← Тараджим

Тараджим · id 11682

الإحاطة في أخبار غرناطة

لسان الدين بن الخطيب

Полный текст (1 954 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الهطّال؛ وإن أوجز، فضح وأعجز؛ فمن نسيب تهيج به الأشواق، وتضيق عن زفراتها الأطواق؛ ودعابة تقلّص ذيل الوقار، وتزري بأكواس العقار؛ إلى انتماء للمعارف، وجنوح إلى ظلّها الوارف؛ ولم تزل معارفه ينفسح آمادها، وتحوز خصل السباق جيادها» . مشيخته: حسبما نقل بخطّه في ثبت استدعاه منه من أخذ عنه؛ الشيخ الخطيب، الأستاذ مولى النعمة، على أهل طبقته بألمريّة، أبو الحسن علي بن محمد بن أبي العيش المرّي؛ قرأ عليه ولازمه، وبه جلّ انتفاعه؛ والشيخ الخطيب الأستاذ الصالح أبو إسحاق إبراهيم بن العاص التّنوخي. وروى عن الراوية المحدّث المكثر الرحّال، محمد بن جابر بن محمد بن حسّان الوادي آشي؛ وعن شيخنا أبي البركات ابن الحاجّ، سمع عليه الكثير، وأجازه إجازة عامّة؛ والشيخ الخطيب أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن شعيب القيسي من أهل بلده؛ والقاضي أبو جعفر القرشي بن فركون. وأخذ عن الوزير الحاجّ الزاهد، أبي القاسم محمد بن محمد بن سهل بن مالك. وقرأ على المقرئ أبي جعفر الأغرّ، وغيرهم. كتابته: ممّا «١» خاطبني به بعد إلمام الرّكب «٢» السلطاني ببلده، وأنا صحبته «٣» ، ولقائه إياي، بما يلقى به مثله من تأنيس وبرّ، وتودّد، وتردّد: [الكامل] يا من حصلت على الكمال بما رأت ... عيناي منه من الجمال الرائع مرأى «٤» يروق وفي عطافي برده ... ما شئت من كرم ومجد بارع أشكو إليك من الزمان تحاملا ... في فضّ شمل لي بقربك جامع هجم البعاد عليه ضنّا باللّقا ... حتى تقلّص مثل برق لامع فلو انّني ذو مذهب لشفاعة ... ناديته: يا مالكي كن شافعي «٥» شكواي إلى سيدي ومعظّمي؛ أقرّ الله تعالى بسنائه أعين المجد، وأدرّ بثنائه ألسن الحمد! شكوى الظمآن «٦» صدّ عن القراح العذب لأول وروده، والهيمان ردّ عن استرواح القرب لمعضل صدوده، من زمان هجم عليّ بإبعاده «٧» ، على حين

стр. 142

إسعاده «١» ، ودهمني بفراقه غبّ إنارة أفقي به وإشراقه؛ ثم لم يكفه ما اجترم في ترويع خياله الزاهر، حتى حرم عن تشييع كما له الباهر، فقطع عن توفية حقّه، ومنع من تأدية مستحقّه، لا جرم أنه أنف لشعاع «٢» ذكائه، من هذه المطالع النائية «٣» عن شريف الإنارة، وبخل بالإمتاع بذكائه، عن هذه المسامع النائية عن لطيف العبارة، فراجع أنظاره، واسترجع معاره؛ وإلّا فعهدي بغروب الشمس إلى الطّلوع «٤» ، وأنّ البدر ينصرف «٥» بين الاستقامة والرجوع. فما بال هذا النيّر الأسعد، غرب ثم لم يطلع من الغد، ما ذاك إلا لعدوى الأيام وعدوانها، وشأنها في تغطية إساءتها وجه إحسانها، وكما قيل: عادت هيف إلى أديانها؛ أستغفر الله أن لا يعدّ ذلك من المغتفر في جانب ما أوليت «٦» من الأثر «٧» ، التي أزرى العيان فيها بالأثر، وأربى الخبر على الخبر «٨» ؛ فقد سرّت متشوّفات الخواطر، وأقرّت متشرّفات «٩» النواظر، بما جلت «١٠» من ذلكم الكمال الباهر، والجمال الناضر، الذي قيّد خطى الأبصار، عن التشوّف والاستبصار؛ وأخذ بأزمّة القلوب، عن سبيل كل مأمول ومرغوب؛ وأنّى للعين بالتحوّل عن كمال الزّين؟ أو للطّرف «١١» ، بالتحوّل «١٢» عن خلال الظّرف؟ أو للسّمع من مراد، بعد ذلك «١٣» الإصرار والإيراد، أو للقلب من مراد، غير تلكم الشيم الرافلة من ملابس الكرم في حلل وأبراد؛ وهل هو إلّا الحسن جمع في نظام، والبدر طالع التّمام، وأنوار الفضائل «١٤» ضمّها جنس اتفاق والتآم؛ فما ترعى العين منه في غير مرعى خصيب، ولا تستهدف الآذان «١٥» لغير سهم في حدق البلاغة مصيب؛ ولا تطلع «١٦» النفس سوى مطلع له في الحسن والإحسان أوفر نصيب. لقد أزرى بناظم حلاه فيما تعاطاه «١٧» التقصير، وانفسح من أعلاه بكل باع قصير، وسفه حلم القائل: إنّ الإنسان عالم صغير، شكرا للدهر على يد أسداها بقلب مزاره، وتحفة ثناء «١٨» أهداها بمطلع أنواره، على تغاليه في

стр. 143

ادّخار «١» نفائسه، وبخله بنفائس ادّخاره؛ ولا «٢» غرو أن يضيق عنّا نطاق الذّكر، ولمّا يتّسع لنا سوار الشكر؛ فقد عمّت هذه الأقطار بما شاءت من تحف، بين تحف وكرامة، واجتنت أهلها ثمرة الرحلة في ظلّ الإقامة، وجرى الأمر في ذلك مجرى الكرامة. ألا وإنّ مفاتحتي لسيدي ومعظّمي، حرس الله تعالى مجده، وضاعف سعده! مفاتحة من ظفر من الدهر بمطلوبه، وجرى له القدر على وفق مرغوبه؛ فشرع له إلى أمله «٣» بابا، ورفع له من خجله جلبابا، فهو يكلف بالاقتحام، ويأنف من الإحجام، غير أنّ الحصر عن درج قصده يقيّده، فهو «٤» يقدم والبصر يبهرج نقده فيقعده؛ فهو يقدّم رجلا ويؤخّر أخرى، ويجدّد عزما ثم لا يتحرّى؛ فإن أبطأ خطابي فلواضح الاعتذار «٥» ، ومثلكم لا يقبل حياة الأعذار؛ والله يصل إليكم عوائد الإسعاد والإسعاف، ويحفظ لكم «٦» ما للمجد من جوانب وأكناف، إن شاء الله تعالى. كتب «٧» في العاشر من ربيع الأول عام ثمانية وأربعين وسبعمائة. دخوله غرناطة: دخل غرناطة غير ما مرّة، منها في استدعاء شمال الخواصّ من أهل الأقطار الأندلسية، عند إعذار الأمراء في الدولة اليوسفيّة «٨» ، في شهر شعبان من عام أحد وخمسين وسبعمائة. شعره: كان مجلّيا، وأنشد في حلبة الشعراء قصيدة أولها «٩» : [الكامل] أجنان خلد زخرفت أم مصنع؟ ... والعيد عاود أم صنيع يصنع؟ ومن شعره «١٠» : [الكامل] من لم يشاهد موقفا لفراق ... لم يدر كيف تولّه العشّاق إن كنت لم تره فسائل من رأى ... يخبرك عن ولهي وهول سياقي «١١» من حرّ أنفاس وخفق جوانح ... وصدوع أكباد وفيض مآقي

стр. 144

دهي الفؤاد فلا لسان ناطق ... عند الوداع ولا يد «١» متراق ولقد أشير لمن تكلّف رحلة ... أن عج عليّ ولو بقدر فواق «٢» عليّ أراجع من ذماي حشاشة ... أشكو بها بعض الذي أنا لاق فمضى ولم تعطفه نحوي ذمّة ... هيهات! لا بقيا «٣» على مشتاق يا صاحبيّ وقد مضى حكم النّوى «٤» ... روحا عليّ بشيمة «٥» العشّاق «٦» واستقبلا بي «٧» نسمة من «٨» أرضكم ... فلعلّ نفحتها تحلّ وثاقي إني ليشفيني النّسيم إذا سرى ... متضوّعا من تلكم الآفاق من مبلغ بالجزع أهل مودّتي ... أني على حكم الصّبابة باق؟ ولئن تحوّل عهد قربهم «٩» نوى ... ما حلت عن عهدي ولا «١٠» ميثاقي أنفت خلائقي الكرام لخلّتي ... نسبا إلى الإخلاق والإخراق «١١» قسما به ما استغرقتني فكرة ... إلّا وفكري فيه واستغراقي لي آهة «١٢» عند العشيّ لعلّه ... يصغي لها، وكذا مع الإشراق أبكي إذا هبّ النسيم فإن تجد ... بللا به فبدمعي المهراق أومي بتسليم «١٣» إليه مع الصّبا ... فالذّكر كتبي والرفاق رفاقي من لي وقد شحط «١٤» المزار بنازح ... أدنى لقلبي من جوى أشواقي إن غاب عن عيني فمثواه الحشا ... فسراه «١٥» بين القلب والأحداق جارت عليّ يد النّوى بفراقه ... آها لما جنت النّوى بفراق أحباب قلبي هل لماضي عيشنا «١٦» ... ردّ فينسخ بعدكم بتلاق؟

стр. 145

أم هل لأثواب التجلّد راقع ... إذ ليس من داء المحبّة راق ما غاب كوكب حسنكم عن ناظري ... إلّا وأمطرت الدّما آماقي إيه أخيّ أدر عليّ حديثهم ... كأسا ذكت عرفا وطيب مذاق وإذا جنحت لماء او طرب فمن ... دمعي الهموع «١» وقلبي الخفّاق ذكراه راحي، والصّبابة حضرتي «٢» ... والدمع ساقيتي «٣» ، وأنت الساقي فليله «٤» عنّي من لحاني إنني ... راض بما لاقيته وألاقي وقال «٥» : [البسيط] وقفت والرّكب «٦» قد زمّت ركائبه ... وللنفوس مع النّوى «٧» تقطيع وقد تمايل نحوي للوداع وهل ... لراحل «٨» القلب صدر الرّكب توديع؟ أضمّ منه كما أهوى «٩» لغير نوى ... ريحانة في شذاها الطّيب مجموع تهفو «١٠» فأذعر خوفا من تقلّصها «١١» ... إنّ الشّفيق بسوء الظنّ مولوع هل عند من قد دعا بالبين مقلته «١٢» ... أنّ الرّدى منه مرئيّ ومسموع؟ أشيّع القلب من «١٣» رغم عليّ وما ... بقاء جسم له للقلب تشييع أري وشاتي أنّي لست مفتقرا «١٤» ... لما جرى وصميم القلب مصروع الوجد طبع «١٥» وسلواني مصانعة ... هيهات يشكل مصنوع ومطبوع «١٦» «إنّ الجديد إذا ما زيد في خلق ... تبيّن النّاس أنّ الثّوب مرقوع»

