Полный текст (385 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
وعلى مسيرة سبعة أيام منها:-
خيوة Khiva «١» البلدة الكبيرة على شاطئ نهر غوزان. فيها نحو ثمانية آلاف يهودي. ولها تجارة واسعة، يؤمها التجار من جميع الأمم للبيع والشراء. وأراضيها على امتداد عظيم. وهي تبعد مسيرة خمسة أيام عن:-
سمرقند Samarkant «٢» البلدة المتاخمة لمملكة (العجم «٣» ) . فيها نحو خمسين ألف يهودي «٤» . بينهم عدد كبير من العلماء وذوي اليسار، وعندهم الرئيس عوبدية الموكل بهم من رأس الجالوت ببغداد.
وعلى مسيرة أربعة أيام منها:-
بلاد التبت Tibet «٥» فيها آجام يكثر فيها غزال المسك. ومنها يقطع المسافر مسيرة خمسة وعشرين يوما، فيعود إلى:-
نيسابور Naysabur «٦» على شواطئ نهر غوزان (سفيد رود) .
стр. 317
ويزعم يهودها أنهم من بقايا الأسباط الأربعة من بني إسرائيل التي أسرها شلمناصر ملك أشور. وهي أسباط دان وزبولون ونفتلي وآشر التي ورد عنها في التوراة: «وسبى ملك أشور بني إسرائيل إلى أشور، ووضعهم في حلح وحابور، نهر غوزان وفي مدن مادي» . وهي بلاد واسعة الأرجاء تبلغ مسيرتها عشرين يوما. وبها المدن والقرى تحميها الجبال من جهة ونهر غوزان من الجهة الأخرى.
واليهود هنا مستقلون. لا يدينون بالطاعة لغير رئيسهم يوسف أمر كلة اللاوي ومن معه من كبار علماء الدين. وهم يشتغلون بالزراعة ويخرجون للغزو في بلاد الكاشيين (خراسان) بطريق الصحراء.
ولهؤلاء اليهود أحلاف من القبائل التي يسميها المسلمون «كفار الترك» . وهم جماعات لا حصر لها من البدو. يعيشون في الصحراء ويعبدون الهواء، وطعامهم اللحم النيئ، يأكلونه من غير شواء. ولا يأكلون الخبز ولا يعرفون الخمر. وفي موضع الأنف في وجوههم ثقبان صغيران يتنسمون بهما الهواء. وهم إذا أكلوا لحما لا يفرقون بين الطاهر وغير الطاهر من الحيوان. وعلاقتهم باليهود يسودها الصفاء والوثام.
وقد أغار «كفار الترك» على بلاد العجم قبل ثمانية عشر عاما «١» ،
стр. 318
بجيوش جرارة، فاستولوا على «الري» وأعملوا السيف في رقاب أهلها ونهبوا ما فيها ورجعوا بما غنموه إلى جبالهم. وكان هذا أول حادث في بابه في بلاد العجم.
فلما بلغت أخبار هذه المذبحة أسماع ملك العجم، ثار ثائره وأقسم ليبيدن هذه القبائل التي باغتت بلاده من وراء الصحراء، وليمحونهم من تحت السماء. فانتشر المنادون في طول البلاد وعرضها يطلبون الأدلاء لهداية الجيوش اللجبة في مسالك الصحراء. فشخص رجل بحضرة الملك وقال له: «إني دليلكم إلى مضارب القوم، لأنني منهم» . فوعده الملك بجزيل العطاء إن هو دلهم على السبل المؤدية إلى تلك الجبال السحيقة. فلما سأله عن مقدار المؤونة التي يحتاجها الجند في مسيرته، قال: «تزودوا بما يكفيكم خمسة عشر يوما من الزاد والماء.» .
وخرجت الجيوش الجرارة تطلب مضارب القوم. وظلت تضرب في عرض البيداء خمسة عشر يوما دون أن تعثر للأعداء على أثر. فأشرف
стр. 319
الزاد على النفاد، وهلك بعض الجند والخيل جوعا. فأحضر الملك دليل الجيش بين يديه واستوضح منه جلية الأمر. فأخبره هذا بأنه قد ضل الطريق. فغضب الملك وأمر بقطع رأس الدليل. ثم نادى المنادون يوصون الجند بالتقتير بالزاد، وأن يقاسم من يحمل شيئا منه صاحبه.
وذبحت الخيل لأطعام الجيوش خوفا من هلاكه عن آخره.
وبعد مسيرة ثلاثة عشر يوما أشرفوا على جبال نيسابور حيث يقيم اليهود. وكان وصولهم إليها في يوم سبت. فضربوا خيامهم بين الرياض والبساتين المثمرة على عين ماء بالقرب من نهر غوزان، فعاثوا بالأشجار، يأكلون فاكهتها ويقطعون عيدانها، لكنهم لم يجدوا حولها إنسيا واحدا. وكانت المدن والقلاع تظهر لعيانهم عن بعد. فأوفد الملك رسولين من جنده لاستطلاع خبر القوم. ولما بلغ الرسولان شاطئ النهر، وجدا عليه قنطرة عظيمة فوقها الأبراج الحصينة، وبرأسها باب ضخم محكم الإيصاد، وفي عدوة النهر من الجانب الآخر مدينة كبيرة.
فصاح الرسولان تنبيها لمن على الجسر بحضورهما. فخرج إليهما رجل يسألهما عن هويتهما ووجهتهما، لكنهما لم يفقها حديثه.
وبعده حضر ترجمان يفهم لغة الرسولين، فلما سألهما عن أمرهما وما يريدانه، أجابا: «إننا من عسكر ملك العجم وقد جئنا نستطلع شأنكم ونعرف الملك الذي يحكمكم» . فقال الرجلان: «إننا يهود، لا نعرف لنا ملكا غير رئيسنا، وهو يهودي مثلنا.»
وعندها سألهما الرسولان عن قبائل الغز من كفار الترك. فأجاب اليهوديان: «إنهم أحلافنا. ومن آذاهم فهو عدونا» .
