← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11684

الاستبصار فى عجائب الامصار

مؤلف الاستبصار في عجائب الأمصار

Полный текст (258 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مما يدعو إلى الأسف أننا نجهل مؤلف كتاب الاستبصار. فباستثناء ابن أبي زرع، صاحب كتاب روض القرطاس، الذي يذكر عنوان الكتاب لم يشر أي كاتب آخر إلى الكتاب أو إلى مؤلفه. هذا كما أن المؤلف لا يمدّنا خلال كتابته بأية معلومات تكشف لنا عن شخصيته. وهنا نجد ثلاث كلمات تعبر عنه وهي: «المؤلف» أي صاحب الكتاب، «والناظر» ثم «الواضع» ولها معنى كلمة المؤلف. وعلى ذلك فسنكتفي بالعناية بكلمتي «المؤلف» و «الناظر» . هل تعني الكلمتان شخصية واحدة أو شخصيتين مختلفتين؟ يمكن أن تكون كلمة الناظر لقباً كان يحمله المؤلف وبهذا تدل «المؤلف» و «الناظر» على شخص واحد. ولكن هذا الافتراض غير محتمل إذ لا نعرف «الناظر» لقباً في تلك الفترة. وقد يكون معنى كلمة «الناظر» قريباً من معنى كلمة «المراجع» أي الذي أعاد النظر في الكتاب ونظّمه وأعطاه شكله الأخير. وهنا تعني كلمة الناظر شخصاً آخر غير المؤلف. وأياً ما كان فإنا نعتبر «الناظر» هو المؤلف الحقيقي للكتاب بصورته التي وصلتنا, فهو قد لجأ إلى كتاب قديم نجهل صاحبه، فوضع له المقدمة، ورتّب فيها منهجه، وهو قد نقّح الأصل وحقّقه وأضاف إليه، ثم ختمه. وفي الكتاب فقرات تبيّن أن الناظر عاش على عهد يعقوب المنصور الموحدي، وأنه كان ينظر بعين الولاء لأحد كبار رجال الدولة حينئذ وهو الشيخ أبو عمران بن أبى يحيى بن وقتين الذي يهدي إليه الكتاب ويطلب منه حسن الرعاية (ص ١، ٢) . ويظهر أنه كان يصنف الكتاب في سنة ٥٨٧ هـ / ١١٩١ م. هذا وتدل التفصيلات التي يمدّنا بها عن مكناسة وفاس ومراكش على معلوماته الغزيرة عن هذه المدن. فلا شك أنه عاش فيها إن لم يكن أصله منها. ومع ملاحظة محتوى الكتاب يمكننا أن نفترض أن المؤلف «الناظر» كان يشغل وظيفة لدى يعقوب المنصور كانت تمكّنه من الاطلاع على مجرى الأمور في ديوان الخليفة أو في بلاطه.

стр. 2

مقدمة لسنا أول من يعنى بكتاب الاستبصار. فمنذ حوالى قرن نشر ألفرد فون كرمر الجزء الخاص منه بالمغرب نقلا عن مخطوط كان فى حوزته «١» . ولكن هذه النشرة غير كاملة: إذ تنقصها الفصول الخاصة ببلاد غمارة، واستقرار الأدارسة بالمغرب، وزندقة برغواطة، ومدينة ببلاد غمارة. واستقرار الأدراسة بالمغرب، وزندقة برغواطة، ومدينة سجلