← Тараджим

Тараджим · id 11682

الإحاطة في أخبار غرناطة

لسان الدين بن الخطيب

Полный текст (1 954 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

تمرّ الرياح الغفل فوق كلومهم ... فتعبق من أنفاسها وتطيب بنصرك «١» عنك الشّغل من غير منّة ... وهل يتساوى مشهد ومغيب؟ فإن صحّ منك الحظّ طاوعت «٢» المنى ... ويبعد مرمى السّهم وهو مصيب ولولاك لم يعجم «٣» من الرّوم عودها ... فعود الصّليب الأعجميّ صليب وقد كانت الأحوال لولا مراغب ... ضمنت ووعد بالظّنون «٤» تريب «٥» منابر عزّ أذّن الفتح فوقها ... وأفصح للعضب الطّرير خطيب «٦» نقود «٧» إلى هيجائها كلّ صائل ... كما ريع مكحول اللّحاظ ربيب ونجتاب من سرد «٨» اليقين مدارعا ... يكفّتها «٩» من يجتني ويثيب إذا اضطرب «١٠» الخطيّ حول غديرها ... يروقك منها لجّة وقضيب فعذرا وإغضاء ولا تنس صارخا ... بعزّك يرجو أن يجيب مجيب وجاهك بعد الله نرجو وإنّه ... لحظّ مليء «١١» بالوفاء رغيب عليك صلاة الله ما طيّب الفضا ... عليك مطيل بالثّناء مطيب وما اهتزّ قدّ للغصون مرنّح ... وما افترّ ثغر للبروق شنيب إلى «١٢» حجّة الله تعالى المؤيد «١٣» ببراهين أنواره، وفائدة الكون ونكتة أدواره، وصفوة نوع البشر ومنتهى أطواره. إلى المجتبى وموجود الوجود لم يغن بمطلق الوجود عديمه، والمصطفى «١٤» من ذرّية آدم قبل أن يكسو العظام أديمه، المحتوم في القدم، وظلمات العدم، عند صدق القدم، تقديمه وتفضيله «١٥» إلى وديعة النّور المنتقل في الجباه الكريمة والغرر، وغمام الرحمة الهامية الدّرر. إلى مختار الله المخصوص باجتبائه، وحبيبه الذي له المزيّة على أحبّائه، من «١٦» ذرّية أنبياء الله تعالى

стр. 1717

آبائه. إلى الذي شرح صدره وغسله، ثم بعثه واسطة بينه وبين العباد وأرسله، وأتمّ عليه إنعامه الذي أجزله، وأنزل عليه من النّور والهدى «١» ما أنزله. إلى بشرى المسيح والذّبيح، ومن لهم التّجر الرّبيح، المنصور بالرّعب والرّيح، المخصوص بالنّسب الصّريح. إلى الذي جعله في المحول غماما، وللأنبياء إماما، وشقّ صدره لتلقّي روح أمره غلاما، وأعلم به في التّوراة والإنجيل إعلاما، وعلّم المؤمنين صلاة عليه وسلاما. إلى الشّفيع الذي لا تردّ في العصاة شفاعته، والوجيه الذي قرنت بطاعة الله طاعته، والرؤوف الرّحيم الذي خلصت إلى الله في أهل الجرائم ضراعته. صاحب الآيات التي لا يسع ردّها، والمعجزات التي أربى على الألف عدّها، فمن «٢» قمر شقّ «٣» ، وجذع حنّ له وحقّ، وبنان يتفجّر بالماء، فيقوم بريّ الظماء، وطعام يشبع الجمع الكثير يسيره، وغمام يظلّل به مقامه ومسيره «٤» ، خطيب المقام المحمود إذا كان العرض، وأول من تنشقّ «٥» عنه الأرض، ووسيلة الله تعالى التي لولاها «٦» ما أقرض القرض، ولا عرف النّفل «٧» والفرض، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف المحمود الخلال، من ذي الجلال، الشاهدة بصدقه صحف الأنبياء وكتب الإرسال، وآياته التي أثلجت القلوب ببرد اليقين السّلسال، ﷺ ، ما ذرّ شارق «٨» ، وأومض بارق، وفرّق بين اليوم الشامس والليل الدامس فارق، صلاة تتأرّج عن «٩» شذى الزهر «١٠» ، وتنبلج عن سنا الكواكب الزّهر، وتتردد بين السّرّ والجهر، وتستغرق ساعات النهار «١١» وأيام الشهر، وتدوم بدوام الدهر، من عبد هداه، ومستقري «١٢» مواقع نداه، ومزاحم أبناء «١٣» أنصاره في منتداه، وبعض سهامه المفوّقة «١٤» إلى نحور عداه. مؤمّل العتق من النّار بشفاعته، ومحرز طاعة الجبّار بطاعته، الآمن باتصال رعيه من إهمال الله وإضاعته، متّخذ الصلاة عليه وسائل نجاة، وذخائر في الشدائد مرتجاة «١٥» ، ومتاجر «١٦»

стр. 1718

بضائعها غير مزجاة «١» ، الذي ملأ بحبّه جوانح صدره، وجعل فكره هالة لبدره، وأوجب حقّه «٢» على قدر العبد لا على قدره، محمد بن يوسف بن نصر الأنصاري الخزرجي نسيب سعد بن عبادة من أصحابه، وبوارق سحابه، وسيوف نصرته، وأقطاب دار هجرته، ظلّله الله يوم الفزع الأكبر من رضاك عنه بظلال الأمان، كما أنار قلبه من هدايتك بأنوار الهدى والإيمان، وجعله من أهل السّياحة في فضاء حبّك والهيمان. كتبه إليك يا رسول الله واليراع يقتضي «٣» مقام الهيبة صفرة لونه، والمداد يكاد أن يحول سواد جونه، وورقة «٤» الكتاب يخفق فؤادها حرصا على حفظ اسمك الكريم وصونه، والدمع يقطر فتنقط به الحروف وتفصّل الأسطر، وتوهّم المثول بمثواك المقدّس لا يمرّ بالخاطر سواه ولا يخطر، عن قلب بالبعد عنك قريح «٥» ، وجفن بالبكاء جريح، وتأوّه عن تبريح «٦» ، كلّما هبّ «٧» من أرضك نسيم ريح. وانكسار ليس له إلّا جبرك «٨» ، واغتراب لا يؤنس فيه إلّا قربك، وإن لم «٩» يقض فقبرك. وكيف لا يسلم في مثلها الأسى، ويوحش الصباح والمسا، ويرجف جبل الصّبر بعد ما رسى، لولا لعلّ وعسى. فقد سارت الرّكبان «١٠» إليك ولم يقض مسير، وحوّمت الأسراب عليك والجناح كسير، ووعدت الآمال فأخلفت، وحلفت العزائم فلم تف بما حلفت، ولم تحصل النفس من تلك المعاهد ذات الشّرف الأثيل، إلّا على التّمثيل، ولا من المعالم المتناهية «١١» التّنوير، إلّا على التّصوير، مهبط «١٢» وحي الله ومتنزّل أسمائه، ومتردّد ملائكة سمائه، ومرافق «١٣» أوليائه، وملاحد أصحاب خيرة أنبيائه، رزقني الله الرضا بقضائه، والصّبر على جاحم البعد ورمضائه. من حمراء غرناطة، حرسها الله تعالى، دار ملك الإسلام بالأندلس قاصية سيلك «١٤» ، ومسلحة «١٥» رجلك يا رسول الله وخيلك، وأنأى مطارح دعوتك

стр. 1719

ومساحب ذيلك، حيث مصافّ الجهاد في سبيل الله وسبيلك، قد ظلّلها القتام، وشهبان الأسنّة أطلعها «١» منه الإعتام، وأسواق بيع النفوس من الله قد تعدّد بها «٢» الأيامى «٣» والأيتام، حيث الجراح قد تحلّت بعسجد نجيعها النحور، والشّهداء تحفّ بها الحور، والأمم الغريبة قد قطعتها «٤» عن المدد البحور، حيث المباسم المفترّة، تجلوها المصارع البرّة، فتحييها بالعراء «٥» ثعور الأزاهر، وتندبها صوادح الأدواح برنّات تلك المزاهر «٦» ، [وتحمل «٧» السحاب أشلاءها المعطّلة من ظلّها «٨» بالجواهر،] «٩» حيث «١٠» الإسلام من عدوّه المكايد بمنزلة قطرة من عارض غمام، وحصاة من ثبير «١١» أو شمام «١٢» ، وقد سدّت الطريق، وأسلم الفراق الفريق «١٣» ، وأغضّ الريق، ويئس من الساحل الغريق، إلّا أن الإسلام بهذه الجهة المتمسكة بحبل الله وحبلك، المهتدية بأدلّة سبلك، سالم والحمد لله من الانصداع، محروس بفضل الله من الابتداع، مقدود من جديد الملّة، معدوم فيه وجود الطوائف المضلّة، إلّا ما يخصّ الكفر من هذه العلّة، والاستظهار على جمع الكثرة من جموعه بجمع القلّة. ولهذه الأيام، يا رسول الله، أقام الله أوده «١٤» برّا بوجهك الوجيه ورعيا، وإنجازا لوعدك «١٥» وسعيا «١٦» ، وهو الذي لا يخلف وعدا ولا يخيب سعيا، وفتح لنا فتوحا «١٧» أشعرتنا برضاه عن وطننا الغريب، وبشّرتنا منه تعالى بتغمّد «١٨» التقصير ورفع التّثريب «١٩» ، ونصرنا وله المنّة على عبدة الصليب، وجعل لألفنا الرّدينيّ «٢٠»

стр. 1720

ولا منا «١» السّردي حكم التغليب. وإذا كانت الموالي التي طوّقت «٢» الأعناق مننها، وقرّرت العوائد الحسنة «٣» سيرها وسننها، تبادر إليها نوّابها الصّرحاء «٤» ، وخدّامها النّصحاء، بالبشائر، والمسرّات التي تشاع في العشائر، وتجلو لديها نتائج أيديها، وغايات مباديها، وتتاحفها وتهاديها، بمجاني جنّاتها وأزاهر غواديها، وتطرف محاضرها بطرف بواديها، فبابك يا رسول الله أولى بذلك وأحقّ، ولك الحقّ الحقّ، والحرّ منا عبدك المسترقّ، حسبما سجّله الرّق. وفي رضاك من كل من يلتمس رضاه المطمع، ومثواك المجمع، وملوك الإسلام في الحقيقة عبيد سدّتك «٥» المؤمّلة، وخول مثابتك «٦» المحسّنة بالحسنات المجمّلة «٧» ، وشهب تعشو «٨» إلى بدورك المكمّلة، ومحض «٩» سيوفك المقلّدة في سبيل الله المحمّلة، وحرمة «١٠» مهادك، وسلاح جهادك، وبروق عهادك «١١» . وإنّ مكفول احترامك الذي لا يخفر، وربيّ إنعامك الذي لا يكفر «١٢» ، وملتحف جاهك «١٣» الذي يمحى ذنبه بشفاعتك إن شاء الله ويعفر، يطالع روضة الجنّة المفتّحة أبوابها بمثواك، ويفاتح صوان «١٤» القدس الذي أجنّك «١٥» وحواك، وينثر بضائع الصلاة عليك بين يدي الضّريح الذي يهواك «١٦» ، ويعرض جنى ما غرست وبذرت، ومصداق ما بشّرت به لمّا بشّرت وأنذرت، وما انتهى إليه طلق جهادك، ومصبّ عهادك «١٧» ، لتقرّ عين نصحك الذي «١٨» أنام العيون السّاهرة هجوعها، وأشبع البطون وروّاها ظمؤها من ١» الله وجوعها. وإن كانت الأمور بمرأى من عين عنايتك، وغيبها متعرّف بين إفصاحك وكنايتك «٢٠» . ومجمله «٢١» يا رسول الله، صلّى الله عليك، وبلّغ وسيلتي إليك، هو «٢٢» أنّ الله سبحانه لمّا عرّفني لطفه الخفيّ في التّمحيص، المقتضي عدم المحيص، ثم في التّخصيص، المغني بعيانه

стр. 1721

عن التّنصيص، وفّق «١» ببركتك السّارية رحماها «٢» في القلوب، ووسائل محبّتك العائدة بنيل المطلوب، إلى استفادة عظة واعتبار، واغتنام إقبال بعد إدبار، ومزيد استبصار، واستعانة بالله تعالى وانتصار «٣» ، فسكن هبوب الكفر بعد إعصار، وحلّ مخنّق الإسلام بعد حصار، وجرت على سنن السّنة بحسب الاستطاعة والمنّة اليسيرة، وجبرت بجاهك القلوب الكسيرة، وسهّلت «٤» المآرب العسيرة، ورفع بيد العزّة الضّيم، وكشف بنور البصيرة الغيم، وظهر القليل على الكثير، وباء الكفر بخطّة التّعثير، واستوى الدّين الحنيف على المهاد الوثير، فاهتبلنا يا رسول الله غرّة العدوّ وانتهزناها، وشمنا «٥» صوارم عزّة الغدوّ «٦» وهززناها، وأزحنا «٧» علل الجيوش وجهّزناها، فكان مما ساعد عليه القدر، والحظّ «٨» المبتدر، والورد الذي حسن منه «٩» الصّدر، أننا عاجلنا مدينة برغة «١٠» ، وقد جرّعت «١١» الأختين؛ مالقة ورندة، من مدائن دينك، وخزائن «١٢» ميادينك، أكواس «١٣» الفراق، وأذكرت مثل من بالعراق، وسدّت طرق التّزاور على «١٤» الطّراق، وأسالت المسيل بالنّجيع «١٥» المراق، في مراصد المراد والمراق «١٦» ، ومنعت المراسلة مع هدي «١٧» الحمام، لا بل مع طيف المنام عند الإلمام «١٨» ، فيسّر الله اقتحامها، وألحمت بيض الشّفار في رؤوس «١٩» الكفار إلحامها، وأزال «٢٠» بشر السيوف من بين تلك الحروف إقحامها، فانطلق المسرى، واستبشرت القواعد الحسرى، وعدمت بطريقها المخيف مصارع الصّرعى ومثاقف «٢١» الأسرى، والحمد لله على فتحه الأسنى ومنحه الأسرى، ولا

стр. 1722

إله إلّا «١» هو منفّل قيصر وكسرى، وفاتح مغلقاتهما «٢» المنيعة قسرا، واستولى الإسلام منها على قرار جنّات، وأمّ بنات، وقاعدة حصون، وشجرة غصون، طهّرت «٣» مساجدها المغتصبة المكرهة «٤» ، وفجع فيها «٥» الفيل الأفيل وأبرهة «٦» ، وانطلقت بذكر الله الألسنة المدرهة «٧» ، وفاز بسبق ميدانها الجياد «٨» الفرهة. هذا وطاغية الرّوم على توفّر جموعه، وهول مرئيه ومسموعه، قريب جواره، بحيث يتّصل خواره، [وقد حرّك إليها الحنين حواره.] «٩» ثم نازل المسلمون بعدها شجا الإسلام الذي أعيا النّطاسيّ علاجه، وكرك «١٠» هذا القطر الذي لا تطاول «١١» أعلامه ولا تصاول «١٢» أعلاجه، وركاب الغارات التي تطوي المراحل إلى مكايدة المسلمين طيّ البرود، وجحر الحيّات التي لا تخلع على اختلاف الفصول جلود الزرود، ومنغّص الورود في العذب المورود «١٣» ، ومقضّ المضاجع، وحلم الهاجع، ومجهّز الخطب الفاجىء الفاجع، ومستدرك فاتكة الراجع، قبل هبوب الطائر السّاجع، حصن آشر «١٤» ، حماه الله دعاء لا خبرا، كما جعله للمتفكرين في قدرته معتبرا، فأحاطوا به إحاطة القلادة بالجيد، وأذلّوا عزّته بعزّة ذي العرش المجيد، وحفّت به الرايات يسمها وسمك، ويلوح في صفحاتها اسم الله تعالى واسمك، فلا ترى إلّا نفوسا تتزاحم على موارد «١٥» الشهادة أسرابها، وليوثا يصدق طعانها في الله وضرابها «١٦» ، وأرسل الله عليها رجزا إسرائيليا من جراد السّهام، تشذّ آيته «١٧» عن الأفهام، وسدّد إلى الجبل النفوس القابلة للإلهام، من بعد الاستغلاق والاستبهام،

стр. 1723

وقد عبثت جوارح صخوره في قنائص الهام، وأعيا صعبه على الجيش اللهام، فأخذ مسائغه «١» النّقض والنّقب «٢» ، ورغا فوق أهله السّقب «٣» ، ونصبت المعارج والمراقي، وقرعت «٤» المناكب والتّراقي، واغتنم الصّادقون من «٥» الله الحظّ الباقي، وقال الشهيد المسابق «٦» : يا فوز استباقي، ودخل البلد فالتحم «٧» السّيف، واستلب البحت والزّيف، ثم استخلصت القصبة فعلت أعلامك في أبراجها المشيّدة، وظفر ناشد دينك منها بالنّشيدة «٨» ، وشكر الله في قصدها مساعي النصائح الرّشيدة، وعمل ما يرضيك يا رسول الله في سدّ ثلمها، وصون مستلمها، ومداواة ألمها، حرصا على الاقتداء في مثلها بأعمالك، والاهتداء بمشكاة كمالك، ورتّب فيها الحماة تشجي العدو، وتواصل «٩» في مرضاة الله تعالى ومرضاتك الرّواح والغدوّ «١٠» . ثم كان الغزو إلى مدينة أطريرة «١١» ، بنت حاضرة الكفر إشبيلية، التي أظلّتها بالجناح السّاتر، وأنامتها «١٢» في ضمان الأمان للحسام الباتر، وقد وتر الإسلام من «١٣» هذه المومسة «١٤» البائسة بوتر الواتر، وأحفظ منها بأذى «١٥» الوقاح المهاتر، لما جرّته على أسراه «١٦» من عمل الخاتل الخاتر، حسب المنقول لا بل المتواتر، فطوى إليها المسلمون المدى النازح، ولم تشك المطيّ الروازح «١٧» ، وصدق في «١٨» الجدّ جدّها المازح، وخفقت فوق أوكارها أجحنة الأعلام، وغشيتها «١٩» أفواج الملائكة الموسومة «٢٠» وظلال «٢١» الغمام، وصابت من السهام

стр. 1724

ودق الرّهام «١» ، وكاد يكفي السماء «٢» على الأرض ارتجاج أطوادها «٣» بكلمة الإسلام، وقد صمّ خاطب عروس الشهادة عن الملام، وسمح بالعزيز المصون مبايع «٤» الملك العلّام، وتكلّم لسان الحديد الصّامت وصمت إلّا بذكر الله لسان الكلام، ووفّت «٥» الأوتار بالأوتار، ووصل بالخطّيّ «٦» ذرع «٧» الأبيض البتّار، وسلّطت النار على أربابها، وأذن الله في تبار تلك الأمة وتبابها «٨» ، فنزلوا «٩» على حكم السيف آلافا، بعد أن أتلفوا بالسلاح إتلافا، واستوعبت «١٠» المقاتلة أكنافا «١١» ، وقرنوا في الجدل «١٢» أكتافا أكتافا، وحملت العقائل والخرائد، والولدان والولائد، إركابا من فوق الظهور وإردافا، وأقلّت منها أفلاك الحمول بدورا تضيء من ليالي المحاق أسدافا «١٣» ، وامتلأت الأيدي من المواهب والغنائم، بما لا يصوّره حلم النّائم، وتركت العوافي تتداعى إلى تلك الولائم، وتفتنّ «١٤» من مطاعمها في الملائم، وشنّت الغارات على حمص «١٥» فجلّلت خارجها مغارا، وكست كبار الرّوم بها صغارا، وأجحرت أبطالها إجحارا «١٦» ، واستاقت من النعم ما لا يقبل الحصر استبحارا، ولم يكن إلّا أن عدل القسم، واستقلّ بالقفول «١٧» العزيز الرّسم، ووضح من التوفيق الوسم، فكانت الحركة إلى قاعدة «١٨» جيّان قيعة «١٩» الظلّ الأبرد، ونسيجة المنوال المفرد، وكناس الغيد الخرّد، وكرسيّ الإمارة، وبحر العمارة، ومهوى هوى الغيث الهتون، وحزب التّين والزيتون، حيث خندق الجنّة المعروف «٢٠» تدنو لأهل النار مجانيه، وتشرق بشواطئ الأنهار إشراق الأزهار زهر «٢١» مبانيه، والقلعة التي تختّمت بنان شرفاتها بخواتم النّجوم،

стр. 1725

وهمت من دون سحابها البيض سحائب الغيث السّجوم، والعقيلة التي أبدى الإسلام يوم طلاقها، وهجوم فراقها، سمة الوجوم لذلك الهجوم فرمتها البلاد المسلمة بأفلاذ أكبادها الوادعة، وأجابت منادي دعوتك الصّادقة الصّادعة، وحبتها «١» بالفادحة الفادعة، فغصّت الرّبى والوهاد بالتّكبير والتّهليل، وتجاوبت الخيل بالصّهيل، وانهالت الجموع المجاهدة في الله تعالى انهيال الكثيب المهيل. وفهمت نفوس «٢» العباد المجاهدة في الله حقّ الجهاد معاني التّيسير من ربّها والتّسهيل، وسفرت الرايات عن المرأى الجميل، وأربت المحلّات المسلمة «٣» على التأميل. ولمّا صبحتها النواصي «٤» المقبلة الغرر، والأعلام المكتتبة الطّرر، برز حاميتها مصحرين «٥» ، وللحوزة «٦» المستباحة مستنصرين، فكاثرهم «٧» من سرعان الأبطال رجل الدّبى «٨» ، ونبت «٩» الوهاد والرّبى، فأقحموهم من وراء السّور، وأسرعت أقلام الرّماح في بسط عددهم المكسور، وتركت صرعاهم ولائم للنّسور. ثم اقتحموا ربض المدينة الأعظم فافترعوه «١٠» ، وجدّلوا من دافع عن أسواره وصرعوه، وأكواس «١١» الحتوف جرّعوه، ولم يتصل أولى الناس بأخراهم، ويحمد «١٢» بمخيّم النصر العزيز سراهم، حتى خذل الكفّار «١٣» الصبر وأسلم الجلد، وأنزل «١٤» على المسلمين النصر فدخل البلد، وطاح في السيل الجارف الوالد منه «١٥» والولد، وأتهم «١٦» المطرف منه «١٧» والمتلد، فكان هولا بعيد الشّناعة، وبعثا «١٨» كقيام الساعة، أعجل المجانيق عن الركوع والسجود، والسلالم عن مطاولة النّجود، والأيدي عن ردم الخنادق والأغوار، والأكبش عن مناطحة الأسوار، والنّفوط عن إصعاق الفجّار «١٩» ، وعمد الحديد، ومعاول «٢٠» البأس

стр. 1726

الشديد، عن نقب الأبراج ونقض الأحجار، فهيلت الكثبان، وأبيد الشّيب والشّبّان، وكسرت الصلبان، وفجع بهدم «١» الكنائس الرّهبان، وأهبطت النّواقيس من مراقيها العالية، وصروحها المتعالية، وخلعت ألسنتها الكاذبة، ونقل ما استطاعته الأيدي المجاذبة «٢» ، وعجزت عن الأسلاب ذوات الظّهور، وجلّل الإسلام شعار العزّ «٣» والظّهور، بما خلت عن مثله سوالف الدهور «٤» ، والأعوام والشهور، وأعرست الشهداء بالحور، ومنّوا «٥» النفوس المبيعة من الله بحلّ «٦» الصدقات الصّادقة «٧» والمهور. ومن بعد ذلك هدم السور، ومحيت من «٨» مختطّه «٩» المحكم السطور، وكاد يسير ذلك الجبل الذي اقتعدته تلك «١٠» المدينة ويدكّ ذلك الطّور. ومن بعد ما خرب الوجار، وعقرت «١١» الأشجار، عفّر «١٢» المنار، وسلّطت على بنات التراب والماء «١٣» النّار، وارتحل عنها المسلمون وقد عمّتها المصائب، وأصمى لبّتها «١٤» السّهم الصّائب، وظلّلتها «١٥» القشاعم العصائب، فالذّئاب في الليل البهيم تعسل «١٦» ، والضّباع من الحدب البعيد تنسل، وقد ضاقت الجدل عن المخانق، وبيع العرض الثمين بالدّانق، وسبكت أسورة الأسوار، وسوّيت الهضاب بالأغوار، واكتسحت الأحواز القاصية سرايا الغوار «١٧» ، وحجبت بالدخان مطامع الأنوار، وتخلّفت قاعتها عبرة للمعتبرين، وعظة للناظرين، وآية للمستبصرين، ونادى لسان الحميّة، يا لثارات الإسكندرية، فأسمع آذان المقيمين والمسافرين، وأحقّ الله الحقّ بكلماته وقطع دابر الكافرين.

