Полный текст (385 стр.). Показаны 351–385 · переход к 356.
стр. 351
السامريون
السامريون أو السامرية، فرقة دينية نشأت في فلسطين بعد سقوط مملكة إسرائيل باستيلاء تغلث فلاسر ملك آشور على مدينة السامرة عاصمتها، سنة ٧٣٨ ق. م. فقد جرى هذا الفاتح على عادة كان ملوك الآشوريين يتبعونها في غزواتهم، فأجلى الإسرائيليين عن مواطنهم إلى نواحي الخابور وشمالي إيران، وأحل في محلهم قبائل جاء بها من أطراف بابل وكوثة وعوة وحماة وسفروايم «١» . فسمى اليهود هؤلاء المهاجرين بالكوتيين وسماهم اليونان بالسامريين «٢» ، فغلب الاسم الأخير عليهم.
ويروي الكتاب المقدس أن هؤلاء الأجانب الذين استوطنوا السامرة وما جاورها، نقلوا إليها الأوثان التي كانوا يعبدونها في مواطنهم الأصلية. فكان البابليون يعبدون الوثن «سكوت بنوت» والكوثيون «نرغل» وأهل حماة «أشيما» والعويون الصنمين «نبحز وترتق» وكان أهل سفروايم يقدمون الأضاحي البشرية إلى مولوخ، الذي يسمى عندهم «أدرملخ وعنملخ» . فسلط الله عليهم سباعا أخذت تفتك بهم، فطلبوا حماية رب المهجر الجديد الذي استوطنوه، ورفعوا أمرهم إلى ملك أشور،
стр. 352
فأمر بأن ينقل إليهم أحد الكهنة من أسرى الإسرائيليين ليعلمهم عبادة «يهوه» إله إسرائيل، فصاروا يعبدونه، حسب عقليتهم الوثنية، إلى جانب أربابهم وأصنامهم «١» .
وكان طبيعيا ألا يقبل الإسرائيليون هؤلاء الغرباء إلى حظيرتهم، بل كانوا يعتبرونهم وثنيين مشركين، ويسمونهم «شومرونيم» أي السامريين. فقبل السامريون بهذه التسمية، وإن كانوا أولوها بمعنى «شمرنيم أي المحافظين، ادعاء منهم أنهم كانوا المحافظين على شريعة موسى وأحكامها، وأن ديانتهم هي الدين الموسوي الأصلي «٢» .
وبمرور الأيام، ازداد بعد الشقة بين اليهود والسامريين، واستفحل أمر هؤلاء بعد ما أجلى بخت نصر اليهود إلى بابل (٥٨٦ ق. م.) إذ أنشأ السامريون لنفسهم إدارة مستقلة في فلسطين، حتى إذا ما أذن كورش ملك الفرس لليهود بالعودة (٥٣٨ ق. م) وشرعوا بتجديد بناء هيكل القدس (٥٢٠ ق. م.) أثار السامريون ضجة كبيرة وقدموا احتجاجا إلى ملك الفرس، فصاروا سببا في تأخير البناء مدة «٣» . فحنق اليهود حنقا شديدا على السامريين، فحرموا الزواج من بناتهم، وأجبروا المتزوجين بالسامريات منهم على طلاقهن.
وعلى هذا قام السامريون من جانبهم بحركة مقابلة. فشيدوا هيكلا مضاهيا لهيكل القدس فوق جبل الجرزيم (الطور) ، وأقاموا عليه كاهنا
стр. 353
من بعض كهنة اليهود الناقمين واتخذوا أسفار موسى كتابا مقدسا لهم، ورفضوا ما سواها من أسفار اليهود، وبذلك تم الانفصال بين اليهود والسامرية إلى غير ما عودة «١» .
وفي سنة ٣٣٠ ق. م. اجتاحت جيوش الإسكندر أراضي فلسطين، فأدخلت إليها البدع والتقاليد الهيلانية ووثنية الإغريق، وأخذ اليهود يقاومون هذه البدع المخالفة لدين التوحيد، فذاقوا من جراء ذلك اضطهادا شديدا من ملوك السلوقيين. أما السامريون فقد أظهروا تساهلا تجاه الوثنية الهيلانية، فنالوا بذلك عطف السلوقيين. واستغلوا هذا العطف ضد اليهود، بأن كرسوا معبدهم للإله جوبيتر الهيلاني «٢» Jupiter Hellenius الأمر الذي أثار نقمة اليهود عليهم، فلقبوهم بفرقة المجاذيب «٣» .
فلما ثار اليهود لمعتقدهم وكيانهم بزعامة المكابين، وتخلصوا من ربقة السلوقيين (القرن الثاني ق. م.) ، وجدوا الفرصة الملائمة للانتقام من السامريين فغزوهم بقيادة يوحنة هرقنوس المكابي John Hyrcanus واستولوا على السامرة ودمروها وهدموا معبد السامرية على جبل جرزيم بعد مرور نحو ثلثمائة سنة على إنشائه (١٩٠ ق. م.) فجعلوا من يوم انتصارهم هذا على السامريين عيدا كانوا يحتفلون به كل عام، يعرف بيوم جرزيم «٤» .
стр. 354
لكن العداء المستحكم بين السامريين ومناوئيهم اليهود، ظل كامنا كمون النار في الحجر وكان السامريون يتحينون الفرص للإيقاع بخصومهم ويستغلون التطورات السياسية لتنفيذ غايتهم. فعندما اجتاح فلسطين القائد الروماني بومبي، قابله السامريون بترحاب وتعاونوا معه في الاستيلاء على القدس (٦٣ ق. م.) ، فكافأهم بأن أعاد إليهم استقلالهم ويسر لهم إعادة بناء هيكلهم.
وبعد قرن من السنين قام اليهود بثورتهم الكبرى ضد رومية، فكان أول عمل قام به الثوار أنهم أغاروا على السامريين ودمّروا هيكلهم مرة أخرى. فثأر السامريون لأنفسهم بأن انضموا إلى الجيش الروماني الذي قدم لإخماد الثورة بقيادة إسبازيان، فصاروا يدلونه إلى مواطن الضعف في وسائل دفاع اليهود والسبل السرية المؤدية إلى معاقلهم، وعندئذ أعاد إسبازيان بناء بلدة شيكيم وأطلق عليها اسم) Flavia Neapolis نابلس) فصارت إدارتها رومانية. وفي سنة ١٣٢ م. جدّد القيصر أدريان معبد جوبيتر فوق الجرزيم، وهو المعبد الذي ما زالت أطلاله قائمة حتى اليوم، فأراد بذلك أن يصرف الأنظار عن هيكل اليهود في القدس بعد تدميره.
ومن غريب أمر هؤلاء السامريين، أنهم على الرغم من الجفاء الذي كان مستحكما يومئذ بينهم وبين اليهود، وعلى تساهلهم في قبول البدع الهيلانية، لم يتحمسوا لظهور النصرانية ولم يقبلوا بها. لذلك لحق بهم الأذى الذي أصاب اليهود بعد القرن الرابع للميلاد، عندما أصبحت النصرانية دين الدولة الرسمي في الإمبراطورية الرومانية. فقد
стр. 355
سن القيصر تيودوروس ومن بعده جستنيان الأول القوانين الصارمة ضد السامريين، فاضطر عدد كبير منهم إلى اعتناق الديانة الحاكمة، فتحول هيكل جوبيتر فوق الجرزيم إلى كنيسة للعذراء (٥٣٠ م.) فكادت السامرية أن تفنى عن آخرها «١» .
