Полный текст (1 954 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
اثنتين «١» وأربعين سنة. ولما بلغت المعزّ وفاته، تأسّف عليه وقال: هذا رجل كنا نطمع أن نفاخر به أهل المشرق.
محمد بن يحيى بن محمد بن يحيى بن علي بن إبراهيم ابن علي الغسّاني البرجي الغرناطي «٢»
يكنى أبا القاسم، من أهل غرناطة.
حاله: فاضل «٣» مجمع على فضله، صالح الأبوّة، طاهر النشأة، بادي الصّيانة والعفّة، طرف في الخير والحشمة، صدر في الأدب، جمّ المشاركة، ثاقب الذهن «٤» ، جميل العشرة، ممتع المجالسة، حسن الخطّ «٥» والشعر والكتابة، فذّ في الانطباع، صنيع «٦» اليدين، يحكم على «٧» الكثير من الآلات العلمية، ويجيد تفسير الكتاب «٨» .
رحل إلى العدوة «٩» ، وتوسّل إلى ملكها، مجدّد الرسم، ومقام «١٠» الجلّة، وعلم دست الشعر والكتابة، أمير المسلمين أبي عنان فارس «١١» ، فاشتمل عليه، ونوّه به، وملأ بالخير يده، فاقتنى جدة وحظوة وشهرة وذكرا «١٢» ، وانقبض مع استرسال الملك «١٣» ، وآثر الراحة، وجهد في التماس الرّحلة الحجازية، ونبذ الكلّ، وسلا الخطّة، فأسعفه سلطانه بغرضه، وجعل حبله «١٤» على غاربه، وأصحبه رسالة إلى النبيّ الكريم من إنشائه، متصلة بقصيدة من نظمه، وكلاهما تعلن «١٥» في الخلفاء بعد شأوه، ورسوخ قدم علمه، وعراقة البلاغة، في نسب خصله، حسبما تضمّنه الكتاب
стр. 562
المسمى ب «مساجلة البيان» . ولما هلك وولّي ابنه، قدّمه قاضيا بمدينة ملكه، وضاعف التّنويه به، فأجرى الخطّة، على سبيل من السّداد والنزاهة. ثم لمّا ولّي السلطان أبو سالم عمّه، أجراه على الرسم المذكور، وهو الآن بحاله الموصوفة، مفخر من مفاخر ذلك الباب السلطاني على تعدّد مفاخره، يحظى بكل اعتبار.
شعره: ثبتّ «١» في كتاب «نفاضة الجراب» من تأليفنا، عند ذكر المدعى الكبير بباب ملك المغرب، ليلة ميلاد رسول الله ﷺ ، وذكر من أنشد ليلتئذ من الشّعراء ما نصّه:
وتلاه الفقيه الكاتب الحاج القاضي، جملة «٢» السّذاجة، وكرم الخلق، وطيب النفس، وخدن العافية، وابن الصّلاح والعبادة، ونشأة القرآن، المتحيّز إلى حزب السلامة، المنقبض عن الغمار، العزوف عن فضول القول والعمل، جامع المحاسن، من عقل رصين، وطلب ممتع، وأدب نقّادة «٣» ، ويد صناع، أبو القاسم بن أبي زكريا البرجي، فأنشدت له على الرسم المذكور هذه القصيدة الفريدة «٤» : [البسيط]
أصغى إلى الوجد لمّا جدّ عاتبه ... صبّ له شغل عمّن يعاتبه
لم يعط للصبر من بعد الفراق يدا ... فضلّ من ظلّ إرشادا يخاطبه
لولا النّوى لم يبت حرّان «٥» مكتئبا ... يغالب الوجد كتما وهو غالبه
يستودع «٦» الليل أسرار الغرام وما ... تمليه أشجانه فالدّمع كاتبه
لله عصر بشرقيّ الحمى سمحت ... بالوصل أوقاته لو عاد ذاهبه
يا جيرة أودعوا إذ ودّعوا حرقا ... يصلى بها من صميم القلب ذائبه «٧»
يا هل ترى تجمع «٨» الأيّام فرقتنا ... كعهدنا أو يردّ القلب ساكبه؟
ويا أهيل ودادي، والنّوى قذف ... والقرب قد أبهمت دوني مذاهبه
هل ناقض العهد بعد البعد حافظه ... وصادع الشّمل يوم الشّعب شاعبه؟
стр. 563
ويا ربوع الحمى لا زلت ناعمة ... يبكي عهودك مضنى الجسم شاحبه
يا من لقلب مع الأهواء منعطف ... في كل أوب له شوق يجاذبه
يسمو إلى طلب الباقي بهمّته ... والنفس بالميل للفاني تطالبه
وفتنة المرء بالمألوف معضلة ... والأنس بالإلف نحو الإلف جاذبه
أبكي لعهد الصّبا والشّيب يضحك بي «١» ... يا للرّجال سبت جدّي ملاعبه
ولن ترى كالهوى أشجاه سالفه ... ولا كوعد المنى أحلاه كاذبه
وهمّة المرء تغليه وترخصه ... من عزّ نفسا لقد عزّت مطالبه
ما هان كسب المعالي أو تناولها ... بل هان في ذاك ما يلقاه طالبه
لولا سرى الفلك السّامي لما ظهرت ... آثاره ولما لاحت كواكبه
في ذمّة الله ركب للعلا ركبوا ... ظهر السّرى فأجابتهم نجائبه
يرمون عرض الفلا بالسّير عن عرض «٢» ... طيّ السّجلّ إذا ما جدّ كاتبه
كأنهم في فؤاد «٣» الليل سرّ هوى ... لولا الضّرام لما خفّت جوانبه
شدّوا على لهب الرّمضاء وطأتهم ... فغاص في لجّة الظّلماء راسبه
وكلّفوا الليل من طول السّرى شططا ... فخلّفوه وقد شابت ذوائبه
حتى إذا أبصروا الأعلام ماثلة «٤» ... بجانب الحرم المحميّ جانبه
بحيث يأمن من مولاه خائفه ... من ذنبه وينال القصد راغبه
فيها وفي طيبة الغرّاء لي أمل ... يصاحب القلب منه ما يصاحبه
لم «٥» أنس لا أنس أياما بظلّهما ... سقى ثراه عميم الغيث ساكبه
شوقي إليها وإن شطّ المزار بها ... شوق المقيم وقد سارت حبائبه
إن ردّها الدهر يوما بعد ما عبثت ... في الشّمل منّا يداه لا نعاتبه «٦»
معاهد شرفت بالمصطفى فلها ... من فضله «٧» شرف تعلو مراتبه
محمد المجتبى الهادي الشّفيع إلى ... ربّ العباد أمين الوحي عاقبه
أوفى الورى ذمما، أسماهم همما ... أعلاهم كرما، جلّت مناقبه
هو المكمّل في خلق وفي خلق ... زكت حلاه «٨» كما طابت مناسبه
стр. 564
عناية قبل بدء الخلق سابقة ... من أجلها «١» كان آتيه وذاهبه
جاءت تبشّرنا الرّسل الكرام به ... كالصّبح تبدو تباشيرا كواكبه «٢»
أخباره سرّ علم الأوّلين وسل ... بدير تيماء ما أبداه راهبه
تطابق الكون في البشرى بمولده ... وطبّق الأرض أعلاما تجاوبه
فالجنّ تهتف إعلانا هواتفه ... والجنّ تقذف إحراقا ثواقبه
ولم تزل عصمة التأييد تكنفه ... حتى انجلى الحقّ وانزاحت شوائبه
سرى وجنح ظلام الليل منسدل ... والنّجم لا يهتدي في الأفق ساربه
يسمو لكلّ سماء منه منفرد ... عن الأنام وجبرائيل صاحبه
لمنتهى وقف الرّوح الأمين به ... وامتاز قربا فلا خلق يقاربه
لقاب «٣» قوسين أو أدنى فما علمت ... نفس بمقدار ما أولاه واهبه
أراه أسرار ما قد كان أودعه ... في الخلق والأمر باديه وغائبه
وآب والبدر في بحر الدّجى غرق ... والصّبح لمّا يؤب للشرق آيبه
فأشرقت بسناه الأرض واتّبعت ... سبل النجاة بما أبدت مذاهبه
وأقبل الرّشد والتاحت زواهره ... وأدبر الغيّ فانجابت «٤» غياهبه
وجاء بالذكر آيات مفصّلة ... يهدى بها من صراط الله لا حبه
نور من الحكم لا تخبو سواطعه ... بحر من العلم لا تفنى عجائبه
له مقام الرّضا المحمود شاهده ... في موقف الحشر إذ نابت نوائبه
والرّسل تحت لواء الحمد يقدمها ... محمد أحمد السامي مراتبه
له الشّفاعات مقبولا وسائلها ... إذا دهى الأمر واشتدّت مصاعبه
والحوض يروي الصّدى من عذب مورده ... لا يشتكي غلّة الظمآن شاربه
محامد المصطفى لا ينتهي أبدا ... تعدادها، هل يعدّ القطر حاسبه؟
فضل تكفّل بالدّارين يوسعها ... نعمى ورحمى فلا فضل يناسبه
حسبي التوسّل منها بالذي سمحت ... به القوافي وجلّتها غرائبه
حيّاه من صلوات الله صوب حيا ... تحدى إلى قبره الزّاكي نجائبه
стр. 565
وخلّد الله ملك المستعين به ... مؤيّد الأمر منصورا كتائبه
إمام عدل بتقوى الله مشتمل ... في الأمر والنهي يرضيه يراقبه
مسدّد الحكم ميمون نقيبته ... مظفّر العزم صدق الرأي صائبه
مشمّر للتّقى أذيال مجتهد ... جرّار أذيال سحب الجود ساحبه
قد أوسعت أمل الرّاجي مكارمه ... وأحسبت «١» رغبة العافي رغائبه
وفاز بالأمن محبورا مسالمه «٢» ... وباء بالخزي مقهورا محاربه
كم وافد آمل معهود نائله ... أثنى وأثنت بما أولى حقائبه
ومستجير بعزّ من مثابته ... عزّت مراميه وانقادت مآربه
وجاءه الدهر يسترضيه معتذرا ... مستغفرا من وقوع الذنب تائبه
لولا الخليفة إبراهيم لانبهمت ... طرق المعالي ونال الملك غاصبه
سمت لنيل تراث المجد همّته ... والملك ميراث مجد وهو عاصبه «٣»
ينميه للعزّ والعليا أبو حسن ... سمح الخلائق محمود ضرائبه
من آل يعقوب حسب الملك مفتخرا ... بباب عزّهم السامي تعاقبه
أطواد حلم رسا بالأرض محتده ... وزاحمت «٤» منكب الجوزا مناكبه
تحفّها من مرين أبحر زخرت ... أمواجها وغمام ثار صائبه
بكلّ نجم لدى الهيجاء ملتهب ... ينقضّ وسط سماء النّقع ثاقبه
أكفّهم في دياجيها مطالعه ... وفي نحور أعاديهم مغاربه
يا خير من خلصت لله نيّته ... في الملك أو خطب العلياء خاطبه
جرّدت والفتنة الشّعواء ملبسة ... سيفا من العزم لا تنبو مضاربه
وخضتها غير هيّاب ولا وكل ... وقلّما أدرك المطلوب هائبه
صبرت نفسا لعقبى الصبر حامدة ... والصبر مذ «٥» كان محمود عواقبه
فليهن دين الهدى إذ كنت ناصره ... أمن يواليه أو خوف يجانبه
لا زال ملكك والتأييد يخدمه ... تقضي بخفض مناويه قواضبه «٦»
стр. 566
ودمت في نعم تضفو «١» ملابسها ... في ظلّ عزّ علا تصفو مشاربه
ثم الصلاة على خير البريّة ما ... سارت إليه بمشتاق ركائبه
ومن شعره ما قيّده لي بخطه صاحب قلم الإنشاء بالحضرة «٢» المرينية، الفقيه الرئيس الصدر المتفنن أبو زيد بن خلدون «٣» : [الطويل]
صحا القلب عمّا تعلمين فأقلعا ... وعطّل من تلك المعاهد أربعا «٤»
وأصبح لا يلوي على حدّ منزل ... ولا يتبع الطّرف الخليّ المودّعا
وأضحى من السّلوان في حرز معقل ... بعيد على الأيام أن يتضعضعا
يرد الجفان النّجل عن شرفاته ... وإن لحظت عن كل أجيد أتلعا
عزيز على داعي الغرام انقياده ... وكان إذا ناداه للوجد أهطعا «٥»
أهاب به للشّيب أنصح واعظ ... أصاخ له قلبا منيبا ومسمعا
وسافر في أفق التفكّر والحجا ... زواهره لا تبرح الدّهر طلّعا
لعمري لقد أنضيت عزمي تطلّبا ... وقضّيت عمري رقية «٦» وتطلّعا
وخضت عباب البحر أخضر مزبدا ... ودست أديم الأرض أغبر أسفعا «٧»
ومن شعره حسبما قيّده المذكور «٨» : [المتقارب]
نهاه النّهى بعد طول التجارب ... ولاح له منهج الرّشد لاحب «٩»
وخاطبه دهره ناصحا ... بألسنة الوعظ من كلّ جانب
فأضحى إلى نصحه واعيا ... وألغى حديث الأماني الكواذب
وأصبح لا تستبيه «١٠» الغواني ... ولا تزدريه حظوظ المناصب
стр. 567
وإحسانه «١» كثير في النظم والنثر، والقصار والمطولات. واستعمل في السّفارة إلى ملك مصر وملك قشتالة، وهو الآن قاضي «٢» مدينة فاس، نسيج وحده في السلامة والتّخصيص «٣» ، واجتناب فضول القول والعمل، كان الله له.
محمد بن يوسف بن محمد بن أحمد بن محمد بن يوسف ابن محمد الصّريحي «٤»
يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن زمرك. أصله من شرق الأندلس، وسكن سلفه ربض البيّازين من غرناطة، وبه ولد ونشأ، وهو من مفاخره.
حاله: هذا «٥» الفاضل صدر من صدور طلبة الأندلس وأفراد نجبائها، مختص «٦» ، مقبول، هشّ، خلوب، عذب الفكاهة، حلو المجالسة، حسن التوقيع، خفيف الروح، عظيم الانطباع، شره المذاكرة، فطن بالمعاريض «٧» ، حاضر الجواب، شعلة من شعل الذكاء، تكاد تحتدم جوانبه، كثير الرقة، فكه، غزل مع حياء وحشمة، جواد بما في يده، مشارك لإخوانه. نشأ عفّا، طاهرا، كلفا بالقراءة، عظيم الدّؤوب، ثاقب الذهن، أصيل الحفظ، ظاهر النّبل، بعيد مدى الإدراك، جيّد الفهم، فاشتهر فضله، وذاع أرجه، وفشا خبره، واضطلع بكثير من الأغراض، وشارك في جملة «٨» من الفنون، وأصبح متلقّف كرة البحث، وصارخ الحلقة، وسابق الحلبة، ومظنّة الكمال. ثم ترقّى في درج المعرفة والاضطلاع، وخاض لجّة الحفظ، وركض قلم التّقييد والتّسويد والتعليق، ونصب نفسه للناس، متكلّما فوق الكرسي المنصوب، وبين «٩» الحفل المجموع، مستظهرا بالفنون «١٠» التي بعد فيها شأوه، من العربية والبيان واللغة، وما يقذف به في لج النقل، من الأخبار والتفسير. متشوّفا مع ذلك إلى السّلوك، مصاحبا للصّوفية، آخذا نفسه بارتياض ومجاهدة، ثم عانى الأدب، فكان
стр. 568
أملك به، وأعمل الرّحلة في طلب العلم والازدياد، وترقّى «١» إلى الكتابة عن ولد السلطان أمير المسلمين بالمغرب أبي سالم إبراهيم ابن أمير المسلمين أبي الحسن علي بن عثمان بن يعقوب، ثم عن السلطان، وعرف في باب «٢» الإجادة. ولمّا جرت الحادثة على السلطان صاحب الأمر بالأندلس، واستقرّ بالمغرب، أنس به، وانقطع إليه، وكرّ صحبة «٣» ركابه إلى استرجاع حقّه، فلطف منه محلّه، وخصّه بكتابة سرّه.
وثابت الحال، ودالت الدولة، وكانت له الطائلة، فأقرّه على رسمه معروف الانقطاع والصّاغية، كثير الدالّة، مضطلعا بالخطّة خطّا وإنشاء ولسنا ونقدا، فحسن منابه، واشتهر فضله، وظهرت مشاركته، وحسنت وساطته، ووسع الناس تخلّقه، وأرضى للسلطان حمله، وامتدّ في ميدان النثر «٤» والنظم باعه، فصدر عنه من المنظوم في أمداحه قصائد بعيدة الشّأو في مدى الإجادة، [حسبما يشهد بذلك، ما تضمّنه اسم السلطان، أيّده الله، في أول حرف الميم، في الأغراض المتعددة من القصائد والميلاديّات، وغيرها «٥» ] . وهو بحاله الموصوفة إلى الآن «٦» ، أعانه الله تعالى «٧» وسدّده.
شيوخه: قرأ «٨» العربية على الأستاذ رحلة الوقت «٩» في فنّها أبي عبد الله بن الفخّار ثم على إمامها «١٠» القاضي الشريف، إمام الفنون اللّسانية، أبي القاسم محمد بن أحمد الحسني، والفقه والعربية على الأستاذ المفتي أبي سعيد بن لب، واختصّ بالفقيه الخطيب الصّدر المحدّث أبي عبد الله بن مرزوق فأخذ عنه كثيرا من الرّواية، ولقي القاضي الحافظ أبا عبد الله المقري عندما قدم «١١» رسولا إلى الأندلس، وذاكره، وقرأ الأصول الفقهية على أبي علي منصور الزّواوي، وروى «١٢» عن جملة، منهم القاضي أبو البركات ابن الحاج، والمحدّث أبو الحسن «١٣» ابن التلمساني، والخطيب أبو عبد الله ابن اللوشي، والمقرئ أبو عبد الله ابن بيبش. وقرأ بعض الفنون العقلية بمدينة فاس على الشّريف الرحلة الشهير أبي عبد الله العلوي التّلمساني، واختصّ به اختصاصا لم يخل فيه من إفادة «١٤» مران وحنكة في الصّناعة «١٥» .
стр. 569
شعره: وشعره «١» مترام إلى نمط «٢» الإجادة، خفاجيّ «٣» النّزعة، كلف بالمعاني البديعة، والألفاظ الصّقيلة، غزير المادة. فمنه في غرض النّسيب «٤» :
رضيت بما تقضي عليّ وتحكم ... أهان فأقصى أم أصافي فأكرم
إذا كان قلبي في يديك قياده ... فمالي عليك في الهوى أتحكّم
على أن روحي في يديك بقاؤه ... بوصلك يحيى أو بهجرك يعدم
وأنت إلى المشتاق نار وجنّة ... ببعدك يشقى أو بقربك ينعم
ولي كبد تندى إذا ما ذكرتم ... وقلب بنيران الشوق يتضرّم
ولو كان ما بي منك بالبرق ما سرى ... ولا استصحب الأنواء تبكي وتبسم
أراعي نجوم الأفق في اللّيل ما دجى ... وأقرب من عينيّ للنوم أنجم
وما زلت أخفي الحبّ عن كل عادل ... وتشفي دموع الصّب ما هو يكتم
كساني الهوى ثوب السّقام وإنه ... متى صحّ حبّ المرء لا شيء يسقم
فيا من له العقل الجميل سجيّة ... ومن جود يمناه الحيا يتعلّم
وعنه يروّي الناس كلّ غريبة ... تخطّ على صفح الزمان وترسم
إذا أنت لم ترحم خضوعي في الهوى ... فمن ذا الذي يحني عليّ ويرحم
وحلمك حلم لا يليق بمذنب ... فما بال ذنبي عند حلمك يعظم؟
وو الله ما في الحيّ حيّ ولم ينل ... رضاك وعمّته أياد وأنعم
ومن قبل ما طوّقتني كل نعمة ... كأنّي وإياها سوار ومعصم
وفتّحت لي باب القبول مع الرضى ... يغضّ الحيّ طرفي كأني مجرم
ولو كان لي نفس تخونك في الهوى ... لفارقتها طوعا وما كنت أندم
وأترك أهلي في رضاك إلى الأسى ... وأسلم نفسي في يديك وأسلم
أما والذي أشقى فؤادي في الهوى ... وإن كان في تلك الشّقاوة ينعم
لأنت من قلبي ونزهة خاطري ... ومورد آمالي وإن كنت أحرم
стр. 570
ومن ذلك ما خاطبني به، وهي «١» من أول نظمه، قصيدة مطلعها: [الطويل]
«أما وانصداع النّور في «٢» مطلع الفجر»
وهي طويلة «٣» . ومن بدائعه التي عقم عن مثلها قياس قيس، واشتهرت بالإحسان اشتهار الزّهد بأويس «٤» ، ولم يحل مجاريه ومباريه إلّا بويح وويس، قوله في إعذار الأمير ولد سلطانه، المنوّه بمكانه، وهي من الكلام الذي عنيت الإجادة بتذهيبه وتهذيبه، وناسب الحسن بين مديحه ونسيبه «٥» : [الطويل]
معاذ الهوى أن أصحب القلب ساليا ... وأن يشغل اللوّام بالعذل باليا
دعاني أعط الحبّ فضل مقادتي ... ويقضي عليّ الوجد ما كان قاضيا
ودون الذي رام العواذل صبوة ... رمت بي في شعب الغرام المراميا
وقلب إذا ما البرق أومض موهنا «٦» ... قدحت به زندا من الشوق واريا
خليليّ إني يوم طارقة النّوى ... شقيت بمن لو شاء أنعم باليا
وبالخيف يوم النّفر يا أمّ مالك ... تخلّفت «٧» قلبي في حبالك عانيا «٨»
وذي أشر عذب الثّنايا مخصّر ... يسقّي به ماء النعيم الأقاحيا
أحوم عليه ما دجا الليل ساهرا ... وأصبح دون الورد ظمآن صاديا «٩»
يضيء ظلام الليل ما بين أضلعي ... إذا البارق النّجديّ وهنا بدا ليا
أجيرتنا بالرّمل والرّمل منزل ... مضى العيش فيه بالشّبية حاليا
ولم أر ربعا منه أقضى لبانة ... وأشجى حمامات وأحلى مجانيا
سقت طلّه «١٠» الغرّ الغوادي ونظّمت ... من القطر في جيد الغصون لآليا
стр. 571
أبثّكم أني على النّأي حافظ ... ذمام الهوى لو تحفظون ذماميا
أناشدكم والحرّ أوفى بعهده ... ولن يعدم الأحسان والخير «١» جازيا
وورد «٢» على السلطان أبي سالم ملك المغرب، رحمة الله تعالى عليه، وفد الأحابيش بهديّة من ملك السودان، ومن جملتها الحيوان الغريب المسمّى بالزّرافة «٣» ، فأمر من يعاني الشعر من الكتّاب بالنظم في ذلك الغرض، فقال وهي من بدائعه:
[الكامل]
لولا تألّق بارق التّذكار ... ما صاب واكف دمعي المدرار
لكنه مهما تعرّض خافقا ... قدحت يد الأشواق زند أواري «٤»
