← Тараджим

Тараджим · id 11682

الإحاطة في أخبار غرناطة

لسان الدين بن الخطيب

Полный текст (1 954 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

ولو أنّ كلّ العالمين تألّفوا «١» ... على مدحه لم يبلغوا بعض واجب فأمسكت عنه هيبة وتأدّبا ... وخوفا وإعظاما لأرفع جانب «٢» وربّ سكوت كان فيه بلاغة ... وربّ كلام فيه عتب لعاتب وقال، ﵀، مشفقا من ذنبه «٣» : [البسيط] يا ربّ إنّ ذنوبي اليوم قد كثرت «٤» ... فما أطيق لها حصرا ولا عددا وليس لي بعذاب النّار من قبل ... ولا أطيق لها صبرا ولا جلدا فانظر إلهي إلى ضعفي ومسكنتي ... ولا تذيقنّني «٥» حرّ الجحيم غدا وقال في مذهب الفخر «٦» : [الوافر] وكم من صفحة كالشمس تبدو ... فيسلي «٧» حسنها قلب الحزين غضضت الطّرف عن نظري إليها ... محافظة على عرضي وديني «٨» وفاته: فقد «٩» وهو يشحذ الناس ويحرّضهم، ويثبّت بصائرهم، يوم الكائنة بطريف «١٠» ، ضحوة يوم الاثنين السابع «١١» لجمادى الأولى عام أحد وأربعين وسبعمائة، تقبّل الله شهادته. وعقبه ظاهر بين القضاء والكتابة. محمد بن أحمد بن فتّوح بن شقرال اللخمي شرقي الأصل، من سكان غرناطة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بالطّرسوني.

стр. 807

حاله: نقلت من خطّ شيخنا أبي البركات بن الحاج: أمتع الله به، كنّى نفسه أبا عبد الرحمن، ودعي بها وقتا، وكوتب بها. وكان له ابن سمّاه عبد الرحيم، فقلنا له: سمّه عبد الرحمن، ليعضّد لك الكنية التي اخترت، فأبى. كان هذا الرجل قيّما على النحو والقراءات واللغة، مجيدا في ذلك، محكما لما يأخذ فيه منه، وكانت لديه مشاركة في الأصلين والمنطق، طمح إليها بفضل نباهته وذكائه، وشعوره بمراتب العلوم، دون شيخ أرشده إلى ذلك. يجمع إلى ما ذكر خطّا بارعا، وظرفا وفكاهة، وسخا نفس، وجميل مشاركة لأصحابه بأقصى ما يستطيع. وكان صنّاع اليدين يرسم بالذّهب، ويسفّر، ويحكم عمل التّراكيب الطّبّية. وعلى الجملة، فالرجل من أجلّ نبلاء عصره، الذين قلّ أمثالهم. مشيخته: أخذ القراءات عن الشيخ الأستاذ أبي الحسن ابن أبي العيش، وبه تفقّه ببلده ألمريّة. وقرأ على الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، والخطيب أبي جعفر بن الزيات، والراوية أبي الحسن بن مستقور، والولي أبي عبد الله الطّنجالي، وصهره الخطيب أبي تمام غالب بن حسن بن سيدبونه، والخطيب أبي الحسن القيجاطي، والخطيب المحدّث أبي عبد الله بن رشيد، وغيرهم. شعره: من شعره قوله: [الطويل] إذا قذفت بي حيثما شاءت النّوى ... ففي كل شعب لي إليك طريق وإن أنا لم أبصر محيّاك باسما ... فإنسان عيني في الدموع غريق فإن لم تصل كفّي بكفّك وافيا ... فأسمال أحبابي لدّي فتوق محنته: أحظاه وزير الدّولة أبو عبد الله بن المحروق «١» ، واختصّه، ورتّب له بالحمراء جراية، وقلّد نظره خزانة الكتب السلطانية. ثم فسد ما بينهما، فاتّهمه ببراءات كانت تطرح بمذامّه بمسجد البيّازين «٢» ، وترصد ما فيها، فزعم أنه هو الذي طرحها بمحراب المسجد، فقبض عليه واعتقل، ثمّ جلّاه إلى إفريقية.

стр. 808

وفاته: ولمّا بلغته بإفريقية وفاة مخيفه، كرّ راجعا إلى الأندلس، فتوفي في طريقه ببونة «١» ، من بلاد العنّاب أو بأحوازها في أواخر عام ثلاثين، أو أقرب من الأواخر وسبعمائة. محمد بن جابر بن يحيى بن محمد بن ذي النّون التّغلبي ويعرف بابن الرمّالية، من أهل غرناطة، ويعرف خلفه الآن، ببني مرزبّة، ولهم أصالة وقدم وجدة. حاله: فقيه، نبيه، نبيل، ذكي، عنده معرفة بالفقه والأدب والعربية، حسن المشاركة والمحاضرة، حاضر الذهن، ذاكر لما قرأه. مشيخته: روى عن الإمام أبي بكر بن العربي. قال أبو القاسم الملّاحي: وحدّثني سنة أربع وستمائة، قال: حدّثني الإمام أبو بكر بن العربي، ﵁، قال: حدّثني محمد بن عبد الملك السّبتي، قال: خرجت مع أبي الفضل الجزيري مشيّعين لقافلة الحاجّ من بغداد، ومودّعين لها من الغد، وحين أصبحنا أثيرت الجمال، وفرض الناس الرّحال، ونحن بموضع يعرف بجبّ عميرة، إذا بفتى شاحب اللّون، حسن الوجه، يشيّع الرّواحل، راحلة بعد أخرى، حتى فنيت، ومشى الحاجّ، وهو يقول في أثناء تردّده ونظره إليها: [الطويل] أحجّاج بيت الله، في أيّ هودج ... وفي أيّ بيت من بيوتكم حبّي؟ أأبقى رهين القلب في أرض غربة ... وحاديكم يحدو فؤادي مع الرّكب؟ فوا أسفا لم أقض منكم لبانتي ... ولم أتمتّع بالسلام وبالقرب وفرّق بيني بالرّحيل وبينكم ... فها أنذا أقضي على إثركم نحبي يقولون هذا آخر العهد منكم ... فقلت وهذا آخر العهد من قلبي «٢» قال: فلمّا كمل الحاجّ المشي، وانقطع رجاؤه، وجعل يخطو هائما، وهو ينشد، ثمّ رمى بنفسه إلى الأرض وقال: [المديد] خلّ دمع العين ينهمل ... بان من تهواه وارتحل أيّ دمع صانه كلف ... فهو يوم البين ينهمل

стр. 809

قال: ثم مال على الأرض، فبادرنا إليه فوجدناه ميّتا، فحفرنا له لحدا، وغسّلناه وكفّنّاه في رداء وصلّينا عليه، ودفنّاه. وفاته: وفاة المترجم به سنة خمسين وستمائة. محمد بن محمد بن محمد بن بيبش العبدري «١» من أهل غرناطة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن بيبش «٢» . حاله: كان «٣» خيّرا، منقبضا، عفّا، متصاونا، مشتغلا بما يعنيه، مضطلعا «٤» بالعربية، عاكفا عمره على تحقيق اللّغة، مشاركا في الطّب، متعيّشا من التّجارة في الكتب، أثرى منها، وحسنت حاله. وانتقل إلى سكنى سبتة، إلى أن حططت بها رسولا في عام اثنتين وخمسين وسبعمائة، فاستدعيته ونقلته إلى بلده، فقعد للإقراء به إلى أن توفي. وجرى ذكره في بعض الموضوعات الأدبية بما نصّه «٥» : معلّم مدرّب، مسهّل مقرّب، له في صنعة العربية باع مديد، وفي هدفها سهم سديد، ومشاركة في الأدب لا يفارقها تسديد، خاصيّ المنازع مختصرها، مرتّب الأحوال مقرّرها، تميّز لأول وقته بالتّجارة في الكتب فسلّطت عليها «٦» منه أرضة آكلة، وسهم أصاب من رميتها شاكلة «٧» ، أترب بسببها وأثرى، وأغنى جهة وأفقر أخرى، وانتقل لهذا العهد الأخير إلى سكنى غرناطة «٨» مسقط رأسه، ومنبت غرسه، وجرت عليه جراية من أحباسها «٩» ، ووقع عليه قبول من ناسها، وبها تلاحق به الحمام، فكان من ترابها البداية وإليه التمام. وله شعر لم يقصر فيه عن المدى، وأدب توشّح بالإجادة وارتدى. مشيخته: قرأ على شيخ الجماعة ببلده أبي جعفر بن الزبير، وعلى الخطيب أبي عبد الله بن رشيد، والوزير أبي محمد بن المؤذن المرادي، والأستاذ عبد الله بن الكمّاد، وسمع على الوزير المسنّ أبي محمد عبد المنعم بن سماك. وقرأ بسبتة على الأستاذ أبي إسحاق الغافقي.

стр. 810

شعره: أنشدني بدار الصّناعة السلطانية من سبتة تاسع جمادى الأولى من عام اثنين وخمسين المذكور، عند توجّهي في غرض الرسالة إلى السلطان ملك المغرب، قوله يجيب عن الأبيات المشهورة، التي أكثر فيها الناس وهي «١» : [مخلع البسيط] يا ساكنا قلبي المعنّى ... وليس فيه سواك ثان لأيّ معنى كسرت قلبي ... وما التقى فيه ساكنان؟ فقال «٢» : [مخلع البسيط] نحلتني طائعا فؤادا ... فصار إذ حزته مكاني «٣» لا غرو إذ كان لي مضافا ... أنّي على الكسر فيه باني وقال يخاطب أبا العباس عميد سبتة، أعزّه الله، وهي ممّا أنشدنيه فيه التاريخ المذكور، وقد أهدى إليه أقلاما «٤» : [الطويل] أنا ملك الغرّ التي سيب جودها ... يفيض كفيض المزن بالصّيّب القطر أتتني منها تحفة مثل حدّها «٥» ... إذا انتضيت كانت كمرهفة السّمر هي الصّفر لكن تعلم البيض أنها ... محكّمة فيها على النّفع والضّرّ مهذّبة الأوصال ممشوقة كما ... تصاغ «٦» سهام الرّمي من «٧» خالص التّبر فقبّلتها عشرا ومثّلت أنني ... ظفرت بلثم في أناملك العشر وأنشدني في التاريخ المذكور في ترتيب حروف الصحاح قوله «٨» : [الطويل] أساجعة بالواديين تبوّئي ... ثمارا جنتها حاليات خواضب دعي ذكر روض زاره «٩» سقي شربه ... صباح ضحى طير ظماء «١٠» عصائب غرام فؤادي قاذف كلّ ليلة ... متى ما نأى وهنا هواه يراقب

