← Тараджим

Тараджим · id 11682

الإحاطة في أخبار غرناطة

لسان الدين بن الخطيب

Полный текст (1 954 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وجرى ذكره في التاج بما نصّه «١» : مدير أكواس «٢» البيان المعتّق، ولعوب بأطراف الكلام المشقّق، انتحل لأول أمره الهزل من أصنافه، فأبرز درّ معانيه من أصدافه، وجنى ثمرة الإبداع لحين قطافه. ثم تجاوزه إلى المعرّب «٣» وتخطّاه، فأدار كأسه المترع وعاطاه، فأصبح لفنّيه «٤» جامعا، وفي فلكيه شهابا لامعا، وله ذكاء يطير شرره، وإدراك تتبلّج غرره، وذهن يكشف الغوامض، ويسبق البارق الوامض» ، وعلى ذلاقة لسانه، وانفساح أمد إحسانه، فشديد الصّبابة بشعره «٦» ، مغل لسعره. شعره: أخبرني الكاتب أبو عبد الله بن سلمة، أنه خاطبه بشعر أجابه عنه بقوله، في رويّه «٧» : [الخفيف] أحرز الخصل من بني سلمه ... كاتب تخدم الظّبا قلمه يحمل الطّرس عن «٨» أنامله ... أثر الطّرس «٩» كلّما رقمه «١٠» وتمدّ البيان فكرته «١١» ... مرسلا حيث يمّمت ديمه خصّني متحفا بخمس إذا ... بسم الرّوض فقن مبتسمه قلت أهدى زهر الرّبا خضلا ... فإذا كلّ زهرة كلمه أقسم الحسن لا يفارقها ... فأبرّ انتقاؤها قسمه خطّ أسطارها ونمّقها ... فأتت كالقعود منتظمه كاسيا من حلاه لي حللا ... رسمها من بديع ما رسمه طالبا عند عاطش نهلا ... ولديه الغيوث منسجمه يبتغي الشّعر من أخي بله ... أخرس العيّ والقصور فمه أيها الفاضل الذي حمدت «١٢» ... ألسن المدح والثّنا شيمه لا تكلّف أخاك مقترحا ... نشر عار لديه قد كتمه

стр. 597

وابق في عزّة وفي دعة ... صافي «١» العيش واردا شبمه «٢» ما ثنى الغصن عطفه طربا ... وشدا الطير فوقه «٣» نغمه مشيخته: قرأ «٤» على الأستاذ أبي جعفر بن «٥» الزّبير، والخطيب أبي عثمان بن عيسى. وفاته: توفي «٦» بمالقة في اليوم الثامن والعشرين لمحرم «٧» عام اثنين وخمسين وستمائة «٨» ، وأوصى بعد أن حفر قبره بين شيخيه الخطيبين أبي عبد الله الطّنجالي وأبي عثمان بن عيسى، أن يدفن به «٩» ، وأن يكتب على قبره هذه الأبيات: [الطويل] ترحّم على قبر ابن باق وحيّه ... فمن حقّ ميت الحيّ تسليم حيّه وقل آمن الرحمن روعة خائف ... لتفريطه في الواجبات وغيّه قد اختار هذا القبر في الأرض راجيا ... من الله تخفيفا بقرب «١٠» وليّه فقد يشفع الجار الكريم لجاره ... ويشمل بالمعروف أهل نديّه وإني بفضل الله أوثق واثق ... وحسبي وإن أذنبت حبّ نبيّه محمد بن إبراهيم بن سالم بن فضيلة المعافري «١١» من أهل ألمرية، يدعى بالبيوّ «١٢» ، ويكنى أبا عبد الله. حاله: من الإكليل الزاهر: شيخ «١٣» أخلاقه ليّنة، ونفسه كما قيل هيّنة، ينظم الشعر سهلا مساقه، محكما اتّساقه، على فاقة ما لها من إفاقة. أنشد السلطان «١٤»

стр. 598

بظاهر بلده قوله: [الطويل] سرت ريح نجد من ربى أرض بابل ... فهاجت إلى مسرى سراها بلابلي «١» وذكّرني عرف النّسيم الذي سرى ... معاهد أحباب سراة أفاضل فأصبحت مشغوفا بذكرى منازل ... ألفت، فوا شوقي لتلك المنازل فيا ريح هبّي بالبطاح وبالرّبا ... ومرّي على أغصان زهر الخمائل وسيري بجسمي للتي الروح عندها ... فروحي لديها من أجلّ الوسائل وقولي لها عني معنّاك بالهوى «٢» ... له شوق معمود وعبرة ثاكل «٣» فيا بأبي هيفاء كالغصن تنثني «٤» ... بقدّ يقدّ «٥» كاد ينقدّ مائل فتاة براها الله من فتنة فمن ... رآها ولم يفتن فليس بعاقل لها منظر كالشمس في رونق الضّحا ... ولحظ كحيل ساحر الطّرف بابلي «٦» بطيب شذاها عطّرت كلّ عاطر ... كما بحلاها زيّنت كلّ عاطل رمتني بسهم من سهام جفونها ... فصادف ذاك السّهم مني مقاتلي «٧» فظلت غريقا في بحار من الهوى ... وما الحبّ إلّا لجّة دون ساحل فيا من سبت عقلي وأفنت تجلّدي ... صليني فإنّ البعد لا شكّ قاتلي «٨» فلي كبد شوقي إليك تفطّرت ... وقلب بنيران الجوى في مشاعلي «٩» ولي أدمع تحكي ندا كف يوسف ... أمير العلى الأرضي الجميل الفضائل إذا مدّ بالجود الأنامل لم تزل ... بحور النّدى تهمي بتلك الأنامل ومن شعره قوله من قصيدة «١٠» : [الكامل] بهرت كشمس في غلالة عسجد ... وكبدر تمّ في قضيب زبرجد ثم انثنت كالغصن هزّته الصّبا ... طربا فتزري بالغصون الميّد

стр. 599

حوراء بارعة الجمال غريرة «١» ... تزهى فتزري بالقضيب الأملد إن أدبرت لم تبق عقل مدبّر ... أو أقبلت قتلت ولكن لا تدي «٢» تواليفه: قال شيخنا أبو البركات: وابتلي «٣» باختصار كتب الناس، فمن ذلك مختصره المسمّى ب «الدّرر المنظومة الموسومة، في اشتقاق حروف الهجا المرسومة» «٤» ، وكتاب في حكايات تسمى «روضة الجنان» «٥» ، وغير ذلك. وفاته: توفي في أواخر رمضان من عام تسعة وأربعين وسبعمائة، ودخل غرناطة غير مرة. محمد بن إدريس بن علي بن إبراهيم بن القاسم من أهل جزيرة شقر «٦» ، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن مرج الكحل «٧» . حاله: كان شاعرا مفلقا «٨» غزلا، بارع التّوليد، رقيق الغزل. وقال الأستاذ أبو جعفر: كان «٩» شاعرا مطبوعا، حسن الكفاية، ذاكرا للأدب، متصرّفا فيه. قال ابن عبد الملك: وكانت بينه وبين طائفة من أدباء عصره مخاطبات، ظهرت فيها إجادته. وكان مبتذل اللباس، على هيئة أهل البادية، ويقال إنه كان أمّيّا.

стр. 600

من أخذ عنه: روى عنه أبو جعفر بن عثمان الورّاد، وأبو الربيع بن سالم، وأبو عبد الله بن الأبّار، وابن عسكر، وابن أبي البقاء، وأبو محمد بن عبد الرحمن بن برطلة، وأبو الحسن الرعيني. شعره ودخوله غرناطة قال في عشيّة بنهر الغنداق، خارج «١» بلدنا لوشة بنت الحضرة، والمحسوب من دخلها فقد دخل إلبيرة، وقد قيل: إن «٢» هذا النهر من أحواز برجة، وهذا الخلاف داع إلى ذكره «٣» : [الكامل] عرّج بمنعرج الكثيب الأعفر ... بين الفرات وبين شطّ الكوثر ولنغتبقها «٤» قهوة ذهبيّة ... من راحتي أحوى المراشف «٥» أحور وعشيّة قد «٦» كنت أرقب وقتها ... سمحت بها الأيام بعد تعذّر نلنا بها آمالنا «٧» في روضة ... تهدي لناشقها «٨» شميم العنبر والدّهر من ندم «٩» يسفّه رأيه ... فيما مضى منه بغير تكدّر والورق تشدو والأراكة تنثني ... والشمس ترفل في قميص أصفر والرّوض بين مفضّض ومذهّب «١٠» ... والزّهر بين مدرهم ومدنّر والنهر مرقوم الأباطح والرّبى «١١» ... بمصندل من زهره ومعصفر وكأنّه وكأنّ خضرة شطّه ... سيف يسلّ على بساط أخضر وكأنما ذاك الحباب فرنده ... مهما طفا في صفحة كالجوهر وكأنّه، وجهاته محفوفة ... بالآس والنّعمان، خدّ معذّر

стр. 601

نهر يهيم بحسنه من لم يهم ... ويجيد فيه الشّعر من لم يشعر ما اصفرّ وجه الشمس عند غروبها ... إلّا لفرقة حسن ذاك المنظر ولا خفاء ببراعة هذا النظم «١» . وقال منها «٢» : أرأت جفونك مثله من منظر ... ظلّ وشمس مثل خدّ معذّر «٣» وهذا تتميم عجيب لم يسبق إليه. ثم قال منها: وقرارة كالعشر بين خميلة ... سالت مذانبها بها كالأسطر فكأنّها مشكولة بمصندل ... من يانع الأزهار أو بمعصفر أمل بلغناه بهضب حديقة ... قد طرّزته يد الغمام الممطر فكأنه والزّهر تاج فوقه ... ملك تجلّى في بساط أخضر راق النّواظر منه رائق منظر ... يصف النّضارة عن جنان الكوثر كم قاد خاطر خاطر مستوفز ... وكم استفزّ جماله من مبصر لو لاح لي فيما تقدّم «٤» لم أقل ... (عرّج بمنعرج الكثيب الأعفر) قال أبو الحسن الرّعيني، وأنشدني لنفسه «٥» : [الكامل] وعشيّة كانت قنيصة فتية ... ألفوا من الأدب الصّريح شيوخا فكأنما العنقاء قد نصبوا لها ... من الانحناء إلى الوقوع فخوخا شملتهم آدابهم فتجاذبوا ... سرّ السّرور محدّثا ومصيخا والورق تقرأ سيرة «٦» الطرب التي ... ينسيك منها ناسخا «٧» منسوخا والنهر قد صفحت به نارنجة ... فتيمّمت من كان فيه منيخا فتخالهم حلل «٨» السّماء كواكبا ... قد قارنت بسعودها المرّيخا خرق العوائد في السّرور نهارهم ... فجعلت أبياتي لهم «٩» تاريخا