стр. 146

وقال أيضا «١» : [الكامل] لولا حيائي من عيون النّرجس ... للثمت خدّ الورد بين السّندس ورشفت من ثغر الأقاحة ريقها ... وضممت أعطاف الغصون الميّس وهتكت أستار الوقار ولم أبل «٢» ... للباقلا «٣» تلحظ بطرف أشوس ما لي وصهباء الدّنان مطارحا ... سجع القيان مكاشفا وجه المسي شتّان بين مظاهر ومخاتل ... ثوب الحجا ومطهّر ومدنّس ومجمجم بالعذل باكرني به ... والطير أفصح مسعد بتأنّس نزّهت سمعي عن سفاهة نطقه ... وأعرته صوتا رخيم الملمس سفّهت في العشّاق يوما إن أكن ... ذاك الذي يدعى الفصيح الأخرس «٤» أعذول وجدي ليس عشّك فادرجي «٥» ... ونصيح رشدي بان نصحك فاجلس هل تبصر الأشجار والأطيار وال ... أزهار تلك الخافضات الأرؤس؟ تالله وهو أليّتي وكفى به ... قسما يفدّى برّه بالأنفس ما ذاك من شكو ولا لخلالة «٦» ... لكن سجود مسبّح ومقدّس شكرا لمن برأ الوجود بجوده ... فثنى إليه الكلّ وجه المفلس وسما بساط الأرض فيه «٧» فمدّه ... ودحا بسيط «٨» الأرض أوثر مجلس ووشى بأنواع المحاسن هذه ... وأنار هذي بالجواري «٩» الكنّس

стр. 147

وأدرّ أخلاف «١» العطاء تطوّلا ... وأنال فضلا من يطيع ومن يسي حتى إذا انتظم الوجود بنسبة ... وكساه ثوبي نوره والحندس «٢» واستكملت كلّ النّفوس كمالها ... شفع العطايا بالعطاء الأنفس بأجلّ هاد للخلائق مرشد ... وأتمّ نور للخلائق مقبس بالمصطفى المهدي إلينا رحمة ... مرمى الرّجاء «٣» ومسكة المتيئّس نعم يضيق الوصف عن إحصائها ... فلّ الخطيب بها لسان الأوجس «٤» إيه فحدّثني حديث هواهم ... ما أبعد السّلوان عن قلب الأسي «٥» إن كنت قد أحسنت نعت جمالهم ... فلقد سها عني العذول بهم وسي «٦» ما إن دعوك ببلبل إلّا لما ... قد هجت من بلبال هذي الأنفس سبحان من صدع الجميع بحمده ... وبشكره من ناطق أو أخرس وامتدّت الأطلال ساجدة له ... بجبالها من قائم أو أقعس فإذا تراجعت الطيور وزايلت ... أغصانها بان «٧» المطيع من المسي فيقول ذا: سكرت لنغمة منشد ... ويقول ذا: سجدت لذكر مقدّس كلّ يفوه بقوله «٨» والحقّ لا ... يخفى على نظر اللّبيب «٩» الأكيس وقال «١٠» : [الكامل] زارت على حذر من الرّقباء ... والليل ملتحف «١١» بفضل رداء تصل الدّجى بسواد فرع فاحم ... لتزيد ظلماء إلى ظلماء فوشى «١٢» بها من وجهها وحليّها ... بدر الدّجى وكواكب الجوزاء أهلا بزائرة على خطر السّرى ... ما كنت أرجوها ليوم لقاء

стр. 148

أقسمت لولا عفّة عذريّة ... وتقى عليّ له رقيب رائي لنقعت غلّة لوعتي برضابها ... ونضحت ورد خدودها ببكائي ومن ذلك ما قاله أيضا «١» : [الخفيف] أرسلت ليل شعرها من عقص ... عن محيّا رمى البدور بنقص فأرتنا الصباح في جنح ليل ... يتهادى ما بين غصن ودعص «٢» وتصدّت برامحات نهود ... أشرعت للأنام من تحت قمص فتولّت جيوش صبري انهزاما ... وبودّي ذاك اللقاء وحرصي ليس كلّ الذي يفرّ بناج ... ربّ ظعن «٣» فيه حياة لشخص كيف لي بالسّلو عنها وقلبي ... قد هوى حلمه بمهوى لخرص» ما تعاطيت ظاهر الصّبر إلّا ... ردّني جيدها بأوضح نصّ ومن ذلك قوله أيضا «٥» : [الخفيف] أنا بين الحياة والموت وقف ... نفس خافت ودمع ووكف حلّ بي من هواك ما ليس ينبي ... عنه نعت ولا يعبّر وصف عجبا لانعطاف صدغيك والمع ... طف والجيد ثم ما منك عطف ضاق صدري بضيق حجلك «٦» واستو ... قف طرفي حيران ذاك «٧» الوقف كيف يرجى فكاك قلب معنّى ... في غرام قيداه قرط وشنف «٨» ومن ذلك قوله أيضا «٩» : [البسيط] رقّ «١٠» السّنا ذهبا في اللّازورديّ ... فالأفق ما بين مرقوم وموشيّ كأنما الشّهب والإصباح ينهبها ... لآلىء «١١» سقطت من كفّ زنجيّ

стр. 149

ومن شعره في الحكم قوله «١» : [الطويل] هو الدّهر لا يبقي على عائذ به ... فمن شاء عيشا يصطبر لنوائبه فمن لم يصب في نفسه فمصابه ... لفوت «٢» أمانيه وفقد حبائبه ومن ذلك قوله «٣» : [الوافر] ملاك الأمر تقوى الله، فاجعل ... تقاه عدّة لصلاح أمرك وبادر نحو طاعته بعزم ... فما تدري متى يمضي «٤» بعمرك ومن ذلك أيضا «٥» : [الوافر] دماء فوق خدّك أم خلوق «٦» ؟ ... وريق ما بثغرك أم رحيق؟ وما ابتسمت ثنايا أم أقاح ... ويكنفها شفاه أم شقيق «٧» وتلك سناة نوم ما تعاطت ... جفونك أم هي الخمر العتيق لقد أعدت معاطفك انثناء ... وقلبي سكره ما إن يفيق جمالك حضرتي وهواك راحي ... وكأسك مقلتي فمتى أفيق؟ ومن شعره في الأوصاف «٨» : [الخفيف] أرسل الجوّ ماء ورد رذاذا ... سمّع «٩» الحزن والدّمائث رشّا فانثنى حول أسوق الدّوح حجلا ... وجرى فوق بردة الرّوض رقشا وسما في الغصون حلي بنان ... أصبحت من سلافة الطّل رعشا فترى الزّهر ترقم الأرض رقما ... وترى الريح تنقش الماء نقشا فكأنّ المياه سيف صقيل ... وكأنّ البطاح غمد موشّى

стр. 150

وكتب عقب انصرافه من غرناطة في بعض قدماته عليها ما نصّه «١» : «ممّا قلته بديهة عند «٢» الإشراف على جنابكم السعيد، وقدومي «٣» مع النّفر الذين أتحفتهم السيادة «٤» سيادتكم «٥» بالإشراف عليه، والدخول إليه، وتنعيم الأبصار في المحاسن المجموعة لديه، وإن كان يوما قد غابت شمسه، ولم يتّفق أن كمل أنسه؛ وأنشده حينئذ بعض من حضر، ولعلّه لم يبلغكم، وإن كان قد بلغكم «٦» ففضلكم يحملني في «٧» إعادة الحديث «٨» : [الطويل] أقول وعين الدّمع «٩» نصب عيوننا ... ولاح لبستان الوزارة جانب أهذي سماء أم بناء سما به ... كواكب غضّت عن سناها الكواكب تناظرت الأشكال منه تقابلا ... على السّعد وسطى عقده والجنائب «١٠» وقد جرت الأمواه فيه مجرّة ... مذانبها شهب لهنّ ذوائب وأشرف من علياه «١١» بهو تحفّه ... شماسي زجاج وشيها متناسب يطلّ على ماء به الآس دائرا ... كما افترّ ثغر أو كما اخضرّ شارب هنا لك ما شاء العلى من جلالة ... بها يزدهي بستانها والمراتب ولما أحضر الطعام هنا لك، دعي شيخنا القاضي أبو البركات «١٢» إلى الأكل، فاعتذر بأنه صائم، قد بيّته من الليل، فحضرني أن قلت «١٣» : [المتقارب] دعونا الخطيب أبا البركات ... لأكل طعام الوزير الأجلّ

стр. 151

وقد ضمّنا في نداه جنان ... به احتفل الحسن حتى كمل «١» فأعرض عنّا لعذر «٢» الصّيام ... وما كلّ عذر له مستقلّ فإنّ الجنان محلّ الجزاء ... وليس الجنان محلّ العمل وعندما فرغنا من الطعام أنشدت الأبيات شيخنا أبا البركات، فقال «٣» : لو أنشدتنيها، وأنتم بعد لم تفرغوا منه «٤» لأكلت معكم، برّا بهذه الأبيات، والحوالة في ذلك على الله تعالى. ولما «٥» قضى الله، ، بالإدالة، ورجعنا إلى أوطاننا من العدوة، واشتهر عني ما اشتهر من الانقباض عن الخدمة، والتّيه على السلطان والدولة «٦» ، والتّكبّر على أعلى رتب الخدمة، وتطارحت على السلطان في استنجاز وعد الرحلة، ورغبت في تفويت «٧» الذمّة، ونفرت عن الأندلس بالجملة، خاطبني بعد صدر بلغ من حسن الإشارة، وبراعة الاستهلال الغاية، بقوله: «وإلى هذا يا سيدي، ومحلّ تعظيمي وإجلالي، أمتع الله تعالى الوجود بطول بقائكم! وضاعف في العزّ درجات ارتقائكم! فإنّه من الأمر الذي لم يغب عن رأي المقول «٨» ، ولا اختلف فيه أرباب المحسوس «٩» والمعقول؛ أنّكم بهذه الجزيرة شمس أفقها، وتاج مفرقها، وواسطة سلكها، وطراز ملكها، وقلادة نحرها، وفريدة دهرها «١٠» ، وعقد جيدها المنصوص، وكمال «١١» زينتها «١٢» على المعلوم والمخصوص «١٣» ؛ ثم أنتم مدار أفلاكها، وسرّ سياسة أملاكها، وترجمان بيانها، ولسان إحسانها، وطبيب مارستانها، والذي عليه عقد إدارتها، وبه قوام إمارتها؛ فلديه «١٤» يحلّ المشكل، وإليه يلجأ في الأمر المعضل؛ فلا غرو أن تتقيّد بكم الأسماع والأبصار، وتحدّق نحوكم الأذهان والأفكار؛ ويزجر عنكم السانح والبارح «١٥» ،