وعلى «٥» المشوق إذا تذكّر معهدا ... أن يغري الأجفان باستعبار
أمذكّري غرناطة حلّت بها ... أيدي السّحاب أزرّة النّوّار؟
كيف التخلّص للحديث وبيننا «٦» ... عرض الفلاة وطافح زخّار «٧» ؟
وغريبة قطعت إليك على الونى ... بيدا تبيد بها هموم السّاري
تنسيه طيّته «٨» التي قد أمّها ... والرّكب فيها ميّت الأخبار
يقتادها من كلّ مشتمل الدّجى ... وكأنما عيناه جذوة نار
خاضوا بها لجج الفلا فتخلّصت ... منها خلوص البدر بعد سرار
سلمت بسعدك من غوائل مثلها ... وكفى بسعدك حاميا لذمار
وأتتك يا ملك الزمان غريبة ... قيد النّواظر نزهة الأبصار
موشيّة الأعطاف رائقة «٩» الحلى ... رقمت بدائعها يد الأقدار
راق العيون أديمها فكأنه ... روض تفتّح عن شقيق بهار
ما بين مبيضّ وأصفر فاقع ... سال اللّجين به خلال نضار
يحكي حدائق نرجس في شاهق ... تنساب فيه أراقم الأنهار
стр. 572
وأنشد «١» السلطان في ليلة ميلاد رسول الله ﷺ ، عقب ما فرغ من البنية الشهيرة ببابه، رحمه الله تعالى: [الطويل]
تأمّل أطلال الهوى فتألّما ... وسيما الجوى والسّقم منها تعلّما
أخو زفرة هاجت له منه «٢» ذكرة ... فأنجد في شعب الغرام وأتهما
وأنشد «٣» السلطان في وجهة للصّيد أعملها، وأطلق أعنّة الجياد في ميادين ذلك الطّراد وأرسلها قوله: [الكامل]
حيّاك يا دار الهوى من دار ... نوء السّماك بديمة مدرار
وأعاد وجه رباك طلقا مشرقا ... متضاحكا بمباسم النّوّار
أمذكّري دار الصّبابة والهوى ... حيث الشّباب يرفّ «٤» غصن نضار
عاطيتني عنها الحديث كأنما ... عاطيتني عنها كؤوس عقار
إيه وإن أذكيت نار صبابتي ... وقدحت زند الشّوق بالتّذكار
يا زاجر الأظعان وهي مشوقة ... أشبهتها في زفرة وأوار
حنّت إلى نجد وليست دارها ... وصبت إلى هنديّة والقار «٥»
شاقت به برق الحمى واعتادها ... طيف الكرى بمزارها المزوار «٦»
ومن شعره في غير المطولات «٧» : [الطويل]
لقد زادني وجدا وأغرى بي الجوى ... ذبال «٨» بأذيال الظّلام قد التفّا
تشير وراء الليل منه بنانة ... مخضّبة والليل قد حجب الكفّا
تلوح سنانا حين لا تنفح الصّبا ... وتبدو «٩» سوارا حين تثني له العطفا
قطعت به ليلا يطارحني الجوى ... فآونة يبدو وآونة يخفى
стр. 573
إذا قلت لا يبدو أشال لسانه ... وإن قلت لا يخبو الصّبابة إذ لفّا «١»
إلى أن أفاق الصّبح من غمرة الدّجى ... وأهدى نسيم الروض من طيبه عرفا
لك الله يا مصباح أشبهت مهجتي ... وقد شفّها من لوعة الحبّ ما شفّا
وممّا ثبت له في صدر رسالة «٢» : [الطويل]
أزور بقلبي معهد الأنس والهوى ... وأنهب من أيدي النسيم رسائلا
ومهما سألت البرق يهفو من الحمى ... يبادره «٣» دمعي مجيبا وسائلا
فياليت شعري والأماني تعلّل ... أيرعى لي الحيّ الكرام الوسائلا؟
وهل جيرتي الأولى كما قد عهدتهم ... يوالون بالإحسان من جاء سائلا؟
ومن أبياته الغراميات «٤» : [الوافر]
قيادي قد تملّكه الغرام ... ووجدي لا يطاق ولا يرام «٥»
ودمعي دونه صوب الغوادي ... وشجوي «٦» فوق ما يشدو «٧» الحمام
إذا ما الوجد لم يبرح فؤادي ... على الدّنيا وساكنها السّلام
وفي غرض يظهر من الأبيات «٨» : [الطويل]
ومشتمل بالحسن أحوى مهفهف ... قضى رجع طرفي من محاسنه الوطر «٩»
فأبصرت أشباه الرياض محاسنا ... وفي خدّه جرح بدا منه لي أثر
فقلت لجلّاسي خذوا الحذر إنما ... به وصب من أسهم الغنج والحور
ويا وجنة قد جاورت سيف لحظه ... ومن شأنها تدمي من اللّمح بالبصر
تخبّل للعينين جرحا وإنما ... بدا كلف منه على صفحة القمر
стр. 574
وممّا يرجع إلى باب الفخر، ولعمري لقد صدق في ذلك «١» : [الطويل]
ألائمة «٢» في الجود والجود شيمتي «٣» ... جبلت على آثارها «٤» يوم مولدي
ذريني فلو أنّي أخلّد بالغنى ... لكنت ضنينا بالذي ملكت يدي
ومن مقطوعاته «٥» : [المتقارب]
لقد علم الله أنّي امرؤ ... أجرّر ثوب العفاف القشيب
فكم غمّض الدهر أجفانه ... وفازت قداحي بوصل الحبيب
وقيل رقيبك في غفلة ... فقلت أخاف الإله الرّقيب
وفي مدح كتاب «الشّفا» «٦» طلبه الفقيه أبو عبد الله بن مرزوق عندما شرع في شرحه «٧» : [الطويل]
ومسرى ركاب للصّبا قد ونت به ... نجائب سحب للتراب نزوعها
تسلّ سيوف البرق أيدي حداتها ... فتنهلّ خوفا من سطاها دموعها
ومنها:
ولا مثل تعريف الشّفاء حقوقه ... فقد بان فيه للعقول جميعها
بمرآة حسن قد جلتها يد النّهى ... فأوصافه يلتاح فيه بديعها
نجوم اهتداء، والمداد يجنّها ... وأسرار غيب واليراع تذيعها
لقد حزت فضلا يا أبا الفضل شاملا ... فيجزيك عن نصح البرايا شفيعها
ولله ممّن قد تصدّى لشرحه ... فلبّاه من غرّ المعاني مطيعها
فكم مجمل فصّلت منه وحكمة ... إذا كتم الإدماج منه تشيعها
محاسن والإحسان يبدو خلالها ... كما افترّ «٨» عن زهر البطاح ربيعها
стр. 575
إذا ما أصول المرء طابت أرومة «١» ... فلا عجب أن أشبهتها فروعها
بقيت لأعلام الزمان تنيلها ... هدى ولأحداث الخطوب تروعها
ومما امتزج فيه نثره ونظمه، وظهر فيه أدبه وعلمه، قوله يخاطبني جوابا عن رسالة خاطبت بها الأولاد، وهم مع مولانا أيّده الله بالمنكّب «٢» : [مخلع البسيط]
ما لي بحمل الهوى يدان ... من بعد ما أعوز التّداني
أصبحت أشكو إلى «٣» زمان ... ما بتّ منه على أمان
ما بال عينيك تسجمان ... والدّمع يرفضّ كالجمان؟
ناداك والإلف عنك وان ... والبعد من بعده كواني؟ «٤»
يا شقّة «٥» النفس، من هوان ... لجج «٦» في أبحر الهوان
لم يثنني «٧» عن هواك ثان ... يا بغية القلب «٨» قد كفاني «٩»
يا جانحة الأصيل، أين يذهب قرصك المذهّب، وقد ضاق بالشوق المذهب.
أمست شموس الأنس محجوبة عن عيني، وقد ضرب البعد الحجاب بينها وبيني.
وعلى كل حال، من إقامة وارتحال. فما محلك من قلبي محلا بينها. وما كنت لأقنع من وجهك تخيّلا وشبيها. ومن أين انتظمت لك عقول التّشبيه واتّسقت، ومن بعض المواقع والشمس لو قطعت. صادك منذور، وأنت تتجمل بثوبي زور، وجيب الظلام على دينارك حتى الصباح مزرور، ووراءك من الغروب غريم لا يرحم، ومطالب تتقلّب منه في كفّه المطالب. ويا برق الغمام من أي حجاب تبتسم، وبأي صبح ترتسم، وأي غفل من السحاب تسم. أليست مباسم الثغور، لا تنجد بأفقي ولا تغور؟
هذا وإن كانت مباسمك مساعدة، والجوّ ملبس لها من الوجوم شعارا، فلطالما ضحكت فأبكت الغوادي، وعقت الرائح والغادي. أعوذ بواشم البروق، بنواسم الطّفل والشروق، ذوات الزائرات المتعددة الطّروق، فهي التي قطعت وهادا ونجادا، واهتدت بسيف الصباح من السحاب قرابا ومن البروق نجادا، واهتدت خبر الذين أحبّهم
стр. 576
مستظرفا مستجادا، فعالها ولعلها، والله يصل في أرض الوجود نهلها وعلّها، وأن يبل ظعين الشوق بنسيمها البليل، وأن نعوضه من نار الغليل، بنار الخليل، وخير طبيب يداوي الناس وهو عليل. فشكواي إلى الله لا أشكو إلى أحد. هل هو إلّا فرد تسطو رياح الأشواق على ذبالته، وعمر الشوق قد شبّ على الطّوق، ووهب الجمع للفرق ولم يقنع بالمشاهدة بالوصف دون الذّوق. وقلب تقسم أحشاؤه الوجد، وقسم باله الغور والنّجد. وهموم متى وردت قليب القلب، لم تبرح ولم تعد، فلله الأمر من قبل ومن بعد.