стр. 811

ومن مطولاته ما رفعه على يدي السلطان وهو قوله «١» : [الوافر] ديار خطّها مجد قديم ... وشاد بناءها شرف صميم وحلّ جنابها الأعلى علاء «٢» ... يقصّر عنه رضوى أو شميم سقى نجدا بها وهضاب نجد ... عهاد ثرّة «٣» وحيا عميم «٤» ولا عدمت رباه رباب مزن ... يغادي روضهنّ ويستديم فيصبح زهرها يحكي شذاه ... فتيت المسك يذكيه النّسيم وتنثره «٥» الصّبا فتريك درّا ... نثيرا خانه عقد نظيم وظلّت في ظلال الأيك تشدو ... مطوّقة لها صوت رخيم ترجّع في الغصون فنون سجع ... بألحان لها يصبو الحليم أهيم بملتقى الوادي بنجد ... وليس سواه في واد أهيم وكنت صرفت عنه النفس كرها ... وما برحت على نجد تحوم وما ينفكّ لي ولها نزاع ... إلى مغنى به ملك كريم له بيت سما فوق الثّريّا ... وعزّ لا يخيم ولا يريم تبوّأ من بني نصر علاها ... وأنصار النبيّ «٦» له أروم أفاض على الورى نيلا وعدلا «٧» ... سواء فيه مثر أو عديم ملاذ للملوك إذا ألمّت ... صروف الدهر أو خطب جسيم تؤمّله فتأمن في ذراه ... وتدنو من علاه فيستقيم «٨» ويبدو في نديّ «٩» الملك بدرا ... تحفّ به الملوك وهم نجوم بوجه يوسفيّ الحسن طلق ... يضيء بنوره اللّيل البهيم وتلقاه العفاة «١٠» له ابتسام ... ومنه للعدى أخذ أليم «١١»

стр. 812

فيا شرف الملوك لك انقطاعي ... وإنّي في محلّكم خديم وآمالي أملت إليك «١» حتّى ... وردن على نداك وهنّ هيم فلا ظمأ «٢» ووردك خير ورد ... نمير ماؤه عذب جميم ولا أضحى وفي مغناك ظلّ ... ظليل حين تحتدم السّموم ركبت البحر نحوك والمطايا ... تسير لها ذميل أو رسيم وإنّ علاك إن عطفت بلحظ ... عليّ فذلك العزّ المقيم «٣» فوا أسفي على عمر تقضّى ... بدار ليس لي فيها حميم سوى ثمر للفؤاد ذهبت عنه ... وبين جوانحي منه كلوم ودون لقائها عرض الفيافي ... ونجد «٤» موجه طود عظيم لعلّ الله ينعم باجتماع ... وينظم شملنا البرّ الرحيم بقيت بغبطة وقرار عين ... بملك سعده أبدا يدوم كما دامت حلى الأنصار تتلى ... يشيد بذكرها الذّكر الحكيم عليك تحية عطر شذاها ... كعرف «٥» الرّوض جادته الغيوم مولده: بغرناطة في رجب «٦» ثمانين وستمائة. وتوفي عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة، ودفن بباب إلبيرة، وتبعه من الناس ثناء حسن، ﵀. محمد بن محمد النّمري الضّرير من أهل غرناطة، يكنى أبا عبد الله، ويعرفه بنسبه. حاله: من عائد الصلة: كان حافظا للقرآن، طيب النّغمة به، طرفا في ذلك، من أهل المشاركة في العلم، واعظا بليغا، أستاذا يقوم على العربية قيام تحقيق، ويستحضر الشّواهد من كتاب الله وخطب العرب وأشعارها، بعيد القرين في ذلك، آخذا في الأدب، حفظة للأناشيد والمطوّلات، بقيّة حسنة ممتعة.

стр. 813

مشيخته: قرأ على الأستاذ أبي عبد الله بن الفخّار الأركشي «١» ، وبه تأدّب، ولازمه كثيرا، فانتفع به. شعره: ممّا صدّر به رسالة لزوجه وهو نازح عنها ببعض البلاد. فقال: [الطويل] سلام كرشف الطّل في مبسم الورد ... وسيل نسيم الريح بالقضب الملد سلام كما ارتاح المشوق مبشّرا ... برؤية «٢» من يهواه من دون ما وعد سلام كما يرضي المحبّ حبيبه ... من الجدّ في الإخلاص والصّدق في الوعد سلام وتكريم وبرّ ورحمة ... بقدر مزيد الشوق أو منتهى الودّ على ظبية في الأنس مرتعها الحشا ... فتأوي إليه لا لشيح ولا رند ومن أطلع البدر التّمام جبينها ... يرى تحت ليل من دجى الشّعر مسودّ وثغر أقاح زانه سمط لؤلؤ ... يجبّ به المرجان في أحكم النّضد يجول به سلسال راح معتّق ... حمته ظبا الألحاظ صونا عن الورد فلله عينا من رأى بدر أسعد ... وروضة أزهار علت غصن القدّ وبشرى لصبّ فاز منها بلمحة ... من القرب بشراه بمستكمل السّعد وأضحى هواها كامنا بين أضلعي ... كمزن خفيّ النار في باطن الزّند وراحت فراح الروح إثر رحيلها «٣» ... وودّعت صبري حين ودّعها كبدي «٤» وصارت لي الأيّام تبدو لياليا ... وقد كان ليل الوصل صبحا بها يبدي «٥» فساعاتها كالدهر طولا وطالما ... حكى الدهر ساعات بها قصرا عندي ومنها: ترى قلبها هل هام مني بمثل ما ... بقلبي من الحبّ الملازم والوجد؟ وهل هي «٦» ترعى ذمّتي ومودّتي ... كما أنا أرعاها على القرب والبعد؟

стр. 814

إليك خطابي والحديث لغائب ... كنيت بلفظي عن مغيبك بالعمد عليك سلامي إنني متشوّق ... للقياك لي أو من جوابك بالرّدّ وفاته: توفي بغرناطة تحت جراية من أمرائها؛ لاختصاصه بقراءة القرآن على قبورهم، في التاسع عشر من شعبان عام ستة وثلاثين وسبعمائة. محمد بن عبد الولي الرّعيني من أهل غرناطة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بالعوّاد. حاله: من «عائد الصلة» : الشيخ المكتّب، الأستاذ الصالح، سابق الميدان، وعلم أعلام القرآن، في إتقان تجويده، والمعرفة بطرق روايته، والاضطلاع بفنونه، لا يشقّ غباره، ولا يتعاطى طلقه، ولا تأتي الأيّام بمثله، تستقصر بين يديه مدارك الأعلام، وتظهر سقطات الأئمة، مهتديا إلى مكان الحجج على المسائل، مصروف عنان الأشغال إليه، مستندا إلى نغمة رخيمة، وإتقان غير متكلّف، وحفظ غزير. وطلب إلى التّصدّر للإقراء، فأبى لشدّة انقباضه، فنبّهت «١» بالباب السلطاني على وجوب نصبه للناس، فكان ذلك في شهر شعبان من عام وفاته، فانتفع به، وكان أدأب الناس على سنّة، وألزمهم لميقات ورد، يجعل جيرانه حركته إلى ذلك ليلا، ميقاتا لا يختلف ولا يكذب، في ترحيل الليل، شديد الطرب، مليح الترتيب، لا تمرّ به ساعة ضياعا إلّا وقد عمرها بشأن ديني أو دنياوي ضروري مما يسوّغه الورع. يلازم المكتب ناصح التعليم، مسوّيا بين أبناء النّعم، وحلفاء الحاجة، شامخ الأنف على أهل الدّنيا، تغصّ السّكك عند ترنّمه بالقرآن، مساوقا لتلاوة التجويد، ومباشرا أيام الأخمسة والأثانين العمل في موئل كان له، على طريقة القدماء من الإخشيشان عند المهن ونقل آلة الخدمة، غير مفارق للظّرف والخصوصية. ويقرأ أيام الجمعات كتب الوعظ والرّقائق على أهله، فيصغي إليه الجيران عادة لا تختلف. وكان له لكل عمل ثوب، ولكل مهنة زيّ، ما رأيت أحسن ترتيبا منه. وهو أستاذي وجاري الألصق، لم أتعلّم الكتاب العزيز إلّا في مكتبه، رحمة الله عليه. مشيخته: قرأ على بقيّة المقرئين الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، ولازمه وانتفع به، وعلى الأستاذ أبي جعفر الجزيري الضرير، وأخذ عن الخطيب المحدّث أبي عبد الله بن رشيد.

стр. 815

مولده: في حدود عام ثمانين وستمائة. وفاته: توفي رحمة الله عليه في ... «١» الموفي ثلاثين لذي قعدة من عام خمسين وسبعمائة. محمد بن علي بن أحمد الخولاني «٢» يكنى أبا عبد الله، أصله من مجلقر، ويعرف بابن الفخّار وبالبيري، شيخنا ﵀. حاله: من «عائد الصلة» : أستاذ الجماعة، وعلم الصناعة، وسيبويه العصر، وآخر الطبقة من أهل هذا الفن. كان، ﵀، فاضلا، تقيّا، منقبضا، عاكفا على العلم، ملازما للتدريس، إمام الأئمّة من غير مدافع، مبرّزا أمام أعلام البصريّين من النّحاة، منتشر الذكر، بعيد الصّيت، عظيم الشهرة، مستبحر الحفظ، يتفجّر بالعربية تفجّر البحر، ويسترسل استرسال القطر، قد خالطت دمه ولحمه، لا يشكل عليه منها مشكل، ولا يعوزه توجيه، ولا تشذّ عنه حجّة. جدّد بالأندلس ما كان قد درس من لسان العرب، من لدن وفاة أبي علي الشلوبين، مقيم السوق على عهده. وكانت له مشاركة في غير صناعة العربية من قراءات وفقه، وعروض، وتفسير. وتقدم خطيبا بالجامع الأعظم، وقعد للتدريس بالمدرسة النّصرية «٣» ، وقلّ في الأندلس من لم يأخذ عنه من الطّلبة. واستعمل في السّفارة إلى العدوة، مع مثله من الفقهاء، فكانت له حيث حلّ الشّهرة وعليه الازدحام والغاشية، وخرّج، ودرّب، وأقرأ، وأجاز، لا يأخذ على ذلك أجرا وخصوصا فيما دون البداية، إلّا الجراية المعروفة، مقتصدا في أحواله، وقورا، مفرط الطّول، نحيفا، سريع الخطو، قليل الالتفات والتعريج، متوسط الزّي، متبذلا في معالجة ما يتملّكه بخارج البلد، قليل الدّهاء والتّصنّع، غريب النّزعة، جامعا بين الحرص والقناعة.

стр. 816

مشيخته: قرأ «١» بسبتة على الشيخ الإمام أبي إسحاق الغافقي، ولازمه كثيرا، وأخذ عنه، وأكثر عليه. وقرأ على الإمام الصالح أبي عبد الله بن حريث، والمقرئ الشريف الفاضل أبي العبّاس الحسني، والشيخ الأستاذ النظّار أبي القاسم بن الشّاط، وأخذ عن الخطيب المحدث أبي عبد الله بن رشيد، والقاضي أبي عبد الله بن القرطبي وغيرهم. وهو أستاذي، قرأت عليه القرآن، وكتابي الجمل والإيضاح، وحضرت عليه دولا من الكتاب، ولازمته مدة، وعاشرته، وتوجّه صحبتي في الرسالة إلى المغرب. وفاته: توفي بغرناطة ليلة الاثنين الثاني عشر من رجب عام أربعة وخمسين وسبعمائة، وكانت جنازته حافلة. وخمدت قرائح الآخذين عنه، ممن يدلي دلو أدب، فيأتي بماء أو حمأة، على كثرتهم، تقصيرا عن الحق، وقدحا في نسب الوفاء، إلّا ما كان من بعض من تأخّر أخذه عنه، وهو محمد بن عبد الله اللّوشي، فإنه قال: وعين هذه الأبيات قرارها «٢» : [الطويل] ويوم نعى النّاعي شهاب المحامد ... تغيّرت الدنيا لمصرع «٣» واحد فلا عذر للعينين إن لم تسامحا «٤» ... بدمع يحاكي الوبل يشفي لواجد مضى من بني الفخّار أفضل ماجد ... جميل المساعي للعلا جدّ شاهد «٥» طواه الرّدى ما كلّ حيّ يهابه ... وما ورده عارا يشين لوارد لقد غيّبت منه المكارم في الثّرى ... غداة ثوى «٦» وانسدّ باب الفوائد فيا حاملي أعواده، ما علمتم ... بسؤدده الجمّ الكريم المحاتد؟ ويا حفرة خطّت له اليوم مضجعا، ... سقتك الغوادي الصادقات «٧» الرّواعد ألا يا حمام الأيك ساعدن «٨» بالبكا «٩» ... على علم «١٠» الدّنيا وزين المشاهد

стр. 817

على أن لو اسطعت الفداء فديته «١» ... بأنفس مال «٢» من طريف وتالد محمد، ما النّعمى «٣» لموتك غضّة «٤» ... تروق «٥» ولا ماء الحياة ببارد وكيف وباب العلم بعدك مغلق ... ومورده «٦» المتروك بين الموارد أأستاذنا كنت الرّجاء «٧» لآمل ... فأصبحت مهجور الفناء «٨» لقاصد فلا تبعدن شيخ المعارف والحجا «٩» ... أليس «١٠» الذي تحت التّراب بباعد؟ لتبك العلوم «١١» بعدك اليوم «١٢» شجوها ... ويقفر «١٣» لها ربع العلا والمعاهد ليبك عليك الجود والدين «١٤» والتّقى ... وحسب البكا أن صرت ملحود لاحد أمولاي، من للمشكلات يبينها ... فيجلي «١٥» عمى كلّ القلوب الشّواهد ومن ذا يحلّ المقفلات صعابها؟ ... ومن ذا الذي يهدي السبيل لحائد فيا راحلا عنّا فزعنا لفقده ... لقد أونست منك القبور بوافد ويا كوكبا غال النهار «١٦» ضياءه ... وشيكا، وهل هذا الزمان بخالد؟ سأبكيك ما لاحت بروق لشائم ... وأرعاك ما كان الغمام بعائد «١٧» عليك سلام الله ما دامت «١٨» الصّبا ... تهبّ «١٩» بغصن في الأراكة مائد قلت «٢٠» : العجب من الشيخ ابن الخطيب، كيف قال: وخمدت قرائح الآخدين عنه، وهو من أجلّ من أخذ عنه، حسبما قرره آنفا، بل أخصّ من ذلك المعاشرة

стр. 818

والسفارة للعدوة. وهو مع ذلك أقدرهم على هذا الشأن، وأسخاهم قريحة في هذا الميدان، وإن أتى غيره بماء أو حمأة، أتى هو بالبحر الذي لا ساحل له. ولعمري لو قام هو بما يجب من ذلك، لزال القدح في نسب وفاء الغير، فعين ما نسبه من التقصير عن الحق في ذلك، متوجّه عليه، ولا حقّ له، ولا يبعد عنده أن يكون وقع بينهما ما أوجب إعراضه مما يقع في الأزمان، ولا سيما من أهل هذ الشان، فيكون ذلك سببا في إعراض الغير مشيا في غرضه، ومساعدة له. والله أعلم بحقيقة ذلك كله. محمد بن علي بن محمد البلنسي من أهل غرناطة، يكنى أبا عبد الله. حاله: طالب هشّ، حسن اللّقاء، عفيف النشأة، مكبّ على العلم، حريص على استفادته، مع زمانة أصابت يمنى يديه، نفعه الله. قيّد بأختها وانتسخ، قائم على العربية والبيان، ذاكر الكثير من المسائل، حافظ متقن، على نزعة عربية من التّجاذع في المشي وقلّة الالتفات إلّا بجملته، وجهوريّة الصوت، متحلّ بسذاجة، حسن الإلقاء والتقرير، متّ للمتغلّب على الدولة بضنّ أفاده جاها واستعمالا في خطّة السوق، ثمّ اصطناعا في الرسالة إلى ملك المغرب، جرّ عليه آخرا النّكبة، وقاد المحنة، فأرصد له السلطان أبو عبد الله في أخرياتها رجالا بعثهم في رندة، فأسروه في طريقه، وقدموا به سليبا قدوم الشّهرة والمثلة، موقنا بالقتل. ثم عطف عليه حنينا إلى حسن تلاوته في محبسه ليلا، فانتاشه لذلك من هفوة بعيدة ونكبة مبيرة. ولما عاد لملكه، أعاده للإقراء. مشيخته: جلّ انتفاعه بشيخ الجماعة أبي عبد الله بن الفخّار، لازمه وانتفع به، وأعاد دول تدريسه، وقرأ على غيره. وألّف كتابا في تفسير القرآن، متعدّد الأسفار، واستدرك على السّهيلي في أعلام القرآن كتابا نبيلا، رفعه على يدي للسّلطان. وهو من فضلاء جنسه، أعانه الله وسدّده. محمد بن سعد بن محمد بن لب بن حسن بن حسن ابن عبد الرحمن بن بقيّ «١» يكنى أبا عبد الله، ويعرف باسم جدّه.

стр. 819

أوليته: كان القاضي العدل أبو عبد الله بن هشام، قاضي الجماعة بالأندلس، يجلّ سلفه، وبنسبه إلى بقيّ بن مخلد، قاضي الخلافة بقرطبة، وابن هشام ممّن يحتجّ به. حاله: هذا الرّجل فاضل، حسن الخلق، جميل العشرة، كريم الصحبة، مبذول المشاركة، معروف الذكاء والعفّة، مبسوط الكنف مع الانقباض، فكه مع الحشمة، تسع الطوائف أكناف خلقه، ويعمّ المتضادّين رحب ذرعه، طالب محصل، حصيف العقل، حسن المشاركة في فنون؛ من فقه، وقراءات، ونحو، وغير ذلك. تكلّم للناس بجامع الرّبض ثمّ بمسجد البكري المجاور للزاوية والتربة اللتين أقمتهما بأخشارش من داخل الحضرة، وحلّق به لتعليم العلم، فانثال عليه المتعلم والمستفيد والسامع، لإجادة بيانه، وحسن تفهيمه. مشيخته: قرأ القرآن بجرف نافع، على أبيه، وعلى الشيخ الخطيب المكتّب أبي عبد الله بن طرفة، والخطيب أبي عبد الله بن عامور. وقرأ العربية على إمام الجماعة الأستاذ أبي عبد الله بن الفخّار، وجوّد عليه القرآن بالقراءات السبع، وقرأ على الأستاذ أبي سعيد بن لب. شعره: أنشدني من ذلك قوله بعد الانصراف من مواراة جنازة «١» : [الرمل] كم أرى مدمن لهو ودعه ... لست أخلي ساعة من تبعه كان لي عذر لدى عهد الصّبا ... وأنا آمل في العمر سعه أو ما يوقظنا من كلّنا ... آنفا «٢» لقبره قد شيّعه سيّما إذ قد «٣» بدا في مفرقي ... ما إخال الموت قد جاء معه فدعوني ساعة أبكي على ... عمر أمسيت ممّن ضيّعه ومن شعره في النوم، وهو كثيرا ما يطرقه: [الوافر] أباد البين أجناد التّلاقي ... وحالت بيننا خيل الفراق فجودوا وارحموا وارثوا ورقّوا ... على من جفنه سكب المآقي

стр. 820

ومن ذلك ما أنشد في النّوم على لسان رجل من أصحابه: [مخلع البسيط] يا صاحبيّ، قفا المطايا ... وأشفقا فالعبيد عبده إذا انتهى وانقضى زمان ... هل يرسل الله من يردّه؟ مولده: في الثاني عشر لصفر من عام اثنين وعشرين وسبعمائة. محمد بن سعيد بن علي بن يوسف الأنصاري من أهل غرناطة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بالطّرّاز. حاله: من صلة ابن الزّبير: كان، ﵀، مقرئا جليلا، ومحدّثا حافلا، به ختم بالمغرب هذا الباب البتّة. وكان ضابطا متقنا، ومقيّدا حافلا، بارع الخطّ، حسن الوراقة، عارفا بالأسانيد والطّرق والرّجال وطبقاتهم، مقرئا، عارفا بالأسانيد والقراءات، ماهرا في صناعة التّجويد، مشاركا في علم العربية والفقه الأصول وغير ذلك، كاتبا نبيلا، مجموعا فاضلا متخلّقا، ثقة فيما روّى، عدلا ممن يرجع إليه فيما قيّد وضبط، لإتقانه وحذقه. كتب بخطه كثيرا، وترك أمّهات حديثيّة، اعتمدها الناس بعده، وعوّلوا عليها. وتجرّد آخر عمره، إلى كتاب «مشارق الأنوار» تأليف القاضي أبي الفضل عياض، وكان قد تركه في مبيّضة، في أنهى درجات النسخ والإدماج والإشكال وإهمال الحروف حتى اخترمت منفعتها، حتى استوفى ما نقل منه المؤلف، وجمع عليها أصولا حافلة وأمّهات جامعة من الأغربة وكتب اللّغة، فتخلّص الكتاب على أتمّ وجه وأحسنه، وكمل من غير أن يسقط منه حرف ولا كلمة. والكتاب في ذاته لم يؤلف مثله. مشيخته: روى عن القاضي أبي القاسم بن سمحون، والقاضي ابن الطبّاع، وعن أبي جعفر بن شراحيل، وأبي عبد الله بن صاحب الأحكام والمتكلم، وأبي محمد بن عبد الصمد بن أبي رجا، وأبي القاسم الملّاحي، وأبي محمد الكوّاب وغيرهم، أخذ عن هؤلاء كلهم ببلده، وبقرطبة عن جماعة، وبمالقة كذلك، وبسبتة. وبإشبيلية عن أبي الحسن بن زرقون، وابن عبد النور. وبفاس وبمرسية عن جماعة. قلت: هذه الترجمة في الأصل المختصر منه هذا طويله، واختصرتها لطولها. وفاته: توفي بغرناطة ثالث شوال عام خمسة وأربعين وستمائة، وكانت جنازته من أحفل جنازة، إذ كان الله قد وضع له ودّا في قلوب المؤمنين.

стр. 821

محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيّان النّفزي «١» من أهل غرناطة، يكنى أبا حيان، ويلقب من الألقاب المشرقية بأثير الدين. حاله: كان «٢» نسيج وحده في ثقوب الذهن، وصحّة الإدراك والحفظ «٣» ، والاضطلاع بعلم العربية، والتفسير وطريق الرواية، إمام النّحاة في زمانه غير مدافع، نشأ ببلده «٤» غرناطة، مشارا إليه في التبريز بميدان الإدراك، وتغيير السوابق في مضمار التّحصيل. ونالته نبوة «٥» لحق بسببها بالمشرق، واستقرّ بمصر، فنال ما شاء من عزّ وشهرة، وتأثّل وبرّ «٦» وحظوة، وأضحى لمن حلّ بساحته من المغاربة ملجأ وعدّة. وكان شديد البسط، مهيبا، جهوريا، مع الدّعابة والغزل، وطرح السّمت «٧» ، شاعرا مكثرا، مليح الحديث، لا يملّ وإن أطال، وأسنّ جدّا، وانتفع «٨» به. قال بعض أصحابنا: دخلت عليه، وهو يتوضّأ، وقد استقرّ على إحدى رجليه لغسل الأخرى، كما تفعل البرك والإوزّ، فقال «٩» : لو كنت اليوم جار شلير «١٠» ، ما تركني لهذا العمل في هذا السّن «١١» . مشيخته: قرأ ببلده على الأستاذ حائز الرياسة أبي جعفر بن الزّبير ولازمه، وانتسب إليه، وانتفع به، وشاد له بالمشرق ذكرا كبيرا. ويقال إنه نادى في الناس عندما بلغه نعيه، وصلّى عليه بالقاهرة، وله إليه مخاطبات أدبية اختصرتها، وعلى الأستاذ الخطيب أبي جعفر علي بن محمد الرّعيني الطبّاع، والخطيب الصالح وليّ الله أبي الحسن فضل بن محمد بن علي بن إبراهيم بن فضيلة المعافري. وروى عن القاضي المحدّث أبي علي الحسين بن عبد العزيز بن أبي الأحوص الفهري،

стр. 822

والمكتّب أبي سهل اليسر بن عبد الله بن محمد بن خلف بن اليسر القشيري، والأستاذ أبي الحسن بن الصايغ، والأديب الكاتب أبي محمد عبد الله بن هارون الطائي بتونس، وعلى المسند صفي الدين أبي محمد عبد الوهاب بن حسن بن إسماعيل بن مظفر بن الفرات الحسني بالإسكندرية، والمسند الأصولي وجيه الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن عمران الأنصاري بالثغر، والمحدّث نجيب الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن المؤيّد الهمداني بالقاهرة، وغيرهم ممن يشقّ إحصارهم، كالإمام بهاء الدين محمد بن إبراهيم بن محمد بن أبي نصر بن النّحاس الشافعي. قرأ عليه جميع كتاب سيبويه في سنة ثمان وثمانين وستمائة، وقال له عند ختمه: لم يقرأه على أحد غيره. تواليفه: وتواليفه كثيرة، منها شرحه كتاب «تسهيل الفوائد لابن مالك» . وهو بديع، وقد وقفت على بعضه بغرناطة في عام سبعة وخمسين وسبعمائة. وكتابه في تفسير الكتاب العزيز، وهو المسمّى ب «البحر المحيط» تسمية، زعموا، موافقة للغرض. وألف كتابا في نحو اللّسان التّركي، حدّثنا «١» عنه الجملة الكثيرة من أصحابنا، كالحاجّ أبي يزيد خالد بن عيسى، والمقري الخطيب أبي جعفر الشّقوري، والشّريف أبي عبد الله بن راجح، وشيخنا الخطيب أبي عبد الله بن مرزوق. وقال «٢» : حدّثنا شيخنا أثير الدّين «٣» في الجملة سنة خمس وثلاثين وسبعمائة بالمدرسة الصالحية بين القصرين بمنزلة منها «٤» . قال «٥» : حدّثنا الأستاذ العلّامة المتفنن «٦» أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزّبير، سماعا من لفظه، وكتبا «٧» من خطّه بغرناطة، عن الكاتب أبي إسحاق بن عامر الهمداني الطّوسي بفتح الطاء، حدّثنا أبو عبد الله بن محمد العنسي القرطبي، وهو آخر من حدّث عنه، أخبرنا أبو علي الحسن بن محمد الحافظ الجيّاني، أنبأنا «٨» حكم بن محمد، أنبأنا «٩» أبو بكر بن المهندس، أنبأنا «١٠» عبد الله بن محمد، أنبأنا «١١» طالوت بن عياد «١٢» بن بصّال بن جعفر، سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: اكفلوا لي بستّ أكفل «١٣» لكم في

стр. 823

الجنة «١» ، إذا حدّث أحدكم بلا كذب، وإذا ائتمن فلا يخن، وإذا وعد فلا يخلف. غضّوا أبصاركم، وكفّوا أيديكم، واحفظوا فروجكم «٢» . وقال: أنشدنا الخطيب أبو جعفر الطبّاع، قال: أنشدنا ابن خلفون، قال: أنشدنا أبو عبد الله محمد بن سعيد، قال: أنشدنا أبو عمران موسى بن أبي تليد لنفسه: [المنسرح] حالي مع الدهر في تقلّبه ... كطائر ضمّ رجله الشّرك فهمّه في خلاص مهجته ... يروم تخليصها فيشتبك ومن ملحه: قال: قدم علينا الشيخ المحدث أبو العلاء محمد بن أبي بكر البخاري الفرضي بالقاهرة في طلب الحديث، وكان رجلا حسنا طيّب الأخلاق، لطيف المزاج، فكنّا نسايره في طلب الحديث، فإذا رأى صورة حسنة قال: هذا حديث على شرط البخاري، فنظمت هذه الأبيات «٣» : [الطويل] بدا كهلال العيد «٤» وقت طلوعه ... وماس «٥» كغصن الخيزران المنعّم غزال رخيم الدّلّ وافى مواصلا ... موافقة منه على رغم لوّم مليح غريب الحسن أصبح معلما ... بحمرة «٦» خدّ بالمحاسن معلم وقالوا: على شرط البخاريّ قد أتى ... فقلنا «٧» : على شرط البخاريّ ومسلم فقال البخاري: فمن هو مسلم «٨» ؟ ... فقلت له: أنت البخاري ومسلم «٩» محنته: حملته «١٠» حدّة الشيبة على التّعريض «١١» للأستاذ أبي جعفر الطّبّاع، وقد وقعت بينه وبين أستاذه ابن الزّبير الوحشة فنال منه، وتصدّى للتأليف في الرّد عليه، وتكذيب روايته، فرفع أمره إلى «١٢» السلطان، فامتعض له، ونفّذ الأمر بتنكيله، فاختفى، ثم أجاز البحر مختفيا، ولحق بالمشرق يلتفت خلفه.

стр. 824

شعره: وشعره كثير بحيث يتّصف بالإجادة وضدّها. فمن مطوّلاته، ﵀، قوله «١» : [البسيط] لا تعذلاه فما ذو الحبّ معذول ... العقل مختبل والقلب متبول هزّت له أسمرا من خوط قامتها ... فما انثنى الصّبّ «٢» إلّا وهو مقتول جميلة فصّل الحسن البديع لها ... فكم لها جمل منه وتفصيل فالنّحر مرمرة والنّشر عنبرة ... والثّغر جوهرة والرّيق معسول «٣» والطّرف ذو غنج والعرف ذو أرج ... والخصر مختطف، والعنق «٤» مجدول هيفاء ينبس «٥» في الخصر الوشاح لها ... درماء «٦» تخرس في الساق الخلاخيل من اللواتي غذاهنّ النّعيم فما ... يشقين، آباؤها الصّيد البهاليل» نزر الكلام غميّات الجواب إذا ... يسلن بعد الصحا حصر مكاسيل من حليها وسناها مونس وهدى ... فليس يلحقها ذعر وتضليل حلّت بمنعقد الزّوراء زارة ... شوسا غيارى فعقد الصّبر محلول فصدّ عن ذكر ليلى إنّ ذكراها «٨» ... على التّنائي لتعذيب وتعليل أتاك منك نذير فأنذرن به ... وبادر التّوب إنّ التّوب مقبول وآمل العفو واسلك مهمها قدفا ... إلى رضى الله إنّ العفو مأمول إن الجهاد وحجّ البيت مختتما ... بزورة المصطفى للعفو تأميل فشقّ حيزوم هذا الليل ممتطيا ... أخا خرام به قد يبلغ السّول أقبّ أعوج يعزى للوجيه له ... وجه أغرّ وفي الرجلين تحجيل جفر حوافره، معر قوائمه ... ضمر أياطله، وللذيل عثكول «٩»

стр. 825

إذا توجّه أصغى وهو ملتفت ... مساعر «١» أعتقا فيهنّ تأليل وإن تعارض به هوجاء «٢» هاج له ... جري «٣» يرى البرق عنه وهو مخذول يحمي به «٤» حوزة الإسلام ملتقيا ... كتائبا غصّ منها العرض والطّول كتائبا قد عموا عن كل واضحة ... من الكتاب وغرّتهم أباطيل في ماقط «٥» ضرب الموت الزؤام «٦» به ... سرادقا فعليهم منه تخييل هيجاء «٧» يشرف فيها المشرفيّ «٨» على ... هام العدوّ ويصحى «٩» النّقع تضليل تدير كأس شعوب «١٠» في شعوبهم ... فكلّهم منهل بالموت معلول وإذ «١١» قضيت غزاة فالتفت عملا ... للحجّ فالحجّ للإسلام تكميل واصل بسرّ معدّ «١٢» يا ابن أندلس ... والطّرف أدهم بالأشطان مغلول يلاطم الريح منه أبيض نفق ... له من السحب المزبد إكليل يعلو حضارين «١٣» منه شامخ جلل ... سام طفا وهو بالنّكباء محمول كأنّما هو في طخياء «١٤» لجّته ... أيم «١٥» يعرو أديم السّيل شمليل ما زالت الموج تعليه وتخفضه ... حتّى بدا من منار الثّغر قنديل وكبّر الناس أعلاه الرنيم «١٦» ... وكلّهم طرفه بالشهد مكحول وصافحوا البيد بعد اليمّ وابتدروا ... سبلا بها لجناب الله توصيل

стр. 826

على نجائب تتلوه أجنابها «١» ... خيل بها الخير معقود ومعقول في موكب تزحف الأرض الفضاء به ... أضحت وموحشها بالناس مأمول يطارد الوحش منه فيلق لجب ... حتى لقد ذعرت في بيدها الغول سيوفهم طرب نحو الحجاز فهم ... ذوو ارتياح على أكوارها ميل شعث رؤوسهم، يبس شفاههم ... خوص عيونهم، غرب مهازيل حتى إذا لاح من بيت الإله لهم ... نور إذا هم على الغبرا أراحيل يعفّرون وجوها طالما سمّت ... باكين حتى أديم الأرض مبلول حفّوا بكعبة مولاهم فكعبهم ... عال بها لهم طوف وتقبيل وبالصّفا وقتهم صاف بسعيهم ... وفي منى لمناهم كان تنويل تعرّفوا عرفات واقفين بها ... لهم إلى الله تكبير وتهليل لمّا قضينا من الغرّاء منكسنا ... ثرنا وكلّ بنار الشوق مشمول شدنا إلى الشّدقميات التي سكنت ... أبدانهنّ وأفناهنّ تنقيل إلى الرسول تزجّى كلّ تعلمة ... أجلّ من نجوة تزجي المراسيل من أنزلت فيه آيات مطهّرة ... وأورثت فيه توراة «٢» وإنجيل وعطّرت من شذاه كلّ ناحية ... كأنّما المسك في الأرجاء محلول سرّ من العالم العلويّ ضمّنه ... جسم من الجوهر الأرضي محمول نور تمثّل في أبصارنا بشرا ... على الملائك من سيماه تمثيل لقد تسامى وجبريل مصاميه ... إلى مقام رخيّ «٣» فيه جبريل أوحى إليه الذي أوحاه من كثب ... فالقلب واع بسرّ الله مشغول يتلو كتابا من الرحمن جاء به ... مطهّرا طاهر منه وتأويل جار على منهج الأعراب أعجزهم ... باق مع الدّهر لا يأتيه تبديل بلاغة عندها كعّ البليغ فلم ... ينطق وفي هديه صاحت أضاليل ومنها: وطولبوا أن يجيبوا حين رابهم ... بسورة مثله فاستعجز القيل

стр. 827

لا ذوا بذوبان خطّيّ «١» وبتر ظبى ... يوم الوغى واعتراهم منه تنكيل فمونف في جبال الوهد منحدر ... وموثق في حبال الغد مكبول ما زال بالعضب هتّاكا سوابغهم ... حتى انثنى العصب منهم وهو مفلول وقد تحطّم في نحر العدا قصد ... صمّ الوشيج «٢» وخانتها العواميل من لا يعدّله القران كان له ... من الصّفاد وبيض البتر تعديل وكم له معجزا غير القران «٣» أتى ... فيه من الحقّ منقول ومعقول فللرسول انشقاق البدر نشهده ... كما لموسى انفلاق البحر منقول ونبع ماء فرات من أنامله ... كالعين ثرّت فجا الهتّان ما «٤» النيل روّوا الخميس وهم زهاء سبع مي ... مع الرّكاب فمشروب ومحمول وميّ عين بكفّ جاء يحملها ... قتادة وله شكوى وتعويل فكان «٥» أحسن عينيه ولا عجب ... مسّت أناميل فيها اليمن مجعول والجذع حنّ إليه حين فارقه ... حنين ولهى لها للرّوم مثكول وأشبع الكثر من قلّ الطعام ولم ... يكن ليعوزه بالكثر تقليل وفي جراب ولا «٦» هنّ عجائب كم ... يمتار منه فمبذول ومأكول وفي ارتواء إلى ذرء «٧» بزمزم ما ... يكفي تبدّن منه وهو مهزول والعنكبوت بباب الغار قد نسجت ... حتى كأنّ رداء منه مسدول وفرّخت في حماه الورق ساجعة ... تبكي وما دمعها في الخدّ مطلول هذا وكم معجزات للرسول أتت ... لها من الله أمداد وتأصيل غدت من الكثر أعداد النجوم فما ... يحصي لها عددا كتب ولا قيل قد انقضت معجزات الرّسل منذ قضوا ... نحبا وأعجم منها ذلك الجيل ومعجزات رسول الله باقية ... محفوظة ما لها في الدّهر تحويل .

стр. 828

تكفّل الله هذا الذّكر يحفظه ... وهل يضيع الذي بالله مكفول؟ هذي المفاخر لا يحظى الملوك بها ... للملك «١» منقطع والوحي موصول ومن مطولاته في غرض يظهر منها: [الطويل] هو العلم لا كالعلم شيء تراوده ... لقد فاز باغيه وأنجح قاصده وما فضّل الإنسان إلّا بعلمه ... وما امتاز إلّا ثاقب الذّهن واقده وقد قصرت أعمارنا وعلومنا ... يطول علينا حصرها ونكابده وفي كلّها خير ولكنّ أصلها ... هو النّحو فاحذر من جهول يعانده به يعرف القرآن والسّنّة التي ... هما أصل دين الله ذو أنت عابده وناهيك من علم عليّ مشيد ... مبانيه أعزز بالذي هو شائده لقد حاز في الدنيا فخارا وسؤددا ... أبو الأسود الديلي «٢» فللجرّ سانده هو استنبط العلم الذي جلّ قدره ... وطار به للعرب ذكر نعاوده وساد عطا نجله وابن هرمز ... ويحيى ونصر ثم ميمون ماهده وعنبسة قد كان أبرع صحبه ... فقد قلّدت جيد المعالي قلائده وما زال هذا العلم تنميه سادة ... جهابذة تبلى به وتعاضده إلى أن أتى الدّهر العقيم بواحد ... من الأزد تنميه إليه فرائده إمام الورى ذاك الخليل بن أحمد ... أقرّ له بالسبق في العلم حاسده وبالبصرة الغرّاء «٣» قد لاح فجره ... فنارت أدانيه وضاءت أباعده ذكيّ «٤» الورى ذهنا وأصدق لهجة ... إذا ظنّ أمرا قلت ما هو شاهده وما أن يروّي بل جميع علومه ... بدائه «٥» أعيت كلّ حبر تجالده هو الواضع الثاني الذي فاق أولا ... ولا ثالث في الناس تصمى قواصده فقد كان ربّانيّ أهل زمانه ... صويم قويم «٦» راكع الليل ساجده يقيّم منه دهره في مثوبة ... وثوقا بأنّ الله حقّا مواعده

стр. 829

فعام إلى حجّ وعام لغزوة ... فيعرفه البيت العتيق ووافده ولم يثنه يوما عن العلم والتّقى ... كواعب حسن تنثني ونواهده وأكثر سكناه بقفر بحيث لا ... تناغيه إلّا عفره وأوابده وما قوته إلّا شعير يسيغه ... بماء قراح ليس تغشى موارده عزوبا عن الدنيا وعن زهراتها ... وشوقا إلى المولى وما هو واعده ولمّا رأى من سيبويه نجابة ... وأيقن أنّ الحين أدناه باعده تخيّره إذ كان وارث علمه ... ولاطفه حتّى كأن هو والده وعلّمه شيئا فشيئا علومه ... إلى أن بدت سيماه واشتدّ ساعده فإذ ذاك وافاه من الله وعده ... وراح وحيد العصر إذ جاء واحده أتى سيبويه ناشرا لعلومه ... فلولاه أضحى النحو «١» عطلا شواهده وأبدى كتابا كان فخرا وجوده ... لقحطان إذ كعب بن عمرو محاتده وجمّع فيه ما تفرّق في الورى ... فطارفه يعزى إليه وتالده بعمرو بن عثمان بن قنبر الرّضا ... أطاعت عواصيه وتابت شوارده عليك قران «٢» النحو نحو ابن قنبر ... فآياته مشهودة وشواهده كتاب أبي بشر «٣» فلا تك قارئا ... سواه فكلّ ذاهب الحسن فاقده هم خلج بالعلم مدّت فعندما ... تناءت غدت تزهى وليست تشاهده ولا تعد عمّا حازه إنه الفرا ... وفي جوفه كلّ الذي أنت صائده «٤» إذا كنت يوما محكما في كتابه ... فإنّك فينا نابه القدر ماجده ولست تبالي إن فككت رموزه ... أعضّك دهر أم عرتك ثرائده هو العضب إن تلق الهياج شهرته ... وإن لا تصب حربا فإنّك غامده تلقّاه كلّ بالقبول وبالرّضى ... فذو الفهم من تبدو إليه مقاصده ولم يعترض فيه سوى ابن طراوة ... وكان طريّا لم تقادم معاهده وجسّره طعن المبرّد قبله ... وإنّ الثّمالي بارد الذّهن خامده

стр. 830

هما ما هما صارا مدى الدهر ضحكة ... يزيّف ما قالا وتبدو مفاسده تكون صحيح العقل حتى إذا ترى ... تباري أبا بشر، إذا أنت فاسده يقول امرؤ قد خامر الكبر رأسه ... وقد ظنّ أنّ النحو سهل مقاصده ولم يشتغل إلّا بنزر مسائل ... من الفقه في «١» أوراقه هو راصده وقد نال بين الناس جاها ورتبة ... وألهاك عن نيل المعالي ولابده وما ذاق للآداب طعما ولم يبت ... يعنّى بمنظوم ونثر يجاوده فينكح أبكار المعاني ويبتغي ... لها الكفو من لفظ بها هو عاقده رأى سيبويه فيه بعض نكادة ... وعجمة لفظ لا تحلّ معاقده فقلت: أما أتى «٢» ما أنت أهل لفهمه ... وما أنت إلّا غائض الفكر راكده لعمرك ما ذو لحية وتسمّت ... وإطراق رأس والجهات تساعده فيمشي على الأرض الهوينا كأنما ... إلى الملإ الأعلى تناهت مراصده وإيهامك الجهّال أنّك عالم ... وأنّك فرد في الوجود وزاهده بأجلب للنّحو الذي أنت هاجر ... من الدّرس بالليل الذي أنت هاجده أصاح، تجنّب من غويّ مخذّل ... وخذ في طريق النّحو أنّك راشده لك الخير فادأب ساهرا في علومه ... فلم تشم إلّا ساهر الطّرف ساهده ولا ترج في الدنيا ثوابا فإنما ... لدى الله حقا أنت لا شكّ واجده ذوو النحو في الدنيا قليل حظوظهم ... وذو الجهل فيها وافر الحظّ زائده لهم أسوة فيها على لاغد «٣» مضى ... ولم يلق في الدنيا صديقا يساعده مضى بعده عنها الخليل فلم ينل ... كفافا ولم يعدم حسودا يناكده ولاقى أبا بشر خليل «٤» سفيهها ... غداة تمالت في ضلال يمادده أتى نحو هارون «٥» يناظر شيخه ... فنفحته «٦» حتّى تبدّت مناكده فأطرق شيئا ثم أبدى جوابه ... بحقّ ولكن أنكر الحقّ جاحده وكاد علي عمرا إذا صار حاكما ... وقدما عليّ كان عمرو يكايده سقاه بكأس لم يفق من خمارها ... وأورده الأمر الذي هو وارده

стр. 831

ولابن زياد شركة في مراده ... ولابن رشيد شرك «١» القلب رائده هما جرّعا إلى عليّ وقنبر ... أفاويق سمّ لم تنجّد أساوده أبكي على عمرو ولا عمر مثله ... إذا مشكل أعيا وأعور ناقده قضى نحبه شرخ الشّبيبة لم يرع ... بشيب ولم تعلق بذامّ معاقده لقد كان للناس اعتناء بعلمه ... بشرق وغرب تستنار فوائده والآن فلا شخص على الأرض قارىء ... كتاب أبي بشر ولا هو رائده سوى معشر بالغرب فيهم تلفّت ... إليه وشوق ليس يخبو مواقده وما زال منّا أهل أندلس له ... جهابذ تبدي فضله وتناجده وإنّي في مصر على ضعف ناصري ... لناصره ما دمت حيّا وعاضده أثار أثير الغرب للنّحو كامنا ... وعالجه حتّى تبدّت قواعده وأحيا أبو حيّان ميت علومه ... فأصبح علم النحو ينفق كاسده إذا مغربي حطّ بالثّغر رحله ... تيقّن أنّ النحو أخفاه لاحده منينا بقوم صدّروا في مجالس ... لإقراء علم ضلّ عنهم مراشده لقد أخّر التصدير عن مستحقّه ... وقدّم غمر خامد الذهن جامده وسوف يلاقي من سعى في جلوسهم ... جزاء «٢» وعقبى أكنّت عقائده علا عقله فيهم هواه فما درى ... بأنّ هوى الإنسان للنار قائده أقمنا بمصر نحو «٣» عشرين حجة ... يشاهدنا ذو أمرهم ونشاهده فلمّا ننل منهم مدى الدهر طائلا ... ولمّا نجد فيهم صديقا نوادده لنا سلوة فيمن سردنا حديثهم ... وقد يتسلّى بالذي قال سارده أخي إن تصل يوما وبلّغت سالما ... لغرناطة فانفذ لما أنا عاهده وقبل ثرى أرض بها حلّ ملكنا ... وسلطاننا الشّهم الجميل عوائده مبيد العدا قتلا وقد عمّ «٤» شرّهم ... ومحيي النّدى فضلا وقد رمّ هامده أفاض على الإسلام جودا ونجدة ... فعزّ مواليه وذلّ معانده

стр. 832

وعمّ بها إخواننا بتحيّة ... وخصّ بها الأستاذ لا عاش كائده جزى الله عنّا شيخنا وإمامنا ... وأستاذنا «١» الحبر الذي عمّ فائده لقد أطلعت جيّان أوحد عصره ... فللغرب فخر أعجز الشرق خالده مؤرخة نحوية وإمامة ... محدّثة جلّت وصحّت مسانده جاه عظيم من ثقيف وإنما ... به استوثقت منه العرى ومساعده وما أنس لا أنسى سهادي ببابه ... بسبق وغيري نائم الليل راقده فيجلو بنور العلم ظلمة جهلنا ... ويفتح علما مغلقات رصائده وإنّي وإن شطّت بنا غربة النّوى ... لشاكر له في كل وقت وحامده بغرناطة روحي وفي مصر جثّتي ... ترى هل يثنّي الفرد من هو فارده؟ أبا جعفر، خذها قوافي من فتى ... تتيه على غرّ القوافي قصائده يسير بلا إذن إلى الأذن حسنها ... فيرتاح سمّاع لها ومناشده غريبة شكل كم حوت من غرائب ... مجيدة أصل أنتجتها أماجده فلولاك يا مولاي ما فاه مقولي ... بمصر ولا حبّرت ما أنا قاصده لهذّبتني حتّى أحوك مفوّقا ... من النظم لا يبلى مدى الدهر آبده وأذكيت فكري بعد ما كان خامدا ... وقيّد شعري بعد ما ندّ شارده جعلت ختاما فيه ذكرك إنه ... هو المسك بل أعلى وإن عزّ ناشده ومما دون من «٢» المطولات قوله ﵀ «٣» : [الطويل] تفرّدت لمّا أن جمعت بذاتي «٤» ... وأسكنت لما أن بدت حركاتي «٥» فلم أر في الأكوان غيرا «٦» لأنني ... أزحت عن الأغيار روح حياتي «٧» وقدّستها عن رتبة لو تعيّنت ... لها دائما دامت لها حسراتي «٨» فها أنا قد أصعدتها عن حضيضها ... إلى رتبة تقضي لها بثبات

стр. 833

تشاهد معنى روضة أذهب العنا ... وأيقظني للحقّ بعد سنات «١» أقامت زمانا في حجاب فعندما ... تزحزح عنها رامت الخلوات لنقضي بها ما فات من طيب أنسنا ... بها وننال الجمع بعد شتات ومن النسيب قوله «٢» : [الكامل] كتم اللسان ومدمعي قد باحا ... وثوى الأسى عندي وأنسي «٣» راحا إني لصبّ «٤» طيّ ما نشر الهوى ... نشرا وما زال الهوى إفصاحا «٥» ومهجتي من لا أصرّح باسمه ... ومن الإشارة ما يكون صراحا ريم أروم حنوّه وجنوحه ... ويروم عني جفوة وجماحا أبدى لنا من شعره وجبينه ... ضدّين ذا ليلا وذاك صباحا «٦» عجبا له يأسو الجسوم بطبّه ... ولكم بأرواح أثار جراحا فبلفظه «٧» برء الأخيذ ولحظه ... أخذ البريّ فما يطيق براحا ناديته «٨» في ليلة لا ثالث ... إلّا أخوه البدر غار فلاحا «٩» يا حسنها من ليلة لو أنها ... دامت ومدّت للوصال «١٠» جناحا وقال «١١» : [الكامل] نور بخدّك أم توقّد نار؟ ... وضنى بجفنك أم فتور «١٢» عقار؟ وشذا بريقك أم تأرّج مسكة؟ ... وسنى بثغرك أم شعاع دراري «١٣» ؟ جمعت معاني الحسن فيك فقد غدت «١٤» ... قيد القلوب وفتنة الأبصار

стр. 834

متصاون خفر «١» إذا ناطقته ... أغضى حياء «٢» في سكون وقار في وجهه زهرات لفظ «٣» تجتلى ... من نرجس مع وردة وبهار خاف اقتطاف الورد من جنباتها «٤» ... فأدار من أسر «٥» سياج عذار وتسلّلت نمل العذار بخدّه ... ليردن شهدة ريقه المعطار وبخدّه ورد «٦» حمتها وردها ... فوقفن بين الورد والإصدار كم ذا أواري «٧» في هواه محبّتي ... ولقد وشى بي فيه فرط أواري «٨» ومن نظمه من المقطوعات في شتى الأغراض قوله ﵀ «٩» : [البسيط] أزحت نفسي من الإيناس بالناس ... لمّا غنيت عن الأكياس بالياس «١٠» وصرت في البيت وحدى لا أرى أحدا ... بنات فكري وكتبي هنّ جلّاسي وقال «١١» : [الطويل] وزهّدني في جمعي المال أنه ... إذا ما انتهى عند الفتى فارق العمرا فلا روحه يوما أراح من العنا ... ولم يكتسب حمدا ولم يدّخر أجرا وقال: [الطويل] سعت حيّة من شعره نحو صدغه ... وما انفصلت من خدّه إنّ ذا عجب وأعجب من ذا أنّ سلسال ريقه ... برود ولكن شبّ في قلبي اللهب وقال «١٢» : [السريع] راض «١٣» حبيبي عارض قد بدا ... يا حسنه من عارض رائض وظنّ «١٤» قوم أنّ قلبي سلا ... والأصل لا يعتدّ بالعارض

стр. 835

وقال «١» : [الخفيف] سال في الخدّ للحبيب عذار ... وهو لا شكّ سائل مرحوم وسألت التثامه فتجنّى ... فأنا اليوم سائل محروم وقال: [الطويل] جننت بها سوداء لون وناظر ... ويا طالما كان الجنون بسوداء وجدت بها برد النعيم وإنّ ... فؤادي منها في جحيم ولأواء وقال في فتى يسمى مظلوم «٢» : [الطويل] وما كنت أدري أنّ مالك مهجتي ... يسمّى «٣» بمظلوم وظلم جفاؤه إلى أن دعاني للصّبا «٤» فأجبته ... ومن يك مظلوما أجيب دعاؤه وقال «٥» : [الخفيف] جنّ غيري بعارض فترجّى ... أهله أن يفيق عمّا قريب وفؤادي بعارضين مصاب ... فهو داء أعيا دواء «٦» الطبيب وقال «٧» : [الطويل] شكا الخصر منه ما يلاقي بردفه ... وأضعف «٨» غصن البان جرّ كثيب إذا كان منه البعض يظلم بعضه ... فما حال مشتطّ «٩» المزار «١٠» غريب وقال «١١» : [الطويل] وذي شفة لمياء زينت بشامة «١٢» ... من المسك في رشافها «١٣» يذهب النّسك ظمئت إليها ريقة كوثريّة ... بمثل لآلي «١٤» ثغرها ينظم السّلك

стр. 836

تعلّ بمعسول كأنّ رضابه ... مدام من الفردوس «١» خاتمه مسك وقال: [الطويل] أجلّ شفيع ليس يمكن ردّه ... دراهم بيض للجروح مراهم تصيّر صعب الأمر أسهل ما ترى ... ويقضي لبانات الفتى «٢» وهو نائم وقال «٣» : [مخلع البسيط] نعيد ودّ قريب ضلّ «٤» ... كبير عتب، قليل عتبى «٥» كالشمس ظرفا، كالمسك عرفا ... كالخشف طرفا، كالصّخر قلبا وقال «٦» : [الطويل] عداتي «٧» لهم فضل عليّ ومنّة ... فلا أذهب الرحمن عنّي الأعاديا هم بحثوا عن زلّتي فاجتنبتها «٨» ... وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا مولده: ولد بغرناطة عام اثنين وخمسين وستمائة «٩» . وفاته: أخبرني الحاج الخطيب الفاضل أبو جعفر الشّقوري، ﵀، قال: توفي عام خمسة وأربعين وسبعمائة بمصر، ودفن بالقرافة. وكانت جنازته حافلة. ومن الطارئين عليها في هذا الحرف محمد بن أحمد بن داود بن موسى بن مالك اللّخمي اليكّي من أهل بلّش «١٠» ، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن الكمّاد.

стр. 837

حاله: من «عائد الصلة» : كان من جلّة صدور الفقهاء الفضلاء، زهدا وقناعة وانقباضا، إلى دماثة الخلق، ولين الجانب، وحسن اللقاء، والسّذاجة المموّهة بالغفلة، والعمل على التقشّف والعزلة، قديم السّماع والرّحلة، إماما مشهورا في القراءات، يرحل إليه، ويعوّل عليه، إتقانا ومعرفة منها بالأصول، كثير المحافظة والضّبط، محدّثا ثبتا، بليغ التّحرّز، شديد الثقة، فقيها متصرّفا في المسائل، أعرف الناس بعقد الشروط، ذا حظّ من العربية واللغة والأدب. رحل إلى العدوة، وتجوّل في بلاد الأندلس، فأخذ عن كثير من الأعلام، وروى وقيّد وصنّف وأفاد، وتصدّر للإقراء بغرناطة وبلّش وغيرهما، وتخرّج بين يديه جملة وافرة من العلماء والطلبة، وانتفعوا به. مشيخته: قرأ ببلده مرسية على الأستاذ أبي الحسن علي بن محمد بن لب بن أحمد بن أبي بكر الرّقوطي، والمقرئ أبي الحسن بن خلف الرّشاطي، والمحدّث الجليل أبي عمرو محمد بن علي بن عيشون اللخمي، وعلى الشيخ الفقيه الكاتب أبي محمد بن عبد الله بن داود بن خطّاب الغافقي المرسي. وممن أجازه الفقيه أبو عثمان سعيد بن عمرو البطرني، والقاضي أبو علي بن أبي الأحوص، لقيه ببلّش مالقة وبسطة، فروى عنه الكثير، والأستاذ أبو القاسم بن الأصهر الحارثي، لقيه بألمريّة. ولقي بغرناطة الأستاذ أبا جعفر الطّبّاع، والوزير الرّاوية أبا القاسم محمد بن يحيى بن عبد الرحمن بن جزيّ الكلبي، روى عنه وأجازه. وكتب له بالإجازة جماعة كبيرة من أهل المشرق والمغرب، حسبما تضمنه برنامجه. تواليفه: اختصر كتاب «المقنع» في القراءات اختصارا بديعا، وسماه كتاب «الممتع في تهذيب المقنع» وغير ذلك. شعره: من ذلك وقد وقف على أبيات أبي القاسم بن الصّقر في فضل الحديث: [الطويل] لقد حاز أصحاب الحديث وأهله ... شأوا وثيرا «١» ومجدا مخلّدا وصحّت لهم بين الأنام مزيّة ... أبانت لهم عزّا ومجدا وسؤددا بدعوة خير الخلق أفضل مرسل ... محمد المبعوث بالنّور والهدى فهم دوّنوا علم الحديث وأتقنوا ... ونصّوا بتبيين صحيحا ومسندا

стр. 838

وجاءوا بأخبار الرّسول وصحبه ... على وجهها لفظا ورسما مقيدا وهم نقلوا الآثار والسّنن التي ... من أصبح «١» ذا أخذ بها فقد اهتدى وما قصّروا فيها بفقه ولا ونوا ... بل التزموا حدّا وحزما مؤكّدا وهم أوضحوا من بعدهم باجتهادهم ... وتبيينهم سبل الهدى لمن اقتدى جزاهم إله العرش عنّا بنصحهم ... بأحسن ما جازى نصيحا ومرشدا ونسأله «٢» سبحانه نهج هديهم ... وسعيا إلى التّقوى سبيلا ومقصدا ومن شعره، ﵀، قوله: [السريع] عليك بالصّبر وكن راضيا ... بما قضاه الله تلقى النجاح واسلك طريق المجد والهج به ... فهو الذي يرضاه أهل الصلاح وقد ألّف شيخنا أبو البركات بن الحاج، جزءا سماه «شعر من لا شعر له» ، فيه من شعر هذا الرجل الفاضل ومثله كثير. مولده: قبل الأربعين وستمائة. وتوفي ثاني شهر الله المحرم عام اثني عشر وسبعمائة. انتهى ما اختصر من السّفر السابع من كتاب «الإحاطة في تاريخ غرناطة» يتلوه في السفر الثامن بعده إن شاء الله ومن السفر الثامن من ترجمة المقرئين والعلماء ﵏*** ومن السفر الثامن من ترجمة المقرئين والعلماء محمد بن أحمد بن محمد بن علي الغسّاني من أهل مالقة، يكنى أبا القاسم، ويعرف بابن حفيد الأمين. حاله: كان من أهل العلم والفضل والدين المتين، والدّؤوب على تدريس كتب الفقه. استظهر كتاب «الجواهر» لابن شاس، واضطلع بها، فكان مجلسه من مجالس الحفّاظ، حفّاظ المذهب، وانتفع به الناس، وكان معظّما فيهم، متبرّكا به، على سنن الصالحين من الزّهد والانقباض وعدم المبالاة بالملبس والمطعم. وقال صاحبنا الفقيه

стр. 839

أبو الحسن النّباهي في تذييله لتاريخ مالقة: كان رجلا ساذجا، مخشوشنا، سنّيّ المنازع، شديد الإنكار على أهل البدع. جلس للتّحليق العام بالمسجد الجامع، وأقرأ به الفقه والعربية والفرائض. مشيخته: قال: منهم أبو علي بن أبي الأحوص، وأبو جعفر بن الزبير، وأبو محمد بن أبي السّداد، والقاضي أبو القاسم ابن السّكوت. قال: وأنشد للزاهد أبي إسحاق بن قشوم، قوله: [الطويل] يروقك يوم العيد حسن ملابس ... ونعمة أجسام ولين قدود أجل لحظات الفكر منك فلا ترى ... سوى خرق تبلى وطعمة دود وأنشد لأبي عمرو الزاهد: [السريع] تختبر الدّنير في ميذق ... والدّرهم الزايف إذ يبهم والمرء إن رمت اختبارا له ... ميذقه الدّنير والدّرهم من عفّ عن هذا وهذا معا ... فهو التّقيّ الورع المسلم تواليفه: له تقييد حسن في الفرائض، وجزء في تفضيل التّين على التّمر، وكلام على نوازل الفقه. وفاته: وتوفي في الكائنة العظمى بطريف «١» . محمد بن أحمد بن علي بن قاسم المذحجي من أهل ملتماس «٢» ، يكنى أبا عبد الله. حاله: من «العائد» : كان، ﵀، من سراة بلده وأعيانهم، أستاذا متفنّنا مقرئا لكتاب الله، كاتبا بليغا، شديد العناية بالكتب، كثير المغالاة في قيمها وأثمانها، حتى صار له من أعلاقها وذخائرها ما عجز عن تحصيله كثير من أهل بلده. كتب بخطّه، وقيّد كثيرا من كتب العلم. وكان مقرئا مجوّدا، عارفا بالقراءات، بصيرا بالعربية، ثقة ضابطا، مبرّزا في العدالة، حريصا على العلم استفادة ثم إفادة، لا يأنف من حمله عن أقرانه، وانتفع به أهل بلده، والغرباء أكثر.

стр. 840

مشيخته: أخذ عن طائفة من أهل العلم، منهم الشّيخان الرّحلتان؛ أبو عبد الله بن الكمّاد، وأبو جعفر بن الزيات، عظيما بلده، والخطيب ولي الله أبو عبد الله الطّنجالي، والقاضي أبو عبد الله بن بكر. وروى عن الشيخ الوزير أبي عبد الله بن ربيع، وابنه الرّاوية أبي عامر، والخطيب الصالح أبي إسحاق بن أبي العاصي. وروى عن الشيخ الرّاوية الرّحّال أبي عبد الله بن عامر الوادي آشي وغيرهم، ودخل غرناطة. مولده: ولد ببلّش عام ثمانية وثمانين وستمائة. وفاته: توفي ببلّش عاشر شهر شعبان من عام أربعة وثلاثين وسبعمائة. محمد بن أحمد بن محمد بن علي الغسّاني من أهل مالقة، يكنى أبا الحكم، ويعرف بابن حفيد الأمين. حاله: من «العائد» : كان هذا الشيخ من أهل العلم والدّين المتين، والجري على سنن الفقهاء المتقدّمين، عقد الشروط بمالقة مدة طويلة في العدول المبرّزين، وجلس للتّحليق في المسجد الأعظم من مالقة، بعد فقد أخيه أبي القاسم، وخطب بمسجد مالقة الأعظم. ثم أخّر عن الخطبة لمشاحنة وقعت بينه وبين بعض الولاة، أثمرت في إحنته. ولم يزل على ما كان عليه من الاجتهاد في العبادة، والتقييد للعلم، والاشتغال به، والعناية بأهله، إلى أن توفي على خير عمل. مشيخته: قرأ على الأستاذ الخطيب أبي محمد الباهلي، وروى عن جلّة من الشيوخ مثل صهره الخطيب الولي أبي عبد الله الطّنجالي «١» ، وشاركه في أكثر شيوخه، والأديب الحاج الصالح أبي القاسم القبتوري «٢» وغيرهم. مولده: ولد بمالقة عام ثلاثة وسبعين وستمائة. وفاته: توفي بمالقة يوم الأربعاء الثامن عشر لذي حجة من عام تسعة وأربعين وسبعمائة. ودخل غرناطة غير ما مرّة مع الوفود من أهل بلده وفي أغراضه الخاصة.

стр. 841

محمد بن أحمد الرّقوطي «١» المرسي يكنى أبا بكر. حاله: كان طرفا في المعرفة بالفنون القديمة؛ المنطق والهندسة والعدد والموسيقا والطّب، فيلسوفا، طبيبا ماهرا، آية الله في المعرفة بالألسن، يقرئ الأمم بألسنتهم فنونهم التي يرغبون في تعلمها، شديد البأو، مترفّعا، متعاطيا. عرف طاغية الروم حقّه، لما تغلّب على مرسية، فبنى له مدرسة يقرئ فيها المسلمين والنصارى واليهود، ولم يزل معظما عنده. ومما يحكى من ملحه معه، أنه قال له يوما، وقد أدنى منزلته، وأشاد بفضله: لو تنصّرت وحصّلت الكمال، كان عندي لك كذا وكذا، وكنت كذا، فأجابه بما أقنعه. ولما خرج من عنده، قال لأصحابه: أنا الآن أعبد واحدا، وقد عجزت عما يجب له، فكيف حالي لو كنت أعبد ثلاثة كما أراد مني. وطلبه سلطان المسلمين، ثاني الملوك من بني نصر «٢» ، واستقدمه، وتلمذ له، وأسكنه في أعدل البقع من حضرته. وكان الطلبة يغشون منزله المعروف له، وهو بيدي الآن، فتعلّم عليه الطب والتعاليم وغيرها، إذ كان لا يجارى في ذلك. وكان قويّ العارضة، مضطلعا بالجدل، وكان السلطان يجمع بينه وبين منتابي حضرته، ممن يقدم منتحلا صناعة أو علما، فيظهر عليهم، لتمكنه ودالّته، حسبما يأتي في اسم أبي الحسن الأبّدي، وأبي القاسم بن خلصون، إن شاء الله. وكان يركب إلى باب السلطان، عظيم التّؤدة، معار البغلة، رائق البزّة، رفيق المشي، إلى أن توفي بها، سمح الله له. محمد بن إبراهيم بن المفرّج الأوسي المعروف بابن الدبّاغ الإشبيلي. حاله: كان واحد عصره في حفظ مذهب مالك، وفي عقد الوثائق، ومعرفة عللها، عارفا بالنحو واللغة والأدب والكتابة والشعر والتاريخ. وكان كثير البشاشة، عظيم الانقباض، طيّب النفس، جميل المعاشرة، كثير المشاركة، شديد التّواضع، صبورا على المطالعة، سهل الألفاظ في تعليمه وإقرائه. أقرأ بجامع غرناطة لأكابر علمائها الفقه وأصوله، وأقرأ به الفروع والعقائد للعامة مدة. وأقرأ بجامع باب الفخّارين، وبمسجد ابن عزرة وغيره.

стр. 842

مشيخته: قرأ على والده الأستاذ أبي إسحاق إبراهيم، وعلى الأستاذ أبي الحسن الدباج، وعلى القاضي أبي الوليد محمد بن الحاج التّجيبي القرطبي، وعلى القاضي أبي عبد الله بن عياض. وفاته: توفي برندة يوم الجمعة أول يوم من شوال عند انصراف الناس من صلاة الجمعة من عام ثمانية وستين وستمائة. محمد بن إبراهيم بن محمد الأوسي من أهل مرسية، نزيل غرناطة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن الرّقّام، الشيخ الأستاذ المتفنن. حاله: كان نسيج وحده، وفريد دهره، علما بالحساب والهندسة والطب والهيئة، وغير ذلك، مديد الباع، أصيل المعرفة، مضطلعا، متبحرا لا يشقّ غبارة، أقرأ التعاليم والطب والأصول بغرناطة لما استقدمه السلطان ثاني الملوك من بني نصر من مدينة بجاية، فانتفع الناس به، وأوضح المشكلات، وسئل من الأقطار النازحة في الأوهام العارضة، ودوّن في هذه الفنون كلها، ولخّص، ولم يفتر من تقييد وشرح وتلخيص وتدوين. تواليفه: وتواليفه كثيرة، منها كتابه الكبير على طريقة كتاب «الشّفا» ، والزّيج القويم الغريب المرصد، المبنيّة رسائله على جداول ابن إسحاق، وعدّل مناخ الأهلّة، وعليه كان العمل، وقيّد أبكار الأفكار في الأصول، ولخّص المباحث، وكتاب الحيوان والخواص. ومقالاته كثيرة جدا، ودواوينه عديدة. وفاته: توفي عن سنّ عالية بغرناطة في الحادي والعشرين لصفر من عام خمسة عشر وسبعمائة. محمد بن جعفر بن أحمد بن خلف بن حميد ابن مأمون الأنصاري «١» ونسبه «٢» أبو محمد القرطبي أمويّا من صريحهم، بلنسي الأصل، يكنى أبا عبد الله.

стр. 843

حاله: كان صدرا في متقني القرآن العظيم، وأئمّة تجويده، مبرّزا في النحو، إماما معتمدا عليه، بارع الأدب، وافر الحظّ من البلاغة، والتّصرّف البديع في الكتابة، طيّب الإمتاع بما يورده من الفنون، كريم الأخلاق، حسن السّمت، كثير البشر، وقورا، ديّنا، عارفا، ورعا، وافر الحظّ من رواية الحديث. مشيخته: روى «١» عن أبي إسحاق بن صالح، وأبي بكر بن أبي ركب، وأبي جعفر بن ثعبان، وأبي الحجاج القفّال، وأبي الحسن شريح، وأبي محمد عبد الحق بن عطية، وأبي الحسن بن ثابت، وأبي الحسن بن هذيل، وتلا عليه بالسّبع، وأبو «٢» عبد الله بن عبد الرحمن المذحجي الغرناطي، وابن فرح «٣» القيسي، وأبي القاسم خلف بن فرتون، ولم يذكر أنهم أجازوا له. وكتب له أبو بكر عبد العزيز بن سدير «٤» ، وابن العزفي «٥» ، وابن قندلة «٦» ، فأبو الحسن طارق بن موسى، وابن موهب، ويونس بن مغيث، وأبو جعفر «٧» بن أيوب، وأبو الحكم عبد الرحمن بن غشيان «٨» ، وأبو عبد الله الجيّاني، المعروف بالبغدادي. وذكر أبو عبد الله بن يربوع أن له راوية عن أبي الحسن «٩» بن الطراوة. من روى عنه: روى «١٠» عنه أبو بحر صفوان بن إدريس، وأبو بكر بن عتيق الأزدي «١١» ، وابن قترال «١٢» ، وأبو جعفر الجيّار، والذّهبي، وابن عميرة الشهيد، وأبو الحسن بن عزمون «١٣» ، وابن عبد الرزاق «١٤» ، وأبو الحسن «١٥» عبيد الله بن عاصم الدّاري «١٦» ، وأبو الربيع بن سالم، وأبو زكريا الجعفري «١٧» ، وأبو سليمان بن حوط الله، وأبو عبد الله الأندرشي، وابن الحسين بن محبر «١٨» ، وابن إبراهيم الريسي «١٩» ، وابن صلتان، وابن عبد الحق التلمسيني، وابن يربوع، وأبو العباس العزفي، وأبو عثمان سعد الحفّار، وأبو علي عمر بن جميع «٢٠» ، وأبو عمران بن إسحاق «٢١» ، وأبو

стр. 844

القاسم الطيب بن هرقال «١» ، وعبد الرحيم بن إبراهيم بن قريش الملّاحي «٢» ، وأبو محمد بن دلف «٣» بن اليسر، وأبو الوليد بن الحجاج «٤» . تواليفه: له شرح على «إيضاح الفارسي» ، وآخر على «جمل الزّجّاجي» . مولده: ببلنسية سنة ثلاث عشرة وخمسمائة. وفاته: توفي بمرسية إثر صدوره عن غرناطة عشي يوم السبت لثلاث عشرة بقيت من جمادى الأولى «٥» سنة ست وثمانين وخمسمائة. محمد بن حكم بن محمد بن أحمد بن باق الجذامي «٦» من أهل سرقسطة. سكن غرناطة ثم فاس، يكنى أبا جعفر. حاله: كان «٧» مقرئا مجوّدا، محققا بعلم الكلام وأصول الفقه، محصّلا لهما، متقدّما في النحو، حافظا للغة، حاضر الذّكر لأقوال تلك العلوم، جيّد النظر، متوقّد الذهن، ذكيّ القلب، فصيح اللسان «٨» . ولّي أحكام فاس، وأفتى فيها، ودرّس بها العربية: كتاب سيبويه وغير ذلك. مشيخته: روى «٩» عن أبي الأصبغ بن سهل، وأبوي «١٠» الحسن الحضرمي، وابن سابق، وأبي جعفر بن جرّاح، وأبي طالب السّرقسطي، الأديبين، وأبوي عبد الله بن نصر، وابن يحيى بن هشام المحدّث، وأبي العباس الدلائي، وأبي عبيد الله البكري، وأبي عمر أحمد بن مروان «١١» القيرواني، وأبي محمد بن قورش «١٢» ، وأبي مروان بن سراج. وأجاز له أبو الوليد الباجي، ﵀.

стр. 845

من روى عنه: روى «١» عنه أبو إسحاق بن قرقول، وأبو الحسن صالح بن خلف، وأبو عبد الله بن حسن السّبتي، وأبو «٢» الحسن الأبّذي، وتوفي قبله، وابن خلف بن الأيسر «٣» ، والنّميري، وأبو العباس بن عبد الرحمن بن الصّقر، وأبو علي حسن بن الجزّار «٤» ، وأبو الفضل بن هارون الأزدي، وأبوا «٥» محمد: عبد الحق بن بونه، وقاسم بن دحمان، وأبو مروان بن الصّقيل الوقّشي «٦» . تواليفه: شرح «٧» «إيضاح الفارسي» ، وكان قيّما على كتابه، وصنّف في الجدل مصنّفين، كبيرا وصغيرا. وله عقيدة جيدة. وفاته: توفي بفاس، وقيل بتلمسان «٨» ، سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة. محمد بن حسن بن محمد بن عبد الله بن خلف ابن يوسف بن خلف الأنصاري «٩» من أهل مالقة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن الحاج، وبابن صاحب الصلاة. حاله: كان مقرئا صدرا في أئمّة التّجويد، محدّثا متقنا ضابطا، نبيل الخطّ والتقييد، ديّنا، فاضلا. وصنّف في الحديث، وخطب بجامع بلده. وأمّ في الفريضة زمانا، واستمرّت حاله كذلك، من نشر العلم وبثّه إلى أن كرّمه الله بالشهادة في وقيعة العقاب «١٠» . دخوله غرناطة، راويا عن ابن الفرس، وابن عروس، وغيرهما. مشيخته: روى بالأندلس عن الحجاج ابن الشيخ، وأبي الحسن بن كوثر، وأبي خالد يزيد بن رفاعة، وأكثر عنه، وأبوي عبد الله بن عروس، وابن الفخّار، وأبي
следующие страницы →