стр. 602

ومن أبياته في البديهة «١» : [الوافر] وعندي من مراشفها «٢» حديث ... يخبّر أنّ ريقتها مدام وفي أجفانها» السّكرى دليل ... وما «٤» ذقنا ولا زعم الهمام تعالى الله ما أجرى دموعي ... إذا عنّت «٥» لمقلتي الخيام وأشجاني إذا لاحت بروق ... وأطربني إذا غنّت حمام «٦» ومن قصيدة «٧» : [الطويل] عذيري من الآمال خابت قصودها ... ونالت جزيل الحظّ منها الأخابث وقالوا: ذكرنا بالغنى، فأجبتهم ... خمولا وما ذكر مع البخل ماكث يهون علينا أن يبيد أثاثنا ... وتبقى علينا المكرمات الأثائث «٨» وما ضرّ أصلا طيّبا عدم الغنى ... إذا لم يغيّره من الدهر حادث وله يتشوق إلى أبي «٩» عمرو بن أبي غياث: [الوافر] أبا «١٠» عمرو متى تقضى الليالي ... بلقياكم وهنّ قصصن ريشي أبت نفسي هوى إلّا شريشا ... وما «١١» بعد الجزيرة من شريش وله من قصيدة «١٢» : [الكامل] طفل المساء وللنسيم تضوّع ... والأنس ينظم «١٣» شملنا ويجمّع والزّهر يضحك من بكاء غمامة ... ريعت لشيم سيوف برق تلمع والنّهر من طرب يصفّق موجه ... والغصن يرقص والحمامة تسجع فانعم أبا عمران واله بروضة ... حسن المصيف بها وطاب المربع

стр. 603

يا شادن البان الذي دون النقا ... حيث التقى وادي الحمى والأجرع الشمس يغرب نورها ولربما ... كسفت ونورك كلّ حين يسطع إن غاب نور الشمس بتنا «١» نتقي ... بسناك ليل تفرّق يتطلّع أفلت فناب سناك عن إشراقها ... وجلا من الظلماء ما يتوقّع فأمنت يا موسى الغروب ولم أقل ... «فوددت يا موسى لو أنّك يوشع» «٢» وقال «٣» : [الطويل] ألا بشّروا بالصبح من كان باكيا ... أضرّ به الليل الطويل مع البكا ففي الصبح للصّبّ المتيّم راحة ... إذا الليل أجرى دمعه وإذا شكا ولا عجب أن يمسك الصبح عبرتي ... فلم يزل الكافور للدّم ممسكا ومن بديع مقطوعاته قوله «٤» : [الرمل] مثل الرّزق الذي تطلبه ... مثل الظّلّ الذي يمشي معك أنت لا تدركه متّبعا ... فإذا ولّيت عنه أتبعك «٥» وقال «٦» : [الطويل] دخلتم فأفسدتم قلوبا بملككم «٧» ... فأنتم على ما جاء في سورة النّمل «٨» وبالعدل «٩» والإحسان لم تتخلّقوا ... فأنتم على ما جاء في سورة النحل «١٠»

стр. 604

وقال أبو بكر محمد بن محمد بن جهور: رأيت لابن مرج الكحل مرجا أحمر قد أجهد نفسه في خدمته فلم ينجب، فقلت «١» : [البسيط] يا مرج كحل ومن هذي المروج له ... ما كان أحوج هذا المرج للكحل يا حمرة «٢» الأرض من طيب ومن كرم ... فلا تكن طمعا في رزقها العجل فإنّ من شأنها إخلاف آملها ... فما تفارقها كيفيّة الخجل فقال مجيبا بما نصّه «٣» : [البسيط] يا قائلا إذ رأى مرجي وحمرته ... ما كان أحوج هذا المرج للكحل هو احمرار دماء الرّوم سيّلها ... بالبيض من مرّ من آبائي الأول أحببته أن حكى «٤» من فتنت به ... في حمرة الخدّ أو إخلافه أملي وفاته: توفي ببلده يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول سنة «٥» أربع وثلاثين وستمائة، ودفن في اليوم بعده. محمد بن محمد بن أحمد الأنصاري من أهل مرسية، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن الجنّان «٦» . حاله: كان «٧» محدّثا راوية، ضابطا، كاتبا بليغا، شاعرا بارعا، رائق الخطّ، ديّنا فاضلا، خيّرا، زكيّا «٨» . استكتبه بعض أمراء الأندلس، فكان يتبرّم من ذلك، ويقلق منه. ثم خلّصه الله تعالى «٩» منه. وكان من أعاجيب الزمان في إفراط القماءة «١٠» ، حتى يظنّ رائيه إذا «١١» استدبره أنه طفل ابن ثمانية أعوام أو نحوها، متناسب الخلقة، لطيف الشمائل، وقورا. خرج من بلده حين تمكّن العدو من بيضته «١٢» عام أربعين.

стр. 605

وستمائة، فاستقرّ بأوريولة «١» ، إلى أن استدعاه «٢» إلى سبتة الرئيس بها «٣» ، أبو علي بن خلاص «٤» ، فوفد عليه، فأجلّ وفادته، وأجزل إفادته، وحظي عنده حظوة تامة. ثم توجّه إلى إفريقية، فاستقرّ ببجاية. وكانت بينه وبين كتّاب عصره مكاتبات ظهرت فيها براعته. مشيخته: روى «٥» ببلده وغيرها «٦» عن أبي بكر عزيز بن خطّاب، وأبي الحسن «٧» سهل بن مالك، وابن قطرال، وأبي الرّبيع بن سالم، وأبي عيسى بن أبي السّداد، وأبي علي الشّلوبين، وغيرهم. من روى عنه: روى عنه صهره أبو القاسم بن نبيل، وأبو الحسن محمد بن رزيق. شعره: قال القاضي أبو عبد الله بن عبد الملك: وكان له في الزّهد، ومدح النبيّ ﷺ ، بدائع، ونظم في المواعظ للمذكّرين كثيرا. فمن ذلك قوله في توديع رمضان وليلة القدر: [الطويل] مضى رمضان كأن «٨» بك قد مضى ... وغاب سناه بعد ما كان أومضا فيا عهده ما كان أكرم معهدا ... ويا عصره أعزر عليّ أن انقضا ألمّ بنا كالطيف في الصيف زائرا ... فخيّم فينا ساعة ثم قوّضا فياليت شعري إذ نوى غربة النّوى ... أبالسّخط عنّا قد تولّى أم الرّضا؟ قضى الحقّ فينا بالفضيلة جاهدا ... فأي فتى فينا له الحق قد قضا؟ وكم من يد بيضاء أسدى لذي تقى ... بتوبته فيه الصحائف بيّضا وكم حسن قد زاده حسنا وسنا ... محاه وبالإحسان والحسن عوّضا فلله من شهر كريم تعرّضت ... مكارمه إلّا لمن كان أعرضا

стр. 606

نفى بينه وبين شجوك «١» معلما ... وفي إثره أرسل جفونك فيّضا وقف بثنيّات الوداع فإنها ... تمحّص مشتاقا إليها وتمحضا وإن قضيت قبل التفرّق وقفة ... فمقضيها من ليلة القدر ما قضى فيا حسنها من ليلة جلّ قدرها ... وحضّ عليها الهاشميّ وحرّضا لعلّ بقايا الشهر وهي كريمة ... تبيّن سرّا للأواخر أغمضا وقد كان أضفى ورده كي يفيضه ... ولكن تلاحى من تلاحى فقيّضا وقال اطلبوها تسعدوا بطلابها ... فحرّك أرباب القلوب وأنهضا جزى الله عنّا أحمدا للجزاء «٢» ... على كرم أضفاه بردا وفضفضا وصلّى عليه من نبيّ مبارك ... رؤوف رحيم للرسالة مرتضى له عزّة أعلى من الشمس منزلا ... وعزمته أمضى من السّيف منتضى له الذّكر يهمي فضّ مسك ختامه ... تأرّج من ريّا فضائله الفضا عليه سلام الله ما انهلّ ساكب ... وذهّب موشيّ الرياض وفضّضا ومن ذلك قصيدة في الحج: [الطويل] مذاكرة الذّكرى تهيج اللّواعجا «٣» ... فعالجن أشجانا يكاثرن عالجا «٤» ركابا سرت بين العذيب وبارق ... نوافيج «٥» في تلك الشّعاب نواعجا «٦» تيمّمن من وادي الأراك منازلا ... يطرّينها في الأراك سجاسجا «٧» لهنّ من الأشواق حاد فإن ونت ... حداه يرجّعن الحنين أهازجا ألا بأبي تلك الركاب إذا سرت ... هوادي يملأن الفلاة هوادجا