стр. 320
فرجع الرسولان أدراجهما وأخبرا ملك العجم بما شاهدا وما سمعا، فاحتار الملك وخاف سوء المغبة. وفي اليوم التالي جاءه رسول أهل المدينة يدعو جيش العجم إلى الحرب والقتال فقال الملك: «إني ما حضرت إلى هنا لقتالكم، وإنما لمناجزة أعدائي كفار الترك. فإذا أبيتم إلا قتالي، فسوف أنتقم منكم بإهلاك جميع اليهود القاطنين في مملكتي، وهم كثيرون. وأنتم في هذا المكان أقوى مني. فأنا أسألكم بالمعروف أن تكفوا عن قتالي وتتركوني وشأني مع كفار الترك.
وسوف أدفع لكم ثمن ما يحتاج إليه جندي من زاد وأرزاق.»
فلما سمع اليهود هذا الكلام، تشاوروا فيما بينهم، وقر رأيهم على مصافاة ملك العجم، حقنا لدماء إخوانهم من اليهود المقيمين في بلاده. فاستضافوا جند العجم في مدينتهم خمسة عشر يوما وأكرموا وفادتهم غاية الإكرام.
لكنهم ظلوا أمناء على عهدهم مع كفار الترك، فأوفدوا إليهم سرا من يشعرهم بمقدم ملك العجم لمقاتلتهم. فاستعد كفار الترك، وأخذوا الأهبة للحرب والقتال، فنصبوا الكمين في مسالك الجبال ومضائق الشعاب، وحشدوا الجيوش الجرارة من جميع أنحاء تلك الصحراء. فما إن خرج ملك العجم بعسكره لمقاتلتهم حتى هاجموه من كل صوب، فانتصروا عليه، وأهلكوا عددا غفيرا من جنده، ففر ملك العجم بمن كتبت له السلامة من أتباعه وعاد إلى بلاده.
وحدث أن فارسا من جند ملك العجم خدع يهوديا يدعى موسى، فاستصحبه إلى بلاد العجم، وهناك استرقه له عبدا. وبعد مضي مدة
стр. 321
من الزمن احتشد الناس بمهرجان عظيم، يتبارى فيه الرماة بحضور السلطان. فكان موسى مملوك الفارس العجمي بين المتبارين. فأظهر براعة بالرمي، لم يستطع أن يجاريه أحد فيها. فعجب السلطان من أمره فقربه منه وسأله عن حاله. فقص موسى على السلطان ما حدث له مع الفارس، وخديعته له واتخاذه عبدا رقيقا.
وللحال أمر السلطان بإطلاق سراحه، وخلع عليه حلة نفيسة من حرير وأغدق عليه الهدايا والعطايا. ثم زين له البقاء في حاشيته واعتناق ديانته. ووعد بأن يجعله من كبار الأغنياء، وقيما موكلا بقصره. لكن موسى رفض هذا العرض، وعندئذ أرسله السلطان إلى سرشالوم رئيس اليهود في أصبهان للعناية بأمره. وهناك تزوج من ابنة الرئيس.
هذا ما قصه علي «موسى» بنفسه.
وكانت عودتي من نيسابور إلى خوزستان المشرفة على نهر دجلة المنصب في بحر الهند وفي هذا البحر قطعت مسيرة ستة أيام إلى:-
جزيرة قيس Qais «١» أرض هذه الجزيرة شحيحة الماء، ليس فيها غير عين واحدة. وأغلب شرب أهلها من ماء المطر. وهي مركز تجاري مهم، يقصدها التجار للبيع والشراء ومقايضة ضروب السلع كالحرير والكتان والقطن والقنب والماش والحنطة والشعير والدخن والرز وسائر أنواع الحبوب والبقول ويأتيها تجار الهند بالعطور والتوابل. وأغلب سكان الجزيرة دلالون ووسطاء بين هذا
стр. 322
الحشد الغفير من التجار. ويقيم بهذه الجزيرة نحو خمسمائة يهودي. وعلى مسيرة عشرة أيام منها بطريق البحر:-
القطيف Katif «١» فيها نحو خمسة آلاف يهودي. وفيها أيضا مغاص الجوهر المعروف بالدر «٢» . ففي الرابع والعشرين من شهر نيسان من كل عام، تتساقط قطرات المطر الكبيرة على سطح الماء، فيلتقمها المحار وينطبق عليها ويغوص في قعر البحر. وفي منتصف تشرين يحضر الغواصون فيربطون حول أحقائهم الحبال فيغوصون في الماء طلبا للمحار، يخرجونه ويفتحونه فيجدون الدر في جوفه. وعلى مسيرة سبعة أيام منها:-
خولام Quilon «٣» وهي أول بلاد المجوس عبّاد الشمس والكواكب
стр. 323
من أبناء كوش. جميع سكانها سود البشرة، لكنهم مشهورون بالأمانة والصدق في الأخذ والعطاء. فإذا دخلت سفينة فرضة المدينة طلع إليها ثلاثة من كتبة السلطان، وسجلوا أسماء تجارتها في ثبت يعرضونه على السلطان. ثم يصدر أمان السلطان للتجار، فيتركون بضاعتهم في العراء، لا خوف عليها ولا حاجة بهم إلى من يحرسها. وفي سوق البلد حانوت كبير فيه مأمور موكل بجمع المفقودات. فمن ضاع له متاع راجع مأمور الحانوت وأعطاه علامة متاعه المفقود واسترده. وهذه عادة مستحبة سارية في جميع أنحاء هذه المملكة «١» .
وإقليم هذه المدينة شديد الحرارة. يتحكم موسم القيظ فيها من شهر نيسان حتى تشرين. ويبلغ من شدة الحر أن الناس لا يقدرون على مبارحة دورهم نهارا. فإذا ما أزفت الساعة الثالثة من النهار، أسرعوا إلى بيوتهم، يستجيرون بظلها حتى ساعة الغروب. وعندها يخرجون فيضيئون الشموع في الأزقة والأسواق ويزاولون أعمالهم.
وفي هذه البلاد يزرع الفلفل. وأشجاره كثيرة في حقول تحيط بالمدينة. والفلاحون يخططون مزارعهم فيعرف كل منهم حدود أغراسه. وشجرات الفلفل صغيرة تثمر حبا يكون في أول أمره أبيض.
