← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11681

رحلة بنيامين التطيلى

بنيامين التطيلي

Полный текст (385 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الرابي بنيامين بن الرابي يونة التطيلي النباري عالم ورحّالة يهودي أسباني توفي في سنة ١١٧٣ م / ٥٦٩ هـ. على كثرة ما عالج المؤرخون رحلة بنيامين بحثاً وتمحيصاً، ودققوا النظر في محتوياتها، وراجعوا حوادثها وقايسوا بين نصوصها المخطوطة والمطبوعة، لم يتوصلوا إلى ما يلقي الضوء على سيرة هذا الرحالة الكبير ومولده ونشأته ومركزه العلمي والاجتماعي. وكل ما يعرف عنه مأخوذ عن المقدمة الوجيزة التي صدر بها الرحلة كاتب مجهول الهوية، ربما كان معاصراً لبنيامين، لأنها وردت في أقدم النسخ المعروفة للرحلة. وقد جاء في هذه المقدمة أنه: «الرابي بنيامين بن الرابي يونة التطيلي النباري» وأنه «جاب المدن البعيدة وسجّل ما شاهده عياناً في الأمصار التي مر بها أو ما نقله عن الثقات ذوي الأمانة المعروفين لدى يهود أسبانية» وبالأخير «إنه دوّن هذا الكتاب عند أوبته إلى قشطالة سنة ٤٩٣٣ للخليقة» (٥٦٩ هـ- ١١٧٣ م) وفي رواية أنه توفي في السنة نفسها. ويستمر صاحب المقدمة في تعريفنا بهذا الرحالة ويقول: «إنه كان من الثقات العارفين بالتوراة والشرع، وأن التدقيق والتمحيص قد أيدا ما رواه في رحلته» . أما المؤرخون من القرن الثالث عشر وما والاه فيكتفون بتسميته بنيامين صاحب الرحلة. فهل كان بنيامين من علماء اليهود الذين ازدهر بهم القرن الثاني عشر في أسبانية الإسلامية والنصرانية؟ إننا نشك في ذلك. لأن كتب الأنساب اليهودية الخاصة بذلك الجيل، التي سجلت بإسهاب تراجم جميع العلماء المعروفين وفصلت ذكر مؤلفاتهم وآثارهم العلمية والأدبية، لا تذكر اسم بنيامين إلا مقروناً بهذه الرحلة. وأغلب الظن أن هذا الرجل كان وجيهاً من وجهاء اليهود في قشطالة، بل تاجراً تعنيه الشؤون الاقتصادية، بدلالة هذا الاهتمام الفريد الذي يبديه في الأحوال التجارية للبلدان التي زارها، أكثر من اهتمامه بالعلماء الكبار الذين عرفهم في أثناء تجواله. وصفوة القول عن بنيامين: إنه كان تاجراً وإنه يجمع إلى إلمامه بالاقتصاد وفنون التجارة إلماما كافيا بالتوراة والتلمود، كما هو شأن الكثيرين من أمثاله في ذلك العصر الذي كانت العلوم الدينية وحدها تميز المتعلّم عن الأمي، وإنه خرج في رحلته هذه بدافع الاطلاع الشخصي، ووجهته بالدرجة الأولى الشرق الإسلامي, هذا الشرق الذي استهوت خيراته وعمرانه وتجارته عدداً غير يسير من الأوروبيين خلال العصور المتوسطة والأخيرة.

стр. 2

أولا رحلة بنيامين التطيلى، دراسة وتعليقات

стр. 3

رحلة بنيامين التطيلى دراسة وتعليقات د. عبد الرحمن الشيخ بدأ بنيامين التطيلى رحلته التي نحن بصددها في حدود سنة ١١٦٥ م الموافقة لسنة ٥٦١ هـ أو قرابة سنة ٤٩٢٦ من بدء الخليقة حسب التقويم العبري. وهذا يعني أنه حين بدأ رحلته خارجا من سرقسطه (سراكوزه) لم تكن سرقسطه تحت الحكم الإسلامي، فقد كان قد مضى- وقت خروجه منها- خمسون عاما على سقوطها في أيدي القوى المسيحية. وإذا كان بنيامين يهدف في الأساس إلى زيارة العالم الإسلامي زيارة تعرّف ومعرفة- كما ذكر المترجم الأستاذ عزرا حدّاد في مقدمته- باعتبار العالم الإسلامي- وهذا صحيح- كان هو الملجأ والملاذ ليهود شبه جزيرة أيبيريا* الذين كانوا يشهدون أيّاما سودا في كل منطقة ينتهي فيها الحكم الإسلامي، وباعتبار العالم الإسلامي هو الملجأ والملاذ ليهود سائر أوربا في العصور الوسطى الذين كان الأوربيون يعاملونهم معاملة دونها بكثير معاملة الأنعام، وينظرون إليهم نظرة ملؤها الكراهية والاحتقار. لكن إذا كان التعرّف على العالم الإسلامي هو هدفه، فلماذا لم يتجه جنوبا ليجول في شبه الجزيرة الأيبيرية؟ ولماذا لم يعبر بحر الزقاق (مضيق جبل طارق) ليصل إلى طنجة أو سبتة ثم يتخذ طريقه عبر المغرب العربي إلى مصر فسائر أنحاء العالم الإسلامي؟ ألم يكن هذا الطريق يبدو منطقيا أكثر من اتجاهه

стр. 4

شمالا فشمالا بشرق ثم اتجاهه إلى إيطاليا فالدولة البيزنطية، ليهبط بعد ذلك جنوبا إلى سائر بلاد العالم الإسلامي التي زارها أو قال إنه زارها، ثم يتجه إلى الصين ليعود إلى شواطئ الهند فسواحل شبه الجزيرة العربية ثم يعبر البحر الأحمر ليصل إلى أسوان ويستمر هابطا مع نهر النيل ليصل إلى القاهرة والفسطاط ويزور صحراء شبه جزيرة سيناء ثم يعود إلى قوص في صعيد مصر ثم يرجع الفسطاط ثم يصل بطريق ما إلى الإسكندرية ومنها إلى صقلية. لماذا هذا الطريق الذي لا يبدو أنه الأسهل؟ ثم لماذا تردده أكثر من مرة على مواضع بعينها في مصر التي قطعها من الشمال إلى الجنوب ومن الجنوب إلى الشمال أكثر من مرّة؟ إن لدينا إجابة واضحة لتخلّى بنيامين عن الاتجاه جنوبا داخل شبه جزيرة أيبيريا. فقد أجمع كلّ المؤرخين الأوربيين واليهود أنّ حضن الحكومات الإسلامية كان هو الحضن الوحيد الذي لا يأمن اليهود لحضن سواه طوال العصور الوسطى، وطوال قرنين في التاريخ الحديث (بعد سقوط غرناطة) ، وكان الحكم الإسلامي يتراجع في شبه الجزيرة الأيبيرية تراجعا واضحا منذ القرن الحادى عشر للميلاد، وحتى لا تطول هذه الدراسة أكثز مما هو مقدّر لها نكتفي بتتبع الحال في الأندلس منذ قيام دولة الموحدين إلى قيام مملكة غرناطة (٥٥٢- ٦٣٠ هـ/ ١١٥٧- ١٢٣٢ م) لأنّ بدايات هذه الفترة تسبق بقليل رحلة بنيامين كما أن نهايتها تتأخر بقليل بعد نهاية رحلته. وقد اعتمدنا في كثير مما نقدمه بهذا الصدد على أطلس تاريخ الإسلام لحسين مؤنس وإن