стр. 607

براهم سوامح أو سراهم فأصبحوا ... رسوما على تلك الرسوم عوالجا لهم في منّى أسنى المنا ولدى الصّفا ... يرجّون من أهل الصّفاء «١» المناهجا سما بهم طوف ببيت طامح ... أراهم قبابا للعلى ومعارجا فأبدوا من اللّوعات ما كان كامنا ... وأذروا دموعا بل قلوبا مناضجا ولمّا دنوا نودوا هنيّا وأقبلوا ... إلى الرّكن من كل الفجاج أدراجا وقضّوا بتقبيل الجدار ولثمه ... حقوقا تقضّي للنفوس حوائجا إذا اعتنقوا تلك المعالم خلتهم ... أساور في إيمانها وجهالجا فلله ركب يمّموا نحو مكة ... لقد كرموا قصدا وحلّوا مناسجا أناخوا بأرجاء الرّجاء وعرّسوا ... فأصبح كلّ مايز «٢» القدح فالجا فبشرى «٣» لهم كم خوّلوا من كرامة ... فكانت لما قدّموه نتائجا بفتحهم باب القبول وللرّضا «٤» ... ووفدهم أضحى على الباب والجا تميّز أهل السّبق لكنّ غيرهم ... غدا همجا بين الخليقة هامجا أيلحق جلس «٥» للبيوت مداهم ... ولم يله «٦» في تلك المدارج دارجا؟ ألا ليت شعري للضرورة هل أرى ... إلى الله والبيت المحجّب خارجا؟ له الله من ذي كربة ليس يرتجى ... لمرتجّها «٧» يوما سوى الله فارجا قد أسهمت شتّى المسالك دونه ... فلا نهج يلقى فيه لله ناهجا يخوض بحار الذّنب ليس يهابها ... ويصعق ذعرا إن يرى البحر هائجا جبان إذا عنّ الهدى وإذا الهوى ... يعنّ له كان الجريء المهارجا يتيه ضلالا في غيابة همّه ... فلا حجر تهديه لرشد ولا حجا فواحربا لاح الصباح لمبصر ... وقلبي لم يبصر سوى الليل إذ سجا لعلّ شفيعي أن يكون معاجلا ... لداء ذنوب بالشّفاء معالجا فينشقني بيت الإله نوافحا ... ويعبق لي قبر النّبيّ نوافجا

стр. 608

فما لي لإمالتي «١» سوى حبّ أحمد ... وصلت له من قرب قلبي وشائجا عليه سلام الله من ذي صبابة ... حليف شجا يكنّى من البعد ناشجا ولو أنصفت أجفانه حقّ وجده ... سفكت دما للدموع موازجا كتابته: وكتابته شهيرة، تضرب بذكره فيها الأمثال، وتطوى عليه الخناصر. قالوا: لما عقد أمير المسلمين أبو عبد الله محمد بن يوسف بن هود البيعة لابنه الواثق بالإمارة من بعده، تولّى إنشاءها، وجعل الحاء المهملة سجعها مردفا إياها بالألف، نحو «صباحا» و «صلاحا» ، وما أشبه ذلك، طال مجموعها فناهزت الأربعين، وطاب مسمعها، فأحرزت بغية المستمعين، فكتب إليه أبو المطرّف ابن عميرة، رسالته الشهيرة، يداعبه في ذلك، وهي التي أولها: «تحييك الأقلام تحيّة كسرى، وتقف دون مداك حسرى» . ومنها في الغرض: «وما لك أمنت تغيّر الحالات، فشننت غارتك على الحاءات، ونفضت عنها المهارق، وبعثت في طلبها السّوابق، ولفظتها من الأفواه، وطلبتها بين الشّفاه، حتى شهد أهل اللسان بتزحزحها عن ذلك المكان، وتوارت بالحلوق، ولو تغلغلت إلى العروق، لآثرتها جيادك، واقتنصها قلمك ومدادك» . وهي طويلة. فراجعه بقوله: «ما «٢» هذه التحية الكسرويّة؟ وما هذا الرأي وما «٣» هذه الرويّة؟ أتنكيت من الأقلام؟ أم «٤» تبكيت من الأعلام؟ أم «٥» كلا الأمرين توجّه القصد إليه، وهو الحق مصدّقا لما بين يديه؟ وإلّا فعهدي بالقلم يتسامى عن عكسه «٦» ، ويترامى إلى الغاية البعيدة بنفسه، فمتى لانت أنابيبه للعاجم، ودانت أعاربه «٧» بدين الأعاجم؟ وا عجبا لقد استنوق الجمل «٨» ، واختلف القول والعمل، لأمر ما جدع أنفه قصير «٩» ، وارتدّ على عقبه الأعمى أبو بصير. أمس أستسقي من سحابه فلا يسقيني، وأستشفي بأسمائه فلا يشفيني. واليوم يحلّني محلّ أنو شروان، ويشكو مني شكوى اليزيديّة «١٠»

стр. 609

من بني مروان، ويزعم أني أبطلت سحره «١» كما أبطل سحر بردوران، ويخفي في نفسه ما الله مبديه «٢» ، ويستجدي بالأثر ما عند مستجديه. فمن أين جاءت هذه الطريقة المتّبعة، والطّريفة «٣» المبتدعة، أيظنّ أنّ معمّاه لا يفكّ «٤» ، وأنه لا يتجلّى «٥» هذا الشّك؟ هل هذا «٦» منه إلّا إمحاض التّيه، وإحماض تفتّيه، ونشوة من خمرة «٧» الهزل، ونخوة من ذي ولاية آمن العزل؟ تالله لولا محلّه من القسم، وفضله في تعليم النّسم، لأسمعته «٨» ما ينقطع به صلفه، وأودعته ما ينصدع به صدفه، وأشدت «٩» بشرف المشرقي ومجده «١٠» ، وأشرت إلى تعاليه عن اللّعب بجدّه. ولكن هو القلم الأول، فقوله على أحسن الوجوه يتأوّل، ومعدود في تهذيبه، كلّ ما لسانه يهذي به. وما أنسانيه «١١» ، إلّا الشيطان أياديه، أن أذكرها «١٢» ، وأنما أقول: [البسيط] ليت التحيّة كانت لي فأشكرها «١٣» ولا عتب إلّا على الحاء «١٤» ، المبرّحة بالبرحاء، فهي التي قيّمت «١٥» قيامتي في الأندية، وقامت عليّ قيام المعتدية «١٦» ، يتظلّم وهو عين الظالم، ويلين القول وتحته سمّ الأراقم «١٧» ، ولعمر البراعة وما نصعت «١٨» ، واليراعة وما صنعت، ما خامرني هواها «١٩» ، ولا كلفت بها دون سواها. ولقد عرضت نفسها عليّ مرارا، فأعرضت عنها ازورارا، ودفعتها عني بكل وجه، تارة بلطف وأخرى بنجه «٢٠» ،

стр. 610

وخفت منها السآمة، وقلت انكحي أسامة. فرضيت منها «١» بأبي جهم «٢» وسوء سلكته «٣» ، وابن أبي سفيان وصعلكته، وكانت أسرع من أمّ خارجة للخطبة، وأسمج من سجاح «٤» في استنجاح تلك الخطبة. ولقد كنت أخاف من انتقال الطباع في عترتها «٥» ، واستثقال الاجتماع من عشرتها «٦» ، وأرى من الغبن والسّفاه، أخذها وترك بنات الأفواه والشّفاه «٧» ، إذ هي أيسر مؤونة، وأكثر «٨» معونة، فغلطي «٩» فيها أن كانت بمنزل تتوارى صونا عن الشمس، ومن نسوة خفرات لا ينطقن إلّا بالهمس، ووجدتها أطوع من البنان للكفّ، والعنان للوكف «١٠» ، والمعنى للاسم، والمغنى للرّسم، والظّلّ للشخص، والمستبدل «١١» للنصّ. فما عرفت منها إلّا خبرا «١٢» أرضاه، حتى حسبتها من الحافظات للغيب بما حفظ الله، فعجبت لها الآن كيف زلّت نعلها، ونشزت فنشرت ما استكتمها بعلها، واضطربت في رأيها اضطراب المختار بن «١٣» أبي عبيد، وضربت في الأرض تسعى عليّ بكلّ مكر وكيد، وزعمت أنّ حرف «١٤» الجيم خدعها، وألان «١٥» أخدعها، وأخبرها أن سيبلّغ بخبرها الخابور «١٦» ، وأحضرها لصاحبها كما أحضر بين يدي قيصر سابور «١٧» ، فقد جاءت إفكا وزورا، وكثرت من أمرها شزورا «١٨» ، وكانت كالقوس أرنّت وقد أصمت القنيص، والمراودة قالت ما جَزاءُ «١٩» وهي التي قدّت

стр. 611

القميص «١» ، وربما يظنّ بها الصدق، وظنّ الغيب ترجيم، ويقال: لقد خفضت الحاء بالمجاورة لهذا الأمر الجسيم «٢» ، وتنتصر لها أختها «٣» التي خيّمت بين النرجسة والرّيحانة، وختمت السورة باسم جعلت ثانيه أكرم نبيّ على الله سبحانه، فإن امتعضت لهذه المتظلّمة «٤» ، تلك التي سبقت بكلمتها بشارة المتكلّمة «٥» ، فأنا ألوذ بعدلها، وأعوذ بفضلها، وأسألها أن تقضي قضاء مثلها، وتعمل بمقتضى: فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها «٦» على أنّ هذه التي قد أبدت مينها «٧» ، ونسيت الفضل بيني وبينها، أن قال الحكمان: منها كان النشوز، عادت حرورية «٨» العجوز، وقالت: التّحكّم «٩» في دين الله لا يجوز، فعند ذلك يحصحص «١٠» الحقّ، ويعلم من الأولى بالحكم والأحقّ، ويصيبها ما أصاب أروى، من دعوة سعيدة «١١» حين الدّعوى، ويا ويحها أن «١٢» أرادت أن تجني عليّ فجنت لي، وأناخت لي مركب السعادة وما ابتغت إلّا ختلي، فأتى شرّها بالخير، وجاء النّفع من طريق ذلك الضّير. أتراها علمت بما يثيره اعوجاجها، وينجلي عنه عجاجها؟ فقد أفادت عظيم الفوائد، ونظيم الفرائد، ونفس الفخر، ونفيس الذّخر «١٣» ، وهي لا تنكر «١٤» أن كانت من الأسباب، ولا تذكر إلّا يوم الملاحاة والسّباب. وإنما يستوجب الشكر جسيما، والثناء الذي يتضوّع نسيما، الذي شرّف إذ أهدى أشرف السّحاءات، وعرّف بما كان من انتحاء تلك الحاء المذمومة في الحاءات، فإنه وإن ألمّ بالفكاهة، فما أملى «١٥» من البداهة، وسمّى باسم السابق السّكيت، وكان من أمر مداعبته كيت وكيت، وتلاعب بالصّفات «١٦» ، تلاعب السّيل بالصفاة، والصّبا بالبانة، والصّبا بالعاشق ذي اللّبانة، فقد أغرب بفنونه، وأغرى

