← Тараджим

Тараджим · id 11682

الإحاطة في أخبار غرناطة

لسان الدين بن الخطيب

Полный текст (1 954 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

يا ربّ، عفوا إنها جمّة ... إن لم يكن عفوك لا أمّ لي محنته: نشأت بينه وبين المتغلب بمالقة من الرؤساء التّجيبيين من بني إشقيلولة «١» ، وحشة أكّدتها سعاية بعض من استهواهم رجل ممخرق من بني الشّعوذة، ومنتحلي الكرامة، يمتطيها، زعموا إلى النبوّة، يعرف بالفزاري، واسمه إبراهيم، غريب المنزع، فذّ المآخذ، أعجوبة من أعاجيب الفتن، يخبر بالقضايا المستقبلة، ويتسوّر سور حمى العادة في التطوّر من التقشّف والخلابة، تبعه ثاغية وراغية، من العوام الصّمّ البكم، مستفزّين فيه حياته؛ وبعد زمن من مقتله، على يد الأستاذ بغرناطة، قرعه بحقّه، وبادره بتعجيل نكيره، فاستغاث بمفتونه الرئيس، ظهير محاله فاستعصى له؛ وبلغ الأستاذ النياحة، ففرّ لوجهه، وكبس منزله لحينه، فاستولت الأيدي على ذخائر كتبه، وفوائد تقييده عن شيوخه، على ما طالت له الحسرة، وجلّت فيه الرزيّة. ولحق بغرناطة آويا إلى كنف سلطانها الأمير أبي عبد الله بن الأمير الغالب بالله بن نصر؛ فأكرم مثواه، وعرف حقّه، وانثال عليه الجمّ الغفير لالتماس الأخذ عنه، إلى أن نالته لديه سعاية، بسبب جار له، من صلحاء القرابة النّصرية، كان ينتابه لنسبة الخيريّة، نميت عنه في باب تفضيله، واستهالت للأمر كلمة، أوجبت امتحانه، وتخلّل تلك الألقيّة «٢» من الشكّ، ما قصر المحنة على إخراجه من منزله المجاور لذلك المتّهم به، ومنعه من التصرّف، والتزامه قعر منزل انتقل إليه بحال اعتزال من الناس، محجورا عليه مداخلتهم؛ فمكث على ذلك زمانا طويلا، إلى أن سرّيت عنه النكبة، وأقشعت الموجدة، فتخلّص من سرارها بدره؛ وأقلّ من شكاتها جاهه، وأحسنت أثرها حاله، وكثر ملتمسه، وعظمت في العالم غاشيته؛ فدوّن واستمع، وروى ودرّب، وخرّج وأدّب وعلّم، وحلّق وجهر. وكانت له الطّايلة على عدوّه، والعاقبة للحسنى، بعد ثبات أمره، والظّفر بكثير من منتهب كتبه. وآلت الدولة للأمير أبي عبد الله نصر بمالقة، فطالب الفزاريّ المذكور، واستظهر بالشّهادات عليه، وبالغ في دحض دعوته، إلى أن قتل على يده بغرناطة. حدّثنا شيخنا أبو الحسن بن الجيّاب، قال: لما أمر بالتأهّب للقتل وهو في السجن الذي أخرج منه إلى مصرعه، جهر بتلاوة «ياسين» ، فقال له أحد الذّعرة، ممّن

стр. 107

جمع السجن بينهم «اقرأ قرآنك؛ على أيّ شيء تتطفّل على قرآننا اليوم» أو ما هو في معناه. فتركها مثلا للوذعيّته. مولده: ببلده جيّان في أواخر عام سبعة وعشرين وستمائة. وفاته: وتوفي بغرناطة في الثامن لشهر ربيع الأول عام ثمانية وسبعمائة. وكانت جنازته جنازة بالغة أقصى مبالغ الاحتفال، نفر لها الناس من كل أوب، واحتمل طلبة العلم نعشه على رؤوسهم، إلى جدثه، وتبعه ثناء جميل، وجزع كبير، ﵀. ورثاه طائفة من طلبته؛ وممّن أخذ عنه منهم، القاضي أبو جعفر بن أبي حبل في قصيدة أولها: [الطويل] عزيز على الإسلام والعلم ماجد ... فكيف لعيني أن يلمّ بها الكرى؟ وما لمآقي لا تفيض شؤونها ... نجيعا على قدر المصيبة أحمرا؟ فو الله ما تقضي المدامع بعض ما ... يحقّ ولو كانت سيولا وأبحرا حقيق لعمري أن تفيض نفوسنا ... وفرض على الأكباد أن تتفطّرا أحمد بن عبد الولي بن أحمد الرعيني يكنى أبا جعفر؛ ويعرف بالعوّاد، صنعة لأبيه الكاتب الصالح. حاله: هو من بيت تصاون، وعفاف، ودين، والتزام السّنّة؛ كانوا في غرناطة في الأشعار، وتجويد القرآن، والامتياز بحمله، وعكوفهم عليه، نظراء بني عظيمة بإشبيلية، وبني الباذش بغرناطة؛ وكان أبو جعفر هذا، المترجم له ممّن تطوى عليه الخناصر، معرفة بكتاب الله، وتحقيقا لحقه، وإتقانا لتجويده، ومثابرة على تعليمه، ونصحا في إفادته؛ على سنن الصالحين، انقباضا عن الناس، وإعراضا عن ذوي الوجاهة، سنيّا في قوله وفعله، خاصّيّا في جميع أحواله، مخشوشنا في ملبسه، طويل الصّمت إلّا في دست تعليمه، مقتصرا في مكسبه، متّقيا لدينه، محافظا على أواده. سأل منه رجل يوما كتب رقعة، ففهم من أمره، فقال: يا هذا، والله ما كتبت قطّ يميني إلّا كتاب الله، فأحبّ أن ألقاه على سجيّتي بتوفيقه، إن شاء الله، وتسديده. مشيخته: قرأ على الأستاذ أبي جعفر بن الزّبير، والأستاذ أبي جعفر الحزموني الكفيف، وأبي عبد الله بن رشيد وغيرهم.

стр. 108

وفاته: توفي في شهر ذي الحجة من عام خمسين وسبعمائة، ودفن بجبّانة باب الفخّارين «١» في أسفل السفح تجاه القصور الحكمية، وأتبعه الناس أحسن الثناء. أحمد بن علي بن أحمد بن خلف الأنصاري «٢» من أهل غرناطة؛ يكنى أبا جعفر، ويعرف بابن الباذش. أوّليّته: أصله من جيّان، من بيت خيريّة وتصوّن. حاله: قال القاضي أبو محمد بن عطية: إمام في المقرئين، ومقدّم في جهابذة الأستاذين، راوية، مكثر، متفنّن في علوم القراءة، مستبحر، عارف بالأدب والإعراب، بصير بالأسانيد، نقّاد لها، مميّز لشاذّها من معروفها. قال ابن الزّبير: وما علمت فيما انتهى إليه نظري وعلمي، أحسن انقيادا لطرق القراءة، ولا أجلّ اختيارا منه، لا يكاد أحد من أهل زمانه، ولا ممّن أتى بعده أن يبلغ درجته في ذلك. مشيخته: تفقّه بأبيه الإمام أبي الحسن، وأكثر الرواية عنه، واستوفى ما كان عنده، وشاركه في كثير من شيوخه. أخذ القراءات عرضا عن الإمام المقرئ أبي القاسم بن خلف بن النحّاس، رحل إلى قرطبة ولازمه؛ وعلى المقرئ أبي جعفر هابيل بن محمد الحلاسي، وأبي بكر بن عيّاش بن خلف المقرئ، وأبي الحسن بن زكريا، وأبي الحسن شريح بن محمد، وأبي محمد عبد الله بن أحمد الهمداني الجيّاني، رحل إليه إلى جيان، وتلا على جميع من ذكر. وروى بالقراءة والسّماع والإجازة على عالم كثير، كأبي داود وأبي الحسن بن أخي الرّش المقرئين، أجازا له؛ وأبي علي الغسّاني في الإمامة والإتقان، وقد أسمع عليه؛ وأبي القاسم خلف بن صواب المقرئ، وأبي عامر محمد بن حبيب الجيّاني، وأبي عبد الله محمد بن أحمد التّجيبي الشهير، وأبي محمد بن السيد، وأبي الحسن بن الأخضر، وأبي محمد عبد الله بن أبي جعفر الحافظ، وعالم كثير غير هؤلاء يطول ذكرهم. من روى عنه: روى عنه أبو محمد عبد الله، وأبو خالد بن رفاعة، وأبو علي القلعي المعدّي، وأبو جعفر بن حكم، وأبو الحسن بن الضّحّاك، وابنه أبو محمد عبد المنعم، وهو آخر من حدّث عنه.

стр. 109

تصانيفه: ألّف كتاب «الإقناع» في القراءات، لم يؤلّف في بابه مثله؛ وألّف كتاب «الطرق المتداولة» في القراءات، وأتقنه كل الإتقان، وحرّر أسانيده وأتقنها، وانتقى لها، ولم يتّسع عمره لفرش حروفهم وخلافهم من تلك الطرق. وألّف غير ما ذكر. مولده: في ربيع الأول سنة إحدى وتسعين وأربعمائة. وفاته: توفي ثاني جمادى الآخرة سنة أربعين وخمسمائة «١» ، وكان عمره تسعا وأربعين سنة. أحمد بن عبد النور بن أحمد بن راشد ﵀ يكنى أبا جعفر، من أهل مالقة، ويعرف بيته بها ببني راشد. قال شيخنا أبو البركات: نقلت اسم هذا من خطّه، ولا نعلم له نسبا إذ لم يكتبه، وشهر بابن عبد النّور. حاله: كان قيّما على العربية إذ كانت جلّ بضاعته؛ يشارك مع ذلك في المنطق، على رأي الأقدمين، وعروض الشعر، وفرائض العبادات من الفقه، وقرض الشعر. وكان له اعتناء بفكّ المعمّى، والتّنقير عن اللّغوز. وكان ذكيّ الصوت عند قراءة القرآن، خاشعا به. رحل من بلده مالقة إلى سبتة، ثم انتقل إلى الأندلس وأقرأ بوادي آش مدة، وتردّد بين ألمريّة وبرجة، يقرئ بها القرآن، وغير ذلك مما كان يشارك فيه. وناب عن بعض القضاة وقتا، ودخل غرناطة أثناء هذا السّفر. مشيخته: قال: أخذ القرآن قراءة على طريقة أبي عمرو والدّاني، على الخطيب أبي الحسن الحجاج بن أبي ريحانة المربلّي «٢» ، ولا يعلم له في بلده شيخ سواه، إذ لم يكن له اعتناء بلقاء الشيوخ، والحمل عنهم. ومن علمي أنه لقي أبا الحسن بن الأخضر المقرئ العروضي بسبتة، وذاكره في العروض، ولا أعلم هل أخذ عنه أم لا. ورأيت في تقاييدي أن القاضي أبا عبد الله بن برطال حدّثني أن ابن النّور قرأ معه الجزوليّة «٣» على ابن مفرّج المالقي تفقها، وقيّد عليه تقييدا عرضه بعد ذلك، على ابن