وفي فترة الاضطهاد الذي كان يهدد السامريين بالاضمحلال، نشأ بينهم مصلح كبير يدعى «بابا ربة» فعقد مجلسا مؤلفا من سبعة حكماء، ثلاثة منهم يمثلون الأحبار وأربعة يمثلون العوام. فدوّن هذا المجلس التشريعي قواعد الطريقة السامرية وتقاليدها الموروثة، حفظا لها من الاندثار؛ كما أن حدة الجفاء المستحكم بين السامريين واليهود كانت قد خفت بتأثير موجة الاضطهاد التي غمرت الفريقين، فقربت المصائب بينهما، فلم يعد اليهود ينظرون إلى السامرية نظرهم إلى نحلة وثنية مثلما كانوا يفعلون في السابق، سيما وأن السامريين كانوا بمرور الزمن قد تركوا أوثانهم القديمة. فاعتبروهم فرقة يهودية ذات صبغة خاصة، بل صاروا يمتدحون تمسكهم ببعض الشعائر الموسوية وحرصهم الشديد على تطبيقها «٢» . لكن هذا التقارب لم يلبث أن وقف عند حد معين. وفصلت الأمور الذي يحل لليهودي أن يتعاطاها مع السامري بفصل خاص ألحق بالتلمود يعرف بفصل الكوتيين (السامريين) .
وفي القرن السابع للميلاد تقلص ظل الروم عن فلسطين بفضل الفتح
стр. 356
الإسلامي. فاستفاد اليهود والسامريون على السواء من تسامح المسلمين تجاه معتقد الشعوب المحكومة منهم فأصبح السامريون في عداد أهل الذمة. وفي أيام الدولة الفاطمية أصاب السامريون عزا ورفاهة. فكان يحكمهم عامل سامري من صفورية يدعى «تقوى بن إسحاق» (أواخر القرن العاشر للميلاد) . ويحدثنا مؤرخو العرب عن وجود جماعات مرفهة منهم في الشام ومصر. وهناك رسالة من سنة ١٢١٤ م. تدل على الشأن الذي بلغته هذه الطائفة في نابلس «١» .
والظاهر أن الحملة الصليبية التي أهلكت عددا غفيرا من اليهود والمسلمين في فلسطين لم تؤثر كثيرا على السامريين. فقد وجد بنيامين الذي زار مواطنهم قرابة سنة ١١٧٠ م. نحو ألف عائلة منهم في نابلس و ٢٠٠ في قيسارية و ٣٠٠ في عسقلان و ٤٠٠ في دمشق، كما يحدثنا عن احتفالهم بعيد الفصح على شكل ما هو معروف عنهم في الوقت الحاضر. أما قوله بأن الكتابة السامرية تنقصها ثلاثة أحرف فلا صحة له. وكل ما هناك هو أن السامريين قد احتفظوا بالخط العبراني القديم.
في حين اقتبس اليهود الخط الآشوري المربع بعد عودتهم من سبى بابل «٢» .
والسامريون موحدون، لا ريب في توحيدهم. واعتقادهم راسخ في أنهم من بني إسرائيل من آل يوسف الصديق. وهم لا يعترفون بغير أسفار موسى الخمسة من الكتاب المقدس، يتبعون نصوصها ومنطوقها
стр. 357
الحرفي، شأنهم بذلك شأن القرائين في عدم اتباعهم أحكام التلمود.
فهم شديد والحرص على حرمة السبت. لا يرى عندهم فيه نار أو نور.
ويصومون يوم الكفارة مثل سائر اليهود، لكنهم يتشددون به فلا يستثنون منه حتى الأطفال والمرتضعين. وفي عيد الفصح يحجون جبل الجرزيم فينحرون الأضاحي مثلما كان يفعل الإسرائيليون قديما على جبل القدس. وهم يسمون الحجر الذي ينحرون عليه أضحيتهم بالصخرة، تشبها بالصخرة المعروفة في الحرم الشريف.
والسامريون مثل سائر اليهود، يؤمنون بيوم القيامة وبوجود الملائكة، وظهور المسيح في آخر الأيام لكنهم يزعمون أنه سيكون من آل يوسف، على حين يعتقد اليهود أنه من آل داود. وباعتقاد السامرية أن هذا المسيح المنتظر سيموت عندما يبلغ العشرين بعد المائة من عمره.
وبعد دفنه تقوم القيامة ويحل يوم الدين.
وقد عني بأخبار هذه الفرقة عدد كبير من الرحالة الأوروبيين في القرون الوسطى والحديثة. وفي سنة ١٥٨٤ م. عثر العلامة سكاليجر Scaliger في القاهرة على تقويمين قديمين للسامريين كما وجد في غزة مخطوطات خاصة بهم فوضع على إثر ذلك أول رسالة علمية في السامرية وتاريخها وتقاليدها. وبعده بربع قرن نشر عالم إيطالي النص الأصلي لنسخة التوراة السامرية كان قد عثر عليها في دمشق، فأثار نشرها اهتمام المحققين، وكتبوا عنها البحوث المطولة. ولا يزال النقابون يعثرون بين حين وآخر على آثار وكتابات سامرية قديمة، فيها ما يلقي
стр. 358
ضوءا جديدا على تاريخ هذه الطائفة التي استطاعت أن تحافظ على كيانها أكثر من عشرين قرنا.
ويقيم اليوم أبناء هذه الفرقة في نابلس وضواحيها، وقد تقلّص عددهم إلى نحو خمسين عائلة. وهم يحترفون بعض المهن الصغيرة ويبيعون العاديات التي يزعمون قدمها، للسياح والزوار الذين يقصدونهم من أوروبة وإمريكا. بل إن السامريين أنفسهم قد أصبحوا أكثر شبها بالآثار القديمة التي يبيعونها، وقد لا يمر وقت طويل قبلما يسدل الستار نهائيا على آخر أبناء هذه الطائفة السامية القديمة.
القراؤون
القراؤون ويعرفون بالعنانية أيضا، فرقة من اليهود أسسها في العراق عنان بن داود المتوفي في حدود سنتي ٧٩٠- ٨٠٠ م. بنتيجة خلاف نشب حول توليته منصب رأس الجالوت. وحكاية هذا الخلاف، أن رأس الجالوت صموئيل بن حسداي توفي سنة ٦٧١ م. من غير أن يعقّب ولدا يخلفه في منصبه وعلى هذا عقد علماء اليهود مجلسا برئاسة الأخوين يهوداي البصير بن نحمن عميد مدرسة سورا ودوداي بن نحمن عميد مدرسة فومبديثة (الأنبار) . وكان عنان أرجح المرشحين لتولي هذا الممنصب السياسي العلمي الخطير. لكن عددا من أعضاء المجلس ذكروا عنه فساد السيرة وسوء الأخلاق وقلة التقوى، فرجحوا عليه أخاه الأصغر حنانية بن داود. فثارت نقمة عنان على هذا
стр. 359
القرار الذي عده غمطا لحقوقة، وقرر الخروج على الرّابيّين وشجب تعاليمهم ورفض تلمودهم.
وكان العراق يومئذ، في خلافة أبي جعفر المنصور، يحفل بمختلف الميول والنزعات الفلسفية، بفضل احتكاك الفكر الإسلامي بثقافة الفرس واليونان. وكان بعض علماء اليهود قد تأثروا بآراء المعتزلة وأصحاب «الكلام» من المسلمين، فصاروا ينتقدون تعاليم الرّابيّين ويتحفزون للخروج على أحكام التلمود وقيوده. وكان على رأس هذه الحركة الفكرية الجديدة ثلاثة من علماء اليهود هم الرّابيّون إفرايم، وأليشع المعلم، وحنوكة، فوجدوا بثورة عنان ضالتهم المنشودة، بالنظر لمقامه ونفوذه الذي كاد أن يرتفع به إلى رئاسة الجالوت، فنصبوه على رأس حركتهم، وصاروا يعرفون بالقرائين أو بني المقرأ «١» إشارة إلى تمسكهم بالمعنى الحرفي للتوراة ورفضهم ما عداها من كتب التشريع الإسرائيلي «٢» وتمييزا لهم عن اليهود الربانيين الذين يتبعون تعاليم التلمود في شرح وتفسير أحكام التوراة.
وكان طبيعيا أن تقوم قيامة الرّابيّين على عنان وأصحابه. فانبروا يكافحون بدعته ويقاومون نحلته بما أوتوا من حول وطول، قبلما يستفحل أمرها ويشتد ساعدها. فرفع رأس الجالوت قضية عنان إلى الخليفة أبي جعفر المنصور. وكان الخليفة يومئذ يتوجس شرا من
стр. 360
أصحاب البدع الفكرية والمذهبية الجديدة، ويرى فيها مصدرا للفتن والقلاقل في مملكته الفتية. أما من ناحية اليهود، فقد تذكر الخليفة الشقاق الذي تركته بينهم فتنة أبي عيسى إسحاق بن يعقوب عبيد الله الأصبهاني «١» في أول حكمه. فوجد في دعوة عنان فاتحة شغب وشحناء في وقت كانت الدولة بحاجة إلى الاستقرار بين مختلف عناصرها، لذلك أمر بحبس عنان بن داود بتهمة ثورته على رأس الجالوت، صاحب السلطة الشرعية على أبناء ملته «٢» .
ويروي مؤرخو الفرقة العنانية أن زعيمهم داود في أثناء مكوثه في السجن، تلاقى مع الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت، وكان يومئذ سجينا مثله لأسباب لا محل لشرحها هنا «٣» فقصّ عليه عنان قصته، فأشار عليه الإمام بأن يدّعي أنه ليس ثائرا على رأس الجالوت، وأنه صاحب دين قائم بنفسه لا علاقة له بدين اليهود، لذلك فإن من حق جماعته أن تتمتع بحرية المعتقد شأن سائر أهل الذمة في المملكة الإسلامية. ويقال كذلك إن أصحاب عنان كانوا قد بذلوا من جانبهم المال الوفير لإنقاذ رئيسهم، فآل الأمر إلى إطلاق سراحه، لكن الخليفة اشترط عليه أن يبتعد وأتباعه عن مقر رأس الجالوت، وأن يجعل مقامه فلسطين «٤» .
стр. 361
وفي القدس شيد عنان لجماعته كنيسا ظل قائما حتى أيام الحروب الصليبية. ووضع كتابين ضمنهما أحكام طريقته، الأول يدعى «كتاب الفرائض» والثاني «كتاب الفذلكة» . وكان في جميع ما يكتبه ويقوله يتهجم على التلمود وتعاليم الرّابيّين، ويتهمهم بتزييف الشريعة الموسوية بتفسيرها على وجه يخالف ما جاء في نص التوراة.
فازدادت الشقة بعدا بين القرائين والرّابيّين. على أن هؤلاء المنشقين على التلمود لزعمهم أنه ثقيل القيود والأحكام، لم يلبثوا أن قيدوا أنفسهم بنواميس أشد صرامة وأثقل قيودا من بنود التلمود. لأن ابتعادهم عن الاجتهاد والسير بمقتضى تطور الأحوال والزمان جعلهم جامدين على القديم، متمسكين بأمور عفا عليها الدهر وأبطل مفعولها تقدم الأفكار وتطور الحياة الاجتماعية. لكنهم فعلوا ذلك مندفعين بنزوة التعصب الشديد ضد الرّابيّين وكراهيتهم لهم. ومن المأثور عن عنان قوله: «لو كنت أحمل أرباب التلمود في بطني، لقتلت نفسي وقتلتهم معي.» «١» .
وتولى زعامة القرائين بعد وفاة عنان، ولده شاؤل فحفيده يوشية.
لكن الفرقة لم تستطع أن تحتفظ بوحدتها، فانشقت على نفسها وتفرعت إلى شيع وجماعات عديدة. وكان الرّابيّون لا يتركون فرصة إلا استغلوها لمهاجمة بدعة القرائين. فاتهموهم بالكفر والزندقة والمروق عن الدين، وعدوهم غرباء عن اليهودية وحرموا الاتصال بهم والتزوّج من بناتهم. وقد اشتهر العالم الفيلسوف سعيد الفيومي الرّابي الشهير
стр. 362
(٧٩٢- ٩٤٢) بشدة بلائه في إفحام القرائين ودحض مفترياتهم على التلمود وأحكامه.
غير أن هذه المعارك المنطقية، وكان للرّابيّين فيها اليد الطولى، لم تحل دون انتشار القرائية واشتداد ساعدها. فقد امتدت فروعها من فلسطين إلى سورية وأصبح لها في العراق أتباع وأشياع. واتجهت نحو الشرق، فكان لها في خراسان والجبل دعاة وأنصار. ثم بلغت شواطيء البوسفور وانتقلت إلى شبه جزيرة القرم. أما في الغرب فاستوطنت مصر وإسكندرية، ومنها تسربت إلى إسبانية سنة ٩٥٠ م. وقد بلغ من انتشارها في مصر أن أصبح القراؤون فيها في القرن الثالث عشر للميلاد (السابع للهجرة) يفوقون الرّابيّين عدا. أما في إسبانية فقد أثار انتشار بدعة القرائية بين يهودها ضجة كبيرة فاشتد الكفاح وعظمت الفتنة بين الفريقين. فرفع كبير اليهود يهوذا بن عزرا الشكوى من القرائين إلى الأذفنش (الفونسو) ملك قشتالة، فأصدر الأمر بطرد القرائين (١١٥٠- ١١٥٧ م) .
وفي القرن الرابع عشر بلغت القرائية أوروبة الشمالية؛ فصار لها أتباع على شواطيء البلطيق في لتوانية. ونشأت طائفة منهم في تروكي من أعمال فلنو في بولندة، بقيت محتفظة بكيانها حتى أواخر القرن الثامن عشر. ثم ظهرت طائفة منهم في غاليسية وفلهينية. أما في القرم فقد نبه شأن القرائين وظهر بينهم الأدباء والعلماء والمؤرخون.
وعندما ضمت روسية القيصرية إقليم القرم إلى إمبراطوريتها سنة ١٧٨٣ م. أعلن القراؤون أنهم لا يرتبطون واليهود بصلة قرابة أو دين
стр. 363
فتحاشوا بذلك شر القوانين الصارمة التي سنتها روسية ضد اليهود.
ولما اشتد اضطهاد الروس لليهود في القرن التاسع عشر بدافع التعصب الديني؛ أعلن رئيس القرائين في روسية إبراهيم فركوفتش؛ إن أتباع القرائية هم من أسباط بني إسرائيل المفقودة؛ هاجروا إلى القرم منذ القرن السابع قبل الميلاد، وإنهم على هذا، لم يكونوا في فلسطين عندما صلب السيد المسيح. وظل هذا شأن القرائين في روسية حتى نشوب الثورة البلشفية سنة ١٩١٧.
ويدل آخر إحصاء للقرائين (١٩٣٣) أن عددهم في العالم لا يزيد على اثني عشر ألفا. يقيم عشرة آلاف منهم في القرم، والباقون منتشرون في استانبول وبولندة ومصر وفي بعض أنحاء كردستان «١» .
ومن أخص الأمور الدينية التي يخالف القراؤون بها سائر اليهود، تركهم قواعد التقويم اليهودي في تعيين مواسم الأعياد. فالشهر لا يثبت عندهم إلا إذا قرر الشهود العدول رؤية الهلال، وبذلك نشأ اختلاف بين أيام أعيادهم وأعياد اليهود. ومنها تشددهم الصارم بحرمة السبت وتمسكهم الحرفي بمنطوق الآية القائلة: «ليلزمن كل مكانه، لا يخرج أحد من مكانه في اليوم السابع «٢» » . فهم لذلك لا يأخذون بالتسهيلات الكثيرة الواردة في التلمود عن أحكام يوم السبت. فلا يجيزون فيه التنقل داخل حدود البلد الذي يقيمون فيه ولا يسمحون بإجراء فريضة الختان أو القيام ببعض الأمور التي
стр. 364
تستدعيها الضرورة الاجتماعية أو الصحية، كالإضاءة واستدعاء الطبيب أو إحضار الدواء وطبخ الطعام لمريض. فهم يقضون ليلة السبت في ظلام دامس ويمتنعون نهارا عن كل حركة مهما كانت بسيطة، ويفرضون على أنفسهم قيودا ثقيلة لا تجيزها مقتضيات الحياة ولا يجيزها الشرع الإسرائيلي، مما يطول شرحه.
стр. 365
غاؤونية بغداد ورئاسة الجالوت في القرن الثاني عشر للميلاد
منذ أن استقر اليهود في العراق بعد سبي بابل، كانوا يوكلون بأمرهم عميدا يرجعون إليه في أمورهم وينيطون به تنظيم شؤون جماعاتهم الغفيرة التي كانت منتشرة في مدن الفرات ودساكره وقراه.
وكان اليهود يطلقون على هذا العميد لقب «ريش جالوتا» وهي لفظة بالآرامية تعني رأس الجالية، وعنها أخذ العرب لفظة رأس الجالوت. وتقول التقاليد اليهودية إن أول من تقلّد منصب رئاسة الجالوت على يهود العراق هو يكنية ملك يهوذا الذي أسره نبوكد نصر ملك بابل في حدود سنة ٥٧٧ ق. م. ثم أطلق سراحه الملك أويل مروداخ في السنة السابعة والثلاثين من إسارته ونصبه رئيسيا على أبناء ملته المقيمين في شرقي الفرات كافة «١» .
وعند ما استولى الفرس على العراق، منحوا الجالية اليهودية فيه نوعا من الحكم الذاتي، فصار رأس الجالوت يتمتع بالسلطة الواسعة على أبناء ملته. فقد أصبح من واجبه الإشراف على أمور طائفته وسير إدارتها والأخذ بما يؤول إلى إصلاحها وصلاحها، وتعيين قضاتها ومراقبة استتباب العدل والانتظام في محاكمها، وتعيين مقدار الرسوم والضرائب الواجبة على الأفراد وجبايتها باسم الحكومة، وضمان تنفيذ القوانين التي تصدرها الدولة، وتحسين العلاقات بين الجالية اليهودية
стр. 366
والسلطة الحاكمة، ومعاقبة من يخالف أنظمتها، والاقتصاص من الخارجين على أحكام الدين، إلى غير ذلك من الشؤون الإدارية والدينية والاجتماعية. وكانت التقاليد تقضي بأن يكون رأس الجالوت من آل الملك داود (ع) وأن ينتقل منصبه إلى الذكور من ذريته. وإذا مات بلا عقب انتقل منصبه إلى من فيه الكفاءة من أبناء أسرته.
أما في الشؤون الدينية، فكان يهود العراق يرجعون إلى علماء فلسطين، يتلقون فتاويهم ويقدمون إلى مدارسهم العلمية المال اللازم لتمشية أمورها وإعالة طلابها. وكان قد نشأ في فلسطين طبقة من العلماء يعرفون بالتنائيم باشروا شرح أحكام التوراة وتدوين قوانينها وتبويب شرائعها في مجموعة تعرف بالمشنة وكان الفراغ من تدوينها في طبرية سنة ٢٠٠ م، بعناية الحبر الكبير يهوذا بن شمعون الملقب بالربن الأقدس «١» (١٣٥- ٢٢٠ م) .
ثم نشأت في فلسطين طبقة ثانية من الأحبار يعرفون بالأمورائيم أي الأساتذة المحدثين، أخذوا يدرسون المشنة ويعلقون عليها التعليقات الضافية ويشرحون متونها شرحا وافيا يتناول شرائع اليهود وتقاليدهم وطقوسهم وتاريخهم. وقد جمعت هذه التعليقات والشروح في مجموعة صارت تعرف بالتلمود الأورشلمي. وكان الفراغ منه في أواخر القرن الثالث للميلاد.
ولما اشتد ضغط الرومان على أحبار اليهود في فلسطين، فلم يعد بمستطاعهم الاستمرار على الدرس والبحث بحرية وأمان، اضطر عدد
стр. 367
كبير منهم إلى الهجرة إلى العراق، فنشأت على الفرات مدارس كبرى للأمورائيم في نهردعة (بجوار عنة) أولا، ومن بعدها في سورا (بجوار الحلة) وفي فومبديثة (بجوار الأنبار) . وفي هذا المحيط الذي كان يسوده الأمان والحرية الدينية المطلقة، استطاع الأمورائيم أن يشرحوا المشنة شرحا أكثر تفصيلا وأعم موضوعا مما اضطلع به علماء فلسطين. فصارت مجموعة الشروح العراقية تعرف بالتلمود البابلي. ومن مشاهير أحبار يهود العراق الذين عنوا بوضع هذا التلمود، هو الحبر «أبا أريخا» مؤسس مدرسة سورا المتوفى سنة ٢٤٧ م. والحبر مار صموئيل الفلكي (١٦٥- ٢٥٧ م) مؤسس مدرسة فومبديثة. وكان ختام التلمود البابلي سنة ٤٩٩ م بعناية الحبرين أشي المتوفى سنة ٤٢٧ م وربينه بن هناء المتوفى سنة ٤٩٠ م. وبهما انتهى دور الأمورائيم.