فإذا حان قطافه وضعوه في طواجن. ثم سكبوا عليه الماء الحار وفرشوه
стр. 324
تحت أشعة الشمس حتى يجف وينقلب لونه إلى سواد. وفيها أيضا أشجار القرفة والزنجبيل وضروب شتى من التوابل والأفاويه «١» .
ومن عادة أهل هذا البلد أنه إذا مات منهم أحد لا يوارونه التراب، بل يضمخونه بأنواع الأطاييب والعقاقير ويضعونه في صندوق موصد حتى تستحكم يبوسته فيلتصق الجلد بالعظم، فيظل له مظهر الأحياء. وهكذا يحتفظون بأجداث آبائهم وأفراد أسرتهم بعد الممات مدة طويلة.
وأهل هذه المدينة كفار، يعبدون الشمس والنار. فتراهم عند مطلع الفجر يهرعون إلى معابدهم، وهي على مسافة نصف ميل من البلد، فيستقبلون الشمس المشرقة سجّدا. وعندهم في معابدهم صنم على شكل قرص الشمس يدور بحيلة سحرية، فيسمع لدورانه ضجة عالية، ويخرون له على وجوههم ويحرقون أمامه البخور. هذه هي عاداتهم السقيمة، وبئس العادة.
وفي هذه المدينة عدد زهيد من اليهود لا يربو عددهم على المائة.
وهم سود البشرة مثل غيرهم من السكان «٢» ، لكنهم أتقياء، يعرفون
стр. 325
شريعة موسى وكتب الأنبياء، وبعض التلمود والناموس. وعلى مسيرة اثنين وعشرين يوما «١» منها:-
جزيرة كندي Kandy «٢» أهلها كلهم من عباد النار المجوس، يقيم بينهم نحو ثلاثة آلاف يهودي. ولهؤلاء المجوس معابد منتشرة في أنحاء البلاد يقوم على خدمتها كهان من أمهر الناس بالسحر والشعوذة. وفي صدر كل معبد صنم، أمامه حفرة فيها نار تتأجج، لا يخبو لها أوار ليلا أو نهارا. وهذه النار مقدسة عندهم، يسمونها «إلهوتا» وبها يحرقون أنفسهم. فكثيرا ما ينذر الوجهاء والكبراء إحراق أنفسهم بهذه النار المتأججة بكامل رضائهم.
وتتم مراسيم الاحتراق بمهرجان عظيم، يستعد له من تحدثه نفسه بالأمر استعدادا كبيرا. فيتقاطر عليه المهنئون، يطوبونه ويبشرونه بالسعادة الأبدية. وإذا حل اليوم المضروب، أركبوه حصانا مطهما وسارت خلفه وقدامه الجماهير الغفيرة، تضرب بين أيديهم الأطبال والأنفار، حتى إذا ما بلغ حفرة النار، ألقى بنفسه فيها بين التسبيح والتهليل.
стр. 326
وبعد مضي ثلاثة أيام، يحضر كهنة المجوس إلى أهل المحروق فيوصونهم بإعداد البيت إعدادا حسنا، لأن ميتهم سيعود لإملاء وصيته بحضور بعض الشهود من أهل البلد. فإذا حانت الساعة المضروبة، يحضر الشيطان بهيئة الشخص المحروق فيبادر أهله وخلانه إلى السؤال عن حاله في الآخرة، فيجيب على سؤالهم إنه بخير. ويقول لهم: إن أصحابه في الآخرة يرفضون إدخاله في زمرتهم إلا إذا وفى بما عليه من ديون لأصحابه وأبناء عشيرته. وحينئذ ينطق بكيفية توزيع تركته على أولاده بعد أن يشرح ما له وما عليه من طلب ودين عند بعض الناس، فيكتب الشهود وصيته، ومن ثم ينصرف إلى غير ما عودة. ويتم هذا كله بفضل ما يقوم به الكهنة من السحر والشعوذة، فيدخلون في روع أشياعهم أن دينهم هذا يفوق كل معتقد آخر في العالم أجمع. وعلى مسيرة أربعين يوما من كندي:-
أرض الصين Chine «١» في أقصى المشرق، ووراءها البحر المتجمد.
стр. 327
وعندما تدخل الشمس برج الجبار. يهتاج البحر من عصف الرياح الشديدة، وتطوح بالمراكب نحو البحر المتجمد حيث تستقر في مكانها، لا تستطيع حراكا، حتى ينفد الزاد من الركاب، فيهلكون جوعا عن بكرة أبيهم. وقد هلكت على هذه الشاكلة مراكب لا حصر لها. ويدبر سكان هذه البلاد حيلة يتخلصون بها إذا اهتاج البحر في أثناء سفرهم. وحكاية هذه الحيلة أنهم يحملون معهم جربانا من جلود البقر. فإذا عصفت الرياح وأنذرتهم بقرب الهلاك، دخلوا هذه الجربان ومعهم سكين ماضية، وربطوها من الداخل ربطا محكما لكي لا يتسرب الماء إليها. ورموا بأنفسهم في لجة اليم.
فيهجم على هذه الجربان طائر عظيم الخلقة يدعى طائر الرخم «١» ، ظنا منه أنها جيفة حيوان. فينشب مخالبه الحادة فيها ويحملها إلى اليابسة فيطرحها فوق قمة جبل أو في بطن واد ليأكلها. وعندئذ يخرج من في الجراب سكينه التي يحملها معه فيشق الجلد ويخرج فيستولي الرعب على الطائر ويلوذ بالهرب. وبهذه الحيلة يتخلص الركاب من الهلاك فيعودون إلى الأماكن المأهولة. وعلى مسيرة ثلاثة أيام من الصين:-
стр. 328
بنغالة Bengal «١» مسيرتها خمسة عشر يوما. وفيها نحو ألف يهودي. وعلى مسيرة سبعة أيام منها بطريق البحر:-
خولان Chulan «٢» ليس فيها يهود. وعلى مسيرة اثنى عشر يوما منها:-
زبيد Zebid «٣» فيها عدد يسير من اليهود. وتبعد مسيرة ثمانية أيام عن الهند البرية «٤» المسماة:-
عدن Aden «٥» موقعها في إقليم تلسار الوارد ذكره في التوراة.