стр. 5

كانت الكتابات في هذا الموضوع كثيرة. بعد وفاة خليفة الموحدين الرابع محمد الناصر تصدّعت قوى الدولة الموحّديّة أو دولة الموحّدين- وهى الدولة التى خلفت دولة المرابطين في حكم المغرب والأندلس- وكان سبب هذا التصدّع هو الصّراع الذي نشب حول الخلافة، وذلك لأن الخليفة الموحّدي الخامس وهو المستنصر عيّن أخاه أبا العلا إدريس المأمون على الأندلس، وكان أبو العلا المأمون قصير النظر إذ إنّه عندما وجد أخاه أبا عبد الله محمد والي مرسّيّه يعبر إلى المغرب ويطالب بالخلافة ويتلقّب بالعادل، سارع هو بدوره وجمع قواته وأعلن نفسه خليفة وتلقّب بالمأمون قرابة سنة ٦٣٣ هـ/ ١٢٣٦ م وعبر إلى المغرب تاركا الأندلس دون غطاء عسكري مما فتح الباب واسعا أمام تقدّم ممالك أسبانيا النصرانية. والواقع أنّ اهتزاز الحكم الإسلامي وبداية انحساره في الأندلس كان قد بدأ حتى منذ أيام المرابطين أو قبل ذلك، فقد كانت مملكة قشتالة وليون النصرانية قد تطوّرت من مجرّد وحدة سياسية متنافسة مع غيرها من الوحدات إلى أكبر دولة في شبه جزيرة أيبيريا، نتيجة استيلائها على إمارة طليطلة، فتضاعف ثراؤها وقوتها، وكذلك كان الأمر بالنسبة إلى أرجون التي لم تكن في بدايتها سوى دويلة صغيرة من الدويلات المسيحية في الركن الشمالي الغربي من شبه الجزيرة، فأصبحت مملكة كبيرة غنية بعد استيلائها على سرقسطة وضمّها بلاد الثغر الأعلى الأندلسي إلى أراضيها، وتم ذلك في سنة ٥١٢ هـ/ ١١١٨ م أى أيام المرابطين، وكان القائم بهذا الجهد العسكري الكبير هو

стр. 6

ألفونسو المحارب Alfonso I Battalador وقد سقطت سرقسطة دون حرب بسبب صراع أسرة بنى هود الحاكمة. وقد دخل الموحّدون الأندلس في أواخر سنة ٥٥٥ هـ/ ١١٦٠ م كما أسلفنا، ولاقوا معارضة من بعض قبائل الأندلس من بقايا المرابطين (بنى غانية) ورغم أنّ التاريخ شهد لهم بانتصارات عظيمة (كمعركة الأرك المشهورة،Alorocos) إلّا أن الخطّ العام للوجود الموحّدى في الأندلس كان مائلا للانحدار. ما كان بنيامين التطيلى اليهودي ليسلك هذا الطريق الجنوبي المضطرب. لكن أكان بنيامين يتوقع أن يسود الوجود الإسلامي في شرق أوربا أو في الممتلكات البيزنطية في أوربا عامة، فاتخذ- لهذا- الطريق الشمالي؟ ربما، خاصة وأن هذا الوجود أو هذا الامتداد الإسلامي في الأناضول وشرق أوربا كان متزامنا مع التراجع الإسلامي في شبه جزيرة أيبيريا بطريقة تدعو للدهشة والتأمّل، فمنذ أواخر القرن الحادي عشر للميلاد كان الوجود الإسلامي في تقهقر واضح في شبه جزيرة أيبيريا، ففي سنة ١٠٨٥ سقطت طليطلة، وفي الفترة نفسها تقريبا كان ألب أرسلان السلجوقي (١٠٦٣- ١٠٧٢) يطرد البيزنطيين من معظم آسيا الصغرى، وطوال هذه الفترة وما بعدها كان الأتراك يهاجرون غربا إلى آسيا الصغرى بالذات متتبعين خطى السلاجقة، أبناء عمومتهم، ومن الطرف الآخر للعالم الإسلامي سقطت قرطبة في سنة ١٢٣٦ ثم استمر الزحف المسيحي فسقطت إشبيلية في سنة ١٢٤٨. لقد بدا الإسلام في أيبيريا أو الطرف الغربي للعالم الإسلامي مضعضعا

стр. 7

على وشك الانهيار. وفي سنة ١٤٥٣ سقطت القسطنطينية في يد المسلمين الأتراك، ففزعت أوربا كلها واستدارت تاركة الانتصارات المسيحية في أيبيريا. إن الإسلام من هذا الباب القسطنطيني أصبح أقرب لأوربا من حبل الوريد. ففي الفترة التي قام فيها بنيامين برحلته كانت بشائر المد الإسلامي في الأناضول وشرق أوربا قد هلّت ولم يكن سقوط القسطنطينية هو بداية هذا المد. ليس مستبعدا إذن أن يكون هذا الوجود الإسلامي الفعلي أو المرتقب هو دافع بنيامين لاتخاذ هذا الطريق الشمالي.. إنه البحث عن الحضن الإسلامي، وحتى لا تبدو هذه الأقوال من قبيل المبالغة نفضّل هنا الرجوع إلى مراجع كتبها يهود فالأستاذ عزرا حداد يذكر لنا بعد الرجوع للموسوعة اليهودية jewish Encyclopaedia في طبعتها الصادرة سنة ١٩٠٢ وغيرها من المصادر أن اليهود في سرقسطة زاد عددهم في ظل الحكم الإسلامي وازدهرت أحوالهم وكثرت معابدهم، وبعد خروج المسلمين منها (أى سرقسطة) شهدوا أياما سودا وبلغت مأساتهم فيها الذروة في سنة ١٣٩١، وكانت سرقسطة- كما هو معروف- قد خرجت من أيدي المسلمين في سنة ١١١٨ م (٥١٢ هـ) لم تكن بلدة بنيامين (تطيلة (Tudela ولا سرقسطة التي بدأ منها رحلته ضمن نطاق الأندلس أو أسبانيا المسلمة يوم خرج منها بادئا رحلته التي نظن أن هدفها هو تقديم تقرير للمسئولين الدينيين اليهود في شبه جزيرة أيبيريا لتوضيح الأماكن التي يمكن أن يلجأ اليهود إليها هروبا من الاضطهاد المسيحي. وهذا ما سيتضح في أكثر من سياق في

стр. 8

هذه الدراسة لقد كان اليهود من بين العناصر التي رحّبت بالفتح الإسلامي للأندلس بل ومدّوا له يد العون، لذا فقد ظلّ مسيحيو الأندلس يعادونهم عداء مريرا، بل إن هناك من الدراسات ما يؤكد أنّ السلطات المسيحية بعد سقوط غرناطة- وطوال قرن ونيف- كانت لا تتهاون في إخراج اليهود بالذات ولم تكن تقبل منهم حتى التحوّل إلى النصرانية، أما على المستوى الشعبي فقد كان شعب إسبانيا غير راض عن طرد المسلمين لأنهم كانوا يمثلون طاقة عاملة لها شأنها بل كانت الأسر النصرانية تخبئ المسلمين مما جعل السلطات المسيحية مضطرة لجلب جنود من أوربا من خارج إسبانيا للمعاونة في التفتيش على المسلمين وطردهم. نعلم أن هذه الفترة خارج نطاق الفترة الزمنية التي قام فيها بنيامين برحلته، لكن منهجنا في كتابة التاريخ أو بالأحرى فهمه لا يكتفى بالرجوع للوثائق والمصادر الروائية، وإنما بالإضافة إلى ذلك يستعين بالأحداث التاريخية التى وقعت بعد الفترة التي نؤرّخ لها، ويستعين باللغة المتداولة الآن، والوقائع الجارية الآن، والمعاني المبثوثة الآن لتفسير وقائع مضت، فحوادث التاريخ سيل مستمر، وتقسيمها إلى قديم ووسيط وحديث من فعل البشر لا من فعل طبيعة الأحداث.. وكان هذا التقسيم لأسباب عمليّة لا لأسباب علمية خالصة أو لأسباب فلسفية محضة. لكن لا بد على أي حال من وضع بعض المحاذير على هذا المنهج حتى لا تختلط الأمور. لذا فإننا نجتزئ بعض الصفحات من مبحث يتناول موقف أهل شبه

стр. 9

جزيرة أيبيريا من كلّ من المسلمين واليهود، بعد سقوط غرناطة، ولا ننفي أنّ تكون المشاعر ذاتها كانت موجودة في أوقات سبقت: «لا يتناول هذا البحث أفكارا ... عن موقف الإسبان من المسلمين عقب سقوط غرناطه وطوال القرن السادس عشر وحتى أخرجوا من ديارهم نهائيا في مطلع القرن ١٧. وتثبت هذه الدراسة من خلال وثائق منشورة. أن عامة الناس وأصحاب الأراضي والمصانع خاصة لم يؤيدوا إخراج المسلمين لما في ذلك من أضرار اقتصادية ستحيق بالبلاد، وهذا ما أثبته التاريخ بعد ذلك. لم يكن إخراج المسلمين عقب سقوط غرناطة- إذا- مطلبا شعبيا وإنما مطلب كنسي عارضه العامة، وعارضه حكام الولايات ... فقد كان عداء الإسبان لغير المسيحيين منصبا في الأساس على اليهود لأسباب دينية وعرقية واقتصادية والذين أجبروا على الخروج ولم يقبل منهم حتى التحول للمسيحية هم اليهود وليس المسلمين الذين ترك لهم في البداية حرية الاختيار بين الإقامة والرحيل ثم ما لبث الكنسيون أن فرضوا رأيهم فأصبح الخيار محصورا بين الرحيل أو قبول التعميد، وفي مطلع القرن ١٧ أجبروا جميعا على الرحيل» .