ومن بعدهم نشأت في العراق طبقة من العلماء يعرفون بالسبورائيم أي الأساتذة الشارحين، استمر نشاطهم العلمي في سورا وفومبديثة من سنة ٥٠٠ إلى سنة ٥٥٠ م. وكان أهم أعمالهم التعليق على التلمود وتنظيم أبوابه وفصوله بالشكل المعروف إلى يومنا هذا.
* ثم نشأت طبقة أخرى من العلماء يعرفون بالغاؤونية «١» .
كانت أهم أعمالهم إصدار الفتاوى الدينية ليهود الشرق والغرب، وكانت الأسئلة تتوارد عليهم من جميع الأقطار، وفتاويهم نافذة الكلمة عند جميع الطوائف يراجعون في شؤونهم الإدارية رؤساء
стр. 368
الجالوت كما بينا، أما أمورهم الدينية فكان ينظر بها رؤساء المدرستين العلميتين في سورا وفومبديثة. وكانت المدرسة تسمى عندهم «مثيبتا» وعنها أخذ العرب لفظة «المثيبة» وكانت مثيبة سورا أعلى مقاما من مثيبة فومبديثة وكان لرئيسها حق الأفضلية في المرتبة الدينية وفي انتخاب رأس الجالوت.
وقد أصاب اليهود في أواخر أيام الدولة الساسانية اضطهاد شديد، واعتدي على حريتهم الدينية من جراء تعصب المجوس أتباع مزدك.
وبلغ الاضطهاد أشده في حكم الملك قباذ الثاني، فقتل رأس الجالوت مار زطرة الثاني (٥٢١ م) وتوقف التدريس في مثيبتي سورا وفومبديثة.
فلا بدع إذا وجدنا يهود العراق يستقبلون جيوش العرب الفاتحين استقبال المحررين. فارتفع عن كاهلهم نير الفرس الذي كان يتهددهم بالهلاك والدمار. فقد ضمن الخلفاء الراشدون لأهل الذمة، ومنهم اليهود، الأمان والحرية الدينية. ولم يعودوا ملزمين بأكثر من جزية يدفعونها إلى بيت المال. وفي خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رض) تولى رئاسة الجالوت بستناي بن حنيناي سليل رؤساء الجالوت الأقدمين من آل داود، فأقره الخليفة في منصبه بكتاب عهد وجه إليه، فعادت لليهود حريتهم الدينية وانتظمت إدارتهم الداخلية (٦٤٠ م.) «١» ويروي مؤرخو اليهود أنه عندما مر أمير المؤمنين الإمام
стр. 369
علي بن أبي طالب (رض) بمدينة فيروز شابور (الأنبار) خرج لاستقباله مار إسحاق رأس مثيبة فومبديثة بجمع غفير من اليهود يبلغ تسعين ألفا، لعرض الولاء والإخلاص، فأكرم أمير المؤمنين وفادته وأقره في منصبه وأعطاه الحقوق نفسها التي كان يتمتع بها جاثليق النصارى «١» .
واستمرت الحالة على هذا المنوال طوال أيام حكم الدولة الأموية في الشام. ولما تأسست الدولة العباسية وعمرت بغداد سنة ٧٦٣ م.
(١٤٦ هـ.) انتقل إليها مقام رأس الجالوت ليكون على مقربة من قصر الخلافة، وظلت مدرستا سورا وفومبديثة توجهان اليهود في أمورهم الدينية. وقد أدرك اليهود عزا وبسطة في العيش في صدر الدولة العباسية، غير أن حالتهم ساءت كثيرا في خلافة المتوكل، إذ إنه أغلظ معاملة أهل الذمة وأجبرهم على لبس الغيار.
ومنذ ذلك الحين انحط مقام رأس الجالوت وتسرب الضعف إلى مدرستي سورا وفومبديثة «٢» وألغى نظام الوراثة في تعيين رأس الجالوت وتدخل الغاؤونيم في أمر انتخابه فنشبت من جراء ذلك قلاقل وفتن كثيرة بين اليهود أنفسهم ساعدت على تردي أحوالهم.
وقد زادت الحالة سوءا بعد الانحطاط الذي عانته الخلافة العباسية من تدخل الأمراء المتغلبين. فقد مرت بالعراق شدائد ومحن في حكم البويهيين والسلاجقة، ولحق باليهود ما لحق بسائر سكان البلاد من
стр. 370
تخاذل وتقهقر، فصارت موارد مدارسهم الكبرى تتضاءل يوما بعد الآخر إلى أن أغلقت نهائيا في خلافة القادر بأمر الله (٩٩١- ١٠٣١ م.) وكان آخر رؤساء مدرسة سورا الغاؤون هاي بن شريرا المتوفى في حدود سنة ١٠٣٨ م. وآخر رؤساء مدرسة فومبديثة صموئيل كوهين بن حفني المتوفي سنة ١٠٣٤ م. ومن ثم انتقل مركز اليهود العلمي إلى الأندلس.
وبعد فترة دامت مائة سنة، آل عرش الخلافة العباسية إلى المقتفي لأمر الله محمد. (٥٣١- ٥٥٥/٥٥٦ هـ. و ١١٣٦- ١١٦٠ م.) وكان من أعظم خلفاء بني العباس، إذ إنه قضى على نفوذ السلاجقة وأعاد للخلافة عزها وسؤددها ونفوذها السياسي إلى جانب نفوذها الديني.
فقرر هذا الخليفة الحازم إعادة رئاسة الجالوت إلى سابق ما كانت عليه من رفعة ومقام. فأناط هذا المنصب بالثري العالم البغدادي سليمان بن حسداي، سليل آل الملك داود من جانب أمه، ووجّه إليه كتاب عهد ولاه به الرئاسة على جميع الطوائف اليهودية في شرقي الفرات. ومن ثم فتحت في بغداد مدارس علمية عديدة أهمها مثيبة «غاؤون يعقوب» عهد برئاستها إلى الحبر الرّابي إبراهيم، ومن بعده انتقلت إلى علي بن إسرائيل اللاوي (١١٥٢- ١١٦٠ م.) وهكذا نشأ جيل جديد من رؤساء المثيبة يعرفون بغاؤونية بغداد، ظلت مستمرة إلى أن سقطت الدولة العباسية.
وبعد وفاة رأس الجالوت سليمان بن حسداي، انتقل منصبه إلى ولده دانيال، في خلافة أبي المظفر المستنجد بالله يوسف (١١٦٠- ١١٧٠ م.)
стр. 371
وانتقلت رئاسة المثيبة إلى الرابي صموئيل بن علي بن إسرائيل اللاوي الملقب بابن الدستور (١١٦٠- ١٢٠٨) وفي أيام هذين الرئيسين كانت زيارة بنيامين لمدينة بغداد قرابة سنة ١١٦٨ م. فوجد الجماعة اليهودية فيها تنعم بالرفاهة والعلم والثراء في ظل الخلافة الوارف، فأسهب بوصف مدارسهم وموكب رأس جالوتهم بعبارات تنم عن إعجابه واغتباطه بما شاهده «١» .
وفي سنة ١١٧٤ م. توفي رأس الجالوت دانيال من غير أن يخلّف ولدا يرث منصبه. فنشب على إثر ذلك خلاف بين داود وصموئيل ولدي أخيه، وكانا يومئذ في الموصل، حول التولية. فانتهز ابن الدستور رأس المثيبة هذه الفرصة، فضم منصب رأس الجالوت إلى منصبه.