стр. 612

القلوب بفتونه، ونفث بجفنه «١» الأطراف، وعبث من الكلام المشقّق الأطراف «٢» ، وعلم كيف يلخّص «٣» البيان، ويخلّص العقيان. فمن الحقّ أن أشكره على أياديه البيض، وأن آخذ لفظه «٤» من معناه في طرف النقيض. تالله أيها الإمام الأكبر، والغمام المستمطر، والخبر «٥» الذي يشفي سائله، والبحر الذي لا يرى ساحله، ما أنا المراد بهذا المسلك، ومن أين حصل «٦» النور لهذا الحلك؟ وصحّ أن يقاس بين الحدّاد والملك؟ إنه لتواضع الأعزّة، وما يكون للأكارم «٧» عند المكارم من العزّة، وتحريض الشيخ للتلميذ، في «٨» إجازة الوضوء بالنّبيذ. ولو حضر الذي قضي له بجانب الغربيّ أمر البلاغة، وارتضى ما له في هذه الصناعة، من حسن السّبك لحليتها «٩» والصّياغة، وأطاعته فيما أطلعته طاعة القوافي الحسان، وأتبعته فيما جمعته لكن بغير إحسان، لأذعن كما أذعنت، وظعن عن محلّ دعوى «١٠» الإجادة كما ظعنت، وأنّى يضاهى الفرات المعين «١١» بالنّغبة «١٢» ، ويباهى بالفلوس من أوتي من الكنوز ما أنّ مفاتحه لتنوء بالعصبة، وأي حظّ للكلالة في النّشب «١٣» ، وقد اتصل للورثة عمود النّسب. هيهات والله بعد «١٤» المطلب، وشتّان الدّرّ والخشلب «١٥» ، وقد سيم الغلب، ورجع إلى قيادة السّلب، وإن كنّا ممّن تقدّم لشدّة الظمإ إلى المنهل، وكمن أقدم إلى عين تبوك بعد النّهي للعل والنّهل. فقد ظهرت بذلك «١٦» المعجزة عيانا، وملئ ما هناك «١٧» جنانا، وما تعرّضنا بإساءة الأدب واللّوم، ولكن علمنا أن آخر الشّرب «١٨» ساقي القوم، وإن أسهبنا فما نلنا رتبة ذلك الإيجاز، وإن أعرقنا فهوانا في الحجاز، فلكم قصيرات الحجال، ولنا قصيرات الخطا في هذا المجال، وإكثارنا في قلّة، وجارنا من الفقر في فقر وذلّة. ومن لنا بواحدة يشرق ضياؤها، ويخفي النجوم خجلها منها وحياؤها؟ إن لم تطل فلأنها للفروع كالأصل، وفي المجموع «١٩» كليلة الوصل. فلو سطع نورها الزاهر، ونورها الذي تطيب منه

стр. 613

الأنوار الأزاهر، لسجدت النّيران ليوسف ذلك الجمال، ووجدت نفحات ريّاها في أعطاف الجنوب والشمال، وأسرعت نحوها النفوس إسراع الحجيج يوم النّفر، وسار خبرها وسرى فصار حديث المقيمين والسّفر. وما أظن «١» تلك السّاخرة في تدلّيها «٢» ، إلّا السّاحرة بتجنّيها، إذ كانت ربيبتها، بل ربيئتها، هذه التي سبقتني لمّا سقتني بسينها «٣» ، ووجدت ريحها، لما فصلت من مصرها غيرها «٤» وحين وصلت لم يدلني على سابقها «٥» إلّا عبيرها، وكم رامت أن تستتر عني بليل حبرها في هذه المغاني، فأغراني بهاؤها وكل مغرم مغرى ببياض صبح الألفاظ والمعاني. وهل كان ينفعها تلفّحها بمرطها وتلفّعها؟ إذ نادتها المودّة، فقد عرفناك يا سودة. فأقبلت على شمّ نشرها وعرفها، ولثم سطرها وحرفها، وقريتها الثناء الحافل، وقرأتها فزيّنت بها المحاضر والمحافل «٦» . ورمت أمر الجواب، فغرّتني «٧» في الخطاب، لكن رسمت هذه الرّقعة التي هي لديكم بعجزي واشية، وإليكم منيّ على استحياء ماشية، وإن رقّ وجهها فما رقّت لها حاشية، فمنوا بقبولها على علّاتها «٨» ، وانقعوا بماء سماحتكم حرّ غللها، فإنها وافدة من استقرّ قلبه عندكم وثوى، وأقرّ بأنه يلقط في هذه الصناعة ما يلقى للمساكين من النّوى. بقيتم، سيدي الأعلى «٩» للفضل والإغضاء، ودمتم غرّة في جبين السّمحة البيضاء، واقتضيتم السعادة المتّصلة مدّة الاقتضاء، بيمن الله سبحانه. انتهى. ومحاسنه عديدة، وآماده بعيدة. دخوله غرناطة: دخلها مع المتوكل مخدومه، أو وجده بها. من روى عنه: روي عن أبي الحسن سهل بن مالك. وفاته: قال الأستاذ في الصلة «١٠» : انتقل إلى بجاية فتوفي بها في عشر الخمسين وستمائة «١١» .

стр. 614

محمد بن محمد بن أحمد بن شلبطور الهاشمي «١» من أهل «٢» ألمريّة، يكنى أبا عبد الله، من وجوه بلده وأعيانه، نشأ نبيه البيت، ساحبا بنفسه وبماله ذيل الحظوة، متحلّيا بخصل من خطّ وأدب، وزيرا، متجنّدا، ظريفا، دربا على ركوب البحر وقيادة الأساطيل. ثم انحطّ في هواه انحطاطا أضاع مروءته، واستهلك عقاره، وهدّ بيته، وألجأه أخيرا إلى اللّحاق بالعدوة فهلك بها. وجرى ذكره في الإكليل بما نصّه «٣» : مجموع شعر وخطّ، وذكاء عن درجة الظّرفاء غير منحطّ، إلى مجادة أثيلة البيت، شهيرة الحيّ والميت. نشأ في حجر التّرف والنعمة، محفوفا بالماليّة الجمّة، فلما غفل «٤» عن ذاته، وترعرع بين لداته، أجرى خيول لذّاته، فلم يدع منها ربعا إلّا أقفره، ولا عقارا إلّا عقره، حتى حطّ بساحلها، واستولى بسعر «٥» الإنفاق على جميع مراحلها، إلّا أنه خلص بنفس طيّبة، وسراوة سماؤها صيّبة، وتمتّع ما شاء من زير وبمّ «٦» ، وتأنّس لا يعطي «٧» القياد لهمّ. وفي عفو الله سعة، وليس مع التوكل على الله ضعة. شعره: من شعره «٨» قوله يمدح السلطان، وأنشدها إياه بالمضارب من وادي الغيران عند قدومه من ألمرية «٩» : [الطويل] أثغرك أم سمط من الدّرّ ينظم؟ ... وريقك أم مسك به الرّاح تختم؟ ووجهك أم باد من الصّبح نيّر؟ ... وفرعك أم داج من الليل مظلم؟ أعلّل منك النفس والوجد متلفي ... وهل ينفع التّعليل والخطب أعظم ١» ؟ وأقنع من طيف الخيال يزورني «١١» ... لو أنّ جفوني بالمنام تنعم حملت الهوى حينا فلمّا علمته ... سلوت لأني بالمكارم مغرم

стр. 615

ولي في أمير المسلمين محبّة ... فؤادي مشغوف بها ومتيّم بلغت المنى لما لثمت يمينه ... فها أنذا في جنّة الخلد أنعم يصوغ قومي الشّعر في طيب ذكره ... ويحسن فيه النّظم من ليس ينظم فاستمسك الدّين الحنيف زمانه ... وقام منار الحقّ والشّرك مغرم له نظر في المشكلات مؤيّد ... والله مهد إلى الرشد ملهم ويستغرق طارحا فيه وابل جوده ... فمن فعله في جوده يتعلم فلو أن أملاك البسيطة أنصفوا ... لألقوا إليه الأمر طوعا وسلّموا وفي الدّين والدنيا وفي البأس والنّدى ... لكم يا بني نصر مقام معظّم ومنها: إليك أمير المسلمين اقتضيتها ... حمائل شكر طيرها مترنّم تنمّ بعرف المسك أنفاسها ... إذا يفوه لراو في الندى بها فم فباسمك سيّرت في المسامع ذكرها ... ويغزى في أقصى البلاد ويشمم ولو أنني في المدح سحبان وائل ... وأنجدني فيه حبيب ومسلم لما كنت إلّا عن علاك مقصّر ... ومن بعض ما نشدت وتولي وتنعم بقيت ملاذا للأنام ورحمة ... وساعدك الإسعاد حيث يتمّم ومن شعره مذيّلا على البيت الأخير حسبما نسب إليه «١» : [البسيط] نامت جفونك يا سؤلي ولم أنم ... ما ذاك إلّا لفرط الوجد والألم «٢» أشكو إلى الله ما بي من محبّتكم ... فهو العليم بما نلقى من السّقم «٣» «إن كان سفك دمي أقصى مرادكم ... فما غلت نظرة منكم بسفك دمي» وممّا نسب إليه كذلك «٤» : [السريع] قف بي وناد بين تلك الطّلول ... أين الألى كانوا عليها نزول أين ليالينا بهم والمنى ... نجنيه غضّا بالرضا والقبول لا حمّلوا بعض الذي حمّلوا ... يوم تولّت بالقباب الحمول إن غبتم يا أهل نجد ففي ... قلبي أنتم وضلوعي حلول