стр. 10

كما لم يطل بنيامين المكوث في الأرض الأيبيرية التي فيها درج وشبّ، نجده لم يطل أيضا في الأرض الفرنسية التي كانت تشهد حقبة الملكية الإقطاعية إذ استطاع ملوك كابيه في فرنسا في الفترة من ١١٠٠ إلى ١٢٢٣ أن يجعلوا من أنفسهم ملوكا إقطاعيين، وكان ملوك أسرة كابيه يعتبرون أنفسهم- وهم بالفعل كذلك- خلفاء لشارلمان (الأسرة الكارولنجية التي خلفت الأسرة الميروفنجية) على مملكة الفرنجة الغربيين (الفرنجة الشرقيون كونوا فيما بعد الإمبراطورية الرومانية المقدسة) لكنّهم في البداية كانوا ملوكا ضعافا، ولم يكن الكونتات (المفرد: كونت) موظفين عندهم بل كانوا سادة أقوياء وخرج من أيدى الملوك ما كان للكارولنجيين من أراض خاصّة، ولم يبق للملك سوى الهيبة التي بسطتها عليه الكنيسة الكاثوليكية في روما، وساعدت الكنيسة أسرة كابيه في تسلسل وراثة العرش بأن جعلت من حق الملك أن يتوّج أكبر أبنائه ملكا في أثناء حياته. وعلى أية حال لم يكن ملوك أسرة كابيه من القوة بحيث يثيرون مخاوف السّادة الإقطاعيّين. لكن منذ فيليب الأول (١٠٦٠- ١١٠٨) أدرك الملوك الفرنسيون أنّه ليس بمباركة الكنيسة ووراثة العرش وحدهما يكونون ملوكا أقوياء وإنما بالرجال والمال (الضّياع) ومن هنا بدأ نمو الملكية الإقطاعية. تلك هى الظروف التاريخية التي كانت عليها فرنسا عندما زار بنيامين أربونة وبيزيه Bezier ومونبلييه Monrpellier ولونل Lunel وبوسكيار Posquieres ونوغرس sr.Giles وآرل Arles ومرسيليا

стр. 11

Marseilles وكلها جنوب شرق فرنسا أو في أطرافها مما يشير إلى أنها كانت مجرّد منطقة عبور ولا تزيد تعليقات بنيامين على هذه المدن عن ذكر عدد اليهود بها- كما هو الحال في غالب تعليقاته. ومن مرسيليا اتّجه بنيامين بحرا إلى شبه الجزيرة الإيطالية، وأبدى*

стр. 12

كثيرا من الملاحظات المفيدة والتي لا يمكن فهمها وتذوقها إلا بتتبع أصولها التاريخية في الأحداث السابقة عليها، وتتبع دلالاتها الأنثروبولوجية في الأحداث التي تلتها، وعادات الشعوب وتوجهاتها حتى في هذا التاريخ المعاصر. ونبدأ الآن بوضع شبه الجزيرة الإيطالية «١» . لم يكن فريدريك بارباروسا واقعيا في نظرته لحدود حكمه المركزي، فقد أرسل في أواخر أيامه إلى صلاح الدين الأيوبي يقول: «أتزعم أنّك لا تعرف أنّ أثيوبيا وموريتانيا وفارس وسوريا وبارتيا ويهوذا والسامرة وبلاد العرب وكلديا ومصر ذاتها، أتدعي أنّك لا تعرف أنّ أرمينية ذاتها وأن عددا لا حصر له من البلاد، خضعت لسلطاننا ... » وهذه الفقرات تفسر دعاويه في إيطاليا إذ طالب بأن تكون له من الحقوق ما كان للإمبراطور الروماني الحقيقي ... لقد أراد أن يعود إلى الزّمن الغابر ليبعث أمجاد الإمبراطورية القديمة، لكنّ الظروف كانت قد تغيّرت والإمكانات لم تكن تساعد، فأثار بذلك عداوة القوى الثلاث الكبرى في إيطاليا في القرن الثاني عشر وهي النورمان والبابويه والكيانات اللومباردية، (وفي ظل إيطاليا التي تحكمها هذه القوى كانت رحلة بنيامين لإيطاليا)

стр. 13

شبه الجزيرة الإيطالية في أيام رحلة بنيامين لم يكن يربطها بالإمبراطورية الرومانية المقدسة سوى رباط شكلى، فكان كل كيان من كياناتها يعمل لحسابه.

стр. 14

« ... وفشل فريدريك في تحقيق خططه، ومع أنّه استولى على روما في سنة ١١٦٧ فإنّ معظم أوربا لم تقبل البابا الذي نصّبه.. ولم يعد بوسعه الاستيلاء على صقلية النور مندية كما أنّ البابا اسكندر الثالث نجح في حمل القومونات اللومبارديّة على أن تنبذ العداوات الإقطاعية وأن تتحد من أجل حريتها، وفي سنة ١١٦٧ تألف حلف من ست عشرة مدينة منها فيرونا وبدوا والبندقية فضلا عن المدن اللّومباردية- وعرف هذا الحلف بالعصبة اللّومباردية Societas Lombardia وكان يهدف إلى الاحتفاظ بحرية القومونات. غير أنّه لم يشأ أنّ يدمّر نهائيا سلطة الإمبراطور. وفي سنة ١١٦٧ حلّت الهزيمة العسكرية بالإمبراطور في مواجهة اللّمبارديين، فصالح البابا اسكندر الثالث والنورمان واللمبارديين وتخلّى عن كلّ دعاويه في إيطاليا. كان البابا الذي حدّثنا عنه بنيامين في رحلته هذه هو البابا اسكندر الثالث المستقل عن الإمبراطور والمختلف معه، بل والذي خاض الحرب ضدّه. إلى هنا نكتفي بالعرض التاريخي البسيط لتوضيح دلالات الرحلة ولنستطرد بعد ذلك في معان أعمق. أوّل ما يستوقفنا قلّة عدد اليهود في المدن الإيطالية من ناحية، والتزامه بذكر عددهم في كل مدينة وهو مالم يفعله عند حديثه عن شبه جزيرة أيبيريا وجنوب شرق فرنسا، فلم يكن في جنوة إلّا يهوديان، ولعلّهما كانا متخفّيين أي لم يعلنا هويتهما اليهودية. وعرض المعلومات هنا بصورة جدولية يجعلها أكثر وضوحا ويساعدنا على مزيد من الاستنتاجات:

