Полный текст (1 954 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
وقال: [المنسرح]
باتوا فمن كان باكيا يبك ... هذي ركاب الشرى بلا شكّ
فمن ظهور الرّكاب معملة ... إلى بطون الرّبى إلى الفلك
تصدّع الشّمل مثلما انحدرت ... إلى صبوب جواهر السّلك
كن بالذي حدّثوا على ثقة ... ما في حديث الفراق من إفك
من النّوى قبل لم أزل حذرا ... هذا النّوى جلّ «١» مالك الملك
وقال: [السريع]
يا أيها المعرّض اللّاهي ... يسوؤني هجرك والله
يا «٢» ليت شعري كم أرى فيك ... لا أقفك عن ويّه وعزاه «٣»
ويحي مغيري إلى باخل واه ... من ذا الذي رآه «٤»
من يرد الله فيه فتنة ... يشغله في الدنيا بتيّاه
يا غصن البان ألا عطفة ... على معنّى جسمه واه؟
أوسعني بعدك ذلّا وقد ... را يثنيا «٥» عندك ذا جاه
ذكرك لا ينفكّ عن خاطري ... وأنت عني غافل ساه
يكفيك يا عثمان من جفوني ... لو كان ذنبي ذنب جهجاه
هيهات لا معترض لي على ... حكمك أنت الآمر النّاهي «٦»
قلت: جهجاه المشار إليه رجل من غفّار، قيل: إنه تناول عصا الخطبة من يد عثمان، ﵁، فكسرها على ركبته، فوقعت فيها الأكلة فهلك.
وقال: [البسيط]
يا من أعاد صباحي فقده حلكا ... قتلت عبدك لكن لم تخف دركا
مصيبتي ليست كالمصائب لا ... ولا بكائي عليها مثل كلّ بكا
فمن أطالب في شرع الهوى بدمي ... لحظي ولحظك في قتلي قد اشتركا
стр. 527
وقال، وقد سبقه إليه الرّصافي؛ وهو ظريف: [المنسرح]
أشكو إلى الله فرط بلبالي «١» ... ولوعة لا تزال تذكي لي
بمهجتي حائك شغلت به ... حلو المعاني طرازه عالي
سألته لثم خاله فأبى ... ومنّ ذا نخوة وإذلال
وقال حالي يصون خالي ... يدني فويحي بالحال والخال «٢»
يقرّبني الآل من مواعده ... وأتّقي منه سطوة الآل
لكن على ظلمه وقسوته ... فلست عنه الزّمان بالسالي
وقال أيضا مضمنا «٣» : [البسيط]
لي همّة كلّما حاولت أمسكها ... على المذلّة في أرجاء «٤» أرضيها
قالت: ألم تك «٥» أرض الله واسعة ... حتى يهاجر عبد مؤمن فيها
وقال مسترجعا من ذنبه، ومستوحشا من شيبه: [السريع]
قد كان عيبي قبل «٦» في غيب ... فمذ بدا شيبي بدا عيبي
لا عذر اليوم ولا حجّة ... فضحتني والله يا شيبي
وقال «٧» : [الخفيف]
أثقلتني الذنوب ويحي وويسي ... ليتني كنت زاهدا كأويس «٨»
وجرت بينه وبين السلطان ثالث الأمراء من بني نصر «٩» ، بعد خلعه من ملكه، وانتثار سلكه، واستقراره بقصبة المنكّب، غريبا من قومه، معوّضا بالسهاد من نومه،
стр. 528
قد فلّ الدهر سباته، وتركه يندب ما فاته، والقاضي المترجم به يومئذ مدبّر أحكامها، وعلم أعلامها، ومتولّي نقضها وإبرامها، فارتاح يوما إلى إيناسه، واجتلاب أدبه والتماسه، وطلب منه أن يعبّر عن حاله ببيانه، وينوب في بثّه عن لسانه، فكتب إليه:
[الطويل]
قفا نفسا فالخطب فيها يهون ... ولا تعجلا إنّ الحديث شجون
علمنا الذي قد كان من صرف دهرنا ... ولسنا على علم بما سيكون
ذكرنا نعيما قد تقضّى نعيمه ... فأقلقنا شوق له وحنين
وبالأمس كنّا كيف شئنا وللدّنا ... حراك على أحكامنا وسكون
وإذا بابنا مثوى الفؤاد ونحونا ... تمدّ رقاب أو تشير عيون
فنغص من ذاك السرور مهنأ ... وكدر من ذاك النّعيم معين
ونبا عن الأوطان بين ضرورة ... وقد يقرب الإنسان ثم يبين
أيا معهد الإسعاد حيّيت معهدا ... وجادك من سكب الغمام هتون
تريد الليالي أن تهين مكاننا ... رويدك إنّ الخير ليس يهون
فإن تكن الأيام قد لعبت بنا ... ودارت علينا للخطوب فنون
فمن عادة الأيّام ذلّ كرامها ... ولكنّ سبيل الصابرين مبين
لئن خاننا الدهر الذي كان عبدنا ... فلا عجب إنّ العبيد تخون
وما غضّ منّا مخبري غير أنه ... تضاعف إيمان وزاد يقين
وكتب إلى الحكم بن مسعود، وهو شاهد المواريث بهذه الدّعابة التي تستخفّ الوقور، وتلج السّمع الموقور:
أطال الله بقاء أخي وسيدي، لأهل الفرائض يحسن الاحتيال في مداراتهم، وللمنتقلين إلى الدار الآخرة يأمر بالاحتياط في أمواتهم، ودامت أقلامه مشرعة لصرم الأجل المنسّأ، معدّة لتحليل هذا الصّنف المنشّأ من الصّلصال والحمأ. فمن ميّت يغسل وآخر يقبر، ومن أجل يطوى وكفن ينشر، ومن رمس يفتح وباب يغلق، ومن عاصب يحبس ونعش يطلق، فكلما خربت ساحة، نشأت في الحانوت راحة، وكلما قامت في شعب مناحة، اتّسعت للرزق مساحة، فيباكر سيدي الحانوت وقد احتسى مرقته، وسهّل عنقفته، فيرى الصّعبة بالمناصب شطرا، فيلحظ هذا برفق وينظر إلى هذا شزرا، ويأمر بشقّ الجيوب تارة والبحث عن الأوساط أخرى. ثم يأخذ القلم أخذا رفيقا، ويقول وقد خامره السرور: رحم الله فلانا لقد كان لنا صديقا، وربما أدبره بالانزعاج الحثيث، وقال مستريح منه كما جاء في الحديث. وتختلف عند ذلك
стр. 529
المراتب، وتتبين الأصدقاء والأجانب، فينصرف هذا، وحظّه التهريب، والنظر الحديد، وينفصل هذا وبين يديه المنذر الصّيت والنعش الجديد. ثم يغشى دار الميت ويسأل عن الكيت والكيت، ويقول: عليّ بما في البيت. أين دعاء الثّاغية والرّاغية؟
أين عقود الأملاد بالبادية؟ وقد كانت لهذا الرجل حالا في حال. وقد ذكر في الأسماء الخمسة فقيل: ذو مال. وعيون الأعوام ترنو من عل، وأعناقهم تشرئبّ إلى خلف الكلل، وأرجلهم تدبّ إلى الأسفاط دبيب الصّقور إلى الحجل. والموتى قد وجبت منهم الجنوب، وحضر الموروث والمكسوب، وقيّد المطعوم والمشروب. وعدّت الصحاح، ووزنت الأرطال وكيلت الأقداح. والشّهود يغلظون على الورثة في الأليّة، ويصونهم بالبتات في النشأة الأوّلية. والروائح حين تفعم الأرض طيبا، وتهدي الأرواح شذا يفعل في إزعاجها على الأبدان فعلا عجيبا. والدلّال يقول: هذا مفتاح الباب، والسّمسار يصيح: قام النّدا فما تنتظرون بالثبات؟ والشّاهد يصيح فتعلو صيحته، والمشرف يشرب فتسقط سبحته. والمحتضر يهسّ ألا حيّ فلا تسمعون، ويباهي لون العباء عليه الجواب رب أرجعون. ما هذا النّشيج والضّجيج؟ متّ كلا لم أمت. ومن حجّ له الحجيج، فترتفع له الأصوات، كي لا يفسح فيه الممات. ويبقر بطنه برغمه، ويحفر له بجانب أبيه وبحذا أمّه. ثم يشرع في نفسه الفرض، ولو أكفئت السماوات على الأرض. ويقال لأهل السّهام: أحسنوا، فالإحسان ثالث مراتب الإسلام، وقد نصّ ابن القاسم على أجرة القسّام. وسوّغه أصبغ وسحنون، ولم يختلف فيه مطّرف وابن الماجشون. إن قيل إيصال الحقائق إلى أرجائها، حسن فجزاء الإحسان إحسان، وقيل إخراج النّسب والكسور كفايه، فللكاهنين حلوان. اللهمّ غفرا، ونستقيل الله من انبساط يجرّ غدرا، ونسأل الله حمدا يوجب المزيد من نعمائه وشكرا. ولولا أن أغفل عن الخصم، وأثقل رحل الفقيه أبي النجم، لأستغلّن المجلس شرحا، ولكان لنا في بحر المباسطة سبح، ولأفضنا في ذكر الوارث والورّاث، وبيّنّا العلّة في أقسام الشهود مع المشتغل بنسبة الذكور مع الإناث. والله يصل عزّ أخي ومجده، ويهب له قوة تخصّه بالفائدة وجدّه، ويزيده بصيرة يتّبع بها الحقوق إلى أقصاها، وبصرا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها، ودام يحصي الخراريب والفلوس والأطمار، ويملأ الطّوامر بأقلامه البديعة الصّنعة، ويصل الطّومار بالطّومار والسلام.
والشيء بالشيء يذكر، قلت: ومن أظرف ما وقعت عليه في هذا المعنى، قال بعض كتاب الدولة الحكمية «١» بمنورقة، وقد ولّاه خطّة المواريث، وكتب إليه راغبا
стр. 530
في الإعفاء: [الطويل]
وما نلت من شغل المواريث رقعة ... سوى شرح نعش كلّما مات ميّت
وأكتب للأموات صكّا كأنهم ... يخاف عليهم في الجباب التّفلّت
كأني لعزرائيل صرت مناقضا ... بما هو يمحو كلّ يوم وأثبت
وقال: فاستظرفها الرئيس أبو عثمان بن حكم وأعفاه.
مولده: في أواخر أربعة وسبعين وستمائة.
وفاته: قال في العائد: ومضى لسبيله، شهابا من شهب هذا الأفق، وبقيّة من بقايا حلبة السّبق، ﵀، في ليلة السبت الثاني من شهر شعبان المكرم عام سبعة وأربعين وسبعمائة، وتخلّف وقرا لم يشتمل على شيء من الكتب، لإيثاره اقتناء النّقدين، وعيّن جراية لمن يتلو كتاب الله على قبره على حدّ من التّعزرة والمحافظة على الإتقان. ودفن بباب إلبيرة في دار اتخذها لذلك.
محمد بن أحمد بن قطبة الدّوسي «١»
من أهل غرناطة، يكنى أبا القاسم.