стр. 110

مفرج هذا؛ وهو محمد بن يحيى بن علي بن مفرج المالقي. وروى عن أبي الحجّاج المتقدّم الذّكر تيسير أبي عمرو الداني، وجمل الزّجّاجي، وأشعار الستّة، وفصيح أحمد بن يحيى بن ثعلب؛ وقفت في ذلك على رقّ أجاز فيه بعض الآخذين عنه، ولم ينصّ فيه على كيفية أخذه لهذا الكتيّب عن أبي الحجّاج. قال: ورأيت في ذلك الرّقّ أوهاما تدلّ على عدم شعوره بهذا الباب جملة، وقبول التّلقين فيه، فلا ينبغي أن يركن إلى مثله فيه. ورأيت بخط بعض أصحابه، أنه تفقّه على أبي ريحانة، ولعلّ ذلك في صغره قبل أن يتحكّم طلبه ويتفنّن، إذ الفنون التي كان يأخذ منها لم يكن أبو ريحانة مليّا بها، ولا منسوبا إليها. تصانيفه: منها كتاب «الحلية في ذكر البسملة والتصلية» . وكتاب «رصف المباني في حروف المعاني» ، وهو أجلّ ما صنّف وممّا يدلّ على تقدّمه في العربية. وجزء في العروض. وجزء في شواذّه. وكتاب في شرح الكوامل لأبي موسى الجزولي، يكون نحو الموطّأ في الجرم، وكتاب شرح مغرب أبي عبد الله بن هشام الفهري، المعروف بابن الشّواش، ولم يتمّ، انتهى فيه إلى همزة الوصل، يكون نحو الإيضاح لأبي علي. وله تقييد على الجمل غير تام. شعره: قال: وشعره وسط، بعيد عن طرفي الغثّ، والثمين أبعد؛ وكان لا يعتني فيه ولا يتكلّفه، ولا يقصد قصده؛ وإنّ ذلك لعذر في عدم الإجادة. قال الشيخ: ولديّ جزء منه تصفّحته على أن أستجيد منه شيئا أثبته له في هذا التّعريف، فرأيت «١» بعضه أشبه ببعض من الغرابة، فكتبت من ذلك، لا مؤثرا له على سواه من شعره؛ بل لمرجّح كونه أوّل خاطر بالبال، ومتلمّح خطّه بالبصر، فمن ذلك قوله من قصيدة، ومن خطه نقلت: [الطويل] محاسن من أهوى يضيق لها الشرح ... له الهمّة العلياء والخلق السّمح له بهجة يغشى البصائر نورها ... وتعشى بها الأبصار إن غلس الصّبح إذا ما رنا فاللّحظ سهم مفوّق ... وفي كل عضو من إصابته جرح إذا «٢» ما انثنى زهوا وولّى تبخترا ... يغار لذاك القدّ من لينه الرّمح وإن نفحت أزهاره عند روضة ... فيخجل ريّا زهرها ذلك النّفح هو الزّمن المأمول عند ابتهاجه ... فلمّته ليل، وغرّته صبح

стр. 111

لقد خامرت نفسي مدامة حبّه ... فقلبي من سكر المدامة لا يصحو «١» وقد هام قلبي في هواه فبرّحت ... بأسراره عين لمدمعها سبح غفلته ونوكه: كان هذا الرجل من البله في أسباب الدنيا؛ له في ذلك حكايات دائرة على ألسنة الشقاة من الملازمين له وغيرهم، لولا تواترها لم يصدّق أحد بها، تشبه ما يحكى عن أبي علي الشلوبين. منها أنه اشترى فضلة ملف فبلّها، فانتقصت كما يجري في ذلك، فذرعها بعد البلّ فوجدها تنقصت، فطلب بذلك بائع الملف، فأخذ يبيّن له سبب ذلك فلم يفهم. ومنها أنه سار إلى بعض بساتين ألمرية مع جماعة من الطلبة واستصحبوا أرزّا ولبنا، فطلبوا قدرا لطبخه، فلم يجدوا، فقال: اطبخوا في هذا القدر، وأشار إلى قدر بها بقيّة زفت مما يطلى به السّواني «٢» عندهم، فقالوا له: وكيف يسوغ الطبخ بها، ولو طبخ بها شيء مما تأكله البهائم لعافته، فكيف الأرز باللبن؟ فقال لهم: اغسلوا معائدكم، وحينئذ تدخلون فيها الطعام. فلم يدروا ممّا يعجبون، هل من طيب نفسه بأكله مما يطبخ في تلك القدر، أم من قياسه المعدة عليها. ومنها أنهم حاولوا طبخ لحم مرّة أخرى في بعض النّزه فذاق الطعام من الملح بالمغرفة، فوجده محتاجا للملح، فجعل فيه ملحا وذاقه على الفور، قبل أن ينحلّ الملح ويسري في المرقة الأولى، فزاد ملحا إلى أن جعل فيه قدر ما يرجح اللحم، فلم يقدروا على أكله. ومنها أنه أدخل يده في مفجر صهريج فصادفت يده ضفدعا كبيرا، فقال لأصحابه: تعالوا إن هنا حجرا رطبا. ومنها أنه استعار يوما من القائد أبي الحسن بن كماشة، جوادا ملوكيّا، قرطاسي اللّون، من مراكب الأمراء؛ فقال: وجّه لي تلك الدّابّة، فتخيّل أنه يريد الرّكوب إلى بعض المواضع، ثم تفطّن لغفلته، وقال: أي شيء تصنع به، قال: أجعله يسني شيئا يسيرا في السّانية، فقال: تقضى الحاجة، إن شاء الله بغيره؛ ووجّه له حمارا برسم السانية، وهو لا يشعر بشيء من ذلك كله. قلت: وفي موجودات الله تعالى عبر، وأغربها عالم الإنسان، لما جبلوا عليه من الأهواء المختلفة، والطّباع المشتّتة، والقصور عن فهم أقرب الأشياء، مع الإحاطة بالغوامض. حدّثنا غير واحد، منهم عمّي أبو القاسم، وابن الزّبير؛ إذنا في الجملة، قالا: حدّثنا أبو الحسن بن سراج عن أبي القاسم بن بشكوال، أن الفقيه صاحب الوثائق أبا

стр. 112

عمر بن الهندي، خاصم يوما عند صاحب الشّرطة والصلاة، إبراهيم بن محمد، فنكل وعجز عن حجّته، فقال له الشرطي: ما أعجب أمرك، أبا عمر، أنت ذكي لغيرك، بكيّ» في أمرك؛ فقال أبو عمر: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ «٢» . ثم أنشد متمثّلا: [المنسرح] صرت كأني ذبالة نصبت ... تضيء للناس وهي تحترق قال: وحدّثني الشيخ أبو العباس بن الكاتب ببجاية، وهو آخر من كتبنا معه الحديث من أصحاب ابن الغمّاز، قال: كنت آويا إلى أبي الحسن حازم القرطجاني بتونس؛ وكنت أحسن الخياطة، فقال لي: إن المستنصر خلع على جبّة جربيّة من لباسه، وتفصيلها ليس من تفصيل أثوابنا بشرق الأندلس، وأريد أن تحلّ أكمامها؛ وتصيّرها مثل ملابسنا. فقلت له: وكيف يكون العمل؟ فقال: تحلّ رأس الكمّ، ويوضع الضيّق بالأعلى، والواسع بالطرف. فقلت: وبم يحيّر الأعلى؟ فإنه إذا وضع في موضع واسع، سطت علينا فرج ما عندنا؛ ما يصنع فيها إلا أن رقّعنا بغيرها، فلم يفهم. فلما يئست منه تركته وانصرفت. فأين هذا الذهن الذي صنع المقصورة وغيرها من عجائب كلامه. مولده: في رمضان من عام ثلاثين وستمائة. وفاته: توفي بألمرية يوم الثلاثاء السابع والعشرين لربيع الآخر من عام اثنين وسبعمائة، ودفن بخارج باب بجاية بمقبرة من تربة الشيخ الزاهد أبي العباس بن مكنون. أحمد بن محمد بن علي بن محمد بن يحيى بن محمد ابن مصادف بن عبد الله يكنى أبا جعفر، ويعرف بابن مصادف؛ من أهل بسطة، واستوطن غرناطة، وقرأ وأقرأ بها. حاله: من أهل الطلب والسّلاطة والاجتهاد، وممّن يقصر محصّله عن مدى اجتهاده، خلوب «٣» اللسان، غريب الشّكل، وحشيّه، شتيت الشّعر معفيه، شديد

стр. 113

الاقتحام والتّسوّر، قادر على اللّصوق بالأشراف. رمى بنفسه على مشيخة الوقت يطرقهم طروق الأمراض الوافدة، حتى استوعب الأخذ عن أكثرهم، يفكّ عن فائدته فكّ المتبرّم، وينتزعها بواسطة الحيا، ويسلّط على قنصها جوارح التبذّل والإطراء، إلى أن ارتسم في المقرئين بغرناطة، محوّلا عليه بالنّحب والملق، وسدّ الترتيب المدني؛ ولوثة تعتاده في باب الرّكوب والثّقافة «١» ، وهو لا يستطيع أن يستقرّ بين دفّتي السّرج، ولا يفرق بين مبسوط الكف، أخذ نفسه في فنون، من قرآن، وعربيّة، وتفسير، وامتحن مرّات لجرّ حركة القلقلة الذي لا يملك عنانه، ثم تخلّص من ذلك، وهو على حاله إلى الآن. مشيخته: قرأ على الخطيب ببسطة، وأبي الأصبغ بن عامر، والخطيبين بها أبي عبد الله وأبي إسحاق ابن عمّه، وأبي عبد الله بن جابر، وعلى أبي عثمان بن ليون بألمريّة، والخطيب أبي عبد الله بن الغربي بحمّة «٢» . وتلا القرآن بقراءاته السبع على شيخنا أبي عبد الله بن الوالي العوّاد. وروى عن شيخنا أبي الحسن بن الجيّاب، وعلى الحاج أبي الحجاج الساحلي، فكتب الإقراء، وأخذ الفقه عن الأستاذ أبي عبد الله البيّاني «٣» . وقرأ على قاضي الجماعة أبي القاسم البيّاني، وقرأ على قاضي الجماعة أبي القاسم الحسني. ولازم أستاذ الجماعة أبا عبد الله الفخّار، وقرأ عليه العربية، وصاهره على بنته الأستاذ المذكور، وانتفع به، إلى أن ساء ما بينهما عند وفاة الشيخ فرماه بترمية بيضاء تخلّقها، مثيرة عجب، مرّة. وحاله متصلة على ذلك، وقد ناهز الاكتهال. أحمد بن حسن بن باصة الأسلمي المؤقّت بالمسجد الأعظم بغرناطة أصله من شرق الأندلس، وانتقل إليها والده، يكنى أبا جعفر. حاله: كان نسيج وحده، وقريع دهره، معرفة بالهيئة، وإحكاما للآلة الفلكية، ينحت منها بيده ذخائر، يقف عندها النظر والخبر، جمال خطّ، واستواء صنعة، وصحة وضع، بلغ في ذلك درجة عالية، ونال غاية بعيدة، حتى فضل بما ينسب إليه