стр. 152

ويستنبأ ما تطرف عنه العين وتختلج الجوارح، استقراء «١» لمرامكم، واستطلاعا لطالع اعتزامكم، واستكشافا لمرامي «٢» سهامكم، لا سيما مع إقامتكم على جناح خفوق، وظهوركم في ملتمع بروق، واضطراب الظّنون فيكم مع الغروب والشروق؛ حتى تستقرّ بكم الدّار «٣» ، ويلقي عصاه التّسيار؛ وله العذر في ذلك إذ صدعها بفراقكم لم يندمل «٤» ، وسرورها بلقائكم لم يكتمل؛ فلم يبر «٥» بعد جناحها المهيض «٦» ، ولا جمّ ماؤها المغيض، ولا تميّزت من داجيها لياليها البيض؛ ولا استوى نهارها، ولا تألقت أنوارها «٧» ، ولا اشتملت نعماؤها، ولا نسيت غمّاؤها؛ بل هي كالنّاقه «٨» ، والحديث العهد بالمكاره، تستشعر «٩» نفس العافية، وتتمسّح «١٠» منكم باليد الشافية؛ فبحنانكم «١١» عليها، وعظيم «١٢» حرمتكم على من لديها، لا تشربوا لها عذب المجاج بالأجاج، وتقنطوها «١٣» مما عوّدت من طيب المزاج، فما لدائها، وحياة قربكم غير طبّكم من علاج. وإني ليخطر بخاطري محبة فيكم، وعناية بما يعنيكم، ما نال جانبكم صانه الله بهذا الوطن من الجفاء، ثم أذكر ما نالكم من حسن العهد وكرم الوفاء، وأنّ الوطن إحدى المواطن الأظآر التي يحقّ لهنّ جميل الاحتفاء، وما يتعلّق بكم من حرمة أولياء القرابة وأولي «١٤» الصّفاء، فيغلب على ظني أنكم لحسن العهد أجنح، وبحقّ نفسكم على أوليائكم أسمح، والتي «١٥» هي أعظم قيمة في «١٦» فضائلكم أوهب وأمنح «١٧» ؛ وهب أنّ الدّرّ لا يحتاج في الإثباب إلى شهادة النّحور واللبّات، والياقوت غني المكان، عن مظاهرة القلائد والتّيجان؛ أليس أنّه أعلى للعيان، وأبعد عن مكابرة البرهان، تألقها في تاج الملك أنوشروان؟ والشمس «١٨» وإن

стр. 153

كانت أمّ الأنوار وجلا الأبصار، مهما أغمى مكانها من الأفق قيل: أليل «١» هو أم نهار؟ وكما في علمكم ما فارق ذوو الأحلام «٢» ، وأولو الأرحام، مواطن استقرارهم، وأماكن قرارهم، إلّا برغمهم واضطرارهم، واستبدال دار هي «٣» خير من دارهم، ومتى توازن الأندلس بالمغرب، أو يعوّض عنها إلّا بمكة أو يثرب؟ ما تحت أديمها أشلاء أولياء وعبّاد، وما فوقه مرابط جهاد، ومعاقد ألوية في سبيل الله، ومضارب أوتاد؛ ثم يبوّئ «٤» ولده مبوّأ أجداده، ويجمع له بين طرافه «٥» وتلاده؛ أعيذ أنظاركم المسدّدة من رأي فائل «٦» ، وسعي طويل لم يحل منه بطائل، فحسبكم من هذا الإياب السعيد، والعود الحميد، وهي طويلة. فأجبته عنها بقولي «٧» : [السريع] لم في الهوى العذريّ أو لا تلم ... فالعذل لا يدخل أسماعي شأنك تعنيفي وشأني الهوى ... كلّ امرئ في شأنه ساعي «أهلا بتحفة القادم، وريحانة المنادم، وذكرى «٨» الهوى المتقادم، لا يصغّر «٩» الله مسراك! فما أسراك، لقد جلبت «١٠» إليّ من همومي ليلا، وجبت «١١» خيلا ورجلا، ووفّيت من صاع الوفاء كيلا، وظننت بي الأسف على ما فات، فأعملت الالتفات، لكيلا «١٢» ، فأقسم لو أنّ الأمر «١٣» اليوم بيدي، أو كانت اللّمّة السوداء من عددي، ما أفلتّ أشراكي المنصوبة لأمثالك «١٤» ، حول المياه

стр. 154

وبين المسالك، ولا علمت «١» ما هنا لك، لكنك طرقت حمى كسحته «٢» الغارة الشّعواء، وغيّرت ربعه الأنواء، فخمد «٣» بعد ارتجاجه، وسكت «٤» أذين دجاجه، وتلاعبت الرياح الهوج «٥» فوق فجاجه «٦» ، وطال عهده بالزّمان «٧» الأول، وهل عند رسم دارس من معوّل «٨» وحيّا الله ندبا إلى زيارتي ندبك، وبآدابه الحكيمة «٩» أدّبك: [الوافر] فكان وقد أفاد بك الأماني ... كمن أهدى الشّفاء إلى العليل وهي شيمة بوركت من شيمة، وهبة الله قبله من لدن المشيمة، ومن مثله في صلة رعي، وفضل سعي، وقول «١٠» ووعي: [مجزوء الخفيف] قسما بالكواكب الز ... زهر والزّهر عاتمه إنما الفضل ملّة ... ختمت بابن خاتمه كساني حلّة وصفه «١١» ، وقد ذهب زمان التجمّل، وحمّلني ناهض «١٢» شكره، وكتدي «١٣» واه عن التحمّل، ونظرني بالعين الكليلة عن العيوب «١٤» فهلّا أجاد التأمّل، واستطلع طلع نثّي «١٥» ، ووالى في مركب «١٦» المعجزة حثّي، نَّما أَشْكُوا بَثِّي «١٧» : [الوافر] ولو ترك القطا ليلا لناما

стр. 155

وما حال شمل وتده «١» مفروق، وقاعدته فروق، وصواع «٢» بني أبيه مسروق، وقلب «٣» قرحه من عضّة الدهر دام، وجمرة حسرته ذات احتدام، هذا وقد صارت الصّغرى، التي كانت الكبرى، لمشيب لم يرع «٤» أن هجم، لمّا نجم، ثم تهلّل عارضه وانسجم: [الكامل] لا تجمعي هجرا عليّ وغربة ... فالهجر في تلف الغريب سريع نظرت فإذا الجنب ناب «٥» ، والنّفس فريسة ظفر وناب، والمال أكيلة انتهاب، والعمر رهن ذهاب، واليد صفر من كل اكتساب، وسوق المعاد مترامية، والله سريع الحساب: [الوافر] ولو نعطى الخيار لما افترقنا ... ولكن لا خيار مع الزمان وهب أنّ العمر جديد، وظلّ الأمن مديد، ورأي الاغتباط بالوطن سديد، فما الحجّة لنفسي إذا مرّت بمطارح جفوتها، وملاعب هفوتها، ومثاقف «٦» قناتها، ومظاهر عزّاها «٧» ومناتها، والزمان «٨» ولود، وزناد الكون غير صلود «٩» : [الكامل] وإذا امرؤ لدغته أفعى مرّة ... تركته حين يجرّ حبل يفرق «١٠» ثم أن المرغّب قد ذهب، والدهر قد استرجع ما وهب، والعارض قد اشتهب، وآراء «١١» الاكتساب مرجوحة مرفوضة، وأسماؤه على الجوار مخفوضة، والنّيّة مع الله على الزّهد فيما بأيدي الناس معقودة، والتوبة بفضل الله شروطها «١٢» غير معارضة «١٣» ولا منقودة، والمعاملة سامريّة، ودروع الصبر

стр. 156

سابريّة، والاقتصاد قد قرّت العين بصحبته، والله قد عوّض حبّ الدنيا بمحبّته، فإذا راجعها مثلي من بعد الفراق، وقد رقى لدغتها ألف راق، وجمعتني بها الحجرة، ما الذي تكون الأجرة؟ جلّ شاني، وقد «١» رضي الوامق وسخط «٢» الشاني، إني إلى الله تعالى مهاجر، وللغرض «٣» الأدنى هاجر، ولأظعان السّرى زاجر، لأحد «٤» إن شاء الله وحاجر، ولكن دعاني إلى «٥» الهوى، لهذا «٦» المولى المنعم هوى، خلعت نعلي الوجود وما خلعته، وشوق «٧» أمرني فأطعته، وغالب والله صبري فما استطعته، والحال والله أغلب، وعسى أن لا يخيب المطلب؛ فإن يسّره «٨» رضاه فأمل «٩» كمل، وراحل احتمل، وحاد أشجى النّاقة والجمل؛ وإن كان خلاف ذلك، فالزمان «١٠» جمّ العوائق «١١» ، والتسليم بمقامي لائق: [البسيط] ما بين غمضة «١٢» عين وانتباهتها ... يصرّف «١٣» الأمر من حال إلى حال وأما تفضيله هذا الوطن على غيره «١٤» ، ليمن طيره، وعموم خيره، وبركة جهاده، وعمران رباه ووهاده، بأشلاء عبّاده وزهّاده «١٥» ، حتى لا يفضله إلّا أحد الحرمين، فحقّ بريء من المين، لكنّي «١٦» للحرمين جنحت، وفي جوّ الشوق إليهما سرحت «١٧» ، فقد «١٨» أفضت إلى طريق قصدي محجّته، ونصرتني والمنّة لله حجّته، وقصد سيدي أسنى قصد، توخّاه الشكر «١٩» والحمد، ومعروف عرف به النّكر، وأمل «٢٠» انتحاه الفكر، والآمال والحمد لله بعد تمتار، والله يخلق ما يشاء ويختار، ودعاؤه يظهر الغيب مدد، وعدّة وعدد، وبرّه حالي الظّعن ٢»

стр. 157

والإقامة معتمل معتمد «١» ، ومجال المعرفة بفضله لا يحصره أحد «٢» ، والسلام «٣» » . وهو الآن بقيد الحياة، وذلك ثاني عشر شعبان عام سبعين وسبعمائة. أحمد بن عباس بن أبي زكريا «٤» ويقال ابن زكريا. ثبت بخط ابن التّيّاني، أنصاريّ النسب، يكنى أبا جعفر. حاله: كان «٥» كاتبا حسن الكتابة، بارع الخطّ فصيحا، غزير الأدب، قوي المعرفة، شارعا في الفقه، مشاركا في العلوم، حاضر الجواب، ذكيّ الخاطر، جامعا للأدوات السلطانية «٦» ، جميل الوجه، حسن الخلقة، كلفا بالأدب، مؤثرا له على سائر لذّاته، جامعا للدواوين «٧» العلمية، معنيا بها، مقتنيا للجيّد منها، مغاليا فيها، نفّاعا من خصّه بها «٨» ، ولا يستخرج منها شيئا، لفرط بخله بها، إلّا لسبيلها، حتى لقد أثرى كثير من الورّاقين والتجّار معه فيها، وجمع منها ما لم يكن عند ملك. يساره: يقال إنه لم يجتمع عند أحد من نظرائه ما اجتمع عنده من عين وورق ودفاتر وخرق، وآنية، ومتاع وأثاث وكراع. مشيخته: روى عن أبي تمام غالب التّياني، وأبي عبد الله بن صاحب الأحباس. نباهته وحظوته: وزر لزهير العامريّ «٩» الآتي ذكره، وارثا الوزارة عن أبيه، وهي ما هي في قطر متحرّ بينابيع السّخيلة، وثرّ بهذه الأمنة مستندا إلى قعساء العزّة، فتبنّك نعيما كثيرا، تجاوز الله عنه. دخوله غرناطة: الذي اتصل علمي أنه دخل غرناطة منكوبا حسبما يتقرّر.