حاله: مجموع خلال بارعة، وأوصاف كاملة، حسن الخطّ، ذاكر للتاريخ والأخبار، مستول على خصال حميدة من حسن رواء وسلامة صدر، إلى نزاهة الهمّة، وإرسال السّجية، والبعد عن المصانعة، والتحلّي بالوقار والحشمة، شاعر، كاتب.
ومناقبه يقصر عنها الكثير من أبناء جنسه، كالفروسيّة، والتجنّد، والبسالة، والرّماية، والسّباحة، والشطرنج، متحمّد بحمل القنا، مع البراعة، مديم على المروءة، مواس للمحاويج من معارفه. ارتسم في الديوان فظهر غناؤه، وانتقل إلى الكتابة، معزّزة بالخطط النّبيهة العلمية، وحاله الموصوفة متّصلة إلى هذا العهد، وهو معدود من حسنات قطره.
стр. 531
وثبت في «التاج المحلى» بما نصّه: «سابق ركض المحلّى، أتى من أدواته بالعجائب، وأصبح صدرا في الكتّاب وشهما في الكتائب. وكان أبوه، ﵀، بهذه البلدة، قطب أفلاكها، وواسطة أسلاكها، ومؤتمن رؤسائها وأملاكها، وصدر رجالها، ووليّ أرباب مجالها، فقد نثل ابنه سهامها، فخبر عدالة وبراعة وفهما، وألقاه بينهم قاضيا شهما، فظهر منه نجيبا، ودعاه إلى الجهاد سميعا مجيبا، فصحب السّرايا الغريبة المغيرة، وحضر على هذا العهد من الوقائع الصغيرة والكبيرة، وعلى مصاحبة البعوث، وجوب السّهول والوعوث، فما رفض اليراعة للباتر «١» ، ولا ترك الدّفاتر للزمان الفاتر.
شعره: وله أدب بارع المقاصد، قاعد للإجادة بالمراصد. وقال من الرّوضيات وما في معناها: [الطويل]
دعيني ومطلول الرّياض فإنني ... أنادم في بطحائها الآس والوردا
أعلّل هذا بخضرة شارب ... وأحكي بهذا في تورّده الخدّا
وأزهر غضّ البان رائد نسمة ... ذكرت به لين المعاطف والقدّا
وقال: [الطويل]
وليل أدرناها سلافا كأنها ... على كفّ ساقيها تضرّم نار «٢»
غنينا عن المصباح في جنح ليلها ... بخدّ مدير لا بكأس عقار
وقال: [الرمل]
يومنا يوم سرور فلتقم ... تصدع الهمّ بكاسات المدام
إنما الدّنيا منام فلتكن ... مغرما فيها بأحلى المنام
وقال: [الطويل]
وبي منك ما لو كان للشرب ما صحا ... وبالهيم ما روّت صداها المناهل
أحبّك ما هبّت من الروض نسمة ... وما اهتزّ غصن في الحديقة مائل
فإن شئت أن تهجر وإن شئت فلتقبل ... فإنّي لما حمّلتني اليوم حامل
وقال: [الكامل]
كم قلت للبدر المنير إذا بدا ... هيهات وجه فلانة تحكي لنا
стр. 532
فأجابني بلسان حال واعتنى ... لا الشمس تحكيها فأحكيها أنا
وصرفت وجهي نحو غصن أملد ... قد رام يشبه قدّها لمّا انثنى
فضحكت هزءا عند هزّ قوامها ... إذا رام أن يحكى قواما كالقنا
وكتبت إليه في غرض يظهر من الأبيات: [الطويل]
جوانحنا نحو اللقاء جوانح ... ومقدار ما بين الدّيار قريب
وتمضي الليالي والتزاور معوز ... على الرغم منّا إنّ «١» ذا لغريب
فديتك عجّلها لعيني زيارة ... ولو مثل ما ردّ اللّحاظ مريب
وإنّ لقائي جلّ عن ضرب موعد ... لأكرم ما يهدى الأريب أريب
فراجعني بقوله، والتجنّي شيمة: [الطويل]
لعمرك ما يومي إذا كنت حاضرا ... سوى يوم صبّ من عداه يغيب
أزور فلا ألفي لديك بشاشة ... فيبعد منّي الخطو وهو قريب
فلا ذنب للأيام في البعد بيننا ... فإني لداعي القرب منك مجيب
وإنّ لقاء جاء من غير موعد ... ليحسن لكن مرّة ويطيب
وإحسانه كثير، وفيما ثبت كفاية لئلّا نخرج عن غرض الاختصار.
محمد بن محمد بن أحمد بن قطبة الدّوسي «٢»
يكنى محمد أبا بكر، أخو الذي قبله.
حاله: تلوه في الفضل والسّراوة، وحسن الصورة، ونصاعة الطّرف، مرب عليه بمزيد من البشاشة والتنزّل، وبذل التودّد، والتبريز في ميدان الانقطاع، متأخر عنه في بعض خلال غير هذا. ذكيّ الذهن، مليح الكتابة، سهلها، جيّد العبارة، متأتّي اليراع، مطلق اليد، حسن الخطّ، سريع بديهة المنثور، معمّ، مخول في التخصّص والعدالة.
كتب الشّروط بين يدي أبيه، ونسخ كثيرا من أمّهات الفقه، واستظهر كتبا، من ذلك «المقامات الحريرية» . وكتب بالدار السلطانية، واختصّ بالمراجعة عمّن بها، والمفاتحة أيام حركات السلطان عنها إلى غيرها. حميد السيرة، حسن الوساطة، نجديّ الجاه،
стр. 533
مشكور التصرّف، خفيف الوطأة. وولّي الخطابة العليّة، مع الاستمساك بالكتابة. ولم يؤثر عنه الشعر»
، ولا عوّل عليه.
محمد بن محمد بن محمد بن قطبة الدّوسي
يكنى أبا بكر، وقد ذكرنا أباه وعمّه، ويأتي ذكر جدّه.
حاله: نبيل المقاصد في الفن الأدبي، مشغول به، مفتوح من الله عليه فيه، شاعر مطبوع، مكثر، انقاد له مركب النظم، في سنّ المراهقة، واشتهر بالإجادة، وأنشد السلطان، وأخذ الصّلة، وارتسم لهذا العهد في الكتابة. وشرع في تأليف يشتمل على أدباء عصره.
شعره: ومما خاطب به أحد أصحابه: [الطويل]
إذا شمت من نحو الحمى في الدّجا برقا ... أبى الدّمع إلّا أن يسيل ولا يرقى
ومهما تذكّرت الزمان الذي مضى ... تقطّعت الأحشاء من حرّ ما ألقى
خليليّ، لا تجزع لمحل فأدمعي ... تبادر سقيا في الهوى لمن استسقى
وما ضرّ من أصبحت ملك يمينه ... إذا رقّ لي يوما وقد حازني رقّا
فنيت به عشقا وإن قال حاسد ... أضلّ الورى من مات في هاجر شقّا
تلهّب قلبي من تلهّب خدّه ... فيا نعم ذاك الخدّ فاض بأن أشقى
ومنها:
وكم من صديق كنت أحسب أنه ... إذا كذبت أوهامنا رفع الصّدقا
محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن قطبة الدّوسي «٢»
ابن عمّ المذكورين قبله، يكنى أبا القاسم.
حاله: حسن «٣» الصورة، لازم القراءة على شيوخ بلده، ونظم الشعر على الحداثة، وترشح للكتب بالدار السلطانية مع الجماعة، ممن هو في نظمه.
стр. 534
ومن شعره، كتب إليّ بما نصّه: [الكامل]
احسب وحدّه يوم رأسك ربما ... تعطي السّلامة في الصراع سلّما
محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن قطبة الدّوسي
أخو الفقيه أبي بكر بن القاسم بن محمد المذكور.
حاله: شاب حسن فاضل، دمث، متخلّق، جميل الصورة، حسن الشكل، أحمر الوجنتين. حفظ كتبا من المبادىء النحوية، وكتب خطّا حسنا، وارتسم في ديوان الجند مثل والده، وهو الآن بحاله الموصوفة.
شعره: قيّد أخوه لي من الشعر الذي زعم أنه من نظمه، قوله: [المتقارب]
حلفت بمن ذاد عنّي الكرى ... وأسهر جفني ليلا طويلا
وألبس جسمي ثياب النّحول ... وعذّب بالهجر قلبي العليلا
ما حلت عن ودّه ساعة ... ولا اعتضت منه سواه بديلا
محمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن يحيى ابن عبد الرحمن بن يوسف بن جزيّ الكلبي «١»
من أهل غرناطة وأعيانها، يكنى أبا عبد الله.
أوّليّته: تنظر في اسم أبيه في ترجمة المقرئين والعلماء.
حاله: من أعلام الشّهرة على الفتاوة، وانتشار الذكر على الحداثة، تبريزا في الأدب، واضطلاعا بمعاناة الشعر، وإتقان الخطّ، وإيضاحا للأحاجي والملغزات. نشأ بغرناطة في كنف والده، ﵀، مقصور التّدريب عليه، مشارا إليه في ثقوب الذهن، وسعة الحفظ، ينطوي على نبل لا يظهر أثره على التفاتة، وإدراك، تغطّي شعلته مخيّلة غير صادقة، من تغافله. ثم جاش طبعه، وفهق حوضه، وتفجّرت ينابيعه، وتوقّد إحسانه.
ولمّا فقد والده، ﵀، ارتسم في الكتابة، فبذّ جلّة الشعراء، إكثارا واقتدارا، ووفور مادة، مجيدا في الأمداح، عجيبا في الأوضاع، صدّيقا في النّسيب، مطبوعا في المقطوعات، معتدلا في الكتابة، نشيط البنان، جلدا على العمل، سيّال
стр. 535
المجاز، جموح عنان الدّعابة، غزلا، مؤثرا للفكاهة. انتقل إلى المغرب لشفوف خصله، على ما قد قسّم الحظوظ. سبحانه من رزقه بهذه البلاد، فاستقرّ بباب ملكه، مرعيّ الجناح، أثير الرتبة، مطلق الجراية، مقرّر السّهام، معتبا وطنه، راضيا عن جيرته، ديدن من يستند إلى قديم، ويتحيّز إلى أصالة.
تواليفه: أخبرني عند لقائه إياي بمدينة فاس في غرض الرسالة؛ عام خمسة «١» وخمسين وسبعمائة، أنه شرع في تأليف تاريخ غرناطة، ذاهبا هذا المذهب الذي انتدبت إليه، ووقفت على أجزاء منه تشهد باضطلاعه، وقيّد بخطّه من الأجزاء الحديثة والفوائد والأشعار ما يفوت الوصف، ويفوق الحدّ. وجرى ذكره في «التاج» بما نصه «٢» :
«شمس في سماء «٣» البلاغة بازغة، وحجّة على بقاء الفطرة الغريزية «٤» في هذه البلاد المغربية بالغة، وفريدة وقت أصاب من فيها نادرة أو نابغة، من جذع «٥» بن علي القادح، وجرى «٦» من المعرفة كل بارح، لو تعلّقت الغوامض بالثريّا لنالها، وقال أنا لها. وربما غلبت الغفلة على ظاهره، وتنطبق «٧» أكمامها على أزاهره، حتى إذا قدح في الأدب زنده، تقدّم المواكب بنده، إلى خطّ بارع، يعنو طوال الطويل منه إلى سرّ وبراعة، كما ترضى المسك والكافور عن طرس وحبر.