стр. 114

من ذلك كثيرا من الأعلام المتقدمين، وأزرت آلاته بالحمايريات والصّفاريّات وغيرها من آلات المحكمين، وتغالى الناس في أثمانها، أخذ ذلك عن والده الشيخ المتفنن شيخ الجماعة في هذا الفن. وفاته: في عام تسعة «١» وسبعمائة. أحمد بن محمد بن يوسف الأنصاري من أهل غرناطة؛ يكنى أبا جعفر، ويعرف بالحبالي. حاله: عكف صدرا من زمانه منتظما في العدول «٢» ، آويا إلى تخصيص وسكون ودماثة، وحسن معاملة، له بصر بالمساحة والحساب، وله بصر بصناعة التعديل وجداول الأبراج، وتدرّب في أحكام النجوم، مقصود في العلاج بالرّقا والعزائم، من أولي المسّ والخبال، تعلّق بسبب هذه المنتحلات بأذيال الدول، وانبتّ من شيمته الأولى، فنال استعمالا في الشهادات المخزنية، وخبر منه أيام قربه من مبادئ الأمور والنّواهي، ومداخلة السلطان؛ صمت وعقل، واقتصار على معاناة ما امتحن به، وهو الآن بقيد الحياة. مشيخته: أخذ تلك الصناعة عن الشيخ أبي عبد الله الفخّار، المعروف بأبي خزيمة، أحد البواقع الموسومين بصحة الحكم فيها، وعلى أبي زيد بن مثنى؛ وقرأ الطب على شيخنا أبي زكريا بن هذيل، ﵀؛ ونسب إليه عند الحادثة على الدولة وانتقالها إلى يد المتغلّب، اختيار وقت الثورة وضمان تمام الأمر، وشهد بذلك بخطّ، وغيب من إيثارها. فلما عاد الأمر إلى السلطان المزعج بسببها إلى العدوة، أوقع به نكيرا كثيرا، وضربه بالسّياط التي لم يخلّصه منها إلا أجله، وأجلاه إلى تونس في جملة المغرّبين في أواخر عام ثلاثة وستين وسبعمائة. وأخبرني السلطان المذكور أن المترجم به كتب إليه بمدينة فاس، قبل شروعه في الوجهة، يخبره بعودة الملك إليه، وبإيقاعه المكروه الكبير به، بما شهد بمهارته في الصنعة، إن صحّ ذلك كله من قوانينها، نسأل الله أن يضفي علينا لبوس ستره، ويقينا شرّ عثرات الألسن بمنّه.

стр. 115

أحمد بن محمد الكرني من أهل غرناطة. حاله: شيخ الأطباء بغرناطة على عهده، وطبيب الدار السلطانية. كان نسيج وحده، في الوقار والنّزاهة، وحسن السّمت، والتزام مثلى الطريقة، واعتزاز الصّنعة؛ قائما على صناعة الطبّ، مقرئا لها، ذاكرا لنصوصها، موفّقا في العلاج، مقصودا فيه، كثير الأمل والمثاب، مكبوح العنان عمّا تثبت به أصول صناعته من علم الطبيعة، سنيّا، مقتصرا على المداواة؛ أخذ عن الأستاذ أبي عبد الله الرّقوطي، ونازعه بالباب السلطاني، لمّا شدّ، واحتيج إلى ما لديه في حكم بعض الأموال المعروضة على الأطبّاء، منازعة أوجبت من شيخه يمينا أن لا يحضر معه بمكان، فلم يجتمعا بباب السلطان بعد، مع التمسّك بما لديهما، وأخذ عن ابن عروس وغيره، وأخذ عنه جملة من شيوخنا كالطبيب أبي عبد الله بن سالم، والطبيب أبي عبد الله بن سراج وغيرهما. حدّثني والدي بكثير من أخباره في الوقار وحسن الترتيب، قال: كنت آنس به، ويعجبني استقصاؤه أقوال أهل هذا الفن من صنعته، على مشهوره، فلقد عرض عليه، لعليل لنا، بعض ما يخرج، وفيه حيّة، فقال على فتور، وسكونة، ووقار كثير: هذا العليل يتخلص، فقد قال الرئيس ابن سينا في أرجوزته: [الرجز] إن خرج الخلط مع الحيّات ... في يوم بحران فعن حياة وهذا اليوم من أيام البحرانية، فكان كما قال. وفاته: كان حيّا سنة تسعين وستمائة. أحمد بن محمد بن أبي الخليل، مفرّج الأموي «١» مولاهم، من أهل إشبيلية، يكنى أبا العباس، وكناه ابن فرتون أبا جعفر وتفرّد بذلك، يعرف بالعشّاب، وابن الرّوميّة، وهي أشهرهما وألصقهما به. أوّليّته: قال القاضي أبو عبد الله «٢» : كان ولاء «٣» جدّه أحد أطباء قرطبة، وكان قد تبنّاه، وعن مولاه أخذ علم النبات.

стр. 116

حاله: كان نسيج وحده، وفريد دهره، وغرّة جنسه، إماما في الحديث، حافظا، ناقدا، ذاكرا تواريخ المحدّثين وأنسابهم وموالدهم ووفاتهم، وتعديلهم، وتجريحهم؛ عجيبة نوع الإنسان في عصره، وما قبله، وما بعده، في معرفة علم النبات، وتمييز العشب، وتحليتها، وإثبات أعيانها، على اختلاف أطوار منابتها، بمشرق أو مغرب حسّا، ومشاهدة، وتحقيقا، لا مدافع له في ذلك، ولا منازع، حجة لا تردّ ولا تدفع، إليه يسلّم في ذلك ويرجع. قام على الصّنعتين؛ لوجود القدر المشترك بينهما، وهما الحديث والنبات، إذ موادهما الرّحلة والتّقييد، وتصحيح الأصول وتحقيق المشكلات اللفظية، وحفظ الأديان والأبدان، وغير ذلك. وكان زاهدا في الدنيا، مؤثرا بما في يديه منها، موسّعا عليه في معيشته، كثير الكتب، جمّاعا لها، في كل فنّ من فنون العلم، سمحا لطلبه العلم، ربما وهب منها لملتمسه الأصل النفيس، الذي يعزّ وجوده، احتسابا وإعانة على التعليم؛ له في ذلك أخبار منبئة عن فضله، وكرم صنعه، وكان كثير الشّغف بالعلم، والدّؤوب على تقييده ومداومته، سهر الليل من أجله، مع استغراق أوقاته، وحاجات الناس إليه، إذ كان حسن العلاج في طبّه المورود، الموضوع، لثقته ودينه. قال ابن عبد الملك «١» : إمام المغرب قاطبة فيما كان سبيله، جال الأندلس، ومغرب العدوة، ورحل إلى المشرق، فاستوعب المشهور من إفريقيّة، ومصره، وشامه، وعراقه، وحجازه، وعاين الكثير ممّا ليس بالمغرب؛ وعاوض كثيرا فيه، كلّ ما أمكنه، بمن يشهد له بالفضل في معرفته، ولم يزل باحثا على حقائقه، كاشفا عن غوامضه، حتى وقف منه على ما لم يقف عليه غيره، ممّن تقدّم في الملّة الإسلامية، فصار واحد عصره فردا، لا يجاريه فيه أحد بإجماع من أهل ذلك الشأن. مذاهبه: كان «٢» سنّيّا ظاهريّ المذهب، منحيا على أهل الرأي، شديد التعصّب لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، على دين متين، وصلاح تامّ، وورع شديد؛ انتشرت عنه تصانيف أبي محمد بن حزم، واستنسخها «٣» ، وأظهرها، واعتنى بها، وأنفق عليها أموالا جمّة، حتى استوعبها جملة، حتى لم يشذّ له منها إلّا ما لا خطر، متقدما ومقتدرا على ذلك بجدّته ويساره، بعد أن تفقّه طويلا على أبي الحسن «٤» محمد بن أحمد بن زرقون في مذهب مالك.

стр. 117

مشيخته: البحر الذي لا نهاية له؛ روى «١» بالأندلس عن أبي إسحاق الدّمشقي «٢» ، وأبي عبد الله اليابري «٣» ، وأبي البركات بن داود «٤» ، وأبي بكر بن طلحة، وأبي عبد الله بن الحر، وابن العربي، وأبي علي الحافظ، وأبي زكريا بن مرزوق، وابن يوسف، وابن ميمون الشريشي، وأبي الحسن بن زرقون، وأبي ذرّ مصعب، وأبي العباس ابن سيّد الناس، وأبي القاسم البرّاق، وابن جمهور، وأبي محمد بن محمد بن الجنّان، وعبد المنعم بن فرس، وأبي الوليد بن عفير؛ قرأ عليهم وسمع. وكتب إليه مجيزا من أهل الأندلس والمغرب، أبو البقاء بن قديم، وأبو جعفر حكم الجفّار، وأبو الحسن الشّقوري، وأبو سليمان بن حوط الله، وأبو زكريا الدمشقي، وأبو عبد الله الأندرشي، وأبو القاسم بن سمجون، وأبو محمد الحجري. ومن أهل المشرق جملة، منهم أبو عبد الله الحمداني بن إسماعيل بن أبي صيف، وأبو الحسن الحويكر نزيل مكة. وتأدّى إليه أذن طائفة من البغداديين والعراقيين له في الرواية، منهم ظفر بن محمد، وعبد الرحمن بن المبارك، وعلي بن محمد اليزيدي، وفناخسرو فيروز بن سعيد، وابن سنيّة، ومحمد بن نصر الصّيدلاني، وابن تيميّة، وابن عبد الرحمن الفارسي، وابن الفضل المؤذّن، وابن عمر بن الفخّار، ومسعود بن محمد بن حسّان المنيغي، ومنصور بن عبد المنعم الصاعدي، وابن هوازن القشيري، وأبو الحسن النّيسابوري. وحجّ «٥» سنة اثنتي عشرة «٦» وستمائة، فأدّى الفريضة سنة ثلاث عشرة «٧» ، ولقّب بالمشرق بحب الدّين. وأقام في رحلته نحو ثلاثة أعوام، لقي فيها من الأعلام العلماء، أكابر جملة؛ فمنهم ببجاية أبو الحسن بن نصر «٨» ، وأبو محمد بن مكّي «٩» ؛ وبتونس أبو محمد المرجاني «١٠» ؛ وبالإسكندرية أبو الأصبغ بن عبد العزيز «١١» ، وأبو

стр. 118

الحسن بن جبير الأندلسي «١» ، وأبو الفضل بن جعفر بن أبي الحسن بن أبي البركات، وأبو محمد عبد الكريم الربعي، وأبو محمد العثماني أجاز له ولم يلقه، وبمصر أبو محمد بن سحنون الغماري ولم يلقه، وأبو الميمون بن هبة الله القرشي؛ وبمكة أبو علي الحسن بن محمد بن الحسين، وأبو الفتوح نصر بن أبي الفرج الحصري؛ وببغداد «٢» أحمد بن أبي السعادات، وأحمد بن أبي بكر؛ وابن أبي «٣» خط طلحة، وأبو نصر القرشي «٤» ، وإبراهيم بن أبي ياسر القطيعي، ورسلان «٥» المسدي، والأسعد بن بقاقا» ، وإسماعيل بن باركش الجوهري، وإسماعيل بن أبي البركات. وبرنامج مرويّاته وأشياخه، مشتمل على مئين «٧» عديدة، مرتبة أسماؤهم على البلاد العراقية وغيرها، لو تتبّعتها لاستبعدت الأوراق، وخرجت عمّا قصدت. قال القاضي أبو عبد الله المراكشي بعد الإتيان على ذلك «٨» : منتهى الثّقات أبو العباس النباتي، من التّقييد الذي قيّد، وعلى ما ذكره في فهارس له منوّعة، بين بسط، وتوسّط، واقتضاب، وقفت منها بخطّه، وبخطّ بعض أصحابه، والآخذين عنه. من أخذ عنه: حدّث ببغداد برواية واسعة، فأخذ عنه بها أبو عبد الله بن سعيد اللّوشي؛ وبمصر الحافظ أبو بكر القط، وبغيرها من البلاد أمّة وقفل برواية واسعة، وجلب كتبا غريبة. تصانيفه: له «٩» فيما ينتحله من هذين الفنّين تصانيف مفيدة، وتنبيهات نافعة، واستدراكات نبيلة بديعة «١٠» ، منها في الحديث ورجاله «١١» «المعلم بزوائد البخاري على مسلم» ، و «اختصار غريب «١٢» حديث مالك» للدّارقطني، و «نظم الدّراري فيما

