← Тараджим

Тараджим · id 11682

الإحاطة في أخبار غرناطة

لسان الدين بن الخطيب

Полный текст (1 954 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

وقفلنا وأجنحة الرايات برياح العنايات «١» خافقة، وأوفاق التوفيق الناشئة من خطوط الطريق موافقة «٢» ، وأسواق العزّ بالله نافقة، وحملاء الرفق مصاحبة والحمد لله مرافقة، وقد ضاقت ذروع الجبال، عن أعناق الصّهب السّبال «٣» ، ورفعت على الأكفال، ردفاء «٤» كرائم الأنفال، وقلقلت من النواقيس أجرام الجبال، بالهندام والاحتيال، وهلك «٥» بمهلك هذه الأمّ بنات كنّ يرتضعن ثديّها الحوافل، ويستوثرن حجرها الكافل، شمل التخريب أسوارها، وعجّلت النار بوارها «٦» . ثم تحرّكنا بعدها حركة الفتح، وأرسلنا دلاء» الأدلّاء «٨» قبل المتح «٩» ، فبشّرت بالمنح. وقصدنا مدينة «١٠» أبّدة «١١» وهي ثانية الجناحين، وكبرى الأختين، ومساهمة جيّان في حين الحين، مدينة أخذت عرض «١٢» الفضاء الأخرق، وتمشّت في «١٣» أرباضها تمشّي الكتابة الجامحة في المهرق «١٤» ، المشتملة على المتاجر والمكاسب، والوضع المتناسب، والفلح «١٥» المعيي ريعه «١٦» عمل الحاسب، وكوارة «١٧» الدير «١٨» اللاسب، المتعددة اليعاسب، فأناخ العفاء بربوعها العامرة، ودارت كؤوس عقار الحتوف ببنان السيوف على متديّريها المعاقرة، وصبّحتها طلائع الفاقرة، وأغريت ببطون أسوارها عوج المعاول الباقرة، ودخلت مدينتها عنوة السيف، في أسرع من خطرة الطّيف، ولا تسل «١٩» عن الكيف. فلم يبلغ العفاء من مدينة حافلة، وعقيلة في حلل المحاسن رافلة، ما بلغ من هذه البائسة التي سجدت لآلهة النيران أبراجها، وتضاءل بالرّغام معراجها، وضفت على أعطافها ملابس الخذلان، وأقفر من كنائسها كناس الغزلان.

стр. 1752

ثم تأهّبنا لغزو أمّ القرى الكافرة، وخزائن المزاين «١» الوافرة، وربّة الشّهرة السافرة، والأنباء المسافرة، قرطبة، وما أدراك ما هيه؟ ذات الأرجاء الحالية الكاسية، والأطواد الرّاسخة الرّاسية، والمباني المباهية، والزّهراء الزاهية «٢» ، والمحاسن غير المتناهية، حيث هالة بدر السماء قد استدارت من السّور المشيد البناء دارا «٣» ، ونهر المجرّة من نهرها الفيّاض المسلول حسامه من غمود «٤» الغياض قد لصق بها جارا، وفلك الدّولاب المعتدل الانقلاب قد استقام مدارا، ورجّع الحنين اشتياقا إلى الحبيب الأوّل وادّكارا، حيث الطّود كالتّاج يزدان بلجين العذب المجاج فيزري بتاج كسرى ودارا، حيث قسيّ الجسور المديرة «٥» كأنها عوج المطيّ الغريرة تعبر النهر قطارا، حيث آثار العامريّ المجاهد تعبق بين تلك المعاهد شذى معطارا، حيث كرائم السّحاب «٦» تزور «٧» عرائس الرّياض الحبايب فتحمل لها من الدّر نثارا، حيث شمول الشّمال «٨» تدار على الأدواح بالغدوّ والرّواح فترى الغصون سكارى، وما هي بسكارى، حيث أيدي الافتتاح تفتضّ من شقائق البطاح أبكارا، حيث ثغور الأقاح «٩» الباسم تقبّلها بالسّحر زوّار النّواسم فتخفق قلوب النجوم الغيارى، حيث المصلّى العتيق قد رحب مجالا وطال منارا، وأزرى ببلاط الوليد احتقارا، حيث الظّهور المثارة بسلاح الفلاح تجبّ عن مثل أسنمة المهارى، والبطون كأنها لتدميث الغمائم بطون العذارى، والأدواح العالية تخترق أعلامها الهادية بالجداول الخيارى «١٠» . فما شئت من جوّ صقيل، ومعرّس للحسن «١١» ومقيل، ومالك للعقل وعقيل، وخمائل كم فيها للبلابل من قال وقيل، وخفيف يجاوب بثقيل، وسنابل تحكي من فوق سوقها، وقضب بسوقها، الهمزات فوق الألفات، والعصافير البديعة الصّفات، فوق القضب المؤتلفات، تميل لهبوب «١٢» الصّبا والجنوب، مالئة «١٣» الجيوب، بدرر الحبوب، وبطاح لا تعرف عين المحل، فتطلبه بالذّحل، ولا تصرف «١٤» في خدمة بيض قباب الأزهار، عند افتتاح السّوسن والبهار، غير العبدان من سودان النّحل «١٥» وبحر الفلاحة

стр. 1753

الذي لا يدرك ساحله، ولا يبلغ الطّيّة «١» البعيدة راحله، إلى الوادي، وسمر النوادي، وقرار دموع الغوادي، المتجاسر على تخطّيه عند تمطّيه الجسر العادي، والوطن الذي ليس من عمرو ولا زيد، والفرا الذي في جوفه كلّ صيد «٢» ، أقلّ كرسيّه خلافة الإسلام، وأغار «٣» بالرّصافة والجسر دار السلام، وما عسى أن تطنب في وصفه ألسنة الأقلام، أو تعبّر به عن ذلك الكمال فنون الكلام، فأعملنا إليها السّرى والسّير، وقدنا إليها النخيل وقد عقد الله «٤» في نواصيها الخير. ولمّا وقفنا بظاهرها المبهت المعجب، واصطففنا بخارجها المنبت المنجب، والقلوب تلتمس الإعانة من منعم مجزل، وتستنزل مدد «٥» الملائكة من منجد منزل، والركائب واقفة من خلفنا بمعزل، تتناشد في معاهد الإسلام: «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل «٦» » برز من حاميتها المحامية، ووقود النار الحامية، وبقية السيف الوافرة على الحصاد النامية، قطع الغمائم الهامية، وأمواج البحور الطامية، واستجنّت بظلال أبطال المجال أعداد الرجال النّاشبة والرّامية. وتصدّى للنّزال من صناديدها الصّهب السّيال «٧» أمثال الهضاب الراسية، يجنّها «٨» جنن السّوابغ الكاسية، وقواميسها المفادية «٩» للصّلبان يوم بؤسها بنفوسها المواسية، وخنازيرها التي عدتها عن قبول حجج الله ورسوله ستور الظّلم الغاشية، وصخور القلوب القاسية، فكان «١٠» بين الفريقين أمام جسرها الذي فرق البحر، وحلي بلجينه ولآلىء زينه منها النّحر، حرب لم تنسج الأزمان «١١» على منوالها، ولا أتت الأيام «١٢» الحبالى بمثل أجنّة أهوالها، من قاسها بالفجار أفك وفجر، أو مثّلها بجفر «١٣» الهباءة خرف وهجر، ومن شبّهها بحرب داحس «١٤» والغبراء فما عرف الخبر، فليسأل من جرّب «١٥» وخبر. ومن

стр. 1754

نظّرها بيوم شعب جبله، فهو ذو بله، أو عادلها ببطن عاقل، فهو «١» غير عاقل، أو احتجّ بيوم ذي قار، فهو إلى المعرفة ذو افتقار، أو ناضل بيوم الكديد، فسهمه غير السديد. إنما كان مقاما غير معتاد، ومرعى نفوس لم يف بوصفه لسان مرتاد، وزلزال جبال أوتاد، ومتلف مذخور لسلطان الشيطان وعتاد، أعلم فيه البطل الباسل، وتورّد «٢» الأبيض الباتر وتأوّد الأسمر العاسل، ودوّم الجلمد المتكاسل، وانبعث «٣» من حدب الحنيّة إلى هدف الرّميّة الناشر الناسل، ورويت لمرسلات السّهام المراسل. ثم أفضى أمر الرّماح إلى التّشاجر والارتباك، ونشبت «٤» الأسنّة في الدّروع نشب «٥» السّمك في الشّباك، ثم اختلط المرعى بالهمل، وعزل الرّدينيّ عن العمل، وعادت السيوف من فوق المفارق تيجانا، بعد أن شقّت غدر السوابغ خلجانا، واتّحدت جداول الدروع فصارت بحرا، وكان التّعانق فلا ترى إلّا نحرا يلازم نحرا، عناق وداع، وموقف شمل ذي انصداع، وإجابة مناد إلى فراق الأبد وداع. واستكشفت مآل «٦» الصبر الأنفس الشفّافة، وهبّت بريح النصر الطلائع المبشّرة الهفّافة. ثم أمدّ السيل ذلك العباب، وصقل الاستبصار الألباب، واستخلص العزم صفوة اللّباب، وقال لسان النّصر «٧» ادخلوا عليهم الباب، فأصبحت طوائف الكفّار، حصائد مناجل الشّفار، فمغافرهم «٨» قد رضيت حرماتها بالإخفار «٩» ، ورؤوسهم محطوطة في غير مقام «١٠» الاستغفار، وعلت الرايات من فوق تلك الأبراج المستطرفة والأسوار «١١» ، ورفرف على المدينة جناح البوار «١٢» ، لولا الانتهاء إلى الحدّ والمقدار، والوقوف عند اختفاء سرّ الأقدار «١٣» . ثم عبرنا نهرها، وشددنا «١٤» بيدي «١٥» الله قهرها، وضيّقنا حصرها، [وأدرنا بلآلئ القباب البيض خصرها] «١٦» ، وأقمنا بها أياما تحوم عقبان البنود على فريستها حياما وترمي «١٧» الأدواح «١٨» ببوارها، ونسلّط «١٩»

стр. 1755

النيران «١» على أقطارها، فلولا عائق «٢» المطر، لحصلنا من فتح ذلك الوطن على الوطر، فرأينا أن نروضها بالاجتثاث والانتساف، ونوالي على زروعها وربوعها كرّات رياح الاعتساف، حتى يتهيّأ للإسلام لوك طعمتها، ويتهنّأ بفضل الله إرث نعمتها. ثم كانت عن موقفها الإفاضة من «٣» بعد نحر النّحور، وقذف جمار الدّمار على العدوّ المدحور «٤» ، وتدافعت خلفنا السّيقات المتّسقات «٥» تدافع أمواج البحور. وبعد أن ألححنا على جنّاتها المصحرة، وكرومها المستبحرة «٦» ، إلحاح الغريم، وعوّضناها المنظر الكريه من المنظر الكريم، وطاف عليها طائف من ربّك «٧» فأصبحت كالصّريم «٨» ، وأغرينا حلاق «٩» النار بحمم الجحيم، وراكمنا «١٠» في أجواف أجوائها غمائم الدّخان، تذكّر طيّبة البان، بيوم الغميم، وأرسلنا رياح الغارات لا «١١» تذر من شيء أتت عليه إلّا جعلته كالرّميم، واستقبلنا الوادي يهول مدّا، ويروع «١٢» سيفه الصقيل حدّا «١٣» ، فيسّره «١٤» الله من بعد الإعواز، وانطلقت على الفرضة بتلك الفرصة «١٥» أيدي الانتهاز، وسألنا من ساءله أسد بن الفرات «١٦» فأفتى برجحان الجواز، فعمّ الاكتساح والاستباح جميع الأحواز، فأديل المصون، وانتهبت القرى وهدّمت الحصون، واجتثّت الأصول وحطّمت الغصون، ولم نرفع عنها إلى اليوم «١٧» غارة تصافحها بالبوس، وتطلع عليها غررها الضّاحكة باليوم العبوس. فهي الآن مجرى السّوابق ومجرّ العوالي، على التّوالي، والحسرات تتجدّد في أطلالها البوالي، وكأنّ بها قد صرعت، وإلى الدّعوة المحمّدية قد أسرعت، بقدرة من أنزل القرآن على الجبال فخشعت «١٨» ، من خشية الله وتصدّعت، وعزّة «١٩» من أذعنت الجبابرة لعزّه وخنعت. وعدنا والبنود لا يعرف اللفّ «٢٠» نشرها، والوجوه المجاهدة

стр. 1756

لا يخالط التّقطّب «١» بشرها، والأيدي بالعروة الوثقى معتلقة، والألسن بشكر نعم «٢» الله منطلقة، والسيوف في مضاجع الغمود قلقة، وسرابيل الدّروع خلقة، والجياد من ردّها إلى المرابط والأواري «٣» ردّ العواري حنقة، وبعبرات الغيظ المكظوم مختنقة، تنظر إلينا نظر العاتب، وتعود من ميادين المراح والاختيال تحت حلل السّلاح عود الصّبيان إلى المكاتب، والطّبل بلسان العزّ هادر، والعزم إلى منادي العود الحميد مبادر، ووجود نوع الرّماح من بعد ذلك الكفاح نادر، والقاسم «٤» ترتّب بين يديه من السّبي النوادر، ووارد مناهل «٥» الأجور غير المحلّإ ولا المهجور غير «٦» صادر، ومناظر الفضل الآتي عقب «٧» أخيّه المتأتي «٨» على المطلوب المواتي «٩» مصادر، والله على تيسير الصّعاب وتخويل المنن الرّغاب قادر، لا إله إلّا هو فما أجمل لنا صنعه الخفيّ، وأكرم بنا لطفه الحفيّ، اللهمّ لا نحصي ثناء «١٠» عليك، ولا نلجأ منك إلّا إليك، ولا نلتمس خير الدنيا والآخرة إلّا لديك، فأعد علينا عوائد نصرك يا مبدي يا معيد، وأعنّا من وسائل شكرك على ما ينثال «١١» به المزيد، يا حيّ يا قيّوم يا فعّال «١٢» لما يريد. وقارنت رسالتكم الميمونة لدينا حذق «١٣» فتح بعد «١٤» صيته، مشرئبّ ليته، وفخر من فوق النجوم العوائم «١٥» مبيته، عجبنا من تأتّي أمله الشّارد، وقلنا البركة في قدوم الوارد. وهو أنّ ملك النصارى «١٦» لاطفنا بجملة من الحصون كانت من مملكة «١٧» الإسلام قد غصبت، والتّماثيل فيها ببيوت الله قد نصبت، أدالها الله بمحاولتنا الطّيّب من الخبيث، والتّوحيد من التّثليث، وعاد إليها الإسلام عودة الأب الغائب، إلى البنات الحبائب، يسأل عن شؤونها، ويمسح دموع «١٨» الرّقّة عن جفونها. وهي للرّوم خطّة خسف قلّ ما ارتكبوها فيما

стр. 1757

نعلم «١» من العهود، ونادرة من نوادر الوجود، وإلى الله علينا وعليكم عوارف الجود، وجعلنا في محاريب الشكر من الرّكّع السّجود. عرّفناكم بمجملات أمور تحتها تفسير، ويمن من الله وتيسير، إذ استيفاء الجزئيات عسير، لنسرّكم بما منح الله دينكم، ونتوّج بعزّ الملّة الحنيفية جبينكم، ونخطب بعده دعاءكم وتأمينكم، فإنّ دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب سلاح ماض، وكفيل بالمواهب «٢» المسؤولة من المنعم الوهّاب «٣» متقاض «٤» ، وأنتم أولى من ساهم في برّ، وعامل الله بخلوص سرّ، وأين يذهب الفضل عن بيتكم وهو صفة «٥» حيّكم، وتراث ميتكم، ولكم مزية القدم، ورسوخ القدم، والخلافة مقرّها إيوانكم، وأصحاب الإمام مالك، ﵁، مستقرّها قيروانكم «٦» ، وهجير المنابر ذكر إمامكم، والتوحيد إعلام أعلامكم، والوقائع الشهيرة في الكفر منسوبة إلى أيّامكم، والصحابة الكرام فتحة أوطانكم، وسلالة الفاروق ﵇ وشائج «٧» سلطانكم، ونحن نستكثر من بركة خطابكم، ووصلة جنابكم، ولولا الأعذار لوالينا بالمتزيّدات تعريف أبوابكم. والله، ، يتولّى عنّا من شكركم المحتوم، ما قصّر «٨» المكتوب منه «٩» عن المكتوم، ويبقيكم لإقامة الرّسوم، ويحلّ محبّتكم من القلوب محلّ الأرواح من الجسوم، وهو سبحانه يصل سعدكم، ويحرس مجدكم، [ويوالي نعمه عندكم.] «١٠» والسلام الكريم الطّيّب [الزاكي «١١» المبارك] «١٢» البرّ العميم يخصّكم كثيرا أثيرا، ما أطلع الصبح «١٣» وجها منيرا، بعد أن أرسل النّسيم سفيرا، وكان الوميض الباسم لأكواس الغمائم على أزهار الكمائم مديرا، ورحمة الله تعالى «١٤» وبركاته «١٥» .

стр. 1758

وصدر عني في مخاطبة الشيخ الخطيب أبي عبد الله بن مرزوق جوابا عن كتابه «١» : [الوافر] ولمّا أن نأت عنكم دياري «٢» ... وحال البعد بينكم وبيني بعثت لكم سوادا في بياض ... لأنظركم بشيء مثل عيني بم أفاتحك يا سيدي، وأجلّ عددي؟ كيف أهدي سلاما، فلا أحذر ملاما؟ أو أنتخب لك كلاما، فلا أجد لتبعة التّقصير في حقّك الكبير إيلاما؟ إن قلت: تحيّة كسرى في الثّناء وتبّع، فكلمة في مربع العجمة تربع، ولها المصيف فيه والمربع، والجميم والمنبع، فتروى متى شاءت وتشبع. وإن قلت: إذا العارض خطر، ومهما همى أو قطر، سلام الله يا مطر «٣» ، فهو في الشريعة بطر، ومركبه «٤» خطر، ولا يرعى به وطن ولا يقضى وطر. وإنما العرق الأوشج، ولا يستوي البان والبنفسج، والعوسج والعرفج «٥» : [الطويل] سلام وتسليم وروح ورحمة ... عليك وممدود من الظّلّ سجسج وما كان فضلكم «٦» ليمنعني الكفران أن أشكره، ولا لينسيني الشيطان أن أذكره، فأتّخذ في البحر سببا «٧» ، أو أسلك غير الوفاء مذهبا، تأبى ذلك، والمنّة لله تعالى، طباع لها في مجال الرّعي باع، وتحقيق وإشباع، وسوائم «٨» من الإنصاف لها مرعى «٩» في رياض الاعتراف فلا يطرقها ارتياع، ولا تخفيها سباع. وكيف نجحد تلك الحقوق وهي شمس ظهيرة، وأذان عقيرة جهيرة «١٠» ، فوق مئذنة شهيرة، آدت الأكتاد «١١» لها

стр. 1759

ديون تستغرق الذّمم، وتسترقّ حتى الرّمم، فإن قضيت في الحياة فهي الخطّة التي نرتضيها، ولا نقنع من عامل الدهر المساعد إلّا أن «١» ينفّذ مراسمها ويمضيها، وإن قطع الأجل فالغنيّ الحميد من خزائنه التي لا تبيد يقضيها، ويرضي من يقتضيها. وحيّا الله أيها العلم السّامي الجلال زمنا بمعرفتك المبرّة على الآمال أبرّ» وأتحف، وإن أساء بفراقك وأجحف، وأعرى بعد ما ألحف، وأظفر باليتيمة المذخورة للشدائد والمزاين «٣» ، ثم أوحش منها أصونة هذه الخزائن، فآب حنين الأمل بخفّيه «٤» ، وأصبح المغرب غريبا يقلّب كفّيه، ونستغفر الله من هذه الغفلات، ونستهديه دليلا في مثل هذه الفلوات، وأي ذنب في الفراق للزمن أو لغراب الدّمن، أو للرّواحل المدلجة ما بين الشّام إلى اليمن، وما منها إلّا عبد مقهور، وفي رمّة القدر مبهور، عقد والحمد لله مشهور، وحجّة لها على النفس اللوّامة ظهور. جعلنا الله ممّن ذكر المسبّب في الأسباب، وتذكّر وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ «٥» قبل غلق الرّهن وسدّ الباب. وبالجملة فالفراق ذاتيّ، ووعده مأتيّ، فإن لم يحن «٦» فكأن قد، ما أقرب اليوم من الغد، والمرء في الوجود غريب، وكلّ آت قريب، وما من مقام إلا لزيال من غير احتيال، والأعمار مراحل والأيام أميال «٧» : [الوافر] نصيبك في حياتك من حبيب ... نصيبك في منامك من خيال جعل الله الأدب مع الحقّ شاننا، وأبعد عنا الفرق «٨» الذي شاننا، وإني لأسرّ لسيدي بأن رعى الله صالح سلفه، وتداركه بالتّلافي في تلفه، وخلّص سعادته من كلفه، وأحلّه من الأمن في كنفه، وعلى قدرها تصاب العلياء، وأشدّ الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء. هذا والخير والشّرّ في هذه الدار، المؤسّسة على الأكدار، ظلّان مضمحلّان، فإذا «٩» ارتفع، ما ضرّ أو ما نفع، وفارق المكان، فكأنّه ما كان، ومن كلمات المملوك البعيدة عن الشكوك، إلى أن يشاء ملك الملوك «١٠» : خذ من زمانك ما تيسّر ... واترك بجهدك ما تعسّر

стр. 1760

ولربّ مجمل حالة ... ترضى به ما لم يفسّر والدهر ليس بدائم ... لا بدّ أن سيسوء إن سرّ واكتم حديثك جاهدا ... شمت المحدّث أو تحسّر والناس آنية الزّجا ... ج إذا عثرت به تكسّر لا تعدم التّقوى فمن ... عدم التّقى في الناس أعسرّ وإذا امرؤ خسر الإل ... هـ فليس خلق منه أخسر وإنّ لله في رعيك لسرّا، ولطفا مستمرّا مستقرّا، إذ ألقاك «١» بسرّ الرّوع إلى الساحل، وأخذ «٢» بيدك من ورطة الواحل، وحرّك منك عزيمة الرّاحل، إلى الملك الحلاحل «٣» ، فأدالك «٤» من إبراهيمك سميّا، وعرفك بعد الوليّ وسميّا، ونقلك من عناية إلى عناية، وهو الذي يقول وقوله الحقّ ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ «٥» الآية. وقد وصل كتاب سيدي يحمد- والحمد لله «٦» - العواقب، ويصف المراقي التي حلّها والمراقب، وينشر المفاخر الحفصيّة والمناقب، ويذكر ما هيّأه الله لديها من إقبال، ورخاء بال، وخصّيصى «٧» اشتمال ونشور «٨» آمال، وأنه اغتبط وارتبط، وألقى العصا بعد ما خبط. ومثل تلك الخلافة العليّة من تزن الذوات، المخصوصة من الله بشريف «٩» الأدوات، بميزان تمييزها، وتفرّق بين شبه المعادن وإبريزها، وشبه الشيء مثل معروف «١٠» ، ولقد أخطأ من قال: الناس ظروف، إنما هم شجرات مربع في بقعة ماحلة، وإبل مائة