стр. 1727

ثم كانت الحركة إلى أختها الكبرى، ولدتها الحزينة عليها العبرى، مدينة أبدة «١» ، ذات «٢» العمران المستبحر، والرّبض الخرق «٣» المصحر، والمباني الشّمّ الأنوف، وعقائل المصانع الجمّة الحلي والشّنوف، والغاب «٤» الأنوف، وبلد «٥» التّجر، والعسكر المجر، وأفق الضّلال الفاجر الكاذب «٦» على الله الكذب الفجر، فخذل «٧» الله حاميته «٨» التي يعيي الحسبان عدّها، وسجر «٩» بحورها التي لا يرام مدّها، وحقّت عليها كلمة الله «١٠» التي لا يستطاع ردّها. فدخلت لأول وهلة، واستوعب جمعها «١١» والمنّة لله في نهلة، ولم يك «١٢» للسيف من عطف «١٣» عليها ولا مهلة. ولما «١٤» تناولها العفاء والتّخريب، واستباحها «١٥» الفتح القريب، وأسند عن عواليها حديث النّصر الحسن القريب «١٦» ، وأقعدت أبراجها من بعد القيام والانتصاب، وأضرعت مسايفها «١٧» لهول المصاب، انصرف عنها المسلمون بالفتح الذي عظم صيته، والعزّ الذي سما طرفه واشرأبّ ليته، والعزم «١٨» الذي حمد مسراه ومبيته، والحمد لله ناظم الأمر وقد رأب شتيته، وجابر الكسر وقد أفات الجبر مفيته. ثم كان الغزو إلى أمّ البلاد، ومثوى الطارف والتّلاد، قرطبة، وما قرطبة «١٩» ؟ المدينة التي على عمل أهلها في القديم بهذا الإقليم كان العمل، والكرسي الذي بعصاه «٢٠» رعي الهمل، والمصر الذي له في خطّة المعمور النّاقة والجمل، والأفق الذي هو لشمس الخلافة العبشميّة «٢١» الحمل، فخيّم الإسلام بعقوتها «٢٢» المستباحة، وأجاز نهرها

стр. 1728

المعيي على السّباحة، وعمّ دوحها الأشب «١» بوارا، وأدار الكماة «٢» بسورها سوارا، وأخذ «٣» بمخنّقها حصارا، وأعمل النّصر «٤» بشجر نصلها اجتناء ما شاء واهتصارا، وجدّل من أبطالها من لم يرض انجحارا «٥» ، فأعمل إلى المسلمين إصحارا «٦» ، حتى فرع «٧» بعض جهاتها غلابا جهارا، ورفعت الأعلام إعلاما بعزّ الإسلام وإظهارا، فلولا استهلال الغوادي، وإن أتى الوادي، لأفضت إلى فتح «٨» الفتوح تلك المبادي، ولقضى تفثه «٩» العاكف والبادي، فاقتضى الرأي- ولذنب الزّمان «١٠» في اغتصاب الكفر إيّاها متاب، تعمل ببشراه بفضل الله «١١» أقتاد وأقتاب، ولكلّ أجل كتاب- أن يراض صعبها حتى يعود ذلولا، وتعفّى معاهدها الآهلة فتترك طلولا. فإذا فجع الله بمارج النار طوائفها المارجة، وأباد بخارجها «١٢» الطائرة والدّراجة، خطب السيف منها أمّ خارجة «١٣» . فعند ذلك أطلقنا بها ألسنة النار ومفارق الهضاب بالهشيم «١٤» قد شابت، والغلّات المستغلّة «١٥» قد دعاها «١٦» القصل «١٧» فما ارتابت، وكأنّ صحيفة نهرها لما أضرمت النار حفافي «١٨» ظهرها ذابت، وحيّته «١٩» فرّت أمام الحريق فانسابت، وتخلّفت لغمائم الدّخان عمائم تلويها برءوس الجبال أيدي الرياح، وتنشرها «٢٠» بعد الرّكود أيدي الاجتياح. وأغريت «٢١» بأقطارها الشاسعة، وجهاتها

стр. 1729

الواسعة، جنود الجوع، وتوعّدت بالرجوع، فسلب «١» أهلها لتوقع الهجوم منزور الهجوع، فأعلامها خاشعة خاضعة، وولدانها لثديّ البؤس راضعة، والله سبحانه يوفد بخبر فتحها القريب ركاب البشرى، وينشر رحمته قبلنا نشرا. [ولهذا العهد يا رسول الله صلّى الله عليك، وبلّغ وسيلتي إليك، بلغ «٢» عن هذا القطر المرتدي بجاهك الذي لا يذلّ من ادّرعه، ولا يضلّ بالسبيل «٣» الذي يشرعه، إلى أن لاطفنا ملك الروم بأربعة من البلاد كان الكفر قد اغتصبها، ورفع التّماثيل ببيوت الله ونصبها، فانجاب عنها بنورك الحلك، ودار بإدالتها إلى دعوتك الفلك، وعاد إلى مكاتبها القرآن الذي نزل به على قلبك الملك] «٤» . ثم «٥» تنوعت يا رسول الله لهذا العهد أحوال العدوّ تنوّعا يوهم إفاقته من الغمرة «٦» ، وكادت فتنته تؤذن بخمود الجمرة، وتوقّع الواقع، وحذر ذلك السمّ الناقع، وخيف الخرق الذي يحار فيه الرّاقع، فتعرّفنا عوائد الله سبحانه ببركة هدايتك، وموصول عنايتك، فأنزل النصر والسّكينة، ومكّن العقائد المكينة، فثابت «٧» العزائم وهبّت، واطّردت «٨» عوائد الإقدام واستتبّت، وما راع العدوّ إلّا خيل الله تجوس خلاله، وشمس الحقّ تقلّص «٩» ظلاله، وهداك الذي هديت «١٠» يدحض ضلاله. ونازلنا حصني قنبيل والحوائر «١١» ، وهما معقلان متجاوران يتناجى منهما السّاكن سرارا، وقد اتّخذا بين النّجوم قرارا، وفصل بينهما حسام النهر يروق غرارا، والتفّ معصمه في حلّة العصب «١٢» وقد جعل الجسر سوارا، فخذل الصّليب بذلك الثغر من تولّاه، وارتفعت أعلام الإسلام بأعلاه، وتبرّجت عروس الفتح المبين بمجلاه، والحمد لله على ما أولاه. ثم تحرّكنا على تفيئة «١٣» تعدّي ثغر الموسطة على عدوّه المساور في المضاجع، ومصبحه بالفاجىء الفاجع، فنازلنا حصن روطة الآخذ

стр. 1730

بالكظم، المعترض بالشّجا اعتراض العظم، وقد شحنه العدوّ مددا بئيسا، ولم يأل اختياره رأيّا ولا رئيسا «١» ، فأعيا داؤه، واستقلّت بالمدافعة أعداؤه. ولما أتلع إليه جيد المنجنيق، وقد برك عليه برك «٢» الفنيق، وشدّ عصاب «٣» العزم «٤» الوثيق، لجأ أهله إلى التماس العهود والمواثيق، وقد غصّوا بالريق، وكاذ يذهب بأبصارهم لمعان البريق، فسكّنّاه من حامية المجاهدين بمن يحمي ذماره، ويقرّر اعتماره، واستولى أهل الثغور إلى هذا الحد على معاقل كانت مستغلقة ففتحوها، وشرعوا أرشية «٥» الرماح إلى قلب قلوبها فمتحوها «٦» . ولم تكد الجيوش المجاهدة تنفض عن الأعراف متراكم الغبار، وترخي عن آباط خيلها شدّ حزم المغار، حتى عاودت النفوس شوقها، واستتبعت ذوقها، وخطبت التي لا فوقها، وذهبت بها الآمال إلى الغاية القاصية، والمدارك المتصاعبة على الأفكار المتعاصية، فقصدنا الجزيرة الخضراء، باب هذا الوطن الذي منه طرق وادعه، ومطلع الحقّ الذي صدع الباطل صادعه، وثنيّة الفتح التي «٧» برق منها لامعه، ومسرب «٨» الهجوم الذي لم تكن لتعثر على غيره مطامعه، وفرضة المجاز التي لا تنكر، ومجمع البحرين في بعض ما يذكر، حيث يتقارب الشّطّان، [وتتقاطر ذوات الأشطان] «٩» ، ويتوازى الخطّان، ويكاد «١٠» أن تلتقي حلقتا البطان. وقد كان الكفر قدّر قدر هذه الفرضة التي طرق منها حماه، ورماه الفتح الأول بما رماه، وعلم أن لا تتّصل أيدي المسلمين بإخوانهم إلّا من تلقائها، وأنه لا يعدم المكروه مع بقائها، فأجلب عليها برجله وخيله، وسدّ أفق البحر من أساطيله، ومراكب أباطيله، بقطع ليله. وتداعى المسلمون بالعدوتين إلى استنفاذها من لهواته، أو إمساكها من دون مهواته، فعجز الحول، ووقع بملكه إياها القول، واحتازها «١١» قهرا، وقد صابرت الضّيق ما يناهز ثلاثين شهرا، وأطرق الإسلام بعدها إطراق الواجم، واسودّت الوجوه لخبرها الهاجم، وبكتها حتى دموع الغيث السّاجم «١٢» ، وانقطع المدد إلّا من رحمة من ينفّس الكروب، ويغري بالإدالة الشروق والغروب.

