← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11681

رحلة بنيامين التطيلى

بنيامين التطيلي

Полный текст (385 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فكيف بقي هذا العدد القليل من اليهود في ظل الحكم الصليبي؟ ثم كيف تحرك بنيامين بحرية في هذه المناطق؟ أيمكن أن يكون بنيامين قد اجتاز هذه المنطقة متنكرا كمسيحى؟ ربما أو حتى كمسلم؟ ربما أيضا خاصة وأن الحروب الصليبية كان قد مضى على بدايتها أكثر من ستين عاما (بدأت ١٠٩٨) ويشير الباحثون إلى أن العلاقات التجارية بين الصليبيين والمسلمين، بل والعلاقات الاجتماعية لم تنقطع بين فترات الحروب، وتناولها بعض الباحثين (د. عاشور مثلا) كصفحة متكاملة من (العلاقات) فيها الجوانب الحربية والاقتصادية والاجتماعية. فلم يكن محظورا في ظل ظروف معينة أن يتجول المسلم في مناطق الحكم الصليبي. وما كان بنيامين ليستطيع أن يكتب كل آرائه، أو يبث آلامه من معاملة الصليبيين في رحلتة هذه لأسباب لا تخفى، لكن تعليقات عزرا حداد أكملت هذا النقص، أما نحن فلجأنا إلى لغة الأرقام نستفتيها ونخلص منها بالنتائج وهذا واضح في الصفحات التاليات.

стр. 37

مسلسل اسم المدينة أو القرية عدد اليهود ١ أنطاكية ١٠ ٢ الليكة (الاذقية) ٢٠٠ ٣ جبلة- ٤ جبيل ١٥٠ ٥ بيروت ٥٠ ٦ صيدا ٢٠ ٧ صرفنده- ٨ صور الجديدة ٤٠٠ ٩ عكاء ٢٠٠ ١٠- حيفا- ١١ كفرناحوم-- ١٢ قيسارية ٢٠٠ ١٣ قاقون (كيلا) - ١٤ اللّد ١ ١٥ سبسطية (السامرة القديمة) -- ١٦ نابلس ١٠٠٠ ١٧ جبل جلبوع-- ١٨ وادي أيلون-- ١٩ جبل المورية-- ٢٠ بيت المقدس ٢٠٠

стр. 38

٢١ بيت لحم ١١ ٢٢ الخليل-- ٢٣ بيت جبرين ٣ ٢٤ قلعة الحصن ٣٠٠ ٢٥ سنت صموئيل (سيلون) -- ٢٦ بيسان-- ٢٧ بيت النبي ٢ ٢٨ الرملة ٣٠٠ ٢٩ يافا ١ ٣٠ إيلين-- ٣١ أشدود-- ٣٢ عسقلان ٢٠٠ ٣٣ زيدين (زرين) ١ ٣٤ صفورية-- ٣٥ طبرية ١٠٠ ٣٦ تبنين-- ٣٧ جوش ٢٠ ٣٨ ميرون-- ٣٩ علمه--- ٤٠ قادس-- ٤١ بلنياس-- المجموع ٣٣٦٩

стр. 39

من هذا الجدول يتضح ما يلى: * أنّ عدد اليهود في المدن والقرى التي زارها بنيامين فيما يعرف اليوم بلواء الإسكندرونة والسواحل السورية ولبنان وفلسطين بمعناها الجغرافي الواسع، كان قرابة ٣٣٦٨ يهودي في ٤١ مدينة وقرية، ولأنّ بنيامين كان يتحرّى التجمعات اليهودية فيمكننا القول: إنهم في المناطق الآنف ذكرها جميعا (فلسطين وسواحل المتوسط) لم يكونوا ليزيدوا عن ذلك كثيرا. وإذا علمنا أن عدد اليهود في التجمعات السكنية التي زارها في الدولة البيزنطية كان ٧٨٥٠ في ٣١ تجمعا (قرية أو مدينة) اتضح بجلاء أنّ نسبة الوجود اليهودي في الدولة البيزنطية كان أعلى بكثير من نسبة وجودهم في فلسطين وسواحل المتوسط الشرقية في ظل الحكم الصليبي، فلكي تكون النسبة واحدة كان من المفترض أن يكون عدد اليهود في التجمعات التي زارها بنيامين في فلسطين وسواحل المتوسط الشرقية هو ٧٨٥٠ على الأقل. * أنّ عدد اليهود في فلسطين التاريخية كان ضئيلا جدا في ظل الحكم الصليبي لا يتعدى الألفين، في ٣٥ تجمعا سكانيا (إذا حذفنا التجمعات السكنية التي مر عليها بنيامين في مناطق ما يعرف الآن باسم لبنان والساحل السوري ولواء الإسكندرونه التركي) * وإذا أضفنا لهذا أنّ هناك ألفا من أهل نابلس رفض بنيامين أن يعتبرهم يهودا وهم من طائفة الكوتيين (السامريين) الذين يتبعون أسفار موسى ولا يؤمنون بغيرها أي يرفضون التلمود وغيره من كتابات

стр. 40

الرابيين (الحاخامات) والمفسرين وهم لا يتزوجون من غير بنات نحلتهم ولا يختلطون مع اليهود الآخرين ... ويقول بنيامين مؤكدا أنهم غرباء عن بني إسرائيل.. وهم يبتعدون عن كل ما يدنّسهم أى يبالغون في الطهارة.. وإذا قصدوا الصلاة خلعوا ثيابهم واغتسلوا بالماء واستبدلوها بثياب غيرها.. وهذا جاري عادتهم يوميا. نقول: إذا حذفنا الألف سامري آخذين في اعتبارنا ما يقوله بنيامين لأصبح عدد اليهود على طول مناطق الساحل الشرقي للبحر المتوسط بما فيها فلسطين لا يزيد عن الألف يهودي في ظل الحكم الصليبي. هذا عجيب!! أين ذهب اليهود؟ نؤجل هذا السؤال مؤقتا لحين الحديث عن طائفة السامريين (الكوتيين) الذين رفض بنيامين اعتبارهم يهودا؟ والذين تلاشوا بعد ذلك حتى أن عزرا حداد مترجم هذا الكتاب قال: في الملحق الذي أعده عنهم ما يفيد أنّهم أصبحوا كالبقايا الأثرية ولم يعد لهم بعد ذلك وجود. فواضح أيضا أن عزرا حداد- مثل بنيامين من قبله- لا يحبهم. إن هؤلاء السامريين في نابلس لم يتعرضوا لاضطهاد شديد من المسيحيين لأن اليهود لم يكونوا يعترفون بهم كنسل إسرائيل أو كيهود. أيكونون قد أثبتوا أنهم لم يكونوا في فلسطين يوم (صلب) المسيح كما فعل اليهود القرّاءون الموجودون في محيط مسيحي لينجوا من الاضطهاد؟ ربما، خاصة وأنهم يعتقدون أن المسيح (المنتظر) سيكون من نسل يوسف ﵇ وليس من نسل داود كما يعتقد سائر اليهود، وبالتالي فقد كانوا مستقرين في مصر ولا علاقة