стр. 1761

لا تجد فيها راحلة «١» ، وما هو إلّا اتّفاق، ونجح للملك وإخفاق «٢» ، وقلّما كذب إجماع وإصفاق، والجليس الصالح لربّ السّياسة «٣» أمل مطلوب، وحظّ إليه مجلوب، وإن سئل أطرف، وعمر الوقت ببضاعة أشرف، وسرق الطّباع، ومدّ في الحسنات الباع، وسلّى في الخطوب، وأضحك في اليوم القطوب، وهدى إلى أقوم الطّرق، وأعان على نوائب الحقّ، وزرع له المودّة في قلوب الخلق، زاد الله سيدي لديها قربا أثيرا، وجعل فيه للجميع خيرا كثيرا، بفضله وكرمه. ولعلمي بأنّه أبقاه الله يقبل نصحي، ولا يرتاب في صدق صبحي، أغبطه بمثواه، وأنشده ما حضر من البديهة في مسارّة هداه ونجواه: [الكامل] بمقام إبراهيم عذ واصرف له ... فكرا تؤرّق عن بواعث تعتري «٤» فجواره حرم وأنت حمامة ... ورقاء والأغصان عود المنبر فلقد أمنت من الزمان وريبه ... وهو المروّع للمسيء وللبري وإن تشوّف سيدي للحال «٥» ، فلعمر وليّه لو كان المطلوب دنيا لوجب وقوع الاجتزاء، ولاغتبط بما تحصّل في هذه الجزور، المبيعة في حانوت الزّور، من السّهام الوافرة الأجزاء، فالسلطان رعاه الله، يوجب ما فوق مزية التعليم، والولد، هداهم الله، قد أخذوا بحظّ قلّ أن ينالوه بغير هذا الإقليم، والخاصّة والعامة تعامل بحسب ما بلته من نصح سليم، وترك لما بالأيدي وتسليم، وتدبير عاد على عدوّهم «٦» بالعذاب الأليم، إلّا من أبدى السلامة وهو من إبطان الحسد بحال السّليم، ولا ينكر ذلك في الحديث ولا في القديم. لكن «٧» النفس منصرفة عن هذا الغرض، ونافضة «٨» يدها من العرض، قد فوّتت الحاصل، ووصلت في الله القاطع وقطعت الواصل، وصدقت لما نصح الفود النّاصل «٩» ، وتأهّبت للقاء الحمام الواصل، وقلت: [المنسرح] انظر خضاب الشّباب قد نصلا «١٠» ... وزائر الأنس بعده انفصلا

стр. 1762

ومطلبي والذي كلفت به ... حاولت تحصيله فما حصلا لا أمل مسعف ولا عمل ... ونحن «١» في ذا والموت قد وصلا والوقت إلى الإمداد منكم بالدّعاء في الأصائل والأسحار، إلى مقيل العثار «٢» ، شديد الافتقار، والله يصل لسيدي رعي جوانبه، ويتولّى تيسير آماله من فضله العميم ومآربه، وأقرأ عليه من التّحيّات، المحمّلة من فوق رحال الأريحيّات، أزكاها، ما أوجع البرق الغمائم فأبكاها، وحسد الروض جمال النّجوم الزّواهر فقاسها بمباسم الأزهار «٣» وحكاها، واضطبن «٤» هرم اللّيل عند الميل عصا الجوزاء وتوكّاها، ورحمة الله تعالى وبركاته. وخاطبت الفقيه الرئيس أبا زيد بن خلدون لما ارتحل من بحر ألمرية، واستقرّ ببسكرة عند الرئيس بها أبي العباس ابن مزنى صحبة رسالة خطّبها «٥» أخوه أبو زكريا، وقد تقلّد كتابة الإنشاء لصاحب تلمسان، ووصل الكتب «٦» عنه من إنشائه «٧» : [الطويل] بنفسي وما نفسي عليّ بهينة ... فينزلني عنها المكاس بأثمان «٨» حبيب نأى عنّي وصمّم لا يني «٩» ... وراش سهام البين عمدا فأصماني «١٠» وقد كان همّ الشّيب، لا كان، كافيا ... فقد آدني «١١» لمّا ترحّل همّان

стр. 1763

شرعت له من دمع عيني موردا ... فكدّر «١» شربي بالفراق وأظماني «٢» وأرعيته من حسن عهدي حميمه «٣» ... فأجدب آمالي وأوحش أزماني حلفت على ما عنده لي من رضى ... قياسا بما عندي فأحنث أيماني وإنّي على ما نالني منه من قلى ... لأشتاق من لقياه نغبة ظمآن سألت جنوني فيه تقريب عرشه ... فقست بجنّ الشوق جنّ سليمان إذا ما دعا داع من القوم باسمه «٤» ... وثبت وما استثبتّ «٥» شيمة هيمان وتالله ما أصغيت فيه لعاذل ... تحاميته حتى ارعوى وتحاماني ولا استشعرت نفسي برحمة عابد «٦» ... تظلّل يوما مثله عبد رحمان ولا شعرت من قبله بتشوّق ... تخلّل منها بين روح وجثمان أمّا الشّوق فحدّث عنه ولا حرج، وأمّا الصّبر فاسأل «٧» به أيّة درج، بعد أن تجاوز اللّوى «٨» والمنعرج، لكنّ الشّدة تعشق الفرج، والمؤمن ينشق من روح الله الأرج، وأنّى بالصّبر على أبرّ الدّبر، لا بل الضرب الهبر «٩» ، ومطاولة اليوم والشّهر، تحت حكم القهر؟ وهل للعين أن تسلو سلوّ المقصر، عن إنسانها المبصر، أو تذهل ذهول الزّاهد، عن سرّها الرّائي «١٠» والمشاهد؟ وفي الجسد بضعة يصلح «١١» إذا صلحت، فكيف حاله إذا رحلت عنه ونزحت، وإذا كان الفراق وهو الحمام الأول، فعلام المعوّل؟ أعيت مراوضة الفراق، على الرّاق، وكادت لوعة الاشتياق، أن تفضي إلى السّياق «١٢» : [السريع] تركتموني بعد تشييعكم ... أوسع أمر الصّبر عصيانا أقرع سنّي ندما تارة ... وأستميح الدمع أحيانا وربما تعلّلت بغشيان المعاهد الخالية، وجدّدت رسوم الأسى بمباكرة الرسوم البالية، أسأل نون النّوى «١٣» عن أهليه، وميم الموقد المهجور عن مصطليه، وثاء

стр. 1764

الأثافي المثلّثة عن منازل الموحّدين، وأحار بين تلك الأطلال حيرة الملحدين، لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين. كلفت لعمر الله، بسال عن جفوني المؤرقة، ونائم عن همومي المتجمّعة «١» المتفرّقة، ظعن عن ملال «٢» ، لا متبرّما مني بشرّ خلال، وكدّر الوصل بعد صفائه، وضرّج النّصل بعد عهد وفائه «٣» : [الطويل] أقلّ اشتياقا أيّها القلب ربّما «٤» ... رأيتك تصفي الودّ من ليس جازيا «٥» فها أنا أبكي عليه بدم أساله، وأنهل فيه أسى له «٦» ، وأعلّل بذكراه قلبا صدعه، وأودعه من الوجد ما أودعه، لمّا خدعه، ثم قلاه وودّعه، وأنشق ريّاه أنف ارتياح قد جدعه، وأستعديه «٧» على ظلم ابتدعه «٨» : [الطويل] خليليّ، هل أبصرتما أو سمعتما «٩» ... قتيلا بكى، من حبّ قاتله، قبلي؟ فلولا عسى الرجاء ولعلّه، لا بل شفاعة المحلّ الذي حلّه، لمزجت الحنين بالعتب «١٠» ، وبثثت كتائبه «١١» كمناء في شعاب الكتب، تهزّ من الألفات رماحا خزر الأسنّة، وتوتّر «١٢» من النّونات أمثال القسيّ المرنّة «١٣» ، وتقود من مجموع الطّرس والنّقس «١٤» بلقا تردي «١٥» في الأعنّة. ولكنه أوى «١٦» إلى الحرم الأمين، وتفيّأ ظلال الجوار المؤمّن من معرّة العوار «١٧» عن الشمال واليمين، حرم الخلال «١٨» المزنيّة،

стр. 1765

والظّلال اليزنيّة، والهمم السّنيّة، والشّيم التي لا ترضى بالدّون ولا بالدّنيّة، حيث الرّفد الممنوح، والطّير الميامن يزجر لها السّنوح، والمثوى الذي إليه مهما تقارع الكرام على الضّيفان حول جوابي الجفان الميل والجنوح «١» : [الكامل] نسب كأنّ عليه من شمس الضّحى ... نورا ومن فلق الصباح عمودا ومن حلّ بتلك المثابة فقد اطمأنّ جنبه، وتغمّد بالعفو ذنبه. ولله درّ القائل «٢» : [الكامل] فوحقّه لقد انتدبت لوصفه ... بالبخل لولا أنّ حمصا داره بلد متى أذكره تهتج لوعتي ... وإذا قدحت الزّند طار شراره اللهمّ غفرا، لا كفرا «٣» ، وأين قرارة النّخيل، من مثوى الأقلف البخيل، ومكذبة المخيل؟ وأين ثانية هجر، من متبوّإ من ألحد وفجر؟ [المتدارك] من أنكر غيثا منشؤه ... في الأرض فليس «٤» بمخلفها فبنان بني مزنى مزن ... تنهلّ بلطف مصرّفها مزن مذ حلّ ببسكرة ... يوما نطقت بمصحّفها «٥» شكرت حتى بعبارتها ... وبمعناها وبأحرفها ضحكت بأبي العباس من ال ... أيام ثنايا زخرفها وتنكّرت الدنيا حتى ... عرفت منه بمعرّفها بل نقول: يا محلّ الولد لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (٢) «٦» ، لقد حلّ بينك عرى الجلد، وخلّد الشوق بعدك يا ابن خلدون في الصّميم من الخلد. فحيّا الله زمنا شفيت برقى «٧» قربك زمانته، واجتليت في صدف مجدك جمانته «٨» ، ويا من لمشوق لم تقض من طول خلّتك لبانته، وأهلا بروض أظلّت أشتات معارفك بانته، فحمائمه بعدك تندب «٩» ، فيساعدها الجندب، ونواسمه ترقّ فتتغاشى «١٠» ،

стр. 1766

وعشيّاته تتخافت وتتلاشى، [ومزنه باك] «١» وأدواحه «٢» [في ارتباك، وحمائمه] «٣» في مأتم ذي اشتباك، كأن لم تكن قمر «٤» هالات قبابه، ولم يكن «٥» أنسك شارع بابه، إلى صفوة الظّرف ولبابه، ولم يسبح إنسان عينك في ماء شبابه. فلهفي عليك من درّة اختلستها يد النّوى، ومطل بردّها الدهر ولوى، ونعق الغراب ببينها في ربوع الجوى «٦» ، ونطق بالزّجر فما نطق عن الهوى. وبأي شيء يعتاض «٧» منك أيتها الرياض، بعد أن طمى نهرك الفيّاض، وفهقت الحياض؟ ولا كان الشّانىء المشنوء «٨» ، والجرب «٩» المهنوء، من قطع ليل أغار على الصّبح فاحتمل، وشارك في الذّمّ الناقة والجمل، واستأثر جنحه ببدر النادي لما كمل. نشر الشّراع فراع، وأعمل «١٠» الإسراع، كأنما هو تمساح النّيل ضايق الأحباب في البرهة، واختطف لهم من الشّطّ نزهة العين وعين النّزهة. ولجّج «١١» بها والعيون تنظر، والغمر عن «١٢» الاتباع يحظر، فلم يقدر إلّا على الأسف، والتماح الأثر المنتسف «١٣» ، والرجوع بملء العيبة من الخيبة، ووقر «١٤» الجسرة من الحسرة. إنما «١٥» نشكو «١٦» إلى الله البثّ والحزن، ونستمطر من عبراتنا «١٧» المزن، وبسيف الرجاء نصول، إذا شرعت «١٨» لليأس أسنّة ونصول «١٩» : [البسيط] ما أقدر الله أن يدني على شحط ... من داره الحزن ممّن داره صول «٢٠» فإن كان كلم «٢١» الفراق رغيبا «٢٢» ، لمّا نويت مغيبا، وجلّلت الوقت الهنيّ تشغيبا، فلعلّ الملتقى يكون قريبا، وحديثه يروي صحيحا غريبا. إيه شقّة

