← Тараджим

Тараджим · id 11682

الإحاطة في أخبار غرناطة

لسان الدين بن الخطيب

Полный текст (1 954 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ذكرنا «١» ، إلى الجواشن المختصرة، والبيضات المرهفات «٢» ، والسّروج العربية، والبيت «٣» اللّمطية، والأسل العطفية «٤» . والبربري منه، يرجع «٥» إلى قبائله المرينيّة، والزّناتية، والتّجانية، والمغراوية «٦» والعجيسية، والعرب المغربية إلى أقطاب ورؤوس، يرجع أمرهم إلى رئيس، على رؤسائهم، وقطب لعرفائهم، من كبار القبائل المرينيّة، يمتّ إلى ملك المغرب بنسب. والعمائم تقلّ في زيّ أهل هذه الحضرة، إلّا ما شاد «٧» في شيوخهم وقضاتهم وعلمائهم، والجند العربي «٨» منهم. وسلاح جمهورهم العصيّ الطويلة، المثنّاة بعصيّ صغار ذوات «٩» عرى في أواسطها «١٠» ، تدفع بالأنامل عند قذفها تسمّى «بالأمداس» ؛ وقسيّ الإفرنجة «١١» يحملون على التّدريب «١٢» بها على الأيام. ومبانيهم متوسطة، وأعيادهم حسنة، مائلة إلى الاقتصاد؛ والغنى «١٣» بمدينتهم فاش، حتى «١٤» في الدكاكين التي تجمع صنائعها كثيرا من الأحداث، كالخفّافين «١٥» ومثلهم. وقوتهم الغالب، البرّ الطيّب، عامّة العام «١٦» ، وربما اقتات في فصل الشتاء الضّعفة والبوادي «١٧» والفعلة في الفلاحة، الذّرة العربية، أمثل أصناف القطاني «١٨» الطيبة. وفواكههم اليابسة عامّة العام، متعددة؛ يدّخرون العنب سليما من الفساد إلى شطر «١٩» العام؛ إلى غير ذلك «٢٠» من التّين، والزّبيب، والتفاح، والرّمّان، والقسطل «٢١» ،

стр. 72

والبلّوط، والجوز، واللّوز، إلى غير ذلك ممّا لا ينفد «١» ، ولا ينقطع مدده إلّا في الفصل الذي يزهد في استعماله. وصرفهم فضّة خالصة، وذهب إبريز طيّب محفوظ «٢» ، ودرهم مربّع الشّكل، من وزن المهدي القائم بدولة الموحّدين، في الأوقية منه سبعون درهما، يختلف الكتب فيه. فعلى عهدنا، في شقّ: «لا إله إلّا الله، محمد رسول الله» ؛ وفي شقّ آخر: «لا غالب إلّا الله، غرناطة» . ونصفه وهو القيراط، في شقّ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) «٣» . وفي شقّ: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ «٤» . ونصفه وهو الرّبع، في شقّ: هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى «٥» . وفي شقّ: وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى «٦» . ودينارهم في الأوقية منه، ستة دنانير وثلثا دينار؛ وفي الدينار الواحد ثمن أوقية وخمس ثمن أوقية. وفي شقّ منه: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ ... بِيَدِكَ الْخَيْرُ «٧» . ويستدير به قوله تعالى: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (١٦٣) «٨» . وفي شقّ: «الأمير عبد الله محمد بن «٩» يوسف بن أمير المسلمين أبي الحجّاج بن أمير المسلمين أبي الوليد إسماعيل بن نصر، أيّد الله أمره» . ويستدير به شعار هؤلاء الأمراء: «لا غالب إلّا الله» . ولتاريخ تمام هذا الكتاب، في وجّه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠) «١٠» . ويستدير به: «لا غالب إلا الله» . وفي وجه: «الأمير عبد الله الغني بالله، محمد بن يوسف بن إسماعيل بن نصر، أيّده الله وأعانه» . ويستدير بربع: «بمدينة غرناطة حرسها الله» . وعادة «١١» أهل هذه المدينة الانتقال إلى حلل «١٢» العصير أوان إدراكه، بما تشتمل عليه دورهم، والبروز إلى الفحوص «١٣»

стр. 73

بأولادهم «١» ، معوّلين في ذلك على شهامتهم وأسلحتهم، وعلى كثب دورهم «٢» ، واتّصال أمصارهم بحدود أرضه. وحليهم في القلائد، والدّمالج، والشّنوف «٣» ، والخلاخل الذّهب الخالص، إلى هذا العهد، في أولي «٤» الجدّة؛ واللجين في كثير من آلات الرّجلين، فيمن عداهم. والأحجار النفيسة من الياقوت، والزّبرجد والزّمرّد ونفيس الجوهر، كثير ممّن «٥» ترتفع طبقاتهم المستندة إلى ظلّ دولة، أو أصالة «٦» معروفة موفّرة. وحريمهم، حريم جميل، موصوف بالسحر «٧» ، وتنعّم الجسوم، واسترسال الشّعور، ونقاء الثّغور، وطيب النّشر «٨» ، وخفّة الحركات، ونبل الكلام، وحسن المحاورة، إلّا أن الطّول يندر فيهنّ. وقد بلغن من التّفنّن في الزينة لهذا العهد، والمظاهرة بين المصبغات، والتّنفيس «٩» بالذّهبيّات والدّيباجيّات، والتّماجن في أشكال الحلي، إلى غاية نسأل الله أن يغضّ عنهنّ فيها، عين الدهر، ويكفكف الخطب، ولا يجعلها من قبيل الابتلاء والفتنة، وأن يعامل جميع من بها بستره، ولا يسلبهم خفيّ لطفه؛ بعزّته وقدرته. فصل فيمن تداول هذه المدينة من لدن أصبحت دار إمارة باختصار واقتصار قال المؤلّف «١٠» : أول من سكن هذه المدينة سكنى استبداد، وصيّرها دار ملكه ومقرّ أمره، الحاجب المنصور أبو مثنّى زاوي بن زيري «١١» بن مناد، لمّا تغلّب جيش البربر مع أميرهم سليمان بن الحكم على قرطبة، واستولى على كثير من كور الأندلس عام ثلاثة وأربعمائة فما بعدها، وظهر على طوائف الأندلس، واشتهر أمره، وبعد صيته. ثم اجتاز البحر إلى بلد قومه بإفريقية، بعد أن ملك غرناطة سبع سنين، واستخلف ابن أخيه حبّوس بن ماكسن، وكان حازما داهية، فتوسّع النظر إلى أن مات

стр. 74

سنة تسع وعشرين وأربعمائة «١» . وولي بعده حفيده عبد الله بن بلكّين بن باديس، إلى أن خلع عام ثلاثة وثمانين وأربعمائة، وتصيّر أمرها إلى أبي يعقوب يوسف بن تاشفين ملك لمتونة عند تملّكه الأندلس، ثم إلى ولده عليّ بن يوسف. وتنوّب إمارتها جملة من أبناء الأمراء اللمتونيين وقرابتهم كالأمير أبي الحسن علي بن الحاجّ وأخيه موسى، والأمير أبي زكريا يحيى بن أبي بكر بن إبراهيم، والأمير أبي الطّاهر تميم، والأمير أبي محمد مزدلي، والأمير أبي بكر بن أبي محمد، وأبي طلحة الزّبير بن عمر، وعثمان بن بدر اللّمتوني، إلى أن انقرض أمرهم عام أربعين وخمسمائة. وتصيّر الأمر للموحّدين، وإلى ملكهم أبي محمد عبد المؤمن بن علي «٢» ، فتناوبها جملة من بنيه وقرابته، كالسيّد أبي عثمان ابن الخليفة؛ والسّيّد أبي إسحاق ابن الخليفة؛ والسّيّد أبي إبراهيم ابن الخليفة؛ والسيد أبي محمد ابن الخليفة؛ والسيد أبي عبد الله، إلى أن انقرض منها أمر الموحّدين. وتملّكها المتوكّل على الله أمير المؤمنين أبو عبد الله محمد يوسف بن هود «٣» في عام ستة وعشرين وستمائة، ثم لم ينشب أن تملّكها أمير المسلمين الغالب بالله محمد بن يوسف بن نصر الخزرجي، جدّ هؤلاء الأمراء الكرام موالينا، رحم الله من درج منهم، وأعان من خلفه، إلى أن توفي عام أحد وسبعين وستمائة. ثم ولي الأمر بعده ولده وسميّه محمد بن محمد، فقام بها أحمد قيام، وتوفي عام أحد وسبعمائة. ثم ولي بعده سميّه محمد إلى أن خلع يوم عيد الفطر من عام ثمانية وسبعمائة، وتوفي عام أحد عشر وسبعمائة في ثالث شوّال منه. ثم ولي بعده أخوه نصر بن مولانا أمير المسلمين أبي عبد الله، فأرتب أمره، وطلب الملك اللّاحق به مولانا أمير المسلمين أبو الوليد إسماعيل بن فرج، فغلب على الإمارة، ثاني عشر ذي القعدة من عام ثلاثة عشر وسبعمائة؛ وانتقل نصر إلى وادي آش مخلوعا، موادعا بها إلى أن مات عام اثنين وعشرين وسبعمائة. وتمادى ملك السلطان أمير المسلمين أبي الوليد إلى السادس والعشرين من رجب عام خمسة وعشرين وسبعمائة، ووثب عليه بعض قرابته فقتله،

стр. 75

وعوجل بالقتل مع من حضر منهم. وتولّى الملك بعده ولده محمد، واستمرّ سلطانه إلى ذي الحجة من عام أربعة وثلاثين وسبعمائة، وقتل بظاهر جبل الفتح «١» . وولي بعده أخوه مولانا السلطان أبو الحجاج لباب هذا البيت، وواسطة هذا العقد، وطراز هذه الحلية، ثم اغتاله ممرور من أخابيث السّوقة، قيّضه الله إلى شهادته، وجعله سببا لسعادته، فأكبّ عليه في الرّكعة الآخرة من ركعتي عيد الفطر، بين يدي المحراب، خاشعا، ضارعا، في الحال الذي أقرب ما يكون العبد من ربّه، وهو ساجد، وضربه بخنجر مهيّئ للفتك به، في مثل ذلك الوقت، كان، زعموا، يحاول شحذه منذ زمان، ضربة واحدة، على الجانب الأيسر من ظهره، في ناحية قلبه، فقضى عليه، وبودر به فقتل. وولي الأمر بعده محمد «٢» ، ولده أكبر بنيه، وأفضل ذويه، خلقا وخلقا وحياء وجودا، ووقارا وسلامة وخيريّة، ودافع دولته من لا يعبأ الله به «٣» ؛ ثم تدارك الأمر سبحانه، وقد أشفى، ودافع وكفى، بما يأتي في محلّه إن شاء الله. وهو أمير المسلمين لهذا العهد، متّع الله به، وأدام مدته، وكتب سعادته، وأطلق بالخير يده، وجعله بمراسيم الشريعة من العاملين، ولسلطان يوم الدين من الخائفين، المراقبين، بفضله. وقد أتينا بما أمكن من التعريف بأحوال هذه الحضرة على اختصار. ويأتي في أثناء التّعريف برجالها كثير من تفصيل ما أجمل، وتتميم ما بدأ، وإيضاح ما خفي بحول الله تعالى.

