Полный текст (1 954 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
وسرت إلى فاراب منها نفحة ... قدسيّة جاءت بنخبة آلها «١»
ليصوغ من ألحانه في حانها ... ما سوّغ القسيس من أرمالها
وتعلقت «٢» في سهرورد «٣» فأسهرت ... عينا يؤرّقها طروق خيالها
فخبا شهاب الدّين لمّا أشرقت ... وخبا «٤» فلم يثبت لنور جلالها
ما جنّ مثل جنونه أحد ولا ... سمحت يد بيضا بمثل نوالها
وبدت على الشّوذيّ «٥» منها نفحة «٦» ... ما لاح منها غير لمعة آلها
بطلت حقيقته وحالت حاله ... فيما يعبّر عن حقيقة «٧» حالها
هذي صبابتهم ترقّ صبابة ... فيروق شاربها صفاء زلالها
اعلم أبا الفضل بن يحيى أنني ... من بعدها أجري على آسالها «٨»
فإذا رأيت مولّها «٩» مثلي فخذ ... في عذله إن كنت من عذّالها
لا تعجبنّ لما ترى من شأنها ... في حلّها إن كان أو ترحالها
فصلاحها بفسادها ونعيمها ... بعذابها ورشادها بضلالها
ومن العجائب أن أقيم ببلدة ... يوما وأسلم من أذى جهّالها
شغلوا بدنياهم أما شغلتهم ... عنّي فكم ضيّعت من أشغالها
حجبوا بجهلهم فإن لاحت لهم ... شمس الهدى عبثوا «١٠» بضوء ذبالها
وإن انتسبت فإنني من دوحة ... تتقيّل «١١» الأقيال برد ظلالها
من حمير من ذي رعين من ذرى «١٢» ... حجر من العظماء من أقيالها
وإذا رجعت لطينتي معنى فما ... سلسالهم «١٣» بأرقّ من صلصالها
стр. 772
لله درّك أيّ نجل كريمة ... ولدته فاس منك بعد حبالها «١»
ولأنت لا عدمتك والد فخرها ... وسماك سؤددها وبدر كمالها
اغلظ على من عاث من أنذالها ... واخشع لمن تلقاه من أبدالها
والبس بما أوليتها من نعمة ... حلل الثّناء وجرّ من أذيالها
خذها أبا الفضل بن يحيى تحفة ... جاءتك لم ينسج على منوالها
ما جال في مضمارها شعر ولا ... سمحت قريحة شاعر بمثالها
وأثل أبا البركات من بركاتها ... وادفع محال شكوكه بمحالها «٢»
هذه، أمتع الله ببقائك، وأسعد بلقائك، وأراها بما تؤمّله من شريف اعتنائك، وترجوه من جميل احتفائك، ما تعرف به من احتذائك، وتعترف له ببركة اعتفائك، كريمة الأحياء، وعقيلة الأموات والأحياء، بنت الأذواء والأقيال، ومقصورة الأسرّة والحجال، بل أسيرة الأساوير والأحجال، على أنها حليفة آلام وأوصأب، وأليفة أشجان وأطراب، صبابة أغراب من صيّابة أعراب، جاورت سيف بن ذي يزن في رأس غمدان، وجاوزت مسلمة بن مخلد يوم جابية الجولان، وذلقت لسان ابن أخته حسّان، فتضاءلت لرقة حدّه جسوم بني عبد المدان، وقرّبه وما شيم من غمده قيد ابن الإطنابة بين يدي النّعمان، قربت ببني جفنة مزار جلّق، وسعرت لبني تميم نار محلق، ومرّت على معتاد غالب فما أنست ناره، وطافت ببيت عبد الله بن دارم فلم ترض جواره، ولو حلّت بفنائه، واستحلّت ما أحلّ لها من مبذول حبائه، لاغتفر لها ما جنته ببطن أواره، ولحلّت لها حبوتا مجاشع وزراره، مزقت على مزيقيا حللا، وأذهبت يوم حليمة مثلا، وأركبت عنزا شرّ يومها يجدع جملا، وناطت بأذن مارية قرطها، وجرّت على أثر الكندي مرطها، وقفها بين الدّخول فحومل فوقفت، وأنفها يوم دارة جلجل فأنفت منه وما ألفت، عقر ناقته وانتهس عبيطها، ودخل خدر عنيزة وأمال غبيطها. أغرت أبا قابوس بزياد، وأسرجت للزبيدي فرس أبي داود ونافرت بحاتم طيّ كعب إياد، وساورت للمساور، بمثل جوده السّائر. ولئن بلت الجعفري لبيدا، فلقد استعبدت الأسدي عبيدا، وقطعت به في أثر سليماه الأسدية بيدا، أرته المنيّة على حربة هندها الملحوب، وما حال قريضه، دون جريضه، وأقفر من أهله ملحوب، وما زالت تخبط في شعاب الأنساب فترشد، وتنشد ضالتها اليمانية، فتنشد:
[الكامل]
إن كنت من سيف بن ذي يزن ... فانزل بسيف البحر من عدن
стр. 773
وذر الشآم وما بناه به الر ... روميّ من قصر ومن فدن
تعلف سيل العرم وتردغسان، وتمهد لها أهضام تبالة فتقول: مرعى ولا كالسّعدان «١» ، تساجل عن سميحة بابن خرام، وتناضل بسمير يوم خزام، وتنسى قاتل ستة آلاف، وكاسي بيت الله الحرام ثلاثة الأفواف، فلو ساجلت بنبعها أبا كرب، وأرته ضراعة خدّها التّرب، لساجلت به أخضر الجلدة في بيت العرب، ماجدا يملأ الدّلو إلى عقد الكرب، بل لو حطت بفناء بيتها الحجري رحلها، وساجلت بفناء جدّها ذي رعين لاستوفت سجلها. كم عاذت بسيفها اليزني، فأدركت ذحلها، ولاذت بركنها اليمني، فأجزل محلها، ولو استسقت بأوديتها لأذهبت محلها. كافحت عن دينها الحنيفيّ، فما كهم حسامها، ونافحت عن نبيّها الأمّيّ فأيّدت بروح القدس سهامها. سدّت باب الدرب دون بني الأصفر، وشدّت لموته ثوب موت أحمر، وما شغلها كسر تاج كسرى عن قرع هامة قيصر. ولقد حلّت من سنام نسبها اليعربي باسمك ذروة، وتعلّقت من ذمام نبيّها العربي بأوثق عروة. تفرّد صاحب تيماء بأبلقه الفرد فعزّ، وتمرّد ربّ دومة الجندل لما كان من مارد في حرز، فما ظنك، أعزك الله، بمن حلّ من قدسي عقله، بمعقل قدس، يطار إليه فلا يطار، وراد من فردوس أدبه في جنّة لا يضام رائدها ولا يضار. زها بمجاورة الملك، فازدهى رؤساء الممالك، وشغف بمجاورة الملك، فاشتغل عن مطالعة المسالك، أيشقّ غباره، وعلى جبين المرزم مثاره، أو ينتهك ذماره، وقلب الأسد بيته ودار أخيه أسامة زاره. ولما قضت من أنديتها العربية أوطارها، واستوفت على أشرف منازعها الأدبية أطوارها، وعطّرت بنوافح أنفاسها الذّكية آثارها، وأطلعت في ظلم أنفاسها الدّجوجية كواكبها النيّرة وأقمارها، عطفت على معقلتها الشاذلية فحلّت عقالها، وأمر لها فراق الوطن فلمّا استمرّ لها حلالها، استودعت بطنان تبالة آلها، وتركت أهضامها المخصبة وحلالها، أطلّت على دارات العرب فحيّت أطلالها، ودعت لزيارة أختها اليونانية أذواء حمير وأقيالها. أطمعتها بلمعيّة ألمعيّتها الأعجمية، ومثلها يطمع، وجاء بها من قدماء الحكماء كلّ أوحدي الأحوذية، فباتت تخبّ إليه وتوضع، باحثة عن مركز دارتهم الفيثاغورية، آخذة في إصلاح هيئتهم الإنكساغورية، مؤثرة لما تدلّ عليه دقائق حقائق بقايا علوم مقايسهم البرهانية، وتشير إليه رموز كنوز وصايا علماء نواميسهم الكلدانية، من مأثور تأثير لاهوتية قواهم
стр. 774
السّيماوية، راغبة فيما يفاض على مادتها الجسمانية، ويطرأ على عاقليّتها الهيولانية، من علويات آثار مواهبها الربّانية، موافقة لمثلهم المفارقة أفضل موافقة، موافقة لما وافق من شوارد آرائهم الموفّقة أحسن موافقة. وتحت هذه الأستار محذرات أسرار أضرّ بها الإسرار، وطالما نكر معارفها الإنكار، ونقلت من صدور أولئك الصّدور إلى بطون هذه الأوراق، في ظهور فوق دفاتر فلسفيات معاني علومهم الرّقاق. وفي تلك المغاني، أبكار معاني، سكن الجوانح والصدور، بدل الأرائك والخدور، ولحن في دياجي، ظلم هذه الأحاجي، كأقمار في أطمار بهرن وما ظهرن، وسطعن وما لمعن، فعشقن وما رمقن، واستملحن وما لمحن. أدرن خمور أجفانهن، على ماخوريات ألحانهن، فهيّجت البلابل، نغم هذه البلابل، واستفرغته الأكياس، مترعات تلك الأكواس. ما سحر بابل، كخمر بابل، ولا منتقى أغانيهن الأوائل، كحمائمكم الهوادل، إن وصلت هديلها بحفيف، وصلن ثقيلهن بخفيف. إيه أيها الشّمري المشمعل، دعنا من حديثك المضمحل، سر بنا أيها الفارس النّدس «١» ، من حظيرة النّفس، إلى حضرة القدس، صرّح بإطلاق الجمال، وجل من عالميّتك الملكوتية في أفسح مجال، تمش بين مقاصر قصورها، ومعاصر خمورها، رخيّ البال، مرخيّ السربال، فما ينسج لك على منوال، نادم عليها من شغف دنّ سقراط، إن استحسنت لها حسان فما يصلح لك صالح بن علاط، بت صريع محيّاها فقد أوصت بمعالجة عقير معاقرة عقارها بقراط، لا تخش صاحب شرطتها فلا شرط له عليك ولا اشتراط، ما لك غير مبديك الأول، من قال امتثل الأمر وما عليك من أمر وال. على رسلك ما هذا العجل، لا خطأ تتوقعه ولا خطل، أمكره أنت في هذه الكريهة، أم بطل. لو علم أنك ضبارية هذا الخميس، وخبعثة ذلك الخميس، لما عانى اليمّ رسيس، شوقا إليك محمد بن خميس، على أن لا غالب اليوم لأني غالب، ولا طالب يدرك شأو هذا الطالب، فقه بلا تفهق، وحذق في تحذلق. أقسم أبا الفضل بما لك على أبي البركات من الفضل، ذلك العراقي الأرومة، لا هذا الفارسي الجرثومة، وإن يك ذلك، إسرائيلي الأصل، وهذا إسماعيلي الجنس، علوي الفضل. فلتلك الذات، شرف تلك الأدوات. قدّم لي غالبنا المذكور، من بأسه الغرّ لأرفع وأسمى من مقعد رقوطيّهم المشهور، من إغرناطة الحمراء، ومن متبوّإ أبي أميّتهم المرحوم من جنّات جزيرتهم الخضراء، فيما لنت أبا الفضل من هذه العربجة، وألوك، أرأيت في عمرك مثل هذا الصعلوك؟ لا والله ما على ظهر هذه الغبرا، من يتظاهر بمثل هذه المعرفة في بني غبرا. فأي
стр. 775
شيء هذا المنزع؟ إيش، لا حال لنا معك ولا عيش، من يضحك على هذا الطيش. ما هذا الخبل، أخمار بك أم ثمل؟ ارجع إلى ما كنت بصدده وقيت الزّلل، خذ في الجدّ فما يليق بك الهزل، رقّ عن ذلك فحكّ لنا منه أرقّ غزل، ماذا أقول؟ وأي عقل يطاوعني على هذا المعقول؟ أفحمتني، والله، عن مكالمتكم هذه المحن، ومنعتني من طلب مسالمتكم ما لكم عليّ في دنياكم هذه من الإحن. إن تكلمت كلمت، وإذا استعجمت عجمت. أما لهذه العلة آس، أم على هذه الفيلة مواس؟ ما حيلتي في طبع بلدكم الجاسي؟ أما يلين لضعفي، أما يرقّ قلب زمانكم القاسي؟ ما هذه الدّمن، يا بني خضراوات الدمن، أظهرتم المحن، فقلب لكم ظهر المجنّ «١» . إن مرّ بكم الولي حمّقتموه، وإن زجركم العالم فجرتم عليه ففسّقتموه، وإذا نجم فيكم الحكيم غصصتم به، فكفّرتموه وزندقتموه. كونوا فوضى، فما لكم اليوم مسرى سواه واذهبوا من مراعيكم المستوبلة، حيث شئتم، فقد أهملكم الرعاة. ضيّعتم النص والشرائع، وأظهرتم في بدعكم العجائب والبدائع. نفّقتم النّفاق، وأقمتم سوق الفسوق على ساق. استصغرتم الكبائر، وأبحتم الصّغائر، أين غنيّكم الشاكر، يتفقد فقيركم الصابر؟ أين عالمكم الماهر، يرشد متعلّمكم الحائر. مات العلم بموت العلماء، وحكم الجهل بقطع دابر الحكماء. جرّد لنا شريعتك يا أفضل الشّارعين، أتمّ فيها موعظتك يا أفصح التابعين. لا، والله، ما يوقظكم من هذا الوسن، وعظ الحسن، ولا ينقذكم من فتن هذا الزمن، إلّا سيف معلّمه أبي الحسن، والسلام.