стр. 1767

النّفس «١» كيف حال تلك الشّمائل، المزهرة الخمائل؟ والشّيم «٢» ، الهامية الدّيم، هل يمرّ ببالها من راعت بالبعد باله؟ وأخمدت بعاصف البين ذباله «٣» ؟ أو ترثي لشؤون شأنها سكب لا يفتر، وشوق يبتّ حبال الصّبر ويبتر، وضنى تقصر عن حلله الفاقعة صنعاء وتستر، والأمر أعظم والله يستر. وما الذي يضيرك؟ صين من لفح السّموم نضيرك، بعد أن أضرمت وأشعلت وأوقدت وجعلت، وفعلت فعلتك التي فعلت، أن تترفّق بذماء، أو تردّ بنغبة «٤» ماء أرماق ظماء، وتتعاهد المعاهد بتحيّة يشمّ عليها شذا أنفاسك، أو تنظر إلينا على البعد بمقلة حوراء من بياض قرطاسك، وسواد أنفاسك «٥» ، فربما قنعت الأنفس المحبّة بخيال زور، وتعلّلت بنوال منزور، ورضيت لمّا لم تصد العنقاء بزرزور: [الكامل] يا من ترحّل والرياح «٦» لأجله ... تشتاق «٧» إن هبّت شذا ريّاها تحيي النفوس إذا بعثت تحية ... فإذا عزمت اقرأ وَمَنْ أَحْياها «٨» ولئن أحييت بها فيما سلف نفوسا تفديك، والله إلى الخير يهديك، فنحن نقول معشر مريديك «٩» : ثنّ ولا تجعلها بيضة الدّيك «١٠» ، وعذرا فإنّي لم أجترىء «١١» على خطابك بالفقر الفقيرة، وأدللت لدى حجراتك برفع العقيرة، عن «١٢» نشاط بعثت «١٣» مرموسه «١٤» ، ولا اغتباط بالأدب تغري بسياسته سوسه، وانبساط أوحى إليّ على الفترة ناموسه، وإنما هو اتفاق جرّته نفثة المصدور، وهناء الجرب المجدور، وخارق

стр. 1768

لا مخارق «١» ، فثمّ قياس فارق، أو لحن غنّى به بعد البعد «٢» مفارق «٣» . والذي «٤» هيّأ هذا القدر وسبّبه، وسوّغ «٥» منه المكروه وحبّبه، ما اقتضاه الصّنو يحيى، مدّ الله حياته، وحرس من الحوادث ذاته- من خطاب ارتشف به لهذه القريحة بلالتها، بعد أن رضي علالتها، ورشّح إلى الصّهر الحضرمي سلالتها، فلم يسع إلّا إسعافه، بما أعافه، فأمليت مجيبا، ما لا يعدّ في يوم الرّهان «٦» نجيبا، وأسمعت وجيبا، لمّا ساجلت بهذه التّرهات سحرا عجيبا، حتى إذا «٧» ألف القلم العريان سبحه، وجمح برذون «٨» الغرارة «٩» فلم أطق كبحه، لم أفق من غمرة غلوّه، وموقف متلوّه، إلّا وقد تحيّز إلى فئتك «١٠» مغترّا، بل معترّا «١١» ، واستقبلها ضاحكا مفترّا، وهشّ لها برّا، وإن كان لونه من الوجل «١٢» مصفرّا، وليس بأول من هجر، في التماس الوصل ممّن هجر، أو بعث التّمر إلى هجر، وأي نسب بيني اليوم وبين زخرف الكلام، وإجالة جياد الأقلام، في محاورة الأعلام، بعد أن حال الجريض دون القريض «١٣» ، وشغل المريض عن التّعريض، واستولى «١٤» الكسل، ونصلت «١٥» الشعرات البيض، كأنّها الأسل «١٦» ، تروع برقط الحيّات، سرب الحياة، وتطرق بذوات «١٧» الغرر والشّيات «١٨» ، عند البيات. والشّيب الموت العاجل، وإذا ابيضّ زرع صبّحته المناجل، والمعتبر الآجل. وإذا اشتغل الشيخ بغير معاده، حكم في الظاهر بإبعاده، وأسره في ملكة عاده، فأغض، أبقاك الله، واسمح، لمن قصّر عن المطمح، وبالعين الكليلة فالمح، واغتنم لباس ثوب الثّواب، واشف بعض الجوى بالجواب، تولّاك الله

стр. 1769

فيما استضفت وملكت، ولا بعدت ولا هلكت، وكان لك آية سلكت، ووسمك من السعادة بأوضح السّمات، وأتاح لقاءك من قبل الممات. والسلام الكريم يعتمد جلال «١» ولدي، وساكن خلدي، بل أخي، وإن اتّقيت «٢» عتبه وسيدي، ورحمة الله وبركاته. [من محبّه المشتاق إليه محمد بن عبد الله بن الخطيب، وفي الرابع عشر من شهر ربيع الثاني، من عام سبعين وسبعمائة] «٣» . وخاطبت الفقيه أبا زكريا بن خلدون، لما ولّي الكتابة عن السلطان أبي حمّو موسى بن زيّان «٤» ، واقترن بذلك نصر وصنع غبطته به، وقصدت بذلك تنفيقه وإنهاضه لديه «٥» : نخصّ الحبيب الذي هو في الاستظهار به أخ وفي الشّفقة عليه ولد، والوليّ الذي ما بعد قرب مثله أمل ولا على بعده جلد، والفاضل الذي لا يخالف في فضله ساكن ولا بلد، أبقاه الله وفاز فوزه وعصمته لها من توفيق الله سبحانه «٦» عمد، ومورد سعادته المسوغ لعادته لا غور ولا ثمد «٧» ، ومدى إمداده من خزائن إلهام الله وسداده ليس له أمد، وحمى فرح قلبه بمواهب من «٨» ربّه أن «٩» يطرقه كمد. تحية محلّه، من صميم قلبه بمحلّه، المنشئ رواق الشّفقة مرفوعا بعمد المحبّة والمقة «١٠» فوق ظعنه وحلّه، مؤثره ومجله، المعتني بدقّ أمره وجلّه «١١» ، ابن الخطيب «١٢» . من الحضرة الجهادية غرناطة صان الله خلالها «١٣» ، ووقى هجير هجر الغيوم ظلالها، وعمر بأسود الله أغيالها، كما أغرى بمن «١٤» كفر بالله صيالها «١٥» . ولا زائد إلّا منن من «١٦» الله تصوب، وقوة يستردّ بها المغصوب، ويخفض «١٧» الصّليب المنصوب، والحمد لله

стр. 1770

الذي بحمده ينال المطلوب، وبذكره تطمئنّ القلوب. ومودّتكم المودّة التي غذّتها ثديّ الخلوص بلبانها، وأحلّتها حلائل المحافظة بين أعينها وأجفانها، ومهّدت مواتّ أخواتها «١» الكبرى أساس بنيانها، واستحقّت ميراثها مع استصحاب حال الحياة، إن شاء الله، واتصال أزمانها، واقتضاء عهود الأيام بيمنها وأمانها. ولله درّ القائل «٢» : [الطويل] فإن لم يكنها أو تكنه فإنّه ... أخوها غذته أمّه بلبانها وصل الله ذلك من أجله وفي ذاته، وجعله وسيلة إلى مرضاته، وقربة تنفع عند اعتبار ما روعي من سنن الجبّار ومفترضاته. وقد وصل كتابكم الذي فاتح بالريحان والرّوح، وحلّ من مرسوم الحياة «٣» محلّ البسملة من اللّوح، وأذن لنوافح الثناء بالبوح «٤» ، يشهد عدله بأنّ البيان يا آل خلدون سكن من «٥» مثواكم دار خلود، وقدح زندا غير صلود، واستأثر من محابركم السيّالة وقضب أقلامكم «٦» الميّادة الميّالة بأب منجب وأمّ ولود، يقفو «٧» شانيه غير المشنوّ، وفصيله غير الجرب ولا المهنوّ، من الخطاب السلطاني سفينة منوح «٨» ، إن لم نقل سفينة نوح. ما شئت من آمال أزواج، وزمر من الفضل وأفواج «٩» ، وأمواج كرم تطفو فوق أمواج، وفنون بشائر، وإهطاع «١٠» قبائل وعشائر، وضرب للمسرّات أعيا السّامر «١١» . فلله هو «١٢» من قلم راعى نسب القنا «١٣» فوصل الرّحم، وأنجد الوشيج الملتحم «١٤» ، وساق بعصاه من البيان الذّود المزدحم، وأخاف من شذّ عن الطاعة مع الاستطاعة فقال: لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ «١٥» . ولو لم يوجب الحقّ برقه ورعده، ووعيده ووعده، لأوجبه يمنه «١٦» وسعده. فلقد ظهرت مخايل نجحه، علاوة على نصحه، ووضحت محاسن صبحه، في وحشة الموقف الصّعب وقبحه، وصل الله له عوائد منحه، وجعله إقليدا

стр. 1771

كلما استقبل باب أمل وكّله الله بفتحه. أمّا ما قرّره ولاؤكم من حبّ زكا عن «١» حبّة القلب حبّه، وأنبته النبات الحسن ربّه، وساعده من الغمام سكبه، ومن النّسيم اللّدن مهبّه، فرسم ثبت عند الوليّ «٢» نظيره، من «٣» غير معارض يضيره، وربما أربى بتذييل مزيد، وشهادة ثابت ويزيد «٤» . ولم لا يكون ذلك وللقلب على القلب شاهد؟ وكونها أجنادا مجنّدة لا يحتاج تقريره إلى ماهد «٥» ، أو جهد جاهد. ومودّة الأخوّة سبيلها لاحب، ودليلها للدّعوى «٦» الصادقة مصاحب، إلى ما سبق من فضل ولقاء، ومصاقبة «٧» سقاء واعتقاد، لا يراع سربه بذئب انتقاد «٨» ، واجتلاء شهاب وقّاد، لا يحوج إلى إيقاد. إنما عاق عن مواصلة ذلك نوى شطّ منها الشّطن، وتشذيب لم يتعيّن معه الوطن. فلمّا تعيّن «٩» ، وكاد صبح «١٠» الحقّ أن يتبيّن، عاد الوميض ديجورا، والثّماد «١١» بحرا مسجورا، إلى أن أعلق الله منكم اليد بالسّبب الوثيق «١٢» ، وأحلّكم بمنجى نيق «١٣» ، لا يخاف من منجنيق، وجعل يراعكم لسعادة موسى «١٤» معجزة تأتي على الخبر بالعيان «١٥» ، فتخرّ لثعبانها سحرة البيان: [المتقارب] أيحيى، سقى، حيث لحت، الحيا «١٦» ... فنعم الشّعاب ونعم الرّكون «١٧» وحيّا يراعك من آية ... فقد حرّك القوم بعد السّكون دعوت لخدمة موسى عصاه ... فجاءت تلقّف ما يأفكون فأذعن من يدّعي السّحر رغما ... وأسلم من أجلها المشركون

стр. 1772

وساعدك السّعد «١» فيما أردت ... فكان كما ينبغي أن يكون فأنتم «٢» أولى الأصدقاء بصلة السّبب، ورعي الوسائل والقرب. أبقاكم الله وأيدي الغبطة بكم عالية «٣» ، وأحوال تلك «٤» الجهات بدرككم المهمات حالية، وديم المسرّات من إنعامكم المدرّات «٥» على معهود المبرّات متوالية «٦» . وأما ما تشوّفتم إليه من حال وليّكم فأمل متقلّص الظّل، وارتقاب لهجوم جيش الأجل المطلّ، ومقام على مساورة الصّلّ، وعمل يكذّب الدعوى، وطمأنينة تنتظر الغارة الشّعوا. ويد بالمذخور تفتح، وأخرى تجهد وتمنح، ومرض يزور فيثقل، وضعف عن الواجب يعقل «٧» إلّا أنّ اللطائف تستروح، والقلب من باب الرجاء لا يبرح. وربما ظفر اليائس «٨» ، ولم تطّرد «٩» المقايس «١٠» ، تداركنا الله بعفوه، وأوردنا من منهل الرّضا والقبول على صفوه، وأذن لهذا الخرق في رفوه. وأمّا ما طلبتم من انتساخ ديوان، وإعمال بنان في الإتحاف ببيان، فتلك عهود لديّ مهجورة، ومعاهد «١١» لا متعهّدة ولا مزورة، شغل عن ذلك خوض «١٢» يعلو لجبه، وحوض «١٣» يقضى «١٤» من لغط المانح عجبه، وهول جهاد تساوى جمادياه ورجبه، ولولا «١٥» التماس أجر، وتعلّل بربح تجر، لقلت: أهلا بذات النّحيين «١٦» . فلئن «١٧» شكت، وبذلت المصون بسبب ما أمسكت، فلقد ضحكت في الباطن ضعف ما بكت. ونستغفر الله من سوء انتحال، وإيثار المزاح بكلّ حال. وما الذي ينتظر مثلي ممّن عرف المآخذ والمتارك، وجرّب لما بلا المبارك، وخبر مساءة الدّنيا الفارك؟ هذا أيها الحبيب ما وسعه الوقت الضيق، وقد ذهب الشّباب الرّيّق «١٨» . فليسمح فيه معهود كمالك،

стр. 1773

جعل الله مطاوعة آمالك، مطاوعة يمينك لشمالك، ووطّأ لك موطّأ العزّ بباب كلّ مالك، وقرن النّجح بأعمالك، [وحفظك في نفسك وأهلك ومالك، والسّلام من فلان] «١» . وكتبت إلى الأولاد وهم بالمنكّب صحبة السلطان، ﵁ «٢» : [مخلع البسيط] يا ساكني مرفا الشّواني ... شوقي من بعدكم شواني ولاهج «٣» الشّوق قد هواني ... من بعدكم فاقتضى «٤» هواني كأنّه مالكا عناني ... أنموذج من أبي عنان لقد كفاني لقد كفاني ... باقي ذما ذاهب «٥» كفاني منّوا على الخوف بالأماني «٦» ... فأنتم جملة الأماني إلى أيّ كاهن أتنافر، وفي أيّ ملعب أتجاول وأتظافر، وبين يدي أيّ حاكم أتظالم فلا أتغافر، مع هذا الجبل، الذي هو في الشكل «٧» جمل، حفّ به من الثّعب «٨» همل، سنامه التّامك أجرد، وذنبه الشابل «٩» كأنه جمل يطرد، وعنقه إلى مورد البحر يتعرّج ويتعرّد، وكأنما البنية بأعلاه خدر فاتنة، أو برق غمامة هاتنة، استأثر غير ما مرّة بأنسي، وصارت عينه الحمئة مغرب شمسي، حتى كأن هذا الشّكل من خدر وبعير، وإن كان مجاز مستعير، يتضمن «١٠» شكوى البين، ويفرّق بين المحبّين: ما فرّق الأحباب بعد الله إلّا الإبل ... والناس يلحون «١١» غراب البين لما جهل وما على ظهر غراب البين تقضى «١٢» الرّحل ... ولا إذا صاح غراب في الديار ارتحل وما غراب البيت إلّا ناقة أو جمل

стр. 1774

فأقسم لولا أنّ الله ذكر الإبل في الكتاب الذي أنزل، وأعظم الغاية «١» بها وأجزل، لسللت عليه سلاح الدّعاء، وأغريت بهجره نفوس الرّعاء. وقلت: أراني الله إكسارك من بعير، فوق سعير، ولا سمحت لك «٢» عقبة الأندر «٣» والسعير «٤» ، ببرّ ولا شعير: [الوافر] دعوت عليك لمّا عيل صبري ... وقلبي قائل يا ربّ لا لا نستغفر الله، وأيّ ذنب لذي ذنب شائل، وليث مائل، بإزاء لجّ هائل، يتعاوره «٥» الوعد والوعيد، فلا يبدي ولا يعيد، وتمرّ الجمعة «٦» والعيد، فلا يستدبر «٧» ولا يستعيد «٨» ، إنما الذّنب لدهر يرى المجتمع فيغار، ويشنّ منه على الشّمل المغار «٩» ، ونفوس على هذا الغرض تسانده «١٠» ، وتعينه ليبطش ساعده، وتقاربه فيما يريد فلا تباعده: [الكامل] ولقد علمت فلا تكن متجنّيا ... إنّ الفراق هو الحمام الأول حسب الأحبّة أن يفرّق بينهم ... صرف الزمان «١١» فما لنا نستعجل لكن المحبّ جنيب «١٢» ، ولغرض المحبوب سليب «١٣» : [الطويل] ويحسن قبح «١٤» الفعل إن جاء منكم ... كما طاب عرف العود وهو دخان وقد قنعت برسالة تبلّغ الأنّة، وتدخل بعد ذلك الصّراط الجنّة، ويعبّر «١٥» لسانها عن شوقي من دون عقله، وتنظر عيني «١٦» من بياض طرسها وسواد نفسها بمقله. وإن «١٧» كان الجواب، فهو الأجر والثّواب، ولم أر مثل «١٨» شوقي من نار تخمد بطرس يلقى على أوارها، فيأمن عادية جوارها. لكنها نار الخليل ربما تمسّكت من

стр. 1775

المعجزة بأثر، وعثرت على آثاره مع من عثر، جمع الله من الشّمل بكم ما انتثر، وأنسى بالعين الأثر، وحرس على الكل من مسوق وسائق «١» ، وموحش ورائق، سرّ القلوب، ومناخ الجوى المجلوب، ومثار الأمل المطلوب. ولا زالت العصمة تنسدل فوق مثواه قبابها، والسّعود تحمل «٢» في أمره العليّ منانها «٣» . فالمحبوب إليه حبيب وإن أساء، وأوحش الصباح والمساء: [البسيط] إن كان ما ساءني ممّا يسرّكم ... فعذّبوا فقد استعذبت تعذيبي والسلام عليكم ما حنّ مشوق، وتأوّد لليراع في رياض الرّقاع قضيب «٤» ممشوق، ورحمة الله وبركاته. وأجاب عن ذلك الفقيه أبو عبد الله بن زمرك، كاتب الدولة، والولدان عبد الله وعلي «٥» ، بما يستحسن في غرض الرسالة وأبياتها، فراجعت الثلاثة بما نصه «٦» : [مخلع البسيط] أكرم بها من بناء بان «٧» ... أرسخ في الفخر «٨» من أبان أجنا «٩» لديها الرّضا حنان «١٠» ... من المعاني جنا جناني أيّ جبي «١١» للأكفّ دان «١٢» ... ما للمباري «١٣» به يدان أقسم بالذّكر والمثان ... ما لك فيما سمعت ثان مدامة بزّت «١٤» الأواني ... تشطّ «١٥» للقول كلّ وان «١٦» تقول أوضاعها الغواني «١٧» ... بالعلم عن زينة الغوان

стр. 1776

يا ربّ، بارك لمن بنان «١» ... في الفكر والقلب والبنان هكذا هكذا، وبعين الحسود القذا، تستشار «٢» الدّرر الكامنة، وتهاج القرائح النّائمة، في حجر «٣» الغفلة الآمنة، وتقتضى «٤» الدّيون من الطباع الضامنة: [الرجز] أعيذها بالخمس من ولائد ... قد قلّدت بنخب القلائد أعيذها بالخمس من حبايب ... يغذّين بالمراضع الأطايب أعيذها بالخمس من وجوه ... يصونها الله من المكروه ويا ماتح «٥» قلب القلوب أرويت «٦» ، وصدق ما نويت، البير بيرك، ذو «٧» حفرت وذو طويت، وما رميت إذ رميت، ولو علمنا السّرائر، لأعددنا لهذا المكيل الغرائر، ولو تحقّقنا إجابة السؤال، والنّسيج على هذا المنوال، لفسحنا الظروف لهذا النّوال. ساجلنا الغيوث فشححنا، وبارزنا اللّيوث فافتضحنا، وصلّينا والحمد لله على السلامة بما قدحنا، لا بل التمسنا نقبة «٨» ، فأقطعنا «٩» تنوّرا، واقتبسنا جذوة، فأقبسنا نورا، وما كان عطاء ربّك محظورا «١٠» : [الكامل] ملك الثلاث الآنسات عناني ... وحللن من قلبي بكلّ مكان هذي الهلال وتلك بنت المشتري ... حسنا وهذي أخت غصن البان متى كان أفق المنكّب، مطلعا لهذا الكوكب، وأجمة ذلك «١١» الساحل الماحل، مرتبعا لهذا الذّمر الحلاحل «١٢» ، ومورد الجمل البادي «١٣» العرّ، مغاصا «١٤» لمثل هذا الدّرّ، إلّا أن يكون كنز هذا المرام، المستدعي للكلف «١٥» والغرام، من مستودعات

стр. 1777

تلك الأهواء والأهرام، دفنه «١» الملك الغصّاب، بعد أن قدّست الأنصاب، وأخفى «٢» الأثر فلا يصاب، أو تكون الأنوار هنالك تتجسّم، والحظوظ تعيّن وتقسّم، والحقائق تحدّ وترسم، أو تتوالد بتلك المغارات يوسانيا وروسم. أنا ما «٣» ظننت بأن تثور من أجم الأقلام أسود، وتعبث بالسّويداوات من نتائج اليراع والدواة لحاظ سود. من قال في الإنسان عالما صغيرا فقد ظلمه، كيف والله بالقلم علّمه، ورفع في العوالم علمه. لقد درّت حلمات تلك الأقلام «٤» من رسل غزير، وما كان فحل تلك الأقلام بزير، ولا سلطان تلك الطّباع المديدة الباع ليستظهر بوزير. إنما هي مشاكي كمال «٥» أوقدها الله وأسرجها، وملكات في القوة رجّحها «٦» مرجّح القوة فأبرزها إلى العقل وأخرجها. وأحر بها أن تحطّ بذرى «٧» المدارك الإلهية رحالها، وتترك إلى الواجب الحقّ محالها، فتتجاوز أوحالها، مستنيرة بما أوحي لها. إيه بنيّة، أقسم بربّ البنيّة، وقاسم الحظوة السنيّة، لقد فزت من نجابتكم عند التماح إجابتكم بالأمنيّة، فما أبالي بعدها بالمنيّة. وقاه الله عين الكمال من كمال، صان سروجه من إهمال «٨» ، واكتنفه بالمزيد من غير «٩» يمين وشمال، كما سوّغ الفقير مثلي إلى فقرها زكاة جمال «١٠» ، لا زكاة جمال. ولعمري، وما عمري عليّ بهيّن، ولا الحلف في مقطع الحقّ بمتعيّن، لقد أحقب «١١» منها إليّ ثلاث كتائب، قادها النّصر جنائب، ألفاتها العصي، ونوناتها القسيّ، وغاياتها المرام القصيّ «١٢» ، ورقومها الحلق «١٣» ، وجيادها قد فشا فيها البلق، بحيث لا استظهار للشيخ إلّا بشعب سدر «١٤» ، ولا افتراس إلّا لمرقة «١٥» قدر، ودريد هذا الفن يحمل في خدر: [الكامل] سلّت عليّ سيوفها أجفانه ... فلقيتهنّ من المشيب «١٦» بمغفر فلولا تقدّم العهد بالسّلم، لخيف من كلمها وقوع الكلم. أما إحداهنّ ذات القتام «١٧» ، والدّلج بالإعتام، المستمدّ سوادها الأعظم من مسك الختام، فعلّلت «١٨»