стр. 41

لهم (بصلب) المسيح ﵇؟ ربما، لكن يبقى السؤال الكبير: أين هم؟ لماذا- دون سواهم من اليهود- انقرضوا؟ هنا نستعين بالدليل المنطقي والأنثروبولوجي. فالسامريون (الكوتيون) كانوا يبالغون في الطهاره. إنهم- قبل الصلاة- كانوا يتجردون من لباسهم تماما ليلبسوا لباسا جديدا خاصا بالصّلاة، وكانوا يستحمون ولا يكتفون بالوضوء. ونحن نعلم أنه إلى عهد قريب (في القرن العشرين) كان عدد كبير من المسلمين في شمال اليمن أو جنوب الجزيرة العربية يفعلون شيئا كهذا. فأنت ترى المسلم من هذا النوع وقد غسل نصفه الأسفل جيدا وتوضأ، ثم خلع سرواله (لباسه) وحمله بيده ودخل المسجد وسرواله (لباسه) في يده، ثم هو يطرح سرواله (لباسه) أمامه في المسجد ويبدأ في الصلاة، حتى إذا ما انتهى من صلاته لبس سرواله (لباسه) مرة أخرى في المسجد، وفي حالة الصلاة الجامعة في المسجد تجد الصورة كالتالي: المسلمون يقفون صفوفا وأمام كل منهم لباسه (سرواله) ، فهم لا يصلّون في سراويلهم خشية أن يكون قد أصابها ما جعلها غير طاهرة.. وبعد انتهاء الصلاة والتسليم ترى روّاد المسجد كلهم وقد انهمك الواحد منهم في رفع ثوبه وارتداء سرواله، وكلّ حريص يستدير للحائط مرة ولأحد الأعمدة مرة أخرى حتى لا يرى أحدّ عورته ... وفي الجيل الماضي كنا نرى بعض الفلاحين في مصر إذا شرع أحدهم في الصلاة في الحقل خلع سرواله.. فإذا رأيته وقف على حين غفله وخلع سرواله، فلا تظنّن السّوء.. إنّه سيصلّى.

стр. 42

هذه الظواهر التي وجدت في وقت لاحق وظلّ بعضها إلى عهد قريب جدا، ألا يمكن أن تكون دليلا على أنّ الكوتيين (السامريين) قد تحولوا إلى الإسلام تدريجيا وانتشروا في العالم الإسلامي، في اليمن وفي مصر وفي غير اليمن ومصر، وإلا كيف نفسّر هذا التشدد الشديد في مراعاة الطهارة عند الصلاة في دين يسمح بالصلاة بمجرد التيمم إذا عزّ الماء؟ وبالاستجمار بحجر أو سواه لتطهير قبله ودبره بعد قضاء الحاجة إذا عزّ الماء! ولم نسمع أن النبي ﷺ أو صحابته كانوا يصفون سراويلهم أمامهم في المسجد. أليست هذه بقايا ممارسات قديمة للمتحولين إلى الإسلام. أهذا التفسير أفضل أم القول بأن السّامريين (الكوتيين) قد انقرضوا لعدم إيمانهم بالتلمود وكتب الحاخامات الأخرى مكتفين بأسفار موسى*. إنّ تأمل ملامح الحاضر يعد دليلا تاريخيا لا يقل في أهميته عن الوثيقة والأثر، وعلى هذا سنضمّن هذه الدراسة وثيقتين تشيران إلى حركة بين اليهود أنفسهم للتحول للإسلام في القرنين السادس والسابع الهجريين (١٢، ١٣ للميلاد) لأسباب تاريخية سنوضّحها. لقد شهدت مرحلة إخراج المسلمين من الأندلس، وتوغل الإسلام- في المقابل- في آسيا الصغرى وشرق أوربا، ومرحلة الاحتكاك الحضاري العنيف بين الشرق والغرب ممثلا في الحروب الصليبية- شهدت تأثيرا وتأثرا بين الأديان الثلاثة، بل وأدّت إلى ظهور عقائد

стр. 43

مركبة من أكثر من دين، فقد أسّس درزي الداعية الاسماعيلي الفاطمي ومبعوث الحاكم بأمر الله العقيدة الحاكمية أو الدرزية التي هي مزاج من الإسلام والمسيحية بالإضافة لجانب غيبى سرّي، فهم فيما تقول دائرة المعارف الإسلامية (مادة دروز) مسلمون مع المسلمين ومسيحيون مع المسيحيين، ولا زال المثل الشعبي الشامي قائما شاملا في محتواه المضامين التاريخية (مثل الدرزي*، مع الحيط القائم) .. ولم يتعرض الدروز لاضطهاد الصليبيين في أثناء فترة الحروب الصليبية، وربما كانت ظروف العصر بالإضافة لأسباب أخرى هى التي أدّت لظهور هذه التركيبة الدينية.. أعنى أنه كان عصر صراع ديني لا يرحم بين أتباع الدين الواحد (المذاهب المختلفة في أوربا المسيحية وإلى حد ما في الشرق الإسلامي) ويبدو أنّ بنيامين قد بالغ كثيرا في ذكر عيوب الدروز فذكر أنهم «في خصام مستمر مع أهل صيدا، وأنهم لا دين يعرف لهم ... وهم إباحيون.. ومن عقائدهم السقيمة أن الروح الزكية إذا فارقت الجسم عند الوفاة حلّت في جسم طفل آدمي يولد في تلك اللحظة، أمّا الروح الشريرة فتحل في جسم كلب أو حمار.. وعلاقتهم طيبة باليهود» وقد علّق المترجم اليهودي عزرا حدّاد على ذلك بأن ذكر أنّ دروز اليوم براء من ذلك ففيهم كلّ مزايا العرب، ونحن نردد بدورنا ما قاله حدّاد. ويشير بنيامين إلى قلعة جبلة التي تقيم بظاهرها طائفة الحشيشيين

стр. 44

(الحشاشين) ، ويعلق حداد على ذلك بأنهم الطائفة الإسماعيلية المعروفة ويصفهم بنيامين بأنّهم زنادقة لا يؤمنون بدين محمد ويتبعون تعاليم شيخهم (حمدان قرمط) وهم في نزاع مستمر مع النصارى من الإفرنج وأمير طرابلس الشام. * نعود لحديث الأرقام فإنه إذا كان بنيامين قد وجد في القدس ٢٠٠ يهودي فقد قلّ عددهم بعد رحيله بوقت غير طويل فعزرا حداد ينقل عن رحّالة يهودي آخر هو فتاحية زار القدس بعد بنيامين بعشر سنوات فلم يجد فيها إلا يهوديا واحدا يدعى إبراهيم الصباغ كان- فيما يقول فتاحيه يؤدي للملك ضريبة فادحة ليسمح له بالبقاء، أما فيلكس فابرى Felix Fabri الحاج المسيحي الذي زار القدس بعد أن استعادها صلاح الدين الأيوبي في سنة ١١٨٧ فوجد فيها ٥٠٠ يهودي وزهاء ألف مسيحي.. لقد عاد اليهود إذن في ركاب المسلمين فيما يقول عزرا حداد. ليس غريبا إذن أن ينظر مسيحيو هذه الفترة وحتى القرن السابع عشر للميلاد- على الأقل- للمسلمين واليهود على أنهم حلفاء، فهل التحالف الأوروبي اليهودي اليوم نوع من تصفية الحسابات التاريخية؟ وهل هو حقا تحالف سيدوم؟

стр. 45

بنيامين في الدولة الإسلامية (العباسية) : اتجه بنيامين بعد ذلك إلى دمشق فدخل بذلك بلادا يحكمها نور الدين زنكي مع ولاء شكلى للخليفة العباسي في بغداد، وكان نور الدين هو القوة الأساسية في الشام في الفترة من ٥٤١ إلى سنة ٥٦٩ هـ/ ١١٣٥- ١١٦٣ م، وكان الخليفة العباسي الذي زار بنيامين البلاد في عهده هو المستنجد العباسي ٥٥٥- ٥٦٦ هـ/ ١١٦٠- ١١٧٠ م وربما يكون قد عاصر شطرا من حكم الخليفة التالي له وهو المستضئ ٥٦٦- ٥٧٥ هـ/ ١١٧٠- ١١٨٠ م وإن كان هذا غير مؤكد، فحديثه في الغالب عن المستنجد، وكان كلا الخليفتين مهيض الجناح لا تأثير لهما في مجريات الأمور كما سنوضح فيما بعد. ويهمنا هنا تزايد أعداد اليهود بشكل رهيب مقارنة بأعدادهم في سواحل الشام التي كانت تحت حكم الصليبيين وفي مملكة بيت المقدس. ولغة الأرقام هنا تساعدنا على استخلاص النتائج.

стр. 46

مسلسل المدينة عدد اليهود ملاحظات ١ دمشق ٣٠٠٠ من اليهود التموديين فقط+ ٢٠٠ من القرائين ولا يعتبرهم بنيامين يهودا+ ٤٠٠ من السامريين ولا يعتبرهم بنيامين يهودا ٢ جلعد ٦٠ ٣ صرخد-- ٤ بعلبك-- ٥ تدمر ٢٠٠٠ ٦ القريتين ١ ٧ حمص ٢٠ ٨ حماه-- ٩ شيزر ١٠ لطمين-- ١١ حلب ١٥٠٠ ١٢ بالس ١٠ ١٣ قلعة جعبر ١٠٠٠ ١٤ الرقة ٧٠٠ ١٥ حران ٢٠

стр. 47

١٦ رأس العين ٢٠٠ ١٧ نصيبين ١٠٠٠ ١٨ جزيرة ابن عمر ٤٠٠٠ ١٩ الموصل ٧٠٠ ٢٠ الرحبة ١٠٠٠ ٢١ قرقيساء ٥٠٠ ٢٢ الأنبار ١٠٠٠ ٢٣ حربى ٠٠٠/١٥ ٢٤ عكبرى ٠٠٠/١٠ ٢٥ بغداد ٠٠٠/٤٠ ٢٦ جاهيجان ٠٠٠/٥ ٢٧ خرائب بابل-- ٢٨ الحلّه ٠٠٠/١٠ ٢٩ برس نمرود-- ٣٠ نفاحة ٢٠٠ ٣١ مرقد حزقيال؟ ٣٢ الفوسنان ٣٠٠ ٣٣ عين شفاثه-- ٣٤ كفر الكرم-- ٣٥ الكوفة ٧٠٠٠ ٣٦ سورا--

стр. 48

٣٧ شفياثيب-- ٣٨ مدن وصحاري شبه الجزيرة العربية ٠٠٠/٣٠٠+ ٣٩ مدن وصحارى شبه الجزيرة العربية ٠٠٠/١٠٠+ ٤٠ مدن وصحاري شبه الجزيرة العربية ٠٠٠/٥٠+ ٤١ مدن وصحارى شبه الجزيرة العربية ٣٠٠٠ ٤٢ واسط ٠٠٠/١٠ ٤٣ البصرة ٠٠٠/١٠ ٤٤ نهرسمره ١٥٠٠ ٤٥ خوزستان ٧٠٠٠ (شرق شط العرب) ٤٦ رودبار ٠٠٠/٢٠ ٤٧ نهاوند-- ٤٨ مواطن الحشاشين ٤٠٠٠ ٤٩ العمادية ٠٠٠/٢٥

стр. 49

٥٠ همذان ٠٠٠/٥٠ ٥١ طبرستان ٠٠٠/٤ ٥٢ أصبهان ٠٠٠/١٥ ٥٣ شيراز ٠٠٠/١٠ ٥٤ خيوه ٠٠٠/٨ ٥٥ سمرقند ٠٠٠/٥٠ ٥٦ نيسابور ٠٠٠/٥ (؟) ٥٧ جزيرة قيس ٥٠٠ ٥٨ القطيف ٥٠٠٠ الإجمالي ٨١١/٧٨٢

стр. 50

قرابة ثلاثة أرباع المليون يهودي في ظل الحكم العباسي والدول الإسلامية التابعة له اسميا، وإذا أخذنا بملاحظة عزرا حداد التي مؤداها أن المؤرخين والكتاب اليهود جرى العرف لديهم على الإحصاء بعدد أرباب البيوت لا بعدد الأشخاص لكان هذا الرقم أكثر بكثير. يا إلهي، لكأنما يهود العالم كله قد تجمعوا في ديار المسلمين طلبا للأمان وإذا وضعنا في الاعتبار أن هذا الرقم المهول لا يشمل يهود اليمن ومصر لأن بنيامين تعرض لهم في موضع آخر وهو في طريق عودته لأوربا، اتضح لنا كم هو كبير هذا الرقم، ولا يمكن تفسير ذلك إلا بالظروف التاريخية وهو ما سنتعرض له ولغيره في نقاط كالتالي: - كأنما كانت الحروب الصليبية مكنسة كبيرة كنس بها الصليبيون يهود العالم المعروف وقتئذ من الغرب ليلقوهم في الشرق. ولا تفسير لهذا العدد الكبير من اليهود في الشام والعراق والدويلات التابعة- اسما- للخلافة العباسية سوى ذلك. - في الفترة من ٣٣٤ هـ إلى ٤٤٧ هـ/ ٩٤٦- ١٠٥٥ م كان سلاطين بني بويه الشيعة المغالين هم الحكام الحقيقيين في كل العراق، بلاد الخليفة العباسي السني، وكان الخلفاء ألعوبة في أيديهم، ومع أنهم شيعه فقد رفضوا إقامة خلافة فاطمية في بغداد خوفا من أن يستأثر الفاطميون بالحكم دونهم وأبقوا على الخلافة العباسية. في ظل هذه الظروف هل يسمح للخليفة بأن يتحرك بحرية أو يكون له بطانة أو حاشية من المسلمين؟ هذا بالطبع خطر على السلاطين البويهيين، لكن لا مانع من أن تكون له بطانة أو صحبة بيهود أو مسيحيين يدارسهم

стр. 51

ويقارن معهم الأديان.. فهذا لا خطر منه على بنى بويه. وقد وجدنا شيئا كهذا مع اختلاف الظروف والبواعث في الدولة الفاطمية في مصر التي وجد خلفاؤها أنهم في محيط سني، فجمعوا حولهم اليهود والمسيحيين واستعانوا بهم كثيرا مما كان له نتائج مهمة جدا سنتحدث عنها في حينه. - رغم استيلاء السلاجقة الأتراك على ملك بني بويه في العراق، واستيلائهم قبل ذلك على الولايات الغربية للدولة الغزنوية، ودخولهم بغداد في سنة ٤٤٧ هـ إلا أن أحد الأمراء وهو الحارث أرسلان البساسيري انتهز ضعف الخليفة العباسي وانشغال طغرل بك أول ملوك السلاجقة بفتح بعض بلاد العراق فدخل بغداد في سنة ٤٥٠ هـ وأقام الخطبة للخليفة المستنصر الفاطمي أي أنه أعلن تبعيته للخلافة الفاطمية، وهكذا أصبح الخليفة العباسي في قبضة الشيعة، وسار البساسيري في بغداد سيرة الفاطميين في مصر بالتحبب إلى الناس وتقديم الطعام والاموال، لكن الخليفة العباسي استنجد بطغرل بك الذي قدم بغداد وقتل البساسيري، وبذلك أصبح الخليفة العباسي في قبضة السلاجقة يتصرفون معه كما يشاءون. - والآن وقد أصبح الخلفاء العباسيون تحت سيطرة السلاجقة فقد سيطر نوابهم العسكريون على الحكم في العراق وأرسلوا حملاتهم إلى الشام لاستعادة ملك بني العباس (أو بالأحرى مد سلطان السلاجقة) في المناطق التي سيطر عليها الفاطميون، فأصبحت الرملة وبيت المقدس ثم بعد ذلك دمشق في قبضتهم وكان الخلفاء في هذه الأثناء يشرفون