وبذلك أصبح رأس المثيبة المرجع الوحيد ليهود العراق والبلاد التي في شرقي الفرات، في أمورهم الإدارية والدينية. وقد اكتشفت في السنوات الأخيرة بين مخطوطات مكتبة لننغراد مجموعة من الرسائل التي وجهها الرئيس صموئيل بن علي إلى رؤساء اليهود في البلدان الداخلة في نفوذه الديني، تعد من أهم المصادر لتأريخ يهود العراق في القرن الثاني عشر للميلاد «٢» .
إن مؤرخي اليهود لا يكادون يذكرون شيئا عن رؤساء المثيبة الذين خلفوا صموئيل بن علي (ابن الدستور) . والأثر العبري الوحيد الذي لدينا عنهم هو ديوان شاعر يهودي عاش في بغداد في حدود سنتي
стр. 372
١١٩٥- ١٢٥٠ م. يدعى إلعازر بن يعقوب البغدادي. ضمن ديوانه قصائد في مديح رؤساء المثيبة. أما في المصادر العربية فيعود الفضل في تعريفنا بهم إلى اثنين من مؤرخي بغداد في ذلك العهد، أحدهما أبو طالب علي بن أنجب تاج الدين المعروف بابن الساعي في كتابه «الجامع المختصر» ، والثاني أبو الفضل عبد الرزاق بن الفوطي البغدادي في كتابه «الحوادث الجامعة» .
ويستفاد مما أورده ابن الساعي أن الذي خلف ابن الدستور في رئاسة المثيبة هو إلعازار بن هلال بن فهد ثم ولي من بعده دانيال بن إلعازار بن هبة الله الذي ولي رئاسة المثيبة في التاسع من شهر ذي القعدة سنة ٦٠٥ هـ. (٩/١٢٠٨ م) في خلافة الناصر لدين الله العباسي. وقد أورد هذا المؤرخ نص كتاب العهدة الذي وجهه إليه الخليفة، ندرجه فيما يلي، لأنه من أهم الوثائق الخاصة بتأريخ يهود العراق في ذلك العهد «١» :
стр. 373
بسم الله الرحمن الرحيم «الحمد لله الواجب شكره. الغالب أمره. العلي شأنه. القوي سلطانه. السابغة نعمته. المتفرد بالجلال والاقتدار. المصرف على مشيئته مجاري الأقضية والاقتدار. الدال على وحدانيته ببديع فطرته.
المانع لعجائب صنعته من أن يتقدر في الأوهام كنه معرفته. الهادي إلى سبل الرشاد من يشاء من خلقه. الهامي سحاب فضله على كل مقر بربوبيته عارف بحقه. الذي اصطفى محمدا ﷺ وآله من أكرم أرومة وأعلى محتد وجرثومة. وأشرف العرب منصبا وأعزها قبيلا.
وأوضحها في المكارم سبيلا. وأرسله إلى الأحمر والأسود نبيا. واختاره من أصناف الأمم عربيا. وأيده بالحكم أميا. وجعله منصورا بملائكته محميا. وأتبعه بالبرهان الساطع. والدليل القاطع. ونسخ بشريعته الملل السالفة والشرائع. فلم يزل ﷺ وآله، بأمر الله صادعا. ولأنف الباطل جادعا. ولما أنزل الله مبلغا. ولجهده في نصح الأمة مستفرغا.
فصلى الله عليه وعلى آله وعلى سلالة عمه ووارثه وصنو أبيه العباس الذي طهره الله من الأدناس. وفرض مودتهم وطاعتهم على جميع الناس. الخلفاء الراشدين. وأئمة الحق المجتهدين. صلة لا انقشاع لغمامها. ولا انقطاع لتواصل دوامها. والحمد لله الذي أصار إلى خليفته في أرضه. ونائبه في خلقه. الإمام المفترض الطاعة على سائر الأنام. الناصر لدين الله أمير المؤمنين، ووارث الأنبياء والمرسلين. حجة الله على الخلق أجمعين. من مواريث أنبيائه ومآثر خلفائه في أرضه
стр. 374
وأمنائه. ما هو أحق بحيازة مجده. وارتداء علائه. وأخذ ميثاق طاعته على الأمم في الأزل. وألزم الأواخر منهم ما ألزم الأول. وفرض على الخلق الاقتداء به والائتمام. وجاز له وراثة الخليفة عن الخليفة والإمام عن الإمام. زاد الله شرفا إلى شرفه. وأدام على العالمين ما منحهم به من شمول عدله، وحصانة كنفه. فالمسلم والذمي والمعاهد في ظل أياديه الشريفة وادعون. وفي رياض الأمانة راتعون. ومما يكلؤهم من عين رافته اليقظى هاجعون. لا يكدر لهم شرب ولا يذعر لهم سرب.
وحكم عدله يوجب النظر العام في مناظر أمرهم. وجوامع مصالحهم.
ورعاية جمهورهم. لما وكله الله تعالى إليه من سياسة عباده. وناطه بشريف آرائه واجتهاده.
ولما ضرع دانيال بن إلعازار بن هبة الله في ترتيبه رأس مثيبة اليهود، عوضا عن إلعازار بن هلال بن فهد الدارج على قاعدته، وجاري عادته، وانتهى ما يتحلى به عند أهل نحلته، ويتصف به. واستحقاقه لما ضرع فيه بحسن طريقته منهم، وسلامة مذبه، رسم- أعلى الله تعالى المراسم الشريفة المقدسة المعظمة الممجدة المكرمة النبوية الإمامية الطاهرة الزكية الناصرة لدين الله، زادها الله جلالا ممتد الرواق، ونفاذا في الأقطار والآفاق- ترتيبه رأس مثيبة اليهود على عادة الدارج المشمار إليه، حيث كان ابن الدستور رأس مثيبة أيضا. وأن يكون له النظر في ما كان للدارج النظر فيه والولاية عليه، في جميع الأماكن التي جرت عادته بتوليها والتصرف فيها. وأن يتميز عن نظرائه وأشكاله باللبسة التي عهدت لأمثاله، وسبيل طوائف اليهود وحكامهم بمدينة السلام
стр. 375
وأكناف العراق، الانتهاء في ذلك إلي المأثور به والرجوع إلى قوله في توسط أمورهم، والعمل بموجبه. وأن يخرجوا إليه من الرسوم التي جرت عادة من تقدمه بها بالأماكن التي كان يتصرف فيها من غير معارضة له في ذلك، مع قيامه في ما يأتيه ويذره بشرائط الذمة والتزامه ومحافظته بالامتثال وبواجب الاعتصام والإجلال، إن شاء الله تعالى، وبه الثقة.
وكتب في تاسع ذي القعدة من سنة خمس وستمائة. والحمد لله وصلواته على سيدنا محمد النبي وآله الذي ختم النبيين، وهو سيد المرسلين المصطفى على سائر الخلق أجمعين، صلاة دائمة إلى يوم الدين.»
والظاهر أن رئاسة دانيال بن إلعازار كانت قصيرة الأجل، لم تستمر أكثر من عام واحد. إذ يذكر ابن الساعي في حوادث سنة ٦٠٦ هـ (١٢١٠ م) خبر تولية هبة الله بن أبي الربيع الطبيب الفيلسوف، رئاسة المثيبة في خلافة الناصر أيضا، وهو في الستين من عمره «١» .