стр. 616

وممّا خاطبني «١» به: [الرجز] تالله ما أورى زناد القلق ... سوى ريح «٢» لاح لي بالأبرق «٣» أيقنت بالحين «٤» فلولا نفحة ... نجديّة منكم تلافت رمقي لكنت أقضي بتلظّي زفرة ... وحسرة بين الدموع «٥» تلتقي فآه من هول النّوى وما جنى ... على القلوب موقف التّفرّق يا حاكي الغصن انثنى متوّجا ... بالبدر تحت لمّة من غسق الله في نفس معنّى أقصدت ... من لاعج الشّوق بما لم تطق أتى على أكثرها برح «٦» الأسى ... دع ما مضى منها وأدرك ما بقي ولو بإلمام خيال في الكرى ... إن ساعد الجفن رقيب الأرق فربّ زور من خيال زائر ... أقرّ عينيّ وإن لم يصدق شفيت «٧» من برح الأسى لو أنّ من ... أصبح رقّي في يديه معتقي ففي معاناة الليالي عائق ... عن التّصابي وفنون القلق وفي ضمان ما يعاني المرء من ... نوائب الدهر مشيب المفرق هذا لعمري مع أني لم أبت ... منها بشكوى روعة أو فرق «٨» فقد أخذت من خطوب غدرها ... بابن الخطيب الأمن ممّا أتّقي «٩» فخر الوزارة الذي ما مثله ... بدر علا في مغرب أو مشرق ومذ أرانيه زماني لم أبل «١٠» ... من صرفه من مرعد «١١» أو مبرق لا سيما منذ «١٢» حططت في حمى ... جواره «١٣» الأمنع رحل أينقي أيقنت أني في رجائي لم أخب ... وأنّ مسعى بغيتي لم يخفق ندب له في كلّ حسن آية ... تناسبت في الخلق أو في «١٤» الخلق

стр. 617

في وجهه مسحة بشر إن بدت ... تبهرجت أنوار شمس الأفق تعتبر الأبصار في لألئها «١» ... عليه من نور السّماح المشرق كالدهر في استينائه وبطشه ... كالسيف في حدّ الظّبا والرونق إن بخل الغيث استهلّت يده «٢» ... بوابل من غيث جود غدق وإن وشت صفحة طرس انجلى ... ليل دجاها عن سنى مؤتلق بمثلها من حبرات أخجلت ... حواشي الرّوض خدود المهرق ما راق في الآذان أشناف سوى ... ملتقطات لفظه المفترق تودّ أجياد الغواني أن يرى ... حليّها من درّ ذاك المنطق فسل به هل آده «٣» الأمر الذي ... حمّل في شرخ الشباب المونق؟ إذا رأى الرّأي فلا يخطئه ... يمن اختيار للطريق الأوفق إيه أبا عبد الإله هاكها ... عذراء تحثو في وجوه السّبق خذها إليك بكر فكر يزدري ... لديك بالأعشى لدى المحلّق «٤» لا زلت مرهوب الجناب مرتجى ... موصول عزّ في سعود ترتقي مبلّغ الآمال فيما تبتغي ... مؤمّن الأغراض فيما «٥» تتّقي ناب «٦» في القيادة البحرية عن خاله القائد أبي علي الرّنداحي، وولّي أسطول المنكّب برهة. توفي «٧» بمراكش في «٨» عام خمسة وخمسين وسبعمائة ﵀. محمد بن محمد بن جعفر بن مشتمل الأسلمي من أهل ألمرية، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بالبلياني.

стр. 618

حاله: قال شيخنا أبو البركات: ناب عني في بعض الأعمال بألمريّة، وخطب بنحانس من غربيها، ثم خطب بحمة مرشانة، وهو الآن بها، وعقد الشروط قبل بألمريّة. عفيف طاهر الذّيل، نبيل الأغراض، مهذّب الأخلاق، قيّم على القراءات والنحو والأدب، جيّد الشعر والكتابة...... «١» من الضبط، وإجادة العبارة عن المعنى المراد. تواليفه: قال: له رجز في علم الكلام جيد، ورجز آخر في ألفاظ فصيح ثعلب، عريّ عن الحشو، على تقعير فيه يغتفر لما جمع من اقتصاره، وله تأليف في الوباء «٢» سماه بإصلاح النّيّة في المسألة «٣» الطاعونية. مشيخته: قال: أخذ عنّي وعن أبيه جملة من الدواوين، وعن غيري من أهل بلده. شعره: قال: ومما أنشدني من شعره قوله: [الطويل] هفا بي من بين المغاني عقيقها ... ومن بينه انفضّت لعيني عقيقها ومالت من البيداء عنها قبابه «٤» ... وأشرقني بالدمع منها شروقها يهيّج أنفاسي غراما نسيمها ... وتقدح نار الشوق عندي بروقها ومن دون واديها ظباء «٥» خوادل «٦» ... حكى لحظها ماضي الشّفار رقيقها فلو برزت للشمس «٧» منهنّ في الضحى ... مخدّرة أضحت كمالا تفوقها نسيم الصّبا، إن سيّرت نحو الحمى ... تحيّي «٨» الدّيار النّازحات تشوقها غريب كئيب مستهام متيّم ... جريح الجفون السّاهرات عريقها فهل عطفة ترجى وهل أمل يرى ... بعودة أيام تقضّى أنيقها؟ سقتنا ومن أدمع الصّبّ جودها «٩» ... ومن «١٠» ديم الغيث الملتّات ريقها

стр. 619

قال: وأنشدني أيضا، وقال: كلفت إجازة هذا البيت الأول من هذه القصيدة، إذ ليس لي: [الكامل] من عادلي؟ من ناصري أو منصفي «١» ؟ ... هذا دمي «٢» سفكته بنت المنصف أو من يخلّصني وقد أوهى صحي ... ح الجسم منّي لحظ طرف مدنف جفن تحيّر والهوى يهديه ... لفؤاد كلّ من الهوى لم يألف متناعس يهدي السّهاد ويصرع ال ... بطل الكميّ بلحظه المتضعّف تبدو وتشدو للعيون وللمسا ... مع فهي بين مكحّل ومشنّف ملكت بصنعتها عنان عنانها ... وعدت عليها كأنّها «٣» لم تعرف تغني إذا غنّت بطيب صوتها ... عن أن يزوّد لحنها بالمعزف أمّا تغنّت أو تثنّت تهتف ... قمريّ نغمتها وغضّ المعطف يأتي على تكرار «٤» ما غنّت به ... صدقا بكلّ غريب مستطرف «٥» تهدي النفوس «٦» على اختلاف طباعها ... من نبلها ما تشتهي بتلطّف كنّا وجفن الدهر عنّا ناعس ... من «٧» خلف ستر للأمان مسجّف حتى وشى بالسّر دهر حاسد ... كلف بتنغيص الكريم الأشرف واخجلتا إن لم أمت يوم النّوى ... لهفا وما إن كنت بعد بمنصف لكنني مما نحلت وذبت لم ... يرني الحمام فكنت عنه أختفي «٨» كم ذا أبيت وليس لي من مسعد ... في حالتي غير الدموع الذّرف يا هل ترى هذا الزمان وصرفه ... هل يسمحان بعودة وتألّف؟ صبرا أبا يعقوبهم فهي النّوى ... لولا همت شوقا للقيا يوسف قال: وأنشدني أيضا لنفسه، والبيت الأخير لغيره: [البسيط] ما للأحبّة في أحكامهم جاروا؟ ... نأوا جميعا فلا خلّ ولا جار

стр. 620

كيف البقاء «١» وقد بانت قبابهم ... وقد خلت منهم وا أسفي الدّار؟ حداة تمسهم بالقلب قد رحلوا ... يا ليتهم حملوا الجثمان إذ ساروا «٢» جار الزمان علينا في فراقهم ... من قبل أن تنقضي للصّبّ أوطار ساروا فخيّمت الأشواق بعدهم ... ما لي عليها سوى الآماق أنصار تراك يا ربعهم ترجو رجوعهم؟ ... يا ليت لو ساعدت في ذاك أقدار ودّعت منهم شموسا ما مطالعها ... إلّا من الوشي أطواق وأزرار أستودع الله من فاز الفراق بهم ... وخلّفونا «٣» ودمع العين مدرار قلت: ولا خفاء بتخلّف هذا النمط عن الإجادة، والله يقبض ويبسط، وشافعنا عرض الإكثار. وفاته: توفي في آخر أربعة وستين وسبعمائة. محمد بن محمد بن حزب الله «٤» من أهل وادي آش، يكنى أبا عبد الله، ويعرف باسم جدّه. حاله: دمث، متخلق، سهل الجانب، كثير الدّعابة، خفيف الروح، له خطّ حسن، ووراقة بديعة، وإحكام لبعض العملية، واقتدار على النظم. اتصل بباب السلطان ملك المغرب، وارتسم كاتبا مع الجملة، فارتاش، وحسنت حاله. وجرى ذكره في الإكليل الزاهر بما نصّه: راقم «٥» واشي، رقيق الجوانب والحواشي، تزهى بخطّه المهارق والطروس، وتتجلّى في حلل بدائعه كما تتجلّى العروس، إلى خلق كثير التجمل، ونفس عظيمة التحمّل. ودود سهل الجانب، عذب المذانب. لمّا قضيت الوقيعة بطريف «٦» ، أقال الله عثارها، وعجّل ثارها، قذف به موج ذلك البحر، وتفلّت إفلات الهدي المقرب إلى النحر، ورمى به إلى رندة القرار، وقد عرى من أثوابه كما عرى الغرار، فتعرّف للحين بأديبها المفلق، وبارقها المتألق