стр. 329
أراضيها وعرة المسالك. فيها عدد غفير من اليهود «١» يقيمون في المعاقل الحصينة على رؤوس الجبال، لا يخضعون لغير رؤسائهم.
ويخرجون للغزو في بلاد النوبة، فيعودون بالغنائم إلى معاقلهم.
وبعضهم يزور مصر وبلاد العجم. وعلى مسيرة عشرين يوما منها:-
أسوان Asuan «٢» الواقعة في طرف الصحراء عند شواطئ نهر فيشون «٣» المعروف بنهر النيل. ومخرج هذا النهر بلاد يسكنها الزنوج، عليهم ملك يدعى «سلطان الحبش» . وهم متوحشون يشبهون الحيوان بجميع الوجوه. فطعامهم الحشائش النامية على شاطئ النيل ومناخهم شديد الحر. لذا يعيشون في الأراضي المكشوفة، عراة الأبدان. وعاداتهم مستقبحة تخالف سائر أحوال البشر. فهم يطأون من النساء أخواتهم أو أية امرأة تتيسر لهم.
وأهل أسوان يخرجون لصيد العبيد في أراضي هؤلاء الزنج. وهم إذا خرجوا حملوا معهم الخبز والزبيب والتين. فيجتذبون الزنوج ويرغبونهم حتى يتبعوهم، ثم يبيعونهم في أسواق النخاسة بمصر وما
стр. 330
جاورها من البلدان. وهؤلاء هم السودان من بني حام. وعلى مسيرة اثني عشر يوما من أسوان:-
حلوان Haluan «١» فيها نحو ثلثمائة يهودي. ومنها تخرج القوافل إلى القفار المسماة بالصحراء. وهي واسعة الأرجاء، مسيرتها خمسون يوما. وفي طرف هذه الصحراء:-
الزويلة Zavila «٢» أو حويلة الواردة في التوراة من إقليم غانة «٣» .
وفي الصحراء كثبان الرمل التي إذا عصفت بها الرياح أثارتها وغطت القوافل السيارة فأهلكتها. وتحمل هذه القوافل السلع التجارية المتنوعة.
منها الحديد والنحاس وأنواع الفاكهة والبقول والملح من مصر، فتعود إليها بالذهب والجواهر الكريمة. وهذه الصحراء واقعة إلى الجانب الغربي من كوش المعروفة بالحبش. وعلى مسيرة ثلاثة أيام من حلوان:-
قوص Kuts «٤» موقعها في أقصى الحدود المصرية وفيها من اليهود
стр. 331
نحو ٠٠٠/٣٠ «١» وتبعد قوص مسيرة خمسة أيام «٢» عن:-
الفيوم Fayum «٣» أو فيثوم الواردة في التوراة، التي شيدها أجدادنا العبرانيون القدماء. وفيها بقايا من بنيانهم ذلك. ويقيم بها مائتا يهودي وعلى مسيرة أربعة أيام منها:-
مصر Mizraim «٤» البلدة القديمة الواقعة على شاطئ نيلوس المعروف بنهر النيل. فيها نحو ألفي يهودي «٥» ، لهم كنيسان. الأول ليهود فلسطين ويسمى «كنيس الشاميين» والثاني ليهود بابل ويسمى
стр. 332
كنيس العراقيين «١» » . وتختلف هاتان الجماعتان في كيفية تقسيم التوراة. فقد جرت عادة يهود العراق أن يقسموا أسفار موسى (ع) إلى سور بعدد أسابيع السنة، يتلون منها سورة في كل أسبوع ويختمونها في دورة العام، جريا على عادة يهود الأندلس «٢» . أما يهود فلسطين فيقسمون كل سورة إلى ثلاثة فصول يتلون منها فصلا في كل أسبوع ويختمونها في دورة ثلاثة أعوام. ويجتمع أبناء الطائفتين مرتين في العام لإقامة الصلاة مجتمعين. الأولى في يوم «مهرجان التوراة «٣» » والثانية في عيد نزول التوراة «٤» .
стр. 333
أما عميد يهود مصر فهو الناغيد «١» نثانيال «٢» ، رأس المثيبة، رئيس الجماعات اليهودية في القطر المصري، الموكل بترسيم الربانيين والأئمة في الكنائس اليهودية. وهو كذلك أحد عمال الملك الكبير المقيم في قلعة «صوعن» كرسي المملكة العربية.
وسلطان مصر من الشيعة العلوية «٣» ، أتباع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، الخارجين على سلطة أمير المؤمنين الخليفة العباسي الذي يحكم في بغداد. وبين الملكين منافسة دائمة ومقام سلطان مصر في قلعة صوعن «٤» (الفسطاط) . وهو مثل خليفة بغداد، لا يخرج من قصره إلا مرتين في العام، الأولى في يوم العيد والثانية في يوم وفاء النيل.
стр. 334
وقلعة صوعن محاطة بالأسوار المنيعة. أما مصر (القاهرة) فلا سور لها، لأن نهر النيل يستدير بها من كل جانب. وهي مدينة واسعة الأرجاء. فيها الأسواق والفنادق، وبين يهودها عدد من كبار الأغنياء والعلماء «١» .
والقطر المصري كثير الجفاف، لا ينزل فيه مطر ولا تتساقط فيه ثلوج.
ومناخه شديد الحر. ويفيض نهر النيل مرة في العام، قرابة شهر أيلول، فتغمر مياهه من الأراضي، ما مسيرته خمسة عشر يوما. فتبقى المياه فوق الأرض شهري أيلول وتشرين لإسقائها وإروائها.