ومن بعده ولي الرئاسة أبو الفتح إسحاق بن الشويخ. ذكر ابن الفوطي تاريخ وفاته في حوادث سنة ٦٤٥ هـ (٨/١٢٤٧ م) أما تاريخ توليته فقد أغفلته الرواية العربية. غير أن بوزنانسكي يعين لذلك سنة ١٢٢١ م (٦١٨ هـ.) فيكون ابن الشويخ قد عاصر أربعة من خلفاء بني العباس هم الناصر والظاهر والمستنصر، وتوفي في السنة الثانية من خلافة المستعصم. والمظنون أنه الرئيس إسحاق بن إسرائيل الذي
стр. 376
يتحدث عنه يهوذا بن سليمان الحريزي صاحب المقامات الذي زار بغداد في حدود سنة ١٢٢١ م (٦١٨ هـ.) «١»
وقد لفت نظرنا الأستاذ الدكتور مصطفى جواد إلى نسخة شمسية، لجزء من مخطوط قديم لعبد الرزاق بن الفوطي، صاحب الحوادث الجامعة، عنوانه «مجمع الآداب في معجم الألقاب» جاء في الورقة ٢٩٠ منه ترجمة طريفة لابن الشويخ هذا نصها: «فخر الدولة أبو الفتح إسحاق ابن أبي البركات ابن الشويخ الإسرائيلي البغدادي، رأس المثيبة.
كان حبرا عالما بأحكام التوراة، عارفا بالنجوم والحساب، مشكور الطريقة، جميل الأخلاق. قد تأدب واشتغل وحصل النحو واللغة.
حضره جماعة من اليهود يتألمون من نواب صاحب الديوان معلى ابن الدباهي. فكتب إليه في المعنى. فوقع تاج الدين بقلمه على رأس رقعته: «يحقق حال رافعوها!» . فلما وقف فخر الدولة عليها، كتب على الرقعة وأعادها إليه:
مذ كان همكم إسعاف مفتقر ... وجبر منكسر وبسط منقبض
حكى يراعكمو بالطرس فعلكمو ... فليس ينكر منه رفع منخفض
فقضى حوائجهم في الحال. توفي في عاشر شهر رمضان سنة ٦٤٥، وحمل إلى جبل الطور، وكان قد جاوز الثمانين.» أهـ.
وفي ديوان إلعازر بن يعقوب البغدادي قصيدة في رثاء رأس المثيبة إسحاق بن الشويخ تدل على ما كان لهذا الرئيس من مقام جليل في قلوب يهود بغداد. ويستبان من أبيات هذه القصيدة أنه كان لابن
стр. 377
الشويخ ولد يدعى إلعازر «١» .
وولي رئاسة المثيبة بعد ابن الشويخ دانيال بن صموئيل كوهين بن أبي الربيع يذكر ابن الفوطي توليته في حوادث سنة ٦٤٥ هـ.
(١٢٤٧ م.) في وزارة مؤيد الدين محمد بن العلقمي، وقاضي القضاة عبد الرحمن بن اللمغاني «٢» . أما بوزناتسكي فيعين تاريخ توليته سنة ١٢٤٠ م. (٦٣٨ هـ.) «٣» . ويمكن التوفيق بين القولين إذا فرضنا أن ابن أبي الربيع ولي رئاسة المثيبة قبل وفاة ابن الشويخ الذي ربما كان قد اعتزل منصبه لشيخوخته أو لمرض ألم برجله كما يظهر من ديوان إلعازر البغدادي «٤» .
ومن بعده ولي الرئاسة عالي بن زكرية الأربلي. يذكر ابن الفوطي توليته في حوادث سنة ٦٤٨ هـ. (١٢٥٠ م.) «٥» ويسميه بوزنانسكي «على الثاني» تمييزا له عن علي بن إسرائيل اللاوي الذي سبق ذكره «٦» .
وفي ديوان إلعازر البغدادي قصائد في مدحه يستبان منها أن ولده زكرية كان يشغل منصب نائب رأس المثيبة على عهده «٧» .
عند هذا الحد تقف المصادر العربية عن رؤساء اليهود. فقد اضطربت الحال يومئذ في بغداد من جراء اقتراب جيوش المغول، وأصبح
стр. 378
ابن الفوطي وأمثاله في شغل عن ذكر رأس مثيبة بغداد، في وقت أمسى مصير الخلافة نفسها معلقا في كفة الأقدار. والذي نفهمه من ديوان إلعازر البغدادي أن الذي تولى رئاسة المثيبة بعد عالي بن زكرية، يدعى صموئيل بن دانيال كوهين ابن أبي الربيع «١» . وفي عهده دخل المغول مدينة بغداد سنة ٦٥٦ هـ. (١٢٥٨ م.) فانتهت الخلافة العباسية وقضي على مراسيمها وأسبل الستار على غاؤونية بغداد ومدارسها التي ازدهت قرنا كاملا من السنين «٢» .
стр. 379
فتنة داود بن الروحي مسيح العمادية الدجال
ليست الفتنة التي أثارها في العمادية داود بن الروحي المسيح الدجال، فريدة ببابها في تاريخ اليهود. فقد ظهر عندهم في مختلف العصور، غير واحد ممن ادعى النبوة وزعم أنه المسيح المنتظر. وكان ظهور أمثال هؤلاء الدجالين، في أغلب الأحيان، يعقب إحدى موجات الاضطهاد التي كانت تطغى على اليهود بين وقت وآخر. فكان السذج منهم ينجرفون وراء مثل هذه الدعوات بدافع الضيق الشديد، وكثيرا ما كان ظهور أولئك الأدعياء سببا في إراقة الدماء وأخذ البريء بجريرة المذنب، فضلا عن رد الفعل السيئ الذي كانت تخلّفه في النفوس مثل هذه الأوهام عندما يظهر زيفها وينكشف بطلانها.
ومن أشهر أولئك المسيحين* الأدعياء الذين نشأوا بين اليهود في الشرق الإسلامي خلال القرون الوسطى، دجال يدعى سيرينيوس ظهر في الشام «١» . في آخر خلافة عمر بن عبد العزيز وأول خلافة يزيد الثاني (٧٢٠- ٧٢٤ م) وآخر يدعى عبيد الله أبا عيسى إسحاق بن يعقوب الأصبهاني الذي ابتدأ دعوته في زمن آخر ملوك بني أمية مروان بن محمد (٧٤٤- ٧٥٠ م) «٢» ومنهم أيضا داود بن الروحي موضوع بحثنا.
стр. 380
إن مؤرخي اليهود لا يكادون يذكرون عن داود بن الروحي أكثر مما أورده بنيامين في رحلته «١» . فهو أول من روى هذه الحادثة، وعنه أخذ كل من كتب عنها من المتقدمين والمتأخرين. أما المصادر العربية فلا تعرف شيئا عن هذا الحادث. والمرجع الوحيد الذي يتناوله بشيء من التفصيل، رسالة عنوانها «بذل المجهود في إفحام اليهود «٢» » من تصنيف السموأل بن يحيى المغربي الطبيب الذي اعتنق الإسلام في بغداد سنة ٥٥٨ هـ. (١١٦٢ م) وارتحل عنها إلى أذربيجان حيث خدم بيت بهلوان وأمراء دولتهم، وتوفي في مراغة سنة ٥٧٠ هـ (١١٧٤ م) وعلى هذا يكون قد شاهد حوادث هذه الفتنة عن كثب، فأدرجها بفصل خاص من رسالته، لأنه وجد في موضوعها وسيلة للطعن في اليهود.