стр. 119

تفرّد به مسلم عن البخاري» ، و «توهين طرق حديث الأربعين» ، و «حكم الدّعاء في أدبار الصّلوات» ، و «كيفية الأذان يوم الجمعة» ، و «اختصار الكامل في الضّعفاء والمتروكين» لأبي محمد بن عدي، و «الحافل في تذييل الكامل» ؛ و «أخبار محمد بن إسحاق» . ومنها في النبات «١» ، «شرح حشائش دياسقوريدوس وأدوية جالينوس» ، والتنبيه على أوهام ترجمتها «٢» ؛ و «التنبيه على أغلاط الغافقي «٣» » ، والرّحلة النّباتية والمستدركة، وهو الغريب الذي اختصّ به، إلّا أنه عدم عينه بعده، وكان معجزة في فنّه؛ إلى غير ذلك من المصنّفات الجامعة، والمقالات المفيدة المفردة، والتعاليق المنوّعة. مناقبه: قال ابن عبد الملك وابن الزّبير، وغيرهما «٤» : عني تلميذه، الآخذ به، الناقد، المحدّث، أبو محمد بن قاسم الحرّار، وتهمم بجمع أخباره، ونشر مآثره، وضمّن ذلك مجموعا حفيلا نبيلا. شعره: ذكره أبو الحسن بن سعيد في «القدح المعلّى» ، وقال «٥» : جوّال بالبلاد المشرقية «٦» والمغربية، جالسته بإشبيلية بعد عوده «٧» من رحلته، فرأيته متعلقا بالأدب، مرتاحا إليه ارتياح البحتري لحلب، وكان غير متظاهر بقول الشّعر، إلّا أن أصحابه يسمعون منه، ويروون عنه، وحملت عنه «٨» في بعض الأوقات، فقيّدت عنه هذه الأبيات: [البسيط] خيّم بجلّق «٩» بين الكأس والوتر ... في جنّة هي ملء السّمع والبصر ومتّع الطّرف في مرأى محاسنها ... تروض «١٠» فكرك بين الروض والزّهر وانظر إلى ذهبيّات الأصيل بها ... واسمع إلى نغمات الطّير في الشّجر «١١» وقل لمن لام في لذّاته بشرا ... دعني فإنّك عندي من سوى البشر

стр. 120

قال: وكثيرا «١» ما يطنب على دمشق، ويصف محاسنها، فما انفصل «٢» عني إلّا وقد امتلأ خاطري من شكلها، فأتمنّى أن أحلّ مواطنها، إلى أن أبلغ «٣» الأمل قبل المنون: [الوافر] ولو أني «٤» نظرت بألف عين ... لما استوفت محاسنها العيون دخوله غرناطة: دخلها غير ما مرّة لسماع الحديث، وتحقيق النبات؛ ونقر عن عيون النبات بجبالها، أحد خزائن الأدوية، ومظان الفوائد الغريبة، يجري ذلك في تواليفه بما لا يفتقر إلى شاهد. مولده: في محرم سنة إحدى وستين وخمسمائة. وفاته: توفي بإشبيلية عند مغيب الشفق من ليلة الاثنين مستهل ربيع الآخر سنة سبع وثلاثين وستمائة «٥» . وكان ممّا رثي، قال ابن الزّبير: ورثاه جماعة من تلامذته كأبي محمد الحرّار، وأبي أمية إسماعيل بن عفير، وأبي الأصبغ عبد العزيز الكبتوري «٦» وأبي بكر محمد بن محمد بن جابر السقطي، وأبي العباس بن سليمان؛ ذكر جميعهم الحرار المذكور في كتاب ألّفه في فضائل الشيخ أبي العباس، ﵀. أحمد بن عبد الملك بن سعيد بن خلف بن سعيد بن خلف ابن سعيد بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن الحسن ابن عثمان بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن عمّار بن ياسر صاحب رسول الله، ﷺ «٧» أوّليّته: بيت بني سعيد العنسي، بيت مشهور في الأندلس بقلعة يحصب، نزلها جدّهم الأعلى، عبد الله بن سعيد بن عمّار بن ياسر؛ وكان له حظوة

стр. 121

لمكانه من اليمانيّة بقرطبة؛ وداره بقرب قنطرتها، كانت معروفة؛ وهو بيت القيادة والوزارة، والقضاء، والكتابة، والعمل، وفيما يأتي، وما مرّ كفاية من التنبيه عليه. حاله: قال الملّاحي: كان من جلّة الطلبة، ونبهائهم؛ وله حظّ بارع من الأدب، وكتابة مفيدة، وشعر مدوّن. قال أبو الحسن بن سعيد في كتابه المسمّى ب «الطالع» «١» : نشأ محبّا في الأدب، حافظا للشعر، وذاكرا لنظم الشريف الرّضي، ومهيار، وابن خفاجة، وابن الزّقاق، فرقّت طباعه، وكثر اختراعه وإبداعه؛ ونشأت معه حفصة بنت الحاجّ الرّكوني؛ أديبة زمانها، وشاعرة أوانها، فاشتدّ بها غرامه، وطال حبّه وهيامه؛ وكانت بينهما منادمات ومغازلات أربت على ما كان بين علوة وأبي عبادة؛ يمرّ من ذلك إلمام في شعر حفصة، إن شاء الله. نباهته وحظوته: ولمّا وفدت الأندلس، على صاحب أمر الموحّدين في ذلك الأوان، وهو محتلّ بجبل الفتح «٢» ، واحتفل شعراؤها في القصائد، وخطباؤها في الخطب بين يديه، كان في وفد غرناطة، أبو جعفر هذا المترجم به، وهو حدث السنّ في جملة أبيه وإخوته وقومه، فدخل معهم على الخليفة، وأنشده قصيدة؛ قال أبو الحسن بن سعيد، كتبت منها من خط والده قوله «٣» : [الطويل] تكلّم فقد أصغى إلى قولك الدّهر ... وما لسواك اليوم «٤» نهي ولا أمر ورم كلّ ما قد شئته فهو كائن ... وحاول فلا برّ يفوت ولا بحر وحسبك هذا البحر فألا «٥» فإنه ... يقبّل تربا داسه جيشك الغمر «٦» وما صوته «٧» إلّا سلام مردّد ... عليك وعن بشر بقربك يفتر «٨» بجيش لكي يلقى أمامك من غدا ... يعاند أمرا لا يقوم له أمر

стр. 122

أطلّ «١» على أرض الجزيرة سعدها ... وجدّد فيها ذلك الخبر الخبر «٢» فما طارق إلّا لذلك مطرق ... ولا ابن نصير لم يكن ذلك النّصر هما مهّداها كي تحلّ بأفقها ... كما حلّ عند التّمّ بالهالة البدر قال: فلمّا أتمّها أثنى عليه الخليفة، وقال لعبد الملك أبيه: أيّهما خير عندك في ابنيك؛ فقال يا سيّدنا: محمد دخل إليكم مع أبطال الأندلس وقوّادها، وهذ مع الشعر، فانظروا ما يجب أن يكون خيرا عندي، فقال الخليفة: كلّ ميسّر لما خلق له، وإذا كان الإنسان متقدّما في صناعة فلا يؤسف عليه، إنما يؤسف على متأخّر القدر، محروم الحظ. ثم أنشد فحول الشعراء والأكابر. ثم لمّا ولّي غرناطة ولده السيد أبو سعيد، استوزر أبا جعفر المذكور، واتصلت حظوته إلى أن كان ما يذكر من نكبته. محنته: قال قريبه وغيره: فسد ما ببنه وبين السيد أبي سعيد لأجل حفصة الشاعرة، إذ كانت محلّ هواه، ثم اتصلت بالسيّد، وكان له بها علاقة، فكان كلّ منهما على مثل الرّضف «٣» للآخر، ووجد حسّاده السبيل، إلى إغراء السيّد به، فكان مما نمي به عنه، أن قال لحفصة يوما: وما هذا الغرام الشديد به، يعني السيد، وكان شديد الأدمة «٤» ، وأنا أقدر أن أشتري لك من المعرض أسودا خيرا منه بعشرين دينارا؛ فجعل السيد يتوسّد له المهالك، وأبو جعفر يتحفّظ كل التحفّظ. وفي حالته تلك يقول: [الكامل] من يشتري مني الحياة وطيبها ... ووزارتي وتأدّبي وتهذّبي بمحلّ راع في ذرى ملمومة ... زويت عن الدنيا بأقصى مرتب لا حكم يأخذه بها إلّا لمن ... يعفو ويرؤف دائما بالمذنب فلقد سئمت من الحياة مع امرئ ... متغضّب متغلّب مترتّب الموت يلحظني إذا لا حظته ... ويقوم في فكري أوان تجنّبي لا أهتدي مع طول ما حاولته ... لرضاه في الدنيا ولا للمهرب

стр. 123

وأخذ في أمره مع أبيه وإخوته، وفتنة ابن مردنيش «١» مضطربة؛ فقال له أخوه محمد وأبوه: إن حركنا حركة كنا سببا لهلاك هذا البيت، ما بقيت دولة هؤلاء القوم، والصبر عاقبته حميدة، وقد كنّا ننهاك عن الممارجة «٢» ، فلم تركب إلّا هواك؛ وأخذ مع أخيه عبد الرحمن، واتفقا على أن يثورا في القلعة باسم ابن مردنيش، وساعدهما قريبهما على ذلك حاتم بن حاتم بن سعيد، وخاطبوا ابن مردنيش، وصدر لهم جوابه بالمبادرة، ووصلت منه خيل ضاربة، وتهيّأ لدخول القلعة؛ وتهيّأ الحصول في القلعة، وخافوا من ظهور الأمر؛ فبادر حاتم وعبد الرحمن إلى القلعة، وتمّ لهما المراد؛ وأخّر الجبن أبا جعفر ففاتاه، وتوقّع الطلب في الطريق إلى القلعة، فصار متخفّيا إلى مالقة، ليركب منها البحر إلى جهة ابن مردنيش؛ ووضع السيّد عليه العيون في كل جهة، فقبض عليه بمالقة، وطولع بأمره فأمر بقتله صبرا، ﵀. جزالته وصبره: قال أبو الحسن بن سعيد: حدّثني الحسين بن دويرة، قال: كنت بمالقة لمّا قبض على أبي جعفر، وتوصّلت إلى الاجتماع به، ريثما استؤذن السيد في أمره حين حبس، فدمعت عيني لما رأيته مكبولا؛ قال: أعليّ تبكي بعد ما بلغت من الدنيا أطايب لذّاتها؟ فأكلت صدور الدجاج، وشربت في الزّجاج، وركبت كل هملاج «٣» ، ونمت في الديباج، وتمتعت بالسّراري والأزواج، واستعملت من الشمع السّراج الوهّاج، وهأنا في يد الحجّاج، منتظرا محنة الحلّاج؛ قادم على غافر، لا يحوج إلى اعتذار ولا احتجاج. فقلت: ألا أبكي على من ينطق بمثل هذا؟ ثم تفقّد، فقمت عنه، فما رأيته إلّا مصلوبا، ﵀. شعره «٤» : [الطويل] أتاني كتاب منك يحسده الدّهر ... أما حبره ليل، أما طرسه فجر؟ به جمع الله الأمانيّ لناظري ... وسمعي وفكري فهو سحر ولا سحر ولا غرو أن أبدى العجائب ربّه ... وفي ثوبه برّ، وفي كفّه بحر ولا عجب إن أينع الزّهر طيّه ... فما زال صوب القطر يبدو به الزّهر