стр. 76

القسم الثاني في حلى الزّائر والقاطن والمتحرّك والسّاكن

стр. 77

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أحمد بن خلف بن عبد الملك الغساني القليعي «١» من أهل غرناطة، يكنى أبا جعفر، من جلّة أعيانها، تنسب إليه الساقية الكبرى المجاورة لطوق الحضرة إلى إلبيرة، وما والاها. حاله: قال ابن الصّيرفي: كان الفقيه أبو جعفر القليعي، من أهل غرناطة، فريد عصره، وقريع دهره، في الخير والعلم والتّلاوة؛ وله حزب من اللّيل، وكان سريع الدّمعة، كثير الرّواية؛ وهو المشار إليه في كل نازلة، وله العقد والحلّ والتقدّم والسّابقة، مع منّة في جلائل الأمور، والنّهضة بالأعباء وسموّ الهمّة. غريبة في شأنه: قال: كان باديس بن حبّوس أمير بلده يتفرّس فيه أن ملك دولته ينقرض على يديه، فكان ينصب لشأنه أكلبا، ويتملّظ بسيفه إلى قتله، فحماه الله منه بالعلم، وغلّ يده، وأغمد سيفه، ليقضي الله أمرا كان مفعولا. مشيخته: روى «٢» عن أبي عمر بن القطّان، وأبي عبد الله بن عتّاب، وأبي زكريا القليعي، وأبي مروان بن سراج؛ وكان ثقة صدوقا، أخذ عنه الناس. محنته: ولمّا أجاز أمير لمتونة يوسف بن تاشفين البحر مستدعى إلى نصر المسلمين، ثاني حركاته إلى الأندلس، ونازل حصن أليط «٣» ، وسارع ملوك الطوائف

стр. 78

إلى المسير في جملته، كان ممّن وصل إليه الأمير عبد الله بن بلكّين بن باديس، صاحب غرناطة، ووصل صحبته الوزير أبو جعفر بن القليعي، لرغبته في الأجر مع شهرة مكانه، وعلوّ منصبه، ولنهوض نظرائه من زعماء الأقطار إلى هذا الغرض. وكان مضرب خيام القليعي قريبا من مضرب حفيد باديس، ولمنزلته عند الأمير يوسف بن تاشفين، وله عليها الحفوف وله به استبداد وانفراد كثير وتردّد كثير، حتى نفى بذلك حفيد باديس، وأنهم عينه. قال المؤرّخ: وكيفما دارت الحال، فلم يخل من نصح لله ولأمير المسلمين. قلت: حفيد باديس كان أدرى بدائه، قصّر الله خطانا من مدارك الشّرور. فلمّا صدر حفيد باديس إلى غرناطة، استحضره ونجهه، وقام من مجلسه مغضبا، وتعلقت به الخدمة، وحفّت به الوزعة «١» والحاشية، وهمّوا بضربه؛ إلّا أن أمّ عبد الله تطارحت على ابنها في استحيائه، فأمر بتخليصه، وسجنه في بعض بيوت القصر؛ فأقبل فيه على العبادة والدعاء والتّلاوة؛ وكان جهير الصوت، حسن التّلاوة، فأرتج القصر، وسكنت لاستماعه الأصوات، وهدأت له الحركات، واقشعرّت الجلود. وخافت أم عبد الله على ولدها، عقابا من الله بسببه، فلاطفته حتى حلّ عقاله، وأطلقه من سجنه. ولمّا تخلّص أعدّها غنيمة. وكان جزلا، قويّ القلب، شديد الجزم؛ فقال الصّيد بغراب أكيس؛ فاتخذ الليل جملا؛ فطلع له الصباح بقلعة يحصب، وهي لنظر ابن عبّاد «٢» ، وحثّ منها السّير إلى قرطبة؛ فخاطب منها يوسف بن تاشفين بملء فيه، بما حرّكه وأطمعه؛ فكان من حركته إلى الأندلس، وخلع عبد الله بن بلكّين من غرناطة، واستيلائه عليها، ما يرد في اسم عبد الله وفي اسم يوسف بن تاشفين، إن شاء الله. وبدا لحفيد باديس في أمر أبي جعفر القليعي، ورأى أنه أضاع الحزم في إطلاقه، فبحث عنه من الغد، وتقصّت عنه البلدة، فلم يقع له خبر، إلى أن اتّصل به خبر نجاته، ولحاقه بمأمنه. فرجع باللائمة على أمّه، ولات حين مندم. ولم يزل أبو جعفر مدّته في دول الملوك، من لمتونة، معروف الحقّ، بعيد الصّيت والذّكر، صدر الحضرة، والمخصوص بعلوّ المرتبة إلى حين وفاته «٣» .

стр. 79

أحمد بن محمد بن أحمد بن يزيد الهمداني اللخمي من أهل غرناطة. حاله: كان فقيها وزيرا جليلا حسيبا حافلا. وفاته: توفي بإلبيرة قبل الثلاثين وأربعمائة. ذكره أبو القاسم الغافقي في تاريخه وابن اليسر في مختصره وأثنى عليه. أحمد بن محمد بن أضحى بن عبد اللطيف بن غريب ابن يزيد بن الشّمر بن عبد شمس بن غريب الهمداني الإلبيري «١» من نزلاء قرية همدان؛ ذكره ابن حيّان، والغافقي، وابن مسعدة، وغيرهم؛ فقال جميعهم: كان من أهل البلاغة، والبيان، والأدب، والشعر البارع. مناقبه: قدم على الخليفة أبي مطرّف عبد الرحمن «٢» ، فقام خطيبا بين يديه، فقال «٣» : الحمد لله المحتجب بنور عظمته، عن أبصار بريّته، والدّال بحدوث خلقه على أوّليّته، والمنفرد بما أتقن من عجائب دهره ومنن «٤» صمديّته، وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده، لا شريك له، إقرارا بوحدانيته «٥» ، وخضوعا لعزّه «٦» وعظمته. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله «٧» ، انتخبه من أطيب «٨» البيوتات، واصطفاه من أطيب البيوتات، حتى قبضه الله إليه، واختار له ما لديه. وقد قبل سعيه، وأدّى أمانته، فصلّى الله عليه وسلّم تسليما. ثم إنّ الله لمّا أن بعثه «٩» من أكرم خلقه، وأكرمه «١٠» برسالته وأنزل عليه محكم تنزيله، واختار له من أصحابه وأشياعه مخلفا «١١» ، جعل

стр. 80

منهم أئمّة يهدون بالحق، وبه يعدلون؛ فجعل الله الأمير، أعزّه الله، وارث ما خلّفوه من معاليهم «١» ، وباني ما أسّسوه من مشاهدهم، حتى أمّن المسالك، وسكن الخائف، رحمة من الله، ألبسه كرامتها، وطوّقه فضيلتها «٢» ، وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ «٣» : [الرجز] الله «٤» أعطاك التي لا فوقها ... وقد أراد الملحدون عوقها عنك ويأبى الله إلّا سوقها ... إليك حتى قلّدوك طوقها ثم أردف قوله بهذه الأبيات «٥» : [الطويل] أيا ملكا ترمى «٦» به قضب الهند ... إذا لمعت بين المغافر والزّرد «٧» ومن بأسه في منهل الموت وارد ... إذا أنفس الأبطال كلّت «٨» عن الورد ومن ألبس الله الخلافة نعمة ... به فاقت النّعمى وجلّت عن الحدّ «٩» فلو نظمت مروان في سلك فخرها ... لأصبح من مروان واسطة العقد تجلّى على «١٠» الدّنيا فأجلى «١١» ظلامها ... كما انجلت الظّلماء عن قمر السّعد إمام هدى «١٢» أضحت به العرب غضّة «١٣» ... ملبّسة نورا كواشية «١٤» البرد كفاني لديه أن جعلت وسائلي «١٥» ... ذماما «١٦» شآميّ الهوى مخلص الودّ يؤكّد ما يدلي به من متانة «١٧» ... خلوص «١٨» أبيه عبدك الفارس النّجد «١٩»

стр. 81

تأمّل رواه «١» والرّماح شواجر ... وخيل إلى خيل بأبطالها تردي رأى أسدا وردا يخفّ «٢» إلى الوغى ... وربّتما «٣» أربى على الأسد الورد فأنعم عليه اليوم «٤» يا خير منعم ... بإظهار تشريف «٥» وعقد يد عندي ولا تشمت الأعداء أن جئت قاصدا ... إلى ملك الدّنيا فأحرم من «٦» قصدي فعند الإمام المرتضى كلّ نعمة ... وشكرا لما يلحيه «٧» من نعمة عندي فلا زال في الدّنيا سعيدا مظفّرا ... وبوّىء في دار العلى جنّة الخلد وكان «٨» من بيت سماحة «٩» وفصاحة وخطابة، فعلا «١٠» شرفه بهذه الخصال؛ فسجّل له على أرحية؛ وحصن نبيل ببني هود «١١» وغير ذلك، فانقلب مرعيّ الوسائل، ومقضيّ الرّسائل «١٢» . قال «١٣» المؤلّف: أرى ابن فركون قبل الست عشرة والثلاثمائة. أحمد بن محمد بن أحمد بن هشام القرشي «١٤» من أهل غرناطة، يكنى أبا جعفر، ويعرف بابن فركون. أوليته: وكفى بالنسب القرشي أوّليّة. حاله من عائد الصلة: كان «١٥» من صدور القضاة «١٦» بهذا الصّقع الأندلسي، اضطلاعا «١٧» بالمسائل ومعرفة بالأحكام من مظانّها، كثير المطالعة والدّروب،

стр. 82

وحيّ «١» الإجهاز في فصل القضايا، نافذ المقطع، كثير الاجتهاد والنّظر، مشاركا في فنون، من عربيّة، وفقه، وقراءة، وفرائض، طيّب النّغمة بالقرآن، حسن التّلاوة، عظيم الوقار، بين طبع ومكسوب، فائق الأبّهة، مزريا بمن دونه من الفقهاء، وعاقدي الشروط، مسقطا للكنى والتّجلّات، يعامل الكهول معاملة الأحداث، ويتهاون بتعاملات ذلك فيجعلها دبر أذنيه، ويسترسل في إطلاق عنان النّادرة الحارة، في مجالس حكمه، فضلا عن غيرها؛ وجد ذلك من يحمل عليها سببا للغرض منه. نباهته: ترشّح بذاته، وباهر أدواته، إلى قضاء المدن النّبيهة، والأقطار الشهيرة، كرندة، ومالقة، وغيرهما. ثم ولّي قضاء الجماعة، في ظلّ جاه، وضمن حرمة. غريبة في أمره: حدث أنه كان يقرأ في شبيبته على الأستاذ الصالح أبي عبد الله بن مستقور «٢» بكرم له خارج الحضرة، على أميال منها في فصل العصير. قال: وجّهني يوما بغلّة من الرّبّ «٣» لأبيعه بالبلد، فأصابني مطر شديد، وعدت إليه بحال سيّئة، بعد ما قضيت له وطره؛ وكان له أخ أسنّ منه، فعاتبه في شأني، وقال له: تأخذ صبيّا ضعيفا يأتيك لفائدة يستفيدها، وتعرّضه لمثل هذه المشقّة، في حقّ مصلحتك، ليس هذا من شيم العلماء، ولا من شيم الصّالحين. فقال له: دعه، لا بدّ أن يكون قاضي الجماعة بغرناطة؛ فكان كذلك، وصدقت فراسته، رحمه الله تعالى. مشيخته: قرأ بالقرية على الأستاذ أبي القاسم بن الأصفر؛ وبغرناطة على العالم القاضي أبي الحسن محمد بن يحيى بن ربيع الأشعري، وعلى الشيخ المفتي أبي بكر محمد بن أبي إبراهيم بن مفرّج الأوسي بن الدبّاغ الإشبيلي، وعلى الخطيب الزاهد أبي الحسن العدّال، وعلى الأستاذ النّحوي أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن يوسف بن الصّايغ؛ بالصاد المهملة، والغين المعجمة، وعلى الأستاذ أبي الحسن الأبّدي «٤» ؛ وأبي عبد الله محمد بن إبراهيم الطائي، عرف بابن مستقور. ولمّا دالت الدولة، كان له في مشايعة مخلوعها أمور اقتضتها منه أريحيّة وحسن وفاء، أوجبت عليه الخمول بعد استقرار دائلها السلطان أبي الوليد، ﵀؛

стр. 83

وأصابته أيام الهيج محن، ونسبت إليه نقائص زوّرتها حسدته، فصرف عن القضاء؛ وبقي مدّة مهجور الفناء، مضاع المكان، عاطل الدّولة، منتبذا في مليك له؛ خارج الحضرة، ينحني على خرثيّ «١» ساقط القيمة، ودفاتر ساقطة الثمن، يتعلّل بعلالتها، ويرجى الوقت بيسيرها. حدّثني الوزير أبو بكر بن الحكيم، قال: زرته في منزله بعد عزله، ونسبة الأمور التي لا تليق بمثله، فأنشدني بما ينبئ عن ضجره وضيق صدره: [المجتث] أنا من الحكم تائب ... وعن دعاويه هارب «٢» بعد التّفقّه عمري «٣» ... ونيل أسنى المراتب وبعد ما كنت أرقى ... على المنابر خاطب «٤» أصبحت أرمى بعار ... للحال غير مناسب أشكو إلى الله أمري ... فهو المثيب المعاقب وثبت اسمه في التاريخ المسمّى «بالتاج» تأريخي بما نصّه: شيخ الجماعة وقاضيها، ومنفّذ الأحكام وممضيها، وشايم «٥» سيوفها الماضية ومنتضيها، رأس بفضيلة نفسه، وأحيا دارس رسم القضاء بدرسه، وأودع في أرض الاجتهاد، بذر السّهاد، فجنى ثمرة غرسه؛ إلى وقار يودّ رضوى رجاحته، وصدر تحسد الأرض الغبيطة ساحته، ونادرة يدعوها فلا تتوقّف، ويلقى عصاها فتتلقّف؛ ولم يزل يطمح بأمانيه، ويضطلع بما يعانيه، حتى رفع إلى الرّتبة العالية، وحصل على الحال الحالية؛ وكان له في الأدب مشاركة، وفي قريض النظم حصّة مباركة. انتهى إليّ قوله يهنّئ السلطان أبا عبد الله بن نصر «٦» ، بالإبلال من مرض في اقتران بعيد وفتح، وذلك «٧» : [الطويل] شفاؤك للملك اعتزاز وتأييد ... وبرؤك مولانا به عندنا «٨» عيد

стр. 84

مرضت فلم تأو النّفوس لراحة ... ولا كان للدّنيا قرار وتمهيد ولم تستطع عيني تراك مؤلّما «١» ... ولازمها طول اعتلالك تسهيد وشعره مختلف عن نمط الإجادة التي تناسب محلّه في العلم، وطبقته في الإدراك فاختصرته. مولده: عام تسعة وأربعين وستمائة. وفاته: في السادس عشر لذي القعدة عام تسعة وعشرين وسبعمائة. ذكرته في كتاب «عائد الصّلة» قاضيا، وفي كتاب «التّاج المحلى» قاضيا أديبا. وذكره أبو بكر بن الحكيم «٢» في كتاب «الفوائد المستغربة، والموارد المستعذبة» من تأليفه. أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن يحيى ابن عبد الرحمن بن يوسف بن سعيد بن جزيّ الكلبي «٣» من أهل غرناطة، ويعرف بابن جزيّ. أوليّته معروفة، وأصالته شهيرة، تنظر فيما مرّ من ذلك عند ذكر سلفه، وفيما يأتي في ذلك، بحول الله وقوته. حاله: من أهل الفضل والنّزاهة، والهمّة، وحسن السّمة، واستقامة الطّريقة، غرب في الوقار، ومال إلى الانقباض، وترشّح إلى رتب سلفه. له مشاركة حسنة في فنون، من فقه وعربيّة، وأدب، وحفظ، وشعر، تسمو ببعضه الإجادة، إلى غاية بعيدة. مشيخته: قرأ على والده الخطيب أبي القاسم، ولازمه، واستظهر ببعض موضوعاته، وتأدّب به؛ وقرأ على بعض معاصري أبيه، وروى، واستجلب له أبوه كثيرا من أهل صقعة وغيرهم. نباهته: ثم أرسم في الكتابة السلطانية لأوّل دولة السابع من الملوك النّصريين، منفق سوق الحلية من أبناء جنسه، أبي الحجاج بن نصر، فورى زنده، ودرّت أحلاب قريحته، وصدر له في مدائحه شعر كثير. ثم تصرّف في الخطط الشّرعية، فولّي القضاء ببرجة، ثم بأندرش، وهو الآن قاضي مدينة وادي آش، مشكور السّيرة،

стр. 85

معروف النّزاهة، أعانه ذلك وسوّده، وبلغ به رتبة سلفه. وجرى ذكره في كتاب التّاج بما نصّه: «فاضل تحلّى بالسكينة والوقار، فمدّت إليه رقاب سلفه يد الافتقار، ما شئت من هدوء وسكون، وجنوح إلى الخير وركون، عني بالمحافظة على سمته من لدن عقل، ولزم خدمة العلم فما عاد ولا انتقل، ووجد من أبيه ﵀ مرعى خصيبا فابتقل، وعمل على شاكلة سلفه في سلامة الجانب، وفضل المذاهب، وتحلّى بتلك المآثر وتوشّح، وتأهّل إلى الرّتب في سنّن الشّبيبة وترشّح؛ وله مع ذلك في لجّة الفقه سبح، وعلى بعض موضوعات أبيه شرح؛ وأدبه ساطع، وكلامه حسن المقاطع. فمن ذلك ما كتب به إليّ، وقد خاطبت ما أمكن من نظمه «١» : [المتقارب] فديتك يا سيّدي مثلما ... فداك الزمان الذي زنته وقوله في المقطوعات من ذلك في معنى التورية «٢» : [الخفيف] كم بكائي لبعدكم وأنيني «٣» ... من ظهيري على الأسى من معيني جرّح «٤» الخدّ دمع عيني ولكن ... عجب «٥» أن يجرّح ابن معين وقال في الغنى «٦» : [الطويل] أرى الناس يولون الغنيّ كرامة ... وإن لم يكن أهلا لرفعة مقدار ويلوون عن وجه الفقير وجوههم ... وإن كان أهلا أن يلاقى بإكبار بنو الدّهر جاءتهم أحاديث جمّة ... فما صحّحوا إلّا حديث ابن دينار «٧» ومن بديع ما صدر عنه، قوله ينسج على منوال امرئ القيس في قصيدته الشهيرة «٨» : [الطويل] أقول لحزمي «٩» أو لصالح أعمالي ... (ألا عم صباحا أيها الطّلل البالي)

стр. 86

أما واعظي شيب سما فوق لمّتي ... (سموّ حباب الماء حالا على حال) أنار به ليل الشّباب كأنه ... (مصابيح رهبان تشبّ لقفّال) نهاني عن غيّ وقال منبّها ... (ألست ترى السّمّار والناس أحوالي) ؟ يقولون غيّره لتنعم برهة ... (وهل يعمن «١» من كان في العصر الخالي) ؟ أغالط «٢» دهري وهو يعلم أنني ... (كبرت وأن لا يحسن اللهو أمثالي) ومؤنس نار الشّيب يقبح لهوه ... (بآنسة كأنّها خطّ تمثال) «٣» أشيخا وتأتي فعل من كان عمره ... (ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال) وتشغفك الدّنيا وما إن شغفتها ... (كما شغف المهنوءة الرجل الطّالي) ألا إنّها الدنيا إذا ما اعتبرتها ... (ديار لسلمى عافيات بذي خال) فأين الذين استأثروا قبلنا بها ... (لناموا فما إن من حديث ولا صال) ذهلت بها غيّا «٤» فكيف الخلاص من ... (لعوب تنسّيني إذا قمت سربالي) وقد علمت مني مواعيد توبتي ... (بأنّ الفتى يهذي وليس بفعّال) ومذ وثقت نفسي بحبّ محمد ... (هصرت بغصن ذي شماريخ «٥» ميّال) وأصبح شيطان الغواية خاسئا ... (عليه قتام «٦» سيّء الظّنّ والبال) ألا ليت شعري هل تقول عزائمي ... (لخيلي كرّي كرّة بعد إجفال) فأنزل دارا للنّبيّ «٧» نزيلها ... (قليل هموم ما يبيت بأوجال) فطوبى لنفس جاورت خير مرسل ... (بيثرب أدنى دارها نظر عالي) ومن «٨» ذكره عند القبول تعطّرت ... (صبا وشمأل في منازل قفّال) جوار رسول الله مجد مؤثّل ... (وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي) ومن «٩» ذا الذي يثني عنان السّرى وقد ... (كفاني، ولم أطلب، قليلا من المال) ألم تر أنّ الظّبية استشفعت به ... (تميل عليه هونة غير مجفال)

стр. 87

وقال لها عودي فقالت له نعم ... (ولو قطّعوا رأسي لديك وأوصالي) فعادت إليه والهوى قائل لها ... (وكان عداء الوحش مني على بالي) رثى «١» لبعير قال أزمع مالكي ... (ليقتلني والمرء ليس بفعّال) وثور ذبيح بالرسالة شاهد ... (طويل القرا «٢» والرّوق أخنس ذيّال) وحنّ إليه الجذع حنّة عاطش ... (لغيث من الوسميّ رائده خالي) وأصلين من نخل قد التأما له ... (فما «٣» احتبسا من لين مسّ وتسهال) وقبضة «٤» ترب منه ذلّت لها الظّبا ... (ومسنونة زرق كأنياب أغوال) وأضحى ابن جحش بالعسيب مقاتلا ... (وليس بذي رمح وليس بنبّال) وحسبك من سيف «٥» الطّفيل إضاءة ... (كمصباح زيت في قناديل ذبّال) وبذّت «٦» به العجفاء كلّ مطهّم ... (له حجبات مشرفات على الفال) ويا خسف أرض تحت باغيه إذ علا ... (على هيكل نهد الجزارة جوّال) وقد أخمدت نار لفارس طالما ... (أصابت غضى جزلا وكفّت بأجزال) «٧» أبان سبيل الرّشد إذ سبل الهدى ... (يقلن لأهل الحلم ضلّا بتضلال) لأحمد خير العالمين انتقيتها ... (ورضت «٨» فذلّت صعبة أيّ إذلال) وإنّ رجائي أن ألاقيه غدا ... (ولست بمقليّ الخلال ولا قالي) فأدرك آمالي وما كلّ آمل ... (بمدرك أطراف الخطوب ولا والي) «٩» ولا خفاء ببراعة هذا النّظم، وإحكام هذا النّسج، وشدّة هذه العارضة. وله تقييد في الفقه على كتاب والده، المسمّى بالقوانين الفقهية، ورجز في الفرائض يتضمّن العمل. وإحسانه كثير. وتقدم قاضيا بحضرة غرناطة، وخطيبا بمسجد السلطان، ثامن شوّال من عام ستين وسبعمائة. ثم انصرف عنها، وأعيد إليها في عام ثلاثة «١٠» وستين، موصوفا بالنّزاهة والمضاء. مولده: في الخامس عشر من جمادى الأولى عام خمسة عشر وسبعمائة، وهو الآن بقيد الحياة.