وبظاهر المدينة جزيرة تحيط بها المياه «٢» . وفيها عمود من رخام أبيض، أقامه المهندسون البارعون بحكمة وإتقان. ويبلغ ارتفاع القسم الظاهر فوق الماء من هذا العمود اثنى عشر ذراعا. وهو مفصل على درجات تشير إلى مبلغ ارتفاع مياه النيل، عليه حارس موكل باعطاء
стр. 335
البشائر مياومة عن مقدار ارتفاع الماء. فينادي بالناس: «الحمد لله! إن النيل قد ارتفع اليوم كذا وكذا قياسا» . ومتى استوفى الماء قياسات العمود، علموا بأن الفيض قد بلغ الغاية، وأنه قد غمر من الأراضي ما مسافته خمسة عشر يوما. وعندئذ يبادر الفلاحون وأصحاب المزارع إلى حفر الخلجان والقنوات فيدخلها الماء الوفير، ويدخل معه السمك الكثير، يبقى في الخلجان بعد ما تنحسر عنها المياه، فيأخذه الفلاحون ويأكلونه، ويكبسون ما فاض منه بالملح، فيبيعونه من التجار الذين ينقلونه إلى الأطراف وهذا السمك سمين، لذيذ، والناس هنا تستعمل سمنه للإضاءة. وماء النيل كثير العذوبة ملائم للهضم.
ويقول العارفون بأسباب فيض النيل، إن الأمطار الغزيرة تتساقط في أرض كوش (الحبش) والحويلة (زويلة) فيفيض النيل من سيلها ويغمر الأرض. أما إذا قل فيضه فلا يكون للناس زرع في ذلك العام، ويصيب البلد قحط شديد.
ويزرع الفلاحون حقولهم في شهر حشوان (تشرين الثاني) عندما تنحسر المياه فيحصدون الشعير في آذار والحنطة في نيسان. وفي موسم الصيف تكثر عندهم أثمار الإجاص والجوز والقثاء والقرع والخروب والفول والذرة والحمص وسائر أنواع الفواكه والبقول مثل الرجلة والهليون والعنب والخس والكزبرة والهندباء والكرنب والعناب.
فتفيض الأرض بالخيرات. وتعمر الحدائق والبساتين، تسقيها مياه الخلجان المتشعبة من النيل.
стр. 336
والنيل يفترق على مسافة من مصر إلى أربعة فروع. يجري الأول باتجاه دمياط، أو كفتور الواردة في التوراة، فيصب في البحر. ويتجه الثاني نحو الرشيد القريبة من إسكندرية فيفيض في اليم. والثالث ينصب بالقرب من أشمون المدينة الكبيرة. أما الفرع الرابع فيجري باتجاه حدود مصر. وهذه الفروع الأربعة عامرة بالمدن والقرى والضياع، والمسافرون يغدون ويروحون فيما بينها برا ونهرا. وبالإجمال ليس في العالم كله بقعة آهلة بالسكان، كثيرة الزروع مثل مصر الواسعة، المليئة بالخيرات.
وعلى بعد فرسخين من مصر الجديدة، توجد أطلال مصر القديمة.
فيها دوارس الآثار والمباني العتيقة وفيها بقايا الأهراء التي شيدها يوسف الصديق (ع) لخزن الحبوب وهناك الأهرام التي بناها السحرة* مما يندر نظيره بين مباني العالم. وهي مشيدة بالحجارة المتناهية ضخامة ومتانة.
وبظاهر المدينة الكنيس الكبير لسيدنا موسى «١» (ع) يقوم على حراسته رجل يعرف بالشيخ أبي نصر. وتبلغ استدارة أطلال مصر
стр. 337
القديمة ثلاثة أميال. وعلى مسيرة ثمانية فراسخ منها:-
بلبيس Belbis «١» أو أرض جاسان القديمة. وهي مدينة كبيرة فيها نحو ثلاثة آلاف يهودي. وعلى مسيرة نصف يوم منها:-
عين شمس Rameses «٢» أو رعمسيس القديمة. فيها أطلال باقية من بناء العبرانيين القدماء على شكل أبراج متطاولة في الارتفاع.
وعلى مسيرة يوم منها:-
أبو تيج Aboutig «٣» فيها نحو مائتي يهودي. وعلى مسيرة نصف يوم منها:-
بنها Benha «٤» يقيم بها نحو ستين يهوديا. ومنها إلى:- سمناط Semnat «٥» وفيها نحو مائتي يهودي. وعلى مسيرة أربعة فراسخ منها:-
стр. 338
الدميرة Damira «١» فيها نحو سبعمائة يهودي. وعلى مسيرة خمسة أيام منها:-
المحلة Mahalla «٢» فيها نحو خمسمائة يهودي. ومنها إلى:-
إسكندرية Alexandria «٣» هي نو أمون أو أمون نو الواردة في التوراة. شيّدها الإسكندر المقدوني وجعلها من أجمل المدن وأمنعها
стр. 339
فأطلق عليها اسمه. وبظاهر المدينة مدرسة أرسطو أستاذ الإسكندر «١» .
كانت مؤلفة من عشرين قسما يقصدها طلاب العلم من جميع أنحاء العالم لدرس فلسفة أرسطو. وبناؤها واسع جميل، معقود على أساطين من رخام.
ومدينة إسكندرية مشيدة على طيقان معقودة، تحتها الكهوف والمغاور. وشوارعها مستقيمة لا يحد البصر آخرها لطولها. فالشارع الممتد من رشيد إلى باب البحر ينوف على الميل طولا. وفي مرساها رصيف يمتد في البحر إلى مسافة ميل «٢» أيضا.
وفي إسكندرية برج مرتفع يدعى «المنارة» ويسميه العرب «منار الإسكندرية «٣» » وقديما كان في أعلى البرج مرايا من زجاج، تراقب
стр. 340
بوساطتها مراكب القرصان القادمة من أنحاء الروم وبلاد المغرب، من مسافة خمسين ميلا عن الشاطئ، فتتخذ الأهبة لمنازلتها. وحدث بعد وفاة الإسكندر بعصور عديدة، أن قدم إسكندرية مركب يقوده ملاح رومي ذو حيلة ودهاء يدعى تيودرس، وكانت بلاد الروم يومئذ محكومة من مصر. فأحضر الرومي لملك مصر تحفا وهدايا نفيسة من فضة وذهب وأثواب الحرير، وألقى مرساه بإزاء المنار، في الموضع الذي ترسو السفائن القادمة من وراء البحر. ثم تودد إلى حارس المنار وصار يأدب له المآدب، يدعو إليها أعوانه أيضا حتى توثقت عرى الصداقة بين الاثنين.