стр. 124

ومن شعره ما يجري مجرى المرقص، وقد حضر مع الرّصافي والكتندي ومعهم مغنّ بروطة «١» : [مجزوء الكامل] لله يوم مسرّة ... أضوى وأقصر من ذباله لما نصبنا للمنى ... فيه من أوتار حباله ظل «٢» النهار بها كمر ... تاع، وأجفلت الغزاله وشعره مدوّن كما قلنا، وهذا القدر عنوان على نبله. غريبة في أمره مع حفصة قال حاتم بن سعيد: وكان قد أجرى الله على لسانه، إذا حرّكت الكأس بها غرامه، أن يقول: والله لا يقتلني أحد سواك؛ وكان يعني بالحبّ، والقدر موكل بالمنطق، قد فرغ من قتله بغيره من أجلها. قال: ولمّا بلغ حفصة قتله لبست الحداد، وجهرت بالحزن، فتوعّدت بالقتل، فقالت في ذلك: [الخفيف] هدّدوني من أجل لبس الحداد ... لحبيب أردوه لي بالحداد رحم الله من يجود بدمع ... أو ينوح على قتيل الأعادي وسقته بمثل جود يديه ... حيث أضحى من البلاد الغوادي ولم ينتفع بعد بها، ثم لحقت به بعد قليل. وفاته: توفي على حسب ما ذكر، في جمادى الأولى من سنة تسع وخمسين وخمسمائة. أحمد بن سليمان بن أحمد بن محمد بن أحمد القرشي، المعروف بابن فركون «٣» يكنى أبا جعفر. أوّليّته: قد مرّ ذلك في اسم جدّه قاضي الجماعة «٤» ، وسيأتي في اسم والده.

стр. 125

حاله: شعلة من شعل الذكاء والإدراك، ومجموع خلال حميدة على الحداثة، طالب نبيل، مدرك، نجيب، بذّ أقرانه كفاية، وسما إلى المراتب، فقرأ، وأعرب، وتمر «١» ، وتدرّب، واستجاز له والده شيوخ بلده فمن دونهم، ونظم الشعر، وقيّد كثيرا، وسبق أهل زمانه في حسن الخط سبقا أفرده بالغاية القصوى؛ فيراعه اليوم المشار إليه بالظّرف والإتقان، والحوا، والإسراح؛ اقتضى ذلك كله ارتقاؤه إلى الكتابة السلطانية. ومزية الشّفوف بها، بالخلع والاستعمال؛ واختصّ بي، وتأدب بما انفرد به من أشياخ تواليفي، فآثرته بفوائد جمّة، وبطن حوضه من تحلّمه، وترشّح إلى الاستيلاء على الغاية. شعره: أنشد له بين يدي السلطان في الميلاد الكريم: [الكامل] حيّ المعاهد بالكثيب وجادها ... غيث يروي حيّها وجمادها مولده: في ربيع الآخر من عام سبعة وأربعين وسبعمائة. أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن صفوان من أهل مالقة؛ يكنى أبا جعفر، ويعرف بابن صفوان «٢» . حاله: بقيّة الأعلام، أديب من أدباء هذا القطر، وصدر من صدور كتّابه، ومشيخة طلبته، ناظم، ناثر، عارف، ثاقب الذهن، قويّ الإدراك، أصيل النظر، إمام الفرائض والحساب والأدب والتّوثيق، ذاكر للتاريخ واللغة، مشارك في الفلسفة والتصوّف، كلف بالعلوم الإلهية، آية الله في فكّ المعمّى، لا يجاريه في ذلك أحد ممّن تقدّمه، شأنه عجب، يفكّ من المعمّيات والمستنبطات، مفصولا وغير مفصول؛ شديد التعصّب لذي ودّ، وبالعكس، تامّ الرّجولة، قليل التّهيّب، مقتحم حمى أهل الجاه والحمد والمضايقة، إذا دعاه لذلك داع حبل نقده على غاربه، راض بالخمول، متبلّغ بما تيسّر، كثير الدؤوب والنظر، والتقييد والتصنيف، على كلال الجوارح، وعائق الكبرة «٣» ، متقارب نمطي الشعر والكتابة، مجيد فيهما، ولنظمه شفوف على نثره. مشيخته: قرأ على الأستاذ أبي محمد الباهلي، أستاذ الجملة من أهل بلده، ومولى النّعمة عليهم، لازمه وانتفع به؛ ورحل إلى العدوة، فلقي جملة، كالقاضي

стр. 126

المؤرّخ أبي عبد الله بن عبد الملك، والأستاذ التعالمي أبي العباس بن البنّاء «١» ، وقرأ عليهم بمرّاكش. نباهته: استدعاه السلطان، ثاني الملوك من بني نصر «٢» ، إلى الكتابة عنه مع الجلّة، ببابه، وقد نما عشّه، وعلا كعبه، واشتهر ذكاؤه وإدراكه. ثم جنح إلى العودة لبلده. ولمّا ولّي الملك السلطان أبو الوليد، ودعاه إلى نفسه، ببلده مالقة، استكتبه رئيسا مستحقّا، إذ لم يكن ببلده. فأقام به واقتصر على كتب الشروط، معروف القدر، بمكان من القضاة ورعيهم، صدرا في مجالس الشّورى؛ وإلى الآن يجعل إلى زيارة غرناطة، حظّا من فصول بعض السنين، فينصب بها العدالة، ثم يعود إلى بلده في الفصل الذي لا يصلح لذلك. وهو الآن بقيد الحياة، قد علقته أشراك الهرم، وفيه بعد مستمتع، بديع، كبير. تصانيفه: من تواليفه، «مطلع الأنوار الإلهية» ؛ و «بغية المستفيد» ؛ و «شرح كتاب القرشي في الفرائض» ، لا نظير له. وأما تقاييده على أقوال يعترضها، وموضوعات ينتقدها، فكثيرة. شعره: قال في غرض التّصوّف: وبلغني أنه نظمها بإشارة من الخطيب، وليّ الله، أبي عبد الله الطّنجالي، كلف بها القوّالون والمسمّعون بين يديه «٣» : [الكامل] بان الحميم فما الحمى والبان ... بشفاء من عنه الأحبّة بانوا لم ينقضوا عهدا بينهم ولا ... أنساهم ميثاقك الحدثان لكن جنحت لغيرهم فأزالهم ... عن أنسهم بك موحش غيران لو صحّ حبّك ما فقدتهم ولا ... سارت بهم عن حبّك الأظعان تشتاقهم، وحشاك هالة بدرهم ... والسّرّ منك لخلّهم «٤» ميدان ما هكذا أحوال أرباب الهوى ... نسخ الغرام بقلبك السّلوان لا يشتكي ألم البعاد متيّم ... أحبابه في قلبه سكّان ما عندهم إلّا الكمال وإنما ... غطّى على مرآتك «٥» النّقصان

стр. 127

شغلتك بالأغيار عنهم مقلة ... إنسانها عن لمحهم وسنان غمّض جفونك عن سواهم معرضا ... إنّ الصّوارم حجبها الأجفان واصرف إليهم لحظ فكرك شاخصا ... ترهم «١» بقلبك حيث «٢» كنت وكانوا ما بان «٣» عن مغناك من ألطافه ... يهمي عليها سحابها الهتّان وجياد أنعمه ببابك ترتمي ... تسري إليك بركبها الأكوان جعلوا دليلا فيك «٤» منك عليهم ... فبدا على تقصيرك البرهان يا لا محا سرّ الوجود بعينه ... السّرّ فيك بأسره والشّان ارجع لذاتك إن أردت تنزّها ... فيها لعيني ذي الحجا بستان هي روضة مطلولة بل جنّة ... فيها المنى والرّوح والرّيحان كم حكمة صارت تلوح لناظر ... حارت لباهر صنعها الأذهان حجبت بشمسك «٥» عن عيانك شمسها ... شمس محاسن ذكرها التّبيان «٦» لولاك ما خفيت عليك آياتها «٧» ... والجوّ من أنوارها ملآن أنت الحجاب لما تؤمّل منهم ... ففناؤك الأقصى لهم وجدان فاخرج إليهم عنك مفتقرا لهم ... إنّ الملوك بالافتقار تدان واخضع لعزّهم ولذ بهم «٨» يلح ... منهم عليك تعطّف «٩» وحنان هم رشّحوك إلى الوصول إليهم ... وهم على طلب الوصال عوان «١٠» عطفوا جمالهم على أجمالهم ... فحلى «١١» المشوق الحسن والإحسان يا ملبسين عبيدهم حلل الضّنى ... جسمي بما تكسونه يزدان لا سخط عندي للذي ترضونه ... قلبي بذاك مفرح «١٢» جذلان فبقربكم عين الغنا وببعدكم ... محض الفنا ومحبّكم ولهان «١٣»

стр. 128

إني كتمت عن الأنام هواكم ... حتى دهيت وخانني الكتمان ووشت بحالي عند ذاك «١» مدامع ... أدنى مواقع قطرها طوفان وبدت عليّ شمائل عذريّة ... تقضي بأني فيكم هيمان فإذا نطقت فذكركم لي منطق ... ما عن «٢» سواكم للّسان بيان وإذا صمتّ فأنتم سرّي الذي ... بين الجوانح في الفؤاد يصان فبباطني وبظاهري لكم هوى ... من جنده الإسرار والإعلان وجوانحي «٣» وجميع أنفاسي وما ... أحوي، عليّ لحبّكم أعوان وإليكم مني المفرّ فقصدكم ... حرم به للخائفين أمان وقال يذمّ الدنيا ويمدح عقبى من يقلّل منها: [الطويل] حديث الأمان في الحياة شجون ... إن ارضاك شأن أحفظتك شؤون يميل إليها جاهل بغرورها ... فمنه اشتياق نحوها وأنين وذو الحزم ينبو عن حجاه فحالها ... يقيه إذا شكّ عراه يقين إليك صريع الأمن سنحة ناصح ... على نصحه سيما الشّفيق تبين تجاف عن الدّنيا ودن باطّراحها ... فمركبها بالمطمعين حرون وترفيعها خفض وتنعيمها أذى ... ومنهلها للواردين أجون إذا عاهدت خانت وإن هي أقسمت ... فلا ترج برّا باليمين يمين يروقك منها مطمع من وفائها ... وسرعان ما إثر الوفاء تخون وتمنحك الإقبال كفّة حابل ... ومن مكرها في طيّ ذاك كمين سقاه، لعمر الله، إمحاضك الهوى ... لمن أنت بالبغضاء فيه قمين «٤» ومن تصطفيه وهو يقطعك القلا ... وتهدى له الإعزاز وهو يهين ألا إنّها الدنيا فلا تغترر بها ... ولود الدّواهي بالخداع تدين يعمّ رداها الغرّ والخبّ ذا الدّها ... ويلحق فيها بالكناس عرين وتشمل بلواها نبيلا وخاملا ... ويلقى مذال غدرها ومصون أبنها، لحاها الله، كم فتنة لها ... تعلّم صمّ الصّخر كيف يلين

стр. 129

فلا ملك سام أقالت عثاره ... ولو أنه للفرقدين خدين ولا معهد إلّا وقد نبهت به ... بعيد الكرى للثّاكلات جفون أبيت لنفسي أن يدنّسها الكرى ... سكون إليها موبق وركون فليس قرير العين فيها سوى امرئ ... قلاه لها رأي يراه ودين أبيت طلاق الحرص فالزّهد دائبا ... خليل له مستصحب وقرين إذا أقبلت لم يولها بشر شيّق ... ولا خفّ للإقبال منه رزين وإن أدبرت لم يلتفت نحوها بها ... وأدّ «١» على ما لم توات حزين خفيف المطا من حمل أثقال همّها ... إذا ما شكت ثقل الهموم متون على حفظه للفقر أبهى ملاءة ... سنا حليها وسط الزريّ يدين برجف تخال الخائفين منازل ... لهنّ مكان حيث حلّ مكين منازل نجد عندها وتهامة ... سوى واستوى هند لديه وصين يرود رياضا أين سار وورده ... زلال اعتاض الورود معين فهذا أثيل الملك لا ملك ثائر ... لأعدائه حرب عليه زبون وهذا عريض العزّ لا عزّ مترف ... له من مشيدات القصور سجون حوت شخصه أوصافها فكأنّه ... وإن لم يمت فوق التّراب دفين فيا خابطا عشواء والصّبح قد بدا ... إلام تغطّي ناظريك دجون؟ أفق من كرى هذا التّعامي ولا تضع ... بجهلك علق العمر فهو ثمين إذا كان عقبى ذي جدّة إلى بلى ... وقصارى ذي الحياة منون ففيم التفاني والتنافس ضلّة؟ ... وفيم التّلاحي والخصام يكون؟ إلى الله أشكوها نفوسا عميّة ... عن الرّشد والحقّ اليقين تبين وأسأله الرّجعى إلى أمره الذي ... بتوفيقه حبل الرّجاء متين فلا خير إلّا من لدنه وجوده ... لتيسير أسباب النّجاة ضمين وجمعت «٢» ديوان شعره أيّام مقامي بمالقة عند توجّهي صحبة الرّكاب السلطاني إلى إصراخ الخضراء عام أربعة وأربعين وسبعمائة؛ وقدّمت صدره خطبة، وسمّيت الجزء ب «الدّرر الفاخرة، واللّجج الزاخرة» ، وطلبت منه أن يجيزني، وولدي عبد الله، رواية ذلك عنه، فكتب بخطّه الرائق بظهر المجموع ما نصّه:

стр. 130

«الحمد لله مستحقّ الحمد؛ أجبت سؤال الفقيه، الأجلّ، الأفضل، السّري، الماجد، الأوحد، الأحفل، الأديب البارع، الطّالع في أفق المعرفة والنّباهة، والرّفعة المكينة والوجاهة، بأبهى المطالع، المصنّف، الحافظ، العلّامة، الحائز في فنّي النظم والنثر، وأسلوبي الكتابة والشّعر، رتبة الرياسة «١» ؛ الحامل لراية التقدّم والإمامة؛ محلّي جيد العصر بتواليفه «٢» الباهرة الرّواء؛ ومجلّي محاسن بنيه، الرائقة على منصّة الإشهاد «٣» والأنباء؛ أبي عبد الله بن الخطيب، وصل الله سعادته ومجادته «٤» ؛ وسنى من الخير الأوفر، والصّنع الجميل «٥» الأبهر، مقصده وإرادته؛ وبلّغه في نجله الأسعد، وابنه الراقي بمحتده الفاضل، ومنشئه الأطهر، محلّ الفرقد، أفضل ما يؤمّل نحلته إياه في «٦» المكرمات وإفادته؛ وأجزت له ولابنه عبد الله المذكور، أبقاهما الله تعالى، في عزّة سنيّة الخلال، وعافية ممتدّة الأفياء، وارفة الظّلال؛ رواية جميع ما تقيّد في الأوراق، المكتتب على ظهر أوّل ورقة منها، من نظمي ونثري؛ وما تولّيت إنشاءه، واعتمدت بالارتحال «٧» والرواية، اختياره وانتقاءه، أيام عمري؛ وجميع ما لي من تصنيف وتقييد، ومقطوعة وقصيد «٨» ، وجميع ما أحمله عن أشياخي ﵃، من العلوم، وفنون المنثور والمنظوم؛ بأيّ وجه تأدّى «٩» إليّ، وصحّ حملي له، وثبت إسناده لديّ «١٠» إجازة تامّة، في ذلك كله عامّة، على سنن الإجازات الشّرعية «١١» ، وشرطها المأثور عند أهل الحديث المرعيّ، والله ينفعني وإيّاهما بالعلم وحمله، وينظمنا جميعا في سلك حزبه المفلحين «١٢» وأهله، ويفيض علينا من أنوار بركته وفضله. قال ذلك وكتبه بخطّ يده الفانية، العبد الفقير إلى الغني «١٣» به، أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن صفوان، ختم الله له بخير؛ حامدا لله تعالى، ومصلّيا ومسلما على محمد نبيّه المصطفى الكريم، وعلى آله الطاهرين ذوي المنصب العظيم، وصحبه «١٤» البررة، أولي «١٥» المنصب والأثرة والتقديم؛ في سادس ربيع الآخر عام أربعة وأربعين وسبعمائة، وحسبنا الله ونعم الوكيل» .

стр. 131

واشتمل هذا الجزء الذي أذن بحمله عنه من شعره على جملة من المطوّلات، منها قصيدة يعارض بها الرئيس أبا عليّ بن سينا في قصيدته الشهيرة في النّفس التي مطلعها: «هبطت إليك من المحلّ الأرفع» ، أولها: «أهلا بمسراك المحب الموضع» . وأول قصيدة: [الطويل] لمعناك في الأفهام سرّ مكتّم ... عليه نفوس العارفين تحوم وأول أخرى: [الكامل] أزهى حجابك رؤية الأغيار ... فامح الدّجى بأشعّة الأنوار وأول أخرى: [الطويل] ثناء وجودي في هواكم هو الخلد ... ومحو رسومي حسن ذاتي به يبدو ومطلع أخرى: [الطويل] ألا في الهوى بالذّلّ ترعى الوسائل ... ودمعي «١» أنادي مجيب وسائل ومطلع أخرى: [الطويل] هم القصد جادوا بالرّضى أو تمنّعوا ... صلوا اللوم فيما أودعوا القلب أودعوا ومن أخرى: [البسيط] سقى زمان «٢» الرّضا هام من السّحب ... إلهي «٣» العود من أثوابه القشب ومن أخرى: [الكامل] يا فوز نفسي في هواك هواؤها ... رقّت معانيها وراق مناؤها ومن أخرى: [الكامل] أمّا الغرام فبالفؤاد غريم ... هيهات منّي ما العذول يروم ومن شعره في المقطوعات قوله «٤» : [الكامل] رشق «٥» العذار لجينه بنباله ... فغدا يدور «٦» على المحبّ الواله

стр. 132

خطّ العذار بصفحتيه لامه ... خطّا توعّده بمحو جماله فحسبت أنّ جماله شمس الضّحى ... حسنا وذاك الخطّ خطّ زواله فدنا «١» إليّ تعجّبا وأجابني ... والرّوع يبدو من خلال مقاله إنّ الجمال اللام آخره «٢» فعج ... عن رسمه واندب على أطلاله ومن أبياته في التّورية بالفنون قوله «٣» : [الوافر] كففت عن الوصال طويل شوقي ... إليك وأنت للرّوح الخليل وكفّك للطويل «٤» فدتك نفسي ... قبيح ليس يرضاه الخليل وقال في التّورية بالعروض «٥» : [الكامل] يا كاملا شوقي إليه وافر ... وبسيط خدّي في هواه عزيز عاملت أسبابي لديك «٦» بقطعها «٧» ... والقطع في الأسباب ليس يجوز وقال في التّورية بالعربية «٨» : [الوافر] أيا قمرا مطالعه جناني ... وغرّته توارى «٩» عن عياني «١٠» أأصرف في هواك عن اقتراحي «١١» ... وسهدي وانتحابي علّتان؟ وقال أيضا: [الرجز] لا تصحبن يا صاحبي غير الوفي ... كلّ امرئ عنوانه من يصطفي كم من خليل بشره زهر الرّبى ... وطيّ ذاك البشر حدّ المرهف ظاهره يريك سرّ من رأى ... وأنت من إعراضه في أسف ووقعت بينه وبين قاضي بلده أبي عمرو بن المنظور مقاطعة، انبرى بها إلى مطالبته بما دعاه إلى التحوّل مضطرّا إلى غرناطة، وأخذ بكظمه، وطوّقه الموت

стр. 133

في أثناء القطيعة، فقال في ذلك متشفّيا، وهو من نبيه كلامه، وكلّه نبيه: [الطويل] تردّى ابن منظور وحمّ حماه ... وأسلمه حام له ونصير تبرّأ منه أولياء غروره ... ولم يقه بأس المنون ظهير وأودع بعد الأنس موحش بلقع ... فحيّاه فيه منكر ونكير ولا رشوة يدلي القبول رشادها ... فينسخ بالسّير المريح عسير ولا شاهد يغضي له عن شهادة ... تخلّلها إفك يصاغ وزور ولا خدعة تجدي ولا مكر نافع ... ولا غشّ مطويّ عليه ضمير ولكنه حقّ يصول وباطل ... يحول ومثوى جنّة وسعير وقالوا قضاء الموت حتم على الورى ... يدير صغير كأسه وكبير فلا تنتسم ريح ارتياح لفقده ... فإنّك عن قصد السّبيل تحور فقلت بلى حكم المنيّة شامل ... وكلّ إلى ربّ العباد يصير ولكن تقدّم الأعادي إلى الرّدى ... نشاط يعود القلب منه سرور وأمن ينام المرء في برد ظلّه ... ولا حيّة للحقد ثمّ تثور وحسبي بيت قاله شاعر مضى ... غدا مثلا في العالمين يسير وإنّ بقاء المرء بعد عدوّه ... ولو ساعة من عمره لكثير مولده: قال بعض شيوخنا: سألته عن مولده فقال لي: في آخر خمسة وتسعين وستمائة، أظنّ في ذي قعدة منه الشكّ. وفاته: بمالقة في آخر جمادى الثانية من عام ثلاثة وستين وسبعمائة. أحمد بن أيوب اللّمائي «١» من أهل مالقة، يكنى أبا جعفر.

