحناء كالحيوانات غير الناطقة، والذي خلا عنهما ولم يوجد فيه غير القوّة الغاذية قبل الاستقامة وتمّ انحناؤه بالانتكاس وانغرس رأسه في الأرض كالحال في النبات، وإذ صار على خلاف الانسان فالانسان شجرة سماويّة أصلها نحو مبدئها وهو السماء كما صار أصل النبات نحو مبدئه وهو الأرض؛ وذهب الهند في الطبيعة إلى شبه من ذلك قال «ارجن» : كيف مثال براهم في العالم؟ قال «باسديو» : توهّمه شجرة «اشوت» «٣» وهي معروفة
стр. 59
عندهم من كبار الأشجار وأحرارها معكوسة الوضع، عروقها في العلوّ وغصونها في السفل قد غزر غذاؤها حتى غلظت وانبسط فروعها «١» وتشبّثت بالأرض فعلقت بها وتشابه في الجهتين فروعها وعروقها فاشتبهت، فبراهم من هذه الشجرة عروقها العليا وساقها «بيذ» وغصونها الآراء والمذاهب وأوراقها الوجوه والتفاسير وغذاؤها بالقوى الثلاث واستغلاظها وتماسكها بالحواسّ، وليس للعاقل سوى قطعها نفاس وقيع هو الزهد في الدنيا وزخارفها فإذا تمّ له قطعها طلب من عند منشئها موضع القرار الذي يعدم فيه العود، وإذا ناله فقد خلّف أذى الحرّ والبرد وراءه ووصل من ضياء النيّرين والنيران إلى الأنوار الإلهية؛ وإلى طريق «پاتنجل» ذهبت الصوفيّة في الاشتغال بالحقّ فقالوا: ما دمت تشير فلست بموحّد حتى يستولى الحقّ على إشارتك بافنائها عنك فلا يبقى مشير ولا إشارة، ويوجد في كلامهم ما يدلّ على القول بالاتّحاد كجواب احدهم عن الحقّ: وكيف لا أتحقّق من هو «أنا» بالإنّيّة و «لا أنا» بالأينيّة، إن عدت فبالعودة فرقت وإن أهملت فبالاهمال خففت وبالاتّحاد ألفت، وكقول ابي بكر الشبلي: اخلع الكلّ تصل إلينا بالكلّيّة فتكون ولا تكون إخبارك عنّا وفعلك فعلنا، وكجواب ابي يزيد البسطامي وقد سئل بم نلت ما نلت: إنّي انسلخت من نفسي كما تنسلخ الحيّة من جلدها ثمّ نظرت الى ذاتي فإذا أنا هو، وقالوا في قول الله تعالى «فقلنا اضربوه ببعضها» «٢» : إنّ الأمر بقتل الميّت لاحياء الميّت إخبار أنّ القلب لا يحيى بأنوار المعرفة إلّا بإماتة البدن بالاجتهاد حتى يبقى رسما لا حقيقة له وقلبك حقيقة ليس عليه أثر من المرسومات، وقالوا: إنّ بين العبد وبين الله ألف مقام من النور والظلمة وإنّما اجتهاد القوم في قطع الظلمة الى النور فلمّا وصلوا إلى مقامات النور لم يكن لهم رجوع.
стр. 60
ح- في أجناس الخلائق وأسمائهم
هذا باب يصعب تحصيله على التحقيق لأنّا نطالعه من خارج وأولئك لا يهذّبونه ولاحتياجنا إليه فيما بعده نقرّر منه جميع المسموع إلى وقت تحرير هذه الأحرف ونحكي أوّلا ما في كتاب «سانك» منه، قال «الناسك» : كم أجناس الأبدان الحيّة وأنواعها؟ قال الحكيم: أجناسها ثلاثة، هي الروحانيّون في الأعلى والناس في الوسط والحيوانات في الأسفل، وأمّا أنواعها فهي أربعة عشر منها للروحانيّين ثمانية هي براهم وإندر و پرجاپت وسومي «١» وكاندهرب وجكش وراكشس و پيشاچ، ومنها للحيوانات خسمة، هي بهائم ووحش وطير وزحّافة ونابتة أعني الأشجار، والإنس نوع واحد، وقد عدّدها صاحب هذا الكتاب في موضع آخر منه بأسماء أخر هكذا براهم، أندر، پرجاپت، كاندهرب، جكش، راكشس، پتر، پيشاچ، وهؤلاء قوم قلّما يراعون الترتيب ويجزفون جدّا في التعديد فالأسماء عندهم كثيرة والميدان خال؛ وقال «باسديو» في «كيتا» : إنّ القوّة الأولى من الثلاث الأول إذا غلبت انعقدت على العقل وتصفية الحواسّ والعمل للملائكة ولذلك صارت الراحة من توابعها والخلاص من نتائجها، وإذا غلبت الثانية انعقدت على الحرص وأدّت «٢» ، إلى التعب وحملت على الأعمال
стр. 61
لجكش وراكشس ويكون الجزاء فيها يحسب العمل، وإذا غلبت الثالثة انعقدت على الجهل والا؟؟؟ خداع بالأمانيّ حتى تولّد السهر والغفلة والكسل وتأخير الواجب ودوام السنة فإن عمل فلأجناس «بهوت» و «پيشاج» ، الأبالسة ولپريت حاملي الأرواح في الهواء لا في الجنّة ولا في جهنّم وعقباها العقاب والانحطاط عن رتبة الإنس إلى الحيوان والنبات وقال في موضع آخر منه: الإيمان والفضيلة من الروحانيّين في «ديو» ولهذا صار من يجانسهم من الإنس مؤمنا بالله معتصما به مشتاقا إليه، والكفر والرذيلة في الشياطين المسمّين «أسر» و «راكشس» ومن شابههم من الإنس كان كافرا بالله غير ملتفت إلى أوامره معطّلا للعالم عنه مشتغلا بما يضرّ في الدارين ولا ينفع. فإذا جمع بين هذه الأقاويل ظهر الاضطراب منها في الأسماء وفي الترتيب، فأمّا المشهور فيما بين الجمهور من أجناس الروحانيّين الثمانية فهو «ديو» وهم الملائكة ولهم ناحية الشمال واختصاصهم بالهند، وقد قيل: إنّ «زردشت» ناكر الشمنيّة في تسمية الشياطين باسم أشرف صنف عندهم وبقي ذلك في الفارسيّة من جهة المجوسيّة، ثمّ «ديت دانو» وهم الجنّ الذين في ناحية الجنوب وفي قسمتهم كلّ من خالف نحلة الهند وعادى البقر، وعلى قرب القرابة بينهم وبين الملائكة زعموا: لا ينقطع التنازع بينهم ولا تهدأ حروبهم، ثمّ «كاندهرب» أصحاب الألحان والأغانيّ بين أيدي الملائكة وتسمى قحابهم «آپسرس» ، ثمّ «جكش» خزّان الملائكة، ثمّ «راكشس» شياطين مشوّهون، ثمّ «كنّر» على صورة الناس ما خلا رؤوسهم فإنّها رؤوس الأفراس على خلاف قنطور سات اليونانيّين فإنّ صورة الفرس في نصف البدن الأسفل منها وصورة الإنسان في نصفها «١» الأعلى ومنها صورة برج القوس، ثمّ «ناك» وهي على صورة الحيّات، ثمّ «بدّاذر» وهم جنّ سحرة لا يدوم رواج سحرهم، فالقوّة الملكيّة في الطرف الأوّل والشيطنة في الطرف الأسفل والامتزاج فيما بين الطرفين،
стр. 62
وإنّما اختلفت صفاتهم لأنّهم نالوا هذه الرتبة بالعمل والأعمال مختلفة بحسب القوى الثلاث، وطال بقاؤهم بسبب تجرّدهم عن الأبدان وزال التكليف عنهم وقدروا على ما عجز الإنس عنه فخدموهم في المطالب وتقرّبوا إليهم في المآرب؛ ولنعلم ممّا حكيناه عن «سانك» أنّه غير محصّل فليس «براهم» و «إندر» و «پرجاپت» أسماء لأنواع، إنّما براهم و پرجاپت متقاربا المعنى تختلف أسماؤهما باختلاف صفة ما، و «إندر» هو رئيس العوالم، وأيضا فإنّ «باسديو» قد عدّ «جكش» و «راكشس» معا في طبقة واحدة من الشيطنة و «الپرانات» تنطق في جكش: إنّهم خزّان وخدم خزّان. فنقول بعد هذا: إنّ الروحانيّين المذكورين طبقة قد نالوا رتبتهم بالعمل وقت التأنّس وخلّفوا الأبدان وراءهم فإنّها أثقال مزيلة للقدرة مقصّرة للمدّة، واختلفت صفاتهم وأحوالهم بحسب غلبة القوى الثلاث الأول عليهم فاختصّ بأولاها وحصلت لهم الراحة والهناءة ورجح فيهم تصوّر المعقول «ديو» أعني الملائكة بلا مادّة كما رجح في الإنس تصوّر المحسوس في المادّة واختص «پيشاج» و «بهوت» بالثالثة، والمراتب التي بينها بالثانية، وقالوا في عدد ديو: إنّه ثلاثة وثلاثون كورتي منه لمهاديو أحد عشر ولذلك صار هذا العدد لقبا من ألقابه واسمه دالّا عليه ويكون جملة العدد المذكورة للملائكة ... ،..،..، ٣٣، ثمّ جوّزوا عليهم معنى الأكل والشرب والجماع والحياة والموت لأنّهم في حيّز المادّة وإن كانوا منها في الجانب الألطف الأبسط ولأنّهم قد نالوا ذلك بالعمل دون العلم، وفي كتاب «پاتنجل» : إنّ «ثندكشيفر» «١» أكثر القرابين لمهاديو فانتقل إلى الجنّة بقالبه الجسدانيّ، وإن «اندر» الرئيس زنى بامرأة «نهش» البرهمن فمسخ حيّة على وجه العقوبة؛ وتحتهم مرتبة «پترين» الآباء الموتى وتحت هؤلاء «بهوت» أناس قد اتّصلوا بالروحانيّة وتوسّطوا، فأمّا من جاز الرتبة غير مجرّد عن البدن فيسمّون «رش» و «سدّو «؟ من» ويتفاضلون
стр. 63
بالصفات ويتمايزون وسدّ هو الذي نال بعمله الاقتدار على ما شاء في الدنيا واقتصر على ذلك ولم يجتهد في طريق الخلاص وله الترقّي إلى مرتبة «رش» وإليها يتدرّج البرهمن فيسمّى «برهمرش» وإذا تدرّج إليها «كشتر» سمّى «راج رش» وليس ذلك لمن دونهما، و «رشين» هم الحكماء الذين على إنسيّتهم أفضل من الملائكة بسبب العلم ولذلك يستفيده الملائكة منهم فليس فوقهم إلّا براهم، ويسفل عن هؤلاء طبقاتهم الموجودة فيما بيننا ولذكرهم باب على حدة. وكلّ هؤلاء تحت المادّة فأمّا التصوّر ما «١» علاها فقلنا «٢» : إنّ الهيولى واسطة بين المادّة وبين التي فوقها من المعاني النفسانيّة والإلهيّة وإنّ فيه القوى الثلاث الأول بالقوّة فكأنّ الهيولى بما فيه جسر من العلوّ إلى السفل فما يسري فيه على القوّة الأولى خالصا يسمّى «براهم» و «پرجاپت» وأسماء أخر كثيرة من جهة الشرع والأخبار ومعناه راجع إلى الطبيعة في عنفوان فعلها لأنّ الإنشاء حتى خلق العالم منسوب إلى براهم عندهم، وما يسري فيه على القوّة الثانية يسمّى «ناراين» في الأخبار ويرجع معناه إلى الطبيعة عند انتهاء فعلها غايته فإنّها تجتهد حينئذ في الإبقاء كذلك اجتهاد ناراين في إصلاح العالم ليبقى، وما يسري فيه على القوّة الثالثة يسمّى «مهاديو» و «شنكر» وأشهر أسمائه «ردر» وهو للإفساد «٣» والإفناء كالطبيعة في أواخر فعلها وفتور قوّتها، وإنّما تختلف أسماؤهم بعد السريان في هذه المعارج والمدارج الى السفل فتختلف أفعالهم فأمّا قبل ذلك فالمنبع واحد ولذلك يجمعونهم فيه ولا يفرقون أحدهم عن الآخر ويسمّونه «بشن» وهذا الاسم بالقوّة الوسطى أولى بل لا يفرقون بينها وبين العلة الأولى ويذهبون مذهب النصارى في تمييز أسامي الأقانيم بالأب والابن وروح القدس بعضها من بعض وجمعها بجوهر واحد، فهذا ما يلوح من كلامهم عند النظر والتحصيل فأمّا على وجه الخبر
стр. 64
والرواية التي يكثر فيها الخرافة فسيجيء ذكره في خلال الكلام، ولا يتعجّب «١» من أقاويلهم في طبقة «ديو» التي عبّرنا عنها بالملائكة «٢» وتجويزهم عليهم ما لا تجوّزه العقول ممّا نزّههم متكلّمو الإسلام عن مباحه فضلا عن محظوره فإنّك إذا جمعت بين أقاويلهم تلك وأقاويل اليونانيّين في ملّتهم زال الاستغراب، وقد قدّمنا أنّهم كانوا سمّوا الملائكة «آلهة» فطالع ما ورد لهم في «زوس» حتى تتحقّق ما قلناه أمّا ما هو صادر فيه عن مشابه الحيوانيّة والإنسيّة فقولهم: إنّه لمّا ولد رام أبوه أكله وقد تقدّمت الأمّ بلفّ حجر في خرق فألقمته إيّاه حتى انصرف، وقد ذكر ذلك جالينوس في «كتاب الميامر» في قوله: إنّ «فيلن «٣» » ألغز بوصف معجون «فلونيا» في شعره فقال: خذ شعرا أحمر «٤» من الشعر الذي يفوح منه رائحة الطيب وهو قربان الآلهة ودمه فتزن منه أوزانا بقدر عقول الناس، وعنى بذلك الزعفران خمسة مثاقيل لأنّ الحواسّ خمس، وذكر سائر الأخلاط بأوزانها على أنواع من الرموز فسّرها جالينوس وفيها: ومن الأصل المكذوب عليه الذي نشأ في البلد الذي ولد فيه «زوس» فقال: إنّ هذا هو السنبل لأنّه مكذوب عليه في اسمه قد سمّي «سنبلا» وليس بسنبل وإنّما هو أصل، وأمر أن يكون «اقريطيّا» لأنّ أصحاب الأمثال يقولون في «زوس» إنّه ولد في جبل «ديقطاون» في «قريطي» حيث كانت والدته تخبؤه «٥» من أبيه «قرونس» لئلا يبتلعه كما ابتلع غيره، ثمّ ما في التواريخ المشهورة من تزوّجه بالنّساء المعروفات واحدة بعد أخرى وإحبال بعض منهنّ مغصوبات غير منكوحات ومنها «آورقّة بنت فونيكوس» الذي «٦» أخذها منه
стр. 65
«اسطارس» ملك «اقريطى» وأولدها بعده «مينوس» و «ردمنتوس «١» » وذلك بعيد زمان خروج بني اسرائيل من التيه إلى أرض فلسطين، وما ذكر أنّه مات بأقريطى ودفن بها في زمان «شمسون» الإسرائيليّ وله سبع مائة وثمانون سنة وأنّه سمّي «زوس» لمّا طال عمره بعد أن كان يسمّى «ديوس» وأنّ أوّل من سمّاه بهذا الاسم «ققرفّس» الملك الأوّل بأثينية والحال بينهما في المواطأة على ما مالا إليه من تسريح الزّبّ يمينا وشمالا وتسهيل قياد القيادة على شبه حال «زردشت» مع «كشتاسب» فيما راماه من تقوية الملك والسياسة، وقد زعم المؤرّخون أنّ الفضائح في القوم جرت من ققرفّس ومن قام بعده من الملوك وعنوا بذلك مشابه ما في أخبار الإسكندر أنّ «نقطينابوس» ملك مصر لمّا هرب من «أردشير» الأسود واختفى في مدينة «ماقيدنيا «٢» » يتنجّم ويتكهّن احتال على «أولمفيذا» امرأة «بيلبس» ملكها وهو غائب حتى كان يغشاها خداعا ويري نفسه على صورة «أمون» الإله في شبح حيّة ذات قرنين كقرني الكبش إلى أن حبلت بالإسكندر وكاد «بيلبس» عند رجوعه ان ينتفي منه وينفيه فرأى في المنام أنّه نسل الإله أمون فقبله وقال لا معاندة مع الآلهة وكان حتف «نقطينابوس» على يد الاسكندر على وجه الإعناق «٣» في النجوم ومن ذلك عرف أنّه كان أباه، وأمثال هذا كثير في أخبارهم وسنأتي «٤» بنظائره في مناكح الهند، ثمّ نقول وأمّا ما لا يتّصل بالبشريّة في أمر «زوس» فقولهم: إنّه المشتري ابن زحل لأنّ زحل عند أصحاب «المظلّة» على ما قال جالينوس في «كتاب البرهان» : أزليّ البقاء وحده غير متولد، ويكفي ما في كتاب «اراطس» في «الظاهرات» فإنّه يفتتحه بتمجيد زوس: وإنّه الذي نحن معشر الناس لا ندعه ولا نستغني عنه، الذي ملأ الطرق ومجامع الناس وهو
стр. 66
رؤوف بهم، مظهر للمحبوبات، ناهض بهم إلى العمل، مذكر بالمعاش،؟ مخبر بالأوقات المختارة للحفر والحرث للنشوء الصحيح ومن نصب في الفلك من العلامات والكواكب، ولهذا نتضرّع إليه أوّلا وأخيرا؛ ويمدح «١» الروحانيّين بعده، ومتى قايست بين الطبقتين كانت هذه أوصاف براهم؛ ومفسّر كتاب «الظاهرات» زعم أنّه خالف الشعراء في ابتدائهم بالآلهة أنّه أزمع أن يتكلّم على الفلك، ثمّ نظر أيضا كما نظر جالينوس في نسب «اسقليپيوس» فقال: نحبّ نعرف أيّ زوس عنى أراطس الرمزيّ أم الطبيعيّ لأن «اقراطس» الشاعر سمى الفلك «زوس» وكذلك قال «أوميرس» : كما تقطع قطع الثلج من زوس، وأراطس سمّى الأيثر «٢» والهواء زوس في قوله: إنّ الطرق والمجامع مملوءة منه وإنّ كلّنا محتاجين إلى استنشاقه، ولهذا زعم أنّ رأي أصحاب «الأسطوان» في زوس أنّه الروح المنبثّة بالهيولى المناسبة لأنفسنا أي الطبيعة السائسة لكلّ جسد طبيعيّ، ونسبه إلى الرأفة لأنّه علّة الخيرات فبحقّ زعم أنّه ليس أولد الناس فقط بل الآلهة أيضا.
стр. 67
ط- في ذكر الطبقات التي يسمّونها ألوانا وما دونها
كلّ أمر صدر عن مستهتر طبعا بالسياسة، مستحقّ بفضله وقوّته للرئاسة، ثابت الرأي والعزيمة، معان بدولة في الأخلاف بتركهم الخلاف بالأسلاف فقد تأكّد ذلك الأمر عند مأمور به تأكّد الجبال الرواسي وبقي فيهم مطاعا في الأعقاب على كرور الأيّام ومرور الأحقاب، ثمّ إن استند ذلك إلى جانب من جوانب ملّة فقد توافى فيه التوأمان وكمل الأمر باجتماع الملك والدين وليس وراء الكمال غاية تقصد؛ وقد كان الملوك القدماء المعنيّون بصناعتهم يصرفون معظم اهتمامهم إلى تصنيف الناس طبقات ومراتب يحفظونها عن التمازج والتهارج ويحظرون الاختلاط عليهم بسببها ويلزمون كلّ طبقة ما إليها من عمل أو صناعة وحرفة ولا يرخّصون لأحد في تجاوز رتبته ويعاقبون من لم يكتف بطبقته؛ وسير أوائل الأكاسرة تفصح بذلك فلهم فيه آثار قويّة لم يقدح فيه تقرّب بخدمة ولا توسّل برشوة حتى أنّ «أردشير بن بابك» عند تجديده ملك فارس جدّد الطبقات وجعل الأساورة وأبناء الملوك في أولاها، والنسّاك وسدنة النيران وأرباب الدين في ثانيتها، والأطبّاء والمنجّمين وأصحاب العلوم في ثالثتها، والزرّاع والصنّاع في رابعتها، على مراتب في كلّ واحدة منها تميّز الأنواع في أجناسها على حدة بحيالها، وكلّ ما كان على هذا المثال صار كالنسب إن ذكرت أوائله ونشبا «١» إن
стр. 68
نسيت أسبابه وقواعده، والنسيان لا محالة بتطاول الأمد وتراخي الأزمنة وتكاثر القرون مقرون، وللهند في أيّامنا من ذلك أوفر الحظوظ حتى أنّ مخالفتنا إيّاهم وتسويتنا بين الكافّة إلّا بالتقوى أعظم الحوائل بينهم وبين الإسلام، وهم يسمّون طبقاتهم «برن» أي الألوان ويسمّونها من جهة النسب «جاتك» أي المواليد، وهذه الطبقات في أوّل الأمر أربع، علياها «البراهمة» قد ذكر في كتبهم أنّ خلقتهم من رأس «براهم» وأنّ هذا الاسم كناية عن القوّة المسمّاة «طبيعة» والرأس علاوة الحيوان فالبراهمة نقاوة الجنس ولذلك صاروا عندهم خيرة الإنس، والطبقة التي تتلوهم «كشتر» خلقوا بزعمهم من مناكب براهم ويديه ورتبتهم عن رتبة البراهمة غير متباعدة جدّا ودونهم «بيش» خلقوا من رجلي براهم، وهاتان المرتبتان الأخيرتان متقاربتان، وعلى تمايزهم تجمع المدن والقرى، أربعتهم مختلطي المساكن والدور، ثمّ أصحاب «١» المهن دون هؤلاء غير معدودين في طبقة غير الصناعة ويسمّون «أنتز» وهم ثمانية أصناف بالحرف ويتمازجون بما يشابهها من الحرف الأخر سوى القصّار والإسكاف والحائك فإنّه لا ينحطّ إلى حرفتهم سائرهم وهم القصّار والإسكاف واللعّاب ونسّاج الزنابيل والأترسة والسفّان وصيّاد السمك وقنّاص الوحوش والطيور والحائك فلا يساكنهم الطبقات الأربع في بلدة وإنّما يأوون إلى مساكن تقربها وتكون خارجها، وأمّا «هادي» و «دوم» و «چندال» و «بدهتو» فليسوا معدودين في شيء وإنّما يشتغلون برذالات الأعمال من تنظيف القرى وخدمتها، وكلّهم جنس واحد يميّزون بالعمل كولد الزناء فقد ذكر أنّهم يرجعون إلى أب «شودر» وأمّ «برهمن» خرجوا منهما بالسفاح فهم منفيّون منحطّون، ويلحق كلّ واحد من أهل الطبقات سمات وألقاب بحسب فعله وطريقته كالبرهمن مثلا فإنّ هذه سمته مطلقة إذا لزم بيته في عمله فإذا لزم خدمة نار واحدة لقّب «آيشتهي» وإذا خدم ثلاثا من النيران فهو «آكن هو تري» وإذا قرّب للنار مع ذلك فهو «ديكشت» ، فكذلك هؤلاء إلّا أنّ «هادي» أحمدهم
стр. 69
لأنّه يترفّع عن القاذورات ويتلوه دوم لأنّه يجنكي «١» ويطرب ومن بعدهما يترشّح للقتل والعقوبات صناعة ويتولّاها «٢» وشرّهم «بدهتو «٣» » فإنّه لا يقتصر بأكل الميتة المعهودة ولكنّه يتجاوزها إلى الكلاب وأمثال ذلك، وكلّ طبقة من الأربع فإنّها تصطفّ في المؤاكلة على حدة ولا يشتمل صفّ على نفرين مختلفي الطبقة فإن كان في صفّ البراهمة مثلا نفران منهم متنافران وتقارب مجلساهما فرق بين المجلسين بلوح يوضع فيما بينهما أو ثوب يمدّ أو شيء آخر بل إن خطّ بينهما تمايزا، ولأنّ الفضلة من الطعام محرّمة فإنّها توجب الانفراد بالمأكول لأنّه إذا تناوله أحد المؤاكلين في قصعة واحدة صار ما بقي بتناول الآخر وانقطاع أكل الأوّل فضلة محرّمة. فهذه حال الطبقات الأربع وقد قال «باسديو» حين سأله «آرجن «٤» » عن طباع الطبقات الأربع وما يجب أن يتخلّقوا به من الأخلاق: يجب أن يكون «البرهمن» وافر العقل، ساكن القلب، صادق اللهجة، ظاهر الاحتمال، ضابطا للحواسّ، مؤثرا للعدل، بادي النظافة، مقبلا على العبادة، مصروف الهمّة إلى الديانة، وأن يكون «كشتر» مهيبا في القلوب، شجاعا، متعظّما، ذلق اللسان، سمح اليد غير مبال بالشدائد حريصا على تيسير الخطوب وأن يكون «بيش» مشتغلا بالفلاحة واقتناء السوائم والتجارة؛ و «شودر» مجتهدا في الخدمة والتملّق، متحبّبا إلى كلّ أحد بها؛ وكلّ من هؤلاء إذا ثبت على رسمه وعادته نال الخير في إرادته إذا كان غير مقصّر في عبادة الله، غير ناس ذكره في جلّ أعماله، وإذا انتقل عمّا إليه إلى ما إلى طبقة أخرى وإن شرفت عليه كان إثما بالتعدّي في الأمر؛ وقال أيضا لأرجن «٥» مشجّعا إيّاه على قتال العدوّ: أما تعلم يا
стр. 70
طول الباع أنّك «كشتر» وجنسك مجبول على الشجاعة والاقدام وقلّة الاكتراث لنوائب الأيّام ومخالفة النفس في حديثها بالاهتمام إذ لا ينال الثواب إلّا بذلك فإن ظفر فإلى الملك والنعمة وإن هلك فإلى الجنّة والرحمة، ووراء ما تظهره من الرقّة للعدوّ والجزع على قتل هذه الطائفة انتشار خبرك بالجبن والفشل وذهاب صيتك عمّا بين الجبابرة والشجعان البزّل وسقوطك عن أعينهم واسمك عن جملتهم، ولست أعرف عقابا أشدّ من هذا الحال فالموت خير من التعرّض لما يورث العار، فإن كان الله أمرك وأهّل طبقتك بالقتال وخلقك له فاصدع بأمره وانفذ بمشيئته بعزيمة مجرّدة عن الأطماع ليكون عملك له؛ وأمّا الخلاص فقد اختلفوا فيمن هو معدّ له من هذه الطبقات فقال بعضهم: إنّه ليس لغير «البراهمة» و «كشتر» ما لا يمكنهم فقط من تعلّم «بيذ» ، وقال المحققون منهم: إنّ الخلاص مشترك الطبقات ولجميع نوع الإنس إذا حصلت لهم النيّة بالتمام، وذلك بدلالة قول «بياس» : أعرف الخمسة والعشرين معرفة تحقيق ثمّ انتحل أيّ دين شئت فإنّك متخلّص لا محالة، وبدلالة مجيء «باسديو» من نسل «شودر» وقوله لأرجن «١» : إنّ الله مليّ بالمكافاة من غير حيف ولا محاباة يحتسب بالخير شرّا إذا نسي فيه وبالشرّ خيرا إذا ذكر فيه ولم ينس وإن كان فاعله «بيشا» أو «شودرا» أو امرأة فضلا أن يكون «برهمنا» أو «كشترا» .
стр. 71
ي- في منبع السنن والنواميس والرسل ونسخ الشرائع
قد كانت اليونانيّة تأخذ السنن والنواميس من حكمائهم المنتدبين لذلك المنسوبين إلى التأييد الإلهيّ مثل «سولن» و «دروقون» و «فيثاغورس» و «مينس» وأمثالهم، وكذلك كان يفعله ملوكهم فإنّ «ميانوس» لمّا تسلّط على جزائر البحر و «الأقريطيّين» وذلك بعد أيّام موسى بقريب من مائتي سنة وضع لهم نواميس على أنّها مأخوذة من «زوس» وفي ذلك الزمان وضع «مينس» النواميس وفي زمان «دارا» الأوّل الذي كان بعد «كورش» أنفذ الروم إلى أهل «أثينية» رسلا وأخذوا منهم النواميس في اثني عشر كتابا إلى أن ملكهم «فنفيلوس» وتولّى وضع السنن لهم وصيّر شهور السنة اثني عشر بعد أن كانت لهم عشرة ويدلّ على إكراهه إيّاهم أنّه وضع معاملاتهم بالخزف والجلود بدل الفضّة فإنّ ذلك يكون من الحنق على من لا يطيع؛ وفي المقالة الأولى من «كتاب النواميس» لأفلاطن قال الغريب من أهل أثينية: من تراه كان السبب في وضع النواميس لكم أهو بعض الملائكة أو بعض الناس؟ قال «الأقنوسيّ» : هو بعض الملائكة أمّا بالحقيقة عندنا فزوس وأمّا أهل «لاقاذامونيا» فإنّهم يزعمون أنّ واضع النواميس لهم «أفوللن» ، ثمّ قال في هذه المقالة: إنّه واجب على واضع النواميس إذا كان من عند الله أن يجعل غرضه في وضعها اقتناء أعظم الفضائل وغاية العدل، ووصف نواميس أهل «أقريطس» بهذه الصفة وأنّها مكملة لسعادة من استعملها على
стр. 72
الصواب لأنّه يقتني بها جميع الخيرات الإنسيّة المتعلّقة بالخيرات الإلهيّة، وقال «الأثينيّ» في المقالة الثانية من هذا الكتاب: لمّا رحم الآلهة جنس البشر من أجل أنّه مطبوع على التعب هيّؤا لهم أعيادا للآلهة وللسكينات ولأفوللن مدبّر «السكينات» ولديونوسيس مانح البشر الخمرة دواء من عفوصة الشيخوخة ليعودوا فتيانا بالذهول عن الكآبة وانتقال خلق النفس من الشدّة إلى السلامة، وقال أيضا:
إنّهم ألهموهم «١» تدابير الرقص والإيقاع المستوي الوزن جزاء على المتاعب وليتعوّدوا معهم في الأعياد والأفراح، ولذلك سمّى نوع من أنواع الموسيقى في الرمز لصلوات الآلهة «تسابيح» ؛ فهذا كان حال هؤلاء وعلى مثله أمر الهند فإنّهم يرون الشريعة وسننها صادرة عن «رشين» الحكماء قواعد الدين دون الرسول الذي هو «ناراين» المتصوّر عند مجيئه بصور الإنس ولن يجيء إلّا لحسم مادّة شرّ يطلّ «٢» على العالم أو لتلافي واقع ولا عوض في شيء من أمر السنن وإنّما تعمل «٣» بها كما تجدها فلأجل هذا وقع الاستغناء عن الرسل عندهم في باب الشرع والعبادة وإن وقعت الحاجة إليهم في مصالح البريّة؛ فأمّا نسخها فكأنّه غير ممتنع عندهم لأنّهم يزعمون أنّ أشياء كثيرة كانت مباحا قبل مجيء «باسديو» ثمّ حرّمت ومنها لحم البقر، وذلك لتغيّر طباع الناس وعجزهم عن تحمّل الواجبات ومنها أمر الأنكحة والأنساب فإنّ النسب كان وقتئذ على أحد ثلاثة أصناف، أحدها من صلب الأب في بطن الأمّ المنكوحة كما هو الآن عندنا وعندهم والثاني من صلب الختن في بطن الابنة المزفوفة إذا شورط على أن يكون الولد لأبيها فيكون حينئذ ولد الابنة للجدّ المشارط دون الأب الزارع والثالث من صلب الأجنبيّ في بطن الزوجة لأنّ الأرض للزوج فيكون أولاد المرأة لزوجها إذا كانت الزراعة برضا
стр. 73
منه، وعلى هذا الوجه كان «پاندو» منسوبا إلى بنوّة «شنتن» وذلك أنّه عرض لهذا الملك بدعاء بعض الزّهاد عليه ما منعه عن اقتراب نسائه مع عدم الولد فسأل «بياس بن پراشر» أن يقيم له من نسائه ولدا يخلفه ووجّه بإحداهنّ إليه فخافته لمّا دخلت عليه وارتعدت فحبلت منه بحسب تلك الحالة مسقاما مصفارّا، ثمّ وجّه بالثانية إليه فاحتشمته وتقنّعت بخمارها فولدت «درت راشتر» أكمه غير صالح، ووجّه بالثالثة وأوصاها برفض الهيبة والحشمة فدخلت ضاحكة مستبشرة وحبلت ببدر الذي فاق الناس في المجون والشطارة، وقد كان لأولاد «پاندو» الأربعة زوجة مشتركة فيما بينهم تقيم عند كلّ واحد شهرا، بل في كتبهم: إنّ «پراشر» الزاهد ركب سفينة فيها للسفّان ابنة وإنّه عشقها وراودها عن نفسها «١» حتى لانت عريكتها إلّا أنّه لم يكن على الشط ساتر عن الأبصار وإنّ «طرفاء» نبت من ساعته لتسهيل الأمر فضاجعها خلف الطرفاء وأحبلها بابنه هذا الفاضل «بياس» وذلك كلّه الآن مفسوخ منسوخ، فلهذا يتخيّل من كلامهم جواز النسخ، فأمّا هذه الفضائح في الأنكحة فيوجد منها الآن وفي مواضي الجاهليّة فإنّ ساكني الجبال الممتدّة من ناحية «پنچهير» إلى قرب «كشمير» يفترضون الاجتماع على امرأة واحدة إذا كانوا إخوة؛ وكان نكاح العرب في جاهليّتها على ضروب، منها أنّ أحدهم كان يرسم لامرأته أن ترسل إلى فلان وتستبضع منه، ثمّ يعتزلها أيّام حملها رغبة منه في نجابة الولد، وهذا هو القسم الثالث للهند، ومنها أنّه كان يقول للآخر أنزل عن امرأتك لي وأنزل لك عن امرأتي، فيفعلان بالبدال، ومنها أنّ النفر كانوا يغشونها فإذا وضعت ألحقته بأبيه، فإن لم تعرفه عرفته القافة، ومنها «نكاح المقت» بامرأة الأب أو الابن واسم الولد منه «ضيزن» ؛ ولا يبعد عن اليهود فقد فرض عليهم أن ينكح الرجل امرأة أخيه إذا مات ولم يعقب ويولد لأخيه المتوفي نسلا منسوبا إليه دونه لئلا يبيد من العالم ذكره، ويسمّون فاعل ذلك بالعبريّة «يبمّ» ؛ وكذلك
стр. 74
المجوس ففي كتاب «توسر هربذ الهرابذة» إلى «پدشوار «١» كرشاه» جوابا عمّا تجنّاه على «أردشير بن بابك» : أمر الإبدال عند الفرس إذا مات الرجل ولم يخلّف ولدا أن ينظروا فإن كانت له امرأة زوّجوها من أقرب عصبته باسمه، وإن لم تكن له امرأة فابنة المتوفّي أو ذات قرابته فإن لم توجد خطبوا على العصبيّة من مال المتوفّي فما كان من ولد فهو له، ومن أغفل ذلك ولم يفعل فقد قتل ما لا يحصى من الأنفس لأنّه قطع نسل المتوفّي وذكره إلى آخر الدهر؛ وإنّما حكيت هذا ليعرف بإزائه حسن الحقّ ويزداد ما باينه عند المقايسة قباحة «٢» .
стр. 75
يا- في مبدإ عبادة الاصنام وكيفية المنصوبات
معلوم أنّ الطباع العامّي نازع إلى المحسوس نافر عن المعقول الذي لا يعقله إلّا العالمون الموصوفون في كل زمان ومكان بالقلّة، ولسكونه إلى المثال عدل كثير من أهل الملل إلى التصوير في الكتب والهياكل كاليهود والنصارى «١» ثم المنانية خاصّة، وناهيك شاهدا على ما قلته: أنّك لو أبديت صورة النبي ﷺ أو مكّة والكعبة لعامّتي أو امرأة لوجدت من نتيجة الاستبشار فيه دواعي التقبيل وتعفير الخدّين والتمرّغ كأنّه شاهد المصوّر وقضى بذلك مناسك الحج والعمرة، وهذا هو السبب الباعث على إيجاد الأصنام بأسامي الأشخاص المعظّمة من الأنبياء والعلماء والملائكة مذكّرة أمرهم عند الغيبة والموت مبقية آثار تعظيمهم في القلوب لدى الفوت الى ان طال العهد بعامليها ودارت القرون والأحقاب عليها ونسيت أسبابها ودواعيها وصارت رسما وسنّة «٢» مستعملة، ثم داخلهم اصحاب النواميس من بابها إذ كان ذلك أشدّ انطباعا فيهم فأوجبوه عليهم وهكذا وردت الأخبار فيمن تقدّم عهد الطوفان وفيمن تأخّر عنه وحتّى قيل أنّ كون الناس قبل بعثة الرسل أمّة واحدة هو على عبادة الأوثان، فأمّا اهل التوراة فقد عيّنوا أوّل هذا الزمان بأيام «ساروغ» جدّ
следующие страницы →