شعره: فمن غرامياته وما في معناها قوله «٨» : [الطويل]
متى يتلاقى شائق ومشوق ... ويصبح عاني «٩» الحبّ وهو طليق
أما أنها أمنيّة عزّ نيلها ... ومرمى لعمري في الرّجاء «١٠» سحيق
ولكنني «١١» خدعت «١٢» قلبي تعلّة ... أخاف انصداع القلب فهو رقيق
وقد يرزق الإنسان من بعد يأسه ... وروض الرّبى بعد الذبول يروق
стр. 536
تباعدت لما زادني القرب لوعة ... لعلّ فؤادي من جواه يفيق
ورمت شفاء الداء بالداء مثله ... وإني «١» بألّا أشتفي لحقيق
وتالله ما للصّبّ في الحبّ راحة ... على كلّ حال إنه لمشوق
ويا «٢» ربّ قد ضاقت عليّ مسالكي «٣» ... فها أنا في بحر الغرام غريق
ولا سلوة ترجى ولا صبر «٤» ممكن ... وليس إلى وصل الحبيب طريق
ولا الحبّ عن تعذيب قلبي ينثني ... ولا القلب للتّعذيب منه يطيق
شجون يضيق الصّدر عن زفراتها ... وشوق نطاق الصبر عنه يضيق
نثرت عقود الدّمع ثم نظمتها ... قريضا فذا درّ وذاك عقيق
بكيت أسى حتى بكى حاسدي معي ... كأنّ عذولي عاد وهو صديق «٥»
ولو أنّ عند الناس بعض محبّتي ... لما كان يلفى «٦» في الأنام مفيق
أيا عين كفّي الدمع ما بقي الكرى ... إذا منعوك النّوم «٧» سوف تذوق
ويا نائما «٨» عن ناظريّ أما ترى «٩» ... لشمسك من بعد الغروب شروق؟
رويدك رفقا بالفؤاد فإنه ... عليك وإن عاديته «١٠» لشفيق
نقضت عهودي ظالما بعد عقدها ... ألا إنّ عهدي كيف كنت وثيق
كتمتك حبّي «١١» يعلم الله مدّة ... وبين ضلوعي من هواك حريق
فما زلت بي حتى فضحت «١٢» فإن أكن ... صبرت «١٣» فبعد «١٤» اليوم لست أطيق
وقال «١٥» : [الكامل]
ومورّد الوجنات معسول اللّمى ... فتّاك لحظ «١٦» العين في عشّاقه
стр. 537
الخمر بين لثاته والزّهر في ... وجناته والسّحر في أحداقه
ميّاد» غصن البان في أثوابه ... ويلوح بدر التّمّ في أطواقه
من للهلال «٢» بثغره أو خدّه «٣» ... هب أنه يحكيه في إشراقه
ولقد تشبّهت الظّباء «٤» بشبهة ... من خلقه وعجزن عن أخلاقه
نادمته وسنا محيّا الشمس قد ... ألقى على الآفاق فضل رواقه
في روضة ضحكت ثغور أقاحها ... وأسال «٥» فيها المزن من آماقه
أسقيه كأس سلافة كالمسك في ... نفحاته والشهد عند مذاقه
صفراء لم يدر الفتى أكواسها ... إلّا تداعى همّه لفراقه
ولقد تلين الصّخر «٦» من سطواته ... فيعود للمعهود من إشفاقه
وأظلّ أرشف من سلافة «٧» ثغره ... خمرا تداوي القلب من إحراقه
ولربما عطفته عندي «٨» نشوة ... تشفي «٩» الخبال بضمّه وعناقه
أرجو نداه «١٠» إذا تبسّم ضاحكا ... وأخاف منه العتب في إطراقه
أشكو القساوة من هواي «١١» وقلبه ... والضّعف من جلدي ومن ميثاقه
يا هل لعهد قد مضى من عودة ... أم لا سبيل بحالة للحاقه
يا ليت «١٢» لو كانت لذلك حيلة ... أو كان يعطى المرء باستحقاقه
فلقد يروق الغصن بعد ذبوله ... ويتمّ «١٣» بدر التّمّ بعد محاقه
стр. 538
ومما اشتهر عنه في هذا الغرض «١» : [الكامل]
ذهبت حشاشة قلبي المصدوع «٢» ... بين السّلام ووقفة التوديع
ما أنصف الأحباب يوم وداعهم ... صبّا «٣» يحدّث نفسه برجوع
أنجد بغيثك «٤» يا غمام فإنني ... لم أرض يوم البين فعل «٥» دموع
من كان يبكي الظاغنين بأدمع ... فأنا الذي أبكيهم بنجيع
إيه وبين الصّدر مني والحشا ... شجن طويت على شجاه ضلوعي «٦»
هات الحديث عن «٧» الذين تحمّلوا ... واقدح «٨» بزند الذّكر نار ولوعي
عندي شجون في التي جنت النّوى «٩» ... أشكو الغداة «١٠» وهنّ في توديع «١١»
من وصلي الموقوف أو من سهدي «١٢» ال ... موصول أو من نومي المقطوع «١٣»
ليت الذي بيني وبين صبابتي ... بعد «١٤» الذي بيني وبين هجوعي
يا قلب «١٥» لا تجزع لما فعل النّوى «١٦» ... فالحرّ ليس لحادث بجزوع
أفبعد «١٧» ما غودرت في أشراكه ... تبغي النّزوع؟ ولات حين نزوع
ومهفهف مهما هبت ريح الصّبا ... أبدت له عطفاه عطف مطيع
جمع المحاسن وهو منفرد بها ... فاعجب لحسن مفرد مجموع
والشمس لولا إذنه ما آذنت ... خجلا وإجلالا له بطلوع «١٨»
стр. 539
ما زلت أسقي خدّه من أدمعي ... حتى تفتّح عن رياض ربيع
إن كان يرنو عن نواظر شادن ... فلربّ ضرغام بهنّ صريع
عجبا لذاك الشعر زاد بفرقه ... حسنا كحسن الشّعر بالتّصريع
منع الكرى ظلما وقد منع الضّنا ... فشقيت «١» بالممنوح والممنوع
جرّدت ثوب العزّ عني طائعا ... أتراه يعطفه عليّ خضوعي؟
لم أنتفع» لبسا من الملبوس في ... حبّي ولا بعذاري المخلوع
بجماله استشفعت في إجماله ... ليحوز أجر منعّم وشفيع
يا خادعي عن سلوتي وتصبّري «٣» ... لولا الهوى ما كنت بالمخدوع
أوسعتني بعد «٤» الوصال تفرّقا ... وأثبتني سوءا لحسن صنيعي
أسرعت فيما ترتضي فجزيتني «٥» ... بطويل هجران إليّ سريع «٦»
أشرعت رمحا من قوامك ذابلا «٧» ... فمنعت من «٨» ماء الرّضاب شروعي
خذ من حديث تولّعي وتولّهي ... خبرا صحيحا ليس بالمصنوع «٩»
يرويه خدّي مسندا عن أدمعي ... عن مقلتي عن قلبي المصدوع «١٠»
كم من ليال في هواك قطعتها ... وأنا «١١» لذكراهنّ في تقطيع
لا والذي طبع الكرام على الهوى ... ويعزّ سلوان «١٢» الهوى المطبوع
ما غيّرتني الحادثات ولم أكن ... بمذيع سرّ للعهود مضيع
لا خير في الدنيا وساكنها «١٣» معا ... إن كان قلبي منك غير جميع
وقال في غير ذلك في غرض يظهر من الأبيات: [الطويل]
وقالوا عداك البخت والحزم عندما ... غدوت غريب الدّار منزلك الفنت
стр. 540
ألم يعلموا أنّ اغترابي حرامة ... وأن ارتحالي عن دارهم هو البخت؟
نعم لست أرضى عن زماني أو أرى ... تهادي السفن المواخر والبخت
لقد سئمت نفسي المقام ببلدة ... بها العيشة النّكراء والمكسب السّحت
يذلّ بها الحرّ الشريف لعبده ... ويجفوه بين السّمت من سنة ستّ
إذا اصطافها المرء اشتكى من سمومها ... أذى ويرى فيه أدّا يبتّ
ولست كقوم في تعصبّهم عتوا ... يقولون بغداد لغرناطة أخت
رغبت بنفسي أن أساكن معشرا ... مقالهم زور وودّهم مقت
يدسّون في لين الكلام دواهيا ... هي السّمّ بالآل المشود لها لتّ
فلا درّ درّ القوم إلّا عصيبة ... إليّ بإخلاص المودّة قد متّوا
وآثرت أقواما حمدت جوارهم ... مقالهم صدق وودّهم بحت
لهم عن عيان الفاحشات إذا بدت ... تعام وعن ما ليس يعينهم صمت
فما ألفوا لهوا ولا عرفوا خنى ... ولا علموا أنّ الكروم لها بنت
به كل مرتاح إلى الضّيف والوغى ... إذا ما أتاه منهما النبأ البغت
وأشعث ذي طمرين أغناه زهده ... فلم يتشوّف للذي ضمّه التّخت
صبور على الإيذاء بغيض على العدا ... معين على ما يتّقي جأشه الشّتّ «١»
ولي صاحب مثلي يمان جعلته ... جليسي نهارا أو ضجيعي إذا بتّ
وأجرد جرّار الأعنّة فارح ... كميت وخير الخيل قدّاحها الكمت
تسامت به الأعراق في آل أعوج ... ولا عوج في الخلق منه ولا أمت
وحسبي لعضّات النوائب منجدا ... عليها الكميت الهند والصّارم الصّلت
قطعت زماني خبرة وبلوته ... فبالغدر والتّخفيف عندي له نعت
ومارست أبناء الزمان مباحثا ... فأصبح حبلي منهم وهو منبتّ
وذي صلف يمشي الهوينا ترفّقا ... على نفسه كيلا يزايلها السّمت
إذا غبت فهو المروة القوم عندهم ... له الصّدر من ناديهم وله الدّست
وإن ضمّني يوما وإياه مشهد ... هو المعجم السّكيت والعمّة الشّخت
فحسبي عداتي أن طويت مآربي ... على عزمهم حتى صفا لهم الوقت
وقلت لدنياهم إذا شئت فاغربي ... وكنت متى أعزم فقلبي هو البتّ
وأغضيت عن زلّاتهم غير عاجز ... فماذا الذي يبغونه لهم الكبت؟
стр. 541
وقال «١» : [الكامل]
لا تعد ضيفك إن ذهبت لصاحب ... تعتدّه لكن تخيّر وانتق
أو ما ترى الأشجار مهما ركّبت ... إن خولفت أصنافها لم تغلق «٢»
ومنه في المقطوعات: [السريع]
وشادن تيّمني حبّه ... حظّي منه الدّهر هجرانه
مورّد الخدين حلو اللّمى ... أحمر مضني الطّرف وسنانه
لم تنطو الأغصان في الروض بل ... ضلّت له تسجد أغصانه
يا أيها الظّبي الذي قلبه ... تضرّم في القلب نيرانه
هل عطفة ترجى لصبّ شبح ... ليس يرجى عنك سلوانه؟
يودّ أن لو زرته في الكرى ... لو متّعت بالنوم أجفانه
قد رام أن يكتب ما نابه ... والحبّ لا يمكن كتمانه
فأفضيت أسراره واستوى ... إسراره الآن وإعلانه
وقال «٣» : [مخلع البسيط]
نهار وجه وليل شعر ... بينهما الشّوق يستثار
قد طلبا بالهوى فؤادي ... فأين «٤» لي عنهما الفرار؟
وكيف يبغي النجاة شيء ... يطلبه الليل والنهار؟
وقال في الدّوبيت:
زارت ليلا وأطلعت فجرها ... صبحا فجمعت بين صبح وظلام
لما بصرت بالشمس قالت يا فتى ... جمع الإنسان بين الأختين حرام
وقال في غرض التّورية «٥» : [الطويل]
أبح لي يا روض «٦» المحاسن نظرة ... إلى ورد ذاك الخدّ أروي به الصّدى «٧»
وبالله لا تبخل عليّ بعطفة «٨» ... فإني رأيت «٩» الرّوض يوصف بالنّدى
стр. 542
وقال «١» : [السريع]
وعاشق صلّى ومحرابه ... وجه غزال ظلّ يهواه
قالوا تعبّدت «٢» ؟ فقلت نعم ... تعبّدا يفهم معناه
وقال وهو مليح جدّا «٣» : [الخفيف]
وصديق شكا بما «٤» حمّلوه ... من قضاء يقضي بطول «٥» العناء
قلت فاردد ما حمّلوك عليهم ... قال من يستطيع «٦» ردّ القضاء؟
وقال «٧» : [المتقارب]
لسانان هاجا «٨» من خاصماه ... لسان الفتى ولسان القضا
إذا لم تحز واحدا منهما ... فلست أرى لك أن تنطقا
وقال «٩» : [الكامل]
تلك الذّؤابة «١٠» ذبت من شوقي لها ... واللّحظ يحميها بأيّ سلاح
يا قلب فانجح ١» لا إخالك ناجيا ... من فتنة الجعديّ والسفّاح «١٢»
وإحسانه كثير. ويدل بعض الشيء على كلّه، ويحجر طلّ الغيث على وبله.