стр. 52

على بناء القصور والاستماع إلى الغناء ومجالسة العلماء، وقد تزاوج السلاطين السلاجقة من بنات الخلفاء وحدث العكس أيضا فتحسنت العلاقة لكن هذا لا يمنع من أن السلاجقة كانوا يراقبون شعبية الخليفة العباسي واتصالاته، خوفا من ازدياد جماهيريته. وانقسم ملك السلاجقة إلى أتابكيات (إمارات صغيرة) منها في الشام عدة أتابكيات. وفي ظل هذه الظروف كانت زيارة بنيامين إلى الشام والعراق. - نحن إذا لا نستنكر ما قاله بنيامين عن الخليفة العباسي المستنجد بالله أبي المظفر يوسف بن المقتفى لأمر الله العباسي من أنه كان يعيش عيشة هنية في قصر فخم واسع الأرجاء ذي حديقة غناء بها موضع لصيد الطير وبرك لصيد الأسماك، وأن له حاشية تضم بعض اليهود علموه اللغة العبرية قراءة وكتابة.. لقد كانت علاقة الخلفاء بالسلاطين السلاجقة في هذا الوقت- كما سبق أن ذكرنا- قد تحسنت كثيرا نسبا وصهرا وأغرقهم السلاجقة في الفراغ والملذات، ووقروهم وشرفوهم ورفعوهم شريطة ألا يكون لهم سلطان سياسي. وحكاية أن المسلمين لا يشاهدون الخليفة إلا مرة في العام مسألة معقولة، فهي تدبير احترازي اتخذه السلاجقة لإبعاده عن الجماهير، وليست مسألة لها علاقة بالتوقير أو الاحترام كما توهم بنيامين. إنه نوع من العزل السياسي المهذب. لكن ليس هناك خطورة سياسية كما سبق القول من اندماج الخليفة

стр. 53

بغير المسلمين، لذا نرى رأس الجالوت أى رئيس الجالية اليهودية عندما يقابل الخليفة تحفة الحاشية والفرسان ويجلس قبالته مباشرة. ورأس الجالوت هذا يدبر أمور ٠٠٠/٤٠ يهودي في بغداد وحدها. - وما ذكره بنيامين عن يهود في شبه جزيرة العرب يثير حساسية شديدة، لذلك أراح الأستاذ المترجم عزرا حداد نفسه بالتشكك في زيارة بنيامين لشبه الجزيرة العربية، والواقع أن الظروف التاريخية للحروب الصليبية تجعلنا لا نستبعد ذلك مع بعض الإيضاحات، أولها أن هؤلاء اليهود الذين توغلوا في البادية هربا من الحروب الصليبية قد يكونون تحولوا للإسلام فعلا أو تظاهروا بذلك ثم- وهذا طبيعي- أسلم أبناؤهم حقا بمرور الأيام، خاصة أن بني ركاب الذين ذكرهم بنيامين كانوا ذوي طبيعة بدوية خالصة، وأنهم كانوا يخرجون مع القبائل العربية الأخرى للغزو والكسب في الأماكن البعيدة.. لقد ذابوا إذن مع العرب الآخرين، فالظروف الاجتماعية المتشابهة، خاصة إذا كانت بقوة الظروف البدوية غالبا ما تؤدي إلى توحيد العقائد، وقد أشار الرحالة فاريتما (الحاج يونس) إلى وجود بدو يهود في جبال قريبة من المدينة المنورة، ووصفهم وصفا بشعا، لكن الحقيقة أنّ ما ذكره ينطبق على بعض القبائل ذات الطابع الانعزالي أي التي لا تحب الاختلاط بالآخرين، وقد تصف بعض القبائل القبائل التي تكرهها أو تغار منها بأنها يهود.. على أية حال فيبدو أن الصحراء صهرت هؤلاء اليهود وجعلتهم من المسلمين خاصة أن الخلاف في العقائد الأساسية

стр. 54

ليس كبيرا فيما عدا حكاية الشعب المختار. - التحالف بين الحشاشين الإسماعيلية واليهود الذي أورده بنيامين عند حديثه عن أرض الملاحدة، أمر مقبول تماما، ولأن بنيامين رجل غريب وافد فهو- فيما يبدو- لم يكن يدرك التبادل الثقافي والعقائدي بين الإسماعيلية واليهود.. وهو ما سنشير إليه في موضع آخر. ****

стр. 55

خط سير بنيامين في الهند وشرق آسيا: فيما يلي جدول بأعداد اليهود كما ذكرهم في المدن التي زارها (أو قال إنه زارها) المدينة العدد خولام (كولم) أقل من مائة جزيرة كندي (سيلان) ٣٠٠٠ الصين لم يذكر البنغال ١٠٠٠

стр. 56

خط سير بنيامين إلى جنوب اليمن ثم مصر: ١- خولان-- ٢- عدن عدد غفير ولم يحدد، والمترجم يعلق بأنه خلط بين عدن وموقع آخر بعيد ٣- أسوان-- ٤- حلوان ٣٠٠ ٥- الزويله-- ٦- قوص ٠٠٠/٣٠ وعلق المترجم بما يفيد أن هذا خطأ من الناسخ ٧- مصر (العاصمة) ٢٠٠٠ ٨- بلبيس ٣٠٠٠ ٩- عين شمس-- ١٠- أبو تيج ٢٠٠ ١١- بنها ٦٠ ١٢- سمناط (سمنود) ٢٠٠ ١٣- الدميرة (قرب دمياط) ٧٠٠ ١٤- المحلة ٥٠٠ ١٥- الاسكندرية ٣٠٠٠ ١٦- دمياط ٢٠٠ ١٧- سنباط-- ١٨- إيلة-- ١٩- حصى الخطاطين--

стр. 57

- كانت حركة بنيامين في مصر مريبة نحوا ما، فقد زار بعض المدن أكثر من مرة، كما أن خط سيره فيها معقد أو مركب كما هو واضح من الخريطة. لقد خرج من أسوان إلى قوص ولما وصل إلى شمال مصر عاد مرة أخرى إلى قوص، ثم إنه لما وصل إلى الإسكندرية عاد فتوجه إلى دمياط، ووصل إلى خليج العقبة فطور سيناء، فدمياط فقوص مرة أخرى، فالإسكندرية فدمياط، وهو قد اتخذ طريقه إلى غرب أفريقيا (إمبراطورية غانه الوسيطة وهي غير دولة غانا الحالية، فالإمبراطورية الوسيطة كانت إلى الغرب من مملكة مالي الوسيطة ولم تكن دولة ساحلية- انظر الخريطة) . أهذه حركة سائح؟ أم تراه كان ينقل رسائل بين يهود البلاد أو يوزع عليهم تعليمات؟! - وقد لا حظ بعض الباحثين المصريين (سلسلة تاريخ المصريين- أهل الذمة في العصر الفاطمي) أن عدد اليهود في مصر في مطلع الدولة الأيوبية وأواخر الدولة الفاطمية قد تناقص كثيرا، وذلك اعتمادا على الأرقام التي أوردها بنيامين التطيلي في رحلته هذه والتي صنفناها بطريقة جدولية فيما سبق. وهي ملاحظة جديرة بالتأمل وفي حاجة إلى تفسير. -- أيمكن أن يكون السبب هو أن الرحالة والمؤرخين اليهود قد تعودوا أن يحصوا عدد اليهود وفقا للأسر أو أرباب البيوت وليس وفقا لعدد النفوس وهو مالا يأخذ به الباحثون والرحالة المسلمون عند ما يذكرون أرقاما عن عدد السكان؟ الواقع أن هذا لا يصلح تفسيرا للظاهرة فالنسبة ستظل ثابتة إذا قورنت بعدد اليهود في الشام والعراق،

стр. 58

فهو عند ما ذكر أعداد اليهود في الشام والعراق وغيرهما اتبع الطريقة نفسها في الإحصاء.

стр. 59

أيمكن أن يكون اليهود قد تعرّضوا لاضطهاد شديد في مصر في أثناء الدولة الفاطمية فهاجروا منها هجرات جماعية؟ والحقيقة أن المراجع التي تناولت التاريخ الفاطمي أو الأيوبي لم تشر إلى مثل هذه الهجرة الجماعية. أما فيما يتعلق باضطهاد اليهود والمسيحيين في أثناء الحكم الفاطمي، فهو بالتأكيد حديث خرافة. فقد شغل اليهود والقبط أرقى المناصب، وكان منهم زوجات الخلفاء الفاطميين وأمهاتهم.. أما ما يقال عن هدم الكنائس وما إلى ذلك، فلا يستطيع فهمه إلا من فهم طبيعة المذهب الإسماعيلي الشيعي (الفاطمي) ، فقد كانت بعض الكنائس يؤمر بهدمها ثم بعد فترة يؤمر بإعادة بنائها.. يبدو أنها الكنائس الآيلة للسقوط هي تلك التي يؤمر بهدمها. وكانت هناك أوامر بتحول يهود أو مسيحيين قسرا للإسلام ثم أوامر بالسماح لهم بالعودة لدينهم.. وكل هذا لا يمكن فهمه إلا من خلال مبدأ (اكتم ذهبك ومذهبك وذهابك) وإلا من خلال أنّ الفاطميين الشيعة كانوا يحكمون غالبية من السنّة؟ ولم تكن مثل هذه الأوامر الشكلية تحقق غرضها وإنما كانت إرضاء ظاهريا لبعض متعصبي السنة. وكيف يفقد الفاطميون مودة اليهود والنصارى وهم يحكمون شعبا من السنة تقبل ببساطة شديدة إلغاء كل مظاهر التشيع ممثلة في إضافة (حي على خير العمل) في الأذان وغير ذلك بمجرد قيام الدولة الأيوبية؟ ولم ينتحب لإلغاء الدعاء للخليفة الفاطمي في خطب صلاة الجمعة؟ ... الخ. وكيف يفقد الفاطميون مودة اليهود والنصارى والمناصب الكبيرة فيهم، والطبيب منهم، وأمين الخزانة

стр. 60

منهم، وقيم الأموال منهم ... أنصدق كلمات يرويها مؤرخون لم يتعمقوا في الأمور والعوامل الكامنة وراءها ونكذب ما نراه رأي العين؟ ولا زالت الكنائس التاريخية قائمة أمامنا في غالبها شاهدا على ذلك! لنستبعد- إذا مسألة الاضطهاد الديني هذه كسبب لقلة عدد اليهود في مصر في أواخر عهد الدولة الفاطمية وبداية الأيوبية! -- والحقيقة أنّ العصر الفاطمي شهد- فيما يبدو- نوعا من المفاوضات أو المساومات لإيجاد دين وسط بين اليهودية والإسلام من ناحية، وبين المسيحية والإسلام من ناحية أخرى، أو بتعبير آخر التوصل عبر مفاوضات ومناقشات ومراعاة للمصالح- لإيجاد صيغة دينية وسطية مقبولة للطرفين (المسيحي الإسلامي أو اليهودي الإسلامي) . فعلى سبيل المثال بماذا نفسر الظواهر الآتية: * قائمة المحرمات التي حرمها الحاكم بأمر الله الفاطمي في الطعام كانت تشمل الأسماك التي لا قشور لها وهو محرّم بالفعل في العهد القديم- سفر التثنية، ألا يمكن أن يكون هذا طلبا أو شرطا وضعه يعقوب بن كلس الوزير اليهودي ذو الشأن الكبير لكي يتحول للإسلام، ولم يجد الحاكم غضاضة في قبول هذا الطلب من ابن كلس أو من حاشيته من اليهود للوصول إلى قائمة محرّمات مشتركة فيما يتعلق بالأطعمة تكون محرّمة من الطرفين، وبذلك يتحول اليهود للإسلام دون أن يفقدوا شريعتهم. * عندما أصدر الحاكم بأمر الله الفاطمي أمره بألا يعمل أحد بالنهار، وأن العمل لا يكون إلا ليلا، لم يسأل أحد من الباحثين الذين

стр. 61

كتبوا عنه نفسه: لماذا أمر الحاكم بهذا الأمر؟ قال المدافعون عنه إن ذلك لأن القاهرة كانت حارة نهارا، وأن الجو ليلا كان جميلا، وما أحلى العمل على ضوء الفوانيس! وقال المهاجمون له إنه مجنون. الواقع أنه ليس مجنونا، كما أن إبطال العمل نهارا معناه أيضا اضطراب أمر الصلاة نهارا، ولابد أن الناس سينامون بالنهار ليتمكنوا من السهر ليلا. لا بد من سبب آخر: إنه شرط بين الحاكم أو المسلمين الإسماعيلية من ناحية، واليهود من ناحية أخرى، لمراعاة حرمة يوم السبت، الذي هو اليوم الذي (استراح) فيه الرّب بعد خلق السماوات والأرض، وله- أي لهذا اليوم- حرمة كبيرة عند اليهود، لم يتم التهاون فيها جزئيا إلا في أوقات لاحقة، لكن لماذا بقية الأيام أيضا؟ إذن ماذا كنتم تظنون أيخص الفاطميون السبت وحده وبذلك تستنتج العامة أنهم تركوا الإسلام وتحولوا لليهودية. وكيف يدوم السلطان؟ لابد إذن أنّ حوارا على هذا النحو تم بين اليهود من ناحية والسلطان والدعاة الإسماعيلية من ناحية أخرى: ابن كلس (واليهود) : لكن للسبت عندنا حرمة كبيرة الدعاة الإسماعيلية: نحترم السبت وتحترمون الجمعة ابن كلس (واليهود) : نحن لا نعمل يوم السبت. الدعاة الإسماعيلية: يحرّم الإمام العمل يوم السبت. لكن كيف؟ ابن كلس (واليهود) : الجو في القاهرة حار، ليكن ذلك هو السبب في ألا يعمل الناس نهارا، والليل سكون نحن أدرى كيف نقضيه الدعاة الإسماعيلية: عظيم! لكن لماذا السبت بالذات أليست