أما تاريخ وقوع الفتنة فيمكن تحديده في سنة ١١٦٠ م، في خلافة المقتفي لأمر الله العباسي. وهذا ظاهر من قول بنيامين «وقبل عشر سنوات قامت في العمادية فتنة داود بن الروحي» ولما كان من المقرر أن بنيامين زار إيران قرابة سنة ١١٧٠ م. وجب أن يكون التاريخ الذي نعينه لوقوع الحادث صحيحا. كذلك يستبان مما أورده بنيامين أن داود كان قد تلقى العلم في بغداد عن حسداي رأس الجالوت وعن علي رأس المثيبة. ولما كان علي بن إسرائيل اللاوي قد تولى رئاسة المثيبة من سنة ١١٥٢ إلى سنة ١١٦٠ م. أمكن القول بأن داود بن الروحي قام
стр. 381
بحركته في حدود هذه السنة «١» أما السموأل بن عباس فيكتفي بالقول «وهو جرى في زماننا» أي قبيل اعتناقه الإسلام سنة ١١٦٢ م. وإذا كان بنيامين وابن عباس يتفقان في منشأ هذه الفتنة وأسبابها، فإنهما يختلفان في أسلوب روايتها. فالأول ينسب إلى ابن الروحي الخوارق والمعجزات، في حين يتحامل الثاني عليه بالطعن والمذمات. أما وقد طالع القارئ رواية بنيامين في متن الرحلة (ص ١٥٤- ١٥٧) نرى من المناسب أن نلخص فيما يلي رواية ابن عباس، لتكوين فكرة شاملة عن مسيح العمادية الدجال:
نشأ داود بن سليمان المعروف بابن الروحي في سواد الموصل قرابة منتصف القرن السادس للهجرة (الثاني عشر للميلاد) . وكان شابا وسيما ذا جمال في صورته. فلما بلغ أشده انتقل إلى بغداد حيث تفقه بعلوم اليهود في مدارسهم الكبرى، كما برع في علوم العرب ولغتهم، يضاف إلى ذلك، على قول بنيامين، إتقانه فنون السحر والشعوذة.
ومن ثم عاد إلى العمادية حيث اتصل بصاحب قلعتها فأصبح من أصدقائه المقربين، لتوهم الوالي فيه ديانة كان يتظاهر بها. فطمع هذا المحتال في جانب الوالي واستضعف عقله فتوهم أنه يتمكن من الوثوب على القلعة وأخذها، وأنها تبقى له معقلا حصينا، ودخل في روعه أنه المسيح المنتظر. فكانت أول خطوة اتخذها لتحقيق غايته أنه كتب إلى
стр. 382
يهود العجم والقرائين في نواحي أذربيجان وما والاها، اعتقادا منه أنهم أكثر سذاجة من سائر اليهود، وذكر في كتابه أنه قائم على إنقاذهم، وخاطبهم بأنواع المكر والخديعة. فمن بعض فصول كتبه التي يقول ابن عباس أنه رآها، ما هذا معناه: «ولعلكم تقولون: هذا لأي شيء قد استفزنا، لحرب أم لقتال؟ .... لا. لسنا نريدكم لحرب ولا لقتال. بل لتكونوا واقفين بين يدي هذا القائم، ليراكم هناك من يخشاه من رسل الملوك الذين ببابه ... وينبغي أن يكون مع كل واحد منكم سيف أو غيره من آلات الحرب، يخفيه تحت أثوابه» «١» .
ويستمر ابن عباس في روايته، إن يهود الأعاجم وأهل نواحي العمادية (كذا) وسواد الموصل قد استجابوا إلى دعوة داود، ونفروا إليه بالسلاح المستتر، حتى صار عنده منهم جماعة كثيفة. وكان الوالي لحسن ظنه به يظن أن أولئك القادمين إنما جاءوا لزيارة ذلك الحبر الذي قد ظهر لهم، بزعمه في بلده إلى أن تكشفت له مطامعه، وكان حليما عن سفك الدماء، فقتل صاحب الفتنة المحتال وحده. أما الباقون فتناجوا مدبرين، بعد أن ذاقوا وبال المشقة والخسارات والفقر.
ثم ينتقل السموأل بن يحيى بن عباس إلى حديث لم يتطرق إليه بنيامين، ونعني به أثر هذه الفتنة التي قامت في العمادية، في يهود بغداد وصداها بين عامتهم، فيقول:
стр. 383
«ولما وصل الخبر إلى بغداد، اتفق هناك شخصان من محتالي اليهود ودواهيهم، فرووا عن لسان داود كتبا إلى يهود بغداد، يبشرهم بالفرج الذي كانوا قديما ينتظرونه، وأنه يعين لهم ليلة يطيرون فيها أجمعين إلى بيت المقدس. فانقاد إليهما بعض السذج من اليهود وذهبوا بأموالهم وحليهم إلى ذينك الشيخين، ليتصدقا به على من يستحقه بزعمهما. وصرف اليهود جل أموالهم في هذا الوجه. واكتسوا ثيابا خضراء. واجتمعوا في تلك الليلة على السطوح، ينتظرون الطيران.
بزعمهم، على أجنحة الملائكة إلى بيت المقدس وارتفع من النساء بكاء على أطفالهن المرتضعين، خوفا أن يطرن قبل طيران أولادهن، أو يطير أطفالهن قبلهن، فيجوع الأطفال بتأخر الرضاع عنهم. فتعجب المسلمون هناك مما اعترى اليهود حينئذ، بحيث أحجموا عن معارضتهم، حتى تنكشف آثار مواعيدهم العرقوبية. فما زالوا متهافتين إلى الطيران إلى أن أسفر الصبح عن خذلانهم وامتناعهم، ونجا ذانك المحتالان بما وصل إليهما من أموال اليهود وانكشف لهم وجه الحيلة؛ فسموا ذلك العام «عام الطيران» وصاروا يعتبرون به سنين كهولهم والشبان» .
هذه هي خلاصة ما يرويه السموأل بن عباس عن فتنة داود بن الروحي. أما عن عاقبة هذا الدجال فهناك روايات متباينة. فابن عباس يقول: إنه مات مقتولا بيد صاحب العمادية. ويروي بنيامين أنه قضى مذبوحا بيد حميه أثناء ما كان غارقا في نومه. وهناك رواية منسوبة لموسى بن ميمون مفادها أن داود الداود (كذا) عند ما انكشفت حيلته
стр. 384
وقبض عليه وعرف بمصيره المحتوم، خاف أن ينكل الوالي به ويعذبه قبل قتله. فعمد إلى حيلة تخلص بها من التعذيب الذي كان ينتظره.
فزعم بحضور الوالي أنه إذا قطع رأسه لا يلبث أن يعود إلى الحياة.
وعلى ذلك أمر الوالي بجز رقبته. فعاجلته المنية وانتهى أمر هذه الفتنة «١» .
стр. 385
المحتويات