стр. 1778

فريضة نظامها بالزيادة، وعلت يدها بمنشور السّيادة، ورسم شنشنتها المعروفة لأخزم «١» ، وجادها من الطّبع السّماك والمرزم، وضفر أشجاعها «٢» المضفّرة لزوم ما لا يلزم: [الكامل] خدم اليراع بها فدبّجها «٣» ... وسألت مجتهدا عن الغرض «٤» فعلمت أنّ الصّلح مقصده ... لتزول بعض عداوة الرّبض وأما أختها التّالية، ولدّتها الحافلة الحالية «٥» ، فنؤوم مكسال، ريقها برود سلسال، ومن دونها موارد ونسال «٦» ، وذئب عسّال، وإن علّلت «٧» بنقص في النّظم، وقد أخذت من البدائع بالكظم، وامتكّته «٨» المعاني امتكاك العظم. وأمّا الثالثة فكاعب، حسنها بالعقول متلاعب، بنت لبون، لا لهمة «٩» حرب زبون، حيّاها الله وبيّاها، فما أعطر ريّاها: [البسيط] تشمّ أرواح «١٠» نجد من ثيابهم ... عند القدوم لقرب العهد بالدّار ولو قصّرت لتغمّد تقصيرها، وكثر بالحقّ نصيرها، فكيف وقد أجادت «١١» ، وصابت غمامتها وجادت. وقد شكرت على الجملة والتّفصيل، وعرفت منّة الباذل وجهد الفصيل، وطالعت مسائل البيان والتّحصيل، وقابلت مفضّض الضّحى بمذهّب الأصيل. وأثرت يدي وكانت إلى تلك الفقر فقيرة، ونبهت في عيني الدّنيا وكانت حقيرة، ورجحت «١٢» أن لا تعدم هذه الأسواق مديرا، ولا تفقد هذه الآفاق روضة وغديرا. وسألت لجملتكم المحوطة للشّمل، الملحوظة بعين السّتر والحمل «١٣» ، عزّا أثيرا، وخيرا كثيرا، وأمنا تحمدون منه فراشا وثيرا. وعذرا أيها الأحباب، والصّفو اللّباب، عن كدح سنّ وكبرة، وفلّ استرجاع وعبرة، استرقته ولجّ الشّغب «١٤» ذو النظام، والخلق فراش يكبّون منّي على حطام، ورسل الفرنج قد غشي المنازل منثالها، ونبحتها «١٥» بالعشيّ أمثالها، والمراجعات تشكون اللّبث «١٦» ، والجباة تستشعر

стр. 1779

المكيدة والخبث «١» : [الطويل] ولو كان همّا واحدا لبكيته ... ولكنّه همّ وثان وثالث والله، ، يمتّع بأنسكم من عدم الاستمتاع بسواه، وقصر «٢» عليه متشعّب هواه، ويبقي بركة المولى الذي هو قطب مدار هذه الأقمار، والأهلّة، لا بل مركز فلك الملّة، وسجلّ حقوقها المستقلّة، والسلام عليكم، ما حنّت النّيب إلى الفصال، وتعلّلت أنفس المحبّين بذكر أزمنة «٣» الوصال، وكرّت البكر على الآصال، ورحمة الله وبركاته. وكتبت إلى بعض الفضلاء، وقد بلغني مرضه أيام كان اللحاق بالمغرب: وردت عليّ من فئتي التي إليها في معرك الدهر أتحيّز، وبفضل فضلها في الأقدار المشتركة أتميّز، سحاءة سرّت وساءت، وبلغت من القصدين ما شاءت، أطلع بها صنيعة ودّه من شكواه على كل عابث في السّويداء، موجب اقتحام البيداء، مضرم نار الشّفقة في فؤاد لم يبق من صبره إلّا القليل، ولا من إفصاح لسانه إلّا الأنين والأليل، ونوى مدّت لغير ضرورة يرضاها الخليل، فلا تسل عن ضنين تطرّقت اليد إلى رأس ماله، أو عابد موزع متقبّل أعماله، وأمل ضويق في فذلكة آماله. لكني رجّحت دليل المفهوم على دليل المنطوق، وعارضت القواعد الموحشة بالفروق، ورأيت الخطّ يبهر والحمد لله ويروق، واللفظ الحسن ومض في حبره للمعنى الأصيل بروق، فقلت: ارتفع الوصب، وردّ من الصّحة المغتصب، وكلّة الحسّ والحركة هو العصب. وإذا أشرق سراج الإدراك حمل على سلامة سليطه، والرّوح خليط البدن والمرء بخليطه، وعلى ذلك فبليد احتياطي لا يقنعه إلا الشّرح، فيه يسكن الظّمأ البرح. وعذرا عن التكليف فهو محلّ الاستقصاء والاستفسار، والإطناب والإكثار. وزند القلق في مثلها أورى، والشّفيق بسوء الظن مغرى. والسلام. وخاطبت بعضهم: كتبت إلى سيدي، والخجل قد صبغ وجه يراعي، وعقّم ميلاد إنشائي واختراعي، لمكارمه التي أعيت منّة ذراعي، وعجر في خوض بحرها سفيني وشراعي، فلو كان فضله فنّا محصورا، لكنت على الشكر معانا منصورا، أو على غرض مقصورا، لزارت أسدا هصورا، ولم يكن فكري عن عقائل البيان

стр. 1780

حصورا، لكنه نجد تألّق بكل ثنيّة، ومكارم رمت عن كلّ حنيّة، ومجد سبق إلى كل أمنيّة، وأياد ببلوغ غايات الكمال معنيّة. فحسبي الإلقاء باليد لغلبة تلك الأيادي، وإسلام قيادي، إلى ذلك المجد السّيادي، وإعفاء يراعي ومدادي. فإذا كانت الغاية لا تدرك، فالأولى أن يلقى الكدّ ويترك، ولا يعرّج على الادّعاء، ويصرف القول من باب الخبر إلى باب الدّعاء. وقد وصل كتاب سيّدي مختصر الحجم، جامعا بين النّجم والنّجم، قريب عهد من يمينه بمجاورة المطر السّجم، فقلت: اللهمّ كلّف سيدي وأجزه، ومدّ يده بالضّر فاخزه. ولله درّ المثل، أشبه امرؤ بعض برّه كمال واختصار، وريحان أنوف وإثمد أبصار. أعلق بالرّعي الذي لا يقرّ بعد الدار من شيمته، ولا يقدح اختلاف العروض والأقطار في ديمته. إنما نفسه الكريمة والله يقيها، وإلى معارج السعادة يرقّيها، قانون يلحق أدنى الفضائل بأقصاها، وكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها. وإني وإن عجزت عما خصّني من عمومها، وأحسّني من جموعها، لمخلّد ذكر يبقى وتذهب اللها، ويعلى مباني المجد تجاوز ذوابها السّها، ويذيع بمخايل الملك فما دونها، ممادح يهوى المسك أن يكونها، ويقطف له الروض المجود غصونها، وتكحل به الحور العين عيونها، وتؤدي منه الأيام المتهرّبة ديونها. وإن تشوّف سيدي، بعد حمده وشكره، واستنفاد الوسع في إطالة حمده، وإطابة ذكره، إلى الحال، ففلان حفظه الله يشرح منها المجمل، ويبيّن من عواملها الملغى والمعمل. وإما اعتناء سيدي بالولد المكفّن بحرمته، فليس ببدع في بعد صيته، وعلوّ همّته، على من تمسّك بأذمّته، وفضله أكبر من أن يقيّد بقصّة، وبدر كماله أجلّ من أن يعدّل بوسط أو حصّة. والله تعالى يحفظ منه في الولاء وليّ القبلة، ووليّ المكارم بالكسب والجبلّة، ويجعل جيش ثنائه لا يؤتى من القلّة، بفضله وكرمه، والسلام الكريم عليه، ورحمة الله وبركاته. وكتب في كذا. ومن تشوف إلى الإكثار من هذا الفن، فعليه بكتابنا المسمى ب «ريحانة الكتّاب، ونجعة المنتاب» «١» . رسالة السياسة قال ابن الخطيب: ولنختم هذا الغرض ببعض ما صدر عني في السّياسة وكان إملاؤها في ليلة واحدة «٢» :

стр. 1781

حدّث من امتاز باعتبار الأخبار، وحاز درجة الاشتهار، بنقل حوادث الليل والنهار، وولج بين الكمائم والأزهار، وتلطّف لخجل الورد من تبسّم البهار، قال: سهر الرشيد ليلة «١» ، وقد مال في هجر النبيذ ميلة «٢» ، وجهد ندماؤه في جلب راحته، وإلمام النوم بساحته، فشحّت عهادهم «٣» ، ولم يغن اجتهادهم. فقال: اذهبوا إلى طرق سمّاها ورسمها، وأمهات قسمها، فمن عثرتم عليه من طارق ليل، أو غثاء سيل، أو ساحب ذيل، فبلّغوه، والأمنة سوّغوه، واستدعوه، ولا تدعوه. فطاروا عجالى، وتفرّقوا ركبانا ورجالا، فلم يكن إلّا ارتداد طرف، أو فواق حرف «٤» ، وأتوا بالغنيمة التي اكتسحوها، والبضاعة التي ربحوها، يتوسّطهم الأشعث الأغبر، واللّجّ الذي لا يعبر، شيخ طويل القامة، ظاهر الاستقامة، سبلته مشمطّة، وعلى أنفه من القبح «٥» مطّة، وعليه ثوب مرقوع، لطير الخرق «٦» عليه وقوع، يهينم بذكر مسموع، وينبئ عن وقت مجموع. فلما مثل سلّم، وما نبس بعدها ولا تكلّم. فأشار إليه الملك «٧» فقعد، بعد أن انشمر وابتعد، وجلس، فما استرقّ النظر ولا اختلس، إنما حركة فكره، معقودة بزمام ذكره، ولحظات اعتباره، في تفاصيل أخباره. فابتدره الرشيد سائلا، وانحرف إليه مائلا، وقال: ممن الرجل؟ فقال: فارسيّ الأصل، أعجميّ الجنس عربيّ الفصل، قال: بلدك، وأهلك وولدك؟ قال: أمّا الولد فولد الدّيوان، وأمّا البلد فمدينة الإيوان. قال: النّحلة، وما أعملت إليه الرّحلة؟ قال: أمّا الرّحلة فالاعتبار، وأمّا النّحلة فالأمور الكبار، قال: فنّك، الذي اشتمل علية دنّك؟ فقال: الحكمة فنيّ الذي جعلته أثيرا، وأضجعت منه فراشا وثيرا، وسبحان الذي يقول: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً «٨» . وما سوى ذلك فتبيع «٩» ، ولي فيه مصطاف وتربيع «١٠» . قال: فتعاضد جذل الرشيد وتوفّر، وكأنما «١١» غشي وجهه قطعة من الصبح إذا أسفر، وقال: ما رأيت كاللّيلة أجمع لأمل شارد، وأنعم بمؤانسة وارد. يا هذا، إني سائلك، ولن تخيب بعد وسائلك، فأخبرني

стр. 1782

بما «١» عندك في هذا الأمر الذي بلينا بحمل أعبائه، ومنينا بمراوضة إبائه «٢» ، فقال: هذا الأمر قلادة ثقيلة، ومن خطّة العجز مستقيلة، ومفتقرة لسعة الذّرع، وربط السياسة المدنية بالشّرع، يفسدها «٣» الحلم «٤» في غير محلّه، ويكون ذريعة إلى حلّه، ويصلحها «٥» مقابلة الشكل بشكله: [المتقارب] ومن لم يكن سبعا آكلا ... تداعت سباع إلى أكله فقال الملك: أجملت ففصّل، وبريت فنصّل، وكلت فأوصل، وانثر الحبّ لمن يحوصل، واقسم السياسة فنونا، واجعل لكلّ لقب قانونا، وابدأ بالرّعيّة، وشروطها المرعيّة. فقال: رعيّتك ودائع الله «٦» قبلك، ومرآة العدل الذي عليه جبلك، ولا تصل إلى ضبطهم إلّا بإعانته «٧» التي وهب لك. وأفضل ما استدعيت به عونك «٨» فيهم، وكفايته التي تكفيهم، تقويم نفسك عند قصد تقويمهم، ورضاك بالسّهر لتنويمهم، وحراسة كهلهم ورضيعهم، والترفّع عن تضييعهم، وأخذ كل طبقة بما عليها وما لها، أخذا يحوط مالها، ويحفظ عليها كمالها، ويقصّر عن غير الواجب آمالها، حتى تستشعر عليتها «٩» رأفتك وحنانك، وتعرف أوساطها في النّصب امتنانك، وتحذر سفلتها سنانك، وحظّر على كلّ طبقة منها أن تتعدّى طورها، أو تخالف دورها، أو تجاوز بأمر طاعتك فورها. وسدّ فيها سبل الذريعة، وأقصر جميعها على «١٠» خدمة الملك بموجب الشّريعة، وامنع أغنياءها من البطر والبطالة، والنظر في شبهات الدين بالتّمشدق والإطالة، وليقلّ فيما شجر بين السلف «١١» كلامها، وترفض «١٢» ما ينبز به أعلامها، فإنّ ذلك يسقط الحقوق، ويرتّب العقوق. وامنعهم من فحش الحرص والشّره، وتعاهدهم بالمواعظ التي تجلو البصائر من المره «١٣» ، واحملهم من الاجتهاد في العمارة على أحسن المذاهب، وانهم عن التحاسد على المواهب، ورضهم على الإنفاق بقدر الحال، والتعزّي عن الفائت فردّه من المحال. وحذّر «١٤» البخل على «١٥»