стр. 62

الحرارة في نهار السبت كالحرارة في الأيام الأخرى؟! ابن كلس (واليهود) : لماذا لا يعمّم مولانا الإمام ذلك بالنسبة لكل الأيام. الدعاة الإسماعيلية: بارك الله فيكم.. هذا هو الحل، وبذلك نراعى حرمة السبت، وتشهدون صلاة الجمعة، وسيجزل لكم مولانا الإمام العطاء ابن كلس (واليهود) : أدام الله عمر الإمام، سرّ الله سليل النبي! وبمفاوضات على هذا النّسق ثم تسوية المسائل الخلافية الظاهرية، وهي المهم، أما المسائل العقائدية فالاعتقاد في الله واحد، وحكاية (عزيز ابن الله) هذه لم تكن هي عقيدة غالب اليهود، أو كانت عقيدة الجهلة منهم ثم تخلصوا منها. ومحرّمات الزواج تكاد تكون واحدة، والتمسك بالطهارة تكاد تكون واحدة. ونحن نميل دائما لاستخدام الدليل الأنثروبولوجي في البحوث التاريخية أي تأمل الوضع الحاضر للخلوص منه- دون تعنت- بأدلة لإثبات وقائع تاريخية. أليس عدد كبير من الفلاحين- بل وبعض سكان المدن- كانوا إلى عهد قريب- وربما إلى الآن- يأنفون من أكل لحم السمك الثعبان. والقراميط بل والجمبري (الربيان) إنهم مسلمون الآن، لكنّ هذا تراث توارثوه من أجداد يهود أسلموا بناء على اتفاقات في عهد الدولة الفاطمية أما حرمة السبت فقد تلاشت بالتدريج بحكم ضرورات الحياة حتى عند عدد كبير من اليهود المعاصرين. ثم أليس (الفطير المشلتت) أو (الفطير) عموما لازال مرتبطا في

стр. 63

بعض بيوت الريف التقليدية بالأعياد والمناسبات السعيدة؟! أليس هذا تقليدا يهوديا بالنسبة لبعض الأعياد حيث يستعاض عن الخبز (ذي الخميرة) بالفطير (الذي لم يختمر عجينه) ؟! إنها بقايا اتفاقات الصيغة الوسطية بين الدّينين اليهودي والإسلامي. لقد كان الفاطميون حريصين على إيجاد مسلمين جدد يعتمدون عليهم بدلا من الأغلبية السنية المعادية لهم، وبالفعل نجحت سياستهم نجاحا مذهلا حتى إننا لا نستطيع أن نقول: إن الإسلام قد أصبح دين الغالبية العظمى من سكان مصر إلا في عهدهم. وعلى النحو نفسه جرى الأمر بالنسبة للمسيحيين لكن هذا ليس موضوعنا الآن. كانت هناك إذن حركة تحول جماهيرية بين اليهود المصريين للإسلام وفقا لهذه الصيغة الوسطية، وهذا هو التفسير الوحيد للملاحظة التي أوردها بعض الباحثين المصريين المعاصرين من أن الأرقام التي أوردها بنيامين عن عدد اليهود في مصر أقل بكثير مما أورده المؤرخون الذين تحدثوا عن اليهود في بداية الدولة الفاطمية. أما لماذا لم تكن حركة التحول اليهودية هذه للإسلام مشهورة معروفة، فالسبب بسيط وهو أنه كان مما يقلّل كثيرا من قيمة الشخص- على المستوى الشعبي- أن يعرف أن (أصله يهودي) بما تنطوي عليه هذه العبارة من مفاهيم كامنة في الفكر الشعبي- وإن كان هذا بطبيعة الحال أمرا لا مبرر له. ولأن بعض المشتغلين بالتاريخ قد لا يفهمون كثيرا مسألة الدليل

стр. 64

الأنثروبولوجي هذه، فإننا نسوق لهم وثيقتين، يتضح منهما بشكل جلي محاولة المواءمة بين الدينين للخلوص بصيغة وسطية لا تمنع التحول للإسلام. الوثيقة الأولى لشموئيل بن يهوذا، والصيغة العربية للاسم شموئيل هى السموأل، ويتضح لنا من السياق أنه كان من الدعاة الإسماعيلية فهو يحدّثنا عن «الإمام» وظلّ الله في الأرض ... الخ. وكتابه هو (بذل المجهود في إفحام اليهود) واسمه كاملا هو السموأل بن يهوذا يحيى بن عباس المغربي الأندلسي الطبيب والفيلسوف. قدم أبوه إلى الشرق الإسلامي وتضلع السموأل في الرياضيات والطب والأديان. وطاف مع أبيه بلاد المشرق واستقر في بغداد فترة ثم رحل إلى أذربيجان حيث أقام في مراغة، وفيها أسلم، وكان قبل إسلامه قد بلغ درجة عالية في الكهنوت اليهودي. وله كتاب آخر غير الكتاب الذي نحن بصدده وهو (الديانة اليهودية) . وكان السّموءل من بيت دين، فقد كان أبوه فيما يقول هو هو الرّاب يهوذا بن أيوب من مدينة فاس التى بأقصى المغرب. والرّاب لقب ليس باسم، وتفسيره الحبر، وكان عالما بالتّوراة وشاعرا ينظم الشعر بالعبرية، وكان اسمه المدعو به بين أبناء العربيه هو أبو البقاء بن يحيى بن عباس ذلك أنّ كثيرا من اليهود بالمغرب والأندلس كان لهم اسمان، واحد عبري وآخر عربي، وإن كان الاسم العربي غالبا ما يكون قريبا من الاسم العبري لأنه مشتق منه. وتزوّج والد السموأل من أمّ السموأل ببغداد وأصلها من البصرة وكانت بارعة في علوم التوراة وبارعة

стр. 65

بالكتابة بالخط العبري وهى بنت إسحاق بن إبراهيم البصرى اللاوي أعنى سبط لاوي. يقول السموأل «وكان إسحاق هذا ذا علوم يدرّسها ببغداد، وكانت أمه نفيسة بنت أبي نصر الداودي المصري، وهذا الداودي من رؤسائهم المشهورين وذريته إلى الآن بمصر، وكان اسم أمي على اسم أم شموائيل (السموأل) النبي ﵇. وللسموءل كتب أخرى منها: الطب، الجبر والمقابلة وكان خبيرا بالجواهر والأحجار الكريمة. وتوفى بمراغه من أعمال أذربيجان سنة ٥٧٠ هـ

стр. 66

وفيما يلي نص طويل من هذا الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله عدة للقاء الله أما بعد الحمد لله على ما ألهم به من الهداية، وعصم عنه من الغواية. والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله الطاهرين. فإن سبيل من فضل من العباد بالفطانة والرشاد، أن يجد في البحث عن أحوال المعاد، والتأمل لما أخذه عن الآباء والأجداد، بين الامتحان والانتقاد، فإن رآه فضيلة سما لإدراكها، وإن ألفاه رذيلة نجا من أشراكها، لتضحى حقائبه بطانا من الزاد، فإن هاتف الموت لبالمرصاد، ولن تحمد العقبى لمضيع في تحصين شرعه، وموزع مواقيته على ما ينقاد إليه بطبعه. ولن يظفر بضالة الحق إلا ناشدوها، ولن يهدج الأباطيل على أنفسهم إلا معتدوها. والغرض الأقصى من إنشاء هذه الكلمة: الرد على أهل اللجاج والعناد، وأن يظهر ما يعور كلمتهم من الفساد، على أن الأئمة- ضوعف ثوابهم- قد انتدبوا لذلك، وسلكوا في مناظرتهم اليهود أنواع المسالك، إلا أن أكثر ما نوظروا به لا يكادون يفهمونه أو لا يلتزمونه. وقد جعل الله إلى إفحامهم طريقا مما يتداولونه في أيديهم: من نص تنزيلهم، وإعمالهم كتاب الله عند تبديلهم، ليكون حجة عليهم موجودة في أيديهم. وهذا أول ما ابتدئ به من إلزامهم.