стр. 15

مسلسل- المدينة- عدد اليهود ١- جنوة ٢ ٢- بيزة ٢٠ ٣- لوكه -٤ ٤٠ Lucca روما ٢٠٠ ٥- كابوه ٧ ٦- فوزولى -٧ (؟) Pouzzuoli نابل -٨ ٥٠٠ Neapolis سلرن ٦٠٠ ٩- أمالفى ٢٠ ١٠- بنفنتو ٢٠٠ ١١- مالفى ٢٠٠ ١٢- أشقولى -١٣ ٤٠٠ Ascoli ترانى -١٤ ٢٠٠ Trani نيقولاس دى بارى- ١٥- طارنت -١٦ ٥٠٠ Taranto برنديزى ١٠ ١٧- أوطرنت -١٨ ٥٠٠ Otranto جزيرة قرفو) corfu رغم وقوعها قبالة الساحل اليوناني إلا أنها من ممتلكات البندقية ١ الإجمالي ٣٣٩٩

стр. 16

خط سير بنيامين في شبه الجزيرة الإيطالية

стр. 17

وبطبيعة الحال ليس هذا كل ما في شبه الجزيرة الإيطالية من يهود، وإنما في المدن التي زارها فقط. ويلاحظ على هذه الأرقام أنّ عدد اليهود يزداد كلما اتجهنا جنوبا أي أنه ينقص كلما اتجهنا شمالا، وتفسير ذلك أنّ كثيرا من مناطق الشمال الإيطالي كانت قد حرّمت على اليهود الإقامة فيها في فترات سابقة، ولم تكن ترحب بإقامتهم في كلّ الأحوال، ولعلّ جنوة خير مثال على ذلك فقد حظرت فيها إقامة اليهود- على ما يظهر- في بداية القرن الحادي عشر للميلاد فيما يذكر الأستاذ عزرا حداد مترجم الكتاب. كما أنّ الخروج من شبه الجزيرة الإيطالية هربا إلى أي مكان آخر كان أسهل من ناحية الجنوب الإيطالي، والأهم أن جنوب إيطاليا أقرب إلى العالم الإسلامي الذي هو الملجأ والملاذ ليهود أوربا عند الضرورة، في العصور الوسطى، وفي العصر الحديث بدءا من سقوط غرناطة وبعد قيام الدولة العثمانية على نحو خاص «١» ملحوظة ثانية وهي أنّ مترجم الكتاب (عزرا حدّاد) أوضح في تعليقاته أنّ العرف جرى أن يحصي الباحثون والمؤرخون اليهود عددهم بالبيت أو الأسرة لا بعدد الأفراد، فلا يحصى في هذه الحال إلّا رب الأسرة فقط، ومعنى هذا أن عدد اليهود- حتّى لو لمّ يكونوا موجودين إلا في المدن الواردة آنفا- أكثر بكثير من رقم ٣٢٠٠ خاصة

стр. 18

إذا علمنا أنّ زيادة الإنجاب هى توجّه يهودي كما كان في وقت من الأوقات توجها إسلاميا، مع فارق غير كبير في العوامل الكامنة خلف هذا التوجّه، ففي حالة المسلمين تروى أحاديث كثيرة عن الرسول ﷺ في الحث على التناكح لأنّه يؤدي إلى التناسل، مما يجعل النبي ﷺ يباهي بالمسلمين الأمم يوم القيامة، وبصرف النظر عن إساءة التفسير فقد ظل هذا بالإضافة لطبيعة الاقتصاد الزراعي قبل الميكنة عاملا موجها، أما في حالة اليهود فقد كان إحساسهم بقلة عددهم وأنهم شعب مختار دافعا لهم للتناكح والتناسل، لكنه لم يؤت النتيجة المرجوّة ربما بسبب التزاوج الداخلي أي داخل الجماعة العرقية الواحدة، لكثرة الخلافات العقائدية بين اليهود مما يجعل كل جماعة لا تعترف بالزواج الشرعي أو التلمودي من كثير من الجماعات أو الأعراق اليهودية الأخرى، مما جعل أحد الباحثين اليهود يتوقّع انشقاقا عرقيا أو قيام مجتمعين منفصلين داخل كيان إسرائيل بسبب نظم الزواج «١» والملحوظة الثالثة هي أنه ربما كانت هذه الأرقام التي ذكرها بنيامين غير حقيقية أو أنها مكوّدة؟ أو مشفرة بحيث لا يفهمها إلا اليهود، ذلك أن كتابه هذا لا يمكن أن يدخل في أدب الرحلات بمعناه المتعارف عليه، فالرجل كما سبق القوّل لا يرى في المناطق التى زارها إلا اليهود، ولم يسجّل تقريبا إلا أعدادهم وما

стр. 19

ذكره من أشخاصهم لم يترجم لهم وإنما ذكر أسماءهم ومهنهم ومناصبهم في سلك الكهنوت اليهودي على الأكثر، وكأنّ لسان حاله يقول: من أراد مزيدا من المعلومات فعليه الاتصال بفلان في بلدة كذا.. إنّ كتابه هذا بمثابة دليل تعارف بين يهود العالم، إذا حان وقت الهجرة أو الرّحيل. ملحوظة أخرى تفسر تفاوت أعداد اليهود في مدن شبه الجزيرة الإيطالية وهى أنّها لم تكن كيانا سياسيا واحدا كما سبق أن أشرنا، وربما كان اختلاف مواقف الحكومات في شبه الجزيرة وراء هذا التباين، ولم يكن أهل جنوة وكل المدن التجارية يرتاحون لليهود لأسباب أخرى غير دينية، كما كان أهل أسبانيا في أثناء فترة تقدمهم لا ينظرون لأهل المدن الإيطالية، والجنوبيين منهم خاصة نظرة ارتياح، وإذا كنّا قد تعرضنا في فقرة سابقة إلى أنّ إخراج المسلمين من الأندلس، لم يكن عملا مرغوبا على المستوى الشعبي؛ وإنما كان توجها سياسيا حكوميا أيدته كنيسة روما الكاثوليكية- بعكس الحال بالنسبة إلى اليهود الذين لم يقبل الإسبان- حكومة وشعبا- منهم إلا الرّحيل، فإن أهل جنوة كانوا ينافسون اليهود في الكراهية التي حظوا بها عند أهل شبه جزيرة أيبيريا لاشتغالهم بأعمال السمسرة والصرافة وهي أمور لم يكن الإسبان- وغالبهم فلاحون- يفهمون فيها، ولسبب آخر يضيفه بنيامين التطيلى نعرفه لأول مرة منه، وهو أنّ أهل جنوة كانوا يعملون في هذا الوقت الباكر (الثاني عشر للميلاد، وقبل ذلك) بالقرصنة ولم يكونوا ليميزوا بين سفن المسيحيين والمسلمين،

стр. 20

وإنما كان رجالهم يهاجمون كلّ ما كان يتاح أمامهم. يقول بنيامين: «والجنويون مسيطرون على البحار، يجوبونها بسفنهم الخاصّة المسمّاة غاليش Galleys ويقومون بأعمال القرصنة على الروم والمسلمين، فيعودون إلى جنوة بالأسلاب والغنائم الوفيرة» وليس أدلّ على أن التاريخ لا يموت من أنّ هذه الفكرة عن أهل جنوة لا زالت كامنة في الضمير الأسباني حتى الآن- فكرة التاجر الجشع الذي هو على استعداد لأن يبيع العالم لا تمنعه قيمة دينية ولا وازع رحمة، وهي فكرة لا تختلف كثيرا عن الفكرة التي شاعت في وقت من الأوقات في تراث الشعوب وآدابها عن اليهوديّ الصراف المرابي- وإن كانت هذه الفكرة بدأت تتلاشى مع زيادة احتكاك الشعوب والثقافات. ولم تكن هذه الفكرة قاصرة على جنوة دون غيرها من المدن التجارية الإيطالية، وإنما كانت شائعة بالنسبة للبندقية أيضا، لكننا نركّز على جنوة لأنها كانت هى الأقرب لشبه جزيرة أيبيريا (بلد بنيامين التطيلى) لذا فقد كان توجّههم التجاري والمالي نحو شبه جزيرة أيبيريا، بينما كان للبنادقة ميادين أخرى ربّما كانت أوسع. ولأنّ توجهات الشعوب- بصرف النظر عن السياسات الرسمية- تعد من المسائل الأساسية للتفسير الأنثروبولوجي للتاريخ، نفضّل هنا إيراد فقرات من البحث الآنف ذكره، خاصّة أنّ بنيامين لم يجد في جزيرة كورفو Corfo التابعة للبندقية إلا يهوديا واحدا. « ... كانت حركة جهاد البحر والحروب العثمانية في البحر المتوسط أحد العوامل الرئيسية التي وجهت أهل جنوة للعمل على استثمار