стр. 158

نكبته: زعموا أنه كان أقوى الأسباب فيما وقع بين أميره زهير، وبين باديس أمير غرناطة، من المفاسدة، وفصل صحبه إلى وقم باديس وقبيله، وحطّه في حيّز هواه وطاعته، وكان ما شاء الله من استيلاء باديس على جملتهم، ووضع سيوف قومه فيهم، وقتل زهير، واستئصال محلّته؛ وقبض يومئذ على أحمد بن عباس، وجيء به إلى باديس، وصدره يغلي حقدا عليه، فأمر بحبسه، وشفاؤه الولوغ في دمه، وعجل عليه بعد دون أصحابه من حملة الأقلام. قال ابن حيان «١» : حديث ابن عباس أنه كان قد ولع «٢» ببيت شعر صيّره هجواه أوقات لعبه بالشطرنج، أو معنى يسنح له مستطيلا بجدّه: [المتقارب] عيون الحوادث عنّي نيام ... وهضمي على الدهر شيء حرام وشاع «٣» بيته هذا عند «٤» الناس، وغاظهم، حتى قلب له مصراعه بعض الشعراء «٥» فقال: «سيوقظها «٦» قدر لا ينام» فما كان إلّا «كلا» و «لا» حتى «٧» تنبّهت الحوادث لهضمه، انتباهة انتزعت منه نخوته وعزّته، وغادرته أسيرا ذليلا يرسف في وزن أربعين رطلا «٨» من قيده، منزعجا من عضّه لساقه البضّة، التي «٩» تألمت من ضغطة جوربه، يوم «١٠» أصبح فيه أميرا مطاعا، أعتى «١١» الخلق على بابه، وآمنهم بمكره، فأخذه أخذ مليك مقتدر، والله غالب على أمره. وفاته: قال أبو مروان «١٢» : كان باديس قد أرجأ قتله مع جماعة من الأسرى، وبذل في فداء نفسه ثلاثين ألف دينار من الذّهب العين، مالت إليها نفس باديس إلّا أنه عرض ذلك على أخيه بلكّين، فأنف منه، وأشار عليه بقتله، لتوقعه إثارة فتنة أخرى على يديه، تأكل من ماله أضعاف فديته. قال: فانصرف يوما من بعض ركباته مع أخيه «١٣» ، فلمّا توسّط الدار التي فيها

стр. 159

أحمد «١» بقصبة غرناطة، لصق القصر، وقف هو وأخوه بلكّين، وحاجبه علي بن القروي، وأمر بإخراج أحمد إليه، فأقبل يرسف في قيده حتى وقف «٢» بين يديه، فأقبل على سبّه وتبكيته بذنوبه، وأحمد يتلطّف «٣» إليه، ويسأله إراحته مما هو فيه، فقال له: «اليوم تستريح من هذا الألم، وتنتقل إلى ما هو أشدّ» ؛ وجعل يراطن أخاه بالبربرية «٤» ، فبان لأحمد وجه الموت، فجعل «٥» يكثر الضّراعة، ويضاعف «٦» عدد المال، فأثار غضبه، وهزّ مزراقه «٧» ، وأخرجه من صدره؛ فاستغاث الله،- زعموا-، عند ذلك، وذكر أولاده وحرمه؛ للحين أمر باديس بحزّ رأسه ورمي «٨» خارج القصر. حدّث خادم باديس، قال «٩» : رأيت جسد ابن عباس ثاني يوم قتله ١» ، ثم قال لي باديس: خذ رأسه وواره مع جسده؛ قال «١١» : فنبشت قبره «١٢» ، وأضفته إلى جسده، بجنب أبي «١٣» الفتوح قتيل باديس أيضا. وقال لي باديس «١٤» : ضع عدوّا إلى جنب عدو، إلى يوم القصاص؛ فكان قتل أبي جعفر عشيّة الحادي والعشرين من ذي حجة سنة سبع وعشرين وأربعمائة «١٥» ، بعد اثنين وخمسين يوما من أسره. وكان يوم مات ابن ثلاثين، نفعه الله ورحمه. أحمد بن أبي جعفر بن محمد بن عطيّة القضاعي «١٦» من أهل مرّاكش، وأصله القديم من طرطوشة ثم بعد من دانية، يكنى أبا جعفر.

стр. 160

حاله: كان كاتبا بليغا، سهل المأخذ، منقاد القريحة، سيّال الطبع. مشيخته: أخذ عن أبيه، وعن طائفة كبيرة من أهل مراكش. نباهته: كتب عن علي بن يوسف بن تاشفين، وعن ابنه «١» تاشفين، وعن أبي إسحاق، وكان أحظى كتّابهم. ثم لمّا انقطعت دولة لمتونة، دخل في لفيف الناس، وأخفى نفسه. ولمّا أثار الماسي «٢» الهداية بالسوس، ورمى الموحّدين بحجرهم الذي رموا به البلاد، وأعيا أمره، وهزم جيوشهم التي جهّزوها إليه وانتدب منهم إلى ملاقاته، أبو حفص عمر بن يحيى الهنتائي، في جيش خشن من فرسان ورجّالة، كان أبو جعفر بن عطية، من الرّجالة، مرتسما بالرماية، والتقى الجمعان، فهزم جيش الماسي، وظهر عليه الموحّدون. وقتل الدّعي المذكور، وعظم موقع الفتح عند الأمير الغالب يومئذ أبو حفص عمر، فأراد إعلام الخليفة عبد المؤمن، بما سناه الله، فلم يلق في جميع من استصحبه من يجلي عنه، ويوفي ما أراده، فذكر له أن فتى من الرّماة يخاطر بشيء من الأدب والأشعار والرسائل فاستحضره، وعرض عليه غرضه، فتجاهل وظاهر بالعجز، فلم يقبل عذره، واشتدّ عليه، فكتب رسالة فائقة مشهورة، فلمّا فرغ منها وقرأها عليه اشتدّ إعجابه بها وأحسن إليه، واعتنى به، واعتقد أنه ذخر يتحف به عبد المؤمن، وأنفذ الرسالة، فلمّا قرئت بمحضر أكابر الدولة، عظم مقدارها، ونبه فضل منشئها، وصدر الجواب ومن فصوله الاعتناء بكاتبها، والإحسان إليه، واستصحابه مكرّما. ولما أدخل على عبد المؤمن سأله عن نفسه، وأحظاه لديه وقلّده خطّة الكتابة، وأسند إليه وزارته، وفوّض إليه النظر في أموره كلها؛ فنهض بأعباء ما فوّض إليه، وظهر فيه استقلاله وغناؤه، واشتهر بأجمل السّعي للناس واستمالتهم بالإحسان وعمّت صنائعه «٣» ، وفشا معروفه، فكان محمود السّيرة، منحب «٤» المحاولات، ناجح المساعي، سعيد المأخذ، ميسّر المآرب، وكانت وزارته زينا للوقت، كمالا للدولة. محنته: قالوا: واستمرّت حالته إلى أن بلغ الخليفة عبد المؤمن أن النصارى غزوا قصبة ألمرية، وتحصّنوا بها؛ واقترن بذلك تقديم ابنه يعقوب على إشبيلية،

стр. 161

فأصحبه أبا جعفر بن عطية، وأمره أن يتوجّه بعد استقرار ولده بها إلى ألمرية؛ وقد تقدّم إليها السيد أبو سعيد بن عبد المؤمن، وحصر من بها النصارى، وضيّق عليهم، ليحاول أمر إنزالهم، ثم يعود إلى إشبيلية، ويتوجّه منها مع واليها، إلى منازلة الثائر بها على الوهيبي؛ فعمل على ما حاوله من ذلك؛ واستنزل النصارى من ألمريّة على العهد بحسن محاولته، ورجع السيد أبو سعيد إلى غرناطة، مزعجين إليها، حتى يسبقا جيش الطاغية؛ ثم انصرف إلى إشبيلية ليقضي الغرض من أمر الوهيبي. فعندما خلا منه الجوّ، ومن الخليفة مكانه، وجدت حسّاده السبيل إلى التدبير عليه، والسعي به، حتى أو غروا صدر الخليفة؛ فاستوزر عبد المؤمن ابن عبد «١» السلام بن محمد الكومي. وانبرى لمطالبة ابن عطية، وجدّ في التماس عوراته، وتشنيع سقطاته، وأغرى به صنائعه، وشحن عليه حاشيته، فبرّوا وراشوا وانقلبوا، وكان مما نقم على أبي جعفر، نكاة القرح بالقرح، في كونه لم يقف في اصطناع العدد الكثير من اللمتونيين، وانتياشهم من خمولهم، حتى تزوج بنت يحيى الحمار من أمرائهم؛ وكانت أمها زينب بنت علي بن يوسف، فوجدوا السّبيل بذلك إلى استئصال شأفته والحكام، حتى نظم منهم مروان بن عبد العزيز، طليقه ومسترقّ اصطناعه، أبياتا طرحت بمجلس عبد المؤمن «٢» : [البسيط] قل للإمام أطال «٣» الله مدّته ... قولا تبين لذي لبّ حقائقه إنّ الزراجين قوم قد وترتهم ... وطالب الثأر لم تؤمن بوائقه «٤» وللوزير إلى آرائهم ميل ... لذاك ما كثرت فيهم علائقه فبادر الحزم في إطفاء «٥» نارهم «٦» ... فربما عاق عن أمر عوائقه هم العدوّ ومن والاهم كهم ... فاحذر عدوّك واحذر من يصادقه الله يعلم أني ناصح لكم ... والحقّ أبلج لا تخفى طرائقه «٧»