وفي ذات يوم كان حارس المنار وأعوانه يعاقرون الخمر عند الملاح الرومي، فأغرقوا بالشراب حتى تولاهم سبات عميق. فانتهز الملاح فرصة نومهم فصعد إلى أعلى المنار ومعه عبيده فحطموا المرايا ولاذوا بالفرار في جنح الظلام. وبعدها صار الروم يغيرون بسفنهم الكبيرة فاستولوا على جزيرتي إقريطش (كريت) وقبرص فدخلتا في حكم الروم إلى يومنا هذا. فلم يعد بإمكان أهل مصر الوقوف بوجه الروم.
стр. 341
ولا يزال منار الإسكندرية يهدي السفائن الغادية والرائحة، ويشاهد عن بعد مائة ميل نهارا «١» وفي الليل ينبعث منه نور يهتدي به الملاحون.
وإسكندرية بلدة تجارية فيها أسواق لجميع الأمم. يؤمها التجار من الممالك النصرانية «٢» كافة. من البندقية، والأنبرذية وطسقانية وأفولية وأمالفي وصقلية وقلورية ورومانية وخزرية والبجناقية وهنغارية وبلغارية وراغوسة وخرواتية وصقلابونية وروسية وألمانية وسكسونية والدانمرك وكورلندة والنورجة وفريزية وأسكوتية وإنكلترة وويلز وفلندر وهينولت ونورمندية وفرنسة وبواتو وأنجو وبرجونية وبروفنسية وجنوة وبيزة وغسقونية وأرغون ونبارة وعدوة الغرب وإفريقية وجزيرة العرب
стр. 342
ونواحي الهند وزويلة والحبشة وليبية واليمن والعراق والشام واليونان المعروفين بالروم والترك.
وتأتيها من الهند التوابل والعطور بأنواعها فيشتريها تجار النصارى.
ولتجار كل أمة فندقهم الخاص بهم، وهم في ضجة وجلبة يبيعون ويشترون.
وبظاهر المدينة، على شاطئ البحر، يشاهد عمود كبير من رخام.
عليه صور الطير والحيوان وكتابات ورموز قديمة، ليس بميسور أحد اكتناه طلاسمها «١» ، ويقال: إنها قبر ملك عاش قبل الطوفان، يبلغ طوله خمسة عشر شبرا بالطول وستة أشبار بالعرض.
ويعيش في إسكندرية نحو ٣٠٠٠ يهودي. وعلى مسيرة يومين منها:-
دمياط Dimiatta «٢» أو كفتور الواردة في التوراة. فيها نحو مائتي يهودي وتبعد مسيرة ثلاثة أيام عن بحيرة التماسيح. ومنها إلى:-
سنباط Sanbat «٣» حيث يزرع الكتان. وأهلها ينسجون منه الأثواب الناعمة ويتجرون بها مع جميع أنحاء العالم. وعلى مسيرة
стр. 343
أربعة أيام منها:-
إيلة Ailat «١» أو إيليم الواردة في التوراة. فيها مضارب الأعراب الذين يسكنون الصحراء. وعلى بعد يومين منها:-
رفيديم Rephidim «٢» سكانها من العرب وليس فيها يهود. تبعد مسيرة يوم عن طور سيناء، وهو جبل صغير في قمته دير للرهبان السريان. وفي أسفله قرية صغيرة تدعى «الطور» يتفاهم أهلها بالآرامية. تبعد عن مصر مسيرة خمسة أيام وعن بحر القلزم مسيرة يوم واحد. وبحر القلزم فرع من بحر الهند. ومنها كانت عودتنا إلى دمياط وتنيس أو حانيس «٣» الواردة في التوراة، حيث يقيم نحو أربعين يهوديا. وهي جزيرة يستدير بها البحر.
وهنا انتهى مقامنا في أرض مصر فركبنا البحر. وبعد مسيرة عشرين يوما بلغنا:-
стр. 344
مسينة Messina «١» هي أول جزيرة صقلية. موقعها عند مضيق لونير «٢» الذي يفصلها عن قلورية (كلابرية) . يقيم بها نحو مائتي يهودي وهي بلدة كلها خيرات ورياض وبساتين. وفي مينائها يجتمع حجاج النصارى قبل إقلاعهم إلى القدس، بالنظر لموقعها الممتاز.
وعلى مسيرة يومين منها:-
بلرمو Palermo «٣» البلدة الكبيرة التي تبلغ استدارتها ميلين بالطول ومثلها بالعرض. يقيم بها نحو ١٥٠٠ يهودي مع كثير من النصارى والمسلمين.
وتكثر في هذه المدينة العيون والوديان وحقول الحنطة والشعير.
وبساتين الأشجار المثمرة مما لا مثيل له في جميع مدن صقلية. وفيها
стр. 345
قصر الملك وليم «١» ، ومقر الوصي على عرشه. وتعرف هذه البلدة بالحصينة Al Hacina وفيها خزان كبير للماء يعرف بالبحيرة Al Buhira تحتوي من ضروب السمك الشئ الكثير. فيخرج إليها الملك للنزهة، بقوارب أنيقة موشاة بفضة وذهب وتخرج معه نساء قصره. وهذا القصر بناء فخم. جدرانه ذات نقوش بديعة مموهة بالذهب والفضة. وبلاطته من رخام ملون بجميع الألوان المعروفة.
وهذه البلدة من أعمال جزيرة صقلية، حيث يحتشد حجاج النصارى. أما سائر مدنها فسراكوزة وكتانية ومرسالة وبترالية وترباني.
وتبلغ استدارة الجزيرة مسيرة ستة أيام. وفي ترباني يوجد المرجان «٢» المعروف.
وكان سفرنا من هذه الجزيرة بطريق البحر. وبعد مسيرة ثلاثة أيام بلغنا روميه، ومنها سافرنا بطريق البر إلى لوكا، وهي على مسيرة اثني عشر يوما من بردين «٣» بطريق جبل موريان «٤» والمفاوز الإيطالية.
وعند بردين تبدأ تخوم ألمانية الواقعة بين الجبال والهضاب.
وتقيم أغلب الجاليات اليهودية في ألمانية على ضفاف نهر الراين «٥»
стр. 346
من كولونية «١» إلى رجنسبورغ «٢» ومسيرتها خمسة عشر يوما.
ويسمي اليهود هذه المملكة أشكناز «٣» وفيها مدن عظيمة بها جماعات مهمة من اليهود. وأهم هذه المدن متز وتريفس الواقعتان على ضفاف الموزيل وكوبلنز وأندرناخ وبونة وبنجن ومونستر وفورمس. «٤»
وفي هذه المدن عدد كبير من العلماء. والجاليات اليهودية فيها على علاقات طيبة بعضها مع البعض الآخر. وأفرادها كرماء مضيافون، يقرون الضيف ويكرمون وفادته.
وهم على ما هم فيه من ضيق شديد، يشد بعضهم أزر بعض ويجددون الأمل في أن يوم الخلاص لا بد آت مثل رجع البصر «٥» .
فيتبادلون الرسائل لتقوية العزائم والتمسك بشريعة موسى (ع) .
وبينهم جماعة يرتدون السواد ويقيمون الصلوات من أجل إخوانهم «٦» .
стр. 347
وهناك من المدن غير التي ذكرناها شتر اسبورغ وفور سبورغ ومنترن وبمبرغ وفرايزنغ «١» في أقصى حدود ألمانية. ووراء هذه الحدود تقع بوهيمية حيث مدينة براغ وتسمى تلك البلاد صقلبونية «٢» ، وأهلها يبيعون أولادهم للخدمة في مختلف الأمم والشعوب.
ووراء تلك البلاد تقع أراضي روسية. وهي واسعة الأرجاء تمتد من نواحي براغ إلى كييف، المدينة الكبرى الواقعة عند حدود المملكتين.
والمسافة بينهما وعرة المسالك، كثيرة الغابات، فيها نوع من الحيوان يسمى «فيفرجس «٣» » يؤخذ منه أجود الفراء المعروف بالأرمين.
ويشتد البرد شتاء في هذه الأنحاء، بحيث لا يقدر أحد على مغادرة مسكنه. تلك هي مملكة روسية.
أما فرنسة، ويسميها اليهود صرفث «٤» ، فتمتد من مدينة أو سير إلى مدينة باريس العاصمة، مسيرة ستة أيام. وتقع باريس على ضفة نهر السين. يحكمها ملك يدعى لويس «٥» وفيها عدد من كبار علماء
стр. 348
اليهود ذوي الشهرة الواسعة، يعكفون على درس التوراة. وهم كرماء، يحسنون إلى ضيوفهم، وعلاقتهم بسائر إخوانهم على خير ما يكون من الصفاء.
﵏ ورحمنا، مصداقا لما جاء عنا وعنهم في كتابه المقدس.
آمين.
(انتهت رحلة بنيامين)
стр. 349
رابعا ملحقات من وضع المترجم* عزرا حداد*
стр. 350
ملحقات ١- السامريون.
٢- القراؤون.
٣- غاؤونية بغداد ورئاسة الجالوت في القرن الثاني عشر للميلاد.
٤- فتنة داود بن الروحي.
стр. 351
السامريون
السامريون أو السامرية، فرقة دينية نشأت في فلسطين بعد سقوط مملكة إسرائيل باستيلاء تغلث فلاسر ملك آشور على مدينة السامرة عاصمتها، سنة ٧٣٨ ق. م. فقد جرى هذا الفاتح على عادة كان ملوك الآشوريين يتبعونها في غزواتهم، فأجلى الإسرائيليين عن مواطنهم إلى نواحي الخابور وشمالي إيران، وأحل في محلهم قبائل جاء بها من أطراف بابل وكوثة وعوة وحماة وسفروايم «١» . فسمى اليهود هؤلاء المهاجرين بالكوتيين وسماهم اليونان بالسامريين «٢» ، فغلب الاسم الأخير عليهم.
ويروي الكتاب المقدس أن هؤلاء الأجانب الذين استوطنوا السامرة وما جاورها، نقلوا إليها الأوثان التي كانوا يعبدونها في مواطنهم الأصلية. فكان البابليون يعبدون الوثن «سكوت بنوت» والكوثيون «نرغل» وأهل حماة «أشيما» والعويون الصنمين «نبحز وترتق» وكان أهل سفروايم يقدمون الأضاحي البشرية إلى مولوخ، الذي يسمى عندهم «أدرملخ وعنملخ» . فسلط الله عليهم سباعا أخذت تفتك بهم، فطلبوا حماية رب المهجر الجديد الذي استوطنوه، ورفعوا أمرهم إلى ملك أشور،
стр. 352
فأمر بأن ينقل إليهم أحد الكهنة من أسرى الإسرائيليين ليعلمهم عبادة «يهوه» إله إسرائيل، فصاروا يعبدونه، حسب عقليتهم الوثنية، إلى جانب أربابهم وأصنامهم «١» .
وكان طبيعيا ألا يقبل الإسرائيليون هؤلاء الغرباء إلى حظيرتهم، بل كانوا يعتبرونهم وثنيين مشركين، ويسمونهم «شومرونيم» أي السامريين. فقبل السامريون بهذه التسمية، وإن كانوا أولوها بمعنى «شمرنيم أي المحافظين، ادعاء منهم أنهم كانوا المحافظين على شريعة موسى وأحكامها، وأن ديانتهم هي الدين الموسوي الأصلي «٢» .
وبمرور الأيام، ازداد بعد الشقة بين اليهود والسامريين، واستفحل أمر هؤلاء بعد ما أجلى بخت نصر اليهود إلى بابل (٥٨٦ ق. م.) إذ أنشأ السامريون لنفسهم إدارة مستقلة في فلسطين، حتى إذا ما أذن كورش ملك الفرس لليهود بالعودة (٥٣٨ ق. م) وشرعوا بتجديد بناء هيكل القدس (٥٢٠ ق. م.) أثار السامريون ضجة كبيرة وقدموا احتجاجا إلى ملك الفرس، فصاروا سببا في تأخير البناء مدة «٣» . فحنق اليهود حنقا شديدا على السامريين، فحرموا الزواج من بناتهم، وأجبروا المتزوجين بالسامريات منهم على طلاقهن.