стр. 21

أموالهم في إسبانيا والبرتغال، وكان لهذا نتائج خطيرة في كل من جنوة والبرتغال وإسبانيا ... ولم تكن جنوة- وكذلك البندقية- تقيم وزنا للمسائل العقائدية، فالمال والمال وحده هو المحرّك لهم في توجهاتهم السياسية بل والعسكرية. لقد تعاونوا مع المسلمين والمسيحيين على سواء، وقدموا العون للعثمانيين والأوربيين على سواء، مما دفع البابا بيوس الثاني في القرن الخامس عشر لأن يصف كل بندقي، وكل جنوي بأنه عبد للاستعمار التجاري «الوسخ sordid «وذلك على حد تعبير البابا. وقد عانى أهل إسبانيا بالذات من تجار وصيارفة جنوة، فقد كانوا- أي أهل إسبانيا- فلا حين لا يتقنون ألاعيب الصيارفة. ألا يفسر هذا ما علّق به بنيامين على حال أهل جنوة رغم قلة تعليقاته في كتابه هذا الذي يعدّ بمثابة تقرير عن يهود العالم في عصره (القرن الثاني عشر للميلاد) ، ورغم أنّ تعليقه صحيح من الناحية التاريخية إلا أنه (أي بنيامين) لم يكن هكذا في كل المواقف حريصا على التعليق، ربما كان هذا ليؤكد المثل القائل (عدوّك ابن كارك) . أما عن اليهود في روما- عقر دار المسيحية- فلم يكن اليهود ليتخلوا عن موقعهم فيها، فمنهم دائما نفر في موقع كل سلطة كبرى لا يتخلون عنه إلا إذا أجبروا على ذلك، فحول بعض الخلفاء العباسيين وجدناهم، وحول معظم الخلفاء الفاطميين وجدناهم، وفي بلاط الباباوية لابد أن نجدهم، وما كان هذا ليروق للمجامع الكنسيّة غالبا، لكنّ المصالح غالبا ما تغلب فقد كان يحيئيل سليمان اليهودي مستشارا للبابا اسكندر الثالث (نص

стр. 22

كلمات عزرا حداد: وزيره) وكان منهم «شاب حسن المنظر على جانب من الذكاء وحصافة الرأى كثير التردد على قصر البابا بصفة كونه ناظر الأملاك الخاصة» وكان لليهود دور سياسى في روما إذ أيدوا البابا اسكندر الثالث رغم خلافه مع الإمبراطور، وعندما انتصر البابا وعاد من منفاه استقبله يهود روما حاملين أسفار التوراه! ويركز بنيامين على أنّ معظم يهود روما كانوا رابيين* وعلماء في التوراة والتلمود. أما الخرافات التي ردّدها بنيامين من حيث نسبة تأسيس مواضع بعينها ليهود أوائل، فقد فندها عزرا حداد بأسلوب علمي ما كنا لنقدر على مجاراته فيه لتنوع مصادره، ولأنّه ابن الدار وهو أدرى بمساربها وما فيها. أما السبب الأخير- ولعله الأهم- الذي جعل يهود شبه الجزيرة الإيطالية يتركزون وقت رحلة بنيامين في جنوب إيطاليا أكثر من تركزهم في شمالها. فهو في الواقع أن هذه المنطقة كانت قد كادت منذ وقت غير بعيد (القرنين العاشر والحادي عشر للميلاد) أن تصبح تحت حكم المسلمين، واليهود- كما سبق القول- كانوا يتتبعون المناطق التي يسودها الحكم الإسلامي للعيش في رحابه. كان ذلك طوال العصور الوسطى وشطر من التاريخ الحديث. وإذا كان اليهود قد ساعدوا المسلمين في فتح الأندلس، فإنهم لم يقفوا من مسلمي

стр. 23

صقلية موقف عداء، كما لم يكونوا مستائين من محاولات المسلمين فتح جنوب إيطاليا. ولم يتحالفوا مع الغزاة الصليبيين ضد العالم الإسلامي.. على كل حال لم يكد ينقضى القرن الحادي عشر حتى كان المسلمون قد خرجوا من صقليه، وبالتالي ضاع أملهم في الاستيلاء على جنوب إيطاليا، ذلك الأمل المفقود لهم ولليهود على سواء فكل الشواهد التاريخية تؤكد أن اليهود كانوا في هذه الفترة سيتخذون جانب المسلمين بشكل أو بآخر في أثناء صراعهم مع أوربا العصور الوسطى.

стр. 24

بنيامين في الدولة البيزنطية: بعد أن غادر بنيامين كورفو -Corfu التابعة للبندقية رغم وقوعها على الساحل اليوناني- يكون قد دخل كيانا سياسيا كبيرا آخر. إنه الدولة البيزنطية ونبدأ الآن بإيراد أعداد اليهود في المدن والقرى البيزنطية من خلال جدول، لنتمكّن من الوصول إلى بعض النتائج: مسلسل المدينة والقرية عدد اليهود ١- أرته (قرية) ١٠٠ ٢- أخيلوس ١٠ ٣- أناطوليكه- ٤- بتراس ٥٠ ٥- ليبنتو ١٠٠ ٦- كريسه ٢٠٠ ٧- قورنث ٣٠٠ ٨- طيبة ٢٠٠٠ ٩- نفروبنت ٢٠٠ ١٠- يابشتريسة ١٠٠ ١١- رابنكه ١٠٠ ١٢- شينون بوتامس ٥٠ ١٣- غرديكى ١٠ (؟) ١٤- أرميروس ٤٠٠

стр. 25

١٥- بسينه ١٠٠ ١٦- سلانيك ٥٠٠ ١٧- متريزي ٢٠ ١٨- درامه ١٤٠ ١٩- كرستوبولس ٢٠ ٢٠- أبيدوس- ٢١- القسطنطينية ١٥٠٠ ٢٢- رودستو ٤٠٠ ٢٣- غليوبولى ٢٠٠ ٢٤- كالس ٥٠ ٢٥- جزيرة مدلى ١٠٠ (؟) ٢٦- جزيرة خيوس ٤٠٠ ٢٧- جزيرة صاموس ٣٠٠ ٢٨- جزيرة رودس ٤٠٠ ٢٩- جزيرة فبرس ١٠٠ (؟) ٣٠- فوريقوس- ٣١- ملمستراس---- الإجمالي ٧٨٥٠

стр. 26

وبطبيعة الحال فهذه الأرقام لا تمثل كل اليهود في الدولة البيزنطية وإنما في المدن التي زارها بنيامين فقط، ومع هذا فإنها لا تخلو من مؤشّرات نحاول استخلاصها فيما يلي: - في ٣١ مدينة وقرية بيزنطية وجد ٧٨٥٠ بينما وجدنا أن في ١٨ قرية ومدينة رومانية (في الإمبراطورية الرومانية المقدسة- إيطاليا بالتحديد) ٣٢٠٠ يهودي، ومعنى هذا أننا يمكن أن نستنتج مطمئنين أنّ يهود الدولة البيزنطية أكثر عددا من يهود الدولة الرومانية المقدّسة، فلو كانت النسبة واحدة لكان ينبغي أن يكون عدد يهود المدن البيزنطية ٥٥١١ أو أن يكون عدد يهود المدن الايطالية (التي زارها بنيامين) : ٤٥٥٨ فهل زيادة عدد اليهود في الدولة البيزنطية متمشية تمشيا طبيعيا مع زيادة عدد السكان فيها بشكل عام (فالدولة البيزنطية بشكل عام كانت أكثر سكانا من الممالك الإيطالية أو الجزء الجنوبي من الإمبراطورية الرومانية المقدسة) أم أن وراء هذه الزيادة أسبابا عقائدية كأن يكون اليهود أقل تعرضا للإهانة في رحاب الدولة البيزنطية؟ وإن كان الأمر كذلك، فهل هناك أسباب عقائدية تكمن خلف ذلك؟ ولا يمكن بطبيعة الحال اعتبار المدن والقرى التي أوردها بنيامين سواء في شبه الجزيرة الإيطالية أم في الدولة البيزنطية عينة عشوائية، تتيح لنا رقما دقيقا أو قريبا من الدقة عن العدد الفعلي لليهود، ذلك أنه من الواضح أنّ بنيامين كان يتحرّى المناطق التى بها تجمعات يهودية، ولم يكن طريقة في رحلته هذه للعلم خالصا أو للسياحة خالصة.. فقد كان الرجل يتشمّم رائحة اليهود، وأينما اشتم ريحهم توجّه.

стр. 27

وهناك مؤشر آخر يؤكد أنّ تركز اليهود في الدولة البيزنطيّة كان أكثر من تركّزهم في الإمبراطورية الرومانية المقدسة ومقر الباباويه، ذلك أنّ عدد اليهود في القسطنطينية (العاصمة) كما أورد بنيامين هو ١٥٠٠ بينما هو في روما ٢٠٠ فقط، وإذا أضفنا لهذا أن يهود روما كانوا في غالبهم في خدمة البلاط الباباوى اتضح لنا أنّ الوجود الحر- إن صحّ التعبير- في القسطنطينية كان أكثر بكثير، فيهود القسطنطينية يعيشون في جيتو، ويمتهنون مختلف المهن. أما بالنسبة إلى حركة بنيامين في الدولة البيزنطية فيلاحظ أنه لم يتوغل في البر البيزنطي أو داخل البلاد وإنما كان دائما إما في الموانيء أو في جزر بحر إيجه وغيرها حتى وصل إلى القسطنطينية، ومنها عاد أيضا سالكا طريق بحر إيجة مارّا بجزره حتى قبرص ومنها عاد إلى طرسوس أو طرشيش (أو ترشيش) على شاطيء المتوسط ومنها اتجه إلى أنطاكيه على الشاطئ الغربي للمتوسط وبذلك يكون قد دخل في حدود دولة المسلمين- الدولة العباسية لكن المنطقة التي جابها كانت- للأسف- تحت حكم الاستعمار الأوربي الصليبي، ومنها انطلق إلى دمشق وغيرها من بلاد الشام التي كانت تحت حكم الأيوبيين ذوى الولاء الاسمي للدولة العباسيّة، وهو ما سنتناوله في الصفحات التالية. ****

стр. 28

تحليل بنيامين للأوضاع في الدولة البيزنطية: لم ينعم اليهود في ظل الدولة البيزنطية- بشكل عام- بمعاملة حسنة، وكانوا يصلون إليها من موانئ البحر المتوسط- خاصة الإسكندريّة- للتجارة، وفي أواخر القرن التاسع للميلاد أجبر الإمبراطور باسيلوس (باسيل الأول ٨٦٧- ٨٨٦ من الأسرة المقدونية) يهود القسطنطينية على التحوّل إلى المسيحية، وقتل عددا كبيرا منهم ممن رفض التحول، ولم يكن هذا قصرا على اليهود وإنما جرى في إطار خطة عامة اتبعها باسيل لنشر المسيحية في أرجاء إمبراطوريته. «وفي زمن باسيل جرت محاولات لنشر المسيحية بين الشعوب الوثنية كما جرت محاولات لتحويل المخالفين للمذهب الكاثوليكي إلى الكاثوليكية، والراجح أنه حدث في عهده أن حاولت الإمبراطورية البيزنطية أن تحوّل الروس إلى المسيحية، إذ يشير مصدر تاريخي إلى أنّ باسيل حثّ الروس على أن يقبلوا التنصير، وأن يقروا رئيس الأساقفة الذي سامه لهم (عيّنه لهم) أجناتيوس على أنه من العسير أن نقرر أية طائفة من الروس يشير إليها المصدر التاريخي، على أنه حدث أيضا في زمن باسيل الأول أن اعتنق المسيحية الجانب الأكبر من القبائل الصقلبية التي تنزل البيلوبونيز، وكذا الصقالبة الوثنيون الذين يقيمون بجبال تايجيتوس Taygetus واعتنق المسيحية أيضا في زمن باسيل الصقالبة الذين أقاموا في غرب شبه جزيرة البلقان،

стр. 29

فخضعوا بذلك لنفوذ بيزنطه وسلطانها، وألزم باسيل اليهود على اعتناق المسيحية» «١» من هذا النص الذي أورده المؤلف الباز العريني اعتمادا على Avasiliev في كتابه -The Byzantine Empire يتّضح أنّ الدعوة إلى المسيحية وفقا لسياسة باسيل الأول اتخذت شكل المفاوضات السياسية والتبشير الديني باستثناء اليهود، فهم الذين كما قال عزرا حداد في تعليقاته: كانوا أمام خيارين لا ثالث لهما إمّا اعتناق المسيحية وإما القتل. على أن الجدير بالملاحظة أن شدّة وطأة مسيحيي أوربا على اليهود كانت متزامنة مع توتر علاقاتهم أي علاقات مسيحيي أوربا مع المسلمين، وكانت الحملات الصليبية المتوجّهة إلى العالم الإسلامي على سبيل المثال، تذبح من تقابلهم من اليهود في طريقها، باعتبارهم مخالفين لهم في الدين. هذا جائز. وباعتبارهم حلفاء للمسلمين. هذا جائز ويكاد يكون مؤكّدا. باعتبارهم (أي اليهود) أقرب- عقائديا- إلى المسلمين. هذا أيضا جائز. ولأن التاريخ سيل مستمر بحاضره وماضيه ومستقبله، فليس خروجا عن المنهج التاريخي السليم أن ندلل على ذلك بأحداث لاحقة، فقد وجدنا أن أحد الرحالة الأوربيين في القرن السابع عشر للميلاد، يصف نبينا محمدا ﷺ بأنّه من أهل السبت sabarhero يقصد أنه يهودي، كما كان

стр. 30

يشير للمسلمين بأنهم من أهل السبت، وعندما هرب من الجزائر إلى تركيا كان أخشى ما يخشاه أن يموت هناك فيتم دفنه في مقابر أهل السبت، ويقصد المسلمين «١» . لا يمكننا إذن الفصل بين قتل اليهود في الدولة البيزنطية وإجبارهم على اعتناق المسيحية، وحروبها مع المسلمين في الشرق، وهو ما نفضل نقله من أحد المراجع المتخصصة في الدولة البيزنطية- أعنى مزامنة حروب باسيل مع اليهود من ناحية، وحروبه مع المسلمين من ناحية أخرى. الحرب ضد المسلمين في الشرق: الواقع أنه تهيأ لباسيل من الأحوال المواتية لقتال المسلمين مالم يتهيأ لإمبراطور قبله، فإلى جانب ما يربطه من علاقات سلمية مع جيرانه المسيحيين (أرمينيا، روسيا وبلغاريا، والبندقية والإمبراطورية الغربية) ، سادت الفتن الداخلية في أنحاء العالم الإسلامي، فازداد نفوذ الترك في دار الخلافة العباسية ببغداد، واستقل أحمد بن طولون بمصر سنة ٨٦٨ م، ونشبت الحرب الداخلية في شمال أفريقية واشتد الصراع بين المسلمين والمسيحيين في الأندلس، ومع ذلك لم يتحقق للإمبراطورية البيزنطية كل ما تصبو إليه من آمال، وواصل البيزنطيون الزحف نحو