стр. 134

حاله: قال صاحب الذّيل «١» : كان أديبا ماهرا، وشاعرا «٢» جليلا، وكاتبا نبيلا «٣» . كتب عن أوّل الخلفاء الهاشميين بالأندلس، علي «٤» بن حمّود، ثم عن غيره من أهل بيته؛ وتولّى تدبير أمرهم «٥» ، فحاز لذلك صيتا شهيرا، وجلالة عظيمة. وذكره ابن بسّام في كتاب «الذّخيرة» ، فقال «٦» : كان أبو جعفر هذا في «٧» وقته أحد أئمة الكتّاب، وشهب الآداب «٨» ، ممّن سخّرت له فنون البيان، تسخير الجنّ لسليمان، وتصرّف في محاسن الكلام، تصرّف الرياح بالغمام، طلع من ثناياه، واقتعد مطاياه؛ وله إنشاءات سريّة، في الدولة الحمّودية، إذ كان علم أدبائها، والمضطلع بأعبائها، إلّا أني لم أجد عند تحريري هذه النّسخة، من كلامه، إلّا بعض فصول له «٩» من منثور، وهي ثماد من بحور. فصل: من «١٠» رقعة خاطب بها أبا جعفر بن العباس: «غصن ذكرك عندي ناضر، وروض شكرك لديّ عاطر، وريح إخلاصي لك صبا، وزمان «١١» آمالي فيك صبا، فأنا شارب ماء إخائك، متفيّئ ظلّ «١٢» وفائك؛ جان منك ثمرة فرع طاب أكله، وأجناني البرّ قديما أصله، وسقاني إكراما برقه، وروّاني إفضالا ودقه؛ وأنت الطّالع في فجاجه، السّالك لمنهاجه؛ سهم في كنانة الفضل صائب، وكوكب في سماء المجد ثاقب، إن أتبعت الأعداء نوره أحرق، وإن رميتهم به أصاب الحدق؛ وعلى الحقيقة فلساني يقصر عن جميل أسرّه «١٣» ، ووصف ودّ أضمره» .

стр. 135

شعره: قال، ومما وجد بخطه لنفسه «١» : [الكامل] طلعت طلائع «٢» للربيع فأطلعت ... في الرّوض وردا قبل حين أوانه حيّا أمير المسلمين «٣» مبشّرا ... ومؤمّلا للنّيل من إحسانه ضنّت سحائبه عليه بمائها «٤» ... فأتاه يستسقيه ماء بنانه دامت لنا أيّامه موصولة ... بالعزّ والتّمكين في سلطانه قال: وأنشدني الأديب أبو بكر بن معن، قال: أنشدني أبو الربيع بن العريف لجدّه الكاتب أبي جعفر اللمائي، وامتحن بداء النّسمة من أمراض الصّدر، وأزمن به، نفعه الله، وأعياه علاجه، بعد أن لم يدع فيه غاية، وفي ذلك يقول «٥» : [الكامل] لم يبق من شيء أعالجها به «٦» ... طمع الحياة، وأين من لا يطمع؟ «وإذا المنيّة أنشبت أظفارها ... ألفيت كلّ تميمة لا تنفع» «٧» ودخل عليه بعض أصحابه فيها، وجعل يروّح عليه فقال له بديهة «٨» : [المنسرح] روّحني عائدي فقلت له: مه «٩» ... ، لا تزدني على الذي أجد أما ترى النار وهي خامدة ... عند هبوب الرياح تتّقد؟ ودخل غرناطة غير ما مرة، منها متردّدا بين أملاكه، وبين من بها من ملوك صنهاجة؛ قالوا: ولم تفارقه تلك الشّكاية حتى كانت سبب وفاته. وفاته: بمالقة عام خمسة وستين وأربعمائة. ونقل منها إلى حصن الورد، وهو عند حصن منت ميور إذ كان قد حصّنه، واتّخذه لنفسه ملجأ عند شدّته، فدفن به،

стр. 136

بعهد منه بذلك، وأمر أن يكتب على قبره بهذه الأبيات «١» : [الطويل] بنيت ولم «٢» أسكن وحصّنت جاهدا ... فلمّا أتى المقدور صيّره «٣» قبري ولم يك «٤» حظّي غير ما أنت مبصر ... بعينك ما بين الذّراع إلى الشّبر فيا زائرا قبري أوصّيك جاهدا ... عليك بتقوى الله في السّرّ والجهر فلا «٥» تحسنن بالدّهر ظنّا فإنما ... من الحزم ألّا يستنام «٦» إلى الدهر أحمد بن محمد بن طلحة «٧» من أهل جزيرة شقر، يكنى أبا جعفر، ويعرف بابن جدّه طلحة. حاله: قال صاحب «القدح المعلّى» «٨» : من بيت مشهور بجزيرة شقر من عمل بلنسية، كتب عن ولاة الأمر «٩» من بني عبد المؤمن، ثم استكتبه ابن هود «١٠» ، حين تغلّب على الأندلس، وربما استوزره «١١» ، وهو ممّن كان والدي يكثر مجالسته، وبينهما مزاورة، ولم أستفد منه إلّا ما كنت أحفظه من «١٢» مجالسته. شعره: قال «١٣» : سمعته يوما «١٤» يقول، تقيمون القيامة بحبيب «١٥» ، والبحتري، والمتنبي، وفي عصركم من يهتدي إلى ما لم يهتد إليه المتقدّمون ولا المتأخّرون،

стр. 137

فانبرى إليه «١» شخص له همّة «٢» وإقدام، فقال «٣» : يا أبا جعفر، أين «٤» برهان ذلك، فما أظنك تعني إلّا نفسك «٥» ، فقال «٦» : ما أعني إلّا نفسي، ولم لا، وأنا الذي أقول «٧» : [السريع] يا هل ترى أظرف «٨» من يومنا ... قلّد جيد الأفق طوق العقيق وأنطق الورق بعيدانها ... مطربة «٩» كلّ قضيب وريق والشّمس لا تشرب خمر النّدى ... في الرّوض إلّا بكؤوس «١٠» الشّقيق فلم ينصفوه في الاستحسان، وردّوه في الغيظ «١١» كما كان، فقلت له: يا سيدي، هذا والله «١٢» السّحر الحلال، وما سمعت من شعراء عصرنا مثله، فبالله إلّا ما لازمتني وزدتني من هذا النمط، فقال لي: لله درّك، ودرّ أبيك من منصف ابن منصف. اسمع، وافتح أذنيك. ثم أنشد «١٣» : [الوافر] أدرها فالسماء بدت عروسا ... مضمّخة الملابس بالغوالي وخدّ الأرض «١٤» خفّره «١٥» أصيل ... وجفن «١٦» النّهر كحّل بالظّلال وجيد الغصن يشرف «١٧» في لآل ... تضيء بهنّ أكناف اللّيالي فقلت: بالله أعد وزد، فأعاد والارتياح قد ملأ «١٨» عطفه، والتّيه قد رفع أنفه،

стр. 138

ثم قال «١» : [السريع] لله نهر عندما زرته ... عاين طرفي منه سحرا حلال إذ «٢» أصبح الطّلّ به ليلة ... وجال «٣» فيه «٤» الغصن مثل «٥» الخيال فقلت: ما على هذا مزيد في الاستحسان «٦» ، فعسى أن يكون المزيد في الإنشاد، فزاد ارتياحه وأنشد «٧» : [الوافر] ولمّا ماج بحر الليل بيني ... وبينكم وقد جدّدت ذكرا أراد لقاءكم «٨» إنسان عيني ... فمدّ له المنام عليه جسرا فقلت «٩» : إيه زادك الله إحسانا، فزاد «١٠» : [الوافر] ولمّا أن رأى إنسان عيني ... بصحن الخدّ منه غريق ماء أقام له العذار عليه جسرا ... كما مدّ الظلام على الضّياء فقلت: فما تكرّر «١١» ويطول، فإنه مملول، إلّا ما أوردته آنفا، فإنه كنسيم الحياة، وما إن يملّ، فبالله إلّا ما زدتني «١٢» ، وتفضّلت عليّ بالإعادة، فأعاد وأنشد: [الكامل] هات المدام إذا رأيت شبيهها ... في الأفق يا فردا بغير شبيه فالصّبح قد ذبح الظلام بنصله ... فغدت حمائمه تخاصم فيه «١٣» دخوله غرناطة: دخلها مع مخدومه المتوكل على الله ابن هود وفي جملته، إذ كان يصحبه في حركاته، ويباشر معه الحرب، وجرت عليه الهزائم، وله في ذلك كلّه شعر.

стр. 139

محنته: قالوا «١» : لم يقنع بما أجرى عليه أبو العباس الينشتي «٢» من الإحسان، فكان يوغر صدره من الكلام فيه، فذكروا أن الينشتي قال يوما في مجلسه: رميت يوما بسهم من كذا، فبلغ إلى كذا؛ فقال ابن طلحة لشخص كان إلى جانبه: والله لو كان قوس قزح؛ فشعر أبو العباس إلى قوله ما يشبه ذلك، واستدعى الشخص، وعزم عليه، فأخبره بقوله، فأسرّها في نفسه، إلى أن قوّى الحقد عليه، من ما بلغه عنه من قوله يهجوه: [الوافر] سمعنا بالموفّق فارتحلنا ... وشافعنا له حسب وعلم ورمت يدا أقبّلها وأخرى ... أعيش بفضلها أبدا وأسمو فأنشدنا لسان الحال عنه «٣» ... يد شلّا وأمر لا يتمّ فزادت موجدته «٤» عليه، وراعى أمره إلى أن بلغته أبيات قالها في شهر رمضان، وهو على حال الاستهتار: [الوافر] يقول أخو الفضول وقد رآنا ... على الإيمان يغلبنا المجون «٥» أتنتهكون «٦» شهر الصّوم هلّا ... حماه منكم عقل ودين؟ فقلت اصحب سوانا، نحن «٧» قوم ... زنادقة مذاهبنا فنون ندين بكلّ دين غير دين الر ... رعاع فما به أبدا ندين فحيّ على الصّبوح «٨» الدّهر ندعو ... وإبليس يقول لنا أمين «٩» أيا «١٠» شهر الصيام إليك عنّا ... إليك «١١» ففيك أكفر ما نكون

стр. 140

قال: فأرسل إليه من هجم عليه، وهو على هذا «١» الحال، وأظهر إرضاء العامّة بقتله، وذلك في سنة إحدى وثلاثين وستمائة «٢» . ولا خفاء أنه من صدور الأندلس، وأشدّهم عثورا على المعاني الغريبة المخترعة، ﵀. أحمد بن علي بن محمد بن علي بن محمد ابن خاتمة الأنصاري من أهل ألمريّة، يكنى أبا جعفر، ويعرف بابن خاتمة «٣» . حاله: هذا «٤» الرجل صدر يشار إليه، طالب متفنّن، مشارك، قويّ الإدراك، سديد النّظر، قوي الذهن، موفور الأدوات، كثير الاجتهاد، معين الطبع، جيّد القريحة، بارع الخط، ممتع المجالسة، حسن الخلق، جميل العشرة، حسنة من حسنات الأندلس، وطبقة في النظم والنثر، بعيد المرقى في درجة الاجتهاد، وأخذه بطرق الإحسان؛ عقد الشروط، وكتب عن الولاة ببلده، وقعد للإقراء ببلده، مشكور السّيرة، حميد الطريقة، في ذلك كله. وجرى ذكره في كتاب «التّاج» بما نصّه «٥» : «ناظم درر الألفاظ، ومقلّد جواهر الكلام نحور الرّواة ولبّات الحفّاظ، والآداب «٦» التي أصبحت شواردها حلم النائم وسمر الأيقاظ، وكم «٧» في بياض طرسها وسواد نقسها «٨» سحر الألحاظ «٩» . رفع «١٠» في قطره راية هذا الشأن على وفور حلبته، وقرع فنّه البيان على سموّ هضبته، وفوّق سهمه إلى بحر الإحسان، فأثبته في لبّته؛ فإن أطال شأن الأبطال، وكاثر المنسجم