стр. 1783

أهل اليسار، والسّخاء على أولي الإعسار. وخذهم من الشّريعة بالواضح الظاهر، وامنعهم من تأويلها منع القاهر. ولا تطلق لهم التّجمّع على من أنكروا أمره في نواديهم، وكفّ عنهم أكفّ تعدّيهم، ولا تبح لهم تغيير ما كرهوه بأيديهم. ولتكن غايتهم، فيما توجّهت إليه إبايتهم، ونكصت عن الموافقة عليه رايتهم، إنهاؤه «١» إلى من وكلته بمصالحهم من ثقاتك، المحافظين على أوقاتك. وقدّم منهم من أمنت عليهم مكره، وحمدت على الإنصاف شكره، ومن كثر حياؤه مع التّأنيب، وقابل الهفوة باستقالة «٢» المنيب، ومن لا يتخطّى عندك «٣» محلّه، الذي حلّه، فربما عمد إلى المبرم فحلّه. وحسّن النّية لهم بجهد الاستطاعة، واغتفر المكاره في جنب حسن الطاعة. وإن ثار جرادهم، واختلف في طاعتك مرادهم، فتحصّن لثورتهم، واثبت لفورتهم، فإذا سألوا وسلّوا، وتفرّقوا وانسلّوا، فاحتقر كثرتهم، ولا تقل عثرتهم «٤» ، واجعلهم لما بين أيديهم وما خلفهم نكالا، ولا تترك لهم على حلمك اتّكالا. ثم قال: والوزير الصالح أفضل عددك، وأوصل مددك، فهو الذي يصونك عن الابتذال، ومباشرة الأنذال، ويثب لك على الفرصة، وينوب في تجرّع الغصّة، واستجلاء القصّة، ويستحضر ما نسيته من أمورك، ويغلّب فيه الرأي بموافقة مأمورك، ولا يسعه ما تمكنك المسامحة فيه، حتى يستوفيه. واحذر مصادمة تيّاره، والتجوّز في اختياره، وقدّم استخارة الله في إيثاره، وأرسل عيون الملاحظة في «٥» آثاره، وليكن معروف «٦» الإخلاص لدولتك، معقود الرّضا والغضب برضاك وصولتك، زاهدا عمّا في يديك، مؤثرا كلّ «٧» ما يزلف لديك، بعيد الهمّة، راعيا للأذمّة «٨» ، كامل الآلة، محيطا بالإيالة، رحب «٩» الصّدر، رفيع القدر، معروف البيت، نبيه الحيّ والميت، مؤثرا للعدل والإصلاح، دريّا «١٠» بحمل السّلاح، ذا خبرة بدخل المملكة وخرجها، وظهرها وسرجها، صحيح العقد، متحرّزا من النّقد، جادّا عند لهوك، متيقّظا في حال سهوك، يلين عند غضبك، ويصل الإسهاب بمقتضبك «١١» ، قلقا من شكره دونك

стр. 1784

وحمده، ناسبا لك الأصالة «١» بعمده. وإن أعيا عليك وجود أكثر هذه الخلال، وسبق إلى نقيضها «٢» شيء من الاختلال، فاطلب منه سكون النّفس وهدونها «٣» ، وأن لا يرى منك رتبة إلّا رأى قدره دونها، وتقوى الله تفضل شرف الانتساب، وهي للفضائل فذلكة الحساب. وساو في حفظ غيبه بين قربه ونأيه، واجعل حظّه من نعمتك موازيا لحظّك من حسن رأيه، واجتنب منهم من يرى في نفسه إلى الملك سبيلا، أو يقود من عيصه للاستظهار عليك قبيلا، أو من كاثر مالك ماله، أو من تقدم لعدوّك استعماله، أو من سمت لسواك آماله، أو من يعظم عليه إعراض وجهك، ويهمّه نادرة «٤» نهجك «٥» ، أو من يداخل غير أحبابك، أو من ينافس أحدا ببابك. وأمّا الجند فاصرف التّقويم «٦» منهم للمقاتلة، والمكايدة المخاتلة «٧» ، واستوف عليهم شرائط الخدمة، وخذهم بالثّبات للصّدمة، ووفّ ما أوجبت لهم من الجراية والنّعمة، وتعاهدهم عند الغناء بالعلف «٨» والطّعمة، ولا تكرّم منهم إلّا من أكرمه غناؤه، وطاب في الذّبّ عن ملّتك «٩» ثناؤه، وولّ «١٠» عليهم النّبهاء من خيارهم، واجتهد في صرفهم عن الافتنان بأهلهم «١١» وديارهم، ولا توطّئهم الدّعة مهادا، وقدّمهم على حفظك «١٢» وبعوثك متى «١٣» أردت جهادا، ولا تلن «١٤» لهم في الإغماض عن حسن طاعتك قيادا، وعوّدهم حسن المواساة بأنفسهم اعتيادا، ولا تسمح لأحد منهم في إغفال شيء من سلاح استظهاره، أو عدّة اشتهاره، وليكن ما فضل عن «١٥» شبعهم وريّهم، مصروفا إلى سلاحهم وزيّهم، والتّزيّد في مراكبهم وغلمانهم، من غير اعتبار لأثمانهم. وامنعهم من المستغلّات والمتاجر، وما يتكسّب منه غير المشاجر، وليكن من الغزو اكتسابهم، وعلى المغانم حسابهم، كالجوارح التي تفسد باعتيادها، أن تطعم من غير اصطيادها. واعلم أنها لا تبذل نفوسها من عالم الإنسان، إلّا لمن يملك قلوبها بالإحسان وفضل اللّسان، ويملك حركاتها بالتّقويم، ورتبها بالميزان القويم، ومن تثق بإشفاقها «١٦» على أولادها،

стр. 1785

وتشتري «١» رضا الله بصبرها «٢» على طاعته وجلادها. فإذا استشعرت لها هذه الخلال تقدمتك إلى مواقف التّلف، مطيعة دواعي الكلف، واثقة منك بحسن الخلف. واستبق إلى تمييزهم استباقا، وطبّقهم طباقا، أعلاها من تأمّلت منه في المحاربة عنك إحظارا «٣» ، وأبعدهم في مرضاتك مطارا «٤» ، وأضبطهم لما تحت يدك «٥» من رجالك حزما ووقارا، واستهانة بالعظائم واحتقارا، وأحسنهم لمن تقلّده أمرك من الرعيّة جوارا، إذا أجدت اختيارا، وأشدّهم على مماطلة من مارسه من الخوارج عليك اصطبارا. ومن بلا «٦» في الذبّ عنك «٧» إحلاء وإمرارا، ولحقه الضّرّ في معارك «٨» الدفاع عنك مرارا. وبعده من كانت محبّته لك أكثر «٩» من نجدته، وموقع رأيه أصدق «١٠» من موقع صعدته «١١» . وبعده «١٢» من حسن انقياده لأمرائك، وإحماده لآرائك، ومن جعل نفسه من الأمر حيث جعله «١٣» ، وكان صبره على ما عراه أكثر من اعتداده بما فعله. واحذر منهم من كان عند نفسه أكبر من موقعه في الانتفاع، ولم يستح «١٤» من التزيّد بأضعاف ما بذله من الدّفاع، وشكا البخس فيما تعذّر عليه من فوائدك، وقاس بين عوائد «١٥» عدوّك وعوائدك، وتوعّد بانتقاله عنك وارتحاله، وأظهر الكراهية لحاله. وأما العمّال فإنهم ينبئون «١٦» عن مذهبك، وحالهم في الغالب شديدة الشّبه بك، فعرّفهم في أمانتك السّعادة، وألزمهم في رعيّتك العادة، وأنزلهم من كرامتك بحسب منازلهم في الاتّصاف، بالعدل والإنصاف، وأحلّهم من الحفاية، بنسبة مراتبهم من الأمانة والكفاية، وقفهم عند تقليد الأرجاء، مواقف الخوف والرّجاء، وقرّر في نفوسهم أنّ أعظم ما به إليك تقرّبوا، وفيه تدرّبوا، وفي سبيله أعجموا وأعربوا، إقامة حقّ ودحض باطل «١٧» ، حتى لا يشكو غريم مطل ماطل، وهو آثر لديك من كل رباب «١٨» هاطل. وكفّهم من الرّزق الموافق، عن التصدّي لدنيء المرافق. واصطنع منهم من تيسّرت كلفته، وقويت للرعايا ألفته، ومن زاد على تأميله صبره، وأربى على

стр. 1786

خبره خبره، وكانت رغبته في حسن الذّكر، تشفّ «١» على غيرها من بنات الفكر، واجتنب منهم من غلب «٢» عليه التّخرّق في الإنفاق، وعدم الإشفاق، والتنافس في الاكتساب، وسهل عليه سوء الحساب، وكانت ذريعته المصانعة بالنّفاية، دون التّقصّي والكفاية، ومن كان منشؤه خاملا، ولأعباء الدّناءة حاملا، وابغ من يكون الاعتذار في أعماله، أوضح من الاعتذار في أقواله، ولا يفتننّك من «٣» قلّدته اجتلاب الحظّ المطمع «٤» ، والتّنفّق بالسّعي المسمع، ومخالفة السّنن المرعيّة وإتباعه رضاك بسخط الرعيّة، فإنه قد غشّك، من حيث بلّك ورشّك، وجعل من يمينك في شمالك، حاضر مالك. ولا تضمّن عاملا مال عمله، وحل بينه فيه وبين أمله، فإنّك تميت رسومك بمحيّاه، وتخرجه من خدمتك فيه إلّا أن تملّكه إيّاه. ولا تجمع له في «٥» الأعمال فيسقط استظهارك ببلد على بلد، والاحتجاج على والد بولد، واحرص على أن يكون في الولاية غريبا، ومتنقّله منك قريبا، ورهينة لا يزال معها مريبا، ولا تقبل مصالحته على شيء اختانه، ولو برغيبة فتّانه، فتقبل المصانعة في أمانتك، وتكون مشاركا له «٦» في خيانتك، ولا تطل مدّة العمل، وتعاهد كشف الأمور ممّن يرعى الهمل، ويبلغ الأمل. وأما الولد فأحسن آدابهم، واجعل الخير دابهم «٧» ، وخف عليهم من إشفاقك وحنانك، أكثر من غلظة جنانك، واكتم عنهم ميلك، وأفض عليهم جودك ونيلك، ولا تستغرق بالكلف بهم يومك ولا ليلك، وأثبهم على حسن الجواب، وسبّق إليهم «٨» خوف الجزاء على رجاء الثواب، وعلّمهم الصّبر على الضّرائر، والمهلة عند استخفاف الجرائر، وخذهم «٩» بحسن السّرائر، وحبّب إليهم مراس الأمور «١٠» الصعبة المراس، وحصّن «١١» الاصطناع والاغتراس، والاستكثار من أولي المراتب والعلوم، والسياسات والحلوم، والمقام المعلوم، وكرّه إليهم مجالسة الملهين، ومصاحبة السّاهين، وجاهد أهواءهم عن عقولهم، واحذر «١٢» الكذب على مقولهم، ورشّحهم