стр. 621

أبي الحجاج المنتشافري، فراقه ببشر لقائه، ونهل على الظمأ في سقائه، وكانت بينهما مخاطبات، أنشدنيها بعد إيابه، وأخبرني بما كان من ذهاب زاده وسلب ثيابه. وخاطبني من شرح حاله في ارتحاله بما نصّه: ولما دخلت رندة الأنيقة البطاح، المحتوية على الأدب والسّماح، والعلم والصلاح، أبرز القدر أن لقيت بها شيخنا المعمّر رئيس الأدباء، وقدوة الفقهاء، أبا الحجاج المنتشافري، وكنت لم أشاهده قبل هذا العيان، ولا سمح لي بلقائه صرف الزمان، ولم أزل أكلف بمقطوعاته العجيبة، وأولع بضرائبه الغريبة، وتأتي منه مخاطبات تزري بالعقود بهجة، وتطير لها العقود لهجة. نظم كما تنفّس الصبح عن تسيمه، ونثر كما تأسس الدّر بتنظيمه، فأحلّني منه محلّ الروح من الجسد، وشهد لي أني أعزّ من عليه ورد، ورآني قد ظهرت على مضاضة الاكتئاب، لكوني قريب عهد بالإياب، مهزوما انهزام الأحزاب، خالي الوطاب «١» ، نزر الثياب، فقال: فيم الجزع، ذهب بحول الله الخوف وأمن الفزع، فأجبته عجلا، وقلت أخاطبه مرتجلا: [الكامل] لا تجزعي، نفسي، لفقد معاشري ... وذهاب مالي في سبيل القادر يا رندة «٢» ، ها أنت خير بلاده ... وبها أبو حجاج المنتشافري سيريك حسن فرائد من نظمه ... فتزيل كل كآبة في الخاطر فأجابني مرتجلا: [الكامل] سرّاي، يا قلبي المشوق، وناظري، ... بمزار ذي الشّرف السّنيّ الطاهر روض المعارف زهرها الزّاهي ... أوصافه «٣» أعيت ثناء «٤» الشاكر ولواد آش من «٥» فخار لم يزل ... من كابن حزب الله نور النّاظر وافى يشرّف رندة بقدومه ... فغدت به أفقا لبدر زاهر من روضة الأدباء أبدى زهرة ... قد أينعت عن فكر حبر ماهر جمع المآثر بالسّناء «٦» وبالسّنا ... أعظم به من صانع لمآثر ما زلت أسمع من ثناه مآثرا ... كانت لسامعها معا والذّاكر

стр. 622

حتى رأى بصري حقائق وصفه ... فتنعّمت كالأقمار نواظري «١» لا زال محبوّا بكل مسرّة ... تجري له بالحظّ حكم مغادر ثم خاطبه القاضي المنتشاقري بعد انصرافه إلى وطنه بقوله: [المتقارب] أبى الدّمع بعدك إلّا انفجارا ... لدهر ببعدك في الحكم جارا أذاق اللقاء الحلو لو لم يصل «٢» ... به للنّوى جرعات مرارا رعى الله لمح ذاك اللقاء ... وإن يك أشواقنا قد أثارا قصاراي شكواي طول النوى ... وفقدي أناة وصل قصارا سقتني القداح ومن بعده ... فؤادي «٣» القريح قد اذكت أوارا ألا يا صبا، هبّ من أربعي ... إلى وادي آشي «٤» تحي الدّيارا ألا خصّ من ربعها منزلا ... بأربابه الأكرمين استنارا وهم إلى حزب الإله الألى «٥» ... تساموا فخارا وطابوا نجارا فأجابه بأبيات منها «٦» : تألّق برق العلا واستنارا ... فأجّج إذ لاح في القلب نارا وذكّرني وقت «٧» أنس مضى ... برندة حيث الجلال استشارا «٨» وكانت لنفسي سنا «٩» في حماها ... طوالا فأصبحت «١٠» لديها قصارا فأجريت دمع العيون اشتياقا ... ففاضت لأجل فراقي بحارا وقالت لي النّفس من لم يجد ... نصيرا سوى الدّمع قلّ انتصارا قطعت المنى عندها لمحة ... وودّعتها وامتطيت القفارا وضيّعت تلك المنى غفلة ... ووافيت أبغي المنى «١١» ديارا «١٢» ومنها: أرقت لذاك السّنا ليلة ... وما نومها ذقت إلّا غرارا

стр. 623

وجسمي أجلّ الجسوم التهابا ... وقلبي أشدّ القلوب انكسارا إلى أن تجرّعت كأس النّوى ... وقلت زماني على الشّمل جارا وصبّرت نفسي لفقدانها ... هنالك بالرّغم ليس اختيارا وقال من قصيدة «١» : [الطويل] حننت «٢» لبرق لاح من سرحتي نجد ... حنين تهاميّ «٣» يحنّ «٤» إلى نجد وقلت لعلّ القلب تبرا كلومه ... ومن ذا يصدّ النار عن شيمة الوقد؟ لكن «٥» شاركتني في المحبّة فرقة ... فها أنا في وجدي وفي كلفي وحدي «٦» وهو إلى هذا العهد بالحال الموصوفة. محمد بن إبراهيم بن عيسى بن داود الحميري «٧» من أهل مالقة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن عيسى. حاله: كان أديبا، حسن الخطّ، جيّد النظم، متظرّفا، لوذعيّا، مطبوعا، منحطّا في هواه، جامحا في ميدان بطالته، معاقرا للنّبيذ، على حفظ للرسم، واضطلاع بالخدمة، وإيثار للمروءة، ومعرفة بمقادير الأمور، وتشبّث بأذيال الحظوة. كتب للرئاسة السّعيدية بمالقة، ونظر على ألقاب جبايتها، وانتفع الناس بجاهه وماله، ووقع الثناء على حسن وساطته. ثم سافر عنها، وقد سمت مجادة السلطان في غرض انتقالها إلى العدوة، معوّضة بمدينة سلا من مالقة. وكان ما كان من معاجلة الأمر، والقبض على الريّس، وقيام ولده بالأمر، فانبتّ المذكور بالعدوة، وكانت بها وفاته. وجرى ذكره في الإكليل الزاهر بما نصه «٨» : علم من أعلام هذا الفن،

стр. 624

ومشعشعي «١» راح هذا الدّن، بمجموع «٢» أدوات، وفارس يراعة ودواة «٣» ، ظريف المنزع، أنيق المرأى والمسمع، اختصّ بالرئاسة وأدار «٤» فلك إمارتها، واتّسم باسم كتابتها ووزارتها، ناهضا بالأعباء، راقيا «٥» في درج «٦» التقريب والاجتباء، مصانعا دهره في راح وراحة، آويا إلى فضل وسماحة، وخصب ساحة، كلما فرغ من شأن خدمته، وانصرف عن ربّ نعمته، عقد شربا، وأطفأ من الاهتمام بغير الأيام حربا، وعكف على صوت يستعيده، وظرف يبديه ويعيده. فلما تقلّبت «٧» بالرئاسة الحال، وقوّضت منها الرحال، استقرّ بالمغرب غريبا، يقلّب طرفا مستريبا، ويلحظ الدنيا تبعة عليه وتثريبا «٨» ، وإن كان لم يعدم من أمرائها «٩» حظوة وتقريبا، وما برح يبوح بشجنه، ويرتاح إلى عهود وطنه. شعره وكتابته: ممّا كتبه، وبيّن فيه أدبه قوله «١٠» : [الكامل] يا نازحين ولم أفارق منهم ... شوقا تأجّج في الضّلوع «١١» ضرامه غيّبتم عن ناظري وشخصكم ... حيث استقرّ من الضلوع مقامه رمت النّوى شملي فشتّت نظمه ... والبين رام لا تطيش سهامه وقد اعتدى فينا وجدّ مبالغا ... وجرت بمحكم جوره أحكامه أترى الزمان مؤخّرا في مدّتي ... حتى أراه قد انقضت أيّامه تحملها «١٢» يا نسيم نجديّة النّفحات، وجديّة اللّفحات، يؤدي «١٣» عني نغمها إلى الأحبّة سلاما، ويورد «١٤» عليهم لفحها بردا وسلاما، ولا تقل كيف تحمّلني نارا، وترسل على الأحبّة مني إعصارا، كلّا إذا أهديتهم تحية إيناسي، وآنسوا من جانب هبوبك نار ضرام أنفاسي، وارتاحوا إلى هبوبك، واهتزّوا في كفّ مسرى جنوبك،

стр. 625

وتعللّوا بها تعليلا، وأوسعوا آثار مهبّك تقبيلا، أرسلها عليهم بليلا، وخاطبهم بلطافة تلطفّك تعليلا. ألم تروني كيف جئتكم بما حملني عليلا «١» : [الوافر] كذاك «٢» تركته ملقى بأرض ... له فيها التعلّل بالرّياح إذا هبّت إليه صبا إليها ... وإن جاءته من كلّ النواحي تساعده الحمائم حين يبكي ... فما ينفكّ موصول النّياح «٣» يخاطبهنّ مهما طرن شوقا ... أما فيكنّ واهبة «٤» الجناح؟ ولولا «٥» تعلّله بالأماني، وتحدّث نفسه بزمان التّداني، لكان قد قضى نحبه، ولم أبلّغكم إلّا نعيه أو ندبه، لكنه يتعلّل من الآمال بالوعد الممطول، ويتطارح باقتراحاته على الزمن المجهول، ويحدّث نفسه وقد قنعت من بروق الآمال بالخلّب «٦» ، ووثقت بمواعيد الدهر القلّب «٧» ، فيناجيها بوحي ضميره، وإيماء تصويره: كيف أجدك يوم الالتقاء بالأحباب، والتخلّص من ربقة الاغتراب؟ أبائنة الحضور أم بادية الاضطراب؟ كأنّي بك وقد استفزّك وله السرور، فصرفك عن مشاهدة الحضور، وعاقتك غشاوة الاستعبار للاستبشار، عن اجتلاء محيّا ذلك النهار «٨» : [البسيط] يوم يداوي زماناتي من ازماني ... أزال «٩» تنغيص أحياني فأحياني جعلت لله نذرا صومه أبدا ... أفي به وأوفّي شرط إيماني إذا ارتفعنا وزال البعد وانقطعت ... أشطان دهر قد التفّت بأشطاني «١٠» أعدّه «١١» خير أعياد الزمان إذا ... أوطاني السّعد فيه ترب أوطاني أرأيت «١٢» كيف ارتياحي إلى التّذكار، وانقيادي إلى معلّلات توهّمات الأفكار؟ كأنّ البعد باستغراقها قد طويت شقّته، وذهبت عني مشقّته، وكأنّي بالتّخيّل بين تلك

стр. 626

الخمائل أتنسّم صباها، وأتسنّم رباها «١» ، وأجتني أزهارها، وأجتلي أنوارها، وأجول في خمائلها، وأتنعّم ببكرها وأصائلها، وأطوف بمعالمها، وأتنشّق أزهار كمائمها، وأصيخ بأذن الشّوق «٢» إلى سجع حمائمها، وقد داخلتني الأفراح، ونالت منّي نشوة الارتياح، ودنا السّرور لتوسّم «٣» ذهاب الأتراح. فلمّا أفقت من غمرات سكري، ووثبت من هفوات فكري، وجدت «٤» مرارة ما شابه لبّي «٥» في استغراق دهري، وكأنّي من حينئذ عالجت وقفة الفراق، وابتدأت منازعة الأشواق، وكأنما أغمضتني «٦» للنّوم، وسمح لي بتلك الفكرة الحلم «٧» : [الكامل] ذكر الدّيار فهاجه تذكاره ... وسرت به من حينه أفكاره فاحتلّ منها حيث كان حلوله ... بالوهم فيها واستقرّ قراره ما أقرب الآمال من غفواته ... لو أنها قضيت بها أوطاره «٨» فإذا جئتها أيها القادم، والأصيل قد خلع عليها بردا مورّسا، والربيع قد مدّ على القيعان منها سندسا، اتّخذها «٩» فديتك معرّسا «١٠» ، واجرر ذيولك فيها متبخترا «١١» ، وبثّ فيها من طيب نفحاتك عنبرا، وافتق عليها من نوافج «١٢» أنفاسك مسكا أذفرا، واعطف معاطف «١٣» بانها، وأرقص قضب ريحانها، وصافح صفحات نهرها، ونافح «١٤» نفحات زهرها. هذه كلّها أمارات، وعن أسرار مقاصدي عبارات، هنالك تنتعش بها صبابات، تعالج صبابات، تتعلّل بإقبالك، وتعكف على لثم أذيالك، وتبدو لك في صفة الفاني المتهالك، لاطفها بلطافة

стр. 627

اعتلالك، وترفّق بها ترفّق أمثالك، فإذا مالت «١» بهم إلى هواك الأشواق، ولووا إليك الأرؤس والأعناق، وسألوك عن اضطرابي في الآفاق، وتقلّبي بين الإشآم والإعراق، فقل لهم: عرض له في أسفاره، ما يعرض للبدر في سراره، من سرّ «٢» السّرار، وطاق «٣» المحاق، وقد تركته وهو يسامر الفرقدين، ويساير النّيّرين، وينشد إذا راعه البين «٤» : [البسيط] وقد نكون وما يخشى تفرّقنا ... واليوم «٥» نحن وما يرجى تلاقينا لم يفارق وعثاء «٦» الأسفار، ولا ألقى من يده عصا التّسيار، يتهاداه الغور «٧» والنّجد، ويتداوله الإرقال «٨» والوخد، وقد لفحته الرّمضاء، وسئمه «٩» الإنضاء. فالجهات تلفظه، والآكام تبهظه، تحمل «١٠» همومه الرّواسم، وتحفى «١١» به النّواسم: [البسيط] لا يستقرّ بأرض حين يبلغها ... ولا له غير حدو العيس إيناس ثم إذا استوفوا سؤالك عن حالي، وتقلّبي بين «١٢» حلّي وترحالي، وبلغت القلوب منهم الحناجر، وملأت الدموع المحاجر، وابتلّت ذيولك بمائها، لا بل تضرّجت بدمائها، فحيّهم عنّي تحيّة منفصل، وودّعهم «١٣» وداع مرتحل. ثم اعطف عليهم ركابك، ومهّد لهم جنابك، وقل لهم إذا سألني عن المنازل بعد سكانها، والرّبوع بعد ظعن أظعانها، بماذا أجيبه، وبماذا يسكن وجيبه «١٤» . فسيقولون لك هي البلاقع «١٥» المقفرات، والمعارف «١٦» التي أصبحت نكرات: [السريع] صمّ صداها وعفا «١٧» رسمها ... واستعجمت عن منطق السائل

стр. 628

قل لهم: كيف الرّوض وآسه؟ وعمّاذا «١» تتأرّج أنفاسه؟ عهدي به والحمام يردّد أسجاعه، والذّباب يغني به هزجا فيحكّ بذراعه ذراعه، وغصونه تعتنق، وأحشاء جداوله تصطفق، وأسحاره تتنسّم وآصاله تغتبق «٢» ، كما كانت بقية نضرته، وكما عهدتها أنيقة خضرته، وكيف التفاته «٣» عن أزرق نهره، وتأنّقه في تكليل إكليله بيانع زهره. وهل رقّ نسيم أصائله «٤» ، وصفت موارد جداوله؟ وكيف انفساح ساحاته، والتفاف دوحاته؟ وهل تمتدّ كما كانت مع العشيّ فينانة سرحاته؟ عهدي بها، المديدة الظّلال، المزعفرة السّربال، لم تحدّق الآن به عيون نرجسه، ولا صدّ «٥» بساط سندسه. وأين منه مجالس لذّاتي، ومعاهد غدواتي وروحاتي؟ إذ أباري في المجون لمن أباري، وأسابق إلى اللّذات كلّ من يجاري «٦» . فسيقولون لك: ذوت أفنانه، وانقصفت أغصانه، وتكدّرت غدرانه، وتغيّر ريحه «٧» وريحانه، وأقفرت معالمه، وأخرست حمائمه، واستحالت به «٨» حلل خمائله، وتغيّرت وجوه بكره وأصائله، فإن صلصل حنين رعد فعن قلبي لفراقه خفق، وإن تلألأ برق فعن حرّ حشاي ائتلق، وإن سحّت السّحب فمساعدة لجفني، وإن طال بكاؤها فعنّي، حيّاها الله تعالى «٩» منازل، لم تزل بمنظوم الشّمل أواهل. وحين انتثرت «١٠» نثرت أزهارها أسفا، ولم تثن الريح من أغصانها معطفا، أعاد الله تعالى «١١» الشّمل فيها إلى محكم نظامه، وجعل الدهر الذي فرّقه يتأنّق في أحكامه. وهو سبحانه يجبر الصّدع، ويعجّل الجمع، إنه بالإجابة جدير، وعلى ما يشاء قدير. إيه بنيّ، كيف حال من استودعتهم أمانتك، وألزمتهم صونك وصيانتك، وألبستهم نسبك، ومهّدت لهم حسبك؟ الله في حفظهم فهو اللّائق بفعالك، والمناسب لشرف خلالك، ارع لهم الاغتراب لديك، والانقطاع إليك، فهم أمانة الله تعالى في يديك، وهو سبحانه يحفظك بحفظهم، ويوالي بلحظك أسباب لحظهم، وإن ذهبتم إلى معرفة الأحوال، فنعم الله ممتدّة الظّلال، وخيراته ضافية «١٢» السّربال؛ لولا الشوق الملازم، والوجد الذي سكن الحيازم.

стр. 629

ووقفت من شعره على قصيدة من جملة رسالة، أثبتها وهي «١» : [الطويل] أللبرق يبدو تستطير «٢» الجوانح ... وللورق تشدو تستهلّ «٣» السّوافح «٤» وقلبي «٥» للبرق الخفوق مساعد ... ووجدي «٦» للورق الثكالى مطارح إذا البرق أورى في الظلام زنادي «٧» ... فللوجد في زند الصّبابة قادح وكم وقفة لي حيث مال بي الهوى ... أغادي «٨» بها شكوى الجوى وأراوح تنازعني منها الشّجون «٩» فأشتكي ... ويكثر بثّي عندها فأسامح أبثّ شجوني والحمام يصيخ لي ... ويسعدني فيما تبيح «١٠» التّبارح وتطرب أغصان الأراك فتنثني ... إلى صفحة النهر الصّقيل «١١» تصافح فتبتسم الأزهار منها تعجّبا ... فتهدي إليها عرفها وتنافح كذلك حتى ماد عطف مثقّفي «١٢» ... وطرفي أبدى هزّة وهو مارح فلمّا التظى وجدي ترنّم صاهلا ... فقلت: أمثلي يشتكي الوجد نابح «١٣» ؟ صرفت عدوّ البيد أرخو عنانه «١٤» ... وقلت له: شمّر فإنّي «١٥» سابح «١٦» تهيّأ لقطع البيد واعتسف السّرى ... سيلقاك غيظان بها وممايح «١٧» فحمحم لو يسطيع «١٨» نطقا لقال له «١٩» ... بمثلي تلقى هذه وتكافح وحمّلته عزما تعوّد مثله ... فقام به مستقبلا من يناطح

стр. 630

ويمّمت بيدا لم أصاحب لجوّها «١» ... سوى جلد لا يتّقى منه فاضح «٢» وماضي الغرارين «٣» استجدت مضاءه «٤» ... إذا جرّدت يوم الجلاد الصّفائح ومندمج صدق الأنابيب نافذ به ... عند كرّي في الحروب أفاتح وسرت فلا ألقى سوى الوحش نافرا ... وقد شردت عنّي الظّباء «٥» السوانح تحدّق نحوي «٦» أعينا لم يلح لها ... هنالك إنسيّ «٧» ولا هو لائح وقد زأرت أسد تقحّمت غيلها ... فقلت: تعاوت إنها لنوابح وكم طاف بي للخبر «٨» من طائف بها «٩» ... فلم أصغ سمعا نحوها وهو صائح ويعرض لي وجها دميما ومنظرا ... شنيعا له تبدو عليه القبائح فما راعني منه تلوّن حاله ... بل ايقظ عزمي فانثنى وهو كالح فلمّا اكتست شمس العشيّ شحوبها ... ومالت إلى أفق الغروب تنازح «١٠» تسربلت للإدلاج جنح دجنّة ... فها «١١» أنذا غرسي إلى القصد جانح فخضت «١٢» ظلام الليل والنّجم شاخص ... إليّ بلحظ «١٣» طرفه لي لامح يردّده «١٤» شزرا إليّ كأنما ... عليّ له حقد به لا يسامح وراقب من شكل «١٥» السّماك نظيره ... خلا أنّ شكلي «١٦» أعزل وهو رامح يخطّ وميض البرق لي منه أسطرا ... على صفحة الظّلماء فهي لوائح إذا خطّها ما بين عينيّ لم أزل «١٧» ... أكلّف دمعي نحوها فهو طامح وما زلت سرّا في حشا النبل «١٨» كامنا ... إلى أن بدا من ناسم الصّبح فاتح «١٩»