стр. 88

أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن علي ابن محمد بن سعدة بن سعيد بن مسعدة بن ربيعة بن صخر ابن شراحيل بن عامر بن الفضل بن بكر بن بكّار بن البدر ابن سعيد بن عبد الله العامري يكنى أبا جعفر، من أهل غرناطة. أوّليته: عامر الذي ينتسبون إليه، عامر بن صعصعة بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان. ومن مناقبهم: ميمونة أم المؤمنين، زوج رسول الله، ﷺ ، وعمرو بن عامر من أصحابه، وعاصم بن عبد الله الجعلي، ويزيد بن الحميري، وغيرهم، منزل جدّهم الداخل إلى الأندلس، وهو بكر بن بكّار بن البدر بن سعيد بن عبد الله، قرية طغنر من إقليم براجلة ابن خريز من إلبيرة. قال ابن الصيرفي في تاريخه الصغير: منزل بني مسعدة، موضع كرم ومحمدة، ينتسبون في عامر، وهم أعيان علية، فرسان أكابر، وحجّاب وكتّاب ووزراء، ولهم سابقات ومفاخر، وأوائل وأواخر. ومنهم على القدم جليل ونبيه، ومنهم كان وضيع بن جرّاح الفقيه، لم يدخل أحد منهم في الفتنة يدا، ولا تأذّى مسلما، ولا معاهدا «١» ، على قدرتهم على ذلك، وكفى به فخرا لا ينقطع أبدا. ودخل جدّهم الأندلس بعقد بني مروان له، سنة أربع وتسعين من الهجرة. ويأتي من ذكر أعلامهم ما يدلّ على شرف بيتهم، وأصالته، وعلوّه وجلالته. حاله: كان صدرا جليلا، فقيها مضطلعا، من أهل النّظر السّديد والبحث، قائما على المسائل، مشاركا في كثير من الفنون، جزلا مهمّا، جاريا على سنن سلفه، ريّان من العربية. وختم سيبويه تفقّها، وقرأ الفقه، واستظهر كتاب التّلقين، ودرس الأحكام الجيدة، وعرضها في مجلس واحد، وقرأ أصول الفقه، وشرح المستصفى شرحا حسنا، وقرأ الإرشاد والهداية، وكان صدرا في الفرائض والحساب، وألّف تاريخ قومه وقرابته.

стр. 89

ولايته: ولّي القضاء بمواضع من الأندلس كثيرة من البشارات «١» ، أقام بها أعواما خمسة؛ ثم لوشة، وأقام بها ثلاثة أعوام؛ ثم بسطة وبرشانة. ثم انتقل إلى مالقة وأقام بها أعواما خمسة. نبّهت على مقدار الإقامة لما في ضمن طول سني الولاية من استقامة أمر الوالي. وكان له من أمير المسلمين بالأندلس حظوة لطيفة لم تكن لغيره، استنزلها بسحر التلطّف، وخطبها بلسان التّملّق حتى استحكمت له أسبابها. حدّثني بعض أشياخي ممّن كان يباشر مال السلطان يومئذ، قال: وجّه ابن مسعدة ابنه من مالقة، بكتاب في بعض الأغراض الضرورية، ثم رغب فيه أن ينعم على ولده بالمشافهة لإلقاء أمر ينوب عنه فيه، فلما حضر تناول رجل السلطان فقبّلها، وقال: أمرني أبي أن أنوب في تعفير الوجه، في هذه الرّجل الكريمة الجهاديّة عنه خاصّة؛ لبعد عهده بها، إلى أمثال هذا مما اقتضت الانتفاع بعاجل من الدّنيا زهيد، لا يدري ما الله صانع فيه، والإبقاء بما تجاوز الإفراط في تقدّمه بمالقة، بعده دار الأعلام، وديوان العقد، وهو حدث خليّ من العلم، قريب العهد بالبلوغ، فكانت على أنها غاية الصّدور ملعبا، إلى أن ضرب الدهر ضرباته، وانتقلت الحال. مشيخته: أولهم قاضي الجماعة أبو الحسن بن أبي عامر بن ربيع، وثانيهم القاضي أبو عامر يحيى بن عبد الرحمن بن ربيع، وثالثهم أبو يحيى بن عبد المنعم الخزرجي، ورابعهم العدل الرّاوية أبو الوليد العطّار، وخامسهم أبو إسحاق بن إبراهيم بن أحمد الخشني، وسادسهم الأستاذ أبو الحسن الكناني الإشبيلي، وسابعهم محمد بن إبراهيم بن مفرّج الأوسي الدبّاغ، وثامنهم أبو جعفر أحمد بن علي الرّعيني، وتاسعهم أبو علي بن أبي الأحوص. وصمته: فروى الناس أنه وجد بخزانته بعد وفاته زمام يشتمل على مثالب أهل غرناطة، مما يحدث على الأيام في أفرادهم من فلتات يجريها عدم الاتّصاف بالعصمة. استقرّ عند ولده الفضل، زعموا، ثم خفي أثره، ستر الله عيوبنا برحمته. وفاته: توفي بمالقة قرب صلاة المغرب، يوم الأحد الموفّي عشرين لذي الحجة عام تسعة وتسعين وستمائة، ودفن بخارج باب قبالة في مالقة المذكورة بمقربة من رابعة بني عمّار، وبالروضة المنسوبة لبني يحيى، نقلت من خط ولده الفضل.

стр. 90

أحمد بن محمد بن أحمد بن قعنب الأزدي يكنى أبا جعفر، ويعرف بابن قعنب. أوّليّته: ذكر الأستاذ ابن الزّبير في «صلته» وغيره، أن قوما بغرناطة يعرفون بهذه المعرفة، فإن كان منهم، فله أوّليّة لا بأس بها. حاله: كان من شيوخ كتّاب الشّروط معرفة بالمسائل، واضطلاعا بالأحكام، وانفرد بصحّة الوثيقة، باقعة «١» من بواقع زمانه، وعيّابة «٢» في مشايخ قطره، يألف النّادرة الحارّة في ملاء من النّوك والغفلة، فلا يهتزّ لموقع نادرة، ولا يضحك عقب عقد صرعة، لقلقه غير ما مرة، غير مجلس من مجالس القضاء من بني مسعود المزراة أحكامهم، المرميّة بتهكّمه وإزرائه، فتقتّع «٣» في طريق حكمهم خطى منفسحة، غير مكترث بهوانه، ولا غاصّ بلسانه. وربما قال لبعض الوزعة «٤» من قادته بمحبسه، وقد توقّفوا به في بعض الطريق، توقّعا لسكون غضب قاضيهم، ابعثوا بعضهم إلى هذا المحروم، لنرى ما عزم عليه، بكلام كثير الفتور والاستكانة، له في هذا الباب شهرة. ذكر بعض نزعاته: حدّثني ملازمه، وقف عليه، أبو القاسم بن الشيخ الرئيس أبي الحسن بن الجيّاب، وقد أعمل والده، رحلة إلى مالقة لزيارة شيخه الذي تلمذ له، وشهر بالتشيّع فيه، أبي عبد الله السّاحلي، صاحب الأتباع والطريقة، وكان مفرط الغلوّ فيه، واستصحب ولده الصغير، فسأله عن سفر أبيه وسعيه، فقال: نعم، واحتمل أخي، فقال: أظنه منذر ولد كان غير مغتطس، فحمله الشيخ، فغطّسه، واستغرب كلّ من حضر ضحكا، فلم يبتسم هو كأنه لا شعور عنده بما ذهب إليه، فكانت إحدى الطّوام عند الشيخ. وحدّثني، قال: جاءت امرأة تخاصم ميّارا «٥» ، أوصلها من بعض المدن، في أمر نشأ بينهما، وبيده عقد، فقال بعض جيرانه، من نصّه حاكيا: «وأنه جامعها من موضع كذا إلى كذا» ولم يرسم المدّ على ألف «جا» ، فقال الشيخ للمرأة: أتعرفين أن هذا الميّار جامعك في الطريق أي فعل بك، فقالت: معاذ الله، ونفرت من ذلك،

стр. 91

فقال: كذا شهد عليك الفقيه، وأشار إلى جاره. ومثل ذلك كثير. ولّي القضاء بأماكن عديدة كلوشة، وبسطة، والمسند، وبرجة، وأرجبة، وغير ذلك. مشيخته: يحمل عن الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، والخطيب الصالح أبي عبد الله بن فضيلة، وأبي محمد بن سماك، وأبي الحسن بن مستقور. مولده: عام سبعين وستمائة. توفي قاضيا ببرجة بعد علّة سدكت «١» به في السادس عشر من شعبان من عام اثنين وثلاثين وسبعمائة، وانتقل منها في وعاء خشب. ودفن بمقبرة إلبيرة، تجاوز الله عنه ورحمه. أحمد بن محمد بن سعيد بن زيد الغافقي من أهل غرناطة، وجلّة بيوتها، ويأتي من ذكر ذلك ما فيه كفاية. حاله: هذا الرجل ممّن صرفت إلى الله رجعاه، وخلصت له معاملته، وخلص إليه انقطاعه. نازع في ذلك نفسا جامحة في الحزم، عريقة في الغفلة، فكتب الله له النصر عليها دفعة، فشمّر وفوّت الأصول للحضرة في باب الصّدقة، ونبذ الشواغل، وحفظ كتاب الله على الكبرة، واستقبل المحراب، ملغيا سواه، درأ به، فاتّفق على فضله، وغبط في حسن فيئته. وله ديوان نبيل يتضمّن كثيرا من فقه النفس والبدن، دلّ على نبله، وهو بحاله الموصوفة إلى هذا العهد. نفعه الله تعالى. مولده: بغرناطة عام تسعين وستمائة. أحمد بن أبي سهل بن سعيد بن أبي سهل الخزرجي من أهل الحمّة «٢» ، يكنى أبا جعفر. حاله: من أهل الخير والعفاف والطهارة والانقباض، والصحة والسّلامة، أصيل البيت، معروف القدم ببلده، حرّ النادرة، قرأ بالحضرة، واجتهد، وحصّل؛ ولازم الأستاذ أبا عبد الله الفخّار وغيره من أهل عصره. وولّي القضاء ببلدة الحمّة، ثم بغربي مالقة. وهو الآن قاض بها، مشكور السّيرة.

стр. 92

أحمد بن عمر بن يوسف بن إدريس بن عبد الله ابن ورد التميمي من أهل ألمريّة. يكنى أبا القاسم، ويعرف بابن ورد. حاله: قال الملّاحي: كان من جلّة الفقهاء المحدّثين. قال ابن الزّبير كذلك، وزاد: موفور الحظّ من الأدب والنحو والتاريخ، متقدّما في علم الأصول والتّفسير، حافظا متقنا، ويقال إن علم المالكيّة انتهت إليه الرياسة فيه، وإلى القاضي أبي بكر بن العربي، في وقتهما، لم يتقدّمهما في الأندلس أحد بعد وفاة أبي الوليد بن رشد. قال: أخبرني الثّقة أبو عبد الله بن جوبر عن أبي عمر بن عات، قال: حديث ابن العربي، اجتمع بابن ورد، وتبايتا ليلة، وأخذا في التّناظر والتذاكر، فكانا عجبا. يتكلّم أبو بكر فيظن السامع أنه ما ترك شيئا إلّا أتى به، ثم يجيبه أبو القاسم بأبدع جواب ينسي السامعين ما سمعوا قبله. وكانا أعجوبتي دهرهما. وكان له مجلس يتكلّم فيه على الصّحيحين، ويخصّ الأخمسة بالتفسير. حلوله غرناطة: قال المؤرّخون: ولّي قضاء غرناطة سنة عشرين، فعدل وأحسن السّيرة، وبه تفقّه طلبتها إذ ذاك. مشيخته: روي عن أبي علي الغسّاني، وأبي الحسن بن سراج، وأكثر عنه، وأبي بكر بن سابق الصقيلي، وأبي محمد بن عبد الله بن فرج، المعروف بالعسّال الزّاهد، ولازمه، وهو آخر من روى عنه. ورحل إلى سجلماسة، وناظر عند ابن العوّاد. وروي أيضا عن أبي الحسن المبارك، المعروف بالخشّاب، وكان الخشّاب يحمل عن أبي بكر بن ثابت الخطيب وغيره. من روى عنه: وروى عنه جماعة كأبي جعفر بن الباذش، وأبي عبيد الله، وابن رفاعة، وابن عبد الرحيم، وابن حكيم وغيرهم. وآخر من روى عنه، أبو القاسم بن عمران الخزرجي بفاس. وفاته: توفي بألمريّة في الثاني عشر لرمضان سنة أربعين وخمسمائة. أحمد بن محمد بن علي بن أحمد بن علي الأموي «١» يكنى أبا جعفر، ويعرف بابن برطال، أصله من قرية تعرف بحارة البحر من وادي طرّش نصر، حصن منتماس من شرقي مالقة، من بيت خير وأصالة،

стр. 93

وانتقل سلفه إلى مالقة، فتوشّجت لهم بها عروق، وصاهروا إلى بيوتات نبيهة. حاله: كان من أهل الخير، وكان على طريقة مثلى من الصّمت، والسّمت، والانقباض، والذكاء، والعدالة والتخصّص، محوّلا في الخير، ظاهر المروءة، معروف الأصالة، خالص الطّعمة، كثير العفّة، مشهور الوقار والعفاف، تحرّف بصناعة التوثيق على انقباض. دخوله غرناطة: تقدّم قاضيا بغرناطة، بعد ولاية القضاء ببلده، وانتقل إليها، وقام بالرّسم المضاف إلى ذلك، وهو الإمامة بالمسجد الأعظم منها، والخطابة بجامع قلعتها الحمراء؛ واستقلّ بذلك إلى تاسع جمادى الثانية من عام أحد وأربعين وسبعمائة، على قصور في المعارف، وضعف في الأداة، وكلال في الجدّ، ولذلك يقول شيخنا أبو البركات بن الحاج «١» : [الرمل] إنّ تقديم ابن برطال دعا ... طالب «٢» العلم إلى ترك الطّلب حسبوا الأشياء عن «٣» أسبابها ... فإذا الأشياء عن غير سبب إلّا أنه أعانته «٤» الدربة والحنكة على تنفيذ الأحكام، فلم تؤثر عنه فيها أحدوثة، واستظهر بجزالة أمضت حكمه، وانقباض عافاه عن الهوادة، فرضيت سيرته، واستقامت طريقته. مشيخته: لقي والده، شيخ القضاة، وبقيّة المحدّثين، وله الرواية العالية، والدرجة الرفيعة، حسبما يأتي في اسمه، ولم يؤخذ عنه شيء فيما أعلم. شعره: أنشدني الوزير أبو بكر بن ذي الوزارتين أبي عبد الله بن الحكيم، قال: أنشدني القاضي أبو جعفر بن برطال لنفسه، مودّعا في بعض الأسفار «٥» : [الكامل] أستودع اللهمّ «٦» من لوداعهم ... قلبي وروحي إذ دنى لوداعي «٧»

стр. 94

بانوا وطرفي «١» والفؤاد ومقولي ... باك ومسلوب العزاء وداع فتولّ يا مولاي حفظهم ولا ... تجعل تفرّقنا فراق وداع وفاته: توفي، ﵀ وعفا عنه، أيام الطاعون الغريب «٢» بمالقة، في منتصف ليلة الجمعة خامس صفر عام خمسين وسبعمائة «٣» ، وخرجت جنازته في اليوم التالي، ليلة وفاته في ركب من الأموات، يناهز الألف، وينيف بمائتين، واستمرّ ذلك مدة، وكان مولده عام تسعة وثمانين وستمائة، رحمه الله تعالى. أحمد بن عبد الله بن محمد بن الحسن بن عميرة المخزومي «٤» بلنسي شقوري الأصل، يكنى أبا مطرّف. أوّليّته: لم يكن من بيت نباهة؛ ووقع لابن عبد الملك في ذلك نقل، كان حقه التجافي عنه، لو وفّق. حاله: قال ابن عبد الملك «٥» : كان أوّل طلبه العلم شديد العناية بشأن الرواية، فأكثر من سماع الحديث وأخذه عن مشايخ أهله، وتفنّن «٦» في العلوم، ونظر في العقليّات «٧» وأصول الفقه، ومال إلى الأدب «٨» فبرع فيه «٩» براعة عدّ بها من كبار مجيدي النّظم. وأما «١٠» الكتابة، فهو «١١» علمها المشهور، وواحدها الذي «١٢» عجزت عن ثانيه «١٣» الدّهور، ولا سيما في مخاطبة الإخوان، هنالك استولى على أمد الإحسان، وله المطوّلات المنتخبة، والقصار المقتضبة، وكان يملح كلامه نظما ونثرا بالإشارة إلى التاريخ «١٤» ، ويودعه إلماعات بالمسائل «١٥» العلمية

стр. 95

منوّعة المقصد «١» . قلت: وعلى الجملة، فذات أبي المطرّف فيما ينزع إليه، ليست من ذوات الأمثال، فقد كان نسيج وحده، إدراكا وتفنّنا، بصيرا بالعلوم، محدّثا، مكثرا، راوية ثبتا، سجرا في التاريخ والأخبار، ريّان، مضطلعا بالأصلين، قائما على العربية واللغة، كلامه كثير الحلاوة والطّلاوة، جمّ العيون، غزير المعاني والمحاسن، وافد أرواح المعاني، شفّاف اللفظ، حرّ المعنى، ثاني بديع الزمان، في شكوى الحرفة، وسوء الحظ، ورونق الكلام، ولطف المأخذ، وتبريز النثر على النظم، والقصور في السّلطانيات. مشيخته: روى عن أبي الخطاب بن واجب، وأبي الربيع بن سالم، وأبي عبد الله بن فرج وأبي علي الشّلوبين، وأبي عمر بن عات، وأبي محمد بن حوط الله، لقيهم، وقرأ عليهم، وسمع منهم، وأجازوا له؛ وأجاز له من أهل المشرق أبو الفتوح نصر بن أبي الفرج وغيره. من روى عنه: روى عنه ابنه القاسم، وأبو بكر بن خطّاب، وأبو إسحاق البلقيني الحفيد، والحسن بن طاهر بن الشّقوري، وأبو عبد الله البرّي. وحدّث عنه أبو جعفر بن الزّبير، وابن شقيف، وابن ربيع، وغيرهم مما يطول ذكره. نباهته: صحب أبا عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن خطّاب قبل توليته ما تولّى من رياسة بلده، وانتفع به كثيرا؛ وكتب عن الرئيس أبي جميل زيّان بن سعد وغيره من أمراء شرق الأندلس. ثم انتقل إلى العدوة «٢» ، واستكتبه الرشيد أبو محمد عبد الواحد بمراكش، مدة يسيرة؛ ثم صرفه عن الكتابة وولّاه قضاء مليانة من نظر مرّاكش الشرقي، فتولّاه قليلا، ثم نقله إلى أقصى رباط الفتح. وتوفي الرشيد، فأقرّه على ذلك الوالي بعده، أبو الحسن المعتضد أخوه؛ ثم نقله إلى قضاء مكناسة الزّيتون؛ ثم لمّا قتل المعتضد لحق بسبتة، وجرى عليه بطريقها ما يذكر في محنته. ثم ركب البحر منها متوجّها إلى إفريقية، فقدم بجاية على الأمير أبي زكريا يحيى بن الأمير أبي زكريا. ثم توجّه إلى تونس فنجحت بها وسائله، وولّي قضاء مدينة الأرش. ثم انتقل إلى قابس، وبها طالت مدة ولايته؛ واستدعاه المستنصر بالله محمد بن أبي زكريا، ولطف محلّه منه، حتى كان يحضر مجالس أنسه، وداخله بما قرفته الألسن بسببه حسبما يذكر في وصمته.