стр. 67

النسخ من نص كتابهم وما تقتضيه أصولهم: أقول لهم: هل كان قبل نزول التوراة شرع أم لا؟ فإن جحدوا كذّبوا بما نطق به الجزء الثاني من السفر الأول من التوراة. إذ شرع الله على نوح ﵇ القصاص في القتل، ذلك قوله تعالى: نص التوراة: (شوفيخ دام ها أذم باذام دامو يستافيخ كى يصيلم ألوهيم عاسا إت هاذام) . تفسيره: سافك دم الإنسان فليحكم بسفك دمه. لأن الله تعالى خلق آدم بصورة شريفة. وما يشهد به الجزء الثالث من السفر الأول من التوراة. إذ شرع على إبراهيم ختان المولود في اليوم الثامن من ميلاده. وهذه وأمثالها شرائع، لأن الشرع لا يخرج عن كونه أمرا ونهيا من الله لعباده، سواء نزل على لسان رسول، أو كتب في أسفار، أو ألواح أو غير ذلك. فإذا أقروا بأنه قد كان شرع. قلنا لهم: ما تقولون في التوراة؟ هل أتت بزيادة على تلك الشرائع أم لا؟ فإن قالوا: لا. فقد صارت عبثا. إذ لا زيادة فيها على ما تقدم، ولم تغن شيئا، فلا يجوز أن تكون صادرة عن الله. فليزمكم أن التوراة ليست من عند الله تعالى. وذلك كفر على مذهبكم. وإن كانت التوراة أتت بزيادة، فهل في تلك الزيادة تحرم ما كان مباحا أم لا؟ فإن أنكروا ذلك بطل قولهم من وجهين: أحدهما: أن التوراة حرمت الأعمال الصناعية في يوم السبت بعد

стр. 68

أن كان مباحا، وهذا بعينه هو النسخ. والثاني: أنه لا معنى لزيادة في الشرع إلا تحريم ما تقدمت إباحته، أو إباحة ما تقدم تحريمه. فإن قالوا: إن الحكيم لا يحظر، أي لا يحرم شيئا، ثم يبيحه، لأن ذلك إن جاز مثله كان كمن أمر بشيء وضده. فالجواب: أن من أمر بشيء وضده في زمانين مختلفين غير متناقض في أوامره، وإنما يكون كذلك لو كان الأمران في وقت واحد. فإن قالوا: إن التوراة حظرت أمورا كانت مباحة من قبل، ولم تأت بإباحة محظور، والنسخ المكروه هو إباحة المحظور. لأن من أبيح له شيء فامتنع عنه وحظره على نفسه فليس بمخالف. وإنما المخالف من منع من شيء فأتاه باستباحته المحظور. فالجواب: أن من أحل ما حظره الشرع في طبقة المحرم لما أحله الشرع. إذ كل منهما قد خالف المشروع. ولم يقرأ الكلمة على معاهدها. فإذا جاز أن يأتي شرع التوراة بتحريم ما كان إبراهيم ﵇ ومن تقدمه عن استباحته، فجائز أن تأتي شريعة أخرى بتحليل ما كان في التوراة محظورا. وأيضا: فلا تخلو المحظورات من أن يكون تحريمها مفترضا في كل الأزمنة، لأن الله سبحانه يكره ذلك المحظور لعينه. وإما أن لا يكرهه الله لعينه، بل نهى عنه في بعض الأزمنة. فإن كان الله نهى عن عمل الصناعات في يوم السبت لعين السبت، فينبغي أن يكون هذا التحريم على ابراهيم ونوح وآدم أيضا، لأن عين السبت كانت أيضا موجودة في

стр. 69

زمانهم وهى على التحريم. وإذا كان ذلك غير محرم على إبراهيم ومن تقدمه فليس النهى عنه لعينه، أعني في جميع أوقات وجود عينه، وإذا لزمكم أن تحريم الصناعة في يوم السبت ليس تحريما في جميع أوقات السبت، فليس يمتنع أن ينسخ هذا التحريم في زمن آخر وإذا ظهر قائم بمعجزات الرسالة وأعلام النبوة في زمن آخر بعد فترة طويلة فجائز أن يأتي بنسخ كثير من أحكام الشريعة، سواء حظر مباحاتها أو أباح محظوراتها. وكيف يجوز أن تحتاج بالبينة باعتراض فيما ورد به من أمر ونهي، سواء وافق العقول البشرية أو باينها، ولا سيما أن الخصوم قد طالما تعبدوا بفرائض مباينة للعقول، كطهارة أنجاسهم برماد البقرة التي كان الإمام الهاروني يحرقها قبيل أوان الحج، ونجاسة ظاهرهم بذلك الرماد بعينه. على أن الذي يروم تنزيله منزلة هذا أقرب كثيرا إلى العقل فإن الأفعال والأوامر الإلهية منزهة عن الوقوف عند مقتضى العقول البشرية. وإذا كانت التعبدات الشرعية غير عائدة بنفع لله ، ولا دافعة عنه ضررا لتنزيهه عن الانتفاع والتأذي بشيء، فما الذي يحيل أو يمنع كونه تعالى يأمر أمة بشريعة، ثم ينهى أمة أخرى عنها، أو يحرم محظورا على قوم ويحله لأولادهم ثم يحظره ثانيا على من يجيء بعدهم؟ وكيف يجوز للمتعبد أن يعارض الرسول في تحليله ما كان حراما على قوم، ويستدل بذلك على كذبه بعد أن جاء بالبينة، وأوعب العقلاء تصديقه وتحكيمه، أليس هذا تحكما وضلالا، وعدولا عن الحق؟.

стр. 70

إفحام اليهود والنصارى بالحجج العقلية وإلزامهم الإسلام: لا يسع عاقلا أن يكذب نبيا ذا دعوة شائعة، وكلمة قائمة، ويصدق غيره. لأنه لم ير أحدهما، ولا شاهد معجزاته. فإذا خص أحدهما بالتصديق، والآخر بالتكذيب، فقد تعين عليه الملام والإزراء عقلا. ولنضرب لذلك مثلا: إذا سألنا يهوديا عن موسى ﵇، وهل رآه وعاين معجزاته فهو بالضرورة يقر بأنه لم يشاهد شيئا من ذلك عيانا. فنقول له: بماذا عرفت نبوة موسى وصدقه؟ فإن قال: إن التواتر قد حقق ذلك، وشهادات الأمم بصحته دليل ثابت في العقل كما قد ثبت عقلا وجود بلاد وأنهار لم نشاهدها وإنما تحققنا وجودها بتواتر الأنباء والأخبار. قلنا: إن هذا التواتر موجود لمحمد ﷺ وعيسى ﵇، كما هو موجود لموسى ﵇، فيلزمك التصديق بهما. وإن قال اليهودي: إن شهادة أبي عندي بنبوة موسى هى شبه تصديق بنبوته. قلنا له: ولم كان أبوك عندك صادقا في ذلك، معصوما عن الكذب؟ وأنت ترى الكفار أيضا يعلمهم آباؤهم ما هو كفر عندك إما تعصبا من أحدهم لدينه، وكراهية لمباينة طائفته، ومفارقة قومه وعشيرته، وإما لأن أباه وأشياخه نقلوه إليه فتلقنه منهم، معتقدا فيه الهداية والنجاة. فإذا كنت يا هذا قد ترى جميع المذاهب التي تكفر بها قد أخذها أبناؤها عن آبائهم كأخذ مذهبك عن أبيك وكنت عالما