стр. 162

قالوا: ولمّا وقف عبد المؤمن على هذه الأبيات البليغة في معناها وغر صدره على وزيره الفاضل «١» أبي جعفر، وأسرّ له في نفسه تغيّرا، فكان ذلك من أسباب نكبته. وقيل: أفضى إليه بسرّ فأفشاه، وانتهى ذلك كله إلى أبي جعفر وهو بالأندلس، فقلق وعجّل بالانصراف «٢» إلى مرّاكش، فحجب عند قدومه، ثم قيد إلى المسجد في اليوم الثاني «٣» بعده، حاسر العمامة، واستحضر الناس على طبقاتهم، وقرّروا «٤» ما يعلمون من أمره، وما صار إليهم منه «٥» ، فأجاب كلّ بما اقتضاه هواه، فأمر «٦» بسجنه، ولفّ معه أخوه أبو عقيل عطية، وتوجّه عبد المؤمن في إثر ذلك زائرا إلى تربة المهدي «٧» ، فاستصحبهما منكوبين بحال ثقاف. وصدرت عن أبي جعفر في هذه الحركة، من لطائف الأدب، نظما ونثرا في سبيل التوسّل بتربة إمامهم «٨» ، عجائب لم تجد «٩» ، مع نفوذ قدر الله فيه. ولما انصرف من وجهته أعادهما معه، قافلا إلى مراكش، فلما حاذى تاقمرت، أنفذ الأمر بقتلهما، بالشّعراء المتّصلة بالحصن على مقربة من الملّاحة هنالك، فمضيا لسبيلهما، رحمهما الله «١٠» . شعره وكتابته: كان ممّا خاطب به الخليفة عبد المؤمن مستعطفا كما قلناه من رسالة: «تالله لو أحاطت بي «١١» خطيئة، ولم تنفكّ نفسي عن الخيرات بطيئة، حتى سخرت بمن في الوجود، وأنفت لآدم من السجود، وقلت: إن الله لم يوح إلى «١٢» الفلك إلى نوح، وبريت لقرار «١٣» ثمود نبلا، وأبرمت لحطب نار الخليل حبلا، وحططت عن يونس شجرة اليقطين، وأوقدت مع هامان على الطين، وقبضت قبضة من الطّير «١٤» من أثر الرسول فنبذتها؛ وافتريت على العذراء البتول «١٥» فقذفتها؛ وكتبت صحيفة «١٦» القطيعة بدار الندوة، وظاهرت الأحزاب بالقصوى من العدوة،

стр. 163

وذممت كل قرشي، وأكرمت لأجل وحشي «١» كلّ حبشي، وقلت إن بيعة السّقيفة لا توجب لإمام «٢» خليفة، وشحذت شفرة غلام «٣» المغيرة بن شعبة، واعتقلت «٤» من حصار الدار وقتل أشمطها «٥» بشعبة، وغادرت الوجه من الهامة خضيبا، وناولت من قرع سنّ الخمسين «٦» قضيبا، ثم أتيت حضرة المعصوم «٧» لائذا، وبقبر الإمام المهديّ عائذا. لقد آن لمقالتي أن تسمع، وأن «٨» تغفر لي هذه الخطيئات أجمع: [الطويل] فعفوا أمير المؤمنين فمن لنا ... بحمل «٩» قلوب هدّها الخفقان [وكتب مع ابن له صغير آخرة] «١٠» : [البسيط] عطفا علينا أمير المؤمنين، فقد ... بان العزاء لفرط البثّ والحزن قد أغرقتنا ذنوب كلّها لجج ... وعطفة منكم أنجى من السّفن وصادفتنا سهام كلّها غرض ... لها ورحمتكم «١١» أوقى من الجنن هيهات للخطب أن تسطو حوادثه ... بمن أجارته رحماكم من المحن من جاء عندكم يسعى على ثقة ... بنصره لم يخف بطشا من الزمن فالثوب يطهر بعد «١٢» الغسل من درن ... والطّرف ينهض بعد الرّكض من وسن أنتم بذلتم حياة الخلق كلّهم ... من دون منّ عليهم لا ولا ثمن ونحن من بعض من أحيت مكارمكم ... تلك الحياتين من نفس ومن بدن وصبية كفراخ الورق من صغر ... لم يألفوا النّوح في فرع ولا فنن قد أوجدتهم أياد منك سابغة «١٣» ... والكلّ لولاك لم يوجد ولم يكن

стр. 164

ومن فصول رسالته التي كتب بها عن أبي حفص، وهي التي أورثته الكتابة العليّة والوزارة كما تقدم قوله «١» : «كتبنا «٢» هذا من وادي ماسة بعد ما تزحزح «٣» أمر الله الكريم، ونصر الله المعلوم «٤» وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ «٥» فتح بمسرى «٦» الأنوار إشراقا، وأحدق بنفوس المؤمنين إحداقا، ونبّه للأماني النّائمة جفونا وأحداقا، واستغرق غاية الشكر استغراقا، فلا تطيق الألسن كنه «٧» وصفه إدراكا ولا لحاقا؛ جمع أشتات الطبّ «٨» والأدب، وتقلّب في النعم أكرم منقلب، وملأ دلاء الأمل إلى عقد الكرب «٩» : [البسيط] فتح تفتّح أبواب السماء له ... وتبرز الأرض في أثوابها القشب وتقدّمت بشارتنا به جملة، حين لم تعط الحال بشرحه مهلة. كان أولئك الضالّون المرتدّون قد بطروا عدوانا وظلما، واقتطعوا الكفر معنى واسما، وأملى لهم الله ليزدادوا إثما؛ وكان مقدّمهم الشّقي قد استمال النفوس بخزعبلاته، واستهوى القلوب بمهولاته، ونصب له الشيطان من حبالاته، فأتته المخاطبة «١٠» من بعد وكثب، ونسلت إليه الرسل من كل حدب، واعتقدته الخواطر أعجب عجب؛ وكان الذي قادهم لذلك «١١» ، وأوردهم تلك المهالك، وصول من بتلك «١٢» السواحل، ممّن ارتسم برسم الانقطاع عن الناس، فيما سلف من الأعوام، واشتغل على رغمه «١٣» بالصيام والقيام، آناء الليل «١٤» والأيام، لبسوا الناموس أثوابا، وتدرّعوا الرياء جلبابا، فلم يفتح الله لهم إلى التوفيق «١٥» بابا» . ومنها في ذكر صاحبهم «١٦» :

стр. 165

«فصرع والحمد «١» لله لحينه، وبادرت إليه بوادر منونه، وأتته وافدات الخطيئات عن يساره، ويمينه، وكان «٢» يدّعي أن المنيّة في هذه الأعوام لا تصيبه، ويزعم أنه يبشّر بذلك والنوائب لا تنوبه؛ ويقول في سواه قولا كثيرا، ويختلق على الله إفكا وزورا؛ فلما عاينوا «٣» هيئة اضطجاعه، ورأوا ما خطّته «٤» الأسنة في أعضائه «٥» ، ونفذ فيه من أمر الله ما لم يقدروا على استرجاعه؛ هزم لهم من كان لهم من الأحزاب، وتساقطوا على وجوههم كتساقط «٦» الذّباب، وأعطوا عن بكرة أبيهم صفحة «٧» الرّقاب، ولم تقطر كلومهم إلّا على الأعقاب «٨» ؛ فامتلأت تلك الجهات بأجسادهم، وأذنت «٩» الآجال بانقراض آمالهم «١٠» ، وأخذهم الله بكفرهم وفسادهم؛ فلم يعاين منهم إلّا من خرّ صريعا، وسقى الأرض نجيعا «١١» ، ولقي من وقع «١٢» الهنديّات أمرا فظيعا؛ ودعت الضرورة باقيهم إلى التّرامي في الوادي، فمن كان يؤمل الفرار منهم ويرتجيه، ويسبح طامعا في الخروج إلى ما ينجيه، اختطفته الأسنّة اختطافا، وأذاقته موتا ذعافا «١٣» ؛ ومن لجّ في الترامي على لججه، ورام البقاء في ثجّه «١٤» ، قضى عليه شرقه، وألوى فرقته «١٥» غرقه. ودخل الموحّدون إلى الباقية «١٦» الكائنة فيه، يتناولون قتالهم طعنا وحربا «١٧» ، ويلقونهم بأمر الله هونا «١٨» عظيما وكربا، حتى سطت «١٩» مراقات الدماء على صفحات الماء، وحكت حمرتها على زرقه حمرة الشّفق على زرق «٢٠» السماء؛ وظهرت «٢١» العبرة للمعتبر، في جري الدماء «٢٢» جري الأبحر» .

стр. 166

دخوله غرناطة: احتلّ بغرناطة عام أحد وخمسين وخمسمائة، لما استدعى أهل جهات ألمريّة، السيّد أبا سعيد إلى منازلة من بها النصارى؛ وحشد، ونزل عليها، ونصب المجانيق على قصبتها، واستصرخ من بها الطاغية «١» ، فأقبل إلى نصرهم؛ واستمدّ السيد أبو سعيد الخليفة، فوجّه إليه الكبير أبا جعفر بن عطية صحبة السيد أبي يعقوب ابنه، فلحق به، واتّصل الحصار شهورا سبعة، وبذل الأمن لمن كان بها، وعادت إلى ملكة الإسلام، وانصرف الوزير أبو جعفر صحبة السيد أبي يعقوب إلى إشبيلية، وجرت أثناء هذه أمور يطول شرحها؛ ففي أثناء هذه الحركة دخل أبو جعفر غرناطة، وعدّ فيمن ورد عليها. مولده: بمرّاكش عام سبعة وعشرين وخمسمائة «٢» . وفاته: على حسب ما تقدّم ذكره، لليلة بقيت من صفر سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة «٣» . أحمد بن محمد بن شعيب الكرياني من أهل فاس، يكنى أبا العباس، ويعرف بابن شعيب من كريانة، قبيلة من قبائل الرّيف الغربي. حاله: من «عائد الصّلة» : من أهل المعرفة بصناعة الطب، وتدقيق النظر فيها، مشاركا في الفنون، وخصوصا في علم الأدب، حافظا للشعر؛ ذكر أنه حفظ منه عشرين ألف بيت للمحدثين، والغالب عليه العلوم الفلسفية، وقد مقت لذلك، وتهتّك في علم الكيمياء، وخلع فيه العذار، فلم يحل بطائل، إلّا أنه كان تفوّه بالوصول شنشنة المفتونين بها على مدى الدهر. وله شعر رائق، وكتابة حسنة، وخط ظريف. كتب في ديوان سلطان المغرب مرئسا، وتسرّى جارية روميّة اسمها صبح، من أجمل الجواري حسنا، فأدّبها حتى لقّنت حظّا من العربية، ونظمت الشعر، وكان شديد الغرام بها، فهلكت أشدّ ما كان حبّا لها، وامتداد أمل فيها، فكان بعد وفاتها لا يرى إلّا في تأوّه دائم، وأسف متماد، وله فيها أشعار بديعة في غرض الرّثاء. مشيخته: قرأ في بلده فاس على كثير من شيوخها، كالأستاذ أبي عبد الله بن أجروم نزيل فاس، والأستاذ أبي عبد الله بن رشيد، ووصل إلى تونس، فأخذ منها الطبّ والهيئة على الشيخ رحلة وقته في تلك الفنون، يعقوب بن الدرّاس.

стр. 167

وكان مما خاطب به الشيخ أبا جعفر بن صفوان، وقد نشأت بينهما صداقة أوجبها القدر المشترك من الولوع بالصّنعة المرموزة، يتشوّق إلى جهة كانوا يخلون بها للشيخ فيها ضيعة بخارج مالقة كلأها الله: [المتقارب] رعى الله وادي شنيانة ... وتلك الغدايا وتلك اللّيالي «١» ومسرحنا بين خضر الغصون ... وودق المياه وسحر الظّلال ومرتعنا تحت أدواحه ... ومكرعنا في النّمير الزّلال نشاهد منها كعرض الحسام ... إذا ما انتشت فوقه كالعوالي «٢» ولله من درّ حصبائه ... لآل وأحسن بها من لآل وليل به في ستور الغصون ... كخود ترنّم فوق الحجال وأسحاره كيف راقت وص ... حّ النسيم بها في اعتدال ولله منك أبا جعفر ... عميد الحلال حميد الخلال تطارحني برموز الكنوز ... وتسفر لي عن معاني المعالي وتبدلني في شجون الحديث ... ويا طيبة كلّ سحر حلال فألقط من فيك سحر البيان ... مجيبا به عن عريض النّوال أفدت الذي دونها معشر ... كثير المقال قليل النّوال فأصبحت لا أبتغي بعدها ... سواك وبعدكما لا أبالي «٣» وخاطب الفقيه العالم أبا جعفر بن صفوان يسأله عن شيء من علم الصناعة بما نصّه: [الكامل] دار الهوى نجد وساكنها ... أقصى أماني النفس من نجد وممّا صدّر به رسالة: [الطويل] أيجمع هذا الشّمل بعد شتاته؟ ... ويوصل هذا الحبل بعد انبتاته؟ أما للبلى آية عيسويّة ... فينشر ميّت الأنس بعد مماته؟ ويورد عيني بعد ملح مدامعي ... برؤيته في عذبه وفراته؟

стр. 168

وأنشد له صاحبنا الجليل صاحب العلّامة «١» بالمغرب، أبو القاسم بن صفوان قوله: [المنسرح] يا ربّ ظبي شعاره نسك ... ألحاظه في الورى لها فتك يترك من هام به مكتئبا ... لا تعجبوا أن قومه التّرك أشكو له ما لقيت من حرق ... فيمشين «٢» لاهيا إذا أشكو صبرت حتى أطلّ عارضه ... فكان صبري ختامه مسك ومن المعاتبة والفكاهة قوله: [السريع] وبائع للكتب يبتاعها ... بأرخض السّوم وأغلاه في نصف الاستذكار أعطيته ومحّض العين وأرضاه وله أيضا: [الكامل] يا من توعّدني بحادث هجره ... إنّ السّلوّ لدون ما يتوعّد هذا عذارك وهو موضع سلوتي ... فأكفف فقد سبق الوعيد الموعد وأظنّ سلوتنا غدا أو بعده ... فبذاك خبّرنا الغراب الأسود وله أيضا: [الكامل] قال العذول تنقّصا لجماله ... هذا حبيبك قد أطلّ عذاره لا بل بدا فصل الربيع بخدّه ... فلذا تساوى ليله ونهاره وله يرثي: [مجزوء الكامل] يا قبر صبح، حلّ في ... ك بمهجتي أسنى الأماني «٣» وغدوت بعد عيانها ... أشهى البقاع إلى العيان أخشى المنيّة إنها ... تقصي مكانك عن مكاني «٤» كم بين مقبور بفا ... س وقابر بالقيروان وله أيضا يرثيها: [الكامل] يا صاحب القبر الذي أعلامه ... درست وثابت حبّه لم يدرس

стр. 169

ما اليأس منك على التصبّر حاملي ... أيأستني فكأنني لم أيأس لمّا ذهبت بكلّ حسن أصبحت ... نفسي تعاني شجو كلّ الأنفس أصباح أيّامي ليال كلّها ... لا تنجلي عن صبحك المتنفّس وقال في ذلك: [مجزوء الكامل] أعلمت ما صنع الفرا ... ق غداة جدّ به الرّفاق؟ ووقفت منهم حيث للن ... نظرات والدمع استباق سبقت مطاياهم فما ... أبطا «١» بنفسك في السباق أأطقت حمل صدودهم ... للبين خطب لا يطاق عن ذات عرق أصعدوا ... أتقول دارهم العراق نزلوا ببرقة ثمهد ... فلذاك ما شئت البراق وتيامنوا عسفان أن ... يقفوا بمجتمع الرّفاق ما ضرّهم وهم المنى ... لو وافقوا بعض الوفاق قالوا تفرّقنا غدا ... فشغلت عن وعد التّلاق عمدا رأوا قتل العمي ... د فكان عيشك في اتّفاق أولى لجسمك أن يرقّ ... ودمع عينك أن يراق أمّا الفؤاد فعندهم ... دعه ودعوى الاشتياق أعتاد حبّ محلهم ... فمحلّ صدرك عنه ضاق واها لسالفة الشبا ... ب مضت بأيامي الرقاق أبقت حرارة لوعة ... بين الترائب والتّراق لا تنطفي وورودها ... من أدمعي كأس دهاق وقال أيضا: [الكامل] يا موحشي والبعد دون لقائه ... أدعوك عن شحط وإن لم تسمع يدنيك مني الشوق حتى إنني ... لأراك رأي العين لولا أدمعي وأحنّ شوقا للنّسيم إذا سرى ... لحديثكم وأصيح كالمستطلع كان اللّقاء «٢» فكان حظّي ناظري ... وسط الفراق فصار حظّي مسمعي «٣»

стр. 170

فابعث خيالك تهده نار الحشا ... إن كان يجهل من مقامي موضعي «١» واصحبه من نومي بتحفة قادم ... فصدى فليل ركابكم لم تجمع دخوله غرناطة: دخل غرناطة على عهد السابع من ملوكها الأمير محمد «٢» لقرب من ولايته في بعض شؤونه؛ وحقّق بها تغيير أمر الأدوية المنفردة التي يتشوّف الطّيب إليها والشحرور، وهي بقرية شون «٣» من خارجها. وفاته: ﵀، توفي بتونس في يوم عيد الأضحى من سنة تسع وأربعين وسبعمائة. أحمد بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد ابن محمد بن حسين بن علي بن سليمان بن عرفة اللخمي الفقيه، الرئيس، المتفنّن، حامل راية مذهب الشعر في وقته، المشار إليه بالبنان في ذلك ببلده، يكنى أبا العباس. حاله: كان فذّا في الأدب، طرفا في الإدراك، مهذب الشمائل، ذلق اللسان، ممتع المجالسة والمحاضرة، حلو الفكاهة، يرمي كل غرض بسهم، إلى شرف النشأة وعزّ المرتبة، وكرم المحتد، وأصالة الرياسة. حدّثني الشيخ أبو زكريا بن هذيل، قال: حضرت بمجلس ذي الوزارتين أبي عبد الله بن الحكيم، وأبو العباس بدر هالته، وقطب جلالته، فلم يحر بشيء إلّا ركض فيه، وتكلّم بملء فيه. ثم قمنا إلى زبّارين يصلحون شجرة عنب، فقال لعريفهم: حقّ هذا أن يقصر، ويطال هذا، ويعمل كذا. فقال الوزير: يا أبا العباس، ما تركت لهؤلاء أيضا حظّا من صناعتهم، يستحقّون به الأجرة، فعجبنا من استحضاره، ووساعة ذرعه، وامتداد حظّ كفايته. قدومه على غرناطة: قدم عليها مع الجملة من قومه عند تغلب الدولة النصرية على بلدهم، ونزول البلاء والغلاء والمحنة بهم، والجلاء بهم في آخر عام خمسة

стр. 171

وسبعمائة، ويأتي التعريف بهم بعد إن شاء الله. وكان أوفر الدواعي في الاستعطاف لهم بما تقدّم بين يدي أدعيائهم، ودخولهم على السلطان، أن الذي تنخل بمثله السّخائم، وتذهب الإحن. وخطب لنفسه، فاستمرت حاله لطيف المنزلة، معروف المكانة، ملازما مجلس مدبّر الدولة، مرسوما بصداقته، مشتملا عليه ببرّه، إلى أن كان من تقلّب الحال، وإدالة الدولة، ما كان. شعره: وشعره نمط عال، ومحلّ البراعة حال، لطيف الهبوب، غزير المائية، أنيق الديباجة، جمّ المحاسن؛ فمنه في مذهب المدح، يخاطب ذا الوزارتين أبا عبد الله بن الحكيم «١» : [الكامل] ملّكت «٢» رقيّ بالجمال فأجمل ... وحكمت في «٣» قلبي بجورك فاعدل أنت الأمير على الملاح ومن يجر ... في حكمه إلّا جفونك يعزل إن قيل أنت البدر فالفضل الذي ... لك بالكمال ونقصه لم يجهل لولا الحظوظ لكنت أنت مكانه ... ولكان دونك في الحضيض الأسفل عيناك نازلتا القلوب فكلّها ... إما جريح أو مصاب المقتل هزّت ظباها بعد كسر جفونها ... فأصيب قلبي في الرّعيل الأول ما زلت أعذل في هواك ولم يزل ... سمعي عن العذّال فيك بمعزل أصبحت في شغل بحبك شاغل ... عن أن أصيخ إلى كلام العذّل لم أهمل الكتمان لكن أدمعي ... هملت ولو لم تعصني لم تهمل جمع الصحيحين الوفاء مع الهوى ... قلبي وأملى الدّمع كشف المشكل ما في الجنوب ولا الشمال جواب ما ... أهدى إليك مع الصّبا والشّمال «٤» خلسا له من طيب عرفك نفحة ... تجيء بها دماء عليلها المتعلل إن كنت بعدي حلت عمّا لم أحل ... عنه وأهملت الذي لم أهمل أو حالت الأحوال فاستبدلت بي ... فإنّ حبي فيك لم يستبدل

стр. 172

لا قيت بعدك ما لو أنّ أقلّه ... لاقى الثرى لأذاب صمّ الجندل وحملت في حبّك ما لو حمّلت ... شمّ الجبال أخفّه لم تحمل من حيف دهر بالحوادث مقدم ... حتى على حبس الهزبر المشبل قد كنت منه قبل كرّ صروفه ... فوق السّنام فصرت تحت الكلكل ونصول شيب قد ألمّ بلمّتي ... وخضاب أبي شيبة لم تنصل ينوي الإقامة ما بقيت وأقسمت ... لا تنزل اللذات ما لم يرحل ومسير ظعن ودان حميمه ... لاقى الحمام وإنّه لم يفعل يطوي على جسدي الضلوع فقلبه ... بأواره يغلي كغلي المرجل في صدره ما ليس في صدري له ... من مثله مثقال حبّة خردل أعرضت عنه ولو أشفّ لذمّه ... شعري لجرّعه نقيع الحنظل جلّيت في حلبات سبق لم يكن ... فيها مرتاح ولا بمؤمّل ما ضرّه سبقيه في زمن مضى ... أنّ المجلّى فيه دون الفسكل ساءته منّي عجرفيّة قلّب ... باق على مرّ الحوادث حوّل متحرّق في البذل مدّة سيره ... متجلّد في عسره متجمّل حتى يثوب له الغنى من ماجد ... بقضاء حاجات الكرام موكّل مثل الوزير ابن الحكيم وما له ... مثل يقوم مقامه متمثّل ساد الورى بحديثه وقديمه ... في الحال والماضي وفي المستقبل من بيت مجد قد سمعت بقبابه ... أقيال لخم في الزمان الأوّل سامي الدعائم طال بيت وزارة ... ومشاجع وأبي الفوارس نهشل يلقى الوفود ببسط وجه مشرق ... تجلو طلاقته هموم المجتلي فلآملي جدواه حول فنائه ... لقط القطا الأسراب حول المنهل وإذا نحى بالعدل فصل قضية ... لم تحظ فصلا من إطالة مفصل يقضي على سخب الخصوم وشغبهم ... ويقيم مغريهم مقام المؤمل ويلقّن الحج العييّ تحرّجا ... من رامح عند اللّجاج وأعزل فإذا قضى صور المحقّ بحقّه ... عنه وحلّق عقابه بالمبطل عجل على من يستحقّ مثوبة ... فإذا استحقّ عقوبة لم يعجل يا كافي الإسلام كلّ عظيمة ... ومعيده غضّا كأن لم يذبل

стр. 173

وقال أيضا يمدحه بقصيدة من مطوّلاته: وإنما اجتلبت من مدحه للوزير ابن الحكيم لكونه يمدح أديبا ناقدا، وبليغا بالكلام بصيرا، والإجادة تلزم فيه منظومه، إذ لا يوسع القريحة فيه عذرا، ولا يقبل من الطّمع قدرا، وهي: [الكامل] أما الرّسوم فلم ترقّ لما بي ... واستعجمت عن أن تردّ جوابي واستبدلت بوحوشها من أنس ... بيض الوجوه كواعب أتراب ولقد وقفت بها أرقرق عبرة ... حتى اشتكى طول الوقوف صحابي «١» يبكي لطول بكاي في عرصاتها ... صحبي ورجّعت الحنين ركابي «٢» ومن شعره في المقطوعات غير المطوّلات: [مجزوء البسيط] لم يبق ذو عين «٣» لم يسبه ... وجهك من زين بلا مين فلاح بينهما طالعا ... كأنه قمر «٤» بلا مين ومن ذلك قوله: [البسيط] كأنما الخال مصباح بوجنته ... هبّت عواصف أنفاسي فعطف «٥» أو نقطة قطرت في الخدّ إذ رسمت ... خطّ الجمال بخطّ اللّام والألف ومن ذلك قوله: [المنسرح] وعدتني أن تزور يا أملي ... فلم أزل للطريق مرتقبا حتى إذا الشمس للغروب دنت ... وصيّرت من لجينها ذهبا آنسني البدر منك حين بدا ... لأنّه لو ظهرت لاحتجبا ومن ذلك قوله: [الرمل] هجركم ما لي عليه جلد ... فأعيدوا لي «٦» الرضى أو فعدوا «٧» ما قسا قلبي من هجرانكم ... ولقد طال عليه الأمد

стр. 174

ومن ذلك قوله: [البسيط] أبدى عذارك عذري في الغرام به ... وزادني شغفا فيه إلى شغف كأنّه ظنّ أنّي قد نسيت له ... عهدا فعرّض لي «١» باللام والألف ومما هو أطول من المزدوجات قوله: [الطويل] ويوم كساه الدّجن «٢» دكن ثيابه ... وهبّ «٣» نسيم الروض وهو عليل ولاحت بأفلاك الأفق كواكب ... لها في البدور الطّالعات أفول وجالت جياد الرّاح بالرّاح جولة ... فلم تحل إلّا والوقار قتيل ومن ذلك: [الخفيف] عذلوني فيمن أحبّ وقالوا ... دبّ نمل العذار في وجنتيه وكذا النّمل كلّما حلّ شيئا ... منع النّفس أن تميل إليه قلت قبل العذار أعذر فيه ... ثم من بعده ألام عليه إنما دبّ نحو شهد بفيه ... فلذاك انتهى إلى شفتيه وإحسانه كثير، ومثله لا يقنع منه بيسير. وفاته: قال في «عائد الصلة» : «ولمّا كان من تغلّب الحال، وإدالة الدولة، وخلع الأمير، وقتل وزيره، يوم عيد الفطر من سنة سبع وسبعمائة، وانتهبت دار الوزير، ونالت الأيدي يومئذ، من شمله دهليز بابه، من أعيان الطبقات، وأولي الخطط والرّتب، ومنهم أبو العباس هذا، ﵀؛ فأفلت تحت سلاح مشهور، وحيّز مرقوف، وثوب مسلوف؛ فأصابته بسبب ذلك علّة أياما، إلى أن أودت به، فقضت عليه بغرناطة، في الثامن والعشرين لذي حجة من سنة سبع وسبعمائة «٤» ؛ ودفن بمقبرة الغرباء من الرّبيط عبر الوادي تجاه قصور نجد، رحمة الله عليه» .

стр. 175

أحمد بن علي الملياني «١» من أهل مرّاكش، يكنى أبا عبد الله وأبا العباس. صاحب العلامة «٢» بالمغرب، الكاتب الشهير البعيد الشأن «٣» في اقتضاء التّرة «٤» ، المثل المضروب في العفّة «٥» ، وقوة الصّريمة، ونفاذ العزيمة. حاله: كان «٦» نبيه البيت، شهير الأصالة، رفيع المكانة، على سجيّة غريبة كانت «٧» فيه، من الوقار والانقباض والصّمت. أخذ «٨» بحظ من الطّب، حسن الخطّ، مليح الكتابة، قارضا للشعر، يذهب «٩» نفسه فيه كلّ مذهب. وصمته: فتك «١٠» فتكة شنيعة «١١» أساءت الظنّ بحملة الأقلام على مرّ «١٢» الدهر؛ وانتقل إلى الأندلس بعد مشقّة. وجرى ذكره في كتاب «الإكليل» بما نصّه «١٣» : «الصّارم، الفاتك، والكاتب الباتك «١٤» ، أيّ «١٥» اضطراب في وقار، وتجهّم تحته أنس عقار! اتخذه صاحب «١٦» المغرب صاحب علامته، وتوّجه تاج كرامته؛ وكان يطالب جملة من أشياخ مراكش بثأر عمّه، ويطوقهم دمه بزعمه، ويقصر على الاستبصار «١٧» منهم بنات همّه، إذ سعوا فيه حتى اعتقل، ثم جدّوا في أمره حتى قتل؛ فترصّد كتابا إلى مراكش يتضمّن أمرا جزما، ويشلّ «١٨» من أمور الملك عزما،

стр. 176

جعل الأمر «١» فيه يضرب رقابهم، وسبي أسبابهم؛ ولمّا أكّد على حامله في العجل، وضايقه في تقدير الأجل، تأنّى حتى علم أنه قد وصل، وأنّ غرضه قد حصل. فرّ إلى تلمسان، وهي بحال حصارها، فاتّصل بأنصارها، حالّا بين أنوفها وأبصارها؛ وتعجّب من فراره، وسوء اغتراره، ورجحت «٢» الظنون في آثاره. ثم اتّصلت «٣» الأخبار بتمام الحيلة، واستيلاء القتل على أعلام تلك القبيلة، وتركها «٤» شنعة على الأيام، وعارا في الأقاليم على حملة الأقلام؛ وأقام بتلمسان إلى أن حلّ مخنّق حصارها «٥» ، وأزيل هميان «٦» الضيقة عن خصرها؛ فلحق بالأندلس، فلم «٧» يعدم برّا، ورعيا مستمرّا، حتى أتاه حمامه، وانصرمت أيامه» . شعره: من «٨» الذي يدلّ على برّه «٩» ، وانفساخ «١٠» خطاه في النّفاسة، وبعد شأوه، قوله: [الكامل] العزّ ما ضربت عليه قبابي ... والفضل ما اشتملت عليه ثيابي والزّهر ما أهداه غصن براعتي ... والمسك ما أبداه نقش «١١» كتابي والمجد «١٢» يمنع أن يزاحم موردي ... والعزم يأبي أن يسام «١٣» جنابي فإذا بلوت صنيعة جازيتها ... بجميل شكري أو جزيل ثوابي وإذا عقدت مودّة أجريتها ... مجرى طعامي من دمي وشرابي وإذا طلبت من الفراقد والسّهى ... ثأرا فأوشك أن أنال طلابي وفاته: توفي ﵀ يوم السبت تاسع ربيع الآخر عام خمسة عشر وسبعمائة، ودفن بجبّانة باب إلبيرة، تجاوز الله تعالى «١٤» عنه. أحمد بن محمد بن عيسى الأموي يكنى أبا جعفر، ويعرف بالزّيّات.