وفاته: اتصل بنا خبر وفاته بفاس مبطونا في أوائل ثمانية وخمسين وسبعمائة.
ثم تحقّقت أن ذلك في آخر شوال من العام قبله «١٣» .
стр. 543
محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم ابن يحيى بن محمد بن الحكيم اللخمي «١»
يكنى أبا القاسم.
حاله: من كتاب «عائد الصلة» : فرع دوحة الأصالة والخصوصيّة، والعلم والدين، والمكانة والجلالة، مجلي بيته، ومجدّد مآثره برّا، ومجاملة، وخيريّة. نشأ بأطراف جملته من الفنون؛ من حساب وفريضة وأدب وقراءة ووثيقة، إلى خطّ حسن، وأدب تكفّله، حتى انقاد له أو كاد. أعبط في وقيعة الطاعون قاضيا ببعض الجهات، وكاتبا للدار السلطانية، فكانت فيه الفجيعة عظيمة.
وجرى ذكره في «التاج المحلّى» بما نصّه «٢» : «من فروع «٣» مجد وجلالة، ورث الفضل لا عن كلالة. أشرف، مجيد، معظّم، مخوّل في العشيرة، وصل لباب المجد بفرائد الخلال الأثيرة، وأصبح طرفا في الخير والعفاف، واتّصف من العدالة بأحسن اتّصاف، وسلك «٤» من سنن سلفه، أثر هاد «٥» لا يزال يرشده ويدلّه، ويسدّده فيما يعقده أو يحلّه، واتّسم بميسم الحياء، والحياء خير كله، إلى نزاهة لا ترضى بالدّون، ونجابة تتهالك في صون الفنون، وطمح في هذا العهد إلى نمط في البلاغة رفيع، وجنح إلى مساجلة ما يستحسنه من مخترع وبديع، وصدرت منه طرف تستملح، وتستحلى إذا استحلى. ونحن نورد ما أمكن من آياته، ونجلي بعض غرره وشيّاته.
شعره: ومن مقطوعات آياته: [الطويل]
وهبّت فهزّت عندما أن «٦» رأت به ... الطّلا مثل الطفل يرضع في المهد
وروض «٧» حباه المزن خلعة برقة ... وباتت رباه من حباه على وعد
يحدّثنا عن كرمها ماء «٨» مزنها ... فتبدي ابتسام الزّهر في لثمة الخدّ
عجبنا لما رأينا من برّها «٩» ... بدور حباب الكأس تلعب بالنّرد
стр. 544
وقال: [الطويل]
شربنا وزنجيّ الدّياجي موقد ... مصابيح من زهر النجوم الطّوالع
عقارا رأته حين أقبل حالكا ... فجاءت بمصفرّ من اللون فاقع
عجبت لها ترتاع منه وإنها ... لفي الفرقد قرّت لدم المدامع «١»
وقال: [الخفيف]
لاح في الدّرّ والعقيق «٢» فحيّا ... أم مزاج أدّاه صرف المحيّا؟
من بنات الكروم والرّوم بكرا ... أقبلت ترتدي حياء «٣» يهيّا
خلتها والحباب يطفو عليها ... شفقا فوقه نجوم الثّريّا
قهوة كالعروس في الكأس تجلى ... صاغ من لؤلئتها «٤» المزج حليا
وقال: [البسيط]
ويوم أنس صقيل الجوّ ذي نظر ... كأنه من وميض البرق قد خلقا
ما زلت فيه لشمس الطّست مصطحبا ... وبالنجوم وبالأكواس مغتبقا
صفراء كالعسجد المسبوك إن شربت ... تبدي احمرارا على الخدّين مؤتلقا
كذلك الشمس في أخرى عشيّتها ... إذا توارت أثارت بعدها شفقا
وقال «٥» : [الطويل]
بنفسي حبيب صال «٦» عامل قدّه ... عليّ ولمّا ينعطف وهو كالغصن
ويا عجبا منه متى صار ذابلا ... ونضرته لم تنأ عن خوطه اللّدن «٧»
وأعجب من ذا أن سيف لحاظه ... يمزّق أفلاذ الحشا وهو في الجفن
وقال «٨» : [الكامل]
بأبي وغير أبي غزال نافر ... بين الجوانح يغتدي ويروح
قمر تلألأ واستنار جبينه «٩» ... غارت به بين الكواكب يوح
стр. 545
لم يرض غير القلب منزلة فهل ... يا ليت شعري بالذّراع يلوح
ومما نسب لنفسه وأنشدنيه: [الكامل]
ليل الشّباب انجاب أول وهلة ... عن صبح شيب لست عنه براض
إن سرّني يوما سواد خضابه ... فنصوله عن ساقي «١» ببياض
هلّا اختفى فهو الذي سرق الصّبا ... والقطع في السّرقات أمر ماض
فعليه ما اسطاع «٢» الظهور بلمّتي ... وعليّ أن ألقاه بالمقراض
وفاته: توفي، ﵀، بغرناطة في السابع عشر شهر ربيع الآخر عام خمسين وسبعمائة، في وقيعة الطاعون، ودفن بباب إلبيرة رحمة الله عليه.
محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن محمد بن علي ابن محمد اللّوشي اليحصبي «٣»
يكنى أبا عبد الله، ويعرف باللوشي.
أوّليّته: من لوشة، وقرأ العلم بها، وتعرّف بالسلطان الغالب بالله محمد قبل تصيّر الملك له، وتقدم عنده. تضمّن ذكره الكتاب المسمّى ب «طرفة العصر في أخبار بني نصر» ، وتقرر ذلك في حرف الحاء في اسم أبي عمر اللوشي، كاتب الدولة النّصرية، ﵀.
حاله: من كتاب «عائد الصلة» : كان، ﵀، من أهل الحسب والأصالة، شاعرا، مدّاحا. نشأ مدلّلا في حجور الدولة النصرية، خفيفا على أبوابها، مفضّلا على مدّاحها. ثم تجنّى بآخرة، ولزم طورا من الخمول في غير تشكّ، أعرض به عن أرباب الدّنيا، وأعرض عنه، واقتصر على تبلّغ من علالة مؤمّل كان له خارج غرناطة، غير مساد من ثلمه، ولا مصلح في خلله، أخذ نفسه بالتّقشّف، وسوء المسكن، والتهاون بالملبس، حملا عليها في غير أبواب الرياضة، مجانبا أرباب الخطط، وفيّا لمن لحقته من السلطان موجدة، تختلف معاملته لمن يعرفه في اليوم مرّات، من إعراض عنه، وقبول عليه، ولصوق به، كل ذلك عن سلامة، وتهيّب نفس. مليح الدّعابة، ذاكرا لفنون من الأناشيد، حسن الجدّ، متجافيا عن الأعراض.
стр. 546
وجرى ذكره في «التاج» بما نصّه «١» : شاعر مفلق، وشهاب في أفق «٢» البلاغة متألّق، طبّق مفاصل الكلام بحسام لسانه، وقلّد نحور الكلام «٣» ما يزري بجواهر الملوك «٤» من إحسانه. ونشأ في حجور الدولة النصرية مدللا بمتاته، متقلبا في العزّ في أفانينه وأشتاته، إذ لسلفه الذّمام الذي صفت منه الحياض والحمام، والوداد الذي قصرت عنه الأنداد، والسابقة التي أزرى بخبرها العيان، وشهدت بها أرجونة وجيّان، محيّز ثمرة الطيب. وله همّة عالية، بعيدة المرمى، كريمة المنتمى، حملته بآخرة على الانقباض والازدراء والزهد في الازدياد والاستكثار، والاقتصاد والاقتصار، فعطف على انتجاع غلّته، والتزام محلّته، ومباشرة فلاحة صان بها وجهه؛ ووفّاه الدهر حقّه ونجمه، واحتجبت عقائل بيانه لهذا العهد وتقنّعت، وراودتها النّفس فتمنّعت، وله فكاهة وأنس الزمان مناجاة القينات، عند البيات، وأعذب من معاطاة الرّاح في الأقداح» .
شعره: قال: وله أدب بلغ في الإجادة الغاية، ورفع للجبين من السّنن الرّاية. ومن مقطوعاته يودع شيخنا الفقيه القاضي أبا البركات بن الحجاج:
[الطويل]
رأوني وقد أغرقت في عبراتي ... وأحرقت في ناري لدى زفراتي
فقالوا سلوه تعلموا كنه حاله ... فقلت سلوا عني أبا البركات
فمن قال إني بالرّحيل محدّث ... روت عنه أجفاني غريب ثبات
ونادى فؤادي ركبه فأجابه ... ترحّل وكن في القوم بعض عدات
ومن مقطوعاته البديعة من قصيدة مجازيّة: [الطويل]
سيخطب قسّ العزم في منبر السّرى ... وهل في الدّنا يوم المسير أطيق؟
وأقطع زند الهجر والقطع حقّه ... فما زال طيب العمر عنّي يريق «٥»
مولده: في حدود ثمانية وسبعين وستمائة.