стр. 141

الهطّال؛ وإن أوجز، فضح وأعجز؛ فمن نسيب تهيج به الأشواق، وتضيق عن زفراتها الأطواق؛ ودعابة تقلّص ذيل الوقار، وتزري بأكواس العقار؛ إلى انتماء للمعارف، وجنوح إلى ظلّها الوارف؛ ولم تزل معارفه ينفسح آمادها، وتحوز خصل السباق جيادها» . مشيخته: حسبما نقل بخطّه في ثبت استدعاه منه من أخذ عنه؛ الشيخ الخطيب، الأستاذ مولى النعمة، على أهل طبقته بألمريّة، أبو الحسن علي بن محمد بن أبي العيش المرّي؛ قرأ عليه ولازمه، وبه جلّ انتفاعه؛ والشيخ الخطيب الأستاذ الصالح أبو إسحاق إبراهيم بن العاص التّنوخي. وروى عن الراوية المحدّث المكثر الرحّال، محمد بن جابر بن محمد بن حسّان الوادي آشي؛ وعن شيخنا أبي البركات ابن الحاجّ، سمع عليه الكثير، وأجازه إجازة عامّة؛ والشيخ الخطيب أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن شعيب القيسي من أهل بلده؛ والقاضي أبو جعفر القرشي بن فركون. وأخذ عن الوزير الحاجّ الزاهد، أبي القاسم محمد بن محمد بن سهل بن مالك. وقرأ على المقرئ أبي جعفر الأغرّ، وغيرهم. كتابته: ممّا «١» خاطبني به بعد إلمام الرّكب «٢» السلطاني ببلده، وأنا صحبته «٣» ، ولقائه إياي، بما يلقى به مثله من تأنيس وبرّ، وتودّد، وتردّد: [الكامل] يا من حصلت على الكمال بما رأت ... عيناي منه من الجمال الرائع مرأى «٤» يروق وفي عطافي برده ... ما شئت من كرم ومجد بارع أشكو إليك من الزمان تحاملا ... في فضّ شمل لي بقربك جامع هجم البعاد عليه ضنّا باللّقا ... حتى تقلّص مثل برق لامع فلو انّني ذو مذهب لشفاعة ... ناديته: يا مالكي كن شافعي «٥» شكواي إلى سيدي ومعظّمي؛ أقرّ الله تعالى بسنائه أعين المجد، وأدرّ بثنائه ألسن الحمد! شكوى الظمآن «٦» صدّ عن القراح العذب لأول وروده، والهيمان ردّ عن استرواح القرب لمعضل صدوده، من زمان هجم عليّ بإبعاده «٧» ، على حين

стр. 142

إسعاده «١» ، ودهمني بفراقه غبّ إنارة أفقي به وإشراقه؛ ثم لم يكفه ما اجترم في ترويع خياله الزاهر، حتى حرم عن تشييع كما له الباهر، فقطع عن توفية حقّه، ومنع من تأدية مستحقّه، لا جرم أنه أنف لشعاع «٢» ذكائه، من هذه المطالع النائية «٣» عن شريف الإنارة، وبخل بالإمتاع بذكائه، عن هذه المسامع النائية عن لطيف العبارة، فراجع أنظاره، واسترجع معاره؛ وإلّا فعهدي بغروب الشمس إلى الطّلوع «٤» ، وأنّ البدر ينصرف «٥» بين الاستقامة والرجوع. فما بال هذا النيّر الأسعد، غرب ثم لم يطلع من الغد، ما ذاك إلا لعدوى الأيام وعدوانها، وشأنها في تغطية إساءتها وجه إحسانها، وكما قيل: عادت هيف إلى أديانها؛ أستغفر الله أن لا يعدّ ذلك من المغتفر في جانب ما أوليت «٦» من الأثر «٧» ، التي أزرى العيان فيها بالأثر، وأربى الخبر على الخبر «٨» ؛ فقد سرّت متشوّفات الخواطر، وأقرّت متشرّفات «٩» النواظر، بما جلت «١٠» من ذلكم الكمال الباهر، والجمال الناضر، الذي قيّد خطى الأبصار، عن التشوّف والاستبصار؛ وأخذ بأزمّة القلوب، عن سبيل كل مأمول ومرغوب؛ وأنّى للعين بالتحوّل عن كمال الزّين؟ أو للطّرف «١١» ، بالتحوّل «١٢» عن خلال الظّرف؟ أو للسّمع من مراد، بعد ذلك «١٣» الإصرار والإيراد، أو للقلب من مراد، غير تلكم الشيم الرافلة من ملابس الكرم في حلل وأبراد؛ وهل هو إلّا الحسن جمع في نظام، والبدر طالع التّمام، وأنوار الفضائل «١٤» ضمّها جنس اتفاق والتآم؛ فما ترعى العين منه في غير مرعى خصيب، ولا تستهدف الآذان «١٥» لغير سهم في حدق البلاغة مصيب؛ ولا تطلع «١٦» النفس سوى مطلع له في الحسن والإحسان أوفر نصيب. لقد أزرى بناظم حلاه فيما تعاطاه «١٧» التقصير، وانفسح من أعلاه بكل باع قصير، وسفه حلم القائل: إنّ الإنسان عالم صغير، شكرا للدهر على يد أسداها بقلب مزاره، وتحفة ثناء «١٨» أهداها بمطلع أنواره، على تغاليه في

стр. 143

ادّخار «١» نفائسه، وبخله بنفائس ادّخاره؛ ولا «٢» غرو أن يضيق عنّا نطاق الذّكر، ولمّا يتّسع لنا سوار الشكر؛ فقد عمّت هذه الأقطار بما شاءت من تحف، بين تحف وكرامة، واجتنت أهلها ثمرة الرحلة في ظلّ الإقامة، وجرى الأمر في ذلك مجرى الكرامة. ألا وإنّ مفاتحتي لسيدي ومعظّمي، حرس الله تعالى مجده، وضاعف سعده! مفاتحة من ظفر من الدهر بمطلوبه، وجرى له القدر على وفق مرغوبه؛ فشرع له إلى أمله «٣» بابا، ورفع له من خجله جلبابا، فهو يكلف بالاقتحام، ويأنف من الإحجام، غير أنّ الحصر عن درج قصده يقيّده، فهو «٤» يقدم والبصر يبهرج نقده فيقعده؛ فهو يقدّم رجلا ويؤخّر أخرى، ويجدّد عزما ثم لا يتحرّى؛ فإن أبطأ خطابي فلواضح الاعتذار «٥» ، ومثلكم لا يقبل حياة الأعذار؛ والله يصل إليكم عوائد الإسعاد والإسعاف، ويحفظ لكم «٦» ما للمجد من جوانب وأكناف، إن شاء الله تعالى. كتب «٧» في العاشر من ربيع الأول عام ثمانية وأربعين وسبعمائة. دخوله غرناطة: دخل غرناطة غير ما مرّة، منها في استدعاء شمال الخواصّ من أهل الأقطار الأندلسية، عند إعذار الأمراء في الدولة اليوسفيّة «٨» ، في شهر شعبان من عام أحد وخمسين وسبعمائة. شعره: كان مجلّيا، وأنشد في حلبة الشعراء قصيدة أولها «٩» : [الكامل] أجنان خلد زخرفت أم مصنع؟ ... والعيد عاود أم صنيع يصنع؟ ومن شعره «١٠» : [الكامل] من لم يشاهد موقفا لفراق ... لم يدر كيف تولّه العشّاق إن كنت لم تره فسائل من رأى ... يخبرك عن ولهي وهول سياقي «١١» من حرّ أنفاس وخفق جوانح ... وصدوع أكباد وفيض مآقي

стр. 144

دهي الفؤاد فلا لسان ناطق ... عند الوداع ولا يد «١» متراق ولقد أشير لمن تكلّف رحلة ... أن عج عليّ ولو بقدر فواق «٢» عليّ أراجع من ذماي حشاشة ... أشكو بها بعض الذي أنا لاق فمضى ولم تعطفه نحوي ذمّة ... هيهات! لا بقيا «٣» على مشتاق يا صاحبيّ وقد مضى حكم النّوى «٤» ... روحا عليّ بشيمة «٥» العشّاق «٦» واستقبلا بي «٧» نسمة من «٨» أرضكم ... فلعلّ نفحتها تحلّ وثاقي إني ليشفيني النّسيم إذا سرى ... متضوّعا من تلكم الآفاق من مبلغ بالجزع أهل مودّتي ... أني على حكم الصّبابة باق؟ ولئن تحوّل عهد قربهم «٩» نوى ... ما حلت عن عهدي ولا «١٠» ميثاقي أنفت خلائقي الكرام لخلّتي ... نسبا إلى الإخلاق والإخراق «١١» قسما به ما استغرقتني فكرة ... إلّا وفكري فيه واستغراقي لي آهة «١٢» عند العشيّ لعلّه ... يصغي لها، وكذا مع الإشراق أبكي إذا هبّ النسيم فإن تجد ... بللا به فبدمعي المهراق أومي بتسليم «١٣» إليه مع الصّبا ... فالذّكر كتبي والرفاق رفاقي من لي وقد شحط «١٤» المزار بنازح ... أدنى لقلبي من جوى أشواقي إن غاب عن عيني فمثواه الحشا ... فسراه «١٥» بين القلب والأحداق جارت عليّ يد النّوى بفراقه ... آها لما جنت النّوى بفراق أحباب قلبي هل لماضي عيشنا «١٦» ... ردّ فينسخ بعدكم بتلاق؟

стр. 145

أم هل لأثواب التجلّد راقع ... إذ ليس من داء المحبّة راق ما غاب كوكب حسنكم عن ناظري ... إلّا وأمطرت الدّما آماقي إيه أخيّ أدر عليّ حديثهم ... كأسا ذكت عرفا وطيب مذاق وإذا جنحت لماء او طرب فمن ... دمعي الهموع «١» وقلبي الخفّاق ذكراه راحي، والصّبابة حضرتي «٢» ... والدمع ساقيتي «٣» ، وأنت الساقي فليله «٤» عنّي من لحاني إنني ... راض بما لاقيته وألاقي وقال «٥» : [البسيط] وقفت والرّكب «٦» قد زمّت ركائبه ... وللنفوس مع النّوى «٧» تقطيع وقد تمايل نحوي للوداع وهل ... لراحل «٨» القلب صدر الرّكب توديع؟ أضمّ منه كما أهوى «٩» لغير نوى ... ريحانة في شذاها الطّيب مجموع تهفو «١٠» فأذعر خوفا من تقلّصها «١١» ... إنّ الشّفيق بسوء الظنّ مولوع هل عند من قد دعا بالبين مقلته «١٢» ... أنّ الرّدى منه مرئيّ ومسموع؟ أشيّع القلب من «١٣» رغم عليّ وما ... بقاء جسم له للقلب تشييع أري وشاتي أنّي لست مفتقرا «١٤» ... لما جرى وصميم القلب مصروع الوجد طبع «١٥» وسلواني مصانعة ... هيهات يشكل مصنوع ومطبوع «١٦» «إنّ الجديد إذا ما زيد في خلق ... تبيّن النّاس أنّ الثّوب مرقوع»
следующие страницы →