стр. 1731

ولمّا شككنا «١» بشبا الله نحرها، وأغصصنا بجيوش الماء وجيوش الأرض تكاثر نجوم السماء برّها وبحرها، ونازلناها نذيقها شديد النّزال، ونجحنا «٢» بصدق الوعيد في غير «٣» سبيل الاعتزال، رأينا بأوا لا يظاهر «٤» إلّا بالله ولا يطال، ومنعة «٥» يتحاماها الأبطال، وجنابا روّضه الغيث الهطّال. أمّا أسوارها «٦» فهي التي أخذت النّجد والغور، واستعدت بجدال «٧» الجلاد عن البلاد فارتكبت الدّور «٨» ، تحوز بحرا من الاعتمار «٩» ثانيا، وتشكّك أن يكون الإنس لها بانيا. وأمّا أبراجها فصفوف وصنوف، تزيّن صفحات المسايف «١٠» منها أنوف، وآذان لها من دوافع الصخر شنوف «١١» . وأمّا خندقها فصخر مجلوب، وسور مقلوب، فصدقها «١٢» المسلمون القتال بحسب محلّها من نفوسهم، واقتران اغتصابها ببوسهم، وأفول شموسهم، فرشقوها من النبال بظلال تحجب الشمس فلا يشرق سناها، وعرّجوا في المراقي البعيدة يفرعون مبناها، ونقبوها «١٣» أنقابا، وحصبوها «١٤» عقابا، ودخلوا مدينة إلبنة «١٥» بنتها غلابا، وأحسبوا السيوف استلالا والأيدي اكتسابا «١٦» ، واستوعب القتل مقاتلتها السابغة الجنن «١٧» ، البالغة المنن، فأخذهم الهول المتفاقم، وجدّلوا كأنهم الأراقم، لم تفلت منهم عين تطرف، ولا لسان يلبّي من يستطلع «١٨» الخبر أو يستشرف. ثم سمت الهمم الإيمانية إلى المدينة الكبرى فداروا سوارا «١٩» على سورها، وتجاسروا على اقتحام أودية الفناء

стр. 1732

من فوق جسورها، وأدنوا «١» إليها بالضّروب، من حيل الحروب، بروجا مشيدة، ومجانيق توثّق حبالها منها نشيدة، وخفقت بنصر الله عذبات الأعلام، وأهدت الملائكة مدد الإسلام «٢» ، فخذل الله كفّارها، وأكهم «٣» شفارها، وقلّم بيد قدرته أظفارها، فالتمسوا الأمان للخروج، ونزلوا عن «٤» مراقي العروج، إلى الأباطح والمروج، من سمائها ذات البروج، فكان بروزهم إلى العراء من الأرض «٥» ، تذكرة بيوم العرض، وقد جلّل المقاتلة الصّغار «٦» ، وتعلّق بالأمّهات النّشء الصّغار «٧» . وبودرت المدينة بالتّطهير، ونطقت المآذن العالية بالأذان الشهير، والذّكر الجهير، وطرحت كبار «٨» التماثيل عن المسجد الكبير، وأزرى «٩» بألسنة النواقيس لسان التّهليل والتّكبير، وأنزلت عن الصروح أجرامها، يعيي الهندام مرامها، وألفي منبر الإسلام بها مجفوّا فأنست غربته، وأعيد إليه قربه وقربته، وتلا واعظ الجمع المشهود، قول منجز الوعود، ومورق العود وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١) وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) «١٠» إلى آخرها «١١» ، فكاد «١٢» الدّمع يغرق الآماق، والوجد يستأصل الأرماق، وارتفعت الزّعقات، وعلت الشّهقات «١٣» ، وجيء بأسرى المسلمين يرسفون في القيود الثّقال، وينسلون من أجداث «١٤» الاعتقال، ففكّت عن سوقهم أساود١» الحديد، وعن أعناقهم فلكات البأس الشّديد، وظلّلوا بجناح اللّطف العريض المديد، وترتّبت في المقاعد الحامية، وأزهرت بذكر الله المآذن السّامية، فعادت «١٦» المدينة لأحسن أحوالها، وسكنت من بعد أهوالها، وعادت الجالية إلى أموالها، ورجع إلى القطر شبابه، وردّ على دار

стр. 1733

هجرة «١» الإسلام بابه، واتّصلت بأهل لا إله إلّا الله أسبابه، فهي اليوم في بلاد الإسلام قلادة النّحر، وحاضرة البرّ والبحر، أبقى الله عليها وعلى ما وراءها من بيوت أمّتك، ودائع الله في ذمّتك، [ظلال عنايتك الواقية، وأمتعها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها] «٢» بكلمة دينك الصّالحة الباقية، وسدل عليها أستار عصمته الواقية. وعدنا والصلاة عليك شعار البروز والقفول، وهجيري الشّروق والأفول. والجهاد يا رسول الله الشأن المعتمد، ما امتدّ بالأجل الأمد، والمستعان الواحد «٣» الفرد الصمد «٤» . فوجبت مطالعة مقرّك النبويّ بأحوال هذه الأمة المكفولة في حجرك، المفضّلة بإرادة تجرك، المهتدية بأنوار فجرك. وهل هو إلّا ثمرة «٥» سعيك، ونتائج رعيك، وبركة حبّك، ورضاك الكفيل برضا ربّك، وغمام رعدك، وإنجاز وعدك، وشعاع من نور سعدك، وبذر «٦» يجنى ريعه من بعدك، ونصر رايتك، وبرهان آيتك «٧» ، وأثر حمايتك ورعايتك؟ واستنبت هذه الرسالة مائحة «٨» بحر النّدى الممنوح «٩» ، ومفاتحة باب الهدى بفتح الفتوح، وفارعة «١٠» المظاهر والصّروح، وملقية «١١» الرّحل بمتنزّل الملائكة والرّوح، لتمدّ إلى قبولك «١٢» يد استمناح، وتطير «١٣» إليك من الشّوق الحثيث بجناح، ثم تقف بموقف الانكسار، وإن كان تجرها آمنّا من الخسار، وتقدم بأنس القربة «١٤» ، وتحجم «١٥» بوحشة الغربة، وتتأخّر بالهيبة، وتجهش لطول الغيبة، وتقول ارحم بعد داري، وضعف اقتداري، وانتزاح أوطاني، وخلوّ «١٦» أعطاني، وقلّة زادي،

стр. 1734

وفراغ مزادي، وتقبّل وسيلة اعترافي، وتغمّد هفوة «١» اقترافي، وعجّل بالرضا انصراف متحملي لانصرافي «٢» . فكم جبت من بحر زاخر، وقفر بالرّكاب ساخر، وحاش لله أن يخيب قاصدك، أو تتخطّاني «٣» مقاصدك، أو تطردني موائدك، أو تضيق عنّي عوائدك، ثم تمدّ مقتضية «٤» مزيد رحمتك، مستدعية دعاء من حضر من أمّتك. وأصحبتها يا رسول الله عرضا من النّواقيس التي كانت بهذه البلاد المفتتحة تعيّن الإقامة والأذان، وتسمع الأسماع الضّالة والآذان، ممّا قبل الحركة، وسالم المعركة، ومكّن من نقله الأيدي المشتركة، واستحقّ بالقدوم عليك، والإسلام بين يديك، السابقة في الأزل البركة، وما سواها فكانت جبالا عجز عن حملها «٥» الهندام «٦» ، فنسخ وجودها الإعدام. وهي يا رسول الله جنى من جنانك، ورطب من أفنانك، وأثر ظهر عليها «٧» من مسحة «٨» حنانك. هذه هي الحال «٩» والانتحال، والعائق أن تشدّ إليك «١٠» الرّحال، ويعمل «١١» التّرحال، إلى أن نلقاك في عرصات «١٢» القيامة شفيعا، ونحلّ بجاهك إن شاء الله محلّا رفيعا، ونقدّم في زمرة الشّهداء الدامية كلومهم من أجلك، الناهلة غللهم في سجلّك «١٣» ، ونبتهل إلى الله الذي أطلعك في سماء الهداية سراجا، وأعلى لك في السّبع الطّباق معراجا، وأمّ الأنبياء منك بالنّبي الخاتم، وقفّى على آثار نجومها المشرقة بقمرك العاتم، أن لا يقطع عن هذه الأمة الغريبة أسبابك، ولا يسدّ في وجوهها أبوابك، ويوفقها لاتّباع هداك، ويثبّت أقدامها على جهاد عداك. وكيف تعدم «١٤» ترفيها، أو تخشى «١٥» بخسا وأنت موفيها؟ أو يعذّبها الله وأنت فيها؟ وصلاة الله وسلامه تحطّ بفنائك رحال طيبها، وتهدر «١٦» في ناديك شقاشق خطيبها، ما أذكر الصباح الطّلق هداك، والغمام السّكب نداك، وما حنّ مشتاق يلثم «١٧» ضريحك، وفليت «١٨» نسمات الأسحار عمّا استرقت «١٩» من ريحك، وكتب في كذا «٢٠» .

стр. 1735

وصدر عني قبل هذه الرسالة عن السلطان «١» ، ﵁، رسالة بهذه الفتوح إلى صاحب تونس «٢» نصها «٣» : الخلافة التي ارتفع في «٤» عقائد فضلها الأصيل القواعد الخلاف، واستقلّت مباني فخرها الشائع وعزّها الذائع على ما أسّسه الأسلاف، ووجب لحقّها الجازم وفرضها اللّازم الاعتراف، ووسعت الآملين لها الجوانب الرّحيبة والأكناف، فامتزاجنا بعلائها المنيف وولائها الشريف كما امتزج الماء والسّلاف «٥» ، وثناؤنا على مجدها الكريم وفضلها العميم كما تأرّجت الرياض الأفواف، لمّا زارها الغمام الوكّاف، ودعاؤنا بطول بقائها واتصال علائها يسمو به إلى قرع أبواب السّماوات العلا الاستشراف، وحرصنا على توفية حقوقها العظيمة وفواضلها العميمة لا تحصره الحدود ولا تدركه الأوصاف، وإن عذر في التّقصير عن نيل ذلك المرام الكبير الحقّ والإنصاف. خلافة وجهة تعظيمنا إذا توجّهت الوجوه، ومن نؤثره إذا همّنا «٦» ما نرجوه، ونفدّيه ونبدّيه إذا استمنح المحبوب واستدفع «٧» المكروه، السلطان الخليفة «٨» ، الجليل، الكبير، الشهير، الإمام، الهمام، الأعلى، الأوحد، الأصعد، الأسعد، الأسمى، الأعدل، الأفضل، الأسنى، الأطهر، الأظهر، الأرضى، الأحفل، الأكمل، أمير المؤمنين أبي إسحاق ابن الخليفة الإمام البطل الهمام، عين الأعيان، وواحد الزمان، الكبير، الشهير، الطّاهر، الظّاهر، الأوحد، الأعلى، الحسيب، الأصيل، الأسمى، العادل، الحافل، الفاضل، المعظّم، الموقّر، الماجد،

стр. 1736

الكامل، الأرضى، المقدّس، أمير المؤمنين أبي يحيى أبي بكر، ابن السلطان الكبير، الجليل، الرّفيع، الماجد، الظاهر، الطاهر، المعظّم، الموقّر، الأسمى، المقدّس، المرحوم أبي زكريا، ابن الخليفة الإمام، المجاهد، الهمام، الكبير «١» ، الشهير، الخطير، بطل الميدان، مفخر الزمان، الطاهر الظاهر، الأمضى، المقدّس، الأرضى، أمير المؤمنين أبي إسحاق، ابن الخليفة الهمام الإمام، ذي الشهرة الجامحة، والمفاخر الواضحة، علم الأعلام، فخر السيوف والأقلام، المعظّم الممجّد، المقدّس، الأرضى، أمير المؤمنين، المستنصر بالله أبي عبد الله ابن أبي زكريا بن عبد الواحد بن أبي حفص، أبقاه الله. ومقامه مقام إبراهيم رزقا وأمانا، لا يخصّ جلب الثمرات إليه وقتا ولا يعيّن زمانا، وكان على من يتخطّف الناس من حوله مؤيّدا بالله معانا، معظّم قدره العالي على الأقدار، ومقابل داعي حقّه بالابتدار، المثنى على معاليه المخلّدة الآثار، في أصونة النّظام والنّثار، ثناء الرّوضة المعطار على الأمطار، الداعي إلى الله بدوام «٢» بقائه في عزّة «٣» منسدلة الأستار، وعصمة «٤» ثابتة المركز مستقيمة المدار، وأن يختم له بعد بلوغ غايات الآجال ونهايات الأعمار، بالزّلفى وعقبى الدّار. سلام كريم كما حملت نسمات الأسحار، أحاديث الأزهار، وروت ثغور الأقاحي والبهار، عن مسلسلات الأنهار، وتجلّى على منصّة الاشتهار، وجه عروس النهار، يخصّ خلافتكم الكريمة النّجار، العزيزة الجار، ورحمة الله وبركاته. أما بعد حمد الله الذي أخفى حكمته البالغة عن أذهان البشر، فعجزت عن قياسها، وجعل الأرواح كما ورد في الخبر «٥» ، تحنّ إلى أجناسها، منجد هذه الملّة، من أوليائه الجلّة، بمن يروض الآمال بعد شماسها، وييسّر الأغراض قبل التماسها، ويعنى بتجديد المودّات في ذاته، وابتغاء مرضاته، على حين إخلاق لباسها، الملك الحقّ واصل الأسباب بحوله بعد انتكاث «٦» أمراسها، ومغني النفوس بطوله بعد إفلاسها، حمدا يدرّ أخلاف النّعم بعد إبساسها، وينشر «٧» رمم الآمال من أرماسها، ويقدّس النفوس بصفات ملائكة السماوات بعد إبلاسها «٨» .