وفاته: في الموفّى عشرين من شهر ربيع الثاني من عام اثنين وخمسين وسبعمائة.
стр. 547
محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن يحيى ابن الحكيم اللخمي «١»
يكنى أبا بكر.
أوّليّته: مرّت في اسم ذي الوزارتين.
حاله: من كتاب «عائد الصلة» : «كان صدر أبناء أصحاب النّعم، وبقيّة أعلام البيوت، ترف نشأة، وعزّ تربية، وكرم نفس، وطيب مجالسة، وإمتاع محاضرة، وصحة وفاء، وشياع مشاركة في جملة فاضلة، محدّثا تاريخيا، كاتبا بليغا، حسن الخطّ، مليح الدّعابة، ظريف التوقيع، متقدم الحيلة في باب التحسين والتنقيح، يقرض الشعر، ويفكّ المعمّى، ويقوم على جمل الكتاب العزيز، حفظا وتجويدا، وإتقانا، ويسرد نتف التاريخ، وعيون الأخبار، إلى حسن الخلق، وكمال الأبّهة، وحلاوة البساطة، واحتمال المنابشة، والمثابرة على حفظ المودة، والاستقالة من الهفوة، والتمسّك بالاستعتاب والمعذرة. كتب بالدار السلطانية أكثر عمره، وتصدّر بعد في قيادة المواضع النّبيهة، محاربا ذا قدرة في ذلك، ومع ذلك فشائع المعروف، ذائع المشاركة. قيّد الكثير، ودوّن وصنّف، وحمل عن الجلّة ممن يشقّ إحصاؤهم، وكان غرّة من غرر هذا القطر، وموكبا من مواكب هذا الأفق، لم يتخلف بعده مثله.
وجرى ذكره في «التاج المحلّى» بما نصّه «٢» : «ماجد أقام رسم «٣» المجد بعد عفائه، فوفّى الفضل حقّ وفائه. بيته في رندة أشهر في الأصالة من بيت امرئ القيس، وأرسى في بحبوحة الفخر من قواعد الرّضوى وأبي قيس. استولى على الجود البديع البعيد المدى، وحجّت إليه من كل فج طلّاب النّدى، وعشت إلى ضوء ناره فوجدت على النار التّقى والهدى. ولّي الوزارة النّصرية التي اعتصر منها طريفا بتالد، فأحيت مآثرها الخالدة مآثر يحيى بن خالد»
. ولمّا أدار عليها الدهر كأس النّوائب، وخلص إليها سهمه الصّائب، بين صحائف الكتب وصفائح الكتائب، تطلّعت من خلالها الرائقة لباب الوجود، وبكتها بسيل أجفانها عين الباس والجود، وطلع على
стр. 548
أعقاب هذه الفضائل محلّى من صفحاتها، وأعاد لو ساعده الدهر من لمحاتها، وارتقى من الكتابة إلى المحلّ النّبيه، واستحقّها من بعض ميراث أبيه، وبنى وشيّد، ودوّن فيها وقيّد، وشهر في كتب الحديث وروايته، وجنى «١» ثمرة رحلة أبيه، وهو في حجر ذؤابته «٢» ، وأنشأ الفهارس، وأحيا الأثر الدّارس، وألّف كتابه المسمى ب «الموارد المستعدبة والمقاصد المنتخبة» فسرح الطّرف، وروضه طيّب الجنى والعرف. وله شعر أنيق الحلية، حاز في نمط العلية. وبيني وبين هذا الفاضل وداد صافي الحياض، وفكاهة كقطع الرّياض، ودعابة سحبت الدّالة أذيالها، وأدارت الثّقة والمقة جريالها.
وسيمرّ في هذا الديوان كل رائق المحيّا، عاطر الريّا.
مشيخته: قرأ على الأستاذ أبي جعفر الحريري، والأستاذ أبي الحسن القيجاطي، والأستاذ إسحاق بن أبي العاصي. وأخذ عن الطّم والرّمّ، من مشايخ المشرق والمغرب، فمنهم الولي الصالح فضل بن فضيلة المعافري، إلى العدد الكثير من أهل الأندلس، كالخطباء الصلحاء أبي عبد الله الطّنجالي، وأبي جعفر الزيّات، وأبي عبد الله بن الكمّاد، وغيرهم من الرّنديين والمالقيين والغرناطيين، حسبما تضمنه برنامجه.
تواليفه: ألّف الكتاب المسمى، «الفوائد المنتخبة والموارد المستعدبة» . وكمّل التاريخ المسمى ب «بميزان العمل» لابن رشيق. ودوّن كتابا في عبارة الرؤيا سمّاه «بشارة القلوب بما تخبره الرؤيا من الغيوب» و «الأخبار المذهّبة» و «الإشارة الصّوفية، والنّكت الأدبية» . والهودج في الكتب. والإشارة في ألف إنشاده.
شعره وكتابته: قال في التاريخ ما نصّه: «وتهادته إلى هذا العهد رتب السّيادة، واستعمل في نبيهات القيادة؛ فوجّه إلى معقل قرطمة من كورة ريّه وهو واليه، وبطاحه في مجرى جياده وصحر عواليه. وقد حللت مالقة صحبة الرّكب السلطاني في بعض التّوجّهات، إلى تلك الجهات، في بعض ما أتحف من مقعده، المتصل المستمر، بهديّة مشتملة على ضروب من البرّ فخاطبته مقيما لسوق الانبساط، وغير حائد على الوداد والاغتباط، على ما عوّل عليه من حمل الإفراط، والانتظام في هذا المعنى والانخراط: [الطويل]
ألام على أخذ القليل وإنما ... أعامل أقواما أقلّ من الذّرّ
فإن أنا لم آخذه منهم فقدته ... ولا بدّ من شيء يعين على الدّهر
стр. 549
سيدي، أطلق الله يدك بما تملك، وفتر عن منحك البخل لئلّا تهلك. كنت قد هوّمت، وحذّرني القلق فتلوّمت. ولومي كما علمت سيء الخصال، عزيز الوصال. يمطل ديني، ويعاف طيره ورد عيني. فإذا الباب يدقّ بحجر، فأنبأني عن ضجر، وجار الجنب يؤخذ بالذّنب، فقمت مبادرا وجزعت، وإن كان الجزع مني نادرا. واستفهمت من وراء الغلق، عن سبب هذا القلق. فقالت امرأة من سكان البوادي: رابطة الفؤاد يا قوم، رسول خير، وناعق طير، وقرع إذلال، لا فرع إدلال. حطّوا شعار الحرب والحرب، فقد ظفرتم ببلوغ الأرب، فتأخرت عن الإقدام، وأنهدت إليه، فحنّ عمر بن أبي ربيعة عمن كان بالدّار من الخدّام، فأسفرت الوقيعة عن سلام وسلم، ولم يزن أحد منا بكلم. ونظرت إلى رجل قرطبي الطّلعة والأخلاق، خاو على الإطلاق، تنهّد قبل أن يسلّم، وارتمض لما ذهب من الشّبيهة وتألّم. شنشنة معروفة، وعين تلك الجهات معاذ الله مصروفة.
وقد حمّلته سيادتكم من المبرّة ضروبا شتّى، وتجاوزت في المسرّات غاية حتى.
ولم تضع عضوا من جسده، فضلا عن منكبه ويده، إلّا علّقته وعاء ثقيلا، وناطت به زنبيلا. واستلقى كالمنيّ إذا ترك المعترك، وعلت حوله تلك الأثقال، وتعاورها الانتقال، وكثر بالزّقاق القيل والقال. فلمّا تخلّصت إلى الدار، وسترت معرفتها بالجدار، وتناولها الاختبار الفاضح، وبان قصورها الواضح، فتلاشت، بعد ما جاشت، ونظرت إلى قعب من اللّبن الممزوق، الذي لا يستعمل في البيوت ولا يباع في السّوق، فأذكرتني قول الشاعر: [البسيط]
تلك «١» المكارم لا قعبان من لبن ... شيبت بماء فعادت بعد أبوالا
أما زبده فرفع، وأما جبنه فاقتيت به وانتفع، وأما من بعثه من فضلاء الخدّام فدفع، وكأني به قد ألحّ وصفع، والتفت إلى قفّة قد خيطت، وبعنق ذاك البائس قد نيطت، رمس فيها أفراخ الحمائم، وقلّدت بجيده كما يتقلد بالتمائم، وشدّ حبلها بمخنقه، وألزم منها في العاجل طائره في عنقه، هذا بعد ما ذبحت، وأما حشوها فربحت. ولو سلكتم الطريقة المثلى، لحفظتم جثّتها من العفن كما تحفظ جثة القتلى، وأظنكم لم تغفلوا هذا الغرض الأدنى، ولا أهملتم هذه الهمم التي غريزة في المبنى. فإني رميت منها اللهو رمي المختبر، فكلح من مرارة الصبر، ولما أخرجتها من كفن القفّة، واستدعيت لمواراتها أهل الصّفة، تمثّلت تمثّل اللبيب،
стр. 550
بقول أبي تمام حبيب «١» : [الكامل]
هنّ الحمام فإن كسرت عيافة «٢» ... من حائهنّ فإنهنّ حمام «٣»
ولو أن إحدى الدّجاجتين لاحت عليها مخيّلة سرّ، لكانت من بقايا مواطني ديوك بني مرّ، وبعث بها حلالك حلاله، وأهدى منها اجتهاد من أحسن. ولم يكن بالهديّة ما يذكر، ولا كانت مما ينكر، أستغقر الله، فلو لم تكن التّحفة، إلّا تلك الفكاهة العاطرة والغمامة الماطرة، التي أحسبها الأمل الأقصى، وتجاوزت إلّا من التي لا تعدّ ولا تحصى، للزم الشكر ووجب، وبرز من حرّ المدح ما تيسّر واحتجب.