стр. 96

مناقبه: وهي الكتابة والشعر؛ كان يذكر أنه رأى في منامه النبيّ، ﷺ ، فناوله أقلاما، فكان يروى له أن تأويل تلك الرّؤيا، ما أدرك من التّبريز في الكتابة، وشياع الذكر، والله أعلم. ومن بديع ما صدر عنه، فيما كتب في غرض التّورية، قطعة من رسالة، أجاب بها العبّاس بن أمية، وقد أعلمه باستيلاء الروم على بلنسية، فقال: «بالله أيّ نحو ننحو، أو مسطور نثبت أو نمحو؛ وقد حذف الأصل والزّائد، وذهبت الصّلة والعائد؛ وباب التعجّب طال، وحال اليأس لا تخشى الانتقال؛ وذهبت علامة الرّفع، وفقدت نون الجمع؛ والمعتلّ أعدى الصّحيح والمثلّث أردى الفصيح؛ وامتنعت الجموع من الصّرف، وأمنت زيادتها من الحذف؛ ومالت قواعد الملّة، وصرنا جمع القلّة؛ وظهرت علامة الخفض، وجاء بدل الكلّ من البعض» . ومن شعره في المقطوعات التي ورّى فيها بالعلوم قوله «١» : [الخفيف] قد عكفنا على الكتابة حينا ... وأتت «٢» خطّة القضاء تليها وبكلّ لم يبق للجهد إلّا ... منزلا نابيا وعيشا كريها نسبة بدّلت ولم تتغيّر ... مثل ما يزعم المهندس فيها وكقوله مما افتتح به رسالة «٣» : [البسيط] يا غائبا سلبتني الأنس غيبته ... فكيف صبري وقد كابدت بينهما؟ دعواي أنّك في قلبي فعارضها «٤» ... شوقي إليك فكيف الجمع بينهما؟ وفي مثل ذلك استفتاح رسالته أيضا «٥» : [الكامل] إن «٦» الكتاب أتى وساحة طرسه ... روح «٧» موشّى بالبديع مرتّع «٨» وله حقوق ضاق وقت وجوبها ... ومن الوجوب مضيّق «٩» وموسّع

стр. 97

وفي مثل ذلك في استفتاح رسالة أيضا «١» : [الكامل] كبّرت بالبشرى «٢» أتت وسماعها ... عيدي الذي لشهوده تكبيري وكذلك الأعياد سنّة يومها ... مختصّة بزيادة التّكبير وفي أغراض أخر «٣» : [الخفيف] بايعونا مودّة هي عندي ... كالمرآة «٤» بيعها بالخداع فسأقضي بردّها ثم أقضي ... بعدها «٥» من مدامعي ألف صاع وله في معنى آخر «٦» : [الطويل] شرّطت عليهم عند تسليم مهجتي ... وعند انعقاد البيع قربا يواصل فلمّا أردت الأخذ بالشّرط أعرضوا ... وقالوا يصحّ البيع والشّرط باطل تصانيفه: له تأليف في كائنة ميرقة «٧» وتغلّب الرّوم عليها، نحى فيه منحى العماد الأصفهاني، في الفتح القدسي «٨» ؛ وكتابه في تعقيبه على فخر الدين بن الخطيب الرّازي في كتاب المعالم في أصول الفقه منه؛ وردّه على كمال الدين أبي محمد بن عبد الكريم السّماكي في كتابه المسمّى بالتّبيان في علم البيان؛ واقتضابه النبيل في ثورة المريدين «٩» ، إلى غير ذلك من التعاليق والمقالات، ودوّن الأستاذ أبو عبد الله بن هانىء السّبتي كتابته وما يتخلّلها من الشّعر في سفرين بديعين أتقن ترتيبهما، وسمّى ذلك «بغية المستطرف، وغنية المتطرّف، من كلام إمام الكتابة ابن عميرة أبي المطرّف» . دخوله غرناطة: قال شيخنا أبو الحسن بن الجيّاب: عمير أخبر بذلك من شيوخه، والرجل ممّن يركن إليه في أخباره فيما أحقّوا على سبيل الرواية والإخبار، من شرّق الأندلس إلى غرناطة، إلى غربها إلى غير ذلك، عند رحلته، وهو الأقرب، وقال: قال المخبر: عهدي به طويلا، نحيف الجسم، مصفرّا، أقنى الأنف؛ أصيب

стр. 98

بمالقة ما أحوج ما كان إليه، وقد استقبل الكبرة «١» ، ونازعه سوء الحظّ. قال الشيخ أبو الحسن الرّعيني: إنه كتب إليه يعلمه بهذه الحادثة عليه، وأن المنهوب من ماله يعدل أربعة آلاف دينار عشرية، وكان ورقا وعينا وحليّا وذلك أنه لمّا قتل المعتضد، اغتنم الفطرة، وفصل عن مكناسة، قاصدا سبته، فلقي الرفقة التي كان فيها جمع من بني مرين، سلبوه وكلّ من كان معه. مولده: بجزيرة شقر «٢» ، وقيل ببلنسية، في رمضان اثنتين وثمانين وخمسمائة. وفاته: توفي بتونس ليلة الجمعة الموفية عشرين ذي الحجة عام ستة وخمسين وستمائة «٣» . قال ابن عبد الملك «٤» : ووهم ابن الزبير في وفاته، إذ جعلها في حدود الخمسين وستمائة أو بعدها. أحمد بن عبد الحق بن محمد بن يحيى ابن عبد الحق الجدلي «٥» من أهل مالقة، يكنى أبا جعفر، ويعرف بابن عبد الحق. حاله: من «٦» صدور أهل العلم والتفنّن في هذا الصّقع الأندلسي، نسيج وحده في الوقار والحصافة، والتزام مثلى الطريقة، جمّ التّحصيل، سديد النظر، كثير التخصّص، محافظ على الرسم، مقبوض العنان في التّطفيف في إيجاب الحقوق لأهلها، قريب من الاعتدال في معاملة أبناء جنسه، مقتصد مع ثروته، مؤثر للترتيب في كافّة أمره، متوقّد الفكرة مع سكون، ليّن العريكة مع مضاء؛ مجموع خصال حميدة مما يفيد التجريب والحنكة؛ مضطلع بصناعة العربية، حائز قصب السّبق فيها، عارف بالفروع والأحكام، مشارك في فنون من أصول، وطبّ، وأدب، قائم على

стр. 99

القراءة «١» ، إمام في الوثيقة، حسن الخطّ، مليح السّمة والشيبة، عذب الفكاهة، حسن العهد، تامّ الرجولية. نباهته: تصدّر «٢» للإقراء ببلده على وفور أهل العلم، فكان سابق الحلبة، ومناخ الطيّة، إمتاعا، وتفنّنا، وحسن إلقاء. وتصرّف في القضاء ببلّش وغيرها من غربي بلده، فحسنت سيرته، واشتهرت طريقته، وحمدت نزاهته. ثم ولّي خطّة القضاء بمالقة، والنظر في الأحباس «٣» بها، على سبيل من الحظوة والنّباهة، مرجوعا إليه في كثير من مهمّات بلده، سائمة وجوه السعادة، ناطقة ألسن الخاصّة والعامّة بفضله، جمّاعة نزاهته، آويا إلى فضل بيته. واتّصلت ولايته إيّاها إلى هذا العهد، وهي أحد محامد الوالي، طول مدة الولاية، لا سيما القاضي، ممّا يدلّ على الصبر، وقلّة القدح، وسدّ أبواب التّهم، والله يعينه، ويمتّع به بمنّه. مشيخته: قرأ على الأستاذ أبي عبد الله بن بكر، وهو نجيب حلبته، والسّهم المصيب من كنانته، لازمه، وبه تفقّه وانتفع، وتلا القرآن عليه وعلى محمد «٤» بن أيوب، وعلى أبي القاسم بن درهم علمي وقتهما في ذلك، وعلى غيرهما، وتعلّم الوثيقة على العاقد القاضي أبي القاسم بن العريف. وروى عن الخطيبين المحدّثين أبي عثمان بن عيسى وأبي عبد الله الطّنجالي، وغيرهما. دخوله غرناطة: تردّد إليها غير ما مرّة، منها في أمور عرضت في شؤونه الخاصّة به، ومنها مع الوفود الجلّة، من أهل بلده، تابعا قبل الولاية، متبوعا بعدها. ومن شعره قوله في جدول «٥» : [الكامل] ومقارب الشّطّين أحكم صقله «٦» ... كالمشرفيّ إذا اكتسى بفرنده فحمائل «٧» الدّيباج منه خمائل ... ومعانق «٨» فيها البهار بورده وقد اختفى طرف «٩» له في دوحة ... كالسّيف ردّ ذبابه في غمده

стр. 100

وقوله في شجر نارنج مزهر «١» : [الكامل] وثمار نارنج نرى أزهارها ... مع ناتئ «٢» النّارنج في تنضيد فإذا نظرت إلى تألّفها «٣» أتت ... كمباسم أومت للثم خدود وفاته: في زوال يوم الجمعة السابع «٤» والعشرين لرجب عام خمسة وستين وسبعمائة. مولده: ثامن شوّال عام ثمانية وتسعين وستمائة. أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد ابن الصقر الأنصاري الخزرجي «٥» يكنى أبا العباس، من أهل الثّغر الأعلى. أوّليته: من سرقسطة «٦» ، حيث منازل الأنصار هنالك؛ انتقل جدّ أبيه عبد الرحمن بابنه الصغير «٧» منها لحدوث بعض الفتن بها إلى بلنسية، فولد له ابنه عبد الرحمن أبو العباس «٨» هذا؛ ثم انتقل أبوه إلى ألمريّة، فولد أبو العباس بها، ونقله أبوه إلى سبتة فأقام بها مدّة «٩» . حاله: كان «١٠» محدّثا مكثرا ثقة، ضابطا، مقرئا، مجوّدا، حافظا للفقه، ذاكرا للمسائل «١١» ، عارفا بأصولها «١٢» ، متقدّما في علم الكلام، عاقدا للشروط، بصيرا بعللها؛ حاذقا بالأحكام، كاتبا بليغا، شاعرا محسنا، أتقن «١٣» أهل عصره خطّا، وأجلّهم منزعا، ما اكتسب قطّ شيئا من متاع الدّنيا، ولا تلبّس بها، مقتنعا

стр. 101

باليسير، راضيا بالدّون، مع الهمّة العليّة، والنفس الأبيّة، على هذا قطع عمره، وكتب من دواوين العلم ودفاتره، ما لا يحصى كثرة، بجودة «١» وضبط وحسن خطّ؛ وعني به أبوه في صغره، فأسمعه كثيرا من الشروح، وشاركه في بعضهم. نفعه الله. نباهته: استدعاه أبو عبد الله بن حسّون، قاضي مرّاكش، إلى كتابته، إلى أن صرف، واستقرّ هو متولّي حكمها وأحكامها، والصلاة في مسجدها، ثم ترك الأحكام، واستقرّ في الإمامة. ولمّا تصيّر الأمر إلى الموحّدين، ألحقه عبد المؤمن «٢» منهم، بجملة طلبة العلم، وتحفّى به، وقدّمه إلى الأحكام بحضرة مرّاكش، فقام بها مدّة، ثم ولّاه قضاء غرناطة، ثم نقله إلى إشبيلية قاضيا بها مع وليّ عهده. ولمّا صار الأمر إلى يعقوب «٣» ، ألزمه خدمة الخزانة العلمية وكانت عندهم من الخطط التي لا يعيّن لها إلّا كبار أهل العلم وعليّهم، وكانت مواهب عبد المؤمن له جزلة، وأعطياتهم مترافهة كثيرة. مشيخته: قرأ القرآن على أبيه، وأكثر عنه، وأجاز له، وعلى أبي الحسن التطيلي، قال: وهو أول من قرأت عليه. من روى عنه: روى عنه أبو عبد الله، وأبو خالد يزيد بن يزيد بن رفاعة، وأبو محمد بن محمد بن علي بن وهب القضاعي. دخوله غرناطة: صحبة «٤» القاضي أبي القاسم بن جمرة، ونوّه به واستخلفه إذ وليها، وقبض عليه بكلتي يديه، ثم استقضي بها أبو الفضل عياض بن موسى، فاستمسك به، واشتمل عليه؛ لصحبة كانت بينهما وقرابة، إلى أن صرف عنها أبو الفضل عياض، فانتقل إلى وادي آش، فتولّى أحكامها والصلاة بها، ثم عاد إلى غرناطة سنة ست وثلاثين، إلى أن استقضي بغرناطة في دولة أبي محمد بن