قدم غرناطة في أواخر عام ثلاثة وسبعمائة. وتوفي في يوم مقتل صاحبه الوزير أبي عبد الله بن الحكيم؛ فرّ من دهليز جاره فيمن كان بها من الأعلام، بعد أن نهبت ثيابه، حسبما جرى على غيره من الحاضرين، وهو يقول: هكذا تقوم الساعة بغتة.
ولقيه بعض قرابة السلطان، ممن كان الوزير قد وتره، فشرع الرّمح إليه، فتوسّل إليه برسول الله، فلم يقبل منه، وطعنه، فقتله يوم عيد الفطر عام ثمانية وسبعمائة، وآخر العهد به، مطّرحا بالعراء، خارج باب الفخّارين، لا يعلم قبره؛ لمكان الهرج في تلك الأيام، نسأل الله جميل ستره، وساء بأثر قتله إياه حال ذلك الرجل وفسد فكره، وشرد نومه وأصابته علّة رديّة، فكان يثب المرة بعد الأخرى، يقول: ابن خميس يقتلني، حتى مات لأيام من مقتل المذكور.
стр. 776
محمد بن عمر بن علي بن إبراهيم المليكشي «١»
يكنى أبا عبد الله.
حاله: كان فاضلا، متخلقا، أديبا، شاعرا، صوفيا، جميل العشرة، حسن الخلق، كريم العهد، طيّب النفس. كتب عن الأمراء بإفريقية، ونال حظوة، ثم شرّق وحجّ، ولقي جلّة، ووصل الأندلس عام ثمانية عشر وسبعمائة، فلقي بغرناطة حفاية، وانسحبت بها عليه جراية، ثم انصرف إلى وطنه، وناله به اعتقال، ثم تخلّص من النّكبة، وأقام به، يزجى وقته إلى آخر عمره.
وجرى ذكره في «الإكليل الزاهر» «٢» : كاتب الخلافة، ومشعشع الأدب المزري «٣» بالسّلافة، كان، يرحمه الله، بطل مجال، وربّ رويّة وارتجال، قدم على هذه البلاد وقد نبا به وطنه، وضاق ببعض الحوادث عطنه، فتلوّم بها تلوّم النسيم بين الخمائل، وحلّ بها «٤» محل الطّيف من الوشاح الجائل، ولبث مدة إقامته تحت جراية واسعة، وميرة «٥» يانعة. ثم آثر قطره، فولّى وجهه شطره، واستقبله دهره بالإنابة، وقلّده خطّة الكتابة، فاستقامت «٦» حاله، وحطّت رحاله. وله شعر أنيق، وتصوّف وتحقيق، ورحلته «٧» إلى الحجاز سببها «٨» في الخبر وثيق، ونسبتها «٩» في الصالحات عريق.
شعره: نقلت من خطّ الوزير أبي بكر بن ذي الوزارتين، مما قيّد عنه، وكان خبيرا بحاله «١٠» : [الطويل]
رضى نلت ما ترضين «١١» من كلّ ما يهوى ... فلا توقفيني «١٢» موقف الذلّ والشّكوى
وصفحا عن الجاني المسيء لنفسه ... كفاه الذي يلقاه من شدّة البلوى
стр. 777
بما بيننا من خلوة معنوية ... أرقّ من النجوى وأحلى من السّلوى
قفي أتشكّى لوعة البين ساعة ... ولا يك هذا آخر العهد بالنّجوى
قفي ساعة في عرصة الدار وانظري ... إلى عاشق لا يستفيق من البلوى
وكم قد سألت الريح شوقا إليكم ... فما حنّ مسراها إليّ «١» ولا ألوى
فيا ريح، حتى أنت ممّن يغار بي ... ويا نجد، حتى أنت تهوى الذي أهوى
خلقت ولي قلب جليد على النّوى ... ولكن على فقد الأحبّة لا يقوى
وحدّث «٢» بعض من عني بأخباره، أيّام مقامه بمالقة واستقراره، أنه لقي ليلة «٣» بباب الملعب من «٤» أبوابها ظبية من ظبيات الإنس، وفتنة من فتن «٥» هذا الجنس، فخطب وصالها، واتّقى بفؤاده نصالها، حتى همّت بالانقياد، وانعطفت انعطاف الغصن الميّاد، فأبقى على نفسه وأمسك، وأنف من خلع العذار بعد ما تنسّك، وقال «٦» :
[الكامل]
لم أنس وقفتنا بباب الملعب ... بين الرّجا واليأس من متجنّب
وعدت فكنت مراقبا لحديثها ... يا ذلّ وقفة خائف مترقّب
وتدلّلت «٧» فذللت بعد تعزّز ... يأتي الغرام بكلّ أمر معجب
بدويّة أبدى الجمال بوجهها ... ما شئت من خدّ شريق «٨» مذهب
تدنو وتبعد نفرة وتجنّيا «٩» ... فتكاد تحسبها مهاة الرّبرب «١٠»
ورنت بلحظ فاتر لك فاتن «١١» ... أنضى وأمضى من حسام المضرب
وأرتك بابل سحرها بجفونها ... فسبت، وحقّ لمثلها أن تستبي «١٢»
وتضاحكت فحكت بنيّر ثغرها ... لمعان «١٣» نور ضياء برق خلّب «١٤»
بمنظّم في عقد سمطي جوهر ... عن شبه نور الأقحوان الأشنب
стр. 778
وتمايلت كالغصن أخضله النّدى «١» ... ريّان من ماء الشبيبة مخصب
تثنيه أرياح «٢» الصّبابة والصّبا ... فتراه بين مشرّق ومغرّب
أبت الرّوادف أن تميل بميله ... فرست وجال كأنه في لولب
متتوّجا بهلال وجه لاح في ... خلل السجوف «٣» لحاجب ومحجّب
يا من رأى فيها محبّا مغرما ... لم ينقلب إلّا بقلب قلّب
ما زال مذ ولّى يحاول حيلة ... تدنيه من نيل المنى والمطلب
فأجال نار الفكر حتى أوقدت ... في القلب نار تشوّق وتلهّب
فتلاقت الأرواح قبل جسومها ... وكذا البسيط يكون قبل مركّب
ومن مقطوعاته البديعة، مما سمع منه بغرناطة، حرسها الله، أيام مقامه بها قوله «٤» : [الطويل]
أرى لك يا قلبي بقلبي محبّة ... بعثت بها سرّي إليك رسولا
فقابله بالبشرى «٥» وأقبل عشيّة ... فقد هبّ مسك «٦» للنسيم عليلا
ولا تعتذر بالقطر أو بلل الندى ... فأحسن ما يأتي النسيم بليلا
ونقلت من خط الفقيه القاضي أبي جعفر الرّعيني، مما أملاه عليّ بمنزله بغرناطة، قال: وحضرت في عام ثلاثة عشر وسبعمائة، يوم إحرام الكعبة العليّة، وذلك في شهر ذي القعدة على اصطلاحهم في ذلك، وصفته أن يتزيّن سدنة البيت من شيبة بأحسن زي، ويعمدوا إلى كرسي يصل فيه صاعده إلى ثلث الكسوة، ويقطعها من هنالك، ويبقى الثلثان إلى الموسم، وهو يوم مشهود عند سكان الحرم، يحتفل له، ويقوم المنشدون أدراج الكعبة ينشدون. فقلت في ذلك: [الطويل]
ألم ترها قد شمّرت تطلب الجدّا ... وتخبر أنّ الأمر قد بلغ الحدّا؟
فجدّ كما جدت إليها وشمّر ... عن السّاعد الأقوى تنل عندها سعدا
طوت بردها طيّ السّجلّ كناية ... لأمر خفيّ سرّه طوت البردا
وأندت محيّاها فحيّي «٧» جماله ... وقبّل على صوت المقى «٨» ذلك الخدّا
стр. 779
فكم سترت سود البرود جمالها ... وغطّته لكن عن سنها الرمدا «١»
وكم خال ذاك الخال عما مقصّر ... عن العلم بالأنساب لا يعرف الحدّا
لقد سفرت عن وجهها الكعبة التي ... لها الحجر «٢» المسنيّ في حسنها المبدا
وقالت ألا أين مكلّلي، قصدوا إلى «٣» ... جمالي فقد أبدى الحجاب الذي أبدا
فلبّت لها العشّاق من كل جانب ... يؤمّونها يستقربون لها البعدا
فمن ندف أشفى على تلف ومن ... محبّ على قرب يهيم بها وجدا
ومن ساهر على النجوم ولم يذق ... بعينيه طعم النور أو يبلغ القصدا
يسائل عن بدر وبدر تجاهه ... كذاك «٤» اشتراك اللفظ قد ينغص الخدا
ومن مستهام لا يقرّ قراره ... كأنّ به من حرّ أشواقه وقدا
يقلّب قلبا بين جنبيه موريا ... أوار الأسى فيه فتحسبه زندا
إذا ما حدا حادي الرّكاب ركابه ... كأنّ قلوب الراكبين له نجدا
أحاد بها إن أنت جئت بها منى ... ونلت المنى والأمن فانزل ورد وردا
ولا خوف هذا الخيف «٥» والتربة التي ... سرت بهما «٦» قد عيّن المصطفى عدّا
وفي عرفات فاعترف وانصرف إلى ... مشاعر «٧» فيها يرحم المالك العبدا
وإن كنت من أوفى العبيد جرائما ... فحسّن نبيل العقد من ربّك العقدا
لئن صدقت فيك الوعيد جرائم ... فعفوا جميل «٨» الصفح يصدقك الوعدا
وعد مفضيا للبيت طف واستلم وقم ... بها للمقام الرحب واسجد وكن عبدا
ورد في الثنا والحمد والشكر واجتهد ... فمن عرف الإحسان زادته حمدا
وعج نحو فرض الحب واقض حقوقه ... وزر قبر من أولاك من هديه رشدا
قال: وكنت في زمن الحداثة، أفضّل الأصيل على السّحر، وأقول فيه رقّة المودّع ورقّة المعتذر. فلمّا كان أوان الأسفار، واتصلت ليالي السير إلى أوقات
стр. 780
