← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11680

المسالك والممالك للاصطخري أو مسالك الممالك - مصر

الإصطخري

Полный текст (223 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الكوفة، ويقع الفاضل فى البطائح، وكربلاء من غربى الفرات فيما يحاذى قصر ابن هبيرة «١» ؛ وأما سامّرا فإنها كلها فى شرقى دجلة، وليس «١» معها فى الجانب الشرقى ماء جار إلا نهر القاطول الذي يقرب إلى السواد ويبعد عنها، فأما ما يحيط بها فبرية، وعماراتها وأشجارها فى الجانب الغربى بحذائها، وهى ممتدة مع ما يتصل بهاء والدور نحو مرحلة لا ينقطع بناؤها، وهى مدينة إسلامية ابتدأها المعتصم واستتم بناءها المتوكل، وهى خراب ربما يسير الرجل فى مقدار فرسخ منها لا يجد بها دارا معمورة، وهواؤها وثمارها أصح من بغداد» ؛ وأما النّهروان فانها مدينة يشق نهر النهروان وسطها صغيرة عامرة، من بغداد على أربعة فراسخ، ونهر النهروان يفضى إلى سواد بغداد فيما يسفل عن دار الخلافة إلى إسكاف «٣» وغيرها من المدن والقرى، فإذا جزت النهروان إلى الدّسكرة خفّت المياه والنخيل، ثم يصير من الدسكرة إلى حد حلوان كالبادية المنقطعة العمارة، مفترشة منفردة المنازل والقرى حتى تدور على تامرّا وحدود شهرزور إلى حدّ تكريت؛ وأما المدائن فمدينة صغيرة جاهلية، قد كانت عظيمة فنقل عامة أبنيتها إلى بغداد، وهى من بغداد على مرحلة، وكانت مسكن الأكاسرة وبها إيوان كسرى إلى يومنا هذا، وهو إيوان عظيم معقود من آجر وجص، ليس للأكاسرة إيوان أكبر منه، ولم نكثر من وصف بغداد لاشتهار وصفها عند الخاص والعام «٤» ، فاكتفينا من وصف بغداد بجملة يسيرة ذكرناها لئلا يطول به الكتاب «٥» ؛ وبابل قرية صغيرة إلا أنها أقدم أبنية العراق، وينسب ذلك الإقليم إليها لقدمها، وكان ملوك الكنعانيين وغيرهم يقيمون بها، وبها آثار أبنية تشبه أن تكون فى قديم الأيام مصرا عظيما، ويقال إن الضحاك أول من بنى بابل، وكوثى «٦» ربّا يقال إن ابراهيم الخليل ﵇ بها طرح فى النار، وكوثى اثنان: أحدهما كوثى الطريق والآخر كوثى «٧» ربا، وبكوثى ربّا إلى هذه الغاية تلال عظيمة من رماد، يزعمون أنها، نار نمرود بن كنعان، التى طرح فيها ابراهيم ﵇؛ والجامعان منبر صغير حواليها رستاق عامر خصب جدا؛ والمدائن من شرقى دجلة من بغداد

стр. 72

على مرحلة، ويقال إن ذا القرنين أقام بالمداين إلى أن مات، والأخبار عنه تكذّب، فإن الأكثرين على أنه سم فى منصرفه من أرض الصين، وحمل تابوته إلى أمه باسكندرية، ويقال إن جانبى المدائن المكتتفين لدجلة كانت على عهد الفرس موصولا بينهما بجسر على دجلة مبنى بالآجر، وليس لذلك أثر؛ وأما عكبراء والبردان والنّعمانيّة ودير العاقول وجبّل وجرجرايا وفم الصلح ونهر سابس وسائر ما ذكرنا على شط دجلة من المدن فهى متقاربة فى الكبر، ليس بها مدينة كبيرة، وهى مشتبكة العمارة، وكذلك لكل مدينة من ذلك كورة؛ وأما حلوان فهى مدينة عامرة، ليس فى أرض العراق بعد البصرة والكوفة وبغداد وواسط وسامرّا والحيرة مدينة أكبر منها، وأكثر ثمارها التين، وهى بقرب الجبل، وليس بالعراق «١» مدينة بقرب الجبل غيرها، وربما سقط بها الثلج، فأما أعلى جبلها فإن الثلج يسقط به دائما؛ والدّسكرة مدينة بها نخيل وزروع عامرة، وخارجها حصن من طين، داخله فارغ، وإنما هو مزرعة، يقال إن الملك «٢» كان يقيم هناك بعض فصول السنة، فسميت دسكرة الملك لذلك؛ وأما من تكريت إلى أن تجاوز سامرّا إلى قرب العلث فكأنك تطوف على مثال القوس إلى الدسكرة، ثم تطوف على مثال القوس إلى حد عمل واسط، من حدّ العراق إلى حدّ الجبل، فإنه قليل العمارة، فيها قرى مفترشة، والغالب عليها الأكراد والأعراب، وهى مراع لهم، وكذلك من تكريت عن غربيّها إلى أن تنتهى إلى الأنبار بين دجلة والفرات قليل العمارة، وإنما العمارة منه ما يحاذى سامرّا أميالا يسيرة والباقى بادية، ولم أبالغ فى وصف العراق لا كثار الناس فيها واشتهار عامة ما يذكر عنها «٣» ؛ فهذه صفة جامعة لها وجيزة، إذ كان قصدى فيها وفى غيرها إلى تخطيط هيأتها فى الصورة «٤» .

стр. 73

خوزستان «١» وأما حدود خوزستان فإن شرقيّها حد فارس وأصبهان، وبينها وبين حدّ فارس من حدّ أصبهان نهر طاب وهو الحدّ إلى قرب مهروبان، ثم يصير الحد بين الدّورق ومهروبان على الظهر إلى البحر، وغربيّها حدّ رستاق واسط ودور الراسبىّ، وشماليها حدّ الصّيمرة وكرخا واللّور، حتى يتصل على حدود الجبال إلى أصبهان، على أنه يقال إن اللّور كانت من خوزستان فحوّلت إلى الجبال، وحدّ خوزستان مما يلى فارس وأصبهان وحدود الجبال وواسط على خط مستقيم فى التربيع، إلا أن الحدّ الجنوبى من عبّادان إلى رستاق واسط يصير مخروطا، فيضيق فى التربيع عما قابله، وفى حدّ الجنوب أيضا- من حدّ عبادان على البحر إلى حدّ فارس- تقويس يسير فى الزاوية، فينتهى هذا الحدّ الجنوبى إلى شىء من البحر، ثم إلى دجلة حتى يجاوز بيان، ثم ينعطف وراء المفتح والمذار إلى أن يتصل برستاق واسط من حيث ابتدأنا. وأما ما يقع فيها من المدن فانها كور، منها الأهواز واسمها هرمز شهر، وهى الكورة العظيمة التى ينسب إليها سائر الكور، وعسكر مكرم وتستر وجنديسابور والسّوس ورامهرمز وسرّق، وكل ما ذكرنا من كورة فهى اسم المدينة، غير سرّق فإن مدينتها الدّورق، وهى المعروفة بدورق الفرس، وإيذج ونهر تيرى وحومة الزّط والخابران وهما واحد، وحومة البنيان وسوق سنبيل ومناذر الكبرى ومناذر الصغرى وجبّى والطّيب وكليوان فهذه مدن لكل مدينة كورة، ومن مدنها المعروفة المشهورة بصنّى وأزم وسوق الأربعاء وحصن مهدى وباسيان وبيان وسليمانان وقرقوب ومتّوث وبرذون وكرخا. وخوزستان فى مستوى وأرض سهلة ومياه جارية، فمن أكبر أنهارها نهر تستر. وهو النهر الذي بنى عليه سابور الملك شاذروان بباب تستر، حتى ارتفع ماؤه إلى أرض المدينة، لأن تستر على مكان مرتفع من الأرض، فيجرى هذا النهر من وراء عسكر مكرم على الأهواز، حتى ينتهى على نهر السّدرة إلى حصن مهدى ويقع فى البحر، ويجرى من ناحية تستر نهر المسرقان حتى ينتهى إلى عسكر مكرم سفلىّ الأهواز، وآخره بالأهواز لا يتجاوزها، فإذا انتهى إلى عسكر مكرم فعليه جسر كبير نحو عشرين سفينة، تجرى فيه السفن العظام، وقد

стр. 74

ركبته أنا من عسكر مكرم إلى الأهواز، والمسافة ثمانية «١» فراسخ، فسرنا فى الماء ستة فراسخ، ثم خرجنا وسرنا فى وسط النهر، وكان الباقى من هذا النهر إلى الأهواز طريقا يابسا، ولا يضيع من هذا الماء شىء، وإنما تسقى به أراضى قصب السكر وما فى أضعافه من النخيل والزروع، وما بخوزستان كلها على كمال عمارتها بقعة هى أعمر وأزكى «٢» من المسرقان. ومياه خوزستان من الأهواز والدورق وتستر وغير ذلك مما يصاقب هذه المواضع كلها تجتمع عند حصن مهدى، فتصير هناك نهرا كبيرا، ويغزر ويصير له عرض ثم ينتهى إلى البحر، وليس بها بحر إلا ما تنتهى إليه زاوية من مهروبان إلى قرب سليمانان بحذاء عبادان فانه شىء يسير، وهو من بحر فارس، وليس بجميع خوزستان جبال ولا رمال إلا شىء يسير، يتاخم نواحى تستر وجنديسابور وبناحية إيذج وأصبهان، والباقى من خوزستان كأنه أرض العراق؛ وأما هواؤها وماؤها وتربتها وصحة أهلها فإن مياهها طيّبة عذبة جارية، ولا أعرف بجميع خوزستان بلدا- ماؤهم من البئر، لكثرة المياه الجارية بها، وأما ترابها فإن ما بعد عن دجلة إلى ناحية الشمال أيبس وأصح، وما كان إلى دجلة أقرب فهو من جنس أرض البصرة فى التسبّخ، وكذلك فى «٣» الصحة ونقاء البشرة فى الناس فيما بعد عن دجلة، وأما المسرقان خاصة فإن بها رطبا يسمى الطنّ، يقال إن ذلك الرطب إذا أكله الإنسان وشرب عليه ماء المسرقان لم تخطئ «٤» منه الخمر، وليس بخوزستان موضع يجمد فيه الماء، ولا يقع فيه الثلج، ولا يخلو من النخيل، والعلل بها كثيرة وخاصة لمن انتابها. وأمّا ثمارهم وزرعهم فإن الغالب على بلاد خوزستان من الأشجار النخل، ولهم عامة الحبوب من الحنطة والشعير والباقلاء، وأكثر حبوبها بعد الحنطة والشعير الأرز، فيخبزونه وهو لهم قوت، وكذلك فى رستاق العراق، وليس من بلد ليس به قصب سكر من هذه الكور الكبار، ولكن أكثر ما بها من السكر بالمسرقان، ويقع جميعه إلى عسكر مكرم، وليس بعسكر مكرم فى القصبة كثير سكر، وكذلك بتستر والسوس فإنه يتخذ منه السكر، والقصب فى سائر المواضع إنما هو للأكل دون أن يتخذ منه السكر، وعندهم عامة الثمار لا يكاد يخطئهم إلا الجوز، وما لا يكون إلا ببلاد الصرود «٥» . وأما لسانهم فإن عامتهم يتكلمون بالفارسية والعربية، غير أن لهم لسانا آخر خوزيا، ليس بعبرانى ولا سريانى ولا فارسى؛ وزيهم زى أهل العراق فى الملابس من القمص والطيالسة والعمائم، وفى أضعافهم من يلبس الأزر والميازر، والغالب على أخلاقهم سوء الخلق، والمنافسة فيما بينهم فى اليسير من الأمور وشدة الامساك، والغالب على خلقهم صفرة اللون والنحافة وخفة اللحى والضخامة، ووفور الشعر فيهم أقل مما فى غيرهم من المدن، وهذه صفة عامة الجروم «٦» .

стр. 75

وأما ما ينتحلونه من الديانات فإن الغالب بخوزستان الاعتزال، والغلبة عليهم دون سائر النحل، وفى سائر كورهم من أهل الملل نحو ما فى سائر الأمصار. وأما الخاصيات بها: فإن عندهم بتستر «١» الشّاذروان «٢» الذي بناه سابور، وهو من أعجب البناء وأحكمه، بلغنى أن امتداده يقرب من ميل، قد بنى بالحجارة كله حتى تراجع الماء فيه وارتفع إلى باب تستر، ولهم بالسوس- بلغنى والله أعلم- أن تابوتا وجد فى أيام أبى موسى الأشعرى، فذكروا أنّ فيه عظام دانيال النبي ﵇، وكان أهل الكتاب يديرونه فى مجامعهم، ويتبركون به ويستسقون المطر به إذا أجدبوا، فأخذه أبو موسى وعمد إلى نهر على باب السوس فشق منه خليجا، وجعل فيه ثلاثة قبور مطوية بالآجر، ودفن ذلك التابوت فى أحد القبور، ثم استوثق منها كلها وعمّاها، ثم فتح الماء حتى غلب زيد النهر الكبير على ظهر تلك القبور، والنهر يجرى عليها إلى يومنا هذا، ومن نزل إلى قعر الماء وجد تلك القبور. ولهم بناحية آسك متاخما لأرض فارس جبل «٣» ، تتقد منه نار أبدا لا تنطفىء، ويرى منه الضوء بالليل والدخان بالنهار، وهو فى حدّ خوزستان، ويشبه فيما أظن أنه عين نفط أو زفت أو غيره مما تعمل فيه النار، فوقع فيه على قديم الأيام نار، فعلى قدر ما تخرج يحترق أبدا فيما أحسبه، من غير أن رأيت فيه «٤» علامة لذلك ولا سمعت به، وأنا أقوله ظنا؛ ولهم بعسكر مكرم صنف من العقارب صغار على قدر ورق الانجذان «٥» تسمى الجرّارة، قلّ من يسلم من لسعها «٦» ، وهى أبلغ فى القتل من بعض الحيّات، وأما تستر فإن بها يتخذ الديباج الذي يحمل إلى الدنيا، وكسوة مكة من الديباج يتخذ بها، وبها للسلطان طراز؛ وأما السوس فإنه تعمل بها الخزور، ومنها تحمل إلى الآفاق، وبالسوس صنف من الأترجّ شمّامات «٧» ذكية كالأ كف بأصابعها، لم أر مثلها فى بلدان الأترجّ «٨» ؛ وبقرقوب «٩» السّوسنجرد «١٠» الذي يحمل إلى الآفاق، وبها وبالسوس طراز للسلطان، وببصنّى تعمل الستور التى تحمل إلى الآفاق، المكتوب عليها عمل بصنّى، وقد تعمل ببرذون وكليوان وغيرهما من تلك المدن ستور يكتب عليها بصنّى «١١» ، وتدلّس فى ستور بصنى إلا أن المعدن بصنّى، وبرامهرمز من ثياب الإبريسم ما يحمل منها إلى كثير من المواضع، ويقال

стр. 76

إن مانى بها قتل وصلب، ويقال إنه مات فى محبس بهرام «١» حتف أنفه، فقطع رأسه وأظهر قتله «٢» ؛ وجنديسابور مدينة خصبة واسعة الخير، وبها نخل وزروع كثيرة ومياه، ونزلها يعقوب بن اللّيث الصفّار، لخصبها واتصالها بالمير «٣» الكثيرة، فمات بها، وبها قبره؛ ونهر تيرى تكون بها ثياب تشبه ثياب بغداد، وتحمل إلى بغداد فتدلّس بالبغدادى وتقصر ببغداد؛ وجبّى مدينة ورستاق عريض، مشتبك العمارة من النخيل وقصب السكر، ومنها أبو على الجبائى إمام المعتزلة فى عصره، وتتصل زاوية من خوزستان بالبحر فيكون له خور، يخاف على سفن البحر إذا انتهت إليه فإنها تغوص «٤» ، وتجتمع مياه خوزستان بحصن مهدى فتتصل بالبحر، ويعرض هناك حتى ينتهى فى طرفه المدّ والجزر، ويتّسع حتى كأنه من البحر. وتتخذ بالطّيب تكك تشبه الأرمنى، قلّ ما تتخذ فى مكان من الإسلام بعد أرمينية أحسن منها فيما علمته «٥» ؛ واللّور بلد خصب الغالب عليه هواء الجبل، وكان من خوزستان إلا أنّه أفرد فى أعمال الجبال؛ وأما سنبيل فإنّها كورة متاخمة لفارس، وقد كانت مضمومة إلى فارس من أيام محمد بن واصل إلى آخر أيام السّجزيّة، ثم حوّلت إلى خوزستان، والزطّ والخابران هما كورتان عامرتان على نهرين جاريين، والبنيان متاخمة للسّردان من أرض فارس ولأصبهان، وهواؤها هواء الصرود، وليس بخوزستان رستاق يقارب الصرود غير البنيان؛ وأما آسك فإنها قرية ليس فيها منبر، وحواليها نخيل كثير، وبها كانت وقعة الأزارقة، التى يقال إن أربعين من الشراة قتلوا نحوا من ألفى رجل تبعتهم من أهل البصرة، وبها «٦» الدوشاب «٧» الأرّجانى الذي يحمل إلى الآفاق منها، وأما مناذر الكبرى والصغرى فإنّهما كورتان عامرتان بالنخل والزروع ولهما ارتفاع كثير. وأما المسافات بها فإن من فارس إلى العراق طريقين شارعين: أحدهما إلى البصرة ثم إلى بغداد، والآخر إلى واسط ثم إلى بغداد؛ فأما طريق البصرة: فإنك تأخذ من أرّجان إلى آسك قرية «٨» مرحلتين خفيفتين، ثم إلى زيدان مرحلة- وزيدان قرية، ثم منها إلى الدّورق مرحلة، والدورق مدينة كبيرة وهى مدينة سرّق، ثم من الدورق إلى خان مردويه- وهو خان تنزله السابلة- مرحلة، ومن خان مردويه إلى باسيان- مدينة وسطة فى الكبر عامرة يشق النهر فيها فتصير نصفين- مرحلة، ومن باسيان إلى حصن مهدى مرحلتين، وفيها منبر ويسلك بينهما فى الماء، وكذلك من الدورق إلى باسيان يسلك فى الماء- وهو أيسر

стр. 77

من البر، ومن حصن مهدى إلى بيان مرحلة على الظهر، وبيان فيها منبر، وقد انتهيت إلى آخر حدود خوزستان، وبيان على دجلة، فاركب منها الماء إن شئت إلى الأبلة، وإن شئت على الظهر إلى أن تحاذى الأبلة ثم تعبر؛ وأما الطريق إلى واسط ثم إلى بغداد: فإنّ من أرّجان إلى سوق سنبيل مرحلة، ثم إلى رامهرمز مرحلتين، ثم من رامهرمز إلى عسكر مكرم ٣ مراحل، ومن عسكر مكرم إلى تستر مرحلة، ومن تستر إلى جنديسابور مرحلة، ومن جنديسابور إلى السوس مرحلة، ومن السوس إلى قرقوب مرحلة، ومن قرقوب إلى الطيب مرحلة، ويتصل بعمل واسط، ومن العسكر «١» إلى واسط طريق أخصر من هذا فلا يدخل تستر، ولكنّا ذكرنا هذا المسلك لأن قصدنا ذكر مسافة ما بين المدن، ولم نرد نفس الطرق إلى بغداد، فكان هذا أجمع لما أردنا أن نذكره. ومن العسكر إلى إيذج ٤ مراحل، ومن العسكر إلى الأهواز مرحلة، ومن الأهواز إلى أزم مرحلة، ومن الأهواز إلى الدورق ٤ مراحل، ومن عسكر مكرم إلى الدورق نحو هذا، ومن الأهواز إلى رامهرمز نحو ٣ مراحل أيضا، لأن الأهواز وعسكر مكرم فى سمت واحد، ورامهرمز منهما كإحدى زوايا المثلث، ومن عسكر مكرم إلى سوق الأربعاء مرحلة، وجبّى تحاذى سوق الأربعاء، ومن سوق الأربعاء إلى حصن مهدى مرحلة، ومن الأهواز إلى نهر تيرى يوم، ومن السوس إلى بصنّى أقل من مرحلة، ومن السوس إلى برذون مرحلة خفيفة، ومن السوس إلى متّوث «٢» مرحلة، فذلك جوامع المسافات بها.

стр. 78

بلاد فارس وأما فارس فالذى يحيط بها مما يلى الشرق حدود كرمان، ومما يلى الغرب كور خوزستان وأصبهان، ومما يلى الشمال المفازة التى بين فارس وخراسان وبعض حدود أصبهان، ومما يلى الجنوب بحر فارس، وصورة فارس على التربيع إلا من الزاوية التى تلى أصبهان، والزاوية التى تلى كرمان مما يلى المفازة، وفى الحد الذي يلاصق البحر تقويس قليل من أوله إلى آخره، وإنما وقع فى زاويتيها مما يلى كرمان وأصبهان زنقة، لأن من شيراز وهى وسط فارس إليهما من المسافة نحو نصف ما بين شيراز وخوزستان وبين شيراز وجروم كرمان. قد صوّرت بلاد فارس بحدودها، ولم أصوّر فيها رستاقا لانتشار «١» ذلك وكثرته، ولا الجبال لأنه ليس بفارس بلد إلا وبه جبل، أو يكون الجبل منه بحيث تراه إلا اليسير، وما صوّرت فيها إلا مدينة لها منبر مذكور مشهور «٢» ، وقد ذكرت فى الرسالة ما يعلم من قرأها موضع كل كورة برساتيقها ومواضع المدن بها إن شاء الله تعالى. ذكر ما بفارس من الكور والمدن والزموم والأحياء والحصون وبيوت النيران والأنهار والبحار. كور فارس خمس «٣» : فأوسعها عرصة «٤» وأكثرها مدنا ونواحى كورة اصطخر، ومدينتها اصطخر، وهى أكبر مدينة بهذه الكورة، وتليها فى الكبر كورة أردشير خرّه، ومدينتها جور، ويدخل فى هذه الكورة قباذخرّة، وبكورة أردشير خرّه مدن هى أكبر من جور مثل شيراز وسيراف، وإنما صارت جور هى مدينة أردشير خرّه لأنها بناء أردشير ودار ملكه، وشيراز وإن كانت قصبة فارس كلها وبها الدواوين ودار الإمارة فهى مدينة محدثة فى الإسلام، وتليها فى الكبر كورة دارابجرد ومدينتها دارابجرد، وفسا هى أكبر مدنها وأعمر، غير أن الكورة منسوبة إلى دار الملك، ومدينته التى ابتناها لهذه الكورة دارابجرد، وتليها فى الكبر أرّجان ومدينتها العظمى أرّجان، وليس بهذه الكورة مدينة أكبر من أرّجان، وتليها فى الكبر كورة سابور وهى أصغر كور فارس ومدينتها سابور، وبهذه الكورة مدن هى أكبر منها مثل النّوبنجان وكازرون، ولكن هذه الكورة

стр. 79

تنسب إلى سابور، لأن سابور الملك هو الذي بنى مدينة سابور. وأما زمومها «١» فهى خمسة: وأكبرها زمّ جيلويه ويعرف بزمّ الزميجان «٢» ، ثمّ الذي يلى هذا الزّم فى الكبر زمّ أحمد بن الليث ويعرف باللّوالجان، ويلى ذلك فى الكبر زمّ الحسين «٣» بن صالح ويعرف بزمّ الديوان، ثم زمّ شهريار ويعرف بزمّ البازنجان، والبازنجان الذين فى حدود أصبهان ناقلة من هذا الزمّ، وزمّ أحمد بن الحسن ويعرف بزمّ الكاريان وهو زمّ أردشير. وأما أحياء الأكراد فإنها تكثر فى الإحصاء، غير أنهم بجميع فارس يقال إنّهم يزيدون على خمسمائة ألف بيت شعر، ينتجعون المراعى فى المشتى والمصيف على مذاهب العرب، ويخرج من بيت واحد من الأرباب والأجراء والرعاء واتباعهم ما بين رجل «٤» واحد إلى عشرة من الرجال ونحو ذلك، وسأذكر من أسامى أحيائهم ما يحضرنى ذكره على أنهم لا يتقصّون فى العدد إلا من ديوان الصدقات «٥» . وأما أنهارها الكبار التى تحمل السفن إذا أجريت فيها فانها: نهر طاب ونهر شيرين ونهر الشّاذ كان ونهر درخيد ونهر الخوبذان ونهر رتين «٦» ونهر سكّان «٧» ونهر جرشيق ونهر الإخشين ونهر كرّ ونهر فرواب ونهر تيرزه. وأما بحارها فإنها بحر فارس وبحيرة البختكان وبحيرة دشت أرزن وبحيرة التوّز وبحيرة الجوبانان وبحيرة جنكان. وأما بيوت نيرانها فإنها لا تخلو ناحية ولا مدينة بفارس إلا القليل من بيوت النيران، والمجوس أكثر ملل أهل الكتاب بها، ولهم من هذه البيوت بيوت يفضّلونها فى التعظيم، وسنذكر ذلك. وأما حصونها فإن فى عامّة نواحى فارس حصونا، بعضها أمنع من بعض وأكثرها بناحية سيف بنى الصّفار. وسأفصل كل ما ذكرته مجملا، فأبتدىء بذكر ما فى كل كورة من النواحى التى تشتمل على القرى، وشهرت فى الدواوين بأعمال مفردة، ورساتيق مستقلة بضياعها، فمنها ما يخلو من المنابر ومنها ما بها منابر، وربّ كورة هى أكبر وأعرض ومدنها ونواحيها فى التسمية أقل مما هى «٨» أصغر منها، ثم اتبع ذلك بتفصيل كل ما ذكرته مجملا إن شاء الله. نواحى كورة اصطخر: ناحية يزد وهى أكبر ناحية منها، وبها من المدن كثه وهى القصبة، وميبد ونائين والفهرج

стр. 80

وليس فى هذه النواحى كلها ناحية بها أربع منابر غير هذه الناحية، وناحية الرّوذان كانت من كرمان فحولت إلى فارس، ويكون مقدار «١» هذه الناحية فى الطول نحوا من ستين فرسخا، وأبرقوه ومدينتها أبرقوه، وإقليد ومدينتها إقليد، والسّرمق، ومدينتها السرمق، والجوبرقان ومدينتها مشكان، والأرخمان ومدينتها الأرخمان، وجارين ليس بها منبر، وقوين ليس بها منبر، وطرخنيشان «٢» ليس بها منبر، وبوّان ومدينتها المريزجان، والرّهنان ليس بها منبر، وبرم مدينتان: أباذة وهى قرية عبد الرحمن ومهرزنجان «٣» ، وخوزستان وليس بها منبر، والبودنجان ومدينتها البودنجان- وهى قرية الآس، وصاهك الكبرى ولها منبر «٤» ، وصاهك الصغرى ليس بها منبر، ومروسف ليس بها منبر، وشهر فاتك ومدينتها شهر فاتك، وهراة ومدينتها هراة، والروذان ومدينتها الروذان وبها من المدن «٥» أبان وأناس «٦» وخبر، والأذكان ومدينتها الأذكان، وسرشك وليس بها منبر، والراذان ليس بها منبر، والبيضاء ومدينتها البيضاء، وهزار ومدينتها هزار، ومائين ومدينتها مائين، وأبرج «٧» ومدينتها أبرج، ونوبه «٨» ليس بها منبر، ورامجرد وليس بها منبر، والطسّوج ومدينتها خرّمة، والحيرة وبها منبر، والكاسكان وليس بها «٩» منبر، والمهرجاسقان ليس بها منبر، وجفوز ليس بها منبر، وحمر ليس بها منبر، والفاروق ليس بها منبر، والسرواب وبها منبر، وكمين وبها منبر، والرون ليس بها منبر، والأرد ومدينتها بجّه، وكرد ومدينتها كرد، وكلّار ليس بها منبر، وسروستان ليس بها منبر، والأوسبنجان ليس بها منبر، والسّردن ومدينتها اللّورجان، وأسلان ليس بها منبر، والبامان ليس بها منبر، والخمايجان السفلى ليس بها منبر. وأما نواحى كورة أردشير خرّة فإن شيراز هى مستقر العمال، ولها ثلاثة عشر طسّوجا، فى كل طسّوج قرى وعمارات متصلة، ينفرد كل طسوج بعمل فى الديوان مفرد، منها طسوج كفره العليا وطسّوج كفره السفلى طسّوج كبير، وطسّوج جويم، وطسّوج الدسكان، وطسوج تنبوك، وطسوج الكارنيان، وطسّوج الأشاربانان، وطسوج ابنديان، طسوج شاهمرنك، وطسوج شهرستان، وطسوج الطيريان، وطسوج خان، وبهذه الطساسيج منبران: أحدهما شيراز- وهى محدثة فى الإسلام من هذه الطساسيج: من الشاهمرنك ومن الطيريان ومن اشاربانان ومن

стр. 81

التنبوك ومن الكارنيان، وموضع المسجد الجامع والأسواق من شاهمرنك، وموضع دار الأمارة من الإشاربانان، وجويم بها منبر، وسائر نواحى أردشير خرّة: جور «١» ومدينتها جور، وميمند ومدينتها مائين، والصّيمكان ومدينتها الصيمكان، وخوار ليس بها منبر، والفرجان وليس بها منبر، والباسجان وليس بها منبر، والخنيفغان ليس بها منبر، وخبر وبها منبر، وهى غير خبر كورة اصطخر، والباذوان ليس بها منبر، وخورستان ومدينتها خورستان، والفوسجان ومدينتها الفوسجان، وهمند ليس بها منبر، وجيبرين ليس بها منبر، وهرمز ليس بها منبر، والتشكانات ليس بها منبر، والحسكان ليس بها منبر، وهمجان ليس بها منبر، والكوهكان «٢» ليس بها منبر، وكيزرين ليس بها منبر، وسيف بنى الصفّار ليس بها منبر، وفيها باسكوت وباورم سيف آل أبى زهير ليس بها منبر، وسيف عمارة ليس بها منبر- ويعرف بالجلندى، وكران ومدينتها كران، وسيراف وبها ثلاثة منابر: سيراف وهى القصبة ونجيرم وجمّ، ودشت بارين وقصبتها الغندكان «٣» ، وبها الفهلق مدينة، ودشت الدستقان ومدينتها صفارة، وتوّج ومدينتها توّج، والاغرستان ومدينتها الخربق، وكير ومدينتها كير، وكارزين ومدينتها كارزين، وأبزر «٤» ومدينتها أبزر، وسميران ومدينتها سميران، وكوار ومدينتها كوار، والكهرجان ليس لها مدينة «٥» . ومما فى البحر من الجزائر المنسوبة إلى كورة أردشير خرّة: جزيرة بنى كاوان وهى لافت وبها مدينة، وأوال وبها مدينة، وخارك وبها منبر. وأما نواحى كورة داربجرد: كرم وبها منبران: أحدهما اباذه والآخر كرد بجرد، والمصّ ومدينتها المصّ، وفسا ومدينتها فسا، وطمستان وبها منبر، والمحوّلة ليس بها منبر، والكردبان وبها منبر، وازبراه ومدينتها ازبراه، وسنان ومدينتها سنان، وجويم ومدينتها جويم، وجهرم ومدينتها جهرم، والفستجان وبها منبر، والدّاركان وبها منبر، وإيج وبها منبر، والاصطهبانان وبها منبر، ونيريز ومدينتها خيار، والمريزجان وبها منبر، والماروان وبها منبر، وخسوا «٦» ومدينتها روبنج، ورستاق الرستاق وبها منبر، وقنطرة ليس بها منبر، وسوانجان ليس بها منبر، وفرج وبها منبر، وتارم وبها منبر، والماسكانات وبها منبر، وشق الرستاق ليس بها منبر، وشق الروذ ليس بها منبر، وتالات ليس بها منبر، وشق الماسنان ليس بها منبر، ورمّ شهريار مدينتها الرمّ. وأما نواحى كورة سابور: سابور ومدينتها سابور «٧» ، كازرون ومدينتها الجنّجان، والكاسكان «٨»

стр. 82

ليس بها منبر، وجفته ليس بها منبر، ودزبز ليس بها منبر، وجروج ليس بها منبر، وخشت ليس بها منبر، وكمارج وبها منبر، وهنديجان «١» سابور وليس بها منبر، والتيرمردان ليس بها منبر، والزامجان ومدينتها الزامجان، والخوبذان ومدينتها الخوبذان، والنّوبنجان ومدينتها النوبنجان، وشعب بوّان ليس بها منبر، وتنبوك المورستان بها منبر، والجويخان ليس بها منبر، ودرخيد ليس بها منبر، وأنبوران ليس بها منبر، وجنبذ الملّجان ليس بها منبر، والمامغان ليس بها منبر، وآسك ليس بها منبر، وفرطاست ليس بها منبر، وبين ليس بها منبر «٢» ، كرو «٣» ليس بها منبر، وبادست ليس بها منبر، وبهلو وليس بها منبر، والبهبسكان ليس بها منبر، وأزادجرد ليس بها منبر، والروديجان ليس بها منبر، وكام فيروز ليس بها منبر، ولها خمسة رساتيق: ارز وبازر واشتادان وكا كان وآتشجاه، والمستجان ليس بها منبر، والزنجان ليس بها منبر، وبندر هبان ليس بها منبر، وخمايجان العليا ليس بها منبر، والسيسكان ليس بها منبر، ومورق ليس بها منبر، وداذين ليس بها منبر، ودوّان ليس بها منبر، وخرّة ومدينتها خرّة، وصرام «٤» ليس بها منبر. وأما نواحى كورة أرّجان: أرّجان ومدينتها أرّجان، وبازرنج ليس بها منبر، وبلاد سابور «٥» بها منبر، وريشهر بها منبر، وبنيان «٦» ليس بها منبر، وكهكاب ليس بها منبر، ودير أيوب ليس بها منبر، والملّجان ليس بها منبر، والسلجان ليس بها منبر، والجلّادجان ليس بها منبر، ودير العمر ليس بها منبر، وفرزك بها منبر، وهنديجان أرّجان ليس بها منبر، ومهروبان بها منبر، وجنّابة بها منبر، وشينيز بها منبر، وصوان النجس ليس بها منبر. وأما زمومها فإن لكل زمّ منها مدنا وقرى مجتمعة، قد ضمن خراج كل ناحية منها رئيس من الأكراد، وألزموا إقامة رجال لبذرقة «٧» القوافل وحفظ الطرق ونوائب السلطان إذا عرضت، وهى كالممالك. فأما زمّ جيلويه المعروف بالزميجان فإن مكانه فى الناحية التى تلى أصبهان، وهو «٨» يأخذ طرفا من كورة اصطخر، وطرفا

стр. 83

من كورة سابور، وطرفا من كورة أرّجان، فحدّ منه ينتهى إلى البيضاء، وحدّ منه ينتهى إلى حدود أصبهان، وحدّ منه ينتهى إلى حدود خوزستان، وحدّ منه ينتهى إلى ناحية سابور، وكل ما وقع فى هذا من المدن والقرى فمن هذا الزمّ؛ ويتاخمهم «١» فى عمل أصبهان البازنجان، وهم صنف من البازنجان الذين هم بزم شهريار، وليس من هؤلاء البازنجان أحد فى عمل فارس، إلا أن لهم بها قرى وضياعا كثيرة؛ وأما زمّ الديوان، المعروف للحسين ابن صالح وهو من كورة سابور، فإن حدا منه يلى أردشير خرّه، وثلاثة حدود تحيط «٢» بها كورة سابور، وكل ما كان من المدن والقرى فى أضعافها فهى منها؛ وأما زمّ اللّوالجان لأحمد بن الليث- وهو فى كورة أردشير خرّه، فحدّ منه يلى البحر، وتحيط بثلاثة حدود له كورة أردشير خرّه، وما وقع فى أضعافه من القرى والمدن فهو منه؛ وأما زمّ الكاريان فإن حدا منه إلى سيف بنى الصفّار، وحدّا منه إلى زمّ البازنجان، وحدا منه إلى حدود كرمان، وحدا منه إلى أردشير خرّه، وهى كلها فى أردشير خرّه. وأما أحياء الأكراد بفارس فهم: الكرمانيّة والرامانيّة ومدثر وحىّ محمد بن بشر والبقيليّة «٣» والبنداد مهريّة وحىّ محمد بن إسحاق والصباحيّة والإسحاقية والأذركانيّة والشهركيّة والطهمادهنيّة والزباديّة والشهرويّة والبندادكيّة «٤» والخسرويّة والزنجيّة والصفريّة والشهياريّة والمهركيّة والمباركيّة والاشتامهريّة والشاهونيّة والفراتيّة والسلمونيّة والصيريّة والازاددختيّة والبرازدختيّة والمطلبيّة والمماليّة والشاهاكانيّة والكجتيّة «٥» والجليليّة، فهؤلاء الذين حضرنى أسماؤهم «٦» ، ولا يتهيأ تقصّيهم إلا من ديوان الصدقات، ويقال إنهم يزيدون على خمسمائة ألف بيت، ويخرج من الحى الواحد ألف «٧» فارس إلى مائة فارس، وأقل من ذلك وأكثر، وينتجعون فى المشتى والمصيف على المرعى، إلا القليل منهم على حدود الصرود والجروم فلا ينتقلون، ولهم من العدّة والبأس والقوة بالرجال والدواب والكراع ما يستصعب على السلطان أمرهم- إذا أراد تحيّفهم «٨» ، ويزعمون أنهم من العرب، وهم أصحاب أغنام ورماك «٩» ، والإبل فيهم قليل، وليس للأكراد خيل إلا للبازنجان، الذين انتقلوا إلى حدّ أصبهان، وإنما دوابهم براذين، وهم على حسن حال ويسار، ومذاهبهم فى القنية «١٠» والنجعة مذاهب قبائل العرب وقبائل الأتراك «١١» ، وهم فيما يقال يزيدون على مائة حىّ، وإنما حضرنى نيّف وثلاثون حيا.

стр. 84

وأما حصون فارس فإن منها مدنا محصنة بحصن، ومنها حصون داخل المدينة وحواليها أرباض، ومنها قهندزات «١» فى مدن، ومنها حصون فى جبال منيعة، مفردة عن البنيان قائمة بأنفسها، وأما المدن المحصّنة فإنها إصطخر بها حصن حواليه ربض، ومدينة كثه بها حصن وربض؛ والبيضاء بها حصن وربض؛ والسّرمق بها حصن وربض وقهندز؛ وإقليد لها قهندز وربض، وقرية الآس لها قهندز وربض؛ وشيراز لها قهندز يسمى قلعة شهموبذ ولها ربض «٢» ؛ وجور عليها حصن وليس بها ربض، وكارزين «٣» لها قهندز وربض؛ وكير لها قهندز وربض؛ وأبزر لها قهندز وربض؛ وسميران لها قهندز وربض، وفسا لها حصن «٤» وربض؛ ودارابجرد لها حصن وربض؛ وروبنج لها حصن وربض؛ وسابور لها سور وليس «٥» لها ربض، والجنّجان لها حصن وليس لها ربض؛ جفتة لها حصن. وأما القلاع بها «٦» فإنّه يقال فيما بلغنى أن لفارس زيادة على خمس آلاف قلعة، مفردة فى الجبال وبقرب المدن وفى المدن، ولا يتهيّأ تقصّيها إلا من الدواوين، وكذلك ما ذكرناه من المدن المحصّنة فإنى لا أقدر على تقصّيها، وإنما أذكر جوامع ما أعرفه من ذلك، إلا أن فى هذه القلاع ما لم يذكر لأحد من الجبابرة أنه قدر على فتحها عنوة، منها قلعة ابن عمارة وتسمى قلعة الدّيكدان وتنسب إلى الجلندى، ولا يقدر أحد أن يرتقى إليها بنفسه، إلا أن يرقى به فى شىء من البجر «٧» ، وهى مرصد لآل عمارة فى البحر، ويعشّرون منها المراكب؛ وقلعة الكاريان على جبل طين، قصدها محمد بن واصل فى جيشه، فتحصن بها أحمد بن الحسن الأزدىّ فلم يقدر عليها؛ وقلعة سعيد أباذ برامجرد من كورة اصطخر، وهى على جبل شاهق المرتقى «٨» إليها فرسخ، وكانت فى الشرك تعرف بقلعة اسفندباذ، فلما كان فى الإسلام تحصّن فيها زياد بن أبيه أيام أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب ﵇ ونسبت إلى زياد، ثم تحصّن بها آخر أيام بنى أمية منصور بن جعفر وكان واليا على فارس، فنسبت القلعة إليه فعرفت بقلعة منصور، فتعطلت مدة ثم بناها محمد بن واصل الحنظلى فنسبت القلعة إليه- وكان واليا على فارس؛ فلما أخذه يعقوب بن الليث لم يقدر على فتحها إلا بأمر محمد بن واصل، فخرّبها ثم احتاج إليها فأعاد بناءها، وجعلها محبسا لمن سخط عليه؛ وقلعة إشكنوان من رستاق مائين المرتقى إليها صعب، وهى منيعة جدا وفيها عين ماء جار؛ وقلعة جوذرز صاحب كيخسرو بموضع يسمى السويقة من كام فيروز وهى منيعة جدا؛ وقلعة الجصّ بناحية أرّجان فيها مجوس، وباد كذارات الفرس وأيامهم تتدارس فيها «٩» ، وهى منيعة جدا؛ وقلعة إيرج وهى منيعة جدا؛ وأما القلاع المنيعة التى يقدر على الاحتيال لفتحها فهى أكثر من أن يبلغها حفظى.

стр. 85

وأما بيوت نيران فارس فتكثر عن إحصائى وحفظى، إذ ليس من بلد ولا رستاق ولا ناحية إلا وبها عدد كثير من بيوت النيران إلا القليل، غير أن المشاهير التى تفضل على غيرها فى التعظيم- منها بيت نار الكاريان ويعرف ببارنوا، وبيت نار بخرّه ينسب إلى دارا بن دارا، وبه يحلف المجوس فى المبالغة بأيمانهم، وبيت نار عند بركة جور ويسمى بارين، وحدّثنى من رأى به قد كتب عليه بالفهلوية أنه أنفق عليه ثلاثون ألف درهم «١» ؛ وبيت نار على باب سابور يعرف بشبر خشين؛ وبيت نار بباب سابور أيضا على باب ساسان يعرف بجنبذ كاوس؛ وبكازرون بيت نار يعرف بجفته؛ وبكازرون أيضا بيت نار يعرف بكلازن؛ وبشيراز أيضا بيت نار يعرف بالكارنيان، وبشيراز بيت نار آخر يعرف بهرمز، وعلى باب شيراز بقرية تعرف بالبركان بيت نار يعرف بالمسوبان «٢» . ومن دين المجوس أن المرأة إذا زنت فى حملها أو حيضها لم تطهر، إلا بأن تأتى هذه النار فتتعرى لبعض الهرابذة فتطهر ببول البقر. وأما أنهار فارس فإنها: نهر طاب يخرج من جبال اصبهان بقرب البرج، فيصب إلى نهر مسن، وهو نهر يخرج من حدود اصبهان فيظهر «٣» بناحية السّردن، فيجتمعان عند قرية تدعى مسن، ثم يجرى إلى باب أرّجان تحت قنطرة تكان، وهى قنطرة بين فارس وخوزستان، فيسقى رستاق ريشهر، ثم يقع فى البحر عند حدّ تستر. وأما نهر شيرين فمخرجه من جبل دينار الذي بناحية بازرنج، فيسقى فرزك والجلادكان، ثم يخترق حتى يقع فى البحر نحو جنّابة، وأما نهر الشاذكان فإنه يخرج من بازرنج وجبالها، حتى يدخل تنبوك مورستان وخان حماد، فيسقى رستاق زيزانزد ونائين والكهركان، ثم يمتد إلى دشت الدستقان ثم يدخل «٤» فى البحر. وأما نهر درخيد فإنه يخرج «٥» من جبال الجويخان فيقع فى بحيرة درخيد. وأما نهر الخوبذان فإنه يخرج من الخوبذان فيسقى الخوبذان وانبوران، ثم ينصب إلى الجلادجان متعرجا فيقع فى البحر. وأما نهر رتين فيخرج من خمايجان العليا حتى يصير بالزّيريان فيقع فى نهر سابور، ثم ينحدر من نهر سابور فيمضى إلى توّج، فيمر ببابها ومنها إلى البحر. ونهر إخشين يخرج من خلال «٦» جبال داذين، فإذا بلغ الجنقان وقع فى نهر توّج. وأما نهر سكّان فإنه يخرج من رستاق الرّويحان من قرية تدعى شاذفرى فيسقى زروعها، ثم ينحدر إلى رستاق سياه فيسقيها، ومنها إلى كوار فيسقيها، ومنها إلى خبر فيسقيها، ثم إلى الصّيمكان فيسقيها، ثم إلى كارزين فيسقيها، ثم إلى قرية تسمى سكّ- وينسب هذا الوادى إلى سكّ، ثم يقع فى البحر، وليس فى أنهار

стр. 86

فارس نهر أكثر عمارة من هذا النهر. وأما نهر جرشيق فإنه يخرج من رستاق ماصرم «١» ، ويخترق رستاق المشجان حتى يجرى تحت قنطرة حجارة عادية- تعرف بقنطرة سبوك، حتى يدخل رستاق خرّه فيسقيها، ثم إلى رستاق داذين ويقع فى نهر اخشين؛ وأما نهر الكرّ فإنه يخرج من كروان من حدود الأرد- وينسب إلى كروان هذا النهر، فيخرج من شعب بوّان ثم يسقى رستاق كام فيروز، وينحدر فيسقى قرية رامجرد وكاسكان والطسّوج، وينتهى إلى بحيرة بجفوز وتسمى بحيرة البختكان، ويقال إن له منبعا يخرج من بعض كور درابجرد فينتهى إلى البحر. وأما نهر فرواب فإنه يخرج من الجوبرقان، من قرية تعرف «٢» بفرواب، فيجرى على باب اصطخر تحت قنطرة خراسان حتى يسقط إلى نهر الكر، ومنها نهر يعرف بتيرزه، يخرج من ناحية دارجان سياه فيسقى رستاق الجنيفغان وجور، حتى يخترق رساتيق أردشير خرّه ثم يقع فى البحر؛ وأما الأنهار التى تقصر عن هذا المقدار فى العظم فإنها تكثر عن إحصائى. وأما بحار فارس فإن منها بحر فارس، وهو خليج من البحر المحيط فى حد الصين وبلد الواق واق، حتى يجرى على حدود بلدان الهند والسند وكرمان إلى فارس، وينسب هذا البحر من بين سائر الممالك التى عليه إلى فارس، لأنه ليس عليه مملكة أعمر منها، ولأن ملوك الفرس كانوا على قديم الزمان أقوى سلطانا، وهم المستولون إلى يومنا هذا على ما بعد وقرب من شطوط هذا البحر «٣» . ومن بحيراتها التى تحيط بها القرى والعمارات بحيرة البختكان، التى يقع فيها نهر الكرّ، وهى من ناحية جفوز إلى قرب كرمان «٤» ، فيكون طولها نحو عشرين فرسخا، وماؤها مالح وينعقد فيها الملح، وحواليها مسبع، وتحيط بها رساتيق وقرى، وهى فى كورة اصطخر؛ وبحيرة بدشت أرزن من كورة سابور، طولها نحو عشرة فراسخ، وماؤها عذب، وربما تجف حتى لا يبقى فيها من الماء إلا القليل، وربما امتلأت نحو عشرة فراسخ، وتحتفّ بها القرى والعمارات، وعامة سمك شيراز منها؛ وبحيرة توّز من كورة سابور بقرب كازرون، وطولها نحو عشرة فراسخ إلى قرب مورق، وماؤها مالح وفيها صيد كثير ومنافع «٥» ، وبحيرة الجنكان مالحة، طولها نحو اثنى عشر فرسخا، ويرتفع من أطرافها الملح، وحواليها قرى الكهرجان، وهى من أردشير خرّه أولها من شيراز على فرسخين وآخرها حدّ خوزستان، وبحيرة الباسفويه «٦» - التى عليها دير الباسفوية «٧» - طولها نحو ثمانية فراسخ، وماؤها مالح وصيدها كثير، وفى أطرافها آجام كثيرة، فيها قصب وبردىّ

стр. 87

وحلفاء، وغير ذلك مما ينتفع به أهل شيراز، وهي في كورة اصطخر متاخمة للزرقان من رستاق هراة. صفة معظم المدن فى مقاديرها وأبنيتها ونحو ذلك: أما اصطخر فهى مدينة وسطة وسعتها مقدار ميل، وهى من أقدم مدن فارس وأشهرها، وبها كان مسكن ملوك «١» فارس، حتى حوّل أردشير الملك إلى جور، ويروى فى الأخبار أن سليمان بن داود ﵇ كان يسير من طبريّة إليها من غدوة إلى عشية، وبها مسجد يعرف بمسجد سليمان، ويزعم قوم من عوام الفرس الذين لا يرجعون إلى تحقيق- أن جم الذي كان قبل الضحّاك هو سليمان، وكان في قديم الأيام على اصطخر سور قد تهدّم، وبناؤهم من الطين والحجارة والجصّ على قدر يسار البانى، وقنطرة خراسان خارج من المدينة على بابها مما يلى خراسان، إلا أن وراء القنطرة أبنية ومساكن ليست بقديمة. وأما سابور فإنها مدينة بناها سابور الملك، وهى فى السعة نحو من اصطخر إلا أنها أعمر وأجمع للبناء «٢» وأيسر أهلا، وبناؤها نحو بناء اصطخر، وبها وباصطخر وباء، إلا أن خارج المدينة صحيح الهواء؛ وأما دارابجرد فإنها من بناء دارا، ولذلك سميت دارابجرد، وتفسيرها عمل دارا، وعليها سور عامر جديد «٣» مثل سور جور، وعليها خندق تتولد المياه فيه من النزّ والعيون، وفى هذا الماء حشائش، إن دخله إنسان أو دابّة التفّت عليه، فلا يتهيأ له عبوره، ولا يكاد يسلم إلا على شدة، ولها أربعة أبواب، وفى وسط المدينة جبل حجارة كأنّه قبة، ليس له اتصال بشىء من الجبال، وبنيانهم من طين، وليس بها فى زماننا كثير من أثر العجم، وأما جور فإنها من بناء أردشير، ويقال إن مكانها كان ماء واقفا كالبحيرة، فنذر أردشير أن يبنى مدينة على المكان الذي يظفر فيه بعدوّه، ويبتنى فيها بيت نار، فظفر هناك فاحتال فى إزالة ماء ذلك المكان بما فتح من مجارية، فبنى بذلك المكان جور، وهى قريبة فى السعة من اصطخر وسابور ودارابجرد، وعليها سور عامر من طين وخندق، ولها أربعة أبواب: باب مما يلى المشرق يسمى باب مهر، ومما يلى المغرب باب بهرام، ومما يلى الشمال باب هرمز، ومما يلى الجنوب باب أردشير، وفى وسط المدينة بناء مثل الدكة يسمى الطّربال، ويعرف بلسان الفرس بأيوان، وكياخرّة وهو بناء بناه أردشير، ويقال إنه كان من الارتفاع بحيث يشرف منه الإنسان على المدينة جميعها «٤» ورساتيقها، وبنى أعلاه بيت نار، واستنبط بحذائه من جبل ماء حتى أصعده إلى أعلى هذا الطربال كالفوّارة، ثم ينزل فى مجرى آخر، وهو بناء من جصّ وحجارة، وقد استعمل الناس أكثره وخرب، حتى لم يبق منه شىء «٥» إلا اليسير، وفى المدينة مياه جارية، وهى مدينة نزهة جدا، يسير الرجل منها من كل باب نحوا من فرسخ فى بساتين وقصور. فأما مدينة شيراز فإنها مدينة إسلامية ليست بقديمة،

стр. 88

وإنما بنيت فى الإسلام، بناها محمد بن القاسم بن أبى عقيل ابن عم الحجاج بن يوسف، وسميت بشيراز تشبيها بجوف الأسد، وذلك أن عامة المير «١» بتلك النواحى تحمل إلى شيراز «٢» ، ولا تحمل منها إلى مكان، وكانت معسكرا للمسلمين لمّا أناخوا على فتح اصطخر، فلما فتحوا اصطخر نزل بهذا المكان فجعل معسكر فارس، وبناها مدينة، وهى نحو من فرسخ فى السعة، وليس عليها سور، وهى مشتبكة البناء كثيرة الأهل، بها شحنة الجيش لفارس أبدا، ودواوين فارس وعمالها وولاة الحرب فيها؛ وأما كارزين فإنها مدينة صغيرة نحو الثلث من اصطخر، ولها قلعة، وليست من الكبر وقوة الأسباب بحيث يجب ذكرها، إلا أنّا ذكرناها لأنها قصبة كورة قباذخره. ومن أجلّ المدن التى بكورة اصطخر مما يلى خراسان كثه وهى حومة يزد «٣» ، وأبرقوه، وبناحية كرمان الرّوذان، وهرية من شق كرمان، ومن ناحية أصبهان كرد والسّردن، وأما كثه وهى حومة يزد فإنها مدينة على طرف المفازة، ولها طيب هواء البرّية وصحته وخصب المدن الجليلة، ولها رساتيق تشتمل على خصب ورخص، والغالب على أبنيتها آزاج الطين، ولها مدينة محصنة بحصن، وللحصن بابان من حديد، يسمى أحدهما باب إيزد والآخر باب المسجد لقربه من الجامع، وجامعها فى الربض، ومياههم من القنى، إلا نهرا لهم يخرج من ناحية القلعة، من قرب قرية فيها معدن الآنك «٤» ، وهى نزهة جدا، ولها رساتيق عريضة خصبة، وهى ورساتيقها كثيرة الثمار تفضل لكثرتها مما يحمل إلى أصبهان وغيرها، وجبالهم كثيرة الشجر والنبات، الذي يحمل منها إلى الآفاق، وخارج المدينة ربض يشتمل على أبنية وأسواق تامة العمارة، والغالب على أهلها الأدب والكتابة. وأما أبرقوه فإنها مدينة محصنة كثيرة الزحمة تكون نحو الثلث من اصطخر، وهى مشتبكة البناء والغالب على بنائها وبناء يزد الآزاج، وهى قرعاء ليس حواليها شجر ولا بساتين، إلا فيما بعد عنها، وهى خصبة رخيصة الأسعار. وأما الرّوذان فإنها قريبة من أبرقوه فى الشبه فيما وصفنا. وأما هراة فهى أكبر من أبرقوه، وهي في الأبنية وسائر ما وصفنا مقاربة لأبرقوه، إلا أن لها مياها وثمارا كثيرة تفضل عن أهلها، فتحمل إلى النواحى. وأما كرد فإنها أكبر من أبرقوه، وأرخص سعرا وأخصب، وبناؤهم من طين، وهى كثيرة القصور. والسّردن أخصب منها وأرخص سعرا، وهى كثيرة الأشجار. والبيضاء أكبر مدينة فى كورة اصطخر، وإنما سميت البيضاء لأن لها قلعة تبص من بعد ويرى بياضها، وكان بها معسكر المسلمين يقصدونها فى فتح اصطخر، فأما اسمها بالفارسية فهو نشاتك «٥» ، وهى مدينة تقارب فى الكبر اصطخر، وبناؤهم من طين، وهى تامة العمارة خصبة جدا، يتسع أهل شيراز بميرتهم.

стр. 89

وأما كورة سابور فإن معظم مدنها كازرون وخرّة والنوبنجان، وأبنيتها وأبنية سائر هذه المدن من طين، ويستعمل فيها الجص والحجارة أيضا، وهى من العمران والسّعة والخصب واشتباك الأبنية على التمام. وأما كازرون والنوبنجان فهما متقاربتان فى الكبر، إلا أن بناء كازرون أوثق وأكثر قصورا وأصح تربة وهواء، وليس بجميع فارس أصح هواء وتربة من كازرون، ومياههم من الآبار، وهى مدينة خصبة واسعة الثمار، وأخصب مدن كورة سابور كازرون، والنوبنجان أكبر منها. وأما كورة دارابجرد فإن أكبر مدنها فسا، وهى مدينة مفترشة البناء واسعة الشوارع، تقارب فى الكبر شيراز إلا أنها أصح هواء من شيراز، وأوسع أبنية منها، وبناؤهم من طين، وأكثر الخشب فى أبنيتهم السرور، وهى مدينة قديمة، ولها مدينة عليها حصن وخندق ولها ربض وأسواقها فى ربضها، وهى مدينة يجتمع فيها ما يكون فى بلاد الصرود والجروم، من الثلج والرطب والجوز والأترجّ وغير ذلك؛ وأما سائر المدن من كورة دارابجرد فإنها كلها عامرة خصبة. وأما مدن أردشير خرّه فإنّا قد ذكرنا جور وشيراز، وأكبر مدينة بها بعد شيراز سيراف، وهى تقارب شيراز فى الكبر، وبناؤهم بالساج وخشب يحمل من بلاد الزنج، وأبنيتهم طبقات، وهى على شفير البحر مشتبكة البناء كثيرة الأهل، يبالغون فى نفقات الأبنية، حتى إنّ الرجل من التجار لينفق على داره زيادة عن ثلاثين ألف دينار، وليس حواليها بساتين وأشجار، وإنما سعتهم «١» وفواكههم وأطيب مياههم من جبل مشرف عليهم يسمى جمّ، وهو أعلى جبل بقربها يشبه الصرود، وسيراف أشد تلك المدن حرا. وأما أرّجان فإنها مدينة كبيرة كثيرة الخير، بها نخيل كثيرة وزيتون وفواكه الجروم، وهى بريّة بحريّة سهلية جبليّة، وماؤها سيح، وبينها وبين البحر مرحلة؛ وأكبر مدن فارس شيراز، ثم تليها فى الكبر فسا، ثم تليها فى الكبر سيراف، وتلى سيراف فى الكبر أرّجان، وتلى تلك «٢» توّج وسابور واصطخر وكثه ودارابجرد وجور وجنّابة والنّوبنجان «٣» والغندجان، وهى متقاربة فى الكبر؛ وتوّج مدينة شديدة الحر فى وهدة، بناؤها طين، وهى كثيرة النخيل؛ والنّوبنجان مدينة حارة فيها نخيل قليلة، وبقربها شعب بوّان مقدار فرسخين قرى ومياه متصلة، قد غطت الأشجار تلك القرى حتى لا يراها الإنسان إلا أن يدخلها، وهى أنزه شعب بفارس، وهى من الصرود. وجنّابة وسينيز «٤» ومهروبان على البحر شديدة الحر، وبها نخيل وما يكون فى الجروم من الفواكه. وسنذكر المسافات بفارس:

стр. 90

فالطريق من شيراز إلى سيراف: من شيراز إلى كفره- قرية- ٥ فراسخ، ومن كفره إلى بخر- قرية- ٥ فراسخ، ومن بخر إلى كوار غلوة، وهى مقسم ماء مدينة كوار، ومن بخر إلى البنجمان- قرية- ٤ فراسخ، ومن البنجمان إلى جور «١» مدينة ٦ فراسخ، ومن جور إلى دشت شوراب ٥ فراسخ، ومنها إلى خان آزادمرد ٦ فراسخ، وهو خان فى صحراء قدرها ٣ فراسخ كلها نرجس مضعف، ومن خان آزادمرد إلى كيرند- قرية- ٦ فراسخ، ومن كيرند إلى مي- قرية- ٦ فراسخ، ومن مى إلى رأس العقبة بادركان خان ٦ فراسخ، ومن بادركان خان إلى بركانة خان ٤ فراسخ، ومن بركانة إلى سيراف- مدينة- نحو ٧ فراسخ، فذلك ستون فرسخا. والطريق من شيراز إلى إلى كثه حومة يزد- وهو طريق خراسان- فمن شيراز إلى الزرقان- قرية- ٦ فراسخ، ومن الزرقان إلى اصطخر- مدينة- ٦ فراسخ، ومن اصطخر إلى بير- قرية- ٤ فراسخ، ومن بير إلى كهمند- قرية- ٨ فراسخ، ومن كهمند إلى قرية بيد ٨ فراسخ، ومن قرية بيد إلى أبرقوه- مدينة- ١٢ فرسخا، ومن أبرقوه إلى قرية الأسد ١٣ فرسخا، ومن قرية الأسد إلى قرية الجوز ٦ فراسخ، ومن قرية الجوز إلى قلعة المجوس- قرية- ٦ فراسخ، ومن قلعة المجوس إلى مدينة كثه حومة يزد ٥ فراسخ، ومن يزد إلى مكان «٢» يسمى آبخيزه ٦ فراسخ، وآبخيزه مكان ليس بقرية، وإنما هى صحراء فيها أصول تين، وهو آخر عمل فارس، فذلك ثمانون فرسخا. والطريق من شيراز إلى جنّابة: فمن شيراز إلى خان الأسد- وهو على نهر السّكّان- ٦ فراسخ، ومن الخان إلى دشت أرزن- خان- ٤ فراسخ، ومن دشت أرزن إلى تيره- قرية- ٤ فراسخ، ومن تيره إلى كازرون- مدينة- ٦ فراسخ، ومن كازرون إلى قرية دزبز ٤ فراسخ، ومن قرية دزبز إلى رأس العقبة- خان- ٤ فراسخ، ومن رأس العقبة إلى توّج- مدينة- ٤ فراسخ، ومن توّج إلى جنّابة- مدينة- ١٢ فرسخا، فذلك أربعة وأربعون فرسخا. والطريق من شيراز إلى الشيرجان: فمن شيراز إلى اصطخر ١٢ فرسخا، ومن اصطخر إلى زياداباذ- قرية- وهو من رستاق جور «٣» - ٨ فراسخ، ومن زياداباذ إلى كلوذر- قرية- وهو مرصد ٨ فراسخ، ومن كلوذر إلى الجوبانان- قرية وبها بحيرة- ٦ فراسخ، ومن الجوبانان إلى قرية عبد الرحمن ٦ فراسخ، وهى مدينة تسمى أباذه، ومن قرية عبد الرحمن إلى قرية الآس- مدينة وتسمى البودنجان- ٦ فراسخ، ومن قرية الآس إلى صاهك الكبرى- مدينة- ٨ فراسخ، ومن صاهك إلى رباط السّرمقان- رباط- ٨ فراسخ، ومن رباط

стр. 91

السرمقان إلى پشت خم- رباط أيضا- ٩ فراسخ، ومن پشت خم إلى الشيرجان- مدينة كرمان- ٩ فراسخ، ورباط السرمقان من فارس وما بعده من كرمان، فذلك من شيراز إلى حد السرمقان اثنان وستون فرسخا» . والطريق من شيراز إلى جروم كرمان: فمن شيراز إلى خان ميم- قرية من رستاق الكهرجان- ٧ فراسخ «٢» ، ومنه إلى خوزستان- مدينة- ٧ فراسخ «٣» ، ومن خوزستان إلى منزل يعرف بالرباط ٤ فراسخ «٤» ، ومن الرباط إلى كرم- مدينة- ٤ فراسخ، ومن كرم «٥» إلى فسا- مدينة- ٥ فراسخ. ومن فسا إلى طمستان- مدينة- ٤ فراسخ، ومن طمستان إلى جومة الفستجان- مدينة- ٦ فراسخ، ومن الفستجان إلى الداركان «٦» ٤ فراسخ، ومن الداركان إلى المريزجان- مدينة- ٤ فرسخ، ومن المريزجان إلى سنان- مدينة- ٤ فراسخ، ومن سنان إلى دارابجرد- مدينة- ٥ فرسخ. ومن دارابجرد إلى زم المهدى- مدينة- ٥ فراسخ، ومن الزم إلى رستاق الرستاق- مدينة- ٥ فراسخ، ومن رستاق الرستاق إلى فرج- مدينة- ٨ فراسخ، ومن فرج إلى تارم- مدينة- ١٤ فرسخا، فذلك من شيراز إلى تارم اثنان وثمانون فرسخا. الطريق من شيراز إلى أصبهان: من شيراز إلى هزار- مدينة- ٧ فراسخ، ومن هزار إلى مائين- مدينة- ٦ فراسخ، ومن مائين إلى كنسا- مرصد- ٦ فراسخ، ومن كنسا إلى كنار- قرية- ٤ فراسخ، ومن كنار إلى قصر أعين- قرية- ٧ فراسخ، ومن قصر أعين إلى اصطخران- قرية- ٧ فراسخ، ومن اصطخران إلى خان أويس- قرية- ٧ فراسخ، ومن خان أويس إلى كوژ- قرية- ٧ فراسخ، ومن كوژ إلى كره ٨ فراسخ، ومن كره إلى خان لنجان- قرية- ٧ فراسخ، ومن خان لنجان إلى أصبهان ٧ فراسخ؛ وحد فارس إلى خان أويس من شيراز إليها ثلاثة وأربعون فرسخا، فذلك من شيراز إلى أصبهان اثنان وسبعون فرسخا. الطريق من شيراز إلى خوزستان: فمن شيراز إلى جويم ٥ فراسخ، ومن جويم إلى خلان- قرية-

стр. 92

٤ فراسخ، ومن خلان إلى الخرارة- قرية كبيرة قليلة الماء «١» - ٥ فراسخ، ومن الخرارة إلى الكركان- قرية- «٢» ٥ فراسخ، ومن الكركان إلى النوبنجان- مدينة كبيرة- ٦ فراسخ، ومن النوبنجان إلى الخوروان- قرية- ٤ فراسخ، ومن الخوروان إلى درخيد- قرية- ٤ فراسخ، ومن درخيد إلى خان حمّاد- قرية- ٤ فراسخ، ومن خان حمّاد إلى بندك- قرية- ٨ فراسخ، ومن بندك إلى قرية العقارب- وتعرف نهير «٣» - ٤ فراسخ، ومن هير إلى راسين ٤ فراسخ، ومن راسين إلى أرّجان ٧ فراسخ، ومن أرّجان إلى سوق سنبيل ٦ فراسخ، والحد بينهما قنطرة تكان تكون من أرّجان على غلوة، فذلك من شيراز إلى أرّجان ستون فرسخا. فأما المسافات بين المدن الكبار بفارس: فمن فسا إلى كارزين ١٨ فرسخا، ومنها إلى جهرم ١٠ فراسخ، ومن فسا «٤» إلى كارزين ٨ فراسخ، وقد مرّ أن من شيراز إلى اصطخر ١٢ فرسخا، ومن شيراز إلى كوار ١٠ فراسخ، ومن شيراز إلى جور ٢٠ فرسخا، ومن شيراز إلى فسا ٢٧ فرسخا «٥» ، ومن شيراز إلى البيضاء ٨ فراسخ، ومن شيراز إلى دارابجرد ٥٠ فرسخا، وقد مرّ أن من شيراز إلى سيراف ٦٠ فرسخا، ومن شيراز إلى النوبنجان ٢٥ فرسخا، ومن شيراز إلى يزد ٧٤ فرسخا، ومن شيراز إلى توّج ٣٢ فرسخا، ومن شيراز إلى جنّابة ٥٤ فرسخا «٦» ، ومنها إلى أرّجان ٦٠ فرسخا، وقد مرّ ذلك، ومنها إلى سابور ٢٥ فرسخا، ومن شيراز إلى كازرون ٢٠ فرسخا «٧» ، ومن شيراز إلى خرّه ٢٥ فرسخا، ومن شيراز إلى خرّمة ١٤ فرسخا، ومن شيراز إلى جهرم ٣٠ فرسخا، ومن جور إلى كازرون «٨» ١٦ فرسخا، ومن سيراف إلى نجيرم ١٢ فرسخا، ومن مهروبان إلى حصن ابن عمارة- وهو طول فارس على البحر- نحو ١٦٠ فرسخا؛ والذي يحيط بالمفازة من حدّ كرمان إلى حد اصبهان من الروذان إلى أبان ١٨ فرسخا، ومن أبان إلى فهرج ٢٥ فرسخا، ومن فهرج إلى كثه ٥ فراسخ، ومن كثه إلى ميبد ١٠ فراسخ، ومن ميبد إلى عقدة ١٠ فراسخ، ومن عقدة إلى نائين ١٥ فرسخا، ومن نائين إلى اصبهان ٤٥ فرسخا «٩» ، فمن روذان إلى نائين ثلاثة وثمانون فرسخا. ومسافة الحدّ الذي يلى كرمان: من حد السيف من لدن حصن ابن عمارة

стр. 93

إلى أن ينتهى إلى تارم، ثم يمتد إلى الروذان حتى ينتهى إلى برية خراسان، مثل ما من البحر على خط شيراز إلى أن ينتهى ألى مفازة خراسان وهو ١٢٠ فرسخا؛ والحد الذي يلى خوزستان ومهروبان حتى ينتهى إلى أرّجان وبلاد سابور والسّردن إلى أول حدّ اصبهان نحو ٦٠ فرسخا. ذكر الماء والهواء والتربة بفارس. أرض فارس مقسومة على خط من لدن أرّجان إلى النوبنجان إلى كازرون إلى خرّه، تمر على حدود السيف إلى كارزين «١» ، حتى تمتد إلى الزموم ودارابجرد إلى فرج وتارم، فما كان من ناحية الجنوب فجروم، وما كان يلى الشمال فصرود، ويقع فى جرومها أرّجان والنوبنجان ومهروبان وشينيز وجنّابة وتوّج ودشت الدستقان وخرّه وداذين ومورق «٢» وكازرون «٣» ودشت بارين وجيبرين ودشت البوسقان وزم اللّوالجان وكيرزين وأبرز «٤» وسميران وخمايجان والخربق وكران وسيراف «٥» ونجيرم وحصن ابن عمارة وما فى أضعاف ذلك. ويقع فى الصرود اصطخر والبيضاء ومائين وايرج وكام فيروز وكرد وكلّار وسروستان والاوسبنجان والارد والرون وصرام وبازرنج والسردن وخرّمة والحيرة والنّيريز والماسكانات والإيج والاصطهبانان «٦» وبرم ورهنان وبوّان وطرخنيشان والجوبرقان واقليد والسّرمق وأبرقوه ويزد وجارين ونائين وما أضعاف ذلك. وعلى الحد مدن فيها ما فى الصرود والجروم من النخيل والجوز، مثل فسا وجور وشيراز وسابور والنوبنجان وكازرون. فأما الصرود فإن فيها أما كن يبلغ من شدة البرد فيها ألا ينبت عندهم شىء من الفواكه سوى الزرع، كالأرد والرون وكرد والرساتيق الاصطخرية والرهنان؛ وأما الجروم فإن بها ما يبلغ من شدة الحر فى الصيف الصائف ألا يثبت «٧» عندهم شىء من الطيور من شدة الحر، مثل الاغرستان وهى رستاق، ولقد خبرنى بعض الناس أنه كان فى بيت يشرف على واد فيه حجارة، فرأى نصف النهار تتفلّق فيه الحجارة كما تتفلّق فى النار؛ والصرود كلها صحيحة الهواء، والجروم الغالب عليها فساد الهواء وتغيير الألوان، وليس فيها أكثر وباء من مدينة دارابجرد ثم توّج، وأصح الهواء فى الجروم أرّجان وسيراف وجنّابة وشينيز، وأعدل هذه المدن ما كان فى هذين الحدّين مثل شيراز وفسا وكازرون وجور وغير ذلك، وليس بجميع فارس هواء أصح من هواء كازرون، ولا أصلح أبدانا وبشرة من أهلها. وأما المياه فإن أصح المياه بها ماء نهر كرّ، وأردأ المياه ماء دارابجرد.

стр. 94

ذكر صور أهل فارس وزيّهم ولسانهم «١» وأديانهم. أما صورهم فإن أهل الجروم الغالب على خلقتهم نحافة الخلق «٢» ، وخفة الشعر وسمرة اللون، وأهل الصرود أعبل «٣» أجساما وأكثر شعورا وأشد بياضا؛ ولهم ثلاثة ألسنة: الفارسية التى يتكلمون بها، وجميع أهل فارس يتكلمون بلغة واحدة يفهم بعضهم عن بعض، إلا ألفاظا تختلف لا تستعجم على عامّتهم، ولسانهم الذي به كتب العجم «٤» وأيامهم ومكاتبات المجوس فيما بينهم هو الفهلوية، التى تحتاج إلى تفسير حتى يعرفها الفرس، ولسان العربية به «٥» مكاتبات السلطان والدواوين وعامة الناس وأمراؤهم «٦» ؛ وأمّا زيّهم فإن زىّ السلطان بها الأقبية، وربما لبسوا الدراريع «٧» التى هى أوسع فرجة، وأعرض جربّانا «٨» وجيوبا من دراريع الكتّاب، والعمائم التى تحتها قلانس مرتفعة، ويلبسون السيوف بحمائل، وفى أوساطهم المناطق، وخفافهم تصغر عن خفاف أهل خراسان. وأما قضاتهم فإنهم يلبسون الدّنيّات، وما أشبهها من القلانس المشمّرة عن الأذنين مع الطيالسة والقمص والجباب، ولا يلبسون درّاعة ولا خفا بكسر ولا قلنسوة تغطى الأذنين. وأما زى الكتّاب فإنهم يلبسون الدراريع والعمائم، فإن لبسوا تحت العمائم قلانس جعلوها خفيّة، توقى الوسخ ولا تظهر، ويلبسون الخف المكسّر ألطف من خف السلطان، ولا يلبسون قباء ولا طيالسة. وأما التنّاء «٩» والتجار والملوك فلباسهم شىء واحد، من الطيالسة والعمائم والخفاف التى لا كسر فيها والقمص والجباب والمبطّنات، وإنما يتفاضلون فى الجودة فى الملابس، فأما الزىّ فواحد، وزيّهم زىّ أهل العراق. وأما أخلاق ملوكهم والتنّاء منهم والمخالطين للسلطان من عمال الدواوين وغيرهم «١٠» فالغالب عليهم استعمال المروّة فى أحوالهم، والنزاهة عما يقبح به الحديث من الأخلاق الدنيّة، والمبالغة فى تحسين دورهم ولباسهم وأطعمتهم، والمنافسة فيما بينهم فى ذلك. والآداب الظاهرة فيهم؛ وأما تجارهم فالغالب عليهم محبة جمع المال والحرص «١١» ؛ فأما أهل سيراف والسواحل فإنهم يسيرون فى البحر حتى ربما غاب أحدهم عامة عمره فى البحر، ولقد بلغنى أن رجلا من سيراف ألف البحر، حتى ذكر أنه لم يخرج من السفينة نحوا من أربعين سنة، وكان إذا قارب البر أخرج صاحبه لقضاء حوائجه، فى كل مدينة يتحوّل من سفينة إلى أخرى إذا انكسرت أو تشعثت فاحتيج إلى اصلاحها، وقد أعطوا من ذلك حظا جزيلا، حتى إن أحدهم يبلغ ملكه أربعة آلاف ألف دينار، وفى عصرنا

стр. 95

قد بلغنى ما هو أكثر من ذلك، فتراه فى لباسه لا يتميز من أجيره «١» ، وأما أهل كازرون وفسا وغيرهم «٢» ، فهم أهل تجارات فى البرّ، وقد أعطوا من ذلك حظا جزيلا، حتى أن أحدهم ليبلغ ملكه الكثير «٣» ، وهم أهل صبر على الغربة وحرص على جمع المال «٤» ، وفيهم اليسار الظاهر حيثما كانوا، وما علمت مدينة فى برّ ولا بحر فيها قوم من الفرس مقيمون إلا وهم عيون تلك المدينة، والغالب عليهم اليسار واستقامة الحال والعفّة. وأما أديانهم فإن السواحل من سيراف إلى مهروبان إلى أرّجان وأكثر الجروم الغالب عليهم مذاهب أهل البصرة فى القدر وأقلهم المعتزلة، وأهل جهرم الغالب عليهم الاعتزال، وأهل خرّة هم شيعة «٥» ؛ وأما الصرود فإن شيراز واصطخر وفسا الغالب عليهم مذاهب أهل الجماعة على مذاهب أهل بغداد، والغالب على أهل فارس فى الفتيا مذهب أهل الحديث. فأما أهل الملل منهم فإن فيهم اليهود والنصارى والمجوس، وليس فيهم صابئة ولا سامرة «٦» ، ولا من سائر النحل أحد ظاهر، وأكثر هذه الملل المجوس، وهم الغالبون على سائر الملل فى الكثرة، ثم النصارى ثم اليهود أقلهم، فأما كتب المجوس وبيوت نيرانهم وأديانهم «٧» وما كانوا عليه فى أيام ملوكهم فإنهم يتوارثونه، وذلك فى أيديهم ويتدينون به؛ وليس المجوس ببلد أكثر منهم بفارس، لأن بها دار ملوكهم «٨» وأديانهم وكتبهم. ذكر طبقات الناس بفارس أما طبقات الناس بفارس فإن لهم فى قديم الأيام- على ما يذكره الفرس فى كتبهم- ملوكا ملكوا الدنيا، مثل الضحّاك وجم وأفريدون فى آخرين، كانوا ملوك الأرض حتى قسم أفريدون الأرض بين بنيه، فصار ملوك الفرس سكان ايرانشهر إلى أن قتل ذو القرنين دار الملك، فصارت الممالك طوائف، حتى كان أيام أردشير فعادت المملكة إلى واحد، فما زالت فيهم يتولاها مثل سابور وبهرام وقباذ وفيروز وهرمز وسائر الأكاسرة، حتى جاء الإسلام فزال الملك عنهم، وإنما سكن بابل الأكاسرة فى آخر أيامهم، وانتقلوا من ديارهم

стр. 96

عن فارس إلى قرب من الروم والعرب، كما انتقل التتابعة من اليمن لما ملكوا الآفاق، وكما انتقل ملوك الإسلام من العرب عن ديار العرب إلى بابل، لتوسط الممالك والاشراف على كل ناحية، ولسنا نكثر فى ذكر ملوك الفرس لانتشار أخبارهم وعلم الناس بأيامهم؛ فأما فى الإسلام فإن لهم ملوكا منهم فى تقليد الإمارات، ومنهم من قعد عنها على استقلاله بها وكفايته من الفرس، والعرب الذين توطنوا فارس فصاروا من أهلها- والذين تغرّبوا عنها فمنهم الهرمزان من الأساورة، أسر فى أيام عمر فقدم به «١» عليه فأطلقه وآمنه فأسلم، وله إلى آل أبى طالب صهر، فاتهم بقتل عمر بن الخطاب مع أبى لؤلؤة عبد للمغيرة بن شعبة، فقتله عبيد الله بن عمر بعد موت عمر، ويقال إن سلمان الفارسي من ولد الأساورة، وأنه تزهّد وخرج يطلب الدين ويتصفح الملل، حتى وقع إلى المدينة فأسلم عند ورود النبي ﷺ المدينة، ومنهم آل عمارة ويعرفون بآل الجلندى، ولهم مملكة عريضة وضياع كثيرة وقلاع على سيف البحر بفارس متاخمة لحد كرمان، ويزعمون أن ملكهم هناك قبل موسى ﵇ «٢» ، وأن الذي قال الله «٣» وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً هو الجلندى، وهم قوم من أزد اليمن، ولهم إلى يومنا هذا منعة وعدة وبأس وعدد، لا يستطيع السلطان أن يقهرهم «٤» ، وإليهم أرصاد البحر وعشور السفن، وقد كان عمرو بن الليث ناصب حمدان بن عبد الله الحرب نحو سنتين فما قدر عليه، حتى استعان عليه بابن عمه العباس بن أحمد بن الحسن وأحمد بن الحسن الذي نسبنا إليه زم الكاريان، وهو من آل الجلندى أزدى، وابنه حجر بن أحمد هو على الزم فى منعة وقوة إلى يومنا هذا؛ وآل الصفّار الذين نسب إليهم سيف بنى الصفّار هم آل الجلندى، وهؤلاء أقدم من ملوك الإسلام بفارس، وأمنعهم جانبا؛ ومنهم آل أبى زهير المدينى ينسب إليهم سيف بنى زهير، وهم من سامة بن لؤى ملوك ذلك السيف، ولهم منعة وعدد؛ ومنهم أبو سارة الذي خرج متغلبا على فارس يدعو إلى نفسه، حتى بعث المأمون من خراسان محمد بن الأشعث فواقعه فى صحراء كس من شيراز، وفرّق جيشه وقتله، وكان الوالى بفارس حينئذ يزيد بن عقال: وجعفر بن أبى زهير الذي قال فيه الرشيد وقد وفد عليه فى ملوك فارس لولا طرش به لاستوزرته؛ والمظفّر بن جعفر الذي كان يملك عامة الدستقان، وله مملكة السيف من حدّ جنّابة إلى حد نجيرم، وسائر آل أبى زهير من حد نجيرم إلى حد بنى عمارة، ومسكن آل أبى زهير كران، ومسكن المظفّر على ساحل البحر بصفارة؛ ومنهم آل حنظلة بن تميم من ولد عروة بن أديّة، الذين عبروا من البحرين إلى فارس فى أيام بنى أمية، بعد قتل عروة بن أديّة فسكنوا اصطخر ونواحيها، وملكوا الأموال الكثيرة والقرى النفيسة؛ وكان منهم عمرو بن عيينة، وبلغ من يساره أنه ابتاع بألف ألف درهم مصاحف فوقفها

стр. 97

فى مدن الإسلام؛ وكان مبلغ خراج أهل «١» هذا البيت فى ضياعهم نحو عشرة آلاف ألف درهم، وكان المأمون ولّى عمر بن ابراهيم غزو البحر لقتال القطرية، وابنه مرداس بن عمر المكنى بأبى بلال بلغ من ماله أن كان خراجه نحو ثلاثة آلاف ألف درهم، وكان ابن عمه محمد بن واصل ملكه مثل ملك هذا، وخراجه مثل خراجه، لا يتفاوت بكبير شىء، وكان أجلّ أهل هذا البيت عمرو بن عيبنة، وكانت من قوة أهل «٢» هذا البيت أن الأتراك لما استولوا على الخلافة- فلم يطقهم الخلفاء- فرقوا فى اقطاعات عريضة، وولّوا فارس ليبعدوا عن الباب «٣» ، وكان منهم من عظماء الأتراك نحو من أربعين أميرا، ورئيسهم المولد، وكان يمنعهم الظلم فتشغبوا عليه وهمّوا به «٤» حتى استجار بمرداس بن عمر فأجاره وأخرجه إلى بغداد، وولّوا على أنفسهم ابراهيم بن سيما، وكتب عبيد الله ابن يحيى عن المعتمد إلى مرداس فى قتلهم فاستعفى، وكتب إلى محمد بن واصل فجمع حاشيته وأهل طاعته حتى قتل هؤلاء الأمراء عن آخرهم، إلا إبراهيم بن سيما وأربعة نفر، وكان رئيس الأتراك بعد المولد بفارس، واستولى محمد بن واصل على فارس، فبعث إليه من بغداد عبد الرحمن بن مفلح، وكان على جيشه طاشم فى جيش عظيم، فهزم جيش عبد الرحمن وقتل طاشم، وأسر عبد الرحمن وقتله، فصفت له فارس، حتى قصد ابن عمه مرداس بالخنق مخالفة على نفسه، فاستدعى يعقوب بن الليث، فدخل يعقوب بن الليث فارس لمعاضدة مرداس، حتى حارب محمد بن واصل بمروسدان بناحية البيضاء، راجعا من محاربة عبد الرحمن بن مفلح، فهزمه وفرّق جيشه وأسر بسيراف فى البحر، فسلم إلى يعقوب وأنفذه إلى قلعة ثمّ فحبسه بها سنتين، حتى كان يعقوب بجنديسابور فتغلب هو والمحبّسون على القلعة، فبعث يعقوب من قتلهم إلا القليل؛ ومن ملوك الفرس ممّن ملك بغير فارس آل سامان، فإنهم من ولد بهرام، وكان بهرام من أهل خبر من أردشيرخرّه فسكن الرىّ، ثم ولى محاربة الأتراك فقصد بلخ «٥» وفرق جمع الأتراك، وأثر فيهم فاستفحل أمره وقويت شوكته، حتى خافه كسرى ذلك العصر على نفسه وملكه، فهمّ بمحاربته وازالة ملكه، فاضطره بهرام إلى أن استجار بملك الروم «٦» ، وأخلى مملكته إلى أن يقصد ملك الروم، فرجع وكان من حديثه ما قد ذكر فى الكتب، وآل سامان من ولده فكانوا ملوك ما وراء نهر بلخ «٧» المعروف بجيحون وأمراءه يتوارثونه بينهم، إلى أن انتهت الامارة إلى اسماعيل بن أحمد بن أسد، فبلغ من سلطانه وتمكّن أمره أن أزال ما كان استصعب على المعتضد- فى شهامته وصولته وبأسه- من ملك عمرو ابن الليث، وتفريق جمعه حين «٨» ملك خراسان كلها وما وراء النهر وجرجان وطبرستان وقومس والرى

стр. 98

وقزوين «١» وأبهر وزنجان، وهذه مملكة ما علمت أن الأكاسرة جمعتها لرجل واحد، وقمع مع هذه المملكة الأتراك وذلّلهم، حتى بلغت صولته وهيبته حدود الصين، وهابته ملوك الترك حتى صار مما يلى مملكة الإسلام من «٢» بلدان الأتراك من الأمن مثل دار الإسلام، ثم ملك بعده ابنه أحمد بن اسماعيل، فزاد إلى هذه المملكة فتح سجستان واذلال بقايا السّجزيّة، وبسط من حسن النظر للرعية ما انتشر به ذكره، ثم ملك بعده نصر بن أحمد، وبلغ من بأسه وقمع من عارضه فى ملكه وقوة دولته أنه ما اعترض فى ملكه أحد إلا قمعه وكانت الغلبة له؛ وأما من ملك من فارس من غير الفرس فغلب عليه فإن منهم على بن الحسين بن بشر من الأزد المقيمين الذين كانوا ببخارى فانتقل إلى فارس، وكان من الشّحنة «٣» وقوى فى أيام المعتز والمستعين فغلب على فارس، وكان له بأس ومنعة، حتى حار به يعقوب بن الليث بقنطرة سكّان بقرب شيراز فهزمه وأسره، فأقام فى حبسه مدة ثم قتله؛ وأما ملوك الزموم الذين على أبوابهم الجيوش الدائمة من ألف رجل إلى ثلاثة آلاف رجل- فإن منهم فى زم الزميجان المعروف بزم جيلويه المهرجان بن روزبه، وهو أقدم من جيلويه وأعظم شوكة ومنزلة، وأخوه سلمة «٤» ابن روزبه بعده، وكان جيلويه ناقلة إليهم من خمايجان السفلى من كورة اصطخر، وكان يخدم سلمة فلما مات تغلب جيلويه على هذا الزم، واستفحل أمره حتى نسب الزمّ إليه إلى يومنا هذا، وبلغ من شوكته أن أوقع بآل أبى دلف، وقتل معقل بن عيسى أخا أبى دلف، ثم قصده أبو دلف فقتله وحمل رأسه فكان لآل أبى دلف إلى أن انقضت أيامهم، يقيمون برأسه فى الحروب يحمل بين أيديهم على رمح، وقد صبّب القحف «٥» بالفضة حين وقع فى يد عمرو بن الليث، لما هزم أحمد بن عبد العزيز بالزرقان فكسره، ورياسة هذا الزم فى أولاد جيلويه إلى يومنا هذا؛ وأما زمّ الديوان فكان رئيسهم آزاد مرد بن كوشهاذ من الأكراد، فملكه دهرا ثم عصى، فقصده السلطان فهرب إلى عمان وبها مات، وصار الأمر بعده إلى الحسين بن صالح من الأكراد، فصار الزمّ فى يده ويد أولاده إلى أيام عمرو بن الليث، فنقله عنهم إلى ساسان بن غزوان من الأكراد، فهو فى أهل بيته إلى يومنا هذا؛ وأما زم اللوالجان فكان فى أيدى آل الصفّار، إلى أن ولى محمد بن ابراهيم الطاهرى فارس «٦» فجعله فى يدى أحمد ابن الليث رجل من الأكراد، فهو فى يدى أهل بيته إلى يومنا هذا، ومحمد بن ابراهيم هو الذي أوقع بآزادمرد ابن كوشهاذ حتى هرب؛ وأما زم الكاريان فهو فى يدى آل الصفّار إلى يومنا هذا على قديم الأيام، ورئيسهم اليوم حجر بن أحمد بن الحسن؛ وأما زم البازنجان فإن رئيسهم كان يسمى شهريار من الأكراد، والزم منسوب إليه وكان مصاهرا لجيلويه، وصار بعده للقاسم بن شهريار ثم انتقل إلى موسى بن القاسم، والبازنجان الذين هم

стр. 99

فى حدّ أصبهان هم من هذا الزم فانتقلوا عن فارس، إلا أن لهم فى حدود فارس ضياعا كثيرة، وكان رئيسهم موسى بن عبد الرحمن ثم صارت لموسى بن مهراب، وصارت بعده لابنه أبى مسلم محمد بن موسى ومن بعده لأخيه فارس بن موسى، ومن بعده لأحمد بن موسى، والرئاسة فيهم إلى يومنا هذا. وأما من صلح من الفرس للدواوين من الكتّاب والعمال والأدباء فإن منهم عبد الحميد بن يحيى، وكان له فى بنى أمية ولاء ينسب إليهم، وكان من كتابته واستقلاله ما أغنى عن ذكره لاشتهاره، ومنهم عبد الله بن المقفع، كان فارسيا أقام بالبصرة، وقتل فى أيام المنصور بالبصرة، وكان كتب أمانا لعبد الله بن على من المنصور، فشرط فيه براءة المسلمين من بيعته لو خان فى أمانه «١» ، فوجد المنصور عليه فأمر عامل البصرة بقتله سرا فقتله سرا، ومنهم سيبويه وكان مقيما بالبصرة، ويقال إنه من أهل اصطخر فأقام بالبصرة، إلا أنه مات بفارس، وقبره بشيراز بباب يعرف بباب إبرذه فى مفترشة يعرف بالمزدكان، وله (الكتاب) المنسوب إليه فى النحو؛ والفرس هم شحنة دواوين الخلافة والعمّال الذين بهم قوام السياسة، من الوزراء وسائر عمال الدواوين، منهم البرامكة وآل ذى الرئاستين وإلى يومنا هذا من المادرائيّين والفيريابيين وسائر شحنة الخلافة من أولاد الفرس، الذين انتقلوا إلى السواد فى أيام الأكاسرة فأقاموا فى أرض النبط، وأما قوادها فمنها وهم أولاد الفرس «٢» ، وليس فى سائر دواوين الإسلام ديوان هو أصعب عملا وأكثر أنواعا من ديوان فارس، لاختلاف ربوعها وتقارب «٣» الأخرجة على أصناف زروعها واختلاف أبواب أموالها، وتشعب الأعمال بها «٤» على المتقلدين لها، حتى لا يكاد يبلغ الرجل الواحد الاستقلال بتلك الأعمال كلها إلا فى الفرد، وما علمنا أحدا منهم جمع من العلم بأبواب «٥» الدواوين إلا نفرا يسيرا، منهم المعلى «٦» بن النضر كاتب الحسن بن رجاء، وكان من أهل العراق توطن شيراز فمات بها، وكذلك الحسن بن رجاء جمع له الحرب وأعمال الدواوين، مات بشيراز وقبره عند دار الأمارة يعرف بدار هدّاب «٧» بن ضرار المازنى، التى كان المأمون ابتناها لما أرجف باختياره بفارس، ويكنى المعلى بأبى على، فكان يتقلب فى أعمال الدواوين نحو خمسين سنة، وعاش بعد الحسن بن رجاء نحوا من ست سنين؛ وماهان بن بهرام من أهل سيراف كتب لعلى بن الحسين بن بشر «٨» ومحمد بن واصل وجمع له الدواوين فاستقل بها؛ وأخوه كامل بن بهرام ويكنى بأبى الليث، كان لا يوصف فى الاستقلال إلا بديوان الرسائل فقط؛ ومنهم الحسن بن عبد الله ويكنى بأبى

стр. 100

سعيد «١» ، واسم عبد الله بزرجمهر بن خدايداد بن المرزبان، وبلده فسا، توطن شيراز «٢» ، وهو من جانب أمه «٣» منسوب إلى بنى مروان، ومنهم محمد بن يعقوب من أهل يزد، استقل بدواوين فارس وتوطن بخارى. وبفارس قوم يقال لهم أهل البيوتات، يتوارثون فيما بينهم أعمال الدواوين «٤» ، منهم آل حبيب وكان مشايخهم مدرك وأحمد والفضل بنو حبيب، وأصلهم من كام فيروز ومنشؤهم شيراز، قطنوها وتقلدوا الأعمال الجليلة الشريفة، وكان المأمون الخليفة استدعى مدرك بن حبيب إلى بغداد للحساب وغيره من وجوه الخدمة، وحظى عنده وقرأ عليه «٥» ومات ببغداد أيام المعتصم، واتهم يحيى بن أكثم به «٦» ؛ وآل أبى صفيّة من موالى باهلة، منهم يحيى وعبد الرحمن «٧» وعبد الله بنو محمد بن اسماعيل، ناقلة توطنوا بها فى زمان المأمون وتقلدوا أعمال «٨» الديوان بها «٩» ؛ وأما آل المرزبان بن زادية، فإنهم كانوا من أهل شيراز، وكان الحسن بن المرزبان بندارا لمحمد بن واصل «١٠» ، ومن بعده ليعقوب ابن الليث؛ وكان جعفر بن سهل بن المرزبان كاتب أبى الحارث بن فريغون من أهل هذا البيت «١١» ، وخدم علىّ بن المرزبان عمرو بن الليث على ديوان الاستدراك، وآل المرزبان بن خدايداد الذين يقال إن أصلهم من فسا، وهم أقدم أهل هذه البيوتات «١٢» ، وأكثرهم عددا، ومنهم أبو سعيد «١٣» الحسن بن عبد الله ونصر بن منصور بن المرزبان، وعبد الرحمن بن الحسين بن المرزبان، وخدايداد بن مردشاد بن المرزبان، وأحمد بن خدايداد فى جماعة تركنا تقصى عددهم، يتولون طرفا من أعمال الديوان إلى يومنا هذا، وآل مردشاد بن نسبة، منهم على بن مردشاد وأولاده الحسن والحسين وأحمد، وإلى يومنا هذا منهم عمّال العمالات، فهؤلاء مع آخرين لم نذكرهم أهل بيوت يتوارثون هذه الأعمال «١٤» .

стр. 101

وقد انتحل قوم من الفرس ديانات خرجوا بها عن «١» المذاهب، فدعوا إليها وانتصبوا «٢» لها، لولا أن إهمال أمرهم ضرب من العصبية وباب من التحامل، فنذكر المحاسن ولا نذكر غيرها، لكان من الواجب إهمال ذكرهم لشناعة أمرهم وفظاعة أخبارهم، ولكن الوقوف على ما أمكن من أخبار الناس وسيرهم- من محمود ومذموم- غير مكروه، فممّن عرف من هؤلاء واشتهر ذكر الحسين بن منصور المعروف بالحلّاج- من أهل البيضاء، وكان رجلا حلاجا ينتحل النسك، فما زال يرتقى به طبقا عن طبق حتى انتهى به الحال إلى أن زعم: أن من هذّب فى الطاعة جسمه، وأشغل بالأعمال الصالحة قلبه، وصبر على مفارقة اللذات، وملك نفسه فى منع الشهوات، ارتقى به الى مقام المقربين، ثم لا يزال يتنزّل فى درج المصافاة، حتى يصفو عن البشرية طبعه، فإذا لم يبق فيه من البشرية نصيب، حلّ فيه روح الله، الذي كان منه عيسى بن مريم، فيصير مطاعا، فلا يريد شيئا إلا كان من كلّ ما ينفذ فيه أمر الله، وأن جميع فعله حينئذ فعل الله، وجميع أمره أمر الله، فكان يتعاطى هذا ويدعو إلى نفسه بتحقيق ذلك كله، حتى استمال جماعة من الوزراء وطبقات من حاشية السلطان وأمراء الأمصار وملوك العراق والجزيرة والجبال وما والاها، وكان لا يمكنه الرجوع إلى فارس ولا يطمع فى قبولهم إياه، فخاف على نفسه منهم لو ظهر لهم، فأخذ وما زال فى دار السلطان ببغداد، إلى أن خيف من قبله أن يستغوى كثيرا من أهل دار الخلافة من الحجاب والخدم وغيرهم، فصلب حيا إلى أن مات. ومنهم الحسن الجنّابى ويكنى بأبى سعيد من أهل جنّابة، كان دقاقا أظهر مذهب القرامطة فنفى عن جنّابة، فخرج منها إلى البحرين، فأقام بها تاجرا يستميل العرب بها ويدعوهم إلى نحلته حتى استجابوا له، وملك البحرين وما والاها، فكان من كسره عساكر السلطان وعيثه وعدوانه على أهل عمان، وسائر ما يصاقبه من بلدان العرب ما قد انتشر ذكره، حتى قتل وكفى الله أمره، ثم قام ابنه سليمان بن الحسن فكان من قتله الحاج، وانقطاع طريق مكة فى أيامه والتعدى فى الحرم، وانتهاب كنوز الكعبة وقتل المعتكفين بمكة- ما قد اشتهر ذكره، ولما اعترض الحاجّ بما كان منه أخذ عمه أخو أبى سعيد وقراباته فحبسوا بشيراز مدة- وكانوا مخالفين له فى الطريقة، يرجعون إلى صلاح وسداد، وشهد لهم بالنزاهة من القرمطة- فخلّى عنهم، والله الحافظ للاسلام وأهله، والشر لمن حادّ الله فى أمره. وسنذكر الخاصيات بها: بناحية اصطخر أبنية حجارة عظيمة الشان، من تصاوير وأساطين وآثار أبنية عادية، يذكر الفرس أنه مسجد سليمان بن داود صلى الله عليهما «٣» ، وأن ذلك من عمل الجن، وهى تشبه أبنية رأيتها ببعلبك وأرض الشام ومصرفى العظم، ومما يعجز عن مثله أهل هذا العصر، وبناحية اصطخر تفاح تكون التفاحة الواحدة منه بعضها حامض وبعضها حلو، حدّث مرداس بن عمر بن الحسن بن رجاء، فرأى فى وجهه

стр. 102

انكارا لذلك فأحضره حتى رآه؛ وبقرية عبد الرحمن بئر عمقها قامات كثيرة، جافة القعر عامة السنة، حتى إذا كان الوقت المعروف من السنة ينبع منها ماء، يرتفع إلى وجه الأرض ويجرى منه ما يدير الرحى، حتى ينتفع به فى سقى الزروع وغير ذلك ثم يغور. وبناحية سابور جبل قد صوّر فيه صور كل ملك وكل مرزبان معروف للعجم، وكل مذكور من سدنة النيران وعظيم من موبذ وغيره، وتتابع صور هؤلاء وأيامهم وقصصهم فى أدراج، وقد خصّ بحفظ ذلك قوم سكّان بموضع بناحية أرّجان يعرف بحصن الجص، وبجور بركة على باب البلد مما يلى شيراز تعرف بنزّ، قد أكبّ على قعرها قدر نحاس عظيمة، يخرج من ثقبة فى أعلى تلك القدر ضيقة جدا ماء عظيم، ليس فى تقدير رأى العين أن مثل ذلك الماء على كثرته يخرج من ذلك الثقب على ضيقه؛ وبقرب أبرقوه تلال عظيمة من رماد يزعم قوم أنها نار نمرود بن كنعان، التى أوقدها لإحراق ابراهيم ﵇ «١» وهذا خطأ، لأن الصحيح فى الأخبار أن نمرود كان مقيما ببابل، وكذلك ملوك الكنعانيين قبل ملوك الفرس؛ وقد ذكرنا «٢» المومياى فى جملة ما يرتفع من ناحية «٣» دارابجرد. وبكورة أرّجان بقرية يقال لها صاهك الغرب بئر، يذكر أهلها أنهم امتحنوا قعرها بالمثقلات والأرسان، فلم يقفوا منها على عمق، يفور منها الدهر كله ماء بقدر ما يدير رحى ويسقى تلك القرية. وبكورة سابور رستاق يعرف بالهنديجان فيها بئر بين جبلين، يخرج منها دخان فيعلو حرها «٤» ، حتى لا يتهيأ لأحد أن يقربها، وإذا طار فوقها طائر سقط فيها واحترق؛ وبدشت بارين قرية تعرف بجور هى نحيسة لا شجر فيها، فيها أهل بيت ينسبون إلى السحر ويسألون عن الأخبار، ويحكى عنهم ما أستفظع حكايته فى كتابى. وبكورة أردشير خرّه على باب شيراز عين ماء يشرب منه الناس لتنقية الجوف، فمن شرب منه قدحا أقامه مجلسا، ومن زاد فلكل قدح مجلس؛ وبناحية كام فيروز بقرية تعرف بالمورجان بين جبال شاهقة كهف فيه جرن، وفى سقف هذا الكهف ماء ينقطر إلى الجرن، فيزعم الناس أن عليه طلّسما، فإن دخل ذلك الكهف رجل خرج ما يكفى رجلا، وإن دخله ألف رجل خرج بقدر حاجتهم. وعلى باب أرّجان مما يلى خوزستان قنطرة على نهر طاب، تنسب إلى الديلمى طبيب الحجّاج، وهى طاق واحد- سعة الطاق على الأرض ما بين العمودين نحو ثمانين خطوة، وارتفاعه مقدار ما يجوز فيه راكب الجمل بيده علم من أكبر ما يكون؛ وبناحية كران طين أخضر كالسلق يؤكل، ليس فيما علمته فى بلد مثله؛ وبناحية جنّابة فى البحر مكان يعرف بخارك معدن اللؤلؤ، يقال إن النادر منه لا يفوقه شىء، وأن الدرة اليتيمة منه إن صح ذلك، وبناحية شيراز ريحان يعرف بسوسن نرجس، ورقه مثل ورق السوسن، وداخله مثل عين النرجس سواء، وبناحية داذين نهر ماء عذب يعرف بنهر إخشين، يشرب منه ويسقى الأراضى، وإذا غسلت به ثياب خرجت خضرا؛ وبدشت بارين فى جبالها- بقرية تسمى

стр. 103

بر- عين ماء قليل، يعرف بماء نوح، يتداوى به من العلل والعين، ويقال إنه ربما حمل منه إلى حدود الصين لاشتهاره واستعمال الناس إياه، فينتابه الناس من خراسان والبلدان النائية. فأما ما يرتفع من بلدان فارس مما ينقل إلى الأمصار، وما يفضّل فى جنسه على سائر ما يرتفع فى البلدان: فمن ذلك ماء الورد الذي يرتفع من جور فانه يفضّل فى جنسه، وينقل إلى البحر فيفرّق فى الحجاز واليمن والشام ومصر والمغرب وخوزستان وخراسان والجبال «١» ؛ ويرتفع من غير جور ما هو أجود إلا أن معظم الجهاز منه، ويرتفع بجور ماء الطلع وماء القيصوم الذي لا نعرفه فى بلد غير جور، وماء الزعفران المسوسن وماء الخلاف الذي يفضّل على جنسه فى سائر البلدان. ويرتفع من سابور الأدهان من كل جنس ما يفضّل على أدهان سائر المدن إلا الخبرىّ والبنفسج، فإن الذي بالكوفة منهما خير، والإنبجات التى تحمل إلى الآفاق منها. ويرتفع من سينيز وجنّابة وكازرون وتوّج ثياب كتان، وللسلطان فى كل بلد منها طراز غير كازرون، وتحمل هذه الثياب إلى الآفاق من بلدان الإسلام كلها، ويرتفع من فسا أنواع من الثياب التى تجلب إلى الآفاق، وبها طراز الوشى والشعر والسوسنجرد للسلطان، فأما الوشى فإن المذهب المرتفع منه أجود مما يكون بغيره من الأمصار، وأما غير المذهب فإن الذي بجهرم أجود وأكثر منه، وأما الشعر فإنه يعمل للسلطان ثياب مثقالية تأخذ قيمة كبيرة، وكلل مرتفعة وسائر أصناف الشعر، ويتخذ من القز للسلطان ستور معلمة معينة «٢» ، ويرتفع من ثياب القز والشعر ما يحمل إلى كثير من أمصار الإسلام، والسوسنجرد الذي يكون بها أرفع مما يكون بقرقوب «٣» وتوّج وتارم، وبها أكسية القز التى تبلغ قيمة كبيرة، ويرتفع من جهرم ثياب الوشى المرتفع والبسط والنخاخ والمصليات والزلالىّ المعروفة بالجهرمىّ، ويرتفع من يزد وأبرقوه ثياب قطن تحمل إلى الآفاق، ويرتفع من الغندجان- قصبة دشت بارين- من البسط والستور والمقاعد وأشباه ذلك ما يوازى به عمل الأرمينى، وبها طراز للسلطان، وتحمل منها إلى الآفاق، وإنما فضّل سوسنجرد فسا على سوسنجرد قرقوب لأن القرقوبى إبريسم وهذا صوف، والصوف أجود من الابريسم فى الصنعة، ويحمل من سيراف ما يقع إليها من أمتعة البحر، من العود والعنبر والكافور والجواهر والخيزران والعاج والأبنوس والفلفل والصندل وسائر الطيب والأدوية والتوابل- التى يكثر تقصيها- إلى جميع فارس «٤» والدنيا كلها، وهى فرضة لهذه المواضع، وأهلها أيسر أهل فارس، ومنهم

стр. 104

من يجوز «١» ما له ستين ألف ألف درهم، ما اكتسبه إلا من تجارة البحر، وهم الغالبون على مدن تلك السواحل وعلى البحر كله؛ ويرتفع من أرّجان دوشاب يكون بآسك، وآسك هذه التى كان بها وقعة الأزارقة، وكانوا أربعين رجلا، فقصدهم نحو ألفى رجل من أصحاب البصرة، فقتلوا الألفين عن آخرهم، ويفضّل هذا الدوشاب على ما يكون بالعراق وسائر المدن، إلا السيلان الذي يكون بالاحساء وهجر فانه يفوقه «٢» ؛ وبأرّجان زيت «٣» يحمل إلى الآفاق منه فيفضّل على غيره، وبكازرون «٤» تمر يفال له الجيلاندار، يتفرد به ذلك الموضع، ولا يكون بالعراق والحجاز وكرمان وسائر مواضع النمور، ويحمل منها إلى العراق «٥» على كثرة تمورها. وبدارابجرد سمك بالخندق الذي يحيط بالبلد، لا شوك فيه ولا عظم ولا فقار، وهو من ألذ السموك، ويرتفع من دارابجرد مثل العمل الطبرىّ الذي يكون بطبرستان. ويرتفع من كازرون ثياب كتان تنقل إلى الآفاق؛ ويرتفع «٦» من قرية من دارابجرد المومياى الذي يحمل إلى السلطان، وهو غار فى جبل قد وكّل به من يحفظه، فيفتح فى كل سنة فى وقت معروف، وقد استجمع فى نقر حجر هناك ماء قد اجتمع المومياى فى أسفله، فإذا جمع يكون مثل الرمّانة، فيختم ويشهده ثقات السلطان من الحكام وأصحاب البرد والمعدّلين، ويرضخ للذى يحضره بالشيء اليسير، وهو المومياى الصحيح، وما عدا هذا «٧» المومياى الذي يحمل إلى السلطان فشىء مزوّر، يشبه المومياى وليس بالصحيح، وبقرب هذا الغار قرية تسمى آبين، فينسب هذا إليها ويسمى موم قرية آبين؛ وبناحية دارابجرد جبال من الملح الأبيض والأصفر والأخضر والأسود والأحمر، تنحت من هذه الجبال موائد وغير ذلك مما ينحتونه «٨» ويحمل إلى سائر المدن، والملح الذي فى سائر المدن إنما هو من باطن الأرض أو ماء يجمد، وهذا هو جبل ملح ظاهر «٩» ؛ وبدارابجرد دهن رازقى يقال إنه ليس فى مكان مثله يحمل إلى الآفاق «١٠» ؛ ويكون بأرض فارس عامة المعادن من الفضة والحديد والآنك والكبريت والنفط، وأشباه ذلك مما يستقل به أهلها مما يكون فى سائر الأقطار، إلا أن الفضة بها قليلة بناحية يزد بموضع يعرف بنائين، ولا أعرف بها معدن الذهب «١١» ، ومعدن الصفر بالسّردن يحمل منها إلى البصرة وإلى سائر النواحى، والحديد يرتفع من جبال اصطخر، وبقرية من كورة اصطخر تعرف بدارابجرد معدن الزئبق «١٢» ؛ ويعمل بفارس مداد أسود للدواة والصبغ يفضّل على

стр. 105

غيره «١» ؛ وبشيراز أبراد تحمل إلى الآفاق، وبجانات من كورة اصطخر ثياب قطن مستحسنة تعرف بالجاناتى «٢» رقيقة. فأما نقودهم وأوزانهم ومكاييلهم، فالبيع والشراء بجميع فارس بالدراهم، وإنما الدنانير عندهم كالعرض «٣» ، وليس على سكة الدراهم والدنانير التى تعرف بفارس إلا اسم أمير المؤمنين، من أيام السجزية إلى يومنا هذا؛ فأما أوزانهم فإن وزن الدراهم «٤» كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، وليس مثل اليمن وغيرها من المواضع التى تختلف مقادير أوزان الدرهم بها؛ وأما ما توزن به الأمتعة فإن المنا بشيراز اثنان صغير وكبير، فالكبير ألف درهم وأربعون درهما، وما رأيت ولا بلغنى أن فى موضع من المواضع المنا على هذا الوزن إلا بأردبيل، والآخر هو منا «٥» بغداد وزن مائتين وستين درهما، وهذا المن مستعمل بجميع فارس وعامة ما دخلته من أمصار المسلمين، وإن كان لهم أوزان غير هذا، والمنا بالبيضاء وزن ثمانمائة درهم، وباصطخر وزن أربعمائة درهم، وبخرّة المنا مائتان وثمانون درهما، وبسابور المنا ثلاثمائة درهم، وببعض «٦» نواحى أردشير خرّه المنا بها مائتان وأربعون درهما. وأما الكيل فإن بشيراز الجريب عشرة أقفزة، والقفيز ستة عشر رطلا فى التقدير، يزيد وينقص القليل إذا كان المكيل حنطة، والرطل وزن مائة وثلاثين درهما، ولهذا القفيز كيل على حدة «٧» ، ولهذا القفيز نصف وربع، كل واحد منهما كيل قائم بنفسه، وكيل صغير هو جزء من أربعة وعشرين من هذا القفيز، وجريب اصطخر وقفيزها على النصف من جريب شيراز، ومكاييل البيضاء تزيد على مكاييل اصطخر بنحو العشر ونصف العشر، ومكاييل كام فيروز وما يتصل بها على الخمسين من مكاييل البيضاء، ومكاييل أرّجان تزيد على مكاييل شيراز الربع، ومكاييل سابور وكازرون تزيد على مكاييل شيراز العشرة ستة، ومكاييل فسا تنقص عن مكاييل شيراز العشر. أبواب المال لبيت المال على الناس والزموم أبواب المال، التى تطبق عليها الدواوين، من خراج الأرضين والصدقات وأعشار السفن وأخماس المعادن والمراعى والجزية وغلّة دار الضرب والمراصد والضياع والمستغلات وأثمان الماء وضرائب

стр. 106

الملاحات والآجام؛ فأما خراج الأرضين فعلى ثلاثة أصناف «١» : على المساحة والمقاسمة والقوانين التى هى مقاطعات معروفة لا تزيد ولا تنقص زرع أم لم يزرع؛ وأما المساحة والمقاسمة فإن زرع أخذ خراجه، وإن لم يزرع لم يؤخذ، وعامة فارس مساحة إلا الزموم فإنها مقاطعات إلا شيئا يسيرا من المقاسمات، وتختلف الأخرجة فى البلدان على المساحة، فأثقلها بشيراز، وعلى كل صنف من الزرع شىء مقدّر، فعلى الجريب الكبير من الأرض يزرع فيه الحنطة والشعير السيح مائة وتسعون درهما «٢» ، والشجر «٣» بالسيح مائة واثنان وتسعون درهما، والرطاب والمقاثى السيح للجريب الكبير مائتان وسبعة وثلاثون درهما ونصف «٤» ، وعلى الجريب الكبير من القطن السيح مائتان وستة وخمسون درهما وأربعة دوانيق، وعلى الجريب الكبير من الكروم «٥» ألف وأربعمائة وخمسة وعشرون درهما، والجريب الكبير ثلاثة أجربة وثلثان بالجريب الصغير، والجريب الصغير ستون ذراعا فى ستين ذراعا بذراع الملك، وذراع الملك تسع قبضات، هذا خراج شيراز للسيح. وخراج كوار «٦» على الثلثين من هذا، لأن جعفر بن أبى زهير السامى «٧» كلّم الرشيد فردّه إلى ثلثى الربع؛ وخراج اصطخر ينقص من خراج شيراز فى الزرع بشىء يسير، هذا خراج السيح. والبخوس خراجه على ثلث السيح، والطّويّ والمنضح «٨» والمندّى على ثلثى الخراج، والسقى ما ندّى وسقى سقية فينقص «٩» الربع من الخراج، وإذا ندى وسقى سقيتين فهو السيح، وقد استتم الخراج؛ وكور دارابجرد وأرّجان وسابور زراعتهم ومقادير الخراج على أراضيهم بخلاف هذا يزيد أو ينقص. وأما المقاسمة فإنها على وجهين، ضياع فى أيدى قوم من أهل الزموم وغيرهم، ومعهم عهود من علىّ بن أبى طالب ﵇ «١٠» ومن عمر بن الخطاب رضى الله عنه وغيرهما من الخلفاء، فيقاسمون على العشر والثلث والربع وغير ذلك، والوجه الآخر مقاسمات على قرى صارت لبيت المال، فيزراع الناس عليها. وأما أبواب أموال الضياع فإن الضياع السلطانية خارجة عن المساحة، وإنما تؤخذ من السلطان بالمقاسمة أو المقاطعة، وعلى الأكرة فيها ضرائب من الدراهم يؤدونها. وأما الصدقات

стр. 107

وأعشار السفن وأخماس المعادن والجزية ودار الضرب والمراصد وضرائب الملّاحات والآجام وأثمان الماء والمراعى فإنها تقرب فى الرسم مما فى سائر الأمصار. وليس بفارس دار ضرب إلا بشيراز، وأما المستغلات فإنها تربة أسواق بشيراز وغير شيراز، أبنيتها للناس ويؤدون أجرة الأرض والطواحين للسلطان وأجرة الدور التى يعمل فيها ماء الورد، وكان الرسم القديم بفارس أن كل حومة بفارس لا خراج على الكروم فيها، ولا على الأشجار بجميع فارس، إلى أن ولى على بن عيسى الوزارة، سنة اثنتين وثلاثمائة فألزمهم فيها كلها الخراج، وبفارس ضياع قد ألجأها أربابها إلى الكبراء من حاشية السلطان بالعراق، فهى تجرى بأسمائهم وخفّف عنهم الربع، فهى فى أيدى أهلها بأسماء هؤلاء يتبايعونها ويتوارثونها.

стр. 108

بلاد كرمان وأما كرمان فإن شرقيّها أرض مكران ومفازة ما بين مكران والبحر من وراء البلوص، وغربيّها أرض فارس، وشماليها مفازة خراسان وسجستان، وجنوبيّها بحر فارس، ولها فى حدّ الشيرجان دخلة فى حد فارس مثل الكم، وفيما يلى البحر لها تقويس. وكرمان لها صرود وجروم، وصرودها تقصر عن صرود فارس فى البرد، وليس فى جرومها شىء من الصرود، وفى صرودها ربما عرض بعض الجروم؛ وأما ما يقع فيها من المدن التى أعرفها فهى الشّيرجان وجيرفت وبمّ وهرموز، وفى أضعاف ذلك ما بين فارس وجيرفت مدينة روبين «١» ، وبعضهم يزعم أنها مدينة ليست من كرمان، وبعضهم يقول إنها من كرمان، ومدينة كشيستان «٢» وجيروقان ومرزقان والسورقان وولاشكرد ومغون، ومما يلى جيرفت إلى الشيرجان ناجت «٣» وخير، وما بين الشيرجان وبمّ: الشامات وبهار وخنّاب وغبيرا وكوغون ورائين وسروستان ودارجين، وما بين جيرفت وبمّ مدينة هرمز تعرف بقرية الجوز «٤» ، وما بين الشيرجان وفارس أناس وكردكان وبيمند، وبين الشيرجان وبين فارس أيضا إلى حدود دارابجرد حسناباذ وكاهون، ومن الشيرجان إلى ما يلى المفازة بردشير وجنزروذ وزرند وفيرزين وماهان وخبيص، ومما يلى المفازة بناحية بمّ نرماشهر وفهرج وسنيج، إلا أن سنيج فى وسط المفازة منقطعة عن حدود كرمان وإن كانت مضمومة إليها، وصوّرناها فى مفازة فارس وخراسان والأخواش «٥» ، على أن منهم من زعم أن الأخواش من عمل سجستان، فصورناها على حدود؛ وحوالى جبل بارز: الريقان ومدينة قفير وحومة قوهستان أبى غانم، وفيما يلى هرموز وجيرفت مدينة كومين ونهر زنجان ومنوجان، فأما شهروا «٦» على البحر فليس بها منبر، وهذا ما علمته. ومن مشاهير جبالها المنيعة جبال القفص وجبال البارز وجبال معدن الفضة، وليس ببلاد كرمان نهر عظيم

стр. 109

ولا بحور إلا بحر فارس، إلا أن خليجا من بحر فارس يخترق إلى هرموز يسمى الجير، فتدخل فيه السفن من البحر وهو مالح، وفى أضعاف مدن كرمان مفاوز كثيرة، وليس اتصال عماراتها مثل اتصال عمارات فارس؛ وجبال القفص هى جبال جنوبيّها البحر، وشماليّها حدود جيرفت والرّوذبار وقوهستان أبى غانم، وشرقيها الأخواش ومفازة بين القفص ومكران، وغربيّها البلوص «١» وحدود المنوجان ونواحى هرموز، ويقال إنها سبعة أجبل، وبها نخيل كثير وخصب من زرع وضرع، وهى جبال منيعة، ولكل جبل رئيس، وهم ممتنعون، وللسلطان عليهم جراية يستكفهم بها، وهم مع ذلك يقطعون الطريق فى عامة كرمان إلى مفازة سجستان وإلى حدّ فارس، وهم رجّالة لا دوّاب لهم، والغالب على خلقتهم النحافة والسمرة وتمام الخلق، ويزعمون أنهم من العرب وتوصف بلادهم «٢» أن بها من الأموال المجموعة والذخائر ما يكثر عن الوصف؛ وأما البلوص فهم فى سفح جبل القفص، ولا يخاف القفص من أحد إلا من البلوص، وهم أصحاب نعم وبيوت شعر مثل البادية، ولا يقطعون الطريق ولا يتأذى بهم أحد؛ وأما جبال البارز فإنها جبال خصبة، فيها أشجار بلد الصرود، وتقع فيها الثلوج، وهى جبال منيعة، وأهلها لا يتأذى بهم أحد، ولم يزل أهلها على المجوسية أيام بنى أمية كلها لا يقدر عليهم، وكانوا شرا من القفص، فلما ولى الأمر بنو العباس أسلموا، وكانوا مع ذلك فى منعة شديدة إلى أيام السجزية، فأخذ يعقوب وعمرو ابنا الليث رؤوسهم وملوكهم وأخلوا تلك الجبال من عيالهم، وهى أخصب من جبال القفص وبها معادن حديد؛ وأما جبال المعادن فهى جبال بها فضة، وتمتد من ظهر جيرفت على شعب يعرف بدرباى إلى جبل الفضة مرحلتين، ودرباى «٣» هذه شعب خصب عامر بالبساتين والقرى نزه جدا. وجروم كرمان أكثر من صرودها، ولعل صرودها نحو الربع، وهى مما يلى الشيرجان فيما حواليها إلى جهة فارس والمفازة وإلى ما يلى بمّ، والجروم فيها من حدّ هرموز إلى حدّ مكران وحد فارس وحدّ الشيرجان، فيقع فى أضعافها هرموز والمنوجان وجيرفت وجبال القفص ودشت رويست وبشت خمّ، وما فى أضعاف ذلك من المدن والرساتيق «٤» ، وكذلك بمّ وما فى أضعافها إلى المفازة، وإلى حدّ مكران وإلى خبيص؛ والغالب على أهل كرمان نحافة الجسم والسمرة لغلبة الحرّ، وليس بعد جيرفت وبمّ مما يلى المشرق شىء من الصرود، ومما يلى المغرب من جيرفت صرود، تقع فيها الثلوج ما بين جبل الفضة إلى درباى، إلى أن تشرف على جيرفت، وكذلك فى وجه جبل بارز، وبقرب جيرفت موضع يعرف بالميجان «٥» ، وعامة فواكه جيرفت والحطب والثلوج تحمل إليها من ميجان ودرباى، ويخترقها نهر يعرف بديوروذ «٦» ، شديد الجرى له وجبة «٧» وخرير شديد، يجرى بالصخور ولا يستطع أحد أن ينزله، إلا متوقيا على رجليه من تلك الحجارة،

стр. 110

وهو مقدار ما يدير عشرين رحى؛ وهرموز إنما هى مجمع تجارة كرمان، وهى فرضة البحر وموضع السوق، وبها مسجد جامع ورباط «١» ، وليس بها كثير مساكن وإنما مساكن التجار فى رستاقها، متفرقين فى القرى نحو فرسخين، وبلدهم كثير النخل، والغالب على زرعهم الذرة. وأما جيرفت فإن طولها نحو ميلين، وهى متجر خراسان وسجستان، ويجتمع فيها ما يكون بالصرود والجروم، من الثلج والرطب والجوز والأترجّ، وماؤهم من نهر ديوروذ، وهى خصبة جدا وزروعهم سقى، وأما بمّ فإن فيها نخيلا، ولها قرى كثيرة، وهى أصح هواء من جيرفت، ولها قلعة منيعة مشهورة «٢» وهى فى المدينة؛ وبمدينة بمّ ثلاثة مساجد يجمّعون فيها الجمعات، فمنها مسجد للخوارج فى السوق عند دار منصور بن خردين، ومسجد جامع فى البزّازين لأهل الجماعة، ومسجد جامع فى القلعة، وفى المسجد الجامع للخوارج بيت مالهم للصدقات، وشراتهم «٣» قليلون، إلا أن لهم يسارا، وبمّ أكبر من جيرفت. وفهرج مدينة صغيرة، وعامة حشيشها النرجس والسوسن وحطبهم كله من الآس «٤» . وأما الشيرجان فمياههم من القنّى فى المدينة، ومياه رساتيقها من الآبار، وهى أكبر مدينة بكرمان، وأبنيتها من «٥» آزاج لقلة الخشب بها، والغالب على أهل الشيرجان مذهب أهل الحديث، والغالب على أهل جيرفت الرأى، والغالب على أهل الروذبار «٦» وقوهستان أبى غانم والبلوص والمنوجان التشيع، ومن حد مغون وولا شجرد إلى ناحية هرموز يزرع النيل والكمّون ويحمل منها إلى الآفاق، ويتخذ بها الفانيذ «٧» وقصب السكر، والغالب على طعامهم الذرة، وبها نخيل كثير حتى ربما بلغ بها وبسائر الجروم من جيرفت التمر مائة منّ بدرهم، ولهم سنّة حسنة لا يرفعون من تمورهم ما أسقطه الريح، فيأخذه غير أربابه، وربما كثرت الرياح فيصير إلى الضعفاء من التمور فى التقاطهم إياها أكثر مما يصير للأرباب، وليس عليهم فيها إلا العشور للسلطان، مثل ما بالبصرة. وأما ناحية رويست فإنه بلد قشف، والغالب على أهلها اللصوصية. وشهروا «٨» قرية على البحر بها صيادون، وإنما هى منزل لمن أراد أن يأخذ من فارس إلى هرموز، وليس بها منبر. ولسان أهل كرمان الفارسية، إلا أنّ القفص لهم مع لسان الفارسية لسان القفص «٩» ، وكذلك البلوص والبارز لهم مع لسان الفارسية لسان آخر. ويرتفع من بمّ ثياب قطن تحمل إلى الآفاق؛ ومن ناحية زرند ترفع بطائن معروفة تحمل إلى فارس والعراق.
следующие страницы →