стр. 31

الشرق. فاندفع باسيل بجيشه، حتى بلغ إقليم الفرات، فاستولى سنة ٨٧٣، على زبطرة وسموساط، ومع ذلك تعرض باسيل لهزيمة ساحقة، حين حاول الاستيلاء على حصن ملطية الذي يعتبر من المعاقل الهامة. وعلى الرغم من أن باسيل اكتفى بهذا الانتصار الجزئي في هذه الحملة، وفيما تلاها من الحملات التي توجهت إلى أقاليم الفرات وإلى أطراف طوروس، فإن عمله يعتبر بداية مرحلة جديدة من مراحل الزحف والتقدم المنتظم، التي قامت به الإمبراطورية البيزنطية على الأطراف الشرقية. يضاف إلى ذلك أن ما أصاب الدولة الإسلامية من الضعف، أسهم في نمو أرمينيا، إذ اعترف بسلطة آشوت الأول وقرر اعتباره ملكا، كل من الخليفة، سنة ٨٨٥، والإمبراطور البيزنطي سنة ٨٨٧، فكان ذلك الاعتراف بداية مرحلة من مراحل توسع أرمينية زمن الأسرة البغراطية Bagratuni الوطنية» . وكانت الدولة البيزنطية بعد ذلك هي السبب الظاهر على الأقل لانطلاق حركة الحروب الصليبية ضد المسلمين، ونفضل هنا نقل التحليل الموجز الذي أورده حسين مؤنس في عمله المهم (أطلس تاريخ الإسلام) ، يقول مؤنس: «تعتبر الحروب الصليبية من أعاظم الحوادث في التاريخ الإسلامي العام، وهي كذلك من أكبر حوادث التاريخ العالمي، لأن الذي فكر في الحروب الصليبية وقام بها هو الغرب المسيحي بتوجيه أولي من البابوية، بغرض الاستيلاء على المقدسات المسيحية في فلسطين وخاصة مدينة القدس وقبر المسيح عيسى بن مريم في بيت لحم القريبة من القدس.

стр. 32

والحركة بدأت في أواخر القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، واستمرت في عنف إلى التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي» . « ... وقد ذكرنا في فصل سابق كيف أن السلطان السلجوقى ألب أرسلان انتصر على الإمبراطور البيزنطي رومانوس الرابع في موقعه ملاذ كرد سنة ١٠٧١ م في أقصى شمالي أذربيجان، وفتح الطريق أمام قبائل الأتراك لتدخل آسيا الصغرى التي كانت معتبرة إذ ذاك أراضي الدولة البيزنطية، بما في ذلك جزء كبير من بلاد الأرمن، وكان الأرمن حينذاك منتشرين على مساحات واسعة تمتد من شرق البحر الأسود جنوبا إلى شمالى بلاد الجزيرة والموصل، وعقب انتصار ملاذكرد تدفقت جموع من الأتراك السلاجقة فدخلت آسيا الصغرى، واستقرت في شرقها، وأنشأت فيها سلطنة سلجوقية عرفت باسم سلطنة سلاجقة الروم، وأولهم قلج أرسلان، وأخذت هذه السلطنة تمتد شرقا حتى استحوذت على النصف الشرقي من آسيا الصغرى، وجعلت عاصمتها في مدينة قونية، وأخذت تزحف إلى الغرب، وهذا هو الخطر الذي جعل ألكسيوس كومتين يستغيث بالبابوية، على الرغم من أنه كان هناك انشقاق ديني وسياسي بين الدولة البيزنطية والكنيسة الكاثوليكية في روما سنة ١٠٥٤ م. وهذا هو الانشقاق الديني الواسع الذي يوصف بالكبير The Great وبدلا من أن يبادر البابا جريجوري بالاستجابة لما طلبه الإمبراطور البيزنطي فكر في استنهاض همم الرهبان الكونيين وبقية رجال الكنيسة في الغرب للدعوة إلى توحيد الغرب الأوربي تحت لواء

стр. 33

البابوية وإنشاء مملكة مسيحية دينية واحدة يسيطر عليها البابوات.» . لقد قام بنيامين برحلته في القرن الثاني عشر للميلاد وكانت الدولة البيزنطية كلما تقدم بها الزمن ازدادت وهنا على وهن، وهو (بنيامين) يقدمها لنا على أنها دولة واهنة في سبيلها للموت، ويقدم لنا الحياة الاجتماعية فيها حياة مترفة ناعمة خادعة كاذبة لا يمكن أن تثمر عزا وسؤددا.. وفي ضوء ما أوردناه آنفا عن الظروف السيئة التي كان يعاني منها اليهود في رحاب هذه الدولة، قد يظن القارئ أن بنيامين كان متحاملا في وصفه لأوضاع الدولة البيزنطية في القرن الثاني عشر، لكن هذا غير صحيح بالمرة فقد وصف بنيامين أمور هذه الدولة بدقة، وحدّد بوضوح أسباب انهيارها بعد ذلك بشكل دقيق، وسنورد فيما يلي عرضا لأهم هذه الأسباب كما أوردها: * البذخ الشديد والترف الزائد عن الحد، وإنفاق الأموال في غير مواضعها، ومراعاة الشكليات الزائفة ومظاهر الأبهة، ويعطي بنيامين أمثلة لهذا مما كان شائعا في عصر مانوئيل الأول قومنينوس Commnens ManuelI الإمبراطور البيزنطي (١١٢٠- ١١٨٠) الذي زار القسطنطينية في عهده، ففي البيع والكنائس كنوز لا حصر لها ... وبظاهر القصر الملكي الملعب المعروف باسم إيبودرمي) Hippodrome ملتقى أرباب الحكم والطبقات الراقية) ... وفي هذا الملعب أقيم مهرجان كبير في عيد الميلاد احتفالا بزواج الإمبراطور مانويل قومنينوس من مارية ابنة أمير أنطاكية ... وبضاحية القصور الملكية قصر منيف شيده الملك مانويل لسكناه على شاطيء البحر، وهذا

стр. 34

القصر يعرف باسم بلاشرنس أو بلاط مانويل Emanuellis Palatium فيه الأساطين والحيطان الموشّاة بالتّبر الخالص والنقوش البديعة ... وفي القصر عرش من خالص الذهب مفصص بالأحجار الكريمة يتدلى من أعلاه بما يحاذي هامة الرأس تاج من ذهب معلّق بسلاسل من ذهب خالص مرصع بالجواهر النادرة الثمينة.. والروم (البيزنطيون) في هذه المملكة (الدولة البيزنطية) معروفون بالغنى والمال الكثير من ذهب وجواهر، يرتدون الحلل الزاهية من حرير مقصّب بالذهب وسائر المعادن النفيسة حتى لتحسب الواحد منهم وهو ممتط جواده أميرا خطيرا ... * والأهم من ذلك أن هذا الترف الزائد عن الحد جعل أهالي البلاد «واهني العزيمة كالنساء» كما أن هذا الترف أقعدهم عن الحرب والقتال، فكانت جيوشهم تضم كثيرا من العساكر المرتزقة إذ إن الروم (البيزنطيين) يستأجرون جماعات من الأجانب «البربر» يستعينون بهم في مناجزة السلاجقة الأتراك الذين يسميهم بنيامين باسم التوغرميين وهو اسم لا يستخدمه غير اليهود ويشرح عزرا حداد هذا المسمى قائلا إن اليهود يسمون التركمان بهذا الاسم نسبة إلى توغرمة أو توجرمة أحد أحفاد يافث بن نوح كما ورد في سفر التكوين: «وهذه مواليد بني نوح. سام وحام ويافث. وولد لهم بنون بعد الطوفان بنو يافث جومر اشكناز وريفاث وتوجرمة. وبنو ياوان أليشة وترشيش وكتيم ودودانيم. من هؤلاء تفرقت جزائر الأمم بأراضيهم كل إنسان كلسانه حسب قبائلهم بأممهم»

стр. 35

ويرجح حداد أن بلاد توغرمة هذه كانت في الجهة الشمالية الشرقية من آسيا الصغرى (تركيا الحالية) ، ويقول إن لفظة التوغرميين العبرية محرفة من لفظ (تراكمين) بالكاف الفارسية (التي هي عوان بين الكاف والشين) . **** حركة بنيامين في مناطق الوجود الصليبي بالشام: لا نكاد نجد يهودا في مناطق الوجود الصليبي في الشام في أثناء رحلة بنيامين اللهم إلا الطائفة السّامرية في طرابلس وهؤلاء لم يكن اليهود يعترفون بهم كيهود، وإنما ينظرون إليهم كطائفة تكاد تكون على دين مستقل هو الدين السامري، فالتوراة غير التوراة، والتلمود لا يقيم له السامريون وزنا، وبنيامين لا ينظر إليهم بود، ومترجم الكتاب في ملحقة لا يتعاطف معهم، فليس بمستبعد أن يكون الصليبيون قد وضعوا ذلك في الاعتبار، لذا وجدنا أكبر تجمع يهودي في البلاد التي كان فيها وجود صليبي هو التجمع السامري في نابلس، ويحدثنا عبد اللطيف البغدادي الذي زار مصر في حكم صلاح الدين الأيوبي أنّ السامريين يعتقدون أنّ نابلس وليس القدس هي موضع المعبد المقدس- وربما أيضا كان لهذا أثره في عدم اضطهاد الصليبيين لهم في عصر كانت الأفكار الدينية يمكن توجيهها ببساطة لخدمة أغراض سياسية. ثم إننا علمنا من المصادر (ذكرنا ذلك آنفا) أنّ الحملات الصليبية كانت تقتل اليهود في المدن والقرى الأوروبية التي كانت تمر بها.