أستغفر الله يا سيدي الذي يوقد أفكاري حلو لقائه، وأتنسّم أرواح القبول من تلقائه، وأسأل الله أن يديم لي آمالي بدوام بقائه. إن بعد مداه، قربت منّا يداه، وإن أخطأنا رفده أصبنا نداه. فثمرات آدابه الزّهر تجيء إلينا، وسحائب بنانه الغرّ تصوّب دوالينا أو علينا، على شحط هواه، وبعد منتواه. ولا كرسالة سيدي الذي عمّت فضائله وخصّت، وتلت على أولياء نعمته أنباء الكمال وقصّت، وآي قضى كل منها عجبا، ونال من التماح غرّتها واجتلاء صفحتها أربا. فلقد كرمت عنه بالاشتراك في بنوّته الكريمة نسبا، ووصلت لي بالعناية منه سببا. تولّى سيدي خيرك من يتولّى خير المحسنين، ويجزل شكر المنعمين. أما ما تحدّث به من الأغراض البعيدة العذيبة، وأخبر عنه من المعاني الفريدة العجيبة، والأساليب المطيلة، فيعجز عن وصفه، وإحكام رصفه، القلم واللسان، ويعترف لها بالإبداع المستولي على أمد الإحسان البديع وحسّان. ولقد أجهدت جياد الارتجال، في مجال الاستعجال، فما سمحت القريحة إلّا بتوقّع الآجال، وعادت من الإقدام إلى الكلال. فعلمت أن تلك الرسالة الكريمة، من الحق الواجب على من قرأها وتأمّلها، أن لا يجري في لجّة من ميادينها، ويديم يراع سيدي الإحسان كرينها، لكن على أن يفسح الرياض للقصي مدى، ويقتدي بأخلاق سيدي التي هي نور وهدى، فإنه والله يبقيه، ويقيه ممّا يتّقيه، بعد ما أعاد في شكوى البين وأبدى، وتظلّم من البعد واستعدى، ورفع حكم العتاب عن ذرات النّسيم والاقتعاب، ورعى وسيلة ذكرها في محكم الكتاب. وولّى فضله ما تولّى، وصرف هواه إلى هوى المولى أن صور السعادة على رأيه، أيّده الله تجلّى، وثمرة فكره المقدس، أيّده الله تتحلّى. شكر الله له عن جميع نعمه التي أولى، وحفظ عليه مراتب الكمال التي هو الأحقّ بها والأولى. وقد طال الكلام، وجمحت الأقلاح. ولسيدي وبركتي الفضل، أبقى الله بركته، وأعلى في الدارين درجته، والسلام الكريم يخصّكم، من مملوككم ابن زمرك، ورحمة الله وبركاته، في الخامس عشر لجمادى الأولى عام تسعة وستين.
стр. 577
وخاطبني كذلك، وهو من الكلام المرسل: أبو معارفي، ووليّ نعمتي، ومعيد جاهي، ومقوّم كمالي، ومورد آمالي، ممن توالى نعمه عليّ، ويتوفّر قسمه لدي؛ وأبوء له بالعجز، عن شكر أياديه التي أحيت الأمل، وملأت أكفّ الرغبة، وأنطقت الحدائق، فضلا عن اللسان، وأياديه البيض وإن تعددت، ومننه العميمة وإن تجدّدت، تقصر عن إقطاع أسمى شرف المجلس في الروض الممطور بيانه. فماذا أقول، فيمن صار مؤثرا إليّ بالتقديم، جاليا صورة تشريفي، بالانتساب إليه في أحسن التقويم ... «١» وإني ثالث اثنين أتشرف بخدمتها، وأسحب في أذيال نعمتها:
[الطويل]
خليليّ، هل أبصرتما أو سمعتما ... بأكرم من تمشي إليه عبيد؟
اللهمّ، أوزعني شكر هذا المنعم، الذي أثقلت نعمه ظهر الشكر، وأنهضت كمال الحمد، اللهمّ أدم بجميع حياته، وأمتع بدوام بقائه الإسلام والعباد، وأمسك بيمن آرائه رمق ثغر الجهاد. يا أكرم مسئول، وأعزّ ناصر. تفضّل سيدي، والفضل عادته، بالتعريف بما يقرّ عين التطلّع ويقنع غلّة التشوّف. ولقد كان المماليك لما مثلنا بين يدي مولانا، أيّده الله، لم يقدم عملا عن السؤال ولا عن الحال، إقامة لرسم الزيارة، وعملا بالواجب، فإنني أرى الديار بطرفي، فعلى أن أرى الديار بعيني، وعلى ذلك يكون العمل إن شاء الله. وإن سأل سيدي شكر الله احتفاءه، وأبقى اهتمامه، عن حال المماليك، من تعب السفر، وكدّ الطريق، فهي بحمد الله دون ما يظنّ. فقد وصلنا المنكّب تحت الحفظ والكلاءة، محرزين شرف المساوقة، لمواكب المولى، يمن الله وجهته، وكتب عصمته، واستقرّ جميعنا بمحلّ القصبة، وتاج أهبتها، ومهبّ رياح أجرائها، تحت النعم الثرّة، والأنس الكامل الشامل. قرّب الله أمد لقائكم، وطلع على ما يسرّ من تلقائكم. ولما بلغنا هذه الطّيّة، وأنخنا المطيّة، قمنا بواجب تعريفكم على الفور بالأدوار، ورفعنا مخاطبة المالك على الابتدا. والسلام.
مولده: في الرابع عشر من شوال ثلاثة وثلاثين وسبعمائة.
انتهى السفر السادس هنا، والحمد لله ربّ العالمين
стр. 578
ومن السفر السابع المفتتح بقوله ومن الطّارئين منهم في هذا الباب
محمد بن أحمد بن محمد بن أبي خيثمة الجبّائي
سكن غرناطة، يكنى أبا الحسن.
حاله: كان مبرّزا في علوم اللسان نحوا ولغة وأدبا، متقدما في الكتابة والفصاحة، جامعا فنون الفضائل، على غفلة كانت فيه.
مشيخته: روى عن أبي الحسن بن سهل، وأبي بكر بن سابق، وأبي الحسن بن الباذش، وأبي علي الغساني وغيرهم. وصحب أبا الحسن بن سراج صحبة مواخاة.
تواليفه: صنّف في شرح غريب البخاري مصنّفا مفيدا.
وفاته: توفي ليلة الثامن والعشرين من جمادى الأولى سنة أربعين وخمسمائة.
محمد بن أحمد بن عبد الله بن أحمد الإستجّي الحميري
من أهل مالقة، وأصله من إستجّة، انتقل سلفه إلى مالقة، يكنّى أبا عبد الله.
حاله: كان من جملة حملة العلم، والغالب عليه الأدب، وكان من أهل الجلالة، ومن بيت علم ودين. أقرأ ببلده، وقعد بالجامع الكبير منه، يتكلّم على صحيح البخاري، وانتقل في آخر عمره إلى غرناطة.
وقال الأستاذ «١» : كان من أبرع أهل زمانه في الأدب نظما ونثرا.
شعره: منقولا من خط الوزير الرّاوية أبي محمد عبد المنعم بن سماك، وقد ذكر أشياخه فقال: الشيخ المتفنن الأديب، البارع، الشاعر المفلق، قرأ على أشياخها، وأقرأ وهو دون العشرين سنة. وكانت بينه وبين الأستاذ المقرئ الشهير أبي العباس، الملقب بالوزعي، قرابة، وله قصيدة أولها: [الكامل]
ما للنسيم لدى الأصيل عليلا ومنها:
حتى النسيم إذا ألّم بأرضهم ... خلعوا عليه رقّة ونحولا
стр. 579
وكان يقول: كان الأستاذ أبو العباس يستعيدني هذا البيت ويقول: نعم أنت قريبي. وقدم على غرناطة، أظنّ سنة تسع وثلاثين وستمائة.
محنته: قال الأستاذ: جرى له قصة، نقل بعض كلامه فيها، على بعض أحاديث الكتّاب من جهة استشهاد أدبي عليه فيها، غالب أدبه، فأطلق عنان الكلام، وما أكثر مما يطاق فيما يأنفه إدراكات تلك الأفهام، ولكل مقام مقال، ومن الذي يسلم من قيل وقال. وكان ذلك سبب الانقطاع، ولم يؤت من قصر باع، وانتقل إلى غرناطة، فتوفي في أثر انقطاعه وانتقاله.