стр. 1737

والصلاة «١» على سيدنا ومولانا محمد رسوله سراج الهداية ونبراسها، عند اقتناء الأنوار واقتباسها، مطهّر الأرض من أوضارها وأدناسها، ومصطفى الله من بين ناسها، وسيّد الرّسل الكرام ما بين شيثها وإلياسها، الآتي «٢» مهيمنا على آثارها في حين فترتها ومن بعد نصرتها واستئناسها «٣» ، مرغم الضّراغم في أخياسها «٤» ، بعد افترارها وافتراسها، ومعفّر أجرام الأصنام ومصمت أجراسها. والرّضا عن آله وأصحابه «٥» ، وعترته وأحزابه، حماة شرعته البيضاء وحرّاسها، وملقّحي غراسها، ليوث الوغى عند احتدام مراسها، ورهبان الدّجى «٦» تتكفّل مناجاة «٧» السّميع العليم، في وحشة الليل البهيم، بإيناسها، وتفاوح نواسم الأسحار عند الاستغفار بطيب أنفاسها، والدّعاء لخلافتكم العليّة المستنصريّة بالصّنائع «٨» التي تشعشع أيدي «٩» العزّة القعساء من أكواسها، ولا زالت العصمة «١٠» الإلهية كفيلة باحترامها واحتراسها «١١» ، وأنباء الفتوح المؤيدة بالملائكة والرّوح ريحان جلّاسها، وآيات المفاخر التي ترك الأول للآخر مكتتبة الأسطار «١٢» بأطراسها، وميادين الوجود مجالا لجياد جودها وباسها، والعزّ والعدل منسوبين لفسطاطها وقسطاسها، وصفيحة «١٣» النصر العزيز تفيض كفّها المؤيدة بالله على رياسها، عند اهتياج أضدادها وشرّة «١٤» انتكاسها «١٥» ، لانتهاب البلاد وانتهاسها «١٦» ، وهبوب رياح رياحها وتمرّد مرداسها. فإنّا كتبناه إليكم- كتب الله لكم من كتائب نصره أمدادا تذعن أعناق الأنام «١٧» لطاعة ملككم المنصور الأعلام عند إحساسها، وآتاكم من آيات العنايات آية تضرب الصّخرة الصّماء ممن عصاها بعصاها فتبادر بانبجاسها «١٨» - من حمراء غرناطة حرسها الله وأيام الإسلام بعناية الملك العلّام تحتفل وفود الملائكة الكرام لو لائمها وأعراسها، وطواعين الطّعان في عدوّ الدّين المعان تجدّد عهدها «١٩» بعام عمواسها، والحمد لله

стр. 1738

حمدا معادا يقيّد «١» شوارد النّعم ويستدرّ مواهب الجود والكرم ويؤمّن من انتكاب الجدود وانتكاسها، وليّ الآمال ومكاسها. وخلافتكم هي المثابة التي يزهى الوجود بمحاسن مجدها زهوّ الرياض بوردها وآسها، وتستمدّ أضواء الفضائل من مقباسها «٢» ، وتروي رواة الإفادة والإبادة «٣» غريب الوجادة «٤» عن ضحّاكها وعبّاسها. وإلى هذا أعلى الله معارج قدركم وقد فعل، وأنطق بحجح فخركم «٥» من احتفى وانتعل، فإنه وصلنا كتابكم الذي حسبناه على صنائع الله لنا «٦» تميمة لا تلقع «٧» بعدها عين، وجعلناه على حلل مواهبه قلادة لا يحتاج معها زين، ودعوناه من جيب الكنانة «٨» آية بيضاء الكتابة لم يبق معها شكّ ولا مين «٩» ، وقرأنا منه وثيقة ودّ هضم فيها عن غريم الزمان دين. ورأينا منه إنشاء، خدم اليراع بين يديه [وشّاء، واحتزم «١٠» بهيمان عقدته] «١١» مشّاء، وسئل عن معانيه الاختراع فقال: إنّا أنشأناهنّ إنشاء، فأهلا به من عربي أبيّ «١٢» يصف السانح والبانة، ويبين فيحسن «١٣» الإبانة، أدّى الأمانة، وسئل عن حيّه فانتمى «١٤» إلى كنانة، وأفصح وهو لا ينبس، وتهلّلت قسماته وليل حبره يعبس، وكأنّ خاتمة المقفل على صوانه، المتحف بباكر الورد في غير أوانه، رعف من مسك عنوانه. ولله من قلم دبّج تلك الحلل، ونقع بمجاج الدّواة المستمدّة من عين الحياة الغلل. فلقد تخارق في الجود، مقتديا بالخلافة التي خلّد فخرها في الوجود، فجاد بسرّ البيان ولبابه، وسمح في سبيل الكرم حتى بماء شبابه، وجمح لفرط بشاشته وفهامته، بعد شهادة السّيف بشهامته، فمشى من الترحيب في الطّرس الرّحيب على أمّ هامته. وأكرم به من حكيم أفصح بملغوز الإكسير، في اللّفظ اليسير، وشرح بلسان الخبير، سرّ صناعة التدبير، كأنما خدم الملكة السّاحرة بتلك البلاد، قبل اشتجار «١٥» الجلاد، فآثرته بالطّارف من سحرها والتّلاد، أو عثر «١٦» بالمعلّقة، وتيك «١٧» القديمة

стр. 1739

المطلّقة، بدفينة «١» دار، أو كنز تحت جدار، أو ظفر لباني الحنايا، قبل أن تقطع «٢» به عن أمانيّه المنايا، ببديعة «٣» ، أو خلف جرجير الروم قبل منازلة القروم «٤» على وديعة «٥» ، أو أسهمه ابن أبي سرح، في نشب للفتح وسرح، أو ختم «٦» له روح بن حاتم ببلوغ المطلب، أو غلّب الحظوظ بخدمة آل الأغلب، أو خصّه زيادة الله بمزيد، أو شارك الشّيعة في أمر أبي يزيد «٧» ، أو سار على منهاج في مناصحة بني صنهاج، وفضح بتخليد أمداحهم كلّ هاج. وأعجب له وقد عزّز منه مثنى البيان بثالث، فجلب سحر الأسماع واسترقاق الطّباع بين مثان للإبداع «٨» ومثالث. كيف اقتدر على هذا المحيد «٩» ، وناصح مع التّثليب مقام التّوحيد؟ نستغفر الله وليّ العون، على الصّمت «١٠» والصّون، فالقلم هو الموحّد قبل الكون، والمتّصف من صفات السّادة أولي العبادة بضمور الجسم وصفرة اللون. إنما هي كرامة فاروقيّة، وأثارة «١١» من حديث سارية وبقيّة، سفر وجهها في الأعقاب، بعد طول الانتقاب، وتداول الأحقاب، ولسان مناب عن كريم جناب. وإصابة السّهم لسواه محسوبة، وإلى الرّامي الذي يسدّده «١٢» منسوبة، ولا تنكر على الغمام بارقة، ولا على المتحقّقين «١٣» بمقام التّوحيد كرامة خارقة، فما شاءه «١٤» الفضل من غرائب برّ وجد، ومحاريب خلق كريم ركع الشّكر فيها وسجد، حديقة بيان استثارت نواسم الإبداع «١٥» من مهبّها، واستزارت «١٦» غمائم الطّباع من مصبّها، فآتت أكلها مرّتين بإذن ربّها، لا بل كتيبة عزّ طاعنت بقنا الألفات سطورها، فلا يرومها النّقد ولا يطورها، ونزعت عن قسيّ النّونات خطوطها، واصطفّت من بياض الطّرس وسواد النّقس «١٧» بلق «١٨» تحوطها. فما كأس المدير على الغدير، بين

стр. 1740

الخورنق «١» والسّدير «٢» ، تقامر «٣» بنرد الحباب، عقول ذوي «٤» الألباب، وتغرق كسرى في العباب «٥» ، وتهدي وهي الشّمطاء نشاط الشباب. وقد أسرج ابن سريح «٦» وألجم، وأفصح الغريض «٧» بعد ما جمجم، وأعرب النّاي الأعجم، ووقّع معبد «٨» بالقضيب، وشرعت في حساب العقد بنان الكفّ الخضيب، وكأنّ الأنامل فوق مثالث العود ومثانيه، وعند إغراء الثّقيل بثانيه، وإجابة صدى الغناء بين مغانيه. المراود تشرع في الوشي، أو العناكب تسرع في المشي، فما المخبر «٩» بنيل الرّغائب، أو قدوم الحبيب الغائب، لا بل إشارة البشير، بكمّ المشير على العشير، بأجلب للسّرور من زائره «١٠» المتلقّى بالبرور، وأدعى للحبور من سفيره المبهج للسّفور «١١» . فلم نر مثله من كتيبة كتاب تجنب الجرد تمرح في الأرسان، وتتشوّف مجالي ظهورها إلى عرائس الفرسان، وتهزّ معاطف الارتياح من صهيلها الصّراح بالنّغمات الحسان. إذا أوجست «١٢» الصّريخ نازعت «١٣» إثناء الأعنّة، وكاثرت بأسنّة آذانها مشرعة الأسنّة، فإن ادّعى الظّليم إثكالها «١٤» فهو ظالم، أو نازعها «١٥» الظّبي هواديها وأكفالها فهو هاذ «١٦» أو حالم. وإن سئل الأصمعي «١٧» عن عيوب الغرر والأوضاح، قال مشيرا إلى وجوهها الصّباح: جلدة بين العين والأنف سالم من كلّ عبل الشّوى، مسابق للنّجم إذا ما «١٨» هوى، سامي التّليل، عريض ما تحت الشّليل، ممسوحة «١٩» أعطافه بمنديل النّسيم البليل، من أحمر كالمدام، تجلى على النّدام عقب الفدام، أتحف لونه بالورد، في زمن البرد، وحيّي «٢٠» أفق محيّاه

стр. 1741

بكوكب السّعد، وتشوّف الواصفون إلى عدّ محاسنه فأعيت على «١» العدّ، بحر يساجل البحر عند المدّ، وريح تباري الريح عند الشّدّ، بالذّراع الأشدّ، حكم له مدبّر فلك «٢» الكفل باعتدال فصل القدّ، وميّزه قدره المميّز يوم الاستباق، بقصب السّباق، عند اعتبار الجدّ «٣» ، وولّد مختطّ غرّته أشكال الجمال على الكمال بين البياض والحمرة ونقاء الخدّ، وحفظ رواية الخلق الوجيه، عن جدّه الوجيه، ولا تنكر الرواية على الحافظ ابن الجدّ. وأشقر أبيّ «٤» الخلق، والوجه الطّلق، أن يحقّر كأنما صيغ من العسجد، وطرف بالدّرّ وأنعل بالزبرجد. ووسم في الحديث بسمة اليمن والبركة، واختصّ بفلج الخصام عند اشتجار «٥» المعركة، وانفرد بمضاعف السّهام، المنكسرة على الهام، في الفرائض المشتركة، واتّصف «٦» فلك كفله بحركتي الإرادة والطّبع من أصناف الحركة. أصغى إلى السماء بأذن الملهم، وأغري «٧» لسان الصّهيل «٨» عند التباس معاني المهمز «٩» والتّسهيل ببيان المبهم، وفتنت العيون من ذهب جسمه ولجين نجمه بحبّ الدّنيّر «١٠» والدّرهم، فإن انقضّ فرجم، أو ريح لمّا «١١» هجم، وإن «١٢» اعترض فشفق لاح به للنّجم نجم. وأصفر قيّد الأوابد الحرّة، وأمسك المحاسن وأطلق الغرّة، وسئل من أنت في قوّاد الكتائب، وأولي الأخبار العجائب، فقال: أنا المهلّب بن أبي صفرة، نرجس هذه الألوان، في رياض الأكوان، تحيا به محيّا «١٣» الحرب العوان. أغار بنخوة الصّائل على معصفرات الأصائل فارتداها، وعمد إلى خيوط شعاع الشمس عند جانحة الأمس فألحم «١٤» منها حلّتة وأسداها، واستعدت عليه ملك «١٥» المحاسن فما أعداها، فهو أصيل تمسّك بذيل الليل عرفه وذيله، وكوكب يطلعه من القتام ليله، فيحسده فرقد الأفق وسهيله. وأشهب تغشى «١٦» من لونه مفاضة «١٧» ، وتسربل منه لأمة «١٨» فضفاضة، قد احتفل زينه، لمّا رقم بالنّبال لجينه، فهو الأشمط، الذي حقّه لا