стр. 36

فكيف بقي هذا العدد القليل من اليهود في ظل الحكم الصليبي؟ ثم كيف تحرك بنيامين بحرية في هذه المناطق؟ أيمكن أن يكون بنيامين قد اجتاز هذه المنطقة متنكرا كمسيحى؟ ربما أو حتى كمسلم؟ ربما أيضا خاصة وأن الحروب الصليبية كان قد مضى على بدايتها أكثر من ستين عاما (بدأت ١٠٩٨) ويشير الباحثون إلى أن العلاقات التجارية بين الصليبيين والمسلمين، بل والعلاقات الاجتماعية لم تنقطع بين فترات الحروب، وتناولها بعض الباحثين (د. عاشور مثلا) كصفحة متكاملة من (العلاقات) فيها الجوانب الحربية والاقتصادية والاجتماعية. فلم يكن محظورا في ظل ظروف معينة أن يتجول المسلم في مناطق الحكم الصليبي. وما كان بنيامين ليستطيع أن يكتب كل آرائه، أو يبث آلامه من معاملة الصليبيين في رحلتة هذه لأسباب لا تخفى، لكن تعليقات عزرا حداد أكملت هذا النقص، أما نحن فلجأنا إلى لغة الأرقام نستفتيها ونخلص منها بالنتائج وهذا واضح في الصفحات التاليات.

стр. 37

مسلسل اسم المدينة أو القرية عدد اليهود ١ أنطاكية ١٠ ٢ الليكة (الاذقية) ٢٠٠ ٣ جبلة- ٤ جبيل ١٥٠ ٥ بيروت ٥٠ ٦ صيدا ٢٠ ٧ صرفنده- ٨ صور الجديدة ٤٠٠ ٩ عكاء ٢٠٠ ١٠- حيفا- ١١ كفرناحوم-- ١٢ قيسارية ٢٠٠ ١٣ قاقون (كيلا) - ١٤ اللّد ١ ١٥ سبسطية (السامرة القديمة) -- ١٦ نابلس ١٠٠٠ ١٧ جبل جلبوع-- ١٨ وادي أيلون-- ١٩ جبل المورية-- ٢٠ بيت المقدس ٢٠٠

стр. 38

٢١ بيت لحم ١١ ٢٢ الخليل-- ٢٣ بيت جبرين ٣ ٢٤ قلعة الحصن ٣٠٠ ٢٥ سنت صموئيل (سيلون) -- ٢٦ بيسان-- ٢٧ بيت النبي ٢ ٢٨ الرملة ٣٠٠ ٢٩ يافا ١ ٣٠ إيلين-- ٣١ أشدود-- ٣٢ عسقلان ٢٠٠ ٣٣ زيدين (زرين) ١ ٣٤ صفورية-- ٣٥ طبرية ١٠٠ ٣٦ تبنين-- ٣٧ جوش ٢٠ ٣٨ ميرون-- ٣٩ علمه--- ٤٠ قادس-- ٤١ بلنياس-- المجموع ٣٣٦٩

стр. 39

من هذا الجدول يتضح ما يلى: * أنّ عدد اليهود في المدن والقرى التي زارها بنيامين فيما يعرف اليوم بلواء الإسكندرونة والسواحل السورية ولبنان وفلسطين بمعناها الجغرافي الواسع، كان قرابة ٣٣٦٨ يهودي في ٤١ مدينة وقرية، ولأنّ بنيامين كان يتحرّى التجمعات اليهودية فيمكننا القول: إنهم في المناطق الآنف ذكرها جميعا (فلسطين وسواحل المتوسط) لم يكونوا ليزيدوا عن ذلك كثيرا. وإذا علمنا أن عدد اليهود في التجمعات السكنية التي زارها في الدولة البيزنطية كان ٧٨٥٠ في ٣١ تجمعا (قرية أو مدينة) اتضح بجلاء أنّ نسبة الوجود اليهودي في الدولة البيزنطية كان أعلى بكثير من نسبة وجودهم في فلسطين وسواحل المتوسط الشرقية في ظل الحكم الصليبي، فلكي تكون النسبة واحدة كان من المفترض أن يكون عدد اليهود في التجمعات التي زارها بنيامين في فلسطين وسواحل المتوسط الشرقية هو ٧٨٥٠ على الأقل. * أنّ عدد اليهود في فلسطين التاريخية كان ضئيلا جدا في ظل الحكم الصليبي لا يتعدى الألفين، في ٣٥ تجمعا سكانيا (إذا حذفنا التجمعات السكنية التي مر عليها بنيامين في مناطق ما يعرف الآن باسم لبنان والساحل السوري ولواء الإسكندرونه التركي) * وإذا أضفنا لهذا أنّ هناك ألفا من أهل نابلس رفض بنيامين أن يعتبرهم يهودا وهم من طائفة الكوتيين (السامريين) الذين يتبعون أسفار موسى ولا يؤمنون بغيرها أي يرفضون التلمود وغيره من كتابات

стр. 40

الرابيين (الحاخامات) والمفسرين وهم لا يتزوجون من غير بنات نحلتهم ولا يختلطون مع اليهود الآخرين ... ويقول بنيامين مؤكدا أنهم غرباء عن بني إسرائيل.. وهم يبتعدون عن كل ما يدنّسهم أى يبالغون في الطهارة.. وإذا قصدوا الصلاة خلعوا ثيابهم واغتسلوا بالماء واستبدلوها بثياب غيرها.. وهذا جاري عادتهم يوميا. نقول: إذا حذفنا الألف سامري آخذين في اعتبارنا ما يقوله بنيامين لأصبح عدد اليهود على طول مناطق الساحل الشرقي للبحر المتوسط بما فيها فلسطين لا يزيد عن الألف يهودي في ظل الحكم الصليبي. هذا عجيب!! أين ذهب اليهود؟ نؤجل هذا السؤال مؤقتا لحين الحديث عن طائفة السامريين (الكوتيين) الذين رفض بنيامين اعتبارهم يهودا؟ والذين تلاشوا بعد ذلك حتى أن عزرا حداد مترجم هذا الكتاب قال: في الملحق الذي أعده عنهم ما يفيد أنّهم أصبحوا كالبقايا الأثرية ولم يعد لهم بعد ذلك وجود. فواضح أيضا أن عزرا حداد- مثل بنيامين من قبله- لا يحبهم. إن هؤلاء السامريين في نابلس لم يتعرضوا لاضطهاد شديد من المسيحيين لأن اليهود لم يكونوا يعترفون بهم كنسل إسرائيل أو كيهود. أيكونون قد أثبتوا أنهم لم يكونوا في فلسطين يوم (صلب) المسيح كما فعل اليهود القرّاءون الموجودون في محيط مسيحي لينجوا من الاضطهاد؟ ربما، خاصة وأنهم يعتقدون أن المسيح (المنتظر) سيكون من نسل يوسف ﵇ وليس من نسل داود كما يعتقد سائر اليهود، وبالتالي فقد كانوا مستقرين في مصر ولا علاقة
следующие страницы →