شعره: من ذلك قوله في غرض يظهر من الأبيات: [الطويل]
قضوا في ربى نجد ففي القلب مرساه ... وغنّوا إن أبصرتم «١» ثمّ مغناه
أما هذه نجد أما ذلك الحمى؟ ... فهل عميت عيناه أم صمّ «٢» أذناه؟
دعوه يوفّي ذكره باتّشامه ... ديون هواه قبل أن يتوفّاه
ولا تسألوه سلوة فمن العنا ... رياضة من قد شاب في الحب فوداه «٣»
أيحسب من أصلى فؤادي بحبّه ... بأني «٤» سأسلو عنه، حاشاه حاشاه؟
متى غدر الصّبّ الكريم وفى «٥» له ... وإن أتلف القلب الحزين تلافاه
وإن حجروا معناه وصرّحوا به ... فإن معناه أحقّ بمعناه
ويا سابقا عيس الغرام سيوفه ... وكلّ إذا يخشاه في الحبّ يخشاه
أرحها فقد ذابت من الوجد والسّرى ... ولم يبق إلّا عظمها أو بقاياه
ويا صاحبي عج بي على الخيف «٦» من منى ... وما للتعنّي «٧» لي بأنّي ألقاه
وعرّج على وادي العقيق لعلّني ... أسائل عمّن كان بالأمس مأواه
وقل للّيالي قد سلفن بعيشه ... وعمر على رغم العذول قطعناه
هل العود أرجوه أم العمر ينقضي ... فأقضي ولا يقضى الذي أتمنّاه؟
стр. 580
ومن شعره أيضا، قوله، ﵀: [الطويل]
سرت من ربى نجد معطّرة الرّيّا ... يموت لها قلبي وآونة يحيا
تمسّح أعطاف الأراك بليلة ... وتنثر كافورا على التربة اللّميا
وترتدّ «١» في حجر الرياض مريضة ... فتحيي بطيب العرف من لم يكن يحيا
وبشرى «٢» بأنفاس الأحبّة سحرة ... فيسرع دمع العين في إثرها جريا
سقى «٣» الله دهرا ذكره بنعيمه ... فكم لجفوني عند ذكراه من سقيا
نآني «٤» محيّاه الأنيق وحسنه ... ومن خلقي قد كنت لا أحمل النأيا
وبي رشأ من أهل غرناطة غدا ... يجود بتعذيبي ويبخل باللّقيا
رماني فصابني «٥» بأول نظرة ... فيا عجبا من علّم الرّشأ الرّميا
وبدّد جسمي نوره وكأنه ... أشعّة شمس قابلت جسدي مليا
تصوّر لي من عالم الحسن خالصا ... فمن عجب أن كان من عالم الدنيا
وهمّ بأن يرقى إلى الحور جسمه ... فثقّلته كتبا وحمّلته حليا
إذا ما انثنى أو لاح أو جاح أو رنا ... سبا القصب والأقمار والمسك والضيا
رعى الله دهرا كان ينشر وصله ... برود طواها البين في صدره طيّا
مشيخته: ومما يشتمل على أسماء شيوخه، ويدلّ على تبحّره في الأدب ورسوخه، إجازته أبا الوليد إسماعيل بن تبر الأيادي، وعندها يقال: أتى الوادي:
[الخفيف]
إنّ لي عند كلّ نفحة بستا ... ن من الورد أو من الياسمينا
نظرة والتفاتة أتمنّى ... أن تكوني حللت فيما تلينا
ما هذه الأنوار اللائحة، والنّوار الفائحة، إني لأجد ريح الحكمة، ولا مفنّد، وأرد مورد النعمة، ولا منكد، أمسك دارين ينهب، أم المندل الرطب في الغرام الملهب، أم نفحت أبواب الجنّة ففاح نسيمها، وتوضحت أسباب المنّة فلاح
стр. 581
وسيمها: [الطويل]
محيّاك أم نور الصباح تبسّما ... وريّاك أم نور الأقاحي «١» تنسّما
فمن شمّ من ذا نفحة رقّ شيمة ... ومن شام من ذا لمحة راق مبسما؟
أجل خلق الإنسان من عجل. قال رسول الله ﷺ : لتفهموا أسرار الحكم وتعوا، وإذا رأيتم رياض الجنّة فارتعوا، يعني مجالس الذّكر، ومأنس النظر والفكر، ومطالع المناظرة، ومواضع المحاضرة، فهذه بتلك، وقد انتظمت الجواهر النبوية في سلك، ولهان حمى للعطارة وطيس، بين مسك المداد وكافور القراطيس. فيا أيها المعلم الأوحد، والعالم الذي لا تنكر أمامته ولا تجحد، حوّمت على علم الملوك، ولزمت بحلم طريق الحكم المسلوك، فلم تعد أمل الحكماء، ولم تعد إلّا بعمل العلماء، وقد قال حكيمهم الفاضل، وعظيمهم الذي لا مناظر له ولا مفاضل: إذا خدمت الأمراء فكن بين استلطاف واستعطاف، تجن المعارف والعوارف دانية القطاف، فتعلّمهم وكأنك تتعلّم منهم، وترويهم وكأنك تروي عنهم، فأجريت الباب، وامتريت من العلم اللّباب، ثم لم تبعد، فقد فعل النحويون ذلك في يكرم، ويعد، ويعزّ، ولا غرو أن تقرأ على من هو دونك، وتستجيز الإجازة عن القوم العظام يقصدونك. فهذا رسول الله ﷺ ، قد أمره الله بأن يقرأ على أبيّ بن كعب، فهل في حيّ الخواطر الذكية من حيّ؟ فقال له، ﵁: الله أمرك أن تقرأ عليّ، والعناية الرّبانية تنادي إليّ إليّ، وإذا قال لي: من أحبّ مولاي، واستعار لزينته حلاي:
فما على الحبيب من اعتراض ... وللطّبيب تصرّف في المراض «٢»
قد يرحل المرء لمطلوبه ... والسبب المطلوب في الرّاحل «٣»
عجت متواضعا، فما أبرمت في معاجك، ولا ظلمت في السؤال نعجته إلى نعاجك، فإنه سرّ الله، لا يحلّ فيه الإفشاء، وحكمة الله البالغة، والله يؤتي الحكمة من يشاء، وإن لبست من التواضع شعارا، ولبست عن الترفع تنبيها على السّر المكتوم وإشعارا، فهذه الثريّا من العجائب إذا ارتفعت في أعلى صعودها، وأسمى راياتها الخافقة وبنودها، نهاية وجودها الحسّي عدم، وغاية وصفها الشّبهي أن تشبّه بقدم، فإذا همّت بالركوع، وشمّت في المغرب ريح الوقوع، كان لها من السّمو القدح
стр. 582
المعلّى، وعادت قرطا تتزيّن به الآذان وتتحلّى:
وفي الشرق كأس وفي مغاربها ... قرط وفي وسط السماء قدم
هذه آثار التواضع متلوّة السّور، مجلوّة الصّور، وكان بعضهم إذا أعطى الصّدقة، يعطيها ويده تحت يد السّائل، وهكذا تفهم المسائل. فإنه لما سمع النبوة تقول: اليد العليا خير من اليد السّفلى، أراد أن يؤثر المقام الأعلى. ولما أعطى أبو بكر، ﵁، ماله كله، أعطى عمر، ﵁، النصف من المال، لا احتياطا على ماله، ولكن ليقف لأبي بكر في مقام القصور عن كماله، تفويضا وتسليما، وتنبيها لمن كان له قلب وتعليما. ورؤي الدّارقطني، ﵀ عليه، يحبس أباه بركابه، فلا ينكر عليه، فقيل له في ذلك، فقال: رأيته يبادر إلى فضيلة، فكرهت مخالفته: [البسيط]
فوق السماء وفوق الزّهر ما طلبوا ... وهم إذا «١» ما أرادوا غاية نزلوا
وإلى هذا وصل الله حفظك، وأجزك من الخيرات حظّك، فإنه وصلتني الكرّاسة المباركة، الدّالّة على التفنن في العلوم والمشاركة، فبينما أنا أتلو الإجازة، وأريق صدور البيان وإعجازه، ألقي إليّ كتاب كريم، إنه من أبي الوليد، وإنه بسم الله الرحمن الرحيم، فحرت، ووقفت كأنني سحرت، وقلت: ساحران تظاهرا معا، وأحدهما قاتلي، فكيف إذا اجتمعا: [الطويل]
فلو كان رمحا واحدا لاتّقيته ... ولكنه رمح وثان وثالث
ومن لعبت بشيمته المثاني ... فأحرى أن تطير به المثالث «٢»
وطار بي الشوق كلّ مطار، وقرأت سماء فكرتي سورة الانفطار، وكدت أصعد إلى السماء توقّدا، واختلط بالهواء تودّدا: [الكامل]
كانت جواهرنا أوائل قبل ذان ... فالآن صارت بالتحول ثوان
وجدت وراء الحسن وهي كثيفة ... فوجودهن الآن في الأذهان
ولم يكف أن بهرت بالحسن الخلوب، حتى أمرت أن أنظم على ذاك الأسلوب، وبالحريّ لذلك النثر البديع، الحريريّ أو البديع، ولذلك النّظم العجيب، المتنبي أو حبيب، ولذلك التصوف الرقيق، الحارث بن أسد ذي التحقيق. وأما الحديث، فما لك تقطع تلك المسالك، إلّا أن العربية ليس لأحد معه فيها دليل،
стр. 583
أستغفر الله إلّا للخليل، لكن أصول الدين مجريّة، تركت تلك الميادين. هنّاك الله جمع كل منقبة جليلة، فترى الفضيلة لا تردّ فضيلة، فمر الرديف وقد ركب غضنفرا، أو المدّعي صفة فضل، وكلّ الصّيد في جوف الفرا «١» . من يزحم البحر يغرق، ومن يطعم الشجر يشرق. وهل يبارى التوحيد بعمل، أو يجارى البراق بجمل؟ ذلك انتهى إلى سدرة المنتهى، وهل انبرى ليلطم خدّه في الثرى؟ لا تقاس الملائكة بالحدّادين، ولا حكماء يونان بالفدادين. أفي طريق الكواكب يسلك، وعلى الفلك الأثير يستملك؟ أين الغد من الأمس، وظلمة الغسق من وضح الشمس؟ ولولا ثقتي بغمام فضلك الصّيّب، لتمثلت لنفسي بقول أبي الطيب «٢» : [الطويل]
إذا شاء أن يلهو بلحية أحمق ... أراه غباري ثم قال له ألحق «٣»
فإن رضيت أيها العلم، فما لجرح إذا أرضاكم. ألم تر كيف أجاري أعوج بمغرب أهوج وأجاري ذا العقال بجحش في عقال؟ ظهر بهذه الظّلمة، ذلك الضياء، وبضدّها تتبين الأشياء. وما يزكو بياض العاج حتى يضاف إلى سواد الأبنوس. ألفاظ تذوب رقّة، وأغراض تملك حبّ الكريم ورقّة الزّهر، والزّهر بين بنان وبيان، والدرّ طوع لسان وإحسان: [الوافر]
وقالوا ذاك سحر باهليّ «٤» ... فقلت وفي مكان الهاء باء
وأما محاسن أبي الوليد، فيقصر عنها أبو تمام وابن الوليد: [المتقارب]
معان لبسن ثياب الجمال ... وهزّت لها الغانيات القدودا
كسون عبيدا ثياب عبيد ... وأضحى لبيد لديها بليدا
وكيف أعجب من إجرائك لهذه الجياد، وأياديك من إياد؟ أورثت هذه البراعة المساعدة، عن قسّ بن ساعدة؟ أجدّك أنت الذي وصف رسول الله ﷺ ، فقال: كأني أنظر إليه في سوق عكاظ على جمل أورق، وهو يقول أيها الناس: مطر ونبات، وآباء وأمهات، إلى قوله: [مجزوء الكامل]
في الذاهبين الأوّلي ... ن من القرون لنا بصائر
стр. 584
لمّا رأيت موارد ... للموت ليس لها مصادر
أيقنت أنّي لا محا ... لة حيث صار القوم صائر
إيه بغير تمويه. رجع الحديث الأول إلى ما عليه المعوّل. سألتني، أيها السيد الذي يجب إسعافه، أن أرغم أنف القلم حتى يجري رعافه، وأن أكحّل جفون الأوراق بمداد الأقلام، وأن أجمع الطّروس والأمدّة «١» ، بين إصباح وإظلام، وأطرّز بياض السّوسن بخضرة الآس، وأبرز العلم الأبيض تحت راية بني العباس، فقلت مبادرا ممتثلا، وجلت في ميدان الموافقة متمثّلا: [البسيط]
لبّيك لبّيك أضعافا مضاعفة ... إنّي أجبت ولكن داعي الكرم
أتى من المجد أمر لا مردّ له ... أمشي على الرأس فيه لا على القدم
دعاء والله مجاب؛ ونداء ليس دونه حجاب: [المتقارب]
كتبت ولو أني أستطيع ... لإجلال قدرك بين البشر
قددت البراعة من أنملي ... كأنّ «٢» المداد سواد البصر
نعم أجزت، سيدي الفقيه الأجل، الخطيب الأكرم، العالم العلم، الأوحد الأكمل، الحسيب الأحفل الأطول، أبا الوليد بن الفقيه الأجل، المعظم الموقر، المكرم المبارك الأظهر، المرحوم أبي زكريا يحيى بن سعيد بن قتري الأيادي القرموني، ونبيه السّادات النجباء المباركين، أبا القاسم أحمد، وأبا إسحاق إبراهيم، وأبا الحسين بتزيا. ونعمت الأغصان والشجرة، والأقنان والثمرة، أقرّ الله بهم أعين المجد، ولا زالوا بدورا في مطالع السّعد، ولا برحوا في مكارم يجنون نوّارها، ويجتلون أنوارها، وتفيض عليهم يد العناية الإلهية، نهرها الكوثري ونهارها، جميع ما رويته قراءة وسماعا، وإجازة ومناولة، من العلوم على اختلافها، وتباين أصنافها، بأي وجه رويته، وعلى أي وصف تقلّدته ودريته، وكذلك أجزتهم جميع ما قلته وأقوله، من مسطور ومرسوم، ومنثور ومنظوم، وتصرّفت فيه من منقول ومفهوم، وقصائدي المسماة بالرّوحانيات، ومعشّراتي الحبيبات، وما نظمته من الوتريات، وشرحي لشعر أبي الطيب المسمى ب «ظهور الإعجاز بين الصدور والأعجاز» ، وكتابي المسمى «شمس البيان في لمس البنان» ، والزهرة الفائحة في الزّهرة اللائحة، ونفح
стр. 585
الكمامات في شرح المقامات، واقتراح المتعلمين في اصطلاح المتكلمين، وكتاب التّصوّر والتصديق، في التوطية لعلم التحقيق، ورقم الحلل، في نظم الجمل، ومفتاح الإحسان، في إصلاح اللسان. وما أنشأته من السلطانيات نظما ونثرا، وخطابة وشعرا.
والله تعالى يجعل أعمالنا خالصة لوجهه بمنّه وكرمه، فليقل الفقيه الأجل، وبنوه الأكرمون، ﵃، أنبأنا وأخبرنا وحدّثنا، أو ما شاءوا من ألفاظ الرواية، بعد تحري الشروط المرعيّة، في الإجازات الشرعية، وإن ذهبوا حفظ الله كمالهم، وأراهم في الدارين آمالهم، إلى تسمية من لي من المشايخ، قدّس الله أرواحهم، وزحزح عن النار أشباحهم:
فمنهم الأستاذ الخطيب الكبير، العالم الفاضل الجليل، البقيّة الصالحة، آخر الأدباء، وخاتمة الفضلاء، أبو جعفر أحمد بن يحيى بن إبراهيم الحميري القرطبي الدّار، ﵁. قرأت عليه بقرطبة شعر أبي الطيب قراءة فهم لمعانيه، وإعراب لألفاظه؛ وتحقيق للغته، وتنقير عن بديعه. وكذلك قرأت عليه أكثر شعر أبي تمام.
وسمعت عليه كتاب الكامل لأبي العباس المبرّد، ومقامات التميمي، كان يرويها عن منشئها، وكانت عنده بخط أبي الطاهر. وتفقهت عليه «تبصرة الضمري» . وكان على شياخته، ﵀، ثابت الذهن، مقبل الخاطر، حافظ المعيّا: [الوافر]
يروع ركانة ويذوب ظرفا ... فما تدري أشيخ أم غلام
نأتيه بمقاطيع الشعر فيصلحها لنا. ويقف على ما نستحسنه منها، فنجده أثبت منّا، ولقد أنشدته يوما، في فتى مفقود العين اليسرى: [الكامل]
لم تزو إحدى زهرتيه ولا انثنت ... عن نورها وبديع ما تحويه
لكنه قد رام يغلق جفنه ... ليصيب بالسّهم الذي يرميه
فاستفادهما وحفظهما، ولم يزل، ﵀، يعيدهما مستحسنا لهما، متى وقع ذكرى. وكان يروي عن الإمام المازري بالإجازة، وعن القاضي أبي مروان بن مسرّة، وعن الأستاذ عباس، وعن أبي عبد الله بن أبي الخصال.
ومنهم الفقيه الأجل العالم العدل، المحدّث الأكمل، المتفنن، الخطيب، القاضي أبو محمد بن حوط الله. سمعت عليه كتبا كثيرة بمالقة، بقراءة الفقيه الأستاذ أبي العباس بن غالب، ولقيته بقرطبة أيضا، وهو قاضيها. وحدّثني عن جدّي، وعن جملة شيوخ، وله برنامج كبير، وأخوه القاضي الفاضل أبو سليمان أيضا منهم.
стр. 586
ومنهم الفقيه الأجلّ، العالم العلم، الأوحد، النحوي، الأديب المتفنن، أبو علي عمر بن عبد المجيد الأزدي، قرأت عليه القرآن العزيز مفردات، وكتاب الجمل، والإيضاح، وسيبويه تفقها، وكذلك الأشعار السّتة تفقها، وما زلت مواظبا له إلى أن توفي ﵀. وكان فريد عصره في الذكاء والزكا. ولم يكن في حلبة الأستاذ أبي زيد السّهيلي أنجب منه على كثرتهم. وقد قال الأستاذ أبو القاسم السهيلي للإمام المنصور، رضي الله: هو أقعد لكتاب سيبويه منّا. وقال لي يوما، وقد نظر إلى طالب يصغي بكليته إلى ثان، فقلت: ماذا؟ فقال: إنّ حبّ الشيء يعمي ويصمّ، فقلت له:
ويعيد الصّبح ليلا مدلهمّ، فاستحسنه.
ومنهم الفقيه الأجلّ، الأديب الأريب الكامل، اللغوي الشهير، أبو علي ابن كسرى الموري، قريبي ومعلّمي. وكان من طلبة أبي القاسم السّهيلي، وممن نبغ صغيرا. وهو الذي أنشد في طفولته السيد أبا إسحاق الكبير بإشبيلية: [الكامل]
قسما بحمص «١» وإنه لعظيم ... فهي المقام وأنت إبراهيم
وكان بالحضرة الأستاذ أبو القاسم السهيلي، فقام عند إتمامه القصيدة، فقال: لمثل هذا كنت أحسيك الحسا، ولمثل هذا كنت أواصل في تعليمك الإصباح والإمساء. وقد أنشد هذا لأمير المؤمنين أبي يعقوب «٢» ، ﵁:
[الطويل]
أمعشر أهل الأرض بالطّول والعرض ... بهذا أنادي في القيامة والعرض
فقد قال الله فيك ما أنت أهله ... فيقضى بحكم الله فيك بلا نقض
فإياك يعنى ذو الجلال بقوله ... كذلك مكّنّا ليوسف في الأرض
ومنهم الفقيه الأجل، العالم المحدّث، الحافظ الفاضل المؤثر، السيد أبو محمد القرطبي، قرأت عليه القرآن بالروايات مفردات، وتفقهت في الجمل والأشعار، وأجازني جميع ما رواه. وكذلك فعل كل واحد ممن تقدّم ذكره. وكان، ﵀، آخر الناس علما ونزاهة وحسن خلق، وجمال سمت وأبهة ووقار، وإتقان وضبط، وجودة وحفظ.
стр. 587
ومنهم الفقيه الأجل، الحاج الفاضل، الشّهيد في كائنة العقاب «١» ، المحدّث الورع، الزاهد الطاهر، أبو عبد الله بن حسين بن صاحب الصلاة الأنصاري، وعليه كان ابتدائي للقراءة، وكان مبارك التعليم، حسن التفهيم، شديد التواضع.
ومنهم الفقيه الأجل الفاضل الورع، المحدث، الحاج الملهم، المجاب الدعوة، الميمون النّقيبة، الأوّاب، أبو الحجاج بن الشيخ، ﵁. وهذا الكتاب على الإطالة مني، ولكن القرطاس فنّي، والسلام الأتمّ عليكم، ورحمة الله وبركاته. قال ذلك، وكتبه العبد المعترف بذنبه، الراجي رحمة ربّه، محمد بن عبد الله الحميري ثم الإستجي، في أواسط شعبان المكرم من عام أحد وأربعين وستمائة.
وفاته: من خطّ الوزير أبي محمد عبد المنعم بن سماك، قال: قدم غرناطة، أظنّ سنة تسع وثلاثين وستمائة، وشكى علّة البطن مدة ثمانية أشهر بدار أبي، ﵀، مرّضناه الثلاثة الأخوة، إلى أن توفي، ﵀، ودفن بمدفنه، مغنى الأدب، بروضة الفقيه أبي الحسن سهل بن مالك.
محمد بن أحمد بن علي الهوّاري «٢»
يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن جابر، من أهل ألمريّة.
حاله: رجل «٣» كفيف البصر، مدلّ على الشعر، عظيم الكفاية والمنّة على زمانته «٤» . رحل إلى المشرق، وتظافر «٥» برجل من أصحابنا يعرف بأبي جعفر الإلبيري، صارا روحين في جسد، ووقع الشّعر منهما بين لحيي أسد، وشمّرا «٦» للكدية، فكان وظيف الكفيف النّظم، ووظيف «٧» البصير الكتب، وانقطع الآن
стр. 588
خبرهما. وجرى ذكره في الإكليل بما نصّه «١» : محسوب من طلبتها الجلّة، ومعدود فيمن طلع بأفقها من الأهلّة، رحل إلى المشرق، وقد أصيب ببصره، واستهان في جنب الاستفادة «٢» بمشقّة سفره، على بيان عذره، ووضوح ضرّه.