فالمكارم وإن تغيّرت أنسابها، وجهل انتسابها، وادّعي إرثها واكتسابها، إليكم تنشر يدها، وتسعى لأقدامها، ولبيتكم تميل بهواديها، وبساحتكم يسيل واديها، وعلى أرضكم تسحّ غواديها. ومثلي أعزكم الله، لا يغضي من قدر تحفكم الحافلة، ولا يقدر من شكرها على فريضة ولا نافلة، ولكنها دعابة معتادة، وفكاهة أصدرتها ودادة. ولا شكّ أنكم بما جبلتم عليه قديما وحديثا، تغتفرون جفائي، الذي سيّرتموه سمرا وحديثا في جنب وفائي، وتغضون وتتحملون، وبقول الشاعر تتمثّلون، وأسمع من الألفاظ اللغوية التي يسرّ بها سمعي، وإن ضمنت شتمي ووصفي: [الطويل]
بعثت بشيء كالجفاء وإنما ... بعثت بعذري كالمدلّ إلى غدر
وقلت لنفسي لا تردعي فإنه ... كما قيل شيء قد يعين على الدهر
وما كان قدر الودّ والمجد مثله ... فخذه على قدر الحوادث أو قدري
وإن كنت لم أحسن صنيعي فإنّني ... سأحسن في حسن القبول له شكري
وقدرك قدر النيل عندي وإنني ... لدى قدرك العالي أدقّ من الذّرّ
قنعت وحظّي من زماني وودّكم ... هباء ومثلي ليس يقنع بالنّزر
أتاني كتاب منك باه مبارك ... لقيت به الآمال باهتة الثّغر
جلا من بنات الفكر بكرا وزفّها ... إلى ناظري تختال في حبر الحبر
فألفاظها كالزّهر والزهر يانع ... وقدر المعاني في الأصالة كالزهر
نجوم معان في سماء صحيفة ... ولكنها تسري النجوم ولا تسري
تضمّن من نوع الدعابة ما به ... رجوت الذي قد قيل في نشوة الخمر
стр. 551
رعى الله مسراها الكريم فجلّ ما ... جلته من البشرى وأبدت من البشر
لعمري لقد أذكرتني دولة الصّبا ... وأهديت لي نوع الجلال من السّحر
ولما أتت تلك الفكاهة غدوة ... وجدت نشاطا سائر اليوم في بشري
ولا سيما إن كان ملحم بردها ... عميد أولي الألباب نادرة العصر
نشرت بها ما قد طويت بساطه ... زمانا وبي طيّ الأمور مع النشر
ونعم خليل الخير أنت محافظا ... على سنن الإخلاص في السّرّ والجهر
ودونكها تلهو بها وتديرها ... سحيريّة الأنفاس طيّبة النّشر
فراجعني بقوله:
وقد منّ سيدي الجواب، محتويا على العجب العجاب، فيالك من فكاهة كوثرية المناهل، عنبرية المسائل، ولو لم يكن إلّا وصف القرطبي المستوى الطّلعة، الشّرطي الصّنعة. وأما وصف اللبن وفراخ الحمام، فقد بسطتم في المزاح القول. وامتنعتم في الكلام الفصل. وذلك شيء يعجز عن مساجلتكم فيه أرباب البلاغة والبيان، فكيف بمثلي ممن له القول المهلهل النّسيج الواهي البيان. ولا بدّ من عرض ذلك على سيدي القطب الكبير الإمام، وأستاذنا علم الأعلام، وكبير أئمة الإسلام، فيحكم بيننا بحكم الفصل، وينصف بما لديه من الحق والعدل. وقد كنت أحيد عن مراجعتكم حيدة الجبان، وأميل عن ذلك ميلة الكودن «١» عن مجاراة السّمر الهجان، وأعدل عن مساجلة أدبكم الهتّان، عدول الأعزل عن مبارزة جيّد السّنان. إلى أن وثقت بالصفح، وعوّلت على ما لديكم من الإغضاء والسّمح، ووجّهت حاملة السرّ والظروف، كي تتصل الهدايا ولا ينقطع المعروف. وأستقيل من انبساط يجرّ عذرا، وأسأله حمدا يوجب المزيد من إنعامه وشكرا. دام سيدي وآماله مساعدة، والكلمة على فضله واحد.
ومن شعره في النّسك واللّجإ إلى الله تعالى «٢» :
أيا من له الحكم في خلقه ... ويا من «٣» بكربي له أشتكي
تولّ أموري ولا تسلمني ... وإن أنت أسلمتني أهلك
تعاليت من مفضل «٤» منعم ... ونزّهت من طالب مدرك
стр. 552
ومن ذلك ونقلته من خطّه «١» : [الطويل]
تصبّر إذا ما أدركتك ملمّة ... فصنع إله العالمين عجيب
وما يدرك «٢» الإنسان عار بنكبة ... ينكّب «٣» فيها صاحب وحبيب
ففي من مضى للمرء ذي العقل أسوة «٤» ... وعيش كرام الناس ليس يطيب
ويوشك أن تهمي سحائب نعمة ... فيخصب ربع للسّرور «٥» جديب
إلهك يا هذا مجيب «٦» لمن دعا ... وكلّ الذي عند القريب قريب
مولده: عام خمسة وستين وستمائة.
وفاته: من «عائد الصلة» ، قال: وختم الله عمره بخير العمل من الإنابة والتهدّج، والتزام الورد، وإن كان مستصحب الخيرية. وحلّ ببلد ولايتهم رندة، فكانت بها تربته في الثالث والعشرين لربيع الآخر عام خمسين وسبعمائة.
محمد بن محمد بن علي بن العابد الأنصاري
ولد المذكور بعد، الكاتب بالدار السلطانية.
حاله: من كتاب طرفة العصر وغيره، قال: كان كاتبا مشهورا، بليغا، ذا معرفة، بارع الخطّ، أوحد زمانه في ذلك، وقورا، معذب اللفظ، منحطا في هوى نفسه، محارفا «٧» بحرفة الأدب على جلالة قدره. وكتابته نقيّة، جانحة إلى الاختصار.
شعره: وثيق، تقلّ فيه أرواح المعاني كشعر أبيه، وتوشيحه فائق. تولّى كتابة الإنشاء لثاني الملوك النصريين «٨» ، واستمرّ قيامه بها على حجر شديد من السلطان ومحمل؛ لملازمته المعاقرة وانهماكه في البطالة، واستعمال الخمر، حتى زعموا أنه قاء يوما بين يديه، فأخّره عنها، وقدّم الوزير أبا عبد الله بن الحكيم. وفي ذلك
стр. 553
يقول: [الطويل]
أمن عادة الإنصاف والعدل أن أجفا ... لأن زعموا أني تحسّيتها صرفا؟
وأقام بقيّة عمره تحت رفد وبرّ.
وفاته: توفي في حدود التسعين وستمائة. وكان شيخنا ابن الجيّاب قد آثره بكتبه، وكانت نفيسة أعلاها بخط أبيه، ﵀.
محمد بن مالك المرّي الطّغنري «١»
من أهل غرناطة، من ذوي البيتية والحسب فيها. ذكره الأستاذ «٢» في الكتاب المسمّى بالصلة، والغافقي «٣» ، وغيرهما.
حاله: أديب نبيل، شاعر؛ على عهد الأمير عبد الله بن بلقّين بن باديس، صاحب غرناطة. قال: وكان أولا يميل إلى البطالة والراحة. ثم إنه استيقظ من غفلته، وأقلع عن راحته، وأجبّ في توبته. وكان من أهل الفضل والخير والعلم.
من تواليفه: كتابه الشهير في الفلاحة، وهو بديع، سمّاه «زهرة البستان، ونزهة الأذهان» ، عبرة في الظّرف. قال: وجرى له مع سماجة «٤» خليفة عبد الله بن بلقّين قصة. إذ فاجأه سماجة مع إخوان له، ولم يشعروا به، فأنشده ابن مالك ارتجالا، وقد أخذ بلجام دابته: [الخفيف]
بينما نحن في المصلّى نساق ... وجناح العشيّ فيه جنوح
إذ «٥» أتانا سماجة يتلألأ ... فردى «٦» الشمس من تجلّيه «٧» يوح
فطفقنا يقول بعض لبعض ... أغبوق شرابنا أم صبوح؟
стр. 554
قال: فتكلّم الوزير سماجة باللسان البربري مع عبيده، فرجعوا مسرعين، ووقف سماجة مع الوزير ابن مالك، إلى أن أتاه عبيده، بوعاء فيه جملة كبيرة من الدراهم، تنيف على الثلاثمائة دينار. فقال: ادفعوها إليه، وانصرف. وأتاهم العبيد مع الدراهم، بطعام وشراب. قال ابن مالك: وذلك أوّل مال تأثّلته.
شعره: ومنه «١» [السريع]
صبّ على قلبي هوى لاعج ... ودبّ في جسمي ضنى دارج
في شادن أحمر «٢» مستأنس ... لسان تذكاري به لاهج
ما «٣» قدر نعمان إذا ما مشى ... وما عسى يفعله «٤» عالج؟
فقدّه من رقّة مائس ... وردفه من ثقله «٥» مائج
عنوان ما في ثوبه وجهه ... تشابه الداخل والخارج
فلا تقيسوه ببدر الدّجى ... ذا معلم الوجه وذا ساذج
وقد نسبها بعض الناس لغيره.
وفاته: قال الأستاذ: كان حيّا سنة ثمانين وأربعمائة. وأمر أن يكتب على قبره:
[الخفيف]
يا خليلي، عرّج على قبري تجد ... أكلة «٦» التّرب بين جنبي ضريح
خافت الصوت إن نطقت ولكن ... أيّ نطق إن اعتبرت فصيح؟
أبصرت عينيّ العجائب لكن ... فرّق» الموت بين جسمي وروحي «٨»
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله بن عبد الملك الأوسي
المدعو بالعقرب، من إقليم الآش «٩» .
حاله: كان حسن النظم والنثر، ذكيّا من أهل المعرفة بالعربية والأدب، موصوفا بجودة القريحة، والنبل والفطنة.
стр. 555
أدبه وشعره: ذكره الملّاحي وقال: حدّثني قاضي الأحكام بغرناطة، أبو القاسم الحسن بن قاسم، الهلالي صاحبنا، قال: كان الأستاذ أبو عبد الله العقرب جارنا، قد وقع بينه وبين زوجه زهرة بنت صاحب الأحكام، أبي الحسن علي بن محمد تنازع، فرفعته إلى القاضي بغرناطة، أبي عبد الله بن السّماك العاملي، وكنت يومئذ كاتبا له، فرأى القاضي قوّته وقدرته على الكلام وضعفها، وإخفاق نظمها، وشفق لحالها. وكان يرى أن النساء ضعاف، وأن الأغلب من الرجال يكون ظالمهن. وكان كثيرا ما يقول في مجلسه: رويدك، رفقا بالقوارير، وحين رأى ما صدر عن القاضي من الجمل، فقلت له: وأين حلاوة شعرك والقاضي أديب يهتز إليه ويرتاح؟ فطلب مني قرطاسا، وجلس غير بعيد، ثم كتب على البديهة بما نصّه:
[الكامل]
لله حيّ، يا أميم، حواك ... وحمائم فوق الغصون حواك
غنّين حتى خلتهنّ عنينني ... بغنائهنّ فنحت في مغناك
ذكّرنني «١» ما كنت قد أنسيته ... بخطوب هذا الدهر من ذكراك
أشكو الزّمان إلى الزّمان ومن شكى ... صرف الزمان إلى الزمان فشاكي
يا ابن السّماك «٢» المستظلّ برمحه ... والعزل «٣» ترهب ذا السلاح الشاكي
راع الجوار فبيننا في جوّنا ... حقّ السّرى والسير في الأفلاك
وابسط إلى الخلق المؤوب ببسطة ... ظرف الكرام بعفّة النّساك
وأنا ذاكر إن لم يفت من لم يمت ... فدارك ثم دارك ثم ذاك «٤»
ثم دفعها إلى القاضي، فكتب القاضي بخطه في ظهر الرقعة: لبّيك، لبّيك. ثم أرسلني أصلح بين العقرب وزوجه، فإن وصل صلحهما إلى خمسين دينارا، فأنا أؤدّيها عنه من مالي، فجمعت بينهما، وأصلحت بينهما عن تراض منهما، رحمهما الله تعالى.