стр. 631

وهبّ نسيم الصبح فانعطفت «١» له ... قدود غصون قد رقتها صوادح «٢» تجاذبن «٣» من ذكري أحاديث لم تزل ... يردّدها منها «٤» مجدّ ومازح وملت إلى التّعريس لما انقضى السّرى ... أروض له نفسي وعزمي جامح ومال الكرى بي ميلة سكنت لها ... على نصب الوعثاء منّي الجوارح «٥» كم «٦» أخذت منه الشّمول بثارها ... فبات يسقّى «٧» وهو ريّان طافح وقرّبت الأحلام لي كلّ مأمل «٨» ... فأدنته منيّ وهو في الحقّ نازح أرتني وجوها لو بذلت لقربها ... حياتي لمن بالقرب منه يسامح لقلّ لها عمري وما ملكت يدي ... وحدّثت «٩» نفسي أنّ تجري «١٠» رابح وما زلت أشكو بيننا غصص «١١» النّوى ... وما طوّحت بي في الزمان الطوائح فمنها ثغور للسّرور بواسم ... لقربه «١٢» ومنها للفراق نوائح تقرّبها الأحلام منّي ودونها ... مهامه فيها للهجير لوافح وبحر طمت أمواجه وشآبيب «١٣» ... وقفر به للسّالكين جوامح «١٤» قضيت حقوق الشوق في زورة الكرى «١٥» ... فإنّ زيارات الكرى لموانح يقرّبن «١٦» آمالا تباعد بينها ... وتعبث فيها بالنفوس الطّوامح «١٧» فلمّا تولّى عنّي النوم أعقبت «١٨» ... هموم أثارتها الشّجون فوادح وعدت إلى شكوى البلاء «١٩» ولم أزل ... أردّدها والعذر منّي واضح وما بلّغت عني مشافهة الكرى ... تبلّغها عنّي الرياح اللّواقح «٢٠» وحسبك قلب في إسار اشتياقه ... وقد أسلمته في يديه الجوانح

стр. 632

وفاته: قال شيخنا أبو بكر بن شبرين: توفي بسجلماسة في صفر عام ستة عشر وسبعمائة. محمد بن محمد بن عبد الله بن مقاتل «١» من أهل مالقة، يكنى أبا بكر. حاله: من كتاب الإكليل: نابغة «٢» مالقية، وخلف وبقيّة، ومغربي الوطن، أخلاقه مشرقيّة. أزمع الرحيل إلى المشرق، مع اخضرار العود وسواد المفرق «٣» ، فلمّا توسّطت السفينة اللّجج، وقارعت الثّبج «٤» ، مال «٥» عليها البحر فسقاها كأس الحمام، وأولدها قبل التمام، وكان فيمن اشتملت عليه أعوادها، وانضمّ على نوره سوادها، جملة «٦» من الطلبة والأدباء، وأبناء السراة الحسباء، أصبح كلّ منهم مطيعا، لداعي الرّدى وسميعا، وأحيوا فرادى وماتوا جميعا، فأجروا الدموع حزنا، وأرسلوا العبرات عليهم مزنا. وكأنّ «٧» البحر لمّا طمس سبل «٨» خلاصهم وسدّها، وأحال «٩» هضبة سفينتهم وهدّها، غار على نفوسهم النّفيسة واستردها «١٠» . والفقيه أبو بكر مع إكثاره، وانقياد نظامه ونثاره، لم أظفر من أدبه إلّا بالقليل التافه، بعد وداعه وانصرافه. فمن ذلك قوله وقد أبصر فتى عاثرا «١١» : [الكامل] ومهفهف هافي المعاطف أحور ... فضحت أشعّة نوره الأقمارا زلّت له قدم فأصبح عاثرا ... بين الأنام لعا «١٢» لذاك عثارا لو كنت أعلم ما يكون فرشت في ... ذاك المكان الخدّ والأشفارا «١٣»

стр. 633

وقال متغزّلا «١» : [الطويل] أيا لبني الرّفاء تنضي ظباؤهم ... جفون ظباهم والفؤاد «٢» كليم لقد قطّع الأحشاء منهم مهفهف ... له التّبر خدّ واللّجين أديم يسدّد إذ يرمي قسيّ حواجب ... وأسهمها من مقلتيه تسوم وتسقمني عيناه وهي سقيمة ... ومن عجب سقم جناه سقيم ويذبل جسمي في هواه صبابة ... وفي وصله للعاشقين نعيم وفاته: توفي في حدود أخريات عام تسعة وثلاثين وسبعمائة غريقا بأحواز الغبطة من ساحل ألمريّة. محمد بن أحمد بن أحمد بن صفوان القيسي ولد الشيخ أبي الطاهر، من أهل مالقة. من كتاب الإكليل: نبيل فطن، متحرك ذهن، كان أبوه، ﵀، يتبرّم بجداله، ويخشى مواقع رشق نباله، ويشيم بأرقّ الاعتراض في سؤاله، فيشفق من اختلال خلاله، إذ طريقه إنما هي أذواق لا تشرح، وأسرار لا تفضح. وكان ممن اخترم، وجدّ حبل أمله وصرم، فأفل عقب أبيه، وكان له أدب يخوض فيه. فمن ذلك، وقد أبصر فتى وسيما على ريحانه: [البسيط] بدر تجلّى على غصن من الآس ... يبري ويسقم فهو الممرض الآسي عادى المنازل إلّا القلب منزلة ... فما له وجميع الناس من ناس وقال: يا عالما بالسّرّ والجهر ... وملجأي في العسر واليسر جد لي بما أملته منك ... مولاي «٣» واجبر بالرّضا كسري وفاته: في عام خمسة وسبعمائة. محمد بن محمد بن عبد الواحد بن محمد البلوي «٤» من أهل ألمريّة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بنسبه، وقد مرّ ذكر أبيه في العمّال.

стр. 634

حاله: هذا «١» الرجل من أبناء النّعم، وذوي البيوتات، كثير السكون والحياء، آل به ذلك أخيرا للوثة «٢» لم يستفق منها، لطف الله به. حسن الخطّ، مطبوع الأدب، سيّال الطبع، معينه. وناب عن بعض القضاة، وهو الآن رهين ما ذكر، يتمنّى أهله وفاته «٣» ، والله وليّ المعافاة بفضله «٤» . وجرى ذكره في الإكليل بما نصّه «٥» : من أولي الخلال «٦» البارعة والخصال، خطّا رائقا، ونظما بمثله لائقا، ودعابة يسترها تجهّم، وسكوتا «٧» في طيّه إدراك وتفهّم. عني بالرواية «٨» والتقييد، ومال في النظم إلى بعض التوليد، وله أصالة ثبتت «٩» في السّرو عروقها، وتألّقت في سماء المجادة بروقها، وتصرّف بين النيابة في الأحكام الشرعية، وبين الشهادات العملية «١٠» المرعية. شعره: ومن شعره فيما خاطبني به، مهنئا في إعذار أولادي، أسعدهم الله، افتتح ذلك بأن قال: قال يعتذر عن خدمة الإعذار، ويصل المدح والثناء على بعد الدار، وذلك بتاريخ الوسط من شعبان في عام تسعة وأربعين وسبعمائة «١١» : [الكامل] لا عذر لي عن خدمة الإعذار «١٢» ... ولئن «١٣» نأى وطني وشطّ مزاري أو عاقني عنه الزمان وصرفه ... تقضي الأماني «١٤» عادة الأعصار قد كنت أرغب أن أفوز «١٥» بخدمتي ... وأحطّ رحلي «١٦» عند باب الدار بادي «١٧» المسرّة بالصنيع «١٨» وأهله ... متشمّرا فيه بفضل إزاري «١٩»

стр. 635

من شاء أن يلقى الزمان وأهله ... ويرى جلا الإشعاع في الأفكار «١» فليأت حيّ ابن الخطيب ملبّيا ... فيفوز بالإعظام والإكبار كم ضمّ من صيد «٢» كرام فضلهم «٣» ... يسمو ويعلو في ذوي الأقدار إن جئت ناديه فنب «٤» عنّي وقل ... نلت المنى بتلطف ووقار يا من له الشرف القديم ومن له ال ... حسب الصميم العدّ يوم فخار يهنيك ما قد نلت من أمل به ... في الفرقدين النّيّرين لساري «٥» تجلاك قطبا كلّ تجر «٦» باذخ ... أملان مرجوّان في الإعسار «٧» عبد الإله وصنوه قمر العلا ... فرعان من أصل زكا ونجار «٨» ناهيك من قمرين في أفق العلا ... ينميهما نور من الأنوار زاكي الأرومة «٩» معرق «١٠» في مجده ... جمّ الفضائل طيّب الأخبار رقّت طبائعه وراق جماله ... فكأنما خلقا من الأزهار وحلت «١١» شمائل حسنه فكأنما ... خلعت عليه رقّة الأسحار فإذا تكلّم قلت طلّ «١٢» ساقط ... أو وقع درّ من نحور جواري أو فتّ مسك الحبر «١٣» في قرطاسه ... بالروض «١٤» غبّ الواكف المدرار تتبسّم «١٥» الأقلام بين بنانه ... فتريك نظم الدرّ في الأسطار «١٦» فتخال من تلك البنان كمائما ... ظلّت «١٧» تفتّح ناضر النّوّار تلقاه فيّاض الندى متهلّلا ... يلقاك بالبشرى والاستبشار
следующие страницы →