الأسحار، رأيت أفق الشرق، ووجدت القائل بفضل السّحر أصدق، فابتدأت راكبا، فلمّا جئت لذكر الجناب العليّ النبوي، أتممت ماشيا، وأنا في رملة بين مصر وعقبة إيله، وقلت: [البسيط]
ما أحسن الأفق الشرقيّ إسفارا ... فكم هذا في دجى الإدلاج أسفارا
إذا بدا سارت الأظعان هادية ... له وصارت به الظلماء أنوارا
يجلو غياهب ليل طالما سدلت ... على المحبين في الظلماء أستارا
ونمّ منه نسيم ثم ذا بعد ... على أحاديث كانت ثمّ أسرارا
سرت سحيرا فبرّت سرّ ذي سحر ... أهدت له ريح من يهواه معطارا
سرت ببانات أكناف اللّوى فغدت ... كأنّ دارين قد أصبحت دارا
طابت بطيبة أرواح معطرة ... بها فأصبح أفق الشوق عطّارا
كأنما فلق الإصباح حين بدا ... خدّ وبهجة «١» حسن الشمس قد وارى
حقي بدت وتبدّت حسن صورتها ... فعمّت «٢» الأرض أنجادا وأغوارا
كأنه دعوة المختار حين بدت ... دانت لها الخلق إعلانا وإصرارا
من نوره كل نور أنت تبصره ... ونوره زاد للأبصار «٣» إبصارا
هدا به الله أقواما به سعدا «٤» ... لولاه كانوا مع الكفر كفّارا
هو الشّفيع الذي قالت شفاعته ... للموبقين ألا لا تدخلوا النّارا
هو العفوّ «٥» عن الجاني وإن عظمت ... من المسيء ذنوب كان غفّارا
هو الكريم الذي ما ردّ سائله ... يوما ولو كرّر التّسآل تكرارا
هو الحبيب الذي ألقى محبته ... في كل قلب فقلبي نحوه طارا
أحبّه كلّ مخلوق وهام به ... حتى الجمادات أحجارا وأشجارا
وانشقّ بدر الدّجى من نور غرّته ... وانهلّت السّحب من كفّيه أنهارا
ومن مقطوعاته، قال: ومما نظمته في ليل السّرى، وتخيل طيف الكرى، مبدأ قصيد قصدته، أي معنى أردته، أشغل عنه ما بي منه: [الخفيف]
منع الهجر من سليمى هجوعا ... فانثنى طبعها يريد الرّجوعا
стр. 781
بعثته ليلا يعلّل قلبا ... مستهاما بها محبّا ولوعا
لم يجد غير طرف جفن قريح ... شاخصا نحوها يذرّ الدّموعا
وكتب إلى صديقه شيخنا أبي بكر بن شبرين من بجاية، وهو معتقل بقصبتها، وقد امتحنه بذلك أبو عبد الله بن سيد الناس: [الخفيف]
شرح حالي لمن يريد سؤالي ... إنني في اعتقال مولى الموالي «١»
مطلق الحمد والثناء عليه ... وهو للعطف والجميل موال
لا أرى للولاة فيّ احتكاما ... ووليّ مال على كل وال
أرتجي بالمصاب تكفير ذنبي ... حسبما جاء في الصّحاح العوالي «٢»
لا تدوم الدّنا ولا الخير فيها ... وكذا الشّرّ ذا وذا للزوال
فاغتنم ساعة الوصال وكم من ... محنة وهي منحة من نوال
فإذا غبت عنك فاحضر تجدها ... للجواب المفيد عن السؤال «٣»
فهي نور النهار «٤» والنور منها ... وهي الأنس في الليالي الطوال
فاستدمها تدم ولا تضج منها ... وأدرها على اليمين ووال
فإنّ الكأس مجراها على اليمين، ومسراها لفي الصبح المبين، تغني عن الإصباح والمصباح، وتدني لهم معنى النور المشرق في الوجوه الصّباح، وتجري في الأشباح، فتسري في الأرواح. وهذه الرسالة طويلة، فيها كل بديع من نظم ونثر.
فأجابه ﵀: [الخفيف]
أرغمن هذه القيود الثّقال ... ربّ ودّ مصيره للتّغالي «٥»
طال صبري على الجديدين حتى ... كدت مما لقيت أن يشفقا لي «٦»
إنّ بعض الرضا لديه فسيح ... أيّ مدّ «٧» به وأيّ ابتقال
حاش لله أن أكون لشيء ... شاده الصانع القديم بغال
إن عندي من الثناء عليه ... لأماني لم يملهنّ القالي «٨»
يا إمامي الذي بودّي لو أم ... كن نصلي «٩» إليه أوّار قال
стр. 782
ارج دنياك وارج مولاك واعلم ... أنّ راجي سواه غير مقال
وابتغاء الثواب من ربّك اعمل ... فهو يجزي الأعمال بالمثقال
واغتنم غيبة الرّقيب ففيها ... لقلوب الرجال أيّ صقال
وأحل في الوجود فكر غنيّ ... عن ضروب الإنعام والأحقال
وإذا الوقت ضاق وسّعه بالصّب ... ر ولا تنس من شهير المقال
ربما تكره النفوس من الأم ... ر له فرحة كحلّ العقال
لا غرو أن وقع توان، أو تلوّم دهر ذو ألوان، فالأمر بين الكاف والنون، ومن صبر لم يبوء بصفقة المغبون، وللسعداء تخصيص، ومع التقريب تمحيص، وما عن القضاء محيص، والمتصرف في ماله غير معتوب، وقديم الحقيقة إلى الحيف ليس بمنسوب. وقد ورد خطاب عمادي أطاب الله محضره، وسدّد إلى المرامي العليّة نظره، ناطقا بلسان التفويض، سارحا من الرّضا في الفضاء العريض، لائذا بالانقياد والتسليم، قائما على أسكفّة «١» باب الأدب لمثابة حكم الحكيم.
ومنها: والوقائع عافاكم الله وعّاظ، ونحن هجود وفي الحيّ أيقاظ، وما كل المعاني تؤديها الألفاظ. وهذا الفنا الذي نشأ عن الوقت، هو إن شاء الله عين البقيا.
وإذا أحبّ الله عبدا حماه الدنيا، وما هي إلّا فنون، وجنون فنون، وحديث كله مجون. وقد يجمع الله الشتيتين، ولن يغلب عسر يسرين ولا باس، ويا خطب لا مساس، وأبعد الله الياس، وإنما يوفي الأجر الصابرون، ولا ييأس من روح الله إلّا القوم الكافرون. وهي طويلة بديعة.
أسمع بحضرة غرناطة لما قدم عليها وارتسم في جملة الكتاب بها، وحدّث عن رضي الدين أبي أحمد إبراهيم الطهري، بسماعه من الشريف يونس بن يحيى الهاشمي، بسماعه من أبي الوقت طرّاد. وعن الإمام سراج الدين أبي حفص عمر بن طراد المعري القاضي بالحرم الشريف، وعن شرف الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الحميد الهمداني، وعن الإمام بهاء الدين الخميري عن أبي الطاهر السّلفي، وعن جماعة غيرهم، وكان وروده على الأندلس في أوائل عام خمسة عشر وسبعمائة، وحضر بها غزوات، ولقي من كان بها من الأعلام. ثم انصرف عنها في أوائل عام ثمانية عشر، وأحلّ بسبتة، فأكرم رئيسها أبو عمر يحيى بن أبي طالب العزفي قدومه، وأنزله بدار جليلة كان بها علو مطلّ على البحر، لم يتمكن من مفتاحه، لأمر اقتضى
стр. 783
ذلك، فكتب إليه: [الكامل]
يا صاحب البلد المليح المشرق ... ما مثله في مغرب أو مشرق
منها:
وخفضت عيشي فيه فارفع منزلي ... حتى أرى الدنيا بطرف مطرق
وتجول في البلاد، ولقي من بها، واتصل بالأمير أبي علي بسجلماسة، ومدحه بقصيدة حفظ له منها: [الطويل]
فيا يوسفيّ الحسن والصّفح والرّضا ... تصدّق على الدنيا بسلطانك العدل
ثم اتصل بوطنه.
وفاته: نقلت من خط شيخنا أبي بكر المذكور: وفي عام أربعين وسبعمائة، توفي بتونس صاحبنا الحاج الفاضل المتصوّف، الكاتب أبو عبد الله محمد بن علي المليكشي الشهير بابن عمر. صدر في الطلبة والكتاب، شهير ذو تواضع وإيثار، وقبول حسن، ﵀.
محمد بن علي بن الحسن بن راجح الحسني «١»
من أهل تونس، يكنى أبا عبد الله.
حاله: هذا «٢» الرجل الفاضل، صاحب رواء وأبّهة، نظيف البزّة، فاره المركب، صدوف عن الملّة، مقيم للرسم، مطفّف في مكيال الإطراء، جموح في إيجاب الحقوق، مترام إلى أقصى آماد التوغّل، سخيّ اللسان بالثناء ثرثاره، فكه مطبوع، حسن الخلق، عذب الفكاهة، مخصوص حيث حلّ من الملوك والأمراء بالأثرة، وممّن دونهم بالمداخلة والصّحبة، ينظم الشّعر، ويحاضر بالأبيات، ويتقدّم في باب التّحسين والتّقبيح، ويقوم على تاريخ بلده، ويثابر على لقاء أهل المعرفة والأخذ عن أولي الرواية. قدم على الأندلس في إحدى جمادين، عام خمسين وسبعمائة، مفلتا من الوقيعة «٣» بالسلطان أبي الحسن بالجهات الشرقية، بأيدي بني زيّان وأحلافهم،
стр. 784
فمهّد له سلطانها، ﵀، كنف برّه، وأواه إلى سعة رعيه، وتأكّدت بيني وبينه صحبة.
شعره: كتبت إليه لأول قدومه بما نصّه: أحذو حذو أبيات، ذكر أنّ شيخنا أبا محمد الحضرمي خاطبه بها «١» : [الطويل]
أمن جانب الغربيّ نفحة بارح ... سرت منه أرواح الجوى في الجوانح «٢»
قدحت بها زند الغرام وإنما ... تجافيت في دين السّلوّ لقادح
وما هي إلا نسمة حاجريّة ... رمى الشوق منها كلّ قلب بقادح
رجحنا لها من غير شكّ كأنها ... شمائل أخلاق الشّريف ابن راجح
فتى هاشم سبقا إلى كلّ عليّة «٣» ... وصبرا مغار الفتل «٤» في كلّ فادح «٥»
أصيل العلا، جمّ السيادة، ذكره ... طراز نضار في برود المدائح
وفرقان مجد يصدع الشّكّ نوره ... حبا الله منه كلّ صدر بشارح
وفارس ميدان البيان إذا انتضى ... صحائفه أنست مضاء الصّفائح
رقيق كما راقتك نغمة ساجع ... وجزل كما راعتك صولة جارح
إذا ما احتبى مستحفزا «٦» في بلاغة ... وخيض «٧» خضمّ القول منه بسابح
وقد شرعت في مجمع الحفل نحوه ... أسنّة حرب للعيون اللّوامح
فما ضعضعت منه لصولة صادح «٨» ... ولا ذهبت منه بحكمة ناصح
تذكّرت قسّا قائما في عكاظه ... وقد غصّ بالشّمّ الأنوف الجحاجح
ليهنك شمس الدين ما حزت من علا ... خواتمها «٩» موصولة بالفواتح
رعى الله ركبا أطلع الصبح مسفرا ... لمرآك من فوق الرّبى والأباطح «١٠»
ومنها:
أقول لقومي عندما حطّ كورها ... وساعدها السّعدان وسط المسارح «١١»
стр. 785
ذروها وأرض الله لا تعرضوا لها ... بمعرض سوء فهي ناقة صالح
إذا ما أردنا القول فيها «١» فمن لنا ... بطوع القوافي وانبعاث القرائح
بقيت منى نفس وتحفة رائد «٢» ... ومورد ظمآن وكعبة مادح
ولا زلت تلقى الرحب «٣» والبرّ حيثما ... أرحت السّرى من كلّ غاد ورائح
فأجابني بما نصه «٤» : [الطويل]
أمن مطلع الأنوار لمحة لامح ... تعار لمفقود «٥» عن الحيّ نازح؟
وهل بالمنى من مورد الوصل يرتوي ... غليل عليل للتواصل جانح؟
فيا فيض عين الدمع ما لك والحمى ... ورند الحمى والشّيح شيح المشايح «٦»
مرابع آرامي ومورد ناقتي ... فسقيا لها سقيا لناقة صالح
سقى الله ذاك الحيّ ودقا «٧» فإنه ... حمى لمحات العين عن لمح سامح»
وأبدى لنا حور الخيام تزفّ في ... حلى الحسن والحسنى وحلي الملامح
ترى حيّ تلك الحور للحور مهيع «٩» ... يدلّ، وهل حسم لداء التّبارح؟
ويا دوحة الريحان «١٠» هل لي عودة ... لعقر عقار «١١» الأنس بين الأباطح؟
وهل أنت إلّا طلّة «١٢» حاتميّة ... تغصّ نواديها بغاد ورائح
أقام بها الفخر الخطيب «١٣» منابرا ... لترتيل آيات النّدى والمنائح
وشفّع بالإنجيل حمد مديحه ... وأوتر بالتّوراة شفع المدائح
وفرّق بالفرقان كلّ فريقة ... نأت عن رشاد فيه معنى «١٤» النصائح
وهل هو إلّا للبريّة مرشد ... لكلّ هدى هاد لأرجح راجح
فبشرى «١٥» لسان الدين ساد بك الورى ... وأورى الهدى للرّشد أوضح واضح
стр. 786
متى قلت لم تترك مقالا لقائل ... فإن «١» لم تقل لم يغن حمد «٢» لمادح
فمن حام بالحيّ الذي أنت أهله «٣» ... وعام ببحر من عطائك «٤» طافح
يحقّ له أن يشفع الحمد بالثّنا ... ويغدو بذاك البحر أسبح سابح
ويا فوز ملك دمت صدر صدوره ... وبشرى له قد راح أربح رابح
بآرائك التي تدلّ على الهدى ... وتبدي لمن خصصت سيل «٥» المناجح
ملكت خصال السّبق في كل غاية ... وملّكت من «٦» ملكت يا ابن الجحاجح «٧»
مطامح آمال لأشرف همّة ... أقلّ مراميها أجلّ المطامح
فدونكها يا مهدي المدح مدحة ... أحببت بها عن مدح أشرف مادح
تهنّيك «٨» بالعام الذي عمّ حمده «٩» ... مواهب هاتيك البحار الطوافح
فخذها سميّ الفخر يا خير مسبل ... على الخلق إغضاء «١٠» ستور التسامح
ودم خاطب العليا لها خير خاطب ... وأتوق توّاق وأطمح طامح
وتلقاني بمالقة عند قدومي من الرّسالة إلى المغرب، في محرم عام ستة وخمسين وسبعمائة، ونظم لي هذه الأبيات، ولا حول ولا قوة إلا بالله: [الطويل]
قدومك ذا أبدى لذي الراية الحمرا ... ثغور الرّضى تعبر عن شنب البشرا
وأينع فجر الرّشد من فلق الهدى ... وكوّنه نهرا وفجّره فجرا
سرينا له كي يحمد السّير والسّرى ... ونرقب شمس الدين من فرعك الفجرا
ونصبح في أحياء للمنّ «١١» نستلم ... مواطنكم شفعا وآثاركم وترا
ونخطب ما، يا ابن الخطيب، تشاء «١٢» من ... كرائم ذاك الحيّ إذ نهز الشّعرى
فقابلت بالإقبال والبرّ والرّضى ... وأقريت من يقرا وأقررت من قرّا
فأبناء قدس الحمد حضرة قدسنا ... وأقدامنا تملا وأمداحكم تقرا
стр. 787
هنيّا لنا نلنا ونلنا ولم نزل ... ننال ولكن هذه المنّة الكبرا
رأينا وزير الملد والملك واللّوى ... وحزب اللّوى كلّ يشدّ به أزرا
سجدنا وكبّرنا وقلنا: رسولنا ... أتى بالذي يرضي بشرى لنا بشرى
ويهني الورى هذا الإياب فإنّ في ... نتائجه للدّهر ما يسهر الدّهرا
أرانا سنا ذا اليوم أجمل منظر ... وجلّى لنا من وجهك الشمس والبدرا
أما والذي أوليت من نعمة غدت ... تعلّمنا للمنعم الحمد والشكرا
لأنت لسان الدّين للدّين حجّة ... تؤيّده سرّا وتعضده جهرا
بقيت لنا كتفا منيعا مشرفا ... ودمت له عضدا ودمت له نصرا
ودمنا بكم في كلّ أمن ومنّة ... ندير المنى خمرا ونصلي «١» العدا جمرا
ومن أمثل ما مدح به السلطان لأول قدومه بالنسبة إلى غير ذلك من شعره:
[الطويل]
أما والعيون النّجل ترمق عن سحر ... وورد رياض الخدّ والكأس والخمر
وريحانه والرّاح والطّلّ والطّلى ... ونرجسه والزّهر والنّور والنّهر
ونور جبين الشمس في رونق الضّحى ... وهالة بدر التّمّ منتصف الشّهر
لقد قلّدت آراء يوسف ملكه ... قلائد نصر لن تبيد مع الدّهر
وقد أيّد «٢» الإسلام منه بناصر ... نصير وخير النصر نصر بني نصر
هم القوم أنصار النبيّ محمد ... به «٣» عصبة الأعلام في اليسر والعسر
وحسبك من قوم حموا سيّد الورى ... وقاموا بنصر الحقّ في السّرّ والجهر
سقى شرعة الإسلام ودق سيوفهم ... رحيق الأماني طيّب العرف والنّشر
فأصبح روض الرّشد يعبق طيبه ... ودوح الهدى بالزّهر أزهاره تزري
فيا سائلي عنه وعن سطواته ... إذا لاح محفوفا براياته الحمر
وجزّ «٤» مع الإقدام جيشا عرمرما ... وشرّد بالتأييد شرذمة «٥» الكفر
стр. 788
لخلّيلة تنبيك عما وراءها ... ولا غرو فالإفصاح يعرف بالعجز
فيا فوز من أدناه بالغنم والغنى ... ويا ويل من أقصاه للقفر والفقر
يمينا بما اختارت يداك وأحرزت ... من الملك والتأييد والنّهي والأمر
لقد أصعدت مجدي مدائحك التي ... ومجدك والعليا مدحت بها شعري «١»
وحقّ لمثلي يشفع الحمد بالثّنا ... ويتلو معانيه مع الشّفع والوتر
فأجني ثمار الأنس من روضة المنى ... وأقطف زهر «٢» الحمد من شجر الشكر
وأشرب ماء الفوز عذبا ختامه ... رحيق براح السّمح في أكؤس البشر
ولا برحت أمداحكم تعجز النهى ... وإلّا فكم تنجني من العسر لليسر
ولا زالت الأقدار تخدم رأيكم ... وراياتكم ما دام نجم للسّرا يسري
وكتب إليّ في غرض يظهر منه نصّ المراجعة، وحسبنا الله «٣» : [الطويل]
أما والذي لي في حلاك من الحمد ... وما لك ملّاكي عليّ «٤» من الرّفد
لقد أشعرتني النفس أنك معرض ... عن المسرف اللائي لفطرك يستجدي «٥»
فإن زلّة منّي «٦» بدت لك جهرة ... فصفحا فما والله إذ كنت عن عمد «٧»
فراجعته بقولي»
: [الطويل]
أجلّك عن عتب يغضّ من الودّ ... وأكرم وجه العذر منك عن الرّدّ
ولكنني أهدي إليك نصيحتي ... وإن كنت قد أهديتها ثم لم تجد
إذا مقول الإنسان جاوز حدّه ... تحوّلت الأغراض منه إلى الضّدّ
فأصبح منه الجدّ هزلا مذمّما ... وأصبح منه الهزل في معرض الجدّ
فما اسطعت «٩» فيضا «١٠» للعنان فإنه ... أحقّ السجايا بالعلاء «١١» والمجد
стр. 789
توفي يوم الخميس الثالث لشعبان عام خمسة وستين وسبعمائة، وقد ناهز السبعين سنة، ودفن بروضتنا بباب إلبيرة، وأعفي شارب الشّعر من نابي «١» مقصّه.
وغير هذه الدعوى قرارها تجاوز القضية.
محمد بن علي بن عمر العبدري «٢»
من أهل تونس، شاطبي الأصل، يكنى أبا عبد الله، صاحبنا.
حاله: كان فاضلا من أبناء النّعم، وأخلاف العافية، ولّي أبوه الحجابة بتونس عن سلطانها برهة، ثم عدا عليه الدهر، واضطر ولده هذا إلى اللحاق بالمشرق، فاتصل به سكناه وحجّ، وآب إلى هذه البلاد ظريف النّزعة، حلو الضّريبة، كثير الانطباع، يكتب ويشعر، ويكلف بالأدب، ثم انصرف إلى وطنه. وخاطبني إلى هذا العهد، يعرّفني بتقلّده خطة العلّامة، والحمد لله.