стр. 1742

يغمط، والدّراع «١» المسارع، والأعزل الذّراع «٢» ، وراقي الهضاب الفارع، ومكتوب الكتيبة البارع، وأكرم به من مرتاض سالك، ومجتهد على غايات السّابقين الأوّلين «٣» متهالك. وأشهب يروي من الخليفة، ذي الشّيم المنيفة، عن مالك. وحباريّ كلّما سابق وبارى، استعار جناح الحبارى «٤» ، فإذا أعملت هذه «٥» الحسبة، قيل من هنا جاءت النّسبة، طرد النّمر لما عظم أمره وأمر، فنسخ وجوده بعدمه، وابتزّه الفروة ملطّخة «٦» بدمه. وكأنّ مضاعف الورد نثر عليه من طبقه أو الفلك، لما ذهب الحلك، مزج فيه «٧» بياض صبحه بحمرة شفقه، وقرطاسيّ حقّه لا يجهل، متى ما ترقى العين فيه تسهل «٨» ، إن نزع عنه جلّه، فهو نجم كلّه، انفرد بمادة الألوان، قبل أن تشوبها «٩» يد الأكوان، وتمزجها أقلام الملوان «١٠» ، يتقدم منه الكتيبة «١١» لواء ناصع، أو أبيض مماصع «١٢» ، لبس وقار المشيب «١٣» ، في ريعان العمر القشيب، وأنصتت الآذان من صهيله المطيل المطيب، لما ارتدى بالبياض إلى نغمة الخطيب، وإن تعتّب منه للتأخير المتعتّب «١٤» ، قلنا: الواو لا ترتّب، ما بين فحل وحرّة، وبهرمانة «١٥» ودرّة، ويا لله من ابتسام غرّة، ووضوح يمن في طرّة، وبهجة للعين وقرّة. وإن ولع الناس بامتداح القديم، [وخصّوا الحديث بفري الأديم، وأوجب المتعصّب وإن أبى المنصب مزية «١٦» التّقديم،] «١٧» وطمح إلى رتبة المخدوم طرف الخديم، وقورن المثري بالعديم، وبخس في سوق الكسد «١٨» الكيل، ودجا الليل، [وظهر في فلك الإنصاف الميل، لمّا تذوكرت الخيل،] «١٩» فجيء بالوجيه والخطّار، والذائد «٢٠» وذي الخمار «٢١» ، وداحس والسّكب، والأبجر «٢٢» وزاد الركب، والجموح واليحموم،

стр. 1743

والكميت ومكتوم، والأعوج والحلوان «١» ، ولاحق والغضبان، وعفزر «٢» والزّعفران، والمحبّر واللّعاب، والأغرّ والغراب، وشعلة «٣» والعقاب، والفيّاض واليعبوب، والمذهّب واليعسوب، والصّموت «٤» والقطيب، وهيدب والصبيب، وأهلوب وهدّاج، والحرون وخرّاج «٥» ، وعلوى «٦» والجناح والأحوى ومجاج «٧» ، والعصا والنّعامة، والبلقاء والحمامة، وسكاب والجرادة، وخوصاء «٨» والعرادة. فكم «٩» بين الشّاهد والغائب، والفروض والرغائب، وفرق ما بين الأثر والعيان، غنيّ عن البيان، وشتّان ما بين الصّريح والمشتبه، ولله درّ القائل في «١٠» مثلها: «خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به» . والنّاسخ يختلف به الحكم، وسرّ الدواب عند التفضيل بين هذه الدواب «١١» الصّم البكم «١٢» ، إلّا ما ركبه نبيّ، أو كان له يوم الافتخار برهان خبيّ «١٣» ، ومفضّل ما سمع على ما رأى غبيّ، فلو أنصفت محاسنها التي وصفت لأقضمت حبّ القلوب علفا، وأوردت ماء الشبيبة «١٤» نطفا، واتّخذت لها من عذر الخدود الملاح عذر موشيّة، وعلّلت بصفير ألحان القيان كلّ عشيّة. وأنعلت «١٥» بالأهلّة، وغطّيت بالرياض بدل الأجلّة. إلى الرّقيق، الخليق بالحسن الحقيق، تسوقه إلى مثوى الرعاية روقة الفتيان رعاته، ويهدي «١٦» عقيقها من سبجه «١٧» أشكالا تشهد للمخترع سبحانه بإحكام مخترعاته، وقّفت ناظر الاستحسان لا يريم، لمّا بهره «١٨» منظرها الكريم، وتخامل «١٩» الظّليم، وتضاءل الرّيم، وأخرس «٢٠» مفوّه «٢١» اللسان، وهو «٢٢» بملكة التّبيان «٢٣» ، الحفيظ العليم. وناب لسان الحال عن لسان المقال، عند الاعتقال، فقال يخاطب

стр. 1744

المقام الذي أطلعت أزهارها غمائم جوده، واقتضت اختيارها بركة وجوده. لو علمنا أيها الملك الأصيل، الذي كرم منه الإجمال والتّفصيل، أنّ الثناء يوازيها، لكلنا لك بكيلك، أو الشّكر يعادلها ويجازيها «١» ، لتعرّضنا بالوشل «٢» إلى نيل نيلك، أو قلنا: هي «٣» التي أشار إليها مستصرخ سلفك المستنصر «٤» بقوله: «أدرك بخيلك» «٥» حين شرق بدمعه «٦» الشرق، وانهزم الجمع واستولى الفرق، واتسع فيه والحكم لله الخرق، ورأى أنّ مقام التوحيد بالمظاهرة على التّثليث، وحزبه الخبيث، هو الأولى والأحقّ. والآن قد أغنى الله بتلك النّيّة، عن إنجاد «٧» الطّوال الرّدينيّة، وبالدّعاء من تلك المثابة الدينيّة، إلى ربّ البنيّة، عن الأمداد السّنيّة، والأجواد تخوض بحر الماء إلى بحر المنيّة، وعن الجرد العربية في مقاود الليوث الأبيّة، فجدّد «٨» برسم هذه الهديّة، مراسم العهود الودّية، والذّمم الموحّدية، لتكون علامة على الأصل، ومكذّبة لدعوى الوقف والفصل، وإشعارا بالألفة التي لا تزال ألفها بحول الله «٩» ألف الوصل، ولامها حراما على النّصل. وحضر بين يدينا رسولكم فلان فقرّر من فضلكم ما لا ينكره من عرف علوّ مقداركم، وأصالة داركم، وفلك إبداركم، وقطب مداركم، وأجبناه «١٠» عنه بجهد ما كنّا لنقنع من جناه المهتصر، بالمقتضب المختصر، ولا لنقابل «١١» طول طوله بالقصر، لولا طروء الحصر. وقد كان بين الأسلاف رحمة الله عليهم ورضوانه «١٢» ودّ أبرمت من أجل الله معاقده، ووثّرت للخلوص الجليّ النصوص مضاجعه القارّة ومراقده،

стр. 1745

وتعاهد بالجميل توجّع لفقده فيما سلف «١» فاقده، أبى الله إلّا أن يكون لكم الفضل في تجديده، والعطف بتوكيده. ونحن الآن لا ندري أيّ مكارمكم نذكر «٢» ، أو أيّ فواضلكم نشرح أو نشكر، أمفاتحتكم التي هي في الحقيقة عندنا «٣» فتح، أم هديّتكم وفي وصفها للأقلام سبح، ولعدوّ الإسلام بحكمتها «٤» كبح. إنما نكل الشكر لمن يوفّي جزاء الأعمال البرّة، ولا يبخس مثقال الذّرّة، ولا أدنى من مثقال الذّرة، ذي الرّحمة الثّرّة، والألطاف المتصلة المستمرة، لا إله إلّا هو. وإن تشوفتم إلى الأحوال الراهنة، وأسباب الكفر «٥» الواهية بقدرة الله الواهنة، فنحن نطرفكم بطرفها، [ونطلعكم على سبيل الإجمال بطرفها،] «٦» وهو أننا لمّا أعادنا «٧» الله من التمحيص، إلى مثابة التخصيص، من بعد المرام العويص، كحلنا بتوفيق الله بصر البصيرة، ووقفنا على سبيله مساعي الحياة القصيرة، ورأينا كما نقل إلينا، وكرّر على «٨» من قبلنا وعلينا، أن الدّنيا وإن غرّ الغرور، وأنام على سرر الغفلة السّرور، فلم ينفع الخطور على أجداث الأحباب «٩» والمرور، جسر يعبر، ومتاع لا يغبط من حبي به ولا يجبر «١٠» ، إنما هو خبر به يخبر، [وأن الحسرة بمقدار «١١» ما على تركه تجبر] «١٢» ، وأن الأعمار أحلام، وأن الناس نيام، وربما رحل الراحل عن الخان، وقد جلّله بالأذى والدّخان، أو ترك به طيبا، وثناء يقوم بعده للآتي خطيبا، فجعلنا العدل في الأمور ملاكا، والتفقّد للثّغور مسواكا، وضجيع «١٣» المهاد، حديث الجهاد، وأحكامه مناط الاجتهاد، وقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ «١٤» دليل «١٥» الاستشهاد، وبادرنا رمق «١٦» الحصون المضاعة وجنح التّقية دامس، [وعوراتها «١٧» لا تردّيد لامس] «١٨» ، وساكنها بائس، والأعصم في شعفاتها «١٩» من العصمة آيس «٢٠» ، فزيّنا «٢١» ببيض الشّرفات ثناياها، وأفعمنا بالعذب

стр. 1746

الفرات ركاياها، وغشّينا بالصّفيح المضاعف أبوابها، واحتسبنا عند موفيّ الأجور ثوابها، وبيّضنا بناصع الكلس أثوابها، فهي اليوم توهم حسّ «١» العيان، أنها قطع من بيض العنان، تكاد تناول قرص البدر بالبنان، متكفّلة للمؤمن من فزع «٢» الدنيا والآخرة بالأمان. وأقرضنا الله قرضا، وأوسعنا مدوّنة الجيش عرضا، وفرضنا أنصافه مع الأهلّة فرضا، واستندنا من التوكّل على الله الغنيّ الحميد إلى ظلّ لواء، ونبذنا إلى الطاغية عهده على سواء، وقلنا: ربّ «٣» أنت العزيز، وكلّ جبّار لعزّك ذليل، وحزبك هو الكثير وما سواه فقليل، أنت الكافي، ووعدك الوعد الوافي، فأفض علينا مدارع الصابرين، واكتبنا من الفائزين، بحظوظ رضاك الظافرين، وثبّت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين. فتحرّكنا أولى الحركات، وفاتحة مصحف البركات، في خفّ من الحشود، واقتصار على من «٤» بحضرتنا من العساكر المظفّرة والجنود، إلى حصن أشر «٥» البازي «٦» المطلّ، وركاب العدو الضّالّ المضلّ، ومهدي نفثات الصّلّ، على امتناعه وارتفاعه، وسموّ «٧» يفاعه، وما بذل العدوّ فيه من استعداده، وتوفير أسلحته وأزواده، وانتخاب أنجاده. فصلينا «٨» بنفسنا ناره، وزاحمنا عليه الشّهداء نصابر أواره، ونلقى بالجوارح العزيزة سهامه المسمومة وجلامده «٩» الملمومة وأحجاره، حتى فرعنا بحول «١٠» من لا حول ولا قوة إلّا به أبراجه المنيعة وأسواره، وكففنا عن البلاد والعباد «١١» أضراره، بعد أن استضفنا إليه حصن السّهلة «١٢» جاره، ورحلنا عنه بعد أن شحنّاه رابطة وحامية، وأزوادا «١٣» نامية، وعملنا بيدنا في رمّ ما ثلم القتال، وبقر من بطون مسابقة «١٤» الرجال، واقتدينا بنبيّنا صلوات الله وسلامه عليه في الخندق لمّا حمى ذلك المجال، ووقع الارتجاز المنقول خبره والارتجال «١٥» ، وما كان ليقرّ الإسلام مع تركه القرار، وقد كتب الجوار، وتداعى الدّعرة وتعاوى الشّرار.

стр. 1747

وقد «١» كنّا أغزينا الجهة الغربية من المسلمين بمدينة «٢» برغة «٣» التي سدّت بين القاعدتين؛ رندة ومالقة «٤» الطريق، وألبست ذلّ الفراق ذلك الفريق، ومنعتهما أن تسيغا «٥» الرّيق، فلا سبيل إلى الإلمام لطيف المنام، إلّا «٦» في الأحلام، ولا رسالة إلّا في أجنحة هديّ الحمام، فيسّر الله فتحها، وعجّل منحها، بعد حرب انبتّت فيها النّحور، وتزيّنت الحور، وتبع هذه الأمّ بنات شهيرة، وبقع للزرع والضّرع خيرة، فشفي الثّغر من بوسه، وتهلّل وجه الإسلام بتلك الناحية بعد عبوسه. ثم أعملنا الحركة إلى مدينة الجزيرة «٧» ، على بعد المدى، وتغلغلها في «٨» بلاد العدا، واقتحام هول الفلا «٩» وغول الرّدى، مدينة تبنّتها «١٠» حمص فأوسعت الدّار، وأغلت الشّوار، وراعت الاستكثار، وبسطت الاعتمار، رجّح إلينا قصدها على البعد، والطريق الجعد، ما أشقت «١١» به المسلمين، من استئصال طائفة من أسراهم مرّوا بها آمنين، وبطائرها «١٢» المشؤوم متيمّنين، قد أنهكهم الاعتقال، والقيود الثّقال، وأضرعهم الإسار، وجلّلهم الانكسار، فجدّلوهم في مصرع واحد، وتركوهم عبرة للرائي والمشاهد، وأهدوا بوقيعتهم إلى الإسلام ثكل الواجد، وترة «١٣» الماجد، فكبسناها كبسا، وفجأناها بإلهام من لا يضلّ ولا ينسى، فصبّحتها الخيل، ثم تلاحق الرّجل لما «١٤» جنّ الليل «١٥» ، وحاق بها الويل، فأبيح منها الذّمار١» ، وأخذها الدّمار، ومحقت من مصانعها البيض «١٧» الأهلّة وخسفت الأقمار، وشفيت من دماء أهليها «١٨» الضّلوع الحرار «١٩» ، وسلّطت على هياكلها النار، واستولى على الآلاف «٢٠» العديدة من سبيها الإسار، وانتهى إلى إشبيلية الثّكلى المغار، فجلّل وجوه من بها من

стр. 1748

كبار النصرانية الصّغار، واستولت الأيدي على ما لا يسعه الوصف ولا تقلّه الأوقار. وعدنا والأرض تموج سبيا، لم تترك «١» بعفرّين «٢» شبلا ولا بوجرة «٣» ظبيا، والعقائل حسرى، والعيون يبهرها «٤» الصّنع الأسرى، وصبح السّرى قد حمد من «٥» بعد بعد المسرى، فسبحان الذي أسرى، ولسان الحميّة ينادي في تلك الكنائس المخزية «٦» والنّوادي: يا لثارات الأسرى. ولم يكن إلّا أن نفّلت «٧» الأنفال، ووسمت بالإيضاح «٨» الأغفال، وتميّزت الهوادي والأكفال، وكان إلى غزو مدينة جيّان الاحتفال، قدنا إليها الجرد تلاعب الظّلال نشاطا، والأبطال تقتحم الأخطار رضى بما عند الله واغتباطا، والمهنّدة الدّلق «٩» تسبق إلى الرّقاب استلالا واختراطا، والرّدينيّة السّمر تسترط حيّاتها «١٠» النفوس استراطا، [واستكثرنا من عدد القتال احتياطا،] «١١» وأزحنا «١٢» العلل عمّن أراد جهادا منجيا غباره من دخان «١٣» جهنّم ورباطا، ونادينا الجهاد الجهاد، يا أمة [الجهاد راية] «١٤» النبيّ الهاد، الجنّة الجنّة تحت ظلال السيوف الحداد، فهزّ النداء إلى الله تعالى كلّ عامر وغامر، وائتمر الجمّ من دعوة الحقّ إلى أمر آمر، وأتى الناس من الفجوج العميقة رجالا وعلى كلّ ضامر، وكاثرت الرايات «١٥» أزهار البطاح لونا وعدّا، وسدّت الحشود مسالك الطرق «١٦» العريضة سدّا، ومدّ بحرها الزاخر مدّا، فلا يجد لها الناظر ولا المناظر حدّا. وهذه المدينة هي الأمّ الولود، والجنّة التي في النار لسكّانها من الكفّار «١٧» الخلود، وكرسيّ الملك، ومجنّبته الوسطى من ذلك السّلك «١٨» ، باءت بالمزايا العديدة ونجحت، وعند الوزان بغيرها من أمّات البلاد «١٩» رجحت، غاب الأسود، وجحر الحيّات السّود، ومنصب التماثيل الهائلة، ومعلق النواقيس الصّائلة.

стр. 1749

وأدنينا إليها المراحل، وعيّنّا لبحار «١» المحلّات المستقلّات منها الساحل. ولمّا أكثبنا «٢» جوارها، وكدنا نلمح «٣» نارها، تحرّكنا ووشاح الأفق المرقوم بزهر النجوم قد دار دائره، والليل من خوف الصّباح على سرحه المستباح قد شابت غدائره، والنّسر يرفرف باليمن طائره، والسّماك الرامح «٤» يثأر بعزّ «٥» الإسلام ثائره، والنّعائم راعدة فرائص الجسد، من خوف الأسد، والقوس يرسل سهم السعادة، بوتر العادة، إلى أهداف «٦» النّعم المعادة، والجوزاء عابرة نهر المجرّة، والزّهرة تغار من الشّعرى العبور بالضّرّة، وعطارد يسدي في حبل «٧» الحروب، على البلد المحروب ويلحم، ويناظر على أشكالها الهندسيّة «٨» فيفحم، والأحمر يبهر، والعلم الأبيض يفري وينهر، والمشتري يبدي في فضل الجهاد ويعيد، ويزاحم في الحلقات» على ما للسعادة من الصفات ويزيد، وزحل عن الطالع منزحل، [وعن العاشر مرتحل] «١٠» ، وفي زلق السّقوط وحل، والبدر يطارح حجر المنجنيق، كيف يهوي إلى النّيق، ومطلع الشمس يرقب، وجدار الأفق يكاد بالعيون عنها ينقب. ولمّا فشا سرّ الصباح، واهتزّت أعطاف الرّايات لتحيّات مبشّرات الرّياح، أطللنا «١١» عليها إطلال الأسود على الفرائس، والفحول على العرائس، فنظرنا منظرا يروع بأسا ومنعة، ويروق وضعا وصنعة، تلفّعت معاقله الشّمّ للسّحاب ببرود، ووردت من غدير «١٢» المزن في برود، وأسرعت لاقتطاف «١٣» أزهار النجوم، والذّراع بين النطاق معاصم رود، وبلدا «١٤» يعيي الماسح والذارع «١٥» ، وينتظم المحاني والأجارع. فقلنا اللهمّ نفّله أيدي عبادك «١٦» ، وأرنا فيه آية من آيات جهادك، فنزلنا بساحتها العريضة المتون، نزول الغيث الهتون، وتيمّنّا من فحصها الأفيح بسورة التّين والزيتون، متبرّية «١٧» من أمان الرحمن للبلد المفتون، وأعجلنا الناس بحميّة نفوسهم النّفيسة، وسجيّة شجاعتهم البئيسة، عن أن نبوّئ للقتال المقاعد، وندني بإسماع

стр. 1750

شهير النّفير منهم الأباعد، وقبل أن يلتقي الخديم بالمخدوم، ويركع المنجنيق ركعتي القدوم، فدافعوا «١» من أصحر إليهم من الفرسان، وسبق إلى حومة الميدان، حتى أحجروهم في البلد، وسلبوهم لباس الجلد، في موقف يذهل الوالد عن الولد، صابت «٢» السّهام فيه غماما، وطارت كأسراب الحمام تهدي حماما، وأضحت القنا قصدا، بعد أن كانت شهابا رصدا. وماج بحر القتام بأمواج النّصول، وأخذ الأرض الرّجفان لزلزال الصباح «٣» الموصول. فلا ترى إلّا شهيدا تظلّل مصرعه الحور، وصريعا تقذف به إلى السّاحل أمواج «٤» تلك البحور، ونواشب تبأى بها الوجوه الوجيهة عند الله والنّحور، فالمقضب فوده يخصب «٥» والأسمر غصنه سيثمر «٦» ، والمغفر حماه يخفر، وظهور القسيّ تقصم «٧» ، وعصم الجند الكوافر تفصم. وورق «٨» اليلب في المنقلب يسقط، والبتّر تكتب «٩» ، والسّمر تنقط، فاقتحم الرّبض الأعظم لحينه، وأظهر الله لعيون المبصرين والمستبصرين عزّة دينه، وتبرّأ الشيطان من خدينه «١٠» ، وبهت «١١» الكفّار وخذلوا، وبكلّ مرصد «١٢» جدّلوا، ثم دخل البلد بعده غلابا، وجلّل قتلا واستلابا، فلا تسل، إلّا الظّبا والأسل، عن قيام ساعته، وهول يومها وشناعته، وتخريب المبائت والمباني، وغنى الأيدي من خزائن تلك المغاني، ونقل الوجود الأول إلى الوجود الثاني. وتخارق السيف فجاء «١٣» بغير المعتاد، ونهلت القنا الرّدينيّة من الدماء حتى كادت تورق كالأغصان المغترسة والأوتاد، وهمت أفلاك القسيّ وسحّت، وأرنّت «١٤» حتى بحّت، ونفدت موادّها «١٥» فشحّت، بما ألحّت، وسدّت المسالك جثث القتلى فمنعت العابر، واستأصل الله من عدوّه الشأفة «١٦» وقطع الدّابر، وأزلف الشهيد وأحسب الصابر، وسبقت رسل الفتح الذي لم يسمع بمثله في الزمن الغابر، تنقل البشرى من أفواه المحابر، إلى آذان المنابر. أقمنا بها أياما نعقر الأشجار، ونستأصل بالتّخريب الوجار «١٧» ، ولسان الانتقام من عبدة الأصنام، ينادي يا لثارات الإسكندرية تشفّيا من الفجّار، ورعيا لحقّ الجار.

стр. 1751

وقفلنا وأجنحة الرايات برياح العنايات «١» خافقة، وأوفاق التوفيق الناشئة من خطوط الطريق موافقة «٢» ، وأسواق العزّ بالله نافقة، وحملاء الرفق مصاحبة والحمد لله مرافقة، وقد ضاقت ذروع الجبال، عن أعناق الصّهب السّبال «٣» ، ورفعت على الأكفال، ردفاء «٤» كرائم الأنفال، وقلقلت من النواقيس أجرام الجبال، بالهندام والاحتيال، وهلك «٥» بمهلك هذه الأمّ بنات كنّ يرتضعن ثديّها الحوافل، ويستوثرن حجرها الكافل، شمل التخريب أسوارها، وعجّلت النار بوارها «٦» . ثم تحرّكنا بعدها حركة الفتح، وأرسلنا دلاء» الأدلّاء «٨» قبل المتح «٩» ، فبشّرت بالمنح. وقصدنا مدينة «١٠» أبّدة «١١» وهي ثانية الجناحين، وكبرى الأختين، ومساهمة جيّان في حين الحين، مدينة أخذت عرض «١٢» الفضاء الأخرق، وتمشّت في «١٣» أرباضها تمشّي الكتابة الجامحة في المهرق «١٤» ، المشتملة على المتاجر والمكاسب، والوضع المتناسب، والفلح «١٥» المعيي ريعه «١٦» عمل الحاسب، وكوارة «١٧» الدير «١٨» اللاسب، المتعددة اليعاسب، فأناخ العفاء بربوعها العامرة، ودارت كؤوس عقار الحتوف ببنان السيوف على متديّريها المعاقرة، وصبّحتها طلائع الفاقرة، وأغريت ببطون أسوارها عوج المعاول الباقرة، ودخلت مدينتها عنوة السيف، في أسرع من خطرة الطّيف، ولا تسل «١٩» عن الكيف. فلم يبلغ العفاء من مدينة حافلة، وعقيلة في حلل المحاسن رافلة، ما بلغ من هذه البائسة التي سجدت لآلهة النيران أبراجها، وتضاءل بالرّغام معراجها، وضفت على أعطافها ملابس الخذلان، وأقفر من كنائسها كناس الغزلان.

стр. 1752

ثم تأهّبنا لغزو أمّ القرى الكافرة، وخزائن المزاين «١» الوافرة، وربّة الشّهرة السافرة، والأنباء المسافرة، قرطبة، وما أدراك ما هيه؟ ذات الأرجاء الحالية الكاسية، والأطواد الرّاسخة الرّاسية، والمباني المباهية، والزّهراء الزاهية «٢» ، والمحاسن غير المتناهية، حيث هالة بدر السماء قد استدارت من السّور المشيد البناء دارا «٣» ، ونهر المجرّة من نهرها الفيّاض المسلول حسامه من غمود «٤» الغياض قد لصق بها جارا، وفلك الدّولاب المعتدل الانقلاب قد استقام مدارا، ورجّع الحنين اشتياقا إلى الحبيب الأوّل وادّكارا، حيث الطّود كالتّاج يزدان بلجين العذب المجاج فيزري بتاج كسرى ودارا، حيث قسيّ الجسور المديرة «٥» كأنها عوج المطيّ الغريرة تعبر النهر قطارا، حيث آثار العامريّ المجاهد تعبق بين تلك المعاهد شذى معطارا، حيث كرائم السّحاب «٦» تزور «٧» عرائس الرّياض الحبايب فتحمل لها من الدّر نثارا، حيث شمول الشّمال «٨» تدار على الأدواح بالغدوّ والرّواح فترى الغصون سكارى، وما هي بسكارى، حيث أيدي الافتتاح تفتضّ من شقائق البطاح أبكارا، حيث ثغور الأقاح «٩» الباسم تقبّلها بالسّحر زوّار النّواسم فتخفق قلوب النجوم الغيارى، حيث المصلّى العتيق قد رحب مجالا وطال منارا، وأزرى ببلاط الوليد احتقارا، حيث الظّهور المثارة بسلاح الفلاح تجبّ عن مثل أسنمة المهارى، والبطون كأنها لتدميث الغمائم بطون العذارى، والأدواح العالية تخترق أعلامها الهادية بالجداول الخيارى «١٠» . فما شئت من جوّ صقيل، ومعرّس للحسن «١١» ومقيل، ومالك للعقل وعقيل، وخمائل كم فيها للبلابل من قال وقيل، وخفيف يجاوب بثقيل، وسنابل تحكي من فوق سوقها، وقضب بسوقها، الهمزات فوق الألفات، والعصافير البديعة الصّفات، فوق القضب المؤتلفات، تميل لهبوب «١٢» الصّبا والجنوب، مالئة «١٣» الجيوب، بدرر الحبوب، وبطاح لا تعرف عين المحل، فتطلبه بالذّحل، ولا تصرف «١٤» في خدمة بيض قباب الأزهار، عند افتتاح السّوسن والبهار، غير العبدان من سودان النّحل «١٥» وبحر الفلاحة

стр. 1753

الذي لا يدرك ساحله، ولا يبلغ الطّيّة «١» البعيدة راحله، إلى الوادي، وسمر النوادي، وقرار دموع الغوادي، المتجاسر على تخطّيه عند تمطّيه الجسر العادي، والوطن الذي ليس من عمرو ولا زيد، والفرا الذي في جوفه كلّ صيد «٢» ، أقلّ كرسيّه خلافة الإسلام، وأغار «٣» بالرّصافة والجسر دار السلام، وما عسى أن تطنب في وصفه ألسنة الأقلام، أو تعبّر به عن ذلك الكمال فنون الكلام، فأعملنا إليها السّرى والسّير، وقدنا إليها النخيل وقد عقد الله «٤» في نواصيها الخير. ولمّا وقفنا بظاهرها المبهت المعجب، واصطففنا بخارجها المنبت المنجب، والقلوب تلتمس الإعانة من منعم مجزل، وتستنزل مدد «٥» الملائكة من منجد منزل، والركائب واقفة من خلفنا بمعزل، تتناشد في معاهد الإسلام: «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل «٦» » برز من حاميتها المحامية، ووقود النار الحامية، وبقية السيف الوافرة على الحصاد النامية، قطع الغمائم الهامية، وأمواج البحور الطامية، واستجنّت بظلال أبطال المجال أعداد الرجال النّاشبة والرّامية. وتصدّى للنّزال من صناديدها الصّهب السّيال «٧» أمثال الهضاب الراسية، يجنّها «٨» جنن السّوابغ الكاسية، وقواميسها المفادية «٩» للصّلبان يوم بؤسها بنفوسها المواسية، وخنازيرها التي عدتها عن قبول حجج الله ورسوله ستور الظّلم الغاشية، وصخور القلوب القاسية، فكان «١٠» بين الفريقين أمام جسرها الذي فرق البحر، وحلي بلجينه ولآلىء زينه منها النّحر، حرب لم تنسج الأزمان «١١» على منوالها، ولا أتت الأيام «١٢» الحبالى بمثل أجنّة أهوالها، من قاسها بالفجار أفك وفجر، أو مثّلها بجفر «١٣» الهباءة خرف وهجر، ومن شبّهها بحرب داحس «١٤» والغبراء فما عرف الخبر، فليسأل من جرّب «١٥» وخبر. ومن

стр. 1754

نظّرها بيوم شعب جبله، فهو ذو بله، أو عادلها ببطن عاقل، فهو «١» غير عاقل، أو احتجّ بيوم ذي قار، فهو إلى المعرفة ذو افتقار، أو ناضل بيوم الكديد، فسهمه غير السديد. إنما كان مقاما غير معتاد، ومرعى نفوس لم يف بوصفه لسان مرتاد، وزلزال جبال أوتاد، ومتلف مذخور لسلطان الشيطان وعتاد، أعلم فيه البطل الباسل، وتورّد «٢» الأبيض الباتر وتأوّد الأسمر العاسل، ودوّم الجلمد المتكاسل، وانبعث «٣» من حدب الحنيّة إلى هدف الرّميّة الناشر الناسل، ورويت لمرسلات السّهام المراسل. ثم أفضى أمر الرّماح إلى التّشاجر والارتباك، ونشبت «٤» الأسنّة في الدّروع نشب «٥» السّمك في الشّباك، ثم اختلط المرعى بالهمل، وعزل الرّدينيّ عن العمل، وعادت السيوف من فوق المفارق تيجانا، بعد أن شقّت غدر السوابغ خلجانا، واتّحدت جداول الدروع فصارت بحرا، وكان التّعانق فلا ترى إلّا نحرا يلازم نحرا، عناق وداع، وموقف شمل ذي انصداع، وإجابة مناد إلى فراق الأبد وداع. واستكشفت مآل «٦» الصبر الأنفس الشفّافة، وهبّت بريح النصر الطلائع المبشّرة الهفّافة. ثم أمدّ السيل ذلك العباب، وصقل الاستبصار الألباب، واستخلص العزم صفوة اللّباب، وقال لسان النّصر «٧» ادخلوا عليهم الباب، فأصبحت طوائف الكفّار، حصائد مناجل الشّفار، فمغافرهم «٨» قد رضيت حرماتها بالإخفار «٩» ، ورؤوسهم محطوطة في غير مقام «١٠» الاستغفار، وعلت الرايات من فوق تلك الأبراج المستطرفة والأسوار «١١» ، ورفرف على المدينة جناح البوار «١٢» ، لولا الانتهاء إلى الحدّ والمقدار، والوقوف عند اختفاء سرّ الأقدار «١٣» . ثم عبرنا نهرها، وشددنا «١٤» بيدي «١٥» الله قهرها، وضيّقنا حصرها، [وأدرنا بلآلئ القباب البيض خصرها] «١٦» ، وأقمنا بها أياما تحوم عقبان البنود على فريستها حياما وترمي «١٧» الأدواح «١٨» ببوارها، ونسلّط «١٩»

стр. 1755

النيران «١» على أقطارها، فلولا عائق «٢» المطر، لحصلنا من فتح ذلك الوطن على الوطر، فرأينا أن نروضها بالاجتثاث والانتساف، ونوالي على زروعها وربوعها كرّات رياح الاعتساف، حتى يتهيّأ للإسلام لوك طعمتها، ويتهنّأ بفضل الله إرث نعمتها. ثم كانت عن موقفها الإفاضة من «٣» بعد نحر النّحور، وقذف جمار الدّمار على العدوّ المدحور «٤» ، وتدافعت خلفنا السّيقات المتّسقات «٥» تدافع أمواج البحور. وبعد أن ألححنا على جنّاتها المصحرة، وكرومها المستبحرة «٦» ، إلحاح الغريم، وعوّضناها المنظر الكريه من المنظر الكريم، وطاف عليها طائف من ربّك «٧» فأصبحت كالصّريم «٨» ، وأغرينا حلاق «٩» النار بحمم الجحيم، وراكمنا «١٠» في أجواف أجوائها غمائم الدّخان، تذكّر طيّبة البان، بيوم الغميم، وأرسلنا رياح الغارات لا «١١» تذر من شيء أتت عليه إلّا جعلته كالرّميم، واستقبلنا الوادي يهول مدّا، ويروع «١٢» سيفه الصقيل حدّا «١٣» ، فيسّره «١٤» الله من بعد الإعواز، وانطلقت على الفرضة بتلك الفرصة «١٥» أيدي الانتهاز، وسألنا من ساءله أسد بن الفرات «١٦» فأفتى برجحان الجواز، فعمّ الاكتساح والاستباح جميع الأحواز، فأديل المصون، وانتهبت القرى وهدّمت الحصون، واجتثّت الأصول وحطّمت الغصون، ولم نرفع عنها إلى اليوم «١٧» غارة تصافحها بالبوس، وتطلع عليها غررها الضّاحكة باليوم العبوس. فهي الآن مجرى السّوابق ومجرّ العوالي، على التّوالي، والحسرات تتجدّد في أطلالها البوالي، وكأنّ بها قد صرعت، وإلى الدّعوة المحمّدية قد أسرعت، بقدرة من أنزل القرآن على الجبال فخشعت «١٨» ، من خشية الله وتصدّعت، وعزّة «١٩» من أذعنت الجبابرة لعزّه وخنعت. وعدنا والبنود لا يعرف اللفّ «٢٠» نشرها، والوجوه المجاهدة
следующие страницы →