стр. 1787

إذا أنست منهم رشدا أو هديا، وأرضعهم من المؤازرة والمشاورة ثديا، لتمرّنهم على الاعتياد، وتحملهم على الازدياد، ورضهم رياضة الجياد، واحذر عليهم الشهوات فهي داؤهم، وأعداؤك في الحقيقة وأعداؤهم. وتدارك الخلق الذّميمة كلّما نجمت، واقذعها إذا هجمت، قبل أن يظهر تضعيفها، ويقوى ضعيفها، فإن أعجزتك في صغرهم «١» الحيل، عظم الميل: [البسيط] إنّ الغصون إذا قوّمتها اعتدلت ... ولن تلين إذا قوّمتها الخشب وإذا قدروا على التدبير، وتشوّفوا للمحلّ الكبير، فلا «٢» توطّنهم في مكانك، جهد إمكانك، وفرّقهم في بلدانك، تفريق عبدانك. واستعملهم في بعوث جهادك، والنيابة عنك في سبيل اجتهادك، فإنّ حضرتك تشغلهم بالتّحاسد، والتّباري والتّفاسد. وانظر إليهم بأعين الثّقات، فإنّ عين الثقة، تبصر ما لا تبصر عين المحبّة والمقة. وأمّا الخدم فإنهم بمنزلة الجوارح التي تفرّق بها وتجمع، وتبصر وتسمع، فرضهم بالصدق والأمانة، وصنهم صون الجمانة «٣» ، وخذهم بحسن الانقياد إلى ما آثرته، والتقليل ممّا استكثرته. واحذر منهم من قويت شهواته، وضاقت عن هواه لهواته، فإنّ الشهوات تنازعك في استرقاقه، وتشاركك في استحقاقه. وخيرهم من ستر ذلك عليك «٤» بلطف الحيلة، وآداب للفساد مخيلة «٥» . وأشرب قلوبهم أنّ الحقّ في كلّ ما حاولته واستنزلته، وأنّ الباطل في كلّ ما جانبته واعتزلته، وأنّ من تصفّح منهم أمورك فقد أذنب، وباين الأدب وتجنّب. وأعط من أكددته، وأضقت منهم ملكه وشددته، روحة يشتغل فيها بما يغنيه «٦» ، على حسب صعوبة ما يعانيه، تغبطهم فيها بمسارحهم، وتجمّ كليلة جوارحهم. ولتكن عطاياك فيهم بالمقدار الذي لا يبطر أعلامهم، ولا يؤسف الأصاغر فيفسد أحلامهم، ولا ترم محسنهم بالغاية من إحسانك، واترك لمزيدهم فضلة من رفدك ولسانك. وحذّر عليهم مخالفتك ولو في صلاحك، بحدّ سلاحك. وامنعهم من التّواثب والتّشاجر، ولا تحمد لهم شيم التّقاطع والتّهاجر، واستخلص منهم لسرّك من قلّت في الإفشاء ذنوبه، وكان أصبرهم «٧» على ما ينوبه، ولودائعك من كانت رغبته في وظيفة لسانك، أكثر من رغبته في إحسانك،

стр. 1788

وضبطه لما تقلّده «١» من وديعتك، أحبّ إليه من حسن صنيعتك. وللسّفارة عنك من حلا الصدق في فمه، وآثره ولو بإخطار دمه، واستوفى لك وعليك فهم ما تحمّله، وعني بلفظه حتى لا يهمله، ولمن تودعه أعداء دولتك من كان مقصور الأمل، قليل القول صادق العمل، ومن كانت قسوته زائدة على رحمته، وعظمه في مرضاتك آثر من شحمته، ورأيه في الحذر سديد، وتحرّزه من الحيل شديد. ولخدمتك في ليلك ونهارك من لانت طباعه، وامتدّ في حسن السّجية باعه، وآمن كيده وغدره، وسلم من الحقد صدره، ورأى المطامع فما طمع، واستثقل إعادة ما سمع، وكان بريئا من الملال، والبشر عليه أغلب الخلال. ولا تؤنسهم منك بقبيح فعل ولا قول، ولا تؤيسهم من طول «٢» . ومكّن في نفوسهم أنّ أقوى شفعائهم، وأقرب إلى الإجابة من دعائهم، إصابة الغرض فيما به وكلوا، وعليه شكّلوا، فإنّك لا تعدم بهم انتفاعا، ولا يعدمون لديك ارتفاعا. وأمّا الحرم فهنّ «٣» مغارس الولد، ورياحين الخلد، وراحة القلب الذي أجهدته الأفكار، والنّفس التي تقسّمها الإحماد إلى المساعي والإنكار «٤» ، فاطلب منهنّ من غلب عليهنّ من حسن الشّيم، المترفّعة عن القيم، ما لا يسوءك في خلدك، أن يكون في ولدك، واحذر أن تجعل لفكر بشر دون بصر إليهنّ سبيلا، وانصب دون ذلك عذابا وبيلا «٥» ، وأرعهنّ من النّساء العجز من فاقت «٦» في الدّيانة والأمانة سبله «٧» ، وقويت غيرته ونبله، وخذهنّ بسلامة النّيّات، والشيم السّنيّات، وحسن الاسترسال، والخلق السّلسال. وحظّر «٨» عليهنّ التّغامز والتّغاير، والتّنافس والتّخاير، وآس «٩» بينهنّ في الأغراض، والتّصامم عن الإعراض، والمحاباة بالأعراض. وأقلل من مخالطتهنّ فهو أبقى لهمّتك، وأسبل لحرمتك، ولتكن عشرتك لهنّ عند الكلال والملال، وضيق الاحتمال، بكثرة الأعمال، وعند الغضب والنّوم، والفراغ من نصب اليوم. واجعل مبيتك بينهنّ تنم بركاتك، وتستتر حركاتك، وافصل من ولدت منهنّ إلى مسكن يختبر فيه استقلالها، وتعتبر «١٠» بالتفرّد خلالها. ولا تطلق لحرمة شفاعة ولا تدبيرا، ولا تنط بها من الأمر صغيرا ولا كبيرا، واحذر أن يظهر على خدمهنّ في خروجهنّ عن القصور، وبروزهن من

стр. 1789

أجمة الأسد الهصور «١» ، زيّ مفارع «٢» ، ولا طيب للأنوف مسارع، واخصص بذلك من طعن في السّن، ويئس من الإنس والجنّ، ومن توفّر النزوع إلى الخيرات قبله، وقصر عن جمال الصورة ووسم «٣» بالبله. ثم لمّا بلغ إلى هذا الحدّ، حمي وطيس استجفاره، وختم حزبه باستغفاره، ثم صمت مليّا، واستعاد كلاما أوّليا. ثم قال: واعلم يا أمير المؤمنين، سدّد الله سهمك لأغراض خلافته، وعصمك من الزمان وآفته، أنك في مجلس الفصل، ومباشرة الفرع من ملكك والأصل، في طائفة من عزّ الله تذبّ عنك حماتها، وتدافع عن حوزتك كماتها، فاحذر أن يعدل بك غضبك عن عدل تزري منه ببضاعة، أو يهجم بك رضاك على إضاعة. ولتكن قدرتك وقفا على الاتصاف، بالعدل والإنصاف، واحكم بالسّويّة، واجنح بتدبيرك إلى حسن الرّويّة. وخف أن تقعد بك أناتك عن حزم تعيّن، أو تستفزّك العجلة في أمر لم يتبيّن. وأطع الحجّة ما توجّهت عليك «٤» ، ولا تحفل بها إذا كانت إليك «٥» ، فانقيادك إليها أحسن من ظفرك، والحقّ أجدى من نفرك. ولا تردّنّ النصيحة في وجه، ولا تقابل عليها بنجه، فتمنعها إذا استدعيتها، وتحجب عنك إذا استوعيتها، ولا تستدعها من غير أهلها، فيشغبك أولو الأغراض بجهلها. واحرص على أن لا ينقضي مجلس جلسته، أو زمن اختلسته، إلّا وقد أحرزت فضيلة زائدة، أو وثقت منه في معادك بفائدة، ولا يزهدنّك في المال كثرته، فتقلّ في نفسك أثرته. وقس الشّاهد بالغائب، واذكر وقوع ما لا يحتسب من النوائب، فالمال المصون، أمنع الحصون. ومن قلّ ماله قصرت آماله، وتهاون بيمينه شماله، والملك إذا فقد خزينه، أنحى «٦» على أهل الجدة التي تزينه، وعاد على رعيّته بالإجحاف، وعلى جبايته بالإلحاف، وساء معتاد عيشه، وصغر في عيون جيشه، ومنّوا عليه بنصره، وأنفوا من الاقتصار على قصره. وفي المال قوّة سماوية تصرف الناس لصاحبه، وتربط آمال أهل السّلاح به. والمال نعمة الله تعالى فلا تجعله ذريعة إلى خلافه، فتجمع بالشّهوات بين إتلافك وإتلافه. واستأنس بحسن جوارها، واصرف في حقوق الله بعض أطوارها، فإن فضل المال عن الأجل فأجلّ «٧» ، ولم يضر ما تلف «٨» منه بين يدي الله . وما ينفق في سبيل الشّريعة، وسدّ الذريعة، مأمول خلفه،

стр. 1790

وما سواه فمستيقن «١» تلفه. واستخلص لحضور «٢» نواديك الغاصّة، ومجالسك العامّة والخاصّة، من يليق بولوج عتبها، والعروج «٣» لرتبها. أما العاميّة فمن عظم عند الناس قدره، وانشرح بالعلم صدره، أو ظهر يساره، وكان لله إخباته وانكساره، ومن كان للفتيا منتصبا، وبتاج المشورة معتصبا. وأما الخاصّيّة فمن رقّت طباعه، وامتدّ فيما يليق بتلك المجالس باعه، ومن تبحّر في سير الحكماء، وأخلاق الكرماء، ومن له فضل سافر، وطبع للدّنيّة منافر، ولديه من كل ما تستتر به الملوك عن العوام حظّ وافر. وصف ألبابهم بمحصول خيرك، وسكّن قلوبهم بيمن طيرك، وأغنهم ما قدرت عن غيرك. واعلم بأنّ مواقع العلماء من ملكك مواقع المشاعل المتألّقة، والمصابيح المتعلّقة، وعلى قدر تعاهدها تبذل من الضّياء، وتجلو بنورها صور الأشياء، وفرّعها «٤» لتحبير ما يزيّن مدتك، ويحسّن من بعد البلاء جدّتك. وبعناية الأواخر، ذكرت الأول «٥» ، وإذا محيت المفاخر، خربت الدّول. واعلم أنّ بقاء الذّكر مشروط بعمارة البلدان، وتخليد الآثار الباقية في القاصي منها والدّان، فاحرص على ما يوضّح في الدهر سبلك، ويحوز «٦» المزيّة لك على من قبلك، وأنّ خير الملوك من ينطق بالحجّة وهو قادر على القهر، ويبذل الإنصاف في السّر والجهر، مع التمكّن من المال والظّهر. ويسار الرعية جمال للملك وشرف، وفاقتهم من ذلك طرف، فغلّب أينق «٧» الحالين بمحلّك، وأولاهما بظعنك «٨» وحلّك. واعلم أنّ كرامة الجور دائرة، وكرامة العدل مكاثرة «٩» ، والغلبة بالخير سيادة، وبالشّرّ هوادة. واعلم أنّ حسن القيام بالشّريعة يحسم عنك نكاية الخوارج، ويسمو بك إلى المعارج، فإنها تقصد أنواع الخدع، وتوري بتغيير البدع. وأطلق على عدوّك أيدي الأقوياء من الأكفاء، وألسنة اللّفيف من الضّعفاء، واستشعر عند نكثه شعار الوفاء. ولتكن ثقتك بالله أكثر من ثقتك بقوة تجدها، وكتيبة تنجدها، فإنّ الإخلاص يمنحك قوى لا تكتسب، ويهديك «١٠» مع الأوقات نصرا لا يحتسب. والتمس سلم «١١» من
следующие страницы →