شعره: وشعره كثير، فمنه قوله «٣» : [الطويل]
سلو مسرّ «٤» ذاك الخال في صفحة الخدّ ... متى رقموا بالمسك في ناعم الورد
ومن هزّ «٥» غصن القدّ منها لفتنتي ... وأودعه رمّانتي ذلك النّهد
ومن متّع «٦» القضب اللّدان بوصلها «٧» ... إلى أن أعرن «٨» الحسن من ذلك القدّ
فتاة تفتّ القلب مني بمقلة ... له رقّة الغزلان في سطوة الأسد
تمنّيت أن تهدي إليّ نهودها ... فقالت رأيت البدر يهداه أو يهدي
فقلت وللرّمان «٩» بدّ من الجنى ... فتاهت وقالت باللّواحظ لا الأيدي
فقلت أليس القلب عندك حاصلا «١٠» ؟ ... فقالت «١١» قلوب الناس كلّهم عندي
وقلت «١٢» اجعليني من عبيدك في الهوى ... فقالت كفاني كم لحسني من عبد
إذا شئت أن أرضاك عبدا فمت جوى «١٣» ... ولا تشتكي «١٤» واصبر على ألم الصّدّ
ألم تر النّحل يحمل ضرّها ... لأجل الذي تجنيه من خالص الشهد؟
كذلك بذل النّفيس سهل لذي النّهى ... لما يكسب الإنسان من شرف الحمد
ألست ترى كفّ ابن جانة طالما «١٥» ... أضاع كريم المال في طلب المجد
стр. 589
ومن شعره أيضا قوله «١» : [الكامل]
عرّج على بان العذيب وناد ... وأنشد فديتك أين «٢» حلّ فؤادي
وإذا مررت على المنازل بالحمى ... فاشرح هنالك لوعتي وسهادي
إيه فديتك يا نسيمة خبّري ... أرب «٣» الأحبّة والحمى والوادي
يا سعد، قد بان العذيب وبانه ... فانزل فديتك قد بدا إسعادي
خذ في البشارة مهجتي يوما إذا ... بان العذيب ونور حسن سعاد «٤»
قد صحّ عيدي يوم أبصر حسنها ... وكذا الهلال علامة الأعياد
وممّا نقلناه من خبر قيّده لصاحبنا الفقيه الأستاذ أبي علي منصور الزواوي، وممّا ادعاه لنفسه «٥» : [الوافر]
عليّ لكلّ ذي كرم ذمام ... ولي بمدارك المجد اهتمام
وأحسن ما لديّ لقاء حرّ ... وصحبة «٦» معشر بالمجد هاموا «٧»
وإني حين أنسب من أناس ... على قمم النجوم لها «٨» مقام
يميل بهم إلى المجد ارتياح ... كما مالت بشاربها المدام «٩»
هم لبسوا أديم الليل «١٠» بردا ... ليسفر من مرادهم «١١» الظلام
هم جعلوا متون العيس «١٢» أرضا ... فمذ عزموا الرّحيل فقد أقاموا «١٣»
فمن كلّ البلاد لنا ارتحال ... وفي كلّ البلاد لنا مقام
وحول موارد العلياء منها «١٤» ... لنا مع كلّ ذي شرف زحام
تصيب سهامنا غرض المعالي ... إذا ضلّت عن الغوص «١٥» السّهام
стр. 590
وليس لنا من المجد اقتناع ... ولو أنّ النجوم لنا خيام «١»
ننزّه عرضنا عن كل لوم ... فليس يشين سؤددنا ملام
ونبذل لا نقول العام ماذا ... سواء كان خصب أو حطام
إذا ما المحل عمّ بلاد قوم ... أثبناها فجاد بنا الغمام
وإن حضر الكرام ففي يدينا ... ملاك أمورهم ولنا الكلام
وفينا المستشار بكل علم ... ومنّا اللّيث والبطل الهمام
فميدان الكلام لنا مداه ... وميدان الحروب بنا يقام
كلا الأمرين ليس له بقوم ... سوانا يوم نازلة تمام
يريق دم المداد بكل طرس ... وليس سوى اليراع لنا سهام
وكتب بالمثقّفة العوالي ... بحيث الطّرس لبّات وهام
إذا عبست وجوه الدهر منّا ... إليها فانثنت ولها انتقام
لقد علمت قلوب الرّوم أنّا ... أناس ليس يعوزنا مرام
وليس يضيرنا أنا قليل ... لعمر أبيك ما كثر الكرام
إذا ما الرّاية الحمراء هزّت ... نعم فهناك للحرب ازدحام
وما أحمرّت سدى بل من دماء ... ليس على جوانبها انسجام
تظلّل من بني نصر ملوكا ... حلال النّوم عندهم حرام
فكم قطعوا الدّجى في وصل مجد ... وكم سهروا إذا ما الناس ناموا «٢»
أبا الحجاج لم تأت الليالي ... بأكرم منك إن عدّ الكرام
ولا حملت ظهور الخيل أمضى ... وأشجع منه إن هزّ الحسام
وأنّى جئت من شرق لغرب ... ورمت بي الزمان كما ترام
وجرّبت الملوك وكل شخص ... تحدّث عن مكارمه الأنام
فلم أر مثلكم يا آل نصر ... جمال الخلق والخلق العظام
ومنها:
لأندلس بكم شرف وذكر ... تودّ بلوغ أدناه الشّآم
سعى صوب الغمام بلاد قوم ... هم في كل مجدبة غمام
стр. 591
إليك بها مهذّبة المعاني ... يرينها ابتسام وانتظام
لها لجناب مجدكم انتظام ... طواف وفي أركان إسلام
نجزت وما كادت، وقد وطي الإيطاء صروحكم، وأعيا الإكثار حارثها وسروجها، والله وليّ التّجاوز بفضله.
محمد بن أحمد بن الحدّاد الوادي آشي «١»
يكنى أبا عبد الله.
حاله: شاعر «٢» مفلق، وأديب شهير، مشار إليه في التعاليم، منقطع القرين منها في الموسيقى، مضطلع بفكّ المعمّى. سكن ألمريّة، واشتهر بمدح رؤسائها من بني صمادح. وقال ابن بسّام: كان «٣» أبو عبد الله هذا شمس ظهيرة، وبحر خبر وسيرة، وديوان تعاليم مشهورة، وضح في طريق المعارف وضوح الصّبح المتهلّل، وضرب فيها بقدح ابن مقبل «٤» ، إلى جلالة مقطع، وأصالة منزع، ترى العلم ينمّ على أشعاره، ويتبيّن في منازعه وآثاره.
تواليفه: ديوان «٥» شعر «٦» كبير معروف. وله في العروض تصنيف «٧» ، مزج فيه بين الأنحاء الموسيقية، والآراء الجليلة.
بعض أخباره: حدّث «٨» بعض المؤرخين ممّا يدلّ على ظرفه أنه فقد سكنا «٩» عزيزا عليه، وأحوجت الحال «١٠» إلى تكلّف سلوة، فلمّا حضر الندماء، وكان قد رصد الخسوف بالقمر «١١» ، فلمّا حقّق أنه قد «١٢» ابتدأ، أخذ العود
стр. 592
وغنّى «١» : [المتقارب]
شقيقك غيّب في لحده ... وتشرق يا بدر من بعده
فهلّا خسفت وكان الخسوف «٢» ... حدادا لبست على فقده؟
وجعل يردّدها، ويخاطب البدر، فلم يتمّ ذلك إلّا واعترضه الخسوف، وعظم من الحاضرين التعجّب. قال «٣» : وكان مني في صباه بصبية من الرّوم، نصرانية، ذهبت بلبّه وهواه، تسمّى نويرة، افتضح بها، وكثر نسيبه.
شعره: قال في الغرض المذكور «٤» : [الطويل]
حديثك ما أحلى! فزيدي وحدّثي ... عن الرّشإ الفرد الجمال المثلّث
ولا تسأمي ذكراه فالذّكر مؤنسي ... وإن بعث الأشواق من كلّ مبعث
وبالله فارقي خبل نفسي بقوله ... وفي عقد وجدي بالإعادة فانفثي «٥»
أحقّا وقد صرّحت ما بي أنه ... تبسّم كاللاهي، بنا، المتعبّث
وأقسم بالإنجيل إنّي شابق «٦» ... وناهيك دمعي من محقّ محنّث
ولا بدّ من قصّي على القسّ قصّتي ... عساه مغيث المذنف المتغوّث
ولم «٧» يأتهم عيسى بدين قساوة ... فيقسو على بثّي «٨» ويلهو بمكرث
وقلبي من حلي التجلّد عاطل ... هوى في غزال الواديين المرعّث «٩»
سيصبح سرّي كالصباح «١٠» مشهّرا ... ويمسي حديثي عرضة المتحدّث
ويغرى بذكري بين كأس وروضة ... ويشدو «١١» بشعري فوق مثنى ومثلث
стр. 593
ومن شعره في الأمداح الصّمادحية «١» : [الطويل]
لعلّك بالوادي المقدّس شاطىء ... وكالعنبر الهنديّ ما أنت واطئ «٢»
وإنّي في ريّاك واجد ريحهم «٣» ... فروح الجوى بين الجوانح ناشئ
ولي في السّرى من نارهم ومنارهم ... هداة حداة والنجوم طوافىء
لذلك ما حنّت ركابي «٤» وحمحمت ... عرابي وأوحى سيرها المتباطىء
فهل هاجها ما هاجني؟ أو لعلّها ... إلى الوخد من نيران وجدي لواجىء
رويدا فذا وادي لبيني وإنه ... لورد لباناتي وإني لظامىء
ميادين تهيامي ومسرح ناظري ... فللشّوق غايات لها «٥» ومبادئ
ولا تحسبوا غيدا حمتها مقاصر ... فتلك قلوب ضمّنتها جآجىء
ومنها:
محا ملّة السّلوان مبعث حسنه ... فكلّ إلى دين الصّبابة صابىء
فكيف أرفّي كلم طرفك في الحشا ... وليس لتمزيق المهنّد رافىء؟
وما لي لا أسمو مرادا وهمّة ... وقد كرمت نفس وطابت ضآضىء؟
وما أخّرتني عن تناه مبادئ ... ولا قصّرت بي عن تباه مناشئ
ولكنّه الدّهر المناقض فعله ... فذو الفضل منحطّ وذو النقص نامئ
كأنّ زماني إذ رآني جذيله ... يلابسني منه «٦» عدوّ ممالئ
فداريت إعتابا ودارأت عاتبا ... ولم يغنني أني مدار مدارىء
فألقيت أعباء الزمان وأهله ... فما أنا إلّا بالحقائق عابىء
ولازمت سمت الصّمت لاعن فدامة «٧» ... فلي منطق للسّمع والقلب صابىء «٨»
ولولا علا الملك ابن معن محمد ... لما برحت أصدافهنّ اللآلئ
لآلىء إلا أنّ فكري غائص ... وعلمي ذو ماء «٩» ونطقي شاطىء
стр. 594
تجاوز حدّ الوهم واللّحظ والمنى ... وأعشى الحجا لألاؤه المتلالىء
فتنعكس الأبصار «١» وهي حواسر ... وتنقلب الأفكار وهي خواسىء
وقال من أخرى «٢» : [الكامل]
أقبلن في الحبرات يقصرن الخطا ... ويرين في «٣» حلل الوراشين «٤» القطا
سرب الجوى لا الجوّ عوّد حسنه ... أن يرتعي حبّ القلوب ويلقطا
مالت معاطفهنّ من سكر الصّبا ... ميلا يخيف قدودها أن تسقطا
وبمسقط العلمين أوضح معلم ... لمهفهف سكن الحشا «٥» والمسقطا
ما أخجل البدر المنير إذا مشى ... يختال والخوط النضير إذا خطا
ومنها في المدح:
يا وافدي شرق البلاد وغربها ... أكرمتما خيل الوفادة فاربطا
ورأيتما ملك البريّة فاهنآ ... ووردتما أرض المريّة فاحططا
يدمي نحور الدّارعين إذا ارتأى ... ويذلّ عزّ العالمين إذا سطا
وإحسانه كثير. دخل غرناطة، ومن بنات عملها وطنه، ﵀.
محمد بن إبراهيم بن خيرة «٦»
يكنى أبا القاسم. ويعرف بابن المواعيني «٧» ، حرفة أبيه، من أهل قرطبة.
واستدعاه السيد أبو سعيد الوالي بغرناطة إليه، فأقام عنده مدة من عامين في جملة من الفضلاء مثله.