стр. 71

أن ما هم عليه ضلال وجهل. فيلزمك أن تبحث عما أخذته عن أبيك من أن تكون هذه حالتك. فإن قال: إن الذي أخذته عن أبي أصح مما أخذه الناس عن آبائهم. لزمه أن يقيم البرهان على نبوة موسى من غير تقليد لأبيه لأنه قد ادعى صحة ذلك بغير تقليد. وإن زعم أن العلة في صحة ما نقله عن أبيه أنه رجح أباه على آباء الناس أصدق والمعرفة كما يدعي اليهود في حق آبائهم، لزمه أن يأتي بالدليل على أن أباه أعقل من سائر آباء الناس، وأفضل. فإن هو ادعى ذلك فقد كذب فيه. لأن من ادعى مثل هذا يجب أن يستدل على فضائله بآثاره، وقول اليهود باطل. فإنهم ليس لهم من الآثار في العالم ما ليس لغيرهم مثله، بل هم على الحقيقة لا ذكر لهم بين الأمم الذين استخرجوا العلوم الدقيقة ودونوها لمن يأتي بعدهم وجميع ما نسب إليهم من العلوم ما استفادوه من علوم غيرهم لا يضاهي بعض الفنون الحكمية التي استخرجها حكماء اليونان، والعلوم التي استنبطها النبط وأما تصانيف المسلمين فيستحيل لكثرتها أن يقف أحد من الناس على جميع ما صنفوه في أحد الفنون العلمية لسعته وكثرته. وإذا كان هذا موقعهم من الأمم فقد بطل قولهم إن آباءهم أعقل الناس وأفضلهم وأحكمهم. ولهم أسوة بسائر آباء الناس المماثلين لهم من ولد سام بن نوح ﵉. فإذا أقروا بتأسّي آبائهم بآباء غيرهم، وقد علموا أن آباء غيرهم قد لقنوهم الكفر. لزمهم أن شهادة الآباء لا يجوز أن تكون حجة في صحة الدين. فلا يبقى لهم حجّة في نبوة موسى إلا شهادة التواتر،

стр. 72

وهذا التواتر موجود لعيسى ومحمد، كوجوده لموسى. وإذا كانوا قد آمنوا بموسى لشهادة التواتر بنبوته، فقد لزمهم التصديق بنبوة المسيح والمصطفى ﵉. وجه آخر في إثبات النسخ وأصولها: نقول لهم: فهل أنتم اليوم على ملة موسى ﵇؟ فإن قالوا: نعم. قلنا لهم: أليس في التوراة «أن من مس عظما، أو وطئ قبرا، أو حضر ميتا عند موته، فإنه يصير من النجاسة في حال لا طهارة له منها، إلا برماد البقرة التي كان الإمام الهاروني يحرقها» فلا يمكنهم مخالفة ذلك، لأنه نص ما يتداولونه. فنقول لهم: فهل أنتم اليوم على ذلك؟ فيقولون: لا نقدر على ذلك. فنقول لهم: فكيف جعلتم أن من لمس العظم والقبر والميت فهو طاهر يصلح للصلاة وحمل المصحف، والذي في كتابكم خلافه؟ فإن قالوا: لأنا عدمنا أسباب الطهارة، وهى رماد البقرة، والإمام المطهر المستغفر. قلنا: فهل ترون هذا الأمر مع عجزكم عنه مما تستغنون عنه في الطهارة أم لا؟ فإن قالوا: نعم. قد نستغنى عنه. فقد أقروا بالنسخ لتلك الفريضة لحال اقتضاها هذا الزمان.

стр. 73

وإن قالوا: لا نستغنى في الطهارة عن ذلك الطهور، فقد أقروا بأنهم الأنجاس أبدا، ما داموا لا يقدرون على سبب الطهارة. فنقول لهم: فإذا كنتم أنجاسا على رأيكم وأصولكم، فما بالكم تعتزلون الحائض بعد انقطاع الحيض وارتفاعه سبعة أيام، اعتزالا تفرطون فيه إلى حد أن أحدكم لو لمس ثوبه ثوب المرأة الحائض لاستنجستموه مع ثوبه؟ فإن قالوا: لأن ذلك من أحكام التوراة. قلنا: أليس في التوراة أن ذلك يراد به الطهارة؟ فإذا كانت الطهارة قد فاتتكم فإن النجاسة التي أنتم فيها على معتقد كم لا ترتفع بالغسل كنجاسة الحيض، فهى كذلك أشد من نجاسة الحيض، لما أنكم ترون أن الحائض طاهر إذا كانت من غير ملتكم، ولا تستنجسون لامسها، ولا الثوب الذي تلمسه، وتخصيص الأمر، أعني نجاسة الحائض لطائفتكم مما ليس في التوراة، فهذا كله منكم نسخ أو تبديل. فإن قالوا: إن هذا وإن كان النص غير ناطق به فقد جاء في الفقه. قلنا لهم: فما تقولون في فقهائكم. هل الذي اختلفوا فيه من مسائل الخلاف والمذهب- على كثرتها لديكم- كان ثمرة اجتهاد واستدلال منقولا بعينه؟ فهم يقولون: إن جميع ما في كتب فقهنا نقله الفقهاء عن الأخبار عن الثقات من السلف، عن يوشع بن نون عن موسى الكليم ﵉ عن الله تعالى. فيلزمكم في هذه المسألة الواحدة التي اختلف فيها اثنان من فقهائكم أن يكون كل واحد

стр. 74

منهما ينقل مذهبه فيها نقلا مستندا إلى الله . وفي ذلك من الشناعة اللازمة أن يجعلوا الله قد أمر في تلك المسألة بشيء وخلافه وهو النسخ الذي يدفعونه بعينه. فإن قالوا: إن الخلاف غير مستبعد، لأن الأولين كانوا بعد اختلافهم في المذهب في المسألة يرجعون بها إلى أصل واحد هو المقطوع به. قلنا: إن رجوعهم بعد الاختلاف إلى الاتفاق على مذهب واحد إما لأن أحدهم رجع عما نقل أو طعن في نقله، فيلزمه السقوط عن العدالة، ولا يجوز لكم أن تعاودوا الالتفات إلى نقله، وإما أن يكون الفقهاء اجتمعوا على نسخ أحد المذهبين، أو تكون رواية أحدهما ناسخة لرواية الآخر، وما من الفقهاء إلا قد ألغى مذهبه في مسائل كثيرة، وهذا جنون ممن لا يقر بالنسخ «١» ، ولا يرى كلام أصحاب الخلاف اجتهادا ونظرا، بل نقلا محضا.

стр. 75

إلزامهم النسخ بوجه آخر: نقول لهم: ما تقولون في صلواتكم وصومكم، هل هى التي فارقكم عليها موسى ﵇. فإن قالوا: نعم قلنا: فهل كان موسى وأمته يقولون في صلاتهم كما تقولون: (تقاع شوفار كاذول لحيروا ثلتوو سانيس لقبو صينو وقصلنو باحدّ تياره باع كنفوث ها ارص ال نوى قد شيخا يا روح أنا أدوناى مقبيص ندحى عموا يا روح برائل) . تفسيره: اللهم اضرب بطوق عظيم لعنقنا، واقبضنا جميعا من أربعة أقطار الأرض إلى قدسك، سبحانك يا جامع تشتيت قوم بنى إسرائيل. أم هل كانوا على عهد موسى ﵇ يقولون كما تقولون في كل يوم: (هاشيب شوفطينو كبار شيونا ويوعصينو كبتحلا وبن أشير برشا لايم عير قد شخا يحيتوونا حمينو بلسنا نا ياروخ أنا أدوناى بوى بروشا لايم) تفسيره: رد حكامنا كالأولين، ومسراتنا كالابتداء، وابن يروشليم قرية قدسك في أيامنا وأعزنا ببنائها. سبحانك يا باني يروشليم. أما هذه فصول شاهدة بأنكم لفقتموها بعد زوال الدولة؟ وأما صوم إحراق بيت المقدس وصوم حصاره وصوم كداليا الذي جعلتموه فرضا، هل كان موسى يصومها وأمر بها هو أو خليفته يوشع
следующие страницы →