محمد بن علي بن عبد الله بن علي القيسي العرادي
من أهل غرناطة.
стр. 556
حاله: كان فتى حسن السّمت، ظاهر السكون، بادي التّصوّن والعفّة، دمث الأخلاق، قليل الكلام، كثير الحياء، مليح الخط، ظريفه، بادي النّجابة. أبوه وجدّه من تجار سوق العطر، نبهاء السوق. نظم الشعر، فجاء منه بعجب، استرسالا وسهولة، واقتدارا، ونفوذا في المطوّلات، فأنفت له من الإغفال، وجذبته إلى الدار السلطانية، واشتدّت براعته، فكاد يستولي على الأمر لولا أن المنية اخترمته شابا، فثكل منه الشعر، قريع إجادة، وبارع ثنيّة شهرة، لو انفسح له الأمد.
مولده: في ذي الحجة عام أحد وثلاثين وسبعمائة.
وفاته: توفي مبطونا على أيام قريبة من إسراعه بغرناطة، عن سنّ قريبة من العشرين، في عام خمسة وخمسين وسبعمائة. وأبوه أمين العطارين.
محمد بن علي بن العابد الأنصاري
يكنى أبا عبد الله، أصله من مدينة فاس.
حاله: من خطّ القاضي أبي جعفر بن مسعدة، علم كتّاب دار الإمارة النّصرية الغالبيّة، الذي بنوره يستصبحون، وسراجهم الذي بإشراقه وبهجته ونهج محدته يهتدون. رفع لواء الحمد، وارتدى بالفهم والعلم والحلم. كان، ﵀، إماما في الكتابة، والأدب، واللغة، والإعراب، والتاريخ والفرائض والحساب، والبرهان عليه، عارفا بالسّجلات والتّوثيق، أربى على الموثّقين من الفحول المبرّزين في حفظ الشعر ونظمه، ونسبته إلى قائله حافظا مبرّزا. درس الحديث، وحفظ الأحكام لعبد الحق الإشبيلي، ونسخ الدواوين الكبار، وضبط كتب اللغة، وقيّد على كتب الحديث، واختصر التّفسير للزمخشري، وأزال عنه الاعتزال، لم يفتر قطّ من قراءة أو درس أو نسخ أو مطالعة، ليله ونهاره. لم يكن في وقته مثله.
مشيخته: أخذ بفاس عن أبي العباس أحمد بن قاسم بن البقّال الأصولي، وأبي عبد الله بن البيوت المقرّي، وعن الزاهد أبي الحسن بن أبي الموالي، وغيرهم.
شعره: ومنه قوله: [الكامل]
طرقت تتيه على الصّباح الأبلج ... حسناء تختال اختيال تبرّج
في ليلة قد ألبست بظلامها ... فضفاض برد بالنجوم مدبّج
وشعره مدوّن كثير.
وفاته: توفي بحضرة غرناطة عام اثنين وستين وسبعمائة في ذي القعدة منه.
стр. 557
محمد بن هاني بن محمد بن سعدون الأزدي الإلبيري الغرناطي «١»
من أهل قرية سكون، يكنى أبا القاسم، ويعرف بالأندلسي، وكأنها تفرقة بينه وبين الحكمي أبي نواس.
أوّليّته: قال غير واحد من المؤرخين «٢» : هو من ذرية يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلّب بن أبي صفرة، وقيل: من ولد أخيه روح بن حاتم.
حاله: كان من فحول الشعراء، وأمثال النظم، وبرهان البلاغة، لا يدرك شأوه، ولا يشقّ غباره، مع المشاركة في العلوم، والنفوذ في فكّ المعمّى. خرج من الأندلس ابن سبع وعشرين سنة، فلقي جوهرا المعروف بالكاتب مولى المعزّ بن المنصور العبيدي، صاحب المغرب، وامتدحه، وكان لئيما، فأعطاه مائتي درهم، فوجد لذلك، وقال: أههنا كريم يقصد؟ فقيل: بلى، جعفر بن يحيى بن علي بن فلاح بن أبي مروان، وأبو علي بن حمدون، فامتدحهما، ثم اختصّ بجعفر بن يحيى وأبي علي، فبالغا في إكرامه، وأفاضا عليه من النعم والإحسان ما لم يمرّ بباله، وسارت أشعاره فيهما، حتى أنشدت للمعزّ العبيدي، فوجهه جعفر بن علي إليه في جملة طرف وتحف بعث بها إليه، كان أبو القاسم أفضلها عنده، فامتدح المعز لدين الله، وبلغ المعزّ من إكرامه الغاية. ثم عاد إلى إفريقية، ثم توجه إلى مصر، فتوفي ببرقة.
وجرى ذكره في «تخليص الذهب» من تأليفنا بما نصّه: «العقاب الكاسرة، والصّمصامة الباترة، والشّوارد التي تهادتها الآفاق، والغايات التي أعجز عنها السّباق» .
وصمته: وذكره ابن شرف في مقاماته، قال: وأما ابن هاني محمد، فهو نجدي الكلام، سردي النظام، إلّا أنه إذا ظهرت معانيه، في جزالة مبانيه، رمى عن منجنيق،
стр. 558
لا يؤثر في النّفيق. وله غزل معرّي، لا عذري، لا يقنع بالطّيف، ولا يصفع بغير السيف، وقد قدّه به الذات، وعظم شأنه فاحتمل الثواب، وكان يقف دولته في أعلى منزلته، ناهيك من رجل يستعين على صلاح دنياه، بفساد أخراه، لرداءة دينه، وضعف يقينه. ولو عقل ما ضاقت عليه معاني الشّعر، حتى يستعين عليه بالكفر.
شعره: كان أول ما مدح به جعفر بن علي قوله «١» : [الكامل]
أحبب بتيّاك القباب قبابا ... لا بالحداة ولا الرّكاب ركابا «٢»
فيها قلوب العاشقين تخالها ... عنما بأيدي البيض والعنّابا «٣»
وقال يمدح جعفر بن علي من القصيدة الشهيرة «٤» : [الطويل]
أليلتنا إذا أرسلت واردا وحفا «٥» ... وبانت «٦» لنا الجوزاء في أذنها شنفا «٧»
وبات لنا ساق يقوم «٨» على الدّجى ... بشمعة صبح «٩» لا تقطّ «١٠» ولا تطفا
أغنّ غضيض خفّف «١١» اللّين قدّه ... وأثقلت «١٢» الصّهباء أجفانه الوطفا «١٣»
ولم يبق إرعاش المدام له يدا ... ولم يبق إعنات «١٤» التّثنّي له عطفا
نزيف قضاه السّكر إلّا ارتجاجة ... إذا كلّ عنها «١٥» الخصر حمّلها الرّدفا
стр. 559
يقولون حقف فوقه «١» خيزرانة ... أما يعرفون الخيزرانة والحقفا؟
جعلنا حشايانا «٢» ثياب مدامنا ... وقدّت لنا الظّلماء من جلدها لحفا
فمن كبد تدني إلى كبد هوى ... ومن شفة توحي إلى شفة رشفا
بعيشك نبّه كأسه وجفونه ... فقد نبّه الإبريق من بعد ما أغفا
وقد فكّت الظلماء بعض قيودنا ... وقد قام جيش الليل للصبح فاصطفّا «٣»
وولّت نجوم للثّريّا كأنها ... خواتيم تبدو في بنان يد تخفى
ومرّ على آثارها دبرانها ... كصاحب ردء «٤» كمّنت خيله خلفا
وأقبلت الشّعرى العبور ملمّة «٥» ... بمرزمها اليعبوب تجنبه طرفا «٦»
وقد قبّلتها «٧» أختها من ورائها ... لتخرق من ثنيي مجرّتها سجفا»
تخاف زئير الليث قدّم «٩» نثرة ... وبربر في الظّلماء ينسفها نسفا «١٠»
كأنّ معلّى قطبها «١١» فارس له ... لواءان مركوزان قد كره الزّحفا
كأن السّماكين اللذين تظاهرا ... على لبّتيه «١٢» ضامنان له الحتفا «١٣»
فذا رامح يهوي إليه سنانه ... وذا أعزل قد عضّ أنمله لهفا
كأنّ قدامى النّسر والنّسر واقع ... قصصن فلم تسم الخوافي له ضعفا «١٤»
كأن أخاه حين دوّم طائرا ... أتى دون نصف البدر فاختطف النّصفا
كأن رقيب الليل «١٥» أجدل مرقب ... يقلّب تحت الليل في ريشه طرفا
стр. 560
كأنّ بني نعش ونعش «١» مطافل ... بوجرة قد أضللن في مهمه خشفا «٢»
كأنّ سهاها «٣» عاشق بين عوّد ... فآونة يبدو وآونة يخفى
كأنّ سهيلا «٤» في مطالع أفقه ... مفارق إلف لم يجد بعده إلفا
كأنّ الهزيع الآبنوسيّ موهنا «٥» ... سرى بالنسيج الخسروانيّ ملتفّا «٦»
كأن ظلام الليل إذ مال ميلة ... صريع مدام بات يشربها صرفا
كأن نجوم الصّبح خاقان معشر «٧» ... من التّرك نادى بالنّجاشيّ فاستخفى «٨»
كأن لواء الشمس غرّة جعفر ... رأى القرن فازدادت طلاقته ضعفا «٩»
وقد جاشت الظلماء «١٠» بيضا صوارما ... ومركوزة «١١» سمرا وفضفاضة زعفا «١٢»
وجاءت عتاق الخيل تردي كأنها ... تخطّ لنا أقلام آذانها صحفا
هنالك تلقى جعفرا خير «١٣» جعفر ... وقد بدّلت يمناه من لينها «١٤» عنفا
وكائن «١٥» تراه في الكريهة جاعلا «١٦» ... عزيمته برقا وصولته خطفا
وشعره كثير مدوّن، ومقامه شهير. وفيما أوردناه كفاية. وهو من إلبيرة الأصيلة.
وفاته: قالوا: لمّا توجّه إلى مصر، شرب ببرقة وسكر ونام عريانا، وكان البرد شديدا فأفلج، وتوفي في سنة إحدى وستين وثلاثمائة «١٧» ، وهو ابن
стр. 561
اثنتين «١» وأربعين سنة. ولما بلغت المعزّ وفاته، تأسّف عليه وقال: هذا رجل كنا نطمع أن نفاخر به أهل المشرق.
محمد بن يحيى بن محمد بن يحيى بن علي بن إبراهيم ابن علي الغسّاني البرجي الغرناطي «٢»
يكنى أبا القاسم، من أهل غرناطة.
حاله: فاضل «٣» مجمع على فضله، صالح الأبوّة، طاهر النشأة، بادي الصّيانة والعفّة، طرف في الخير والحشمة، صدر في الأدب، جمّ المشاركة، ثاقب الذهن «٤» ، جميل العشرة، ممتع المجالسة، حسن الخطّ «٥» والشعر والكتابة، فذّ في الانطباع، صنيع «٦» اليدين، يحكم على «٧» الكثير من الآلات العلمية، ويجيد تفسير الكتاب «٨» .
رحل إلى العدوة «٩» ، وتوسّل إلى ملكها، مجدّد الرسم، ومقام «١٠» الجلّة، وعلم دست الشعر والكتابة، أمير المسلمين أبي عنان فارس «١١» ، فاشتمل عليه، ونوّه به، وملأ بالخير يده، فاقتنى جدة وحظوة وشهرة وذكرا «١٢» ، وانقبض مع استرسال الملك «١٣» ، وآثر الراحة، وجهد في التماس الرّحلة الحجازية، ونبذ الكلّ، وسلا الخطّة، فأسعفه سلطانه بغرضه، وجعل حبله «١٤» على غاربه، وأصحبه رسالة إلى النبيّ الكريم من إنشائه، متصلة بقصيدة من نظمه، وكلاهما تعلن «١٥» في الخلفاء بعد شأوه، ورسوخ قدم علمه، وعراقة البلاغة، في نسب خصله، حسبما تضمّنه الكتاب
стр. 562
المسمى ب «مساجلة البيان» . ولما هلك وولّي ابنه، قدّمه قاضيا بمدينة ملكه، وضاعف التّنويه به، فأجرى الخطّة، على سبيل من السّداد والنزاهة. ثم لمّا ولّي السلطان أبو سالم عمّه، أجراه على الرسم المذكور، وهو الآن بحاله الموصوفة، مفخر من مفاخر ذلك الباب السلطاني على تعدّد مفاخره، يحظى بكل اعتبار.
شعره: ثبتّ «١» في كتاب «نفاضة الجراب» من تأليفنا، عند ذكر المدعى الكبير بباب ملك المغرب، ليلة ميلاد رسول الله ﷺ ، وذكر من أنشد ليلتئذ من الشّعراء ما نصّه:
وتلاه الفقيه الكاتب الحاج القاضي، جملة «٢» السّذاجة، وكرم الخلق، وطيب النفس، وخدن العافية، وابن الصّلاح والعبادة، ونشأة القرآن، المتحيّز إلى حزب السلامة، المنقبض عن الغمار، العزوف عن فضول القول والعمل، جامع المحاسن، من عقل رصين، وطلب ممتع، وأدب نقّادة «٣» ، ويد صناع، أبو القاسم بن أبي زكريا البرجي، فأنشدت له على الرسم المذكور هذه القصيدة الفريدة «٤» : [البسيط]
أصغى إلى الوجد لمّا جدّ عاتبه ... صبّ له شغل عمّن يعاتبه
لم يعط للصبر من بعد الفراق يدا ... فضلّ من ظلّ إرشادا يخاطبه
لولا النّوى لم يبت حرّان «٥» مكتئبا ... يغالب الوجد كتما وهو غالبه
يستودع «٦» الليل أسرار الغرام وما ... تمليه أشجانه فالدّمع كاتبه
لله عصر بشرقيّ الحمى سمحت ... بالوصل أوقاته لو عاد ذاهبه
يا جيرة أودعوا إذ ودّعوا حرقا ... يصلى بها من صميم القلب ذائبه «٧»
يا هل ترى تجمع «٨» الأيّام فرقتنا ... كعهدنا أو يردّ القلب ساكبه؟
ويا أهيل ودادي، والنّوى قذف ... والقرب قد أبهمت دوني مذاهبه
هل ناقض العهد بعد البعد حافظه ... وصادع الشّمل يوم الشّعب شاعبه؟
стр. 563
ويا ربوع الحمى لا زلت ناعمة ... يبكي عهودك مضنى الجسم شاحبه
يا من لقلب مع الأهواء منعطف ... في كل أوب له شوق يجاذبه
يسمو إلى طلب الباقي بهمّته ... والنفس بالميل للفاني تطالبه
وفتنة المرء بالمألوف معضلة ... والأنس بالإلف نحو الإلف جاذبه
أبكي لعهد الصّبا والشّيب يضحك بي «١» ... يا للرّجال سبت جدّي ملاعبه
ولن ترى كالهوى أشجاه سالفه ... ولا كوعد المنى أحلاه كاذبه
وهمّة المرء تغليه وترخصه ... من عزّ نفسا لقد عزّت مطالبه
ما هان كسب المعالي أو تناولها ... بل هان في ذاك ما يلقاه طالبه
لولا سرى الفلك السّامي لما ظهرت ... آثاره ولما لاحت كواكبه
في ذمّة الله ركب للعلا ركبوا ... ظهر السّرى فأجابتهم نجائبه
يرمون عرض الفلا بالسّير عن عرض «٢» ... طيّ السّجلّ إذا ما جدّ كاتبه
كأنهم في فؤاد «٣» الليل سرّ هوى ... لولا الضّرام لما خفّت جوانبه
شدّوا على لهب الرّمضاء وطأتهم ... فغاص في لجّة الظّلماء راسبه
وكلّفوا الليل من طول السّرى شططا ... فخلّفوه وقد شابت ذوائبه
حتى إذا أبصروا الأعلام ماثلة «٤» ... بجانب الحرم المحميّ جانبه
بحيث يأمن من مولاه خائفه ... من ذنبه وينال القصد راغبه
فيها وفي طيبة الغرّاء لي أمل ... يصاحب القلب منه ما يصاحبه
لم «٥» أنس لا أنس أياما بظلّهما ... سقى ثراه عميم الغيث ساكبه
شوقي إليها وإن شطّ المزار بها ... شوق المقيم وقد سارت حبائبه
إن ردّها الدهر يوما بعد ما عبثت ... في الشّمل منّا يداه لا نعاتبه «٦»
معاهد شرفت بالمصطفى فلها ... من فضله «٧» شرف تعلو مراتبه
محمد المجتبى الهادي الشّفيع إلى ... ربّ العباد أمين الوحي عاقبه
أوفى الورى ذمما، أسماهم همما ... أعلاهم كرما، جلّت مناقبه
هو المكمّل في خلق وفي خلق ... زكت حلاه «٨» كما طابت مناسبه
стр. 564
عناية قبل بدء الخلق سابقة ... من أجلها «١» كان آتيه وذاهبه
جاءت تبشّرنا الرّسل الكرام به ... كالصّبح تبدو تباشيرا كواكبه «٢»
أخباره سرّ علم الأوّلين وسل ... بدير تيماء ما أبداه راهبه
تطابق الكون في البشرى بمولده ... وطبّق الأرض أعلاما تجاوبه
فالجنّ تهتف إعلانا هواتفه ... والجنّ تقذف إحراقا ثواقبه
ولم تزل عصمة التأييد تكنفه ... حتى انجلى الحقّ وانزاحت شوائبه
سرى وجنح ظلام الليل منسدل ... والنّجم لا يهتدي في الأفق ساربه
يسمو لكلّ سماء منه منفرد ... عن الأنام وجبرائيل صاحبه
لمنتهى وقف الرّوح الأمين به ... وامتاز قربا فلا خلق يقاربه
لقاب «٣» قوسين أو أدنى فما علمت ... نفس بمقدار ما أولاه واهبه
أراه أسرار ما قد كان أودعه ... في الخلق والأمر باديه وغائبه
وآب والبدر في بحر الدّجى غرق ... والصّبح لمّا يؤب للشرق آيبه
فأشرقت بسناه الأرض واتّبعت ... سبل النجاة بما أبدت مذاهبه
وأقبل الرّشد والتاحت زواهره ... وأدبر الغيّ فانجابت «٤» غياهبه
وجاء بالذكر آيات مفصّلة ... يهدى بها من صراط الله لا حبه
نور من الحكم لا تخبو سواطعه ... بحر من العلم لا تفنى عجائبه
له مقام الرّضا المحمود شاهده ... في موقف الحشر إذ نابت نوائبه
والرّسل تحت لواء الحمد يقدمها ... محمد أحمد السامي مراتبه
له الشّفاعات مقبولا وسائلها ... إذا دهى الأمر واشتدّت مصاعبه
والحوض يروي الصّدى من عذب مورده ... لا يشتكي غلّة الظمآن شاربه
محامد المصطفى لا ينتهي أبدا ... تعدادها، هل يعدّ القطر حاسبه؟
فضل تكفّل بالدّارين يوسعها ... نعمى ورحمى فلا فضل يناسبه
حسبي التوسّل منها بالذي سمحت ... به القوافي وجلّتها غرائبه
حيّاه من صلوات الله صوب حيا ... تحدى إلى قبره الزّاكي نجائبه
стр. 565
وخلّد الله ملك المستعين به ... مؤيّد الأمر منصورا كتائبه
إمام عدل بتقوى الله مشتمل ... في الأمر والنهي يرضيه يراقبه
مسدّد الحكم ميمون نقيبته ... مظفّر العزم صدق الرأي صائبه
مشمّر للتّقى أذيال مجتهد ... جرّار أذيال سحب الجود ساحبه
قد أوسعت أمل الرّاجي مكارمه ... وأحسبت «١» رغبة العافي رغائبه
وفاز بالأمن محبورا مسالمه «٢» ... وباء بالخزي مقهورا محاربه
كم وافد آمل معهود نائله ... أثنى وأثنت بما أولى حقائبه
ومستجير بعزّ من مثابته ... عزّت مراميه وانقادت مآربه
وجاءه الدهر يسترضيه معتذرا ... مستغفرا من وقوع الذنب تائبه
لولا الخليفة إبراهيم لانبهمت ... طرق المعالي ونال الملك غاصبه
سمت لنيل تراث المجد همّته ... والملك ميراث مجد وهو عاصبه «٣»
ينميه للعزّ والعليا أبو حسن ... سمح الخلائق محمود ضرائبه
من آل يعقوب حسب الملك مفتخرا ... بباب عزّهم السامي تعاقبه
أطواد حلم رسا بالأرض محتده ... وزاحمت «٤» منكب الجوزا مناكبه
تحفّها من مرين أبحر زخرت ... أمواجها وغمام ثار صائبه
بكلّ نجم لدى الهيجاء ملتهب ... ينقضّ وسط سماء النّقع ثاقبه
أكفّهم في دياجيها مطالعه ... وفي نحور أعاديهم مغاربه
يا خير من خلصت لله نيّته ... في الملك أو خطب العلياء خاطبه
جرّدت والفتنة الشّعواء ملبسة ... سيفا من العزم لا تنبو مضاربه
وخضتها غير هيّاب ولا وكل ... وقلّما أدرك المطلوب هائبه
صبرت نفسا لعقبى الصبر حامدة ... والصبر مذ «٥» كان محمود عواقبه
فليهن دين الهدى إذ كنت ناصره ... أمن يواليه أو خوف يجانبه
لا زال ملكك والتأييد يخدمه ... تقضي بخفض مناويه قواضبه «٦»
следующие страницы →