وعلى هذا قام السامريون من جانبهم بحركة مقابلة. فشيدوا هيكلا مضاهيا لهيكل القدس فوق جبل الجرزيم (الطور) ، وأقاموا عليه كاهنا
стр. 353
من بعض كهنة اليهود الناقمين واتخذوا أسفار موسى كتابا مقدسا لهم، ورفضوا ما سواها من أسفار اليهود، وبذلك تم الانفصال بين اليهود والسامرية إلى غير ما عودة «١» .
وفي سنة ٣٣٠ ق. م. اجتاحت جيوش الإسكندر أراضي فلسطين، فأدخلت إليها البدع والتقاليد الهيلانية ووثنية الإغريق، وأخذ اليهود يقاومون هذه البدع المخالفة لدين التوحيد، فذاقوا من جراء ذلك اضطهادا شديدا من ملوك السلوقيين. أما السامريون فقد أظهروا تساهلا تجاه الوثنية الهيلانية، فنالوا بذلك عطف السلوقيين. واستغلوا هذا العطف ضد اليهود، بأن كرسوا معبدهم للإله جوبيتر الهيلاني «٢» Jupiter Hellenius الأمر الذي أثار نقمة اليهود عليهم، فلقبوهم بفرقة المجاذيب «٣» .
فلما ثار اليهود لمعتقدهم وكيانهم بزعامة المكابين، وتخلصوا من ربقة السلوقيين (القرن الثاني ق. م.) ، وجدوا الفرصة الملائمة للانتقام من السامريين فغزوهم بقيادة يوحنة هرقنوس المكابي John Hyrcanus واستولوا على السامرة ودمروها وهدموا معبد السامرية على جبل جرزيم بعد مرور نحو ثلثمائة سنة على إنشائه (١٩٠ ق. م.) فجعلوا من يوم انتصارهم هذا على السامريين عيدا كانوا يحتفلون به كل عام، يعرف بيوم جرزيم «٤» .
стр. 354
لكن العداء المستحكم بين السامريين ومناوئيهم اليهود، ظل كامنا كمون النار في الحجر وكان السامريون يتحينون الفرص للإيقاع بخصومهم ويستغلون التطورات السياسية لتنفيذ غايتهم. فعندما اجتاح فلسطين القائد الروماني بومبي، قابله السامريون بترحاب وتعاونوا معه في الاستيلاء على القدس (٦٣ ق. م.) ، فكافأهم بأن أعاد إليهم استقلالهم ويسر لهم إعادة بناء هيكلهم.
وبعد قرن من السنين قام اليهود بثورتهم الكبرى ضد رومية، فكان أول عمل قام به الثوار أنهم أغاروا على السامريين ودمّروا هيكلهم مرة أخرى. فثأر السامريون لأنفسهم بأن انضموا إلى الجيش الروماني الذي قدم لإخماد الثورة بقيادة إسبازيان، فصاروا يدلونه إلى مواطن الضعف في وسائل دفاع اليهود والسبل السرية المؤدية إلى معاقلهم، وعندئذ أعاد إسبازيان بناء بلدة شيكيم وأطلق عليها اسم) Flavia Neapolis نابلس) فصارت إدارتها رومانية. وفي سنة ١٣٢ م. جدّد القيصر أدريان معبد جوبيتر فوق الجرزيم، وهو المعبد الذي ما زالت أطلاله قائمة حتى اليوم، فأراد بذلك أن يصرف الأنظار عن هيكل اليهود في القدس بعد تدميره.
ومن غريب أمر هؤلاء السامريين، أنهم على الرغم من الجفاء الذي كان مستحكما يومئذ بينهم وبين اليهود، وعلى تساهلهم في قبول البدع الهيلانية، لم يتحمسوا لظهور النصرانية ولم يقبلوا بها. لذلك لحق بهم الأذى الذي أصاب اليهود بعد القرن الرابع للميلاد، عندما أصبحت النصرانية دين الدولة الرسمي في الإمبراطورية الرومانية. فقد
стр. 355
سن القيصر تيودوروس ومن بعده جستنيان الأول القوانين الصارمة ضد السامريين، فاضطر عدد كبير منهم إلى اعتناق الديانة الحاكمة، فتحول هيكل جوبيتر فوق الجرزيم إلى كنيسة للعذراء (٥٣٠ م.) فكادت السامرية أن تفنى عن آخرها «١» .
وفي فترة الاضطهاد الذي كان يهدد السامريين بالاضمحلال، نشأ بينهم مصلح كبير يدعى «بابا ربة» فعقد مجلسا مؤلفا من سبعة حكماء، ثلاثة منهم يمثلون الأحبار وأربعة يمثلون العوام. فدوّن هذا المجلس التشريعي قواعد الطريقة السامرية وتقاليدها الموروثة، حفظا لها من الاندثار؛ كما أن حدة الجفاء المستحكم بين السامريين واليهود كانت قد خفت بتأثير موجة الاضطهاد التي غمرت الفريقين، فقربت المصائب بينهما، فلم يعد اليهود ينظرون إلى السامرية نظرهم إلى نحلة وثنية مثلما كانوا يفعلون في السابق، سيما وأن السامريين كانوا بمرور الزمن قد تركوا أوثانهم القديمة. فاعتبروهم فرقة يهودية ذات صبغة خاصة، بل صاروا يمتدحون تمسكهم ببعض الشعائر الموسوية وحرصهم الشديد على تطبيقها «٢» . لكن هذا التقارب لم يلبث أن وقف عند حد معين. وفصلت الأمور الذي يحل لليهودي أن يتعاطاها مع السامري بفصل خاص ألحق بالتلمود يعرف بفصل الكوتيين (السامريين) .
وفي القرن السابع للميلاد تقلص ظل الروم عن فلسطين بفضل الفتح
следующие страницы →