حاله: قال ابن عبد الملك «٨» : كان كاتبا بليغا، شاعرا مجيدا، استكتبه أبو حفص بن عبد المؤمن، وحظي عنده حظوة عظيمة، لصهر كان بينهما بوجه ما،
стр. 595
ونال «١» فيه جاها عظيما، وثروة واسعة. وكان حسن الخطّ رائقه، سلك فيه «٢» في ابتدائه مسلك المتقن أبي بكر بن خيرة «٣» .
مشيخته: روى «٤» عن أبي بكر بن عبد العزيز، وابن العربي، وأبي الحسن شريح، ويونس بن مغيث، وأبي عبد الله حفيد مكّي، وابن أبي الخصال، وابن بقيّ «٥» .
تواليفه: له «٦» تصانيف تاريخية وأدبية منها «ريحان الآداب «٧» ، وريعان الشباب» لا نظير له. و «الوشاح المفضّل» «٨» . وكتاب في الأمثال السائرة. وكتاب في الأدب «٩» نحا فيه «١٠» منحى أبي عمر بن عبد البرّ في «بهجة المجالس» .
وفاته: توفي بمرّاكش سنة أربع وستين وخمسمائة «١١» .
محمد بن إبراهيم بن علي بن باق الأموي «١٢»
مرسي الأصل، غرناطي النشأة، مالقي الإسكان، يكنى أبا عبد الله.
حاله: من عائد الصلة «١٣» : كان، رحمه الله تعالى «١٤» ، كاتبا أديبا ذكيّا، لوذعيّا، يجيد الخطّ، ويرسل النادرة، ويقوم «١٥» على العمل، ويشارك في الفريضة.
وبذّ السّبّاق في الأدب الهزلي المستعمل بالأندلس. عمر «١٦» زمانا من عمره، محارفا للفاقة، يعالج بالأدب الكدية، ثم استقام له الميسم، وأمكنه البخت من امتطاء غاربه، فأنشبت الحظوة فيه أناملها بين كاتب وشاهد ومحاسب ومدير تجر، فأثرى ونما ماله، وعظمت حاله، وعهد «١٧» عندما شارف الرحيل بجملة تناهز الألف من العين، لتصرف في وجوه من البرّ، فتوهّم أنها كانت زكاة امتسك «١٨» بها.
стр. 596
وجرى ذكره في التاج بما نصّه «١» : مدير أكواس «٢» البيان المعتّق، ولعوب بأطراف الكلام المشقّق، انتحل لأول أمره الهزل من أصنافه، فأبرز درّ معانيه من أصدافه، وجنى ثمرة الإبداع لحين قطافه. ثم تجاوزه إلى المعرّب «٣» وتخطّاه، فأدار كأسه المترع وعاطاه، فأصبح لفنّيه «٤» جامعا، وفي فلكيه شهابا لامعا، وله ذكاء يطير شرره، وإدراك تتبلّج غرره، وذهن يكشف الغوامض، ويسبق البارق الوامض»
، وعلى ذلاقة لسانه، وانفساح أمد إحسانه، فشديد الصّبابة بشعره «٦» ، مغل لسعره.
شعره: أخبرني الكاتب أبو عبد الله بن سلمة، أنه خاطبه بشعر أجابه عنه بقوله، في رويّه «٧» : [الخفيف]
أحرز الخصل من بني سلمه ... كاتب تخدم الظّبا قلمه
يحمل الطّرس عن «٨» أنامله ... أثر الطّرس «٩» كلّما رقمه «١٠»
وتمدّ البيان فكرته «١١» ... مرسلا حيث يمّمت ديمه
خصّني متحفا بخمس إذا ... بسم الرّوض فقن مبتسمه
قلت أهدى زهر الرّبا خضلا ... فإذا كلّ زهرة كلمه
أقسم الحسن لا يفارقها ... فأبرّ انتقاؤها قسمه
خطّ أسطارها ونمّقها ... فأتت كالقعود منتظمه
كاسيا من حلاه لي حللا ... رسمها من بديع ما رسمه
طالبا عند عاطش نهلا ... ولديه الغيوث منسجمه
يبتغي الشّعر من أخي بله ... أخرس العيّ والقصور فمه
أيها الفاضل الذي حمدت «١٢» ... ألسن المدح والثّنا شيمه
لا تكلّف أخاك مقترحا ... نشر عار لديه قد كتمه
стр. 597
وابق في عزّة وفي دعة ... صافي «١» العيش واردا شبمه «٢»
ما ثنى الغصن عطفه طربا ... وشدا الطير فوقه «٣» نغمه
مشيخته: قرأ «٤» على الأستاذ أبي جعفر بن «٥» الزّبير، والخطيب أبي عثمان بن عيسى.
وفاته: توفي «٦» بمالقة في اليوم الثامن والعشرين لمحرم «٧» عام اثنين وخمسين وستمائة «٨» ، وأوصى بعد أن حفر قبره بين شيخيه الخطيبين أبي عبد الله الطّنجالي وأبي عثمان بن عيسى، أن يدفن به «٩» ، وأن يكتب على قبره هذه الأبيات:
[الطويل]
ترحّم على قبر ابن باق وحيّه ... فمن حقّ ميت الحيّ تسليم حيّه
وقل آمن الرحمن روعة خائف ... لتفريطه في الواجبات وغيّه
قد اختار هذا القبر في الأرض راجيا ... من الله تخفيفا بقرب «١٠» وليّه
فقد يشفع الجار الكريم لجاره ... ويشمل بالمعروف أهل نديّه
وإني بفضل الله أوثق واثق ... وحسبي وإن أذنبت حبّ نبيّه
محمد بن إبراهيم بن سالم بن فضيلة المعافري «١١»
من أهل ألمرية، يدعى بالبيوّ «١٢» ، ويكنى أبا عبد الله.
حاله: من الإكليل الزاهر: شيخ «١٣» أخلاقه ليّنة، ونفسه كما قيل هيّنة، ينظم الشعر سهلا مساقه، محكما اتّساقه، على فاقة ما لها من إفاقة. أنشد السلطان «١٤»
стр. 598
بظاهر بلده قوله: [الطويل]
سرت ريح نجد من ربى أرض بابل ... فهاجت إلى مسرى سراها بلابلي «١»
وذكّرني عرف النّسيم الذي سرى ... معاهد أحباب سراة أفاضل
فأصبحت مشغوفا بذكرى منازل ... ألفت، فوا شوقي لتلك المنازل
فيا ريح هبّي بالبطاح وبالرّبا ... ومرّي على أغصان زهر الخمائل
وسيري بجسمي للتي الروح عندها ... فروحي لديها من أجلّ الوسائل
وقولي لها عني معنّاك بالهوى «٢» ... له شوق معمود وعبرة ثاكل «٣»
فيا بأبي هيفاء كالغصن تنثني «٤» ... بقدّ يقدّ «٥» كاد ينقدّ مائل
فتاة براها الله من فتنة فمن ... رآها ولم يفتن فليس بعاقل
لها منظر كالشمس في رونق الضّحا ... ولحظ كحيل ساحر الطّرف بابلي «٦»
بطيب شذاها عطّرت كلّ عاطر ... كما بحلاها زيّنت كلّ عاطل
رمتني بسهم من سهام جفونها ... فصادف ذاك السّهم مني مقاتلي «٧»
فظلت غريقا في بحار من الهوى ... وما الحبّ إلّا لجّة دون ساحل
فيا من سبت عقلي وأفنت تجلّدي ... صليني فإنّ البعد لا شكّ قاتلي «٨»
فلي كبد شوقي إليك تفطّرت ... وقلب بنيران الجوى في مشاعلي «٩»
ولي أدمع تحكي ندا كف يوسف ... أمير العلى الأرضي الجميل الفضائل
إذا مدّ بالجود الأنامل لم تزل ... بحور النّدى تهمي بتلك الأنامل
ومن شعره قوله من قصيدة «١٠» : [الكامل]
بهرت كشمس في غلالة عسجد ... وكبدر تمّ في قضيب زبرجد
ثم انثنت كالغصن هزّته الصّبا ... طربا فتزري بالغصون الميّد
стр. 599
حوراء بارعة الجمال غريرة «١» ... تزهى فتزري بالقضيب الأملد
إن أدبرت لم تبق عقل مدبّر ... أو أقبلت قتلت ولكن لا تدي «٢»
تواليفه: قال شيخنا أبو البركات: وابتلي «٣» باختصار كتب الناس، فمن ذلك مختصره المسمّى ب «الدّرر المنظومة الموسومة، في اشتقاق حروف الهجا المرسومة» «٤» ، وكتاب في حكايات تسمى «روضة الجنان» «٥» ، وغير ذلك.
وفاته: توفي في أواخر رمضان من عام تسعة وأربعين وسبعمائة، ودخل غرناطة غير مرة.
محمد بن إدريس بن علي بن إبراهيم بن القاسم
من أهل جزيرة شقر «٦» ، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن مرج الكحل «٧» .
حاله: كان شاعرا مفلقا «٨» غزلا، بارع التّوليد، رقيق الغزل. وقال الأستاذ أبو جعفر: كان «٩» شاعرا مطبوعا، حسن الكفاية، ذاكرا للأدب، متصرّفا فيه. قال ابن عبد الملك: وكانت بينه وبين طائفة من أدباء عصره مخاطبات، ظهرت فيها إجادته.
وكان مبتذل اللباس، على هيئة أهل البادية، ويقال إنه كان أمّيّا.
стр. 600
من أخذ عنه: روى عنه أبو جعفر بن عثمان الورّاد، وأبو الربيع بن سالم، وأبو عبد الله بن الأبّار، وابن عسكر، وابن أبي البقاء، وأبو محمد بن عبد الرحمن بن برطلة، وأبو الحسن الرعيني.
شعره ودخوله غرناطة
قال في عشيّة بنهر الغنداق، خارج «١» بلدنا لوشة بنت الحضرة، والمحسوب من دخلها فقد دخل إلبيرة، وقد قيل: إن «٢» هذا النهر من أحواز برجة، وهذا الخلاف داع إلى ذكره «٣» : [الكامل]
عرّج بمنعرج الكثيب الأعفر ... بين الفرات وبين شطّ الكوثر
ولنغتبقها «٤» قهوة ذهبيّة ... من راحتي أحوى المراشف «٥» أحور
وعشيّة قد «٦» كنت أرقب وقتها ... سمحت بها الأيام بعد تعذّر
نلنا بها آمالنا «٧» في روضة ... تهدي لناشقها «٨» شميم العنبر
والدّهر من ندم «٩» يسفّه رأيه ... فيما مضى منه بغير تكدّر
والورق تشدو والأراكة تنثني ... والشمس ترفل في قميص أصفر
والرّوض بين مفضّض ومذهّب «١٠» ... والزّهر بين مدرهم ومدنّر
والنهر مرقوم الأباطح والرّبى «١١» ... بمصندل من زهره ومعصفر
وكأنّه وكأنّ خضرة شطّه ... سيف يسلّ على بساط أخضر
وكأنما ذاك الحباب فرنده ... مهما طفا في صفحة كالجوهر
وكأنّه، وجهاته محفوفة ... بالآس والنّعمان، خدّ معذّر
следующие страницы →