стр. 177

حاله: من أهل الخير والصّلاح والأتباع، مفتوح عليه في طريق الله، نيّر الباطن والظاهر، مطّرح التصنّع، مستدلّ، مجانب للدنيا وأهلها، صادق الخواطر، مرسل اللسان بذكر الله، مبذول النصيحة، مثابر على اتّباع السّنّة، عارف بطريق الصوفيّة، ثبت القدم عند زلّاتها؛ ناطق بالحكمة على الأميّة؛ جميل اللقاء، متوغّل في الكلف بالجهاد، مرتبط للخيل، مبادر للهيعة، حريص على الشهادة، بركة من بركات الله في الأندلس، يعزّ وجود مثله. وفاته: توفي، ﵀، ببلده غرناطة، يوم الخميس الثاني والعشرين لجمادى الثانية من عام خمسة وستين وسبعمائة؛ وشارف الاكتهال. أحمد بن الحسن بن علي بن الزيّات الكلاعي «١» من أهل بلّش مالقة «٢» ، يكنى أبا جعفر، ويعرف بالزيّات، الخطيب، المتصوّف الشهير. حاله: من «عائد الصلة» : كان جليل القدر، كثير العبادة، عظيم الوقار، حسن الخلق، مخفوض الجناح، متألّق البشر، مبذول المؤانسة، يذكّر بالسّلف الصالح في حسن شيمته وإعراب لفظه، مزدحم المجلس، كثير الإفادة، صبورا على الغاشية، واضح البيان، فارس المنابر غير مدافع، مستحقّ التصدّر في ذلك بشروط قلّما كملت عند غيره؛ منها حسن الصورة، وكمال الأبّهة، وجهوريّة الصوت، وطيب النّغمة، وعدم التّهيّب، والقدرة على الإنشاء، وغلبة الخشوع، إلى التفنّن في كثير من المآخذ العلمية، والرياسة في تجويد القرآن، والمشاركة في العربية، والفقه، واللغة، والأدب، والعروض، والمحاسّة «٣» في الأصلين، والحفظ للتفسير. قال لي شيخنا أبو البركات بن الحاجّ، وقد جرى ذكر الخطابة: ما رأيت في استيفائها مثله. كان يفتح مجالس تدريسه أكثر الأحيان، بخطب غريبة، يطبّق بها مفاصل الأغراض، التي يشرع في التكلّم فيها، وينظم الشعر دائما في مراجعاته ومخاطباته، وإجازاته، من غير تأنّ ولا رويّة، حتى اعتاده ملكة بطبعه؛ واستعمل في السّفارة بين الملوك، لدحض السّخائم، وإصلاح الأمور، فكانوا يوجيون حقّه، ويلتمسون بركته، ويلتمسون دعاءه.

стр. 178

مشيخته: تحمّل العلم عن جملة؛ منهم خاله الفقيه الحكيم أبو جعفر أحمد بن علي المذحجي من أهل الحمّة «١» ، من ذوي المعرفة بالقرآن والفرائض. ومنهم القاضي أبو علي الحسين بن أبي الأحوص الفهري، أخذ عنه قراءة وإجازة. ومنهم العارف الرّباني أبو الحسن فضل بن فضيلة، أخذ عنه طريقة الصوفية وعليه سلك، وبه تأدّب، وبينهما في ذلك مخاطبات. ومنهم أبو الزهر ربيع بن محمد بن ربيع الأشعري، وأبو عبد الله محمد بن يحيى أخوه. ومنهم أبو الفضل عياض بن محمد بن عياض بن موسى، قرأ عليه ببلّش وأجاز له. ومنهم الأستاذ أبو جعفر بن الزبير، والأستاذ أبو الحسن التّجلي، وأبو محمد بن سماك، وأبو جعفر بن الطّباع، وأبو جعفر بن يوسف الهاشمي الطّنجلي «٢» ، والأستاذ النحوي أبو الحسن بن الصّائغ، والكاتب الأديب أبو علي بن رشيق التّغلبي، والرّاوية أبو الحسن بن مستقور الطائي، والإمام أبو الحسن بن أبي الربيع، والأستاذ أبو إسحاق الغافقي الميربي، والإمام العارف أبو محمد عبد العظيم بن الشيخ البلوي، بما كان من إجازته العامّة لكل من أدرك عام أحد وأربعين وستمائة، وغير هؤلاء ممّن يشقّ إحصاؤهم. تصانيفه: كثيرة، منها المسمّاة ب «المقام المخزون في الكلام الموزون» ؛ والقصيدة المسمّاة ب «المشرف الأصفى في المأرب الأوفى» وكلاهما ينيف على الألف بيت؛ و «نظم السّلوك في شيم الملوك» ، و «المجتنى النّضير والمقتنى الخطير» ، و «العبارة الوجيزة عن الإشارة» ، و «اللطائف الرّوحانية والعوارف الربّانية» . ومن تواليفه: «أسّ مبنى العلم، وأسّ معنى الحلم» في مقدمة علم الكلام، و «لذّات السمع من القراءات السّبع» نظما، و «رصف نفائس اللآلي، ووصف عرائس المعالي» في النحو، و «قاعدة البيان وضابطة اللسان» في العربية، و «لهجة اللّافظ وبهجة الحافظ» ، والأرجوزة المسمّاة ب «قرّة عين السائل وبغية نفس الآمل» في اختصار السيرة النبوية، و «الوصايا النظامية في القوافي الثلاثية» ، وكتاب «عدّة الداعي، وعمدة الواعي» ، وكتاب «عوارف الكرم، وصلات الإحسان، فيما حواه العين من لطائف الحكم وخلق الإنسان» ، وكتاب «جوامع الأشراف والعنايات، في الصّوادع والآيات» ، و «النّفحة الوسيمة، والمنحة الجسمية «٣» » ، تشتمل على أربع قواعد اعتقاديّة

стр. 179

وأصوليّة وفروعيّة وتحقيقيّة، وكتاب «شروف المفارق في اختصار كتاب المشارق» ، و «تلخيص الدّلالة في تخليص الرسالة» ، و «شذور الذّهب في صروم الخطب» ، و «فائدة الملتقط وعائدة المغتبط» ، وكتاب «عدّة المحقّ وتحفة المستحقّ» . نثره: من ذلك خطبة ألغيت الألف من حروفها، على كثرة تردّدها في الكلام وتصرّفها، وهي: «حمدت ربي جلّ من كريم محمود، وشكرته عزّ من عظيم موجود، ونزّهته عن جهل كل ملحد كفور، وقدّسته عن قول كل مفسد غرور، كبير لو تقدم، في فهم نجد، قدير لو تصوّر في رسم لحد، لو عدته فكرة التصوّر لتصوّر، ولو حدته فكرة لتعذّر، ولو فهمت له كيفية لبطل قدمه، ولو علمت له كيفية لحصل عدمه، ولو حصره طرف لقطع بتجسّمه، ولو قهره وصف لصدع بتقسّمه، ولو فرض له شبح لرهقه كيف، ولو عرض له للحق عجل وريث. عظيم من غير تركّب قطر، عليم من غير ترتّب فكر، موجود من غير شيء يمسكه، معبود من غير وهم يدركه، كريم من غير عوض يلحقه، حكيم من غير عرض يلحقه، قوي من غير سبب يجمعه، عليّ من غير سبب يرفعه، لو وجد له جنس لعورض في قيموميته، ولو ثبت له حسّ لنوزع في ديموميّته» . ومنها: «تقدّس عن لمّ فعله، وتنزّه عن سمّ فضله، وجلّ عن ثمّ قدرته، وعزّ عن عمّ عزّته، وعظمت عن من صفته، وكثرت عن كم منّته؛ فتق ورتق، صوّر وحلق، وقطع ووصل، ونصر وخذل، حمدته حمد من عرف ربّه، ورهب ذنبه، وصفت حقيقة يقينه قلبه، وذكرت بصيرة دينه لبّه، قنهض لوعي بشروط نفضته وحدّ، وربط سلك سلوكه وشدّ، وهدم صرح عتوّه وهدّ، وحرس معقل عقله وحدّ، طرد غرور غرّته ورذله؛ علم علم تحقيق فنحا نحوه، وتفرّد له بثبوت ربوبيّته وقدمه، ونعتقد صدور كلّ جوهر وعرض عن جوده وكرمه، ونشهد بتبليغ محمد صلّى ربّه عليه وسلّم، رسوله وخير خلقه، ونعلن بنهوضه في تبيين فرضه، وتبليغ شرعه، ضرب قبّة شرعه، فنسخت كلّ شرع، وجدّد عزيمته فقمع عدوّه خير قمع، قوّم كل مقوّم بقويم سمته، وكريم هديه، وبيّن لقومه كيف يركنون فوره بقصده، وسديد سعيه، بشّر مطيعه، فظفر برحمته؛ وحذّر عاصيه فشقي بنقمته. «وبعد، فقد نصحتم لو كنتم تعقلون، وهديتم لو كنتم تعلمون، وبصّرتم لو كنتم تبصرون، وذكّرتم لو كنتم تذكرون. وظهرت لكم حقيقة نشركم وبرزت

стр. 180

لكم خبيئة حشركم، فلم تركضون في طلق غفلتكم، وتغفلون عن يوم بعثكم، وللموت عليكم سيف مسلول، وحكم عزم غير معلول، فكيف بكم يوم يؤخذ كلّ بذنبه؛ ويخبر بجميع كسبه؛ ويفرّق بينه وبين صحبه، ويعدم نصرة حزبه، ويشغل بهمّه وكربه، عن صديقه وتربه، وتنشر له رقعته وتعيّن له بقعته، فربح عبد نظر وهو في مهل لنفسه، وترسّل في رضى عمله جنّة لحلول رمسه، وكسر صنم شهوته ليقرّ في بحبوحة قدسه، وحصر بنظر ينزله سرير سروره بين عقله وجسمه» . ومنها: «فتنبّه ويحك من سنتك ونومك، وتفكّر فيمن هلك من صحبك وقومك، هتف بهم من تعلم، وشبّ عليهم منه حرق مظلم، فخرّبت بصيحته ربوعهم، وتفرّقت لهو له جموعهم، وذلّ عزيزهم، وخسىء رفيعهم، وصمّ سميعهم، فخرج كلّ منهم عن قصره، ورمي غير موسّد في قبره؛ فهم بين سعيد في روضته مقرّب، وبين شقيّ في حفرته معذّب، فنستوهب منه عصمته من كل خطيئة، وخصوصيّة تقي من كل نفس جريئة» . كتب إلى شيخنا الوزير ابن ذي الوزارتين ابن الحكيم، جوابا عن مخاطبة كتبها إليه يلتمس منه وصايته ونصحه هذا الشعر: [السريع] جلّ اسم مولانا اللّطيف الخبير ... وعزّ في سلطانه عن نظير هو الذي أوجد ما فوقها ... وتحتها وهو العليم الخبير ثم صلاة الله تترى على ... ياقوتة الكون البشير النذير وصحبه الأولى نالوا مرأى ... يرجع منه الطّرف وهو الحسير وبعد فأنفسهم جوهر ... للأرواح منه ما للأثير فإنك استدعيت من ناصر ... نصحا طويلا وهو منه قصير ولست أهلا أن أرى ناصحا ... لقلّة الصدق وخبث الضمير وإنما يحسن نصح الورى ... من ليس للشّرع عليه نكير ومستحيل أن يقود امرءا ... يد امرئ واهي المباني ضرير وا عجبا يلتمس الخير من ... معتقل العقل مهيض كسير لكن إذا لم يكن بدّ فعن ... جهد أوفّيك بتبر يسير فالقنه إن كنت به قانعا ... درّا نظيما يزدري بالنثير لازم أبا بكر على منهج ... ذاك تفز منه بخير كثير واقنع بما يكفي ودع غيره ... فإنما الدنيا هباء نثير
следующие страницы →