وجرى ذكره في كتاب «الإكليل» بما نصّه «٣» : غذيّ نعمة هامية، وقريع رتبة سامية، صرفت إلى سلفه الوجوه، ولم يبق بإفريقية «٤» إلّا من يخافه ويرجوه، وبلغ هو مدة ذلك الشرف، الغاية من التّرف. ثم قلب الدهر له ظهر المجنّ، واشتدّ به الخمار «٥» عند فراغ الدّنّ، ولحق صاحبنا هذا بالمشرق بعد خطوب مبيرة «٦» وشدّة كبيرة، فامتزج بسكانه وقطّانه، ونال من اللّذّات ما لم ينله في أوطانه؛ واكتسب الشمائل العذاب، وكان كابن الجهم «٧» بعث إلى الرّصافة ليرقّ فذاب، ثم حوّم على وطنه تحويم الطّائر، وألمّ بهذه المدينة «٨» إلمام الخيال الزائر، فاغتنمت صفقة ودّه لحين وروده، وخطبت موالاته على انقباضه وشروده، فحصلت منه على درّة تقتنى، وحديقة طيّبة الجنى.
شعره: أنشدني في أصحاب له بمصر قاموا ببرّه «٩» : [الطويل]
لكلّ أناس مذهب وسجيّة ... ومذهب أولاد النظام المكارم
стр. 790
إذا كنت فيهم ثاويا كنت سيّدا ... وإن غبت عنهم لم تنلك المظالم
أولئك صحبي، لا عدمت حياتهم ... ولا عدموا السّعد الذي هو دائم!
أغنّي بذكراهم وطيب حديثهم ... كما غرّدت فوق الغصون الحمائم
ومن شعره يتشوّق إلى تلك الديار، ويتعلل بالتذكار، قوله «١» : [الوافر]
أحبّتنا بمصر لو رأيتم ... بكائي عند أطراف النهار
لكنتم تشفقون لفرط وجدي ... وما ألقاه من بعد المزار «٢»
ومن شعره: [الطويل]
تغنّى حمام الأيك يوما بذكرهم ... فأطرب حتى كدت من ذكرهم أفنى
فقلت: حمام الأيك لا تبك جيرة ... نأوا «٣» وانقضت أيام «٤» وصلهم عنّا
فقال ولم يردد جوابا لسائل ... ألا ليتنا كنا جميعا بذا حقنا «٥»
ومن جيد شعره الذي أجهد فيه قريحته، قوله يمدح السلطان المعظم أبا الحسن في ميلاد عام سبعة وأربعين وسبعمائة: [الطويل]
تقرّ ملوك الأرض أنّك مولاها ... وأنّ الدّنا وقف عليك قضاياها
ومنها:
طلعت بأفق الأرض شمسا منيرة ... أنار على كل البلاد محيّاها
حكيت لنا الفاروق «٦» حتى كأننا ... مضينا «٧» بعين لا نكذّب رؤياها
وسرت على آثاره خير سيرة ... قطعنا بأنّ الله ربّك يرضاها
إذا ذكرت سير الملوك بمحفل ... ونادى بها النّادي وحسّن دنياها
فجودك روّاها وملكك زانها ... وعدلك زانها «٨» وذكرك حلّاها
وأنت لها كهف حصين ومعقل ... تلوذ بها أولى الأمور وأخراها
стр. 791
ومنها بعد كثير:
ومنكم ذوو التّيجان والهمم التي ... أناف على أعلى السّماكين أدناها
إذا غاب منهم مالك قام مالك ... فجدّد «١» للبيت المقدّس علياها
بناها على التقوى وأسّس بيتها ... أبو يوسف الزّاكي وسيّر مبناها
وأورثها عثمن خير خليفة ... وأحلم من ساس الأنام وأنداها
وقام عليّ بعده خير مالك ... وخير إمام في الورى راقب الله
علي بن عمر بن يعقوب ذو العلا ... مذيق الأعادي حيثما سار بلواها
أدام الله وأعطى الخلافة وقتها ... ونوّر أحلاك الخطوب وجلّاها
ووصلني كتاب منه مؤرخ في التاسع عشر من شهر شعبان المكرم من عام أربعة وستين وسبعمائة، جدّد عهدي من شعره بما نصّه: [الطويل]
رحلنا فشرّقنا وراحوا فغرّبوا ... ففاضت لروعات الفراق عيون
فيا أدمعي منهلّة إثر بينهم ... كأنّ جفوني بالدموع عيون
فيا معهدا قد بنت عنه مكلّفا ... بديلي منه أنّة وحنين
سقتك غوادي المزن كرّ عشيّة ... ودادك محلول النطاق هتون
فإن تكن الأيام لم تقض بيننا ... بوصل فما يقضى فسوف يكون
يعزّ علينا أن نفارق ربعكم ... وأنّا على أيدي الخطوب نهون
ولو بلّغتني العير عنكم رسالة ... وساعد دهر باللّقاء ضنين
لكنّا على ما تعلمون من الهوى ... ولكن لأحداث الزمان فنون
стр. 792
فهرس المحتويات
محمد بن يوسف بن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل بن فرج بن يوسف بن نصر الخزرجي ٣
شيخ الغزاة ورئيس الجند الغربي لأول أمره ٥
الأحداث في أيامه ٩
الحادثة التي جرت عليه ١١
ترتيب الدولة الثانية السعيدة الدور إلى بيعة الكور ١٤
ظرف السلطان وحسن توقيعه ١٨
ومن ملوك النصارى ٢١
بعض مناقب الدولة لهذا العهد ٢٤
الجهاد في شعبان من عام سبعة وستين وسبعمائة ٤٣
الغزاة إلى حصن أشر ٤٥
الغزاة المعملة إلى أطريرة ٤٥
الغزاة إلى فتح جيّان ٤٦
الغزاة إلى مدينة أبدة ٤٦
مولده السعيد النّشيئة، الميمون الطلوع والجيئة ٥٠
محمد بن يوسف بن محمد بن أحمد بن خميس بن نصر بن قيس الخزرجي الأنصاري ٥١
الملوك على عهده ٥٤
محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي عامر بن محمد بن أبي الوليد بن يزيد بن عبد الملك المعافري، المنصور بن أبي عامر ٥٧
غزواته وظهوره على أعدائه ٥٨
محمد بن عباد بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل ابن قريش بن عباد بن عمرو بن أسلم بن عمرو بن عطاف بن نعيم، لخمي النسب ٦١
توقيعه ونثره في البديهة ٦٦
محمد بن سعد بن محمد بن أحمد بن مردنيش الجذامي ٧٠
стр. 793
ما نقم عليه ووصم به ٧١
بعض الأحداث في أيامه، ونبذ من أخباره ٧٣
محمد بن يوسف بن هود الجذامي ٧٤
بعض الأحداث في أيامه ٧٥
محمد بن أحمد بن زيد بن أحمد بن زيد بن الحسن بن أيوب بن حامد بن زيد بن منخل الغافقي ٧٧
حاله ونباهته ومحنته ووفاته ٧٧
خبر في وفاته ومعرجه ٧٨
محمد بن أحمد بن محمد الأشعري ٧٩
محمد بن فتح بن علي الأنصاري ٨٠
محمد بن أحمد بن علي بن حسن بن علي بن الزيات الكلاعي ٨٠
محمد بن علي بن عبد الله بن محمد بن الحاج ٨١
محمد بن رضوان بن محمد بن أحمد بن إبراهيم بن أرقم النّميري ٨٢
محمد بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن خلف بن محمد بن سليمان بن سوار بن أحمد بن حزب الله بن عامر بن سعد الخير بن عيّاش ٨٣
محمد بن عبد الله بن منظور القيسي ١٠١
محمد بن علي بن الخضر بن هارون الغساني ١٠٣
محمد بن يحيى بن محمد بن يحيى بن أحمد بن محمد بن أبي بكر بن سعد الأشعري المالقي ١٠٦
محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن محمد بن محمد بن علي بن موسى بن إبراهيم بن محمد ابن ناصر بن حيّون بن القاسم بن الحسن بن محمد بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ١١٠
محمد بن أحمد بن عبد الملك الفشتالي ١١٤
محمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر بن يحيى بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن علي بن داود القرشي المقري ١١٦
من فصل الإقبال ١٢٥
محمد بن عياض بن محمد بن عياض بن موسى اليحصبي ١٤٤
محمد بن عياض بن موسى بن عياض بن عمر بن موسى بن عياض اليحصبي ١٤٥
محمد بن أحمد بن جبير بن سعيد بن جبير بن محمد بن سعيد بن جبير بن محمد بن مروان بن عبد السلام بن مروان بن عبد السلام بن جبير الكناني ١٤٦
محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن علي بن شبرين ١٥٢
محمد بن أحمد بن قطبة الدّوسي ١٥٩
стр. 794
محمد بن محمد بن أحمد بن قطبة الدّوسي ١٦١
محمد بن محمد بن محمد بن قطبة الدّوسي ١٦٢
محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن قطبة الدّوسي ١٦٢
محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن قطبة الدّوسي ١٦٣
محمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن يحيى ابن عبد الرحمن بن يوسف بن جزيّ الكلبي ١٦٣
محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن يحيى بن محمد بن الحكيم اللخمي ١٧٢
محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن محمد بن علي بن محمد اللّوشي
اليحصبي ١٧٤
محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن يحيى بن الحكيم اللخمي ١٧٦
محمد بن محمد بن علي بن العابد الأنصاري ١٨١
محمد بن مالك المرّي الطّغنري ١٨٢
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله بن عبد الملك الأوسي ١٨٣
محمد بن علي بن عبد الله بن علي القيسي العرادي ١٨٤
محمد بن علي بن العابد الأنصاري ١٨٥
محمد بن هاني بن محمد بن سعدون الأزدي الإلبيري الغرناطي ١٨٦
محمد بن يحيى بن محمد بن يحيى بن علي بن إبراهيم بن علي الغسّاني البرجي الغرناطي ١٩٠
محمد بن يوسف بن محمد بن أحمد بن محمد بن يوسف بن محمد الصّريحي ١٩٦
ومن السفر السابع المفتتح بقوله ومن الطّارئين منهم في هذا الباب ٢٠٧
محمد بن أحمد بن محمد بن أبي خيثمة الجبّائي ٢٠٧
محمد بن أحمد بن عبد الله بن أحمد الإستجّي الحميري ٢٠٧
محمد بن أحمد بن علي الهوّاري ٢١٦
محمد بن أحمد بن الحدّاد الوادي آشي ٢٢٠
محمد بن إبراهيم بن خيرة ٢٢٣
محمد بن إبراهيم بن علي بن باق الأموي ٢٢٤
محمد بن إبراهيم بن سالم بن فضيلة المعافري ٢٢٦
محمد بن إدريس بن علي بن إبراهيم بن القاسم ٢٢٨
شعره ودخوله غرناطة ٢٢٩
محمد بن محمد بن أحمد الأنصاري ٢٣٣
محمد بن محمد بن أحمد بن شلبطور الهاشمي ٢٤٣
محمد بن محمد بن جعفر بن مشتمل الأسلمي ٢٤٦
محمد بن محمد بن حزب الله ٢٤٩
محمد بن إبراهيم بن عيسى بن داود الحميري ٢٥٢
стр. 795
محمد بن محمد بن عبد الله بن مقاتل ٢٦١
محمد بن أحمد بن أحمد بن صفوان القيسي ٢٦٢
محمد بن محمد بن عبد الواحد بن محمد البلوي ٢٦٢
محمد بن محمد بن الشّديد ٢٦٧
محمد بن مسعود بن خالصة بن فرج بن مجاهد بن أبي الخصال الغافقي ٢٦٩
محمد بن مفضل بن مهيب اللخمي ٢٨٨
محمد بن عبد الله بن داود بن خطاب الغافقي ٢٩٥
محمد بن عبد الله بن محمد بن لب الأمي ٢٩٩
محمد بن عبد الله بن الحاج البضيعة ٣٠٨
محمد بن عبد الله بن فطيس ٣٠٩
محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن يحيى بن محمد بن فتوح بن محمد بن أيوب بن محمد بن الحكيم اللخمي ذو الوزارتين ٣١٠
محمد بن عبد الرحمن العقيلي الجراوي ٣٣٢
محمد بن عبد الرحمن المتأهل ٣٣٣
محمد بن عبد الملك بن محمد بن محمد بن طفيل القيسي ٣٣٤
حظوته ودخوله غرناطة ٣٣٤
محمد بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن عيّاش التّجيبي البرشاني ٣٣٧
بعض أخباره مع المنصور ومحاورته الدّالة على جلالة قدره ٣٣٩
محمد بن علي بن محمد بن إبراهيم بن محمد الهمداني ٣٤١
محمد بن علي بن محمد بن علي بن محمد بن خاتمة الأنصاري ٣٤٥
محمد بن عيسى بن عبد الملك بن قزمان الزّهري ٣٤٧
محمد بن غالب الرّصافي ٣٥٦
محمد بن قاسم بن أبي بكر القرشي المالقي ٣٦٦
محمد بن سليمان بن القصيرة ٣٦٧
محمد بن يوسف بن عبد الله بن إبراهيم التميمي المازني ٣٧٠
«ومن الغرباء في هذا الحرف» محمد بن حسن العمراني الشريف ٣٧١
محمد بن محمد بن إبراهيم بن المرادي ابن العشاب ٣٧٣
محمد بن محمد بن عبد الملك بن محمد بن سعيد الأنصاري الأوسي ٣٧٥
محمد بن خميس بن عمر بن محمد بن عمر بن محمد بن خميس الحجري حجر ذي رعين التّلمساني ٣٧٦
محمد بن عمر بن علي بن إبراهيم المليكشي ٤٠٥
محمد بن علي بن الحسن بن راجح الحسني ٤١٢
محمد بن علي بن عمر العبدري ٤١٨
стр. 796
[المجلد الثالث]
[تتمة قسم الثانى]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلّى الله على سيّدنا محمد وآله وصحبه وسلّم
محمد بن يحيى بن عبد الله بن محمد بن أحمد العزفي «١»
من أهل سبتة، أبو القاسم بن أبي زكريا بن أبي طالب.
حاله: من أهل الظّرف والبراعة، والطبع المعين، والذكاء، رئيس سبتة، وابن رؤسائها، وانتقل إلى غرناطة عند خلعه وانصرافه عن بلده. أقام بها تحت رعي حسن الرّواء، مألفا للظرفاء، واشتهر بها أدبه، ونظر في الطّبّ ودوّن فيه، وبرع في التّوشيح. ثم انتقل إلى العدوة، انتقال غبطة وأثرة، فاستعمل بها في خطط نبيهة، وكتب عن ملوكها، وهو الآن بالحالة الموصوفة.
وجرى ذكره في «الإكليل» بما نصّه «٢» : فرع تأوّد من الرئاسة في دوحة، وتردّد بين غدوة في المجد وروحة، نشأ والرئاسة العزفيّة تعلّه وتنهله، والدّهر يسيّر أمله الأقصى ويسهّله، حتى اتّسقت أسباب سعده، وانتهت إليه رياسة سلفه من بعده، فألقت إليه رحالها وحطّت، ومتّعته بقربها بعدما شطّت. ثمّ كلح له الدهر بعد ما تبسّم، وعاد زعزعا «٣» نسيمه الذي كان يتنسّم، وعاق هلاله عن تمّه، ما كان من تغلّب ابن عمّه، واستقرّ بهذه البلاد نائي «٤» الدار بحكم الأقدار، وإن كان نبيه المكانة والمقدار، وجرت عليه جراية واسعة، ورعاية متتابعة، وله أدب كالرّوض باكرته
стр. 797
الغمائم، والزّهر تفتّحت عنه الكمائم، رفع منه راية خافقة، وأقام له سوقا نافقة.
وعلى تدفّق أنهاره، وكثرة نظمه واشتهاره، فلم أظفر منه إلّا باليسير التافه بعد انصرافه.
شعره: قال: [مجزوء الرجز]
أفديك يا ريح الصّبا ... عوجي على تلك الرّبى
واحد النّعامى سحرا ... ترسل غماما صبّا
على ربى غرناطة ... لكي تقضّي ما ربا
ثم ابلغي «١» يا ريح ... عن صبّ سلاما طيّبا
ومن منظومه أيضا في بعض القضاة الفاسيّين، وهو من البديع، وورّى فيه ببابين من أبواب المدينة: [المتقارب]
وليت بفاس أمور القضاء ... فأحدثت فيها أمورا شنيعه
فتحت لنفسك باب الفتوح ... وغلقت للناس باب الشّريعة
فبادر مولى الورى فارس ... بعزلك عنها قبيل الذّريعه
وقال: [الكامل]
دع عنك قول عواذل ووشاة ... وأدر كؤوسك يا أخا اللّذّات
واخلع عذارك لاهيا في شربها ... واقطع زمانك بين هاك وهات
خذها إليك بكفّ ساق أغيد ... لين المعاطف فاتر الحركات
قد قام من ألحاظه إنسانها ... مثبّتا في فترة اللحظات
يسقيكها حمراء يسطع نورها ... في الكأس كالمصباح في المشكات
رقّت وراقت في الزّجاجة منظرا ... لمّا عدت تجلي على الرّاحات
لا تمزجنها في الأبارق إنها ... تبدو محاسنها لدى الكاسات
عجبا لها كالشمس تغرب في فم ... لكن مطالعها من الوجنات
نلنا بها ما نشتهيه من المنى ... في جنّة تزهى على الجنّات
رفّت عليها كلّ طلّ سجسج ... من كلّ غضّ يانع الثمرات
ما بين خضر حدائق وخمائل ... وجداول تفضي إلى دوحات
سرى النسيم بها يصافح زهره ... فيهبّ وهو مورّج النفحات
стр. 798
وشدا لنا فيها مغنّ شادن ... حاز المدى سبقا إلى الغايات
طربت له القضب اللّدان وبادرت ... رجعا له تختال في الحبرات
مرّت عليه ركّعا لكنها ... جعلت تحيّتها لدى الرّكعات
قصرت صلاة الخوف منه فقرّبت ... قربانها وحفته بالزّهرات
والعود مثناه يطابق زيّها ... فيها «١» ردانات على رنّات
إن جسّ مثلثه بان بغنّة «٢» ... في اليمّ منه ثقيلة النّغمات
فكان ما غنّت عليه الورق من ... ألحانها ألقاه للقينات
عكفت على ألحانها تشدو لنا ... خلف السّتائر باختلاف لغات
فكأنها عجم تورات بالحجاب ... وردّدت سورا من التّورات
نطقت بأفصح نغمة في شدوها ... تتلو علينا هذه الآيات
ومما أنشده ليلة ميلاد رسول الله ﷺ : [المتقارب]
إذا لم أطق نحو نجد وصولا ... بعثت الفؤاد إليها رسولا
وكم حلّ قلبي رهينا بها ... غداة نوى الرّكب فيها النزولا
محل بها في الحلال التي ... ضحى أصبح القوم فيها حلولا
وكم بتّ فيها غداة النّوى ... أسحّ من العين دمعا همولا
على شمس حسن سما ناظري ... إليها وعنّي توارت أفولا
وقفت بوادي الغضا ساعة ... لعلّي أندب فيها الطّلولا
وفي البان من أيكه ساجع ... يرجّع بالقضب منها الهديلا
بحقّ الهوى يا حمام الحمى ... ترفّق بقلبي المعنّى قليلا
فقد هجت تالله أشواقه ... بذكرك إلفا ثنى «٣» أو خليلا
ألم تدر أن ادّكاري الهوى ... يذيب ويعنى الفؤاد العليلا؟
رعى الله تلك المطايا الّتي ... إلى الحجّ وخدا سرت أو ذميلا
ويا عجبا كيف خفّت بهم ... وحمّلت القلب حملا ثقيلا
وودّعني الصبر إذ ودّعوا ... فما أن وجدت إليه سبيلا
وآثرت، يا ويح نفسي، المقام ... وآثر أهل الوداد الرّحيلا
стр. 799
وجادوا رجاء «١» الرّضى بالنفوس ... وكنت بنفسي ضنينا بخيلا
ندمت على السّير إذ فاتني ... ولازمت حزني دهرا طويلا
وفاز المخفّون إذ يمّموا ... منازل آثارها لن تزولا
وحجّوا وزاروا نبيّ الهدى ... محمدا الهاشميّ الرسولا
وفازوا بإدراك ما أملوا ... ونالوا لديه الرّضى والقبولا
ولو كنت في عزمهم مثلهم ... إذا لانصرفت إليه عجولا
ولكنني أثقلتني الذنوب ... وما كنت للثّقل منها حمولا
ركبت مطيّة جهل الصّبا ... وكانت أوان التّصابي ذلولا
ومالت بي النّفس نحو الهوى ... وقد وجدتني غرّا جهولا
فطوبى لمن حلّ في طيبة ... وعرّس بالسّفح منها الحمولا
ونال المنى في منّى عندما ... نوى بالمنازل منها نزولا
وأصفى الضمائر نحو الصّفا ... يؤمّل للوصل فيه الوصولا
وجاء إلى البيت مستبشرا ... ليطهر بالأمن فيه دخولا
وطاف ولبّى بذاك الحمى ... ونال من الحجر قصدا وسولا
بلاد بها حلّ خير الورى ... فطوبى لمن نال فيها الحلولا
نبيّ كريم سما رفعة ... وقدرا جليلا ومجدا أصيلا
وكان لأمّته رحمة ... بفضل الشفاعة فيهم كفيلا
وكان رؤوفا رحيما لهم ... عطوفا شفيعا عليهم وصولا
له يفزعون إذا ما رأوا ... لدى الحشر خسفا وأمرا مهولا
وإن جاء في ذنبهم شافعا ... بدا الرّحب من ربّه والقبولا
له معجزات إذا عدّدت ... تفوت النّهى وتكلّ العقولا
ولن يبلغ القول معشارها ... وإن كان الوصف فيها مطيلا
وقسّ البيان وسحبانه «٢» ... يرى ذهنه في مداها كليلا
تخيّره الله في خلقه ... فكان الخطير لديه المثيلا
стр. 800
ولم ير في النّاس ندّا له ... ولا في الخلائق منه بديلا
وأبقى له الحكم في أرضه ... فكان الأمين عليها الوكيلا
وكلّ ظلام وظلم بها ... على الفور لمّا أتى قد أزيلا
وكانت كنار لظى فتنة ... فعادت من الأمن ظلّا ظليلا
وقد زان حسن الدّجى جيله ... إذا ذكر الدهر جيلا فجيلا
وأيّامه غرر قد بدت ... بوجه الدّنا والليالي حجولا
رسول كريم إذا جئته ... ويمّمت مغناه تلقى القبولا
بمولده في زمان الربيع ... ربيع أتانا يجرّ الذّيولا
فأهلا به الآن من زائر ... أتانا بفضل يفوق الفضولا
وقام الإمام به المرتضى ... فنال ثوابا وأجرا جزيلا
هو المستعين أبو سالم ... مليك ترفّع قدرا جليلا
وحاز من الصّيت ذكرا أثيرا ... ومن كرم الخيم مجدا أثيلا
سليل عليّ غمام النّدى ... ألا أيّد الله ذاك السّليلا
فتى أوسع النّاس من جوده ... عطاء» جزيلا وبرّا حفيلا
حلاه الوقار ولاقيه ... إذا ارتاح للجود يلفى عجولا
وقد شاع عنه جميل الثّناء «٢» ... وعمّ البسيطة عرضا وطولا
وما منّ بالوعد إلّا وفى ... فلم يك بالوعد يوما مطولا
ولا في علاه مغال لمن ... يكثّر في الملك قالا وقيلا
تفرّد بالفضل في عصره ... وكان بعرف الأيادي كفيلا
أطاعت له حين وافى البلاد ... رضّى عندما حلّ فيها حلولا
وجاء «٣» لطاعته أهلها ... سراعا يرومون فيها الدّخولا
فنبّه قدر الموالي بها ... وأكسف فيها المعادي خمولا
ومهّد بالأمن أفكارها ... وأمّن بالعدل فيها السبيلا
وكفّ أكفّ التعدّي بها ... فلا يظلم الناس فيها فتيلا
وعصر الكروب الذي قد مضى ... زمان المسرّات منه أديلا
стр. 801
أتانا إلى الغرب في شوكة ... بها عاد جمع الأعادي قليلا
وفوق رؤوس الطغاة انتضى ... حساما ليسمع فيها صليلا
وجرّد من عزمه مرهفا ... لحسم أمور المناوي صقيلا
وكل كفور معاد له ... سيأخذه الله أخذا وبيلا
أعزّ الخلائق لمّا ولي ... ونوّه من كان منهم ذليلا
وراعى لمن جاءه داخلا ... حماه من القاصدين الدّخيلا
فكان بأفعاله قصده ... إلى منهج الفضل قصدا جميلا
وصحّ انتعاش المعالي به ... وقد كان شخص المعالي عليلا
وشيّد مبنى العلا بالنّدى ... ووثّقه خشية أن يميلا
ينيل ويعطي جزيل العطاء «١» ... فما زال أخرى الليالي منيلا
ودام مدى الدّهر في رفعة ... تثير من الحاسدين الغليلا
ولا برح السعد في بابه ... يؤمّ به مربعا أو مقيلا
محمد المكودي «٢»
من أهل فاس، يكنى أبا عبد الله.
حاله: من «الإكليل» «٣» : شاعر لا يتعاطى «٤» ميدانه، ومرعى بيان ورف عضاهه «٥» وأينع سعدانه «٦» ، يدعو الكلام فيهطع «٧» لداعيه، ويسعى في اجتلاب المعاني فتنجح مساعيه، غير أنه أفرط في الانهماك، وهوى إلى السّمكة من أوج السّماك «٨» . وقدم «٩» على هذه البلاد مفلتا من رهق تلمسان حين الحصار، صفر اليمين واليسار من اليسار، ملئ هوى أنحى على طريفه وتلاده، وأخرجه من بلاده.
стр. 802
ولمّا جدّ به البين، وحلّ هذه البلاد «١» بحال تقبحها العين، والسيف بهزّته، لا بحسن بزّته، دعوته «٢» إلى مجلس أعاره البدر هالته، وخلع عليه الأصيل غلالته، وروض تفتّح كمامه، وهمى عليه غمامه، وكاس أنس تدور، فتتلقّى نجومها البدور. فلمّا ذهبت المؤانسة بخجله، وتذكّر هواه ويوم نواه حتّى خفنا حلول أجله، جذبنا للمؤانسة زمامه، واستقينا «٣» منها غمامه، فأمتع وأحسب، ونظر ونسب، وتكلّم في المسائل، وحضر «٤» بطرف الأبيات وعيون الرسائل، حتى نشر الصباح رايته، وأطلع النهار آيته.
ومما أنشدنا ونسب لنفسه «٥» : [الوافر]
غرامي فيك جلّ عن القياس ... وقد أسقيتنيه بكل كاس
ولا أنسى هواك ولو جفاني ... عليك أقاربي طرّا وناسي
ولا أدري لنفسي من كمال ... سوى أنّي لعهدك غير ناس
وقال في غرض معروف «٦» : [الطويل]
بعثت بخمر فيه ماء وإنّما ... بعثت بماء «٧» فيه رائحة الخمر
فقلّ عليه الشكر إذ قلّ سكرنا ... فنحن بلا سكر وأنت بلا شكر
ومما خاطبني به «٨» : [البسيط]
رحماك بي فلقد خلّدت في خلدي ... هوى أكابد منه حرّة «٩» الكبد
حللت عقد سلوّي في «١٠» فؤادي إذ ... حللت منه محلّ الروح في «١١» جسدي
مرآك بدري وذكراك التذاذ فمي ... ودين حبّك إضماري ومعتقدي
ومن جمالك نور لاح في بصري ... ومن ودادك روح حلّ في خلدي
لا تحسبنّ فؤادي عنك مصطبرا «١٢» ... فقبل حبّك كان الصبر طوع يدي
وهاك جسمي قد أودى النّحول به ... فلو طلبت وجودا منه لم تجد
стр. 803
بما بطرفك من غنج ومن حور ... وما بثغرك من درّ ومن برد
كن بين طرفي وقلبي منصفا فلقد ... حابيت «١» بعضهما فاعدل ولا تحد
فقال لي قد جعلت القلب لي وطنا ... وقد قضيت على الأجفان بالسّهد
وكيف تطلب عدلا والهوى حكم ... وحكمه قطّ لم يعدل على أحد
من لي بأغيد لا يرثي إلى شجن ... وليس يعرف ما يلقاه ذو كمد
ما كنت من قبل إذعاني لصولته «٢» ... إخال أنّ الرّشا يسطو على الأسد
إن جاد بالوعد لم تصدق مواعده ... فإن قنعت بزور الوعد لم يعد
شكوته علّتي منه فقال: ألا «٣» ... سر للطبيب فما برء الضّنى بيدي
فقلت: إن شئت برئي أو شفا ألمي ... فبارتشاف لماك الكوثريّ جد
وإن بخلت فلي مولى يجود على ... ضعفي ويبرئ ما أضنيت من جسدي «٤»
وخرج إلى المدح فأطال.
المقرئون والعلماء- الأصليون منهم
محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن يحيى ابن عبد الرحمن بن يوسف بن جزيّ الكلبي
«٥» يكنى «٦» أبا القاسم، من أهل غرناطة وذوي الأصالة والنباهة فيها، شيخنا رحمة الله عليه.
أوليته: أصل «٧» سلفه من ولبة «٨» من حصون البراجلة، نزل بها أولهم عند
стр. 804
الفتح صحبة قريبهم أبي الخطار حسام بن ضرار الكلبي، وعند خلع دعوة «١» المرابطين، وكانت لجدهم بجيّان رئاسة وانفراد بالتدبير.
حاله: كان «٢» ، ﵀، على طريقة مثلى من العكوف على العلم، والاقتصاد «٣» على الاقتيات من حرّ النّشب «٤» ، والاشتغال بالنّظر والتّقييد والتّدوين، فقيها، حافظا، قائما على التدريس، مشاركا في فنون من العربية «٥» ، والفقه، والأصول، والقراءات، والحديث، والأدب، حفظة «٦» للتفسير، مستوعبا للأقوال، جمّاعة للكتب، ملوكي الخزانة، حسن المجلس، ممتع المحاضرة، قريب الغور، صحيح الباطن. تقدّم خطيبا بالمسجد الأعظم من بلده على حداثة سنّه، فاتّفق على فضله، وجرى على سنن أصالته.
مشيخته: قرأ «٧» على الأستاذ أبي جعفر بن الزبير «٨» ، وأخذ عنه العربية والفقه والحديث والقرآن. وروى عن أبي الحسن بن مستقور. وقرأ القرآن على الأستاذ المقرئ الرّاوية المكثر أبي عبد الله بن الكمّاد، ولازم الخطيب أبا عبد الله بن رشيد، وسمع على الشّيخ الوزير أبي محمد عبد الله بن أحمد ابن المؤذن، وعلى الراوية المسن أبي الوليد الحضرمي. يروي عن سهل بن مالك وطبقته. وروى عن الشيخ الرّاوية أبي زكريا البرشاني، وعن الرّاوية الخطيب أبي عبد الله محمّد بن محمّد بن علي الأنصاري، والقاضي أبي المجد بن أبي علي بن أبي الأحوص، والقاضي أبي عبد الله بن برطال، والشيخ الوزير ابن أبي عامر بن ربيع «٩» ، والخطيب الولي أبي عبد الله الطّنجالي، والأستاذ النظّار المتفنّن أبي القاسم قاسم بن عبد الله بن الشّاط.
وألّف الكثير في فنون شتى.
تواليفه: منها «١٠» كتاب «وسيلة المسلم في تهذيب صحيح مسلم» وكتاب «الأنوار السّنية في الكلمات السّنّية» وكتاب «الدّعوات والأذكار، المخرجة من صحيح
стр. 805
الأخبار» وكتاب «القوانين الفقهية، في تلخيص مذهب المالكية» و «التنبيه على مذهب الشافعية والحنفية والحنبليّة» وكتاب «تقريب الوصول إلى علم الأصول» وكتاب «النّور المبين، في قواعد عقائد الدين» وكتاب «المختصر البارع، في قراءة نافع» وكتاب «أصول القرّاء الستة غير نافع» ، وكتاب «الفوائد العامة، في لحن العامّة» ، إلى غير ذلك مما قيّده في التفسير والقراءات وغير ذلك. وله فهرسة كبيرة اشتملت «١» على جملة من أهل المشرق والمغرب.