стр. 102

عبد المؤمن بن علي؛ فحمدت سيرته، وشكر عدله، وظهرت نزاهته، ودام بها حتى ظنّ من أهلها. شعره: وشعره في طريقة الزهد، وهي لا ينفذ فيها إلّا من قويت عارضته، وتوفّرت مادّته «١» : [الطويل] إلهي لك الملك العظيم حقيقة ... وما للورى مهما منعت نقير تجافى بنو الدنيا مكاني فسرّني ... وما قدر مخلوق جداه حقير وقالوا فقير وهو «٢» عندي جلالة ... نعم صدقوا إني إليك فقير وشعره في هذا المعنى كثير، وكله سلس المقادة، دالّا على جودة الطبع. ومن شعره قوله «٣» : [الكامل] أرض العدو بظاهر متصنّع ... إن كنت مضطرّا إلى استرضائه «٤» كم من فتى ألقى بوجه «٥» باسم ... وجوانحي تنقدّ «٦» من بغضائه تصانيفه: له» تصانيف مفيدة تدلّ على إدراكه وإشرافه، كشرحه «الشّهاب» ، فإنه أبدع فيه، وكتابه «أنوار الأفكار، فيمن دخل جزيرة الأندلس من الزّهّاد والأبرار» ، ابتدأ تأليفه، وتوفي دون إتمام غرضه فيه، فكمّله عبد الله ابنه. محنته: كان ممّن وقعت عليه المحنة العظمى بمرّاكش يوم دخول الموحّدين إياها، يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شوّال عام أحد «٨» وأربعين وخمسمائة، على الوجه المشهور في استباحة دماء كل من اشتملت عليه من الذّكور البالغين؛ إلّا من تسترّ بالاختفاء في سرب أو غرفة أو مخبأ. وتمادى القتل فيها ثلاثة أيام، ثم نودي بالعفو عمّن أشارته الفتكة الكبرى، فظهر من جميع الخلق بها، ما يناهز السبعين رجلا، وبيعوا بيع أسارى المشركين، هم وذراريهم، وعفي عنهم، فكان أبو العباس ممّن تخطّته المنيّة، واستنقذه من الرّقّ العفو، وحسبك بها محنة، نفعه الله، وضاعت له في ذلك وفي غيره كتب كثيرة بخطّه وبغير خطّه، مما تجلّ عن القيمة.

стр. 103

مولده: بألمريّة في أواخر شهر ربيع سنة اثنتين «١» وخمسمائة. وفاته: توفي بمرّاكش بين صلاة الظهر والعصر، في يوم الأحد لثمان خلون من جمادى الأولى سنة تسع وخمسين وخمسمائة «٢» . ودفن يوم الاثنين بعده عقب صلاة الظهر، وصلّى عليه القاضي أبو يوسف حجاج؛ وكانت جنازته عظيمة المحفل، كثيرة الجمع؛ برز إليها الرجال والنساء ورفعوا نعشه على الأيدي، ﵀. ومما رثاه به جاره وصديقه أبو بكر بن الطفيل «٣» ، وهو بإشبيلية، بعث بها إلى ابنه مع كتاب في غرض العزاء «٤» : [الوافر] لأمر ما تغيّرت الدّهور ... وأظلمت الكواكب والبدور وطال على العيون الليل حتى «٥» ... كأنّ النّجم فيه لا يغور أحمد بن أبي القاسم بن عبد الرحمن يعرف بابن القبّاب، من أهل فاس، ويكنى أبا العباس. حاله: هذا الرجل، صدر عدول «٦» الحضرة الفاسيّة، وناهض عشّهم، طالب، فقيه، نبيه، مدرك، جيّد النظر، سديد الفهم؛ حضر الدرس بين يدي السلطان، وولّي القضاء بجبل الفتح «٧» ، متّصفا فيه بجزالة وانتهاض. تعرّفت به بمدينة فاس، فأعجبتني سيمته؛ ووصل مدينة سلا في غرض اختبار واستطلاع الأحوال السلطانية؛ واستدعيته فاعتذر ببعض ما يقبل، فخاطبته بقولي «٨» : [الوافر] أبيتم دعوتي إمّا لشأو «٩» ... وتأبى لومه مثلى الطريقه

стр. 104

وبالمختار للناس اقتداء ... وقد حضر الوليمة والعقيقه وغير غريبة أن رقّ حرّ ... على من حاله مثلي رقيقه وإمّا زاجر الورع اقتضاها ... ويأبى ذاك دكان الوثيقه وغشيان المنازل لاختبار ... يطالب بالجليلة والدّقيقه شكرت مخيلة كانت مجازا ... لكم وحصلت بعد على الحقيقه وتفرّع الكلام على قولي: «ويأبى ذاك دكان الوثيقه» ، بما دعي إلى بيانه بتصنيفي فيه الكتاب المسمّى «بمثلى الطريقة في ذمّ الوثيقه» . دخوله غرناطة: في عام اثنين وستين وسبعمائة، موجّها من قبل سلطان المغرب أبي سالم بن أبي الحسن لمباشرة صدقة عهد بها لبعض الرّبط «١» ؛ وهو إلى الآن، عدل بمدينة فاس، بحال تجلّة وشهرة. ثم تعرّفت أنه نسك ورفض العيش من الشهادة ككثير من الفضلاء. أحمد بن إبراهيم بن الزّبير بن محمد بن إبراهيم بن الحسن ابن الحسين بن الزبير بن عاصم بن مسلم بن كعب الثّقفي «٢» يكنى أبا جعفر. أوّليته: كعب الذي ذكر، هو كعب بن مالك بن علقمة بن حباب بن مسلم بن عدي بن مرّة بن عوف بن ثقيف؛ أصله من مدينة جيّان، منزل قنّسرين، من العرب الداخلين إلى الأندلس؛ ونسبه بها كبير، وحسبه أصيل، وثروته معروفة. خرج به أبوه عند تغلّب العدوّ عليها عام ثلاثة وأربعين وستمائة، ولأبيه إذ ذاك إثراء وجدة أعانته على طلب العلم، وإرفاد «٣» من أحوجته الأزمة في ذلك الزمان من جالية العلماء عن قرطبة وإشبيلية كأبي الحسن الصائغ وغيره، فنصحوا له، وحطبوا في حبله. حاله: كان خاتمة المحدّثين، وصدور العلماء والمقرئين، نسيج وحده، في حسن التعليم، والصبر على التّسميع، والملازمة للتدريس، لم تختلّ له، مع تخطّي

стр. 105

الثمانين، ولا لحقته سآمة، كثير الخشوع والخشية، مسترسل العبرة، صليبا في الحق، شديدا على أهل البدع، ملازما للسّنّة، جزلا، مهيبا، معظّما عند الخاصّة والعامّة، عذب الفكاهة، طيّب المجالسة، حلو النّادرة، يؤثر عنه في ذلك حكايات، لا تخلّ بوقار، وتحلّ بجلال منصب. فنونه: إليه انتهت الرّياسة بالأندلس في صناعة العربية، وتجويد القرآن، ورواية الحديث، إلى المشاركة في الفقه، والقيام على التّفسير، والخوض في الأصلين. مشيخته: أخذ عن الجلّة المقرئين، كالمقرئ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن مستقور «١» الغرناطي الطائي. نباهته وخططه: ولّي قضاء المناكح، والخطبة بالحضرة، وبلغ من الشّهرة والإشادة بذكره، ما لم يبلغه سواه. تصانيفه: من تأليفه كتاب «صلة الصّلة» لابن بشكوال، التي وصلتها بعده، وسمّيت كتابي ب «عائد الصلة» ، وافتتحت أول الأسماء فيه باسمه؛ وكتاب «ملاك التأويل، في المتشابه اللفظ في التّنزيل» غريب في معناه؛ والبرهان في ترتيب سور القرآن؛ وشرح الإشارة للباجي في الأصول؛ وسبيل الرّشاد في فضل الجهاد؛ وردع الجاهل عن اغتياب المجاهل، في الرد على الشّودية «٢» ، وهو كتاب جليل ينبئ عن التفنّن والاضطلاع؛ وكتاب الزمان والمكان، وهو وصمة، تجاوز الله عنه. شعره: وشعره مختلف عن نمط الإجادة، مما حقّه أن يثبت أو ثبت في كتاب شيخنا أبي البركات المسمّى «شعر من لا شعر له» مما رواه، ممّن ليس الشعر له بضاعة، من الأشياخ الذي عدّ صدر عنهم هو. فمن شعره «٣» : [السريع] ما لي وللتسئال لا أمّ لي ... سألت «٤» من يعزل أو من يلي حسبي ذنوب «٥» أثقلت كاهلي ... ما إن أرى إظلامها «٦» ينجلي

стр. 106

يا ربّ، عفوا إنها جمّة ... إن لم يكن عفوك لا أمّ لي محنته: نشأت بينه وبين المتغلب بمالقة من الرؤساء التّجيبيين من بني إشقيلولة «١» ، وحشة أكّدتها سعاية بعض من استهواهم رجل ممخرق من بني الشّعوذة، ومنتحلي الكرامة، يمتطيها، زعموا إلى النبوّة، يعرف بالفزاري، واسمه إبراهيم، غريب المنزع، فذّ المآخذ، أعجوبة من أعاجيب الفتن، يخبر بالقضايا المستقبلة، ويتسوّر سور حمى العادة في التطوّر من التقشّف والخلابة، تبعه ثاغية وراغية، من العوام الصّمّ البكم، مستفزّين فيه حياته؛ وبعد زمن من مقتله، على يد الأستاذ بغرناطة، قرعه بحقّه، وبادره بتعجيل نكيره، فاستغاث بمفتونه الرئيس، ظهير محاله فاستعصى له؛ وبلغ الأستاذ النياحة، ففرّ لوجهه، وكبس منزله لحينه، فاستولت الأيدي على ذخائر كتبه، وفوائد تقييده عن شيوخه، على ما طالت له الحسرة، وجلّت فيه الرزيّة. ولحق بغرناطة آويا إلى كنف سلطانها الأمير أبي عبد الله بن الأمير الغالب بالله بن نصر؛ فأكرم مثواه، وعرف حقّه، وانثال عليه الجمّ الغفير لالتماس الأخذ عنه، إلى أن نالته لديه سعاية، بسبب جار له، من صلحاء القرابة النّصرية، كان ينتابه لنسبة الخيريّة، نميت عنه في باب تفضيله، واستهالت للأمر كلمة، أوجبت امتحانه، وتخلّل تلك الألقيّة «٢» من الشكّ، ما قصر المحنة على إخراجه من منزله المجاور لذلك المتّهم به، ومنعه من التصرّف، والتزامه قعر منزل انتقل إليه بحال اعتزال من الناس، محجورا عليه مداخلتهم؛ فمكث على ذلك زمانا طويلا، إلى أن سرّيت عنه النكبة، وأقشعت الموجدة، فتخلّص من سرارها بدره؛ وأقلّ من شكاتها جاهه، وأحسنت أثرها حاله، وكثر ملتمسه، وعظمت في العالم غاشيته؛ فدوّن واستمع، وروى ودرّب، وخرّج وأدّب وعلّم، وحلّق وجهر. وكانت له الطّايلة على عدوّه، والعاقبة للحسنى، بعد ثبات أمره، والظّفر بكثير من منتهب كتبه. وآلت الدولة للأمير أبي عبد الله نصر بمالقة، فطالب الفزاريّ المذكور، واستظهر بالشّهادات عليه، وبالغ في دحض دعوته، إلى أن قتل على يده بغرناطة. حدّثنا شيخنا أبو الحسن بن الجيّاب، قال: لما أمر بالتأهّب للقتل وهو في السجن الذي أخرج منه إلى مصرعه، جهر بتلاوة «ياسين» ، فقال له أحد الذّعرة، ممّن

стр. 107

جمع السجن بينهم «اقرأ قرآنك؛ على أيّ شيء تتطفّل على قرآننا اليوم» أو ما هو في معناه. فتركها مثلا للوذعيّته. مولده: ببلده جيّان في أواخر عام سبعة وعشرين وستمائة. وفاته: وتوفي بغرناطة في الثامن لشهر ربيع الأول عام ثمانية وسبعمائة. وكانت جنازته جنازة بالغة أقصى مبالغ الاحتفال، نفر لها الناس من كل أوب، واحتمل طلبة العلم نعشه على رؤوسهم، إلى جدثه، وتبعه ثناء جميل، وجزع كبير، ﵀. ورثاه طائفة من طلبته؛ وممّن أخذ عنه منهم، القاضي أبو جعفر بن أبي حبل في قصيدة أولها: [الطويل] عزيز على الإسلام والعلم ماجد ... فكيف لعيني أن يلمّ بها الكرى؟ وما لمآقي لا تفيض شؤونها ... نجيعا على قدر المصيبة أحمرا؟ فو الله ما تقضي المدامع بعض ما ... يحقّ ولو كانت سيولا وأبحرا حقيق لعمري أن تفيض نفوسنا ... وفرض على الأكباد أن تتفطّرا أحمد بن عبد الولي بن أحمد الرعيني يكنى أبا جعفر؛ ويعرف بالعوّاد، صنعة لأبيه الكاتب الصالح. حاله: هو من بيت تصاون، وعفاف، ودين، والتزام السّنّة؛ كانوا في غرناطة في الأشعار، وتجويد القرآن، والامتياز بحمله، وعكوفهم عليه، نظراء بني عظيمة بإشبيلية، وبني الباذش بغرناطة؛ وكان أبو جعفر هذا، المترجم له ممّن تطوى عليه الخناصر، معرفة بكتاب الله، وتحقيقا لحقه، وإتقانا لتجويده، ومثابرة على تعليمه، ونصحا في إفادته؛ على سنن الصالحين، انقباضا عن الناس، وإعراضا عن ذوي الوجاهة، سنيّا في قوله وفعله، خاصّيّا في جميع أحواله، مخشوشنا في ملبسه، طويل الصّمت إلّا في دست تعليمه، مقتصرا في مكسبه، متّقيا لدينه، محافظا على أواده. سأل منه رجل يوما كتب رقعة، ففهم من أمره، فقال: يا هذا، والله ما كتبت قطّ يميني إلّا كتاب الله، فأحبّ أن ألقاه على سجيّتي بتوفيقه، إن شاء الله، وتسديده. مشيخته: قرأ على الأستاذ أبي جعفر بن الزّبير، والأستاذ أبي جعفر الحزموني الكفيف، وأبي عبد الله بن رشيد وغيرهم.

стр. 108

وفاته: توفي في شهر ذي الحجة من عام خمسين وسبعمائة، ودفن بجبّانة باب الفخّارين «١» في أسفل السفح تجاه القصور الحكمية، وأتبعه الناس أحسن الثناء. أحمد بن علي بن أحمد بن خلف الأنصاري «٢» من أهل غرناطة؛ يكنى أبا جعفر، ويعرف بابن الباذش. أوّليّته: أصله من جيّان، من بيت خيريّة وتصوّن. حاله: قال القاضي أبو محمد بن عطية: إمام في المقرئين، ومقدّم في جهابذة الأستاذين، راوية، مكثر، متفنّن في علوم القراءة، مستبحر، عارف بالأدب والإعراب، بصير بالأسانيد، نقّاد لها، مميّز لشاذّها من معروفها. قال ابن الزّبير: وما علمت فيما انتهى إليه نظري وعلمي، أحسن انقيادا لطرق القراءة، ولا أجلّ اختيارا منه، لا يكاد أحد من أهل زمانه، ولا ممّن أتى بعده أن يبلغ درجته في ذلك. مشيخته: تفقّه بأبيه الإمام أبي الحسن، وأكثر الرواية عنه، واستوفى ما كان عنده، وشاركه في كثير من شيوخه. أخذ القراءات عرضا عن الإمام المقرئ أبي القاسم بن خلف بن النحّاس، رحل إلى قرطبة ولازمه؛ وعلى المقرئ أبي جعفر هابيل بن محمد الحلاسي، وأبي بكر بن عيّاش بن خلف المقرئ، وأبي الحسن بن زكريا، وأبي الحسن شريح بن محمد، وأبي محمد عبد الله بن أحمد الهمداني الجيّاني، رحل إليه إلى جيان، وتلا على جميع من ذكر. وروى بالقراءة والسّماع والإجازة على عالم كثير، كأبي داود وأبي الحسن بن أخي الرّش المقرئين، أجازا له؛ وأبي علي الغسّاني في الإمامة والإتقان، وقد أسمع عليه؛ وأبي القاسم خلف بن صواب المقرئ، وأبي عامر محمد بن حبيب الجيّاني، وأبي عبد الله محمد بن أحمد التّجيبي الشهير، وأبي محمد بن السيد، وأبي الحسن بن الأخضر، وأبي محمد عبد الله بن أبي جعفر الحافظ، وعالم كثير غير هؤلاء يطول ذكرهم. من روى عنه: روى عنه أبو محمد عبد الله، وأبو خالد بن رفاعة، وأبو علي القلعي المعدّي، وأبو جعفر بن حكم، وأبو الحسن بن الضّحّاك، وابنه أبو محمد عبد المنعم، وهو آخر من حدّث عنه.

стр. 109

تصانيفه: ألّف كتاب «الإقناع» في القراءات، لم يؤلّف في بابه مثله؛ وألّف كتاب «الطرق المتداولة» في القراءات، وأتقنه كل الإتقان، وحرّر أسانيده وأتقنها، وانتقى لها، ولم يتّسع عمره لفرش حروفهم وخلافهم من تلك الطرق. وألّف غير ما ذكر. مولده: في ربيع الأول سنة إحدى وتسعين وأربعمائة. وفاته: توفي ثاني جمادى الآخرة سنة أربعين وخمسمائة «١» ، وكان عمره تسعا وأربعين سنة. أحمد بن عبد النور بن أحمد بن راشد ﵀ يكنى أبا جعفر، من أهل مالقة، ويعرف بيته بها ببني راشد. قال شيخنا أبو البركات: نقلت اسم هذا من خطّه، ولا نعلم له نسبا إذ لم يكتبه، وشهر بابن عبد النّور. حاله: كان قيّما على العربية إذ كانت جلّ بضاعته؛ يشارك مع ذلك في المنطق، على رأي الأقدمين، وعروض الشعر، وفرائض العبادات من الفقه، وقرض الشعر. وكان له اعتناء بفكّ المعمّى، والتّنقير عن اللّغوز. وكان ذكيّ الصوت عند قراءة القرآن، خاشعا به. رحل من بلده مالقة إلى سبتة، ثم انتقل إلى الأندلس وأقرأ بوادي آش مدة، وتردّد بين ألمريّة وبرجة، يقرئ بها القرآن، وغير ذلك مما كان يشارك فيه. وناب عن بعض القضاة وقتا، ودخل غرناطة أثناء هذا السّفر. مشيخته: قال: أخذ القرآن قراءة على طريقة أبي عمرو والدّاني، على الخطيب أبي الحسن الحجاج بن أبي ريحانة المربلّي «٢» ، ولا يعلم له في بلده شيخ سواه، إذ لم يكن له اعتناء بلقاء الشيوخ، والحمل عنهم. ومن علمي أنه لقي أبا الحسن بن الأخضر المقرئ العروضي بسبتة، وذاكره في العروض، ولا أعلم هل أخذ عنه أم لا. ورأيت في تقاييدي أن القاضي أبا عبد الله بن برطال حدّثني أن ابن النّور قرأ معه الجزوليّة «٣» على ابن مفرّج المالقي تفقها، وقيّد عليه تقييدا عرضه بعد ذلك، على ابن

стр. 110

مفرج هذا؛ وهو محمد بن يحيى بن علي بن مفرج المالقي. وروى عن أبي الحجّاج المتقدّم الذّكر تيسير أبي عمرو الداني، وجمل الزّجّاجي، وأشعار الستّة، وفصيح أحمد بن يحيى بن ثعلب؛ وقفت في ذلك على رقّ أجاز فيه بعض الآخذين عنه، ولم ينصّ فيه على كيفية أخذه لهذا الكتيّب عن أبي الحجّاج. قال: ورأيت في ذلك الرّقّ أوهاما تدلّ على عدم شعوره بهذا الباب جملة، وقبول التّلقين فيه، فلا ينبغي أن يركن إلى مثله فيه. ورأيت بخط بعض أصحابه، أنه تفقّه على أبي ريحانة، ولعلّ ذلك في صغره قبل أن يتحكّم طلبه ويتفنّن، إذ الفنون التي كان يأخذ منها لم يكن أبو ريحانة مليّا بها، ولا منسوبا إليها. تصانيفه: منها كتاب «الحلية في ذكر البسملة والتصلية» . وكتاب «رصف المباني في حروف المعاني» ، وهو أجلّ ما صنّف وممّا يدلّ على تقدّمه في العربية. وجزء في العروض. وجزء في شواذّه. وكتاب في شرح الكوامل لأبي موسى الجزولي، يكون نحو الموطّأ في الجرم، وكتاب شرح مغرب أبي عبد الله بن هشام الفهري، المعروف بابن الشّواش، ولم يتمّ، انتهى فيه إلى همزة الوصل، يكون نحو الإيضاح لأبي علي. وله تقييد على الجمل غير تام. شعره: قال: وشعره وسط، بعيد عن طرفي الغثّ، والثمين أبعد؛ وكان لا يعتني فيه ولا يتكلّفه، ولا يقصد قصده؛ وإنّ ذلك لعذر في عدم الإجادة. قال الشيخ: ولديّ جزء منه تصفّحته على أن أستجيد منه شيئا أثبته له في هذا التّعريف، فرأيت «١» بعضه أشبه ببعض من الغرابة، فكتبت من ذلك، لا مؤثرا له على سواه من شعره؛ بل لمرجّح كونه أوّل خاطر بالبال، ومتلمّح خطّه بالبصر، فمن ذلك قوله من قصيدة، ومن خطه نقلت: [الطويل] محاسن من أهوى يضيق لها الشرح ... له الهمّة العلياء والخلق السّمح له بهجة يغشى البصائر نورها ... وتعشى بها الأبصار إن غلس الصّبح إذا ما رنا فاللّحظ سهم مفوّق ... وفي كل عضو من إصابته جرح إذا «٢» ما انثنى زهوا وولّى تبخترا ... يغار لذاك القدّ من لينه الرّمح وإن نفحت أزهاره عند روضة ... فيخجل ريّا زهرها ذلك النّفح هو الزّمن المأمول عند ابتهاجه ... فلمّته ليل، وغرّته صبح
следующие страницы →