شعره: قال «٢» في الأبيات الغينيّة ذاهبا مذهب الجماعة كأبي العلاء المعرّي، والرئيس أبي المظفر «٣» ، وأبي الطاهر السّلفي، وأبي الحجاج ابن الشيخ، وأبي الربيع بن سالم، وأبي علي بن أبي الأحوص، وغيرهم، كلهم نظم في ذلك «٤» :
[الطويل]
لكلّ بني الدنيا مراد ومقصد ... وإنّ مرادي صحّة وفراغ
لأبلغ في علم الشّريعة مبلغا ... يكون به لي للجنان بلاغ «٥»
وفي «٦» مثل هذا فلينافس أولو «٧» النّهى ... وحسبي من الدنيا الغرور بلاغ «٨»
فما الفوز إلّا في نعيم مؤبّد ... به العيش رغد والشّراب يساغ
وقال في الجناب النّبوي «٩» : [الطويل]
أروم امتداح المصطفى ويردّني «١٠» ... قصوري عن إدراك تلك المناقب
ومن لي بحصر البحر والبحر زاخر؟ ... ومن لي بإحصاء «١١» الحصى والكواكب
ولو أنّ أعضائي غدت ألسنا إذا ... لما بلغت في المدح بعض مآربي «١٢»
стр. 806
ولو أنّ كلّ العالمين تألّفوا «١» ... على مدحه لم يبلغوا بعض واجب
فأمسكت عنه هيبة وتأدّبا ... وخوفا وإعظاما لأرفع جانب «٢»
وربّ سكوت كان فيه بلاغة ... وربّ كلام فيه عتب لعاتب
وقال، ﵀، مشفقا من ذنبه «٣» : [البسيط]
يا ربّ إنّ ذنوبي اليوم قد كثرت «٤» ... فما أطيق لها حصرا ولا عددا
وليس لي بعذاب النّار من قبل ... ولا أطيق لها صبرا ولا جلدا
فانظر إلهي إلى ضعفي ومسكنتي ... ولا تذيقنّني «٥» حرّ الجحيم غدا
وقال في مذهب الفخر «٦» : [الوافر]
وكم من صفحة كالشمس تبدو ... فيسلي «٧» حسنها قلب الحزين
غضضت الطّرف عن نظري إليها ... محافظة على عرضي وديني «٨»
وفاته: فقد «٩» وهو يشحذ الناس ويحرّضهم، ويثبّت بصائرهم، يوم الكائنة بطريف «١٠» ، ضحوة يوم الاثنين السابع «١١» لجمادى الأولى عام أحد وأربعين وسبعمائة، تقبّل الله شهادته. وعقبه ظاهر بين القضاء والكتابة.
محمد بن أحمد بن فتّوح بن شقرال اللخمي
شرقي الأصل، من سكان غرناطة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بالطّرسوني.
стр. 807
حاله: نقلت من خطّ شيخنا أبي البركات بن الحاج: أمتع الله به، كنّى نفسه أبا عبد الرحمن، ودعي بها وقتا، وكوتب بها. وكان له ابن سمّاه عبد الرحيم، فقلنا له: سمّه عبد الرحمن، ليعضّد لك الكنية التي اخترت، فأبى. كان هذا الرجل قيّما على النحو والقراءات واللغة، مجيدا في ذلك، محكما لما يأخذ فيه منه، وكانت لديه مشاركة في الأصلين والمنطق، طمح إليها بفضل نباهته وذكائه، وشعوره بمراتب العلوم، دون شيخ أرشده إلى ذلك. يجمع إلى ما ذكر خطّا بارعا، وظرفا وفكاهة، وسخا نفس، وجميل مشاركة لأصحابه بأقصى ما يستطيع. وكان صنّاع اليدين يرسم بالذّهب، ويسفّر، ويحكم عمل التّراكيب الطّبّية. وعلى الجملة، فالرجل من أجلّ نبلاء عصره، الذين قلّ أمثالهم.
مشيخته: أخذ القراءات عن الشيخ الأستاذ أبي الحسن ابن أبي العيش، وبه تفقّه ببلده ألمريّة. وقرأ على الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، والخطيب أبي جعفر بن الزيات، والراوية أبي الحسن بن مستقور، والولي أبي عبد الله الطّنجالي، وصهره الخطيب أبي تمام غالب بن حسن بن سيدبونه، والخطيب أبي الحسن القيجاطي، والخطيب المحدّث أبي عبد الله بن رشيد، وغيرهم.
شعره: من شعره قوله: [الطويل]
إذا قذفت بي حيثما شاءت النّوى ... ففي كل شعب لي إليك طريق
وإن أنا لم أبصر محيّاك باسما ... فإنسان عيني في الدموع غريق
فإن لم تصل كفّي بكفّك وافيا ... فأسمال أحبابي لدّي فتوق
محنته: أحظاه وزير الدّولة أبو عبد الله بن المحروق «١» ، واختصّه، ورتّب له بالحمراء جراية، وقلّد نظره خزانة الكتب السلطانية. ثم فسد ما بينهما، فاتّهمه ببراءات كانت تطرح بمذامّه بمسجد البيّازين «٢» ، وترصد ما فيها، فزعم أنه هو الذي طرحها بمحراب المسجد، فقبض عليه واعتقل، ثمّ جلّاه إلى إفريقية.
стр. 808
وفاته: ولمّا بلغته بإفريقية وفاة مخيفه، كرّ راجعا إلى الأندلس، فتوفي في طريقه ببونة «١» ، من بلاد العنّاب أو بأحوازها في أواخر عام ثلاثين، أو أقرب من الأواخر وسبعمائة.
محمد بن جابر بن يحيى بن محمد بن ذي النّون التّغلبي
ويعرف بابن الرمّالية، من أهل غرناطة، ويعرف خلفه الآن، ببني مرزبّة، ولهم أصالة وقدم وجدة.
حاله: فقيه، نبيه، نبيل، ذكي، عنده معرفة بالفقه والأدب والعربية، حسن المشاركة والمحاضرة، حاضر الذهن، ذاكر لما قرأه.
مشيخته: روى عن الإمام أبي بكر بن العربي. قال أبو القاسم الملّاحي:
وحدّثني سنة أربع وستمائة، قال: حدّثني الإمام أبو بكر بن العربي، ﵁، قال: حدّثني محمد بن عبد الملك السّبتي، قال: خرجت مع أبي الفضل الجزيري مشيّعين لقافلة الحاجّ من بغداد، ومودّعين لها من الغد، وحين أصبحنا أثيرت الجمال، وفرض الناس الرّحال، ونحن بموضع يعرف بجبّ عميرة، إذا بفتى شاحب اللّون، حسن الوجه، يشيّع الرّواحل، راحلة بعد أخرى، حتى فنيت، ومشى الحاجّ، وهو يقول في أثناء تردّده ونظره إليها: [الطويل]
أحجّاج بيت الله، في أيّ هودج ... وفي أيّ بيت من بيوتكم حبّي؟
أأبقى رهين القلب في أرض غربة ... وحاديكم يحدو فؤادي مع الرّكب؟
فوا أسفا لم أقض منكم لبانتي ... ولم أتمتّع بالسلام وبالقرب
وفرّق بيني بالرّحيل وبينكم ... فها أنذا أقضي على إثركم نحبي
يقولون هذا آخر العهد منكم ... فقلت وهذا آخر العهد من قلبي «٢»
قال: فلمّا كمل الحاجّ المشي، وانقطع رجاؤه، وجعل يخطو هائما، وهو ينشد، ثمّ رمى بنفسه إلى الأرض وقال: [المديد]
خلّ دمع العين ينهمل ... بان من تهواه وارتحل
أيّ دمع صانه كلف ... فهو يوم البين ينهمل
стр. 809
قال: ثم مال على الأرض، فبادرنا إليه فوجدناه ميّتا، فحفرنا له لحدا، وغسّلناه وكفّنّاه في رداء وصلّينا عليه، ودفنّاه.
وفاته: وفاة المترجم به سنة خمسين وستمائة.
محمد بن محمد بن محمد بن بيبش العبدري «١»
من أهل غرناطة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن بيبش «٢» .
حاله: كان «٣» خيّرا، منقبضا، عفّا، متصاونا، مشتغلا بما يعنيه، مضطلعا «٤» بالعربية، عاكفا عمره على تحقيق اللّغة، مشاركا في الطّب، متعيّشا من التّجارة في الكتب، أثرى منها، وحسنت حاله. وانتقل إلى سكنى سبتة، إلى أن حططت بها رسولا في عام اثنتين وخمسين وسبعمائة، فاستدعيته ونقلته إلى بلده، فقعد للإقراء به إلى أن توفي.
وجرى ذكره في بعض الموضوعات الأدبية بما نصّه «٥» : معلّم مدرّب، مسهّل مقرّب، له في صنعة العربية باع مديد، وفي هدفها سهم سديد، ومشاركة في الأدب لا يفارقها تسديد، خاصيّ المنازع مختصرها، مرتّب الأحوال مقرّرها، تميّز لأول وقته بالتّجارة في الكتب فسلّطت عليها «٦» منه أرضة آكلة، وسهم أصاب من رميتها شاكلة «٧» ، أترب بسببها وأثرى، وأغنى جهة وأفقر أخرى، وانتقل لهذا العهد الأخير إلى سكنى غرناطة «٨» مسقط رأسه، ومنبت غرسه، وجرت عليه جراية من أحباسها «٩» ، ووقع عليه قبول من ناسها، وبها تلاحق به الحمام، فكان من ترابها البداية وإليه التمام. وله شعر لم يقصر فيه عن المدى، وأدب توشّح بالإجادة وارتدى.
مشيخته: قرأ على شيخ الجماعة ببلده أبي جعفر بن الزبير، وعلى الخطيب أبي عبد الله بن رشيد، والوزير أبي محمد بن المؤذن المرادي، والأستاذ عبد الله بن الكمّاد، وسمع على الوزير المسنّ أبي محمد عبد المنعم بن سماك. وقرأ بسبتة على الأستاذ أبي إسحاق الغافقي.
стр. 810
شعره: أنشدني بدار الصّناعة السلطانية من سبتة تاسع جمادى الأولى من عام اثنين وخمسين المذكور، عند توجّهي في غرض الرسالة إلى السلطان ملك المغرب، قوله يجيب عن الأبيات المشهورة، التي أكثر فيها الناس وهي «١» : [مخلع البسيط]
يا ساكنا قلبي المعنّى ... وليس فيه سواك ثان
لأيّ معنى كسرت قلبي ... وما التقى فيه ساكنان؟
فقال «٢» : [مخلع البسيط]
نحلتني طائعا فؤادا ... فصار إذ حزته مكاني «٣»
لا غرو إذ كان لي مضافا ... أنّي على الكسر فيه باني
وقال يخاطب أبا العباس عميد سبتة، أعزّه الله، وهي ممّا أنشدنيه فيه التاريخ المذكور، وقد أهدى إليه أقلاما «٤» : [الطويل]
أنا ملك الغرّ التي سيب جودها ... يفيض كفيض المزن بالصّيّب القطر
أتتني منها تحفة مثل حدّها «٥» ... إذا انتضيت كانت كمرهفة السّمر
هي الصّفر لكن تعلم البيض أنها ... محكّمة فيها على النّفع والضّرّ
مهذّبة الأوصال ممشوقة كما ... تصاغ «٦» سهام الرّمي من «٧» خالص التّبر
فقبّلتها عشرا ومثّلت أنني ... ظفرت بلثم في أناملك العشر
وأنشدني في التاريخ المذكور في ترتيب حروف الصحاح قوله «٨» : [الطويل]
أساجعة بالواديين تبوّئي ... ثمارا جنتها حاليات خواضب
دعي ذكر روض زاره «٩» سقي شربه ... صباح ضحى طير ظماء «١٠» عصائب
غرام فؤادي قاذف كلّ ليلة ... متى ما نأى وهنا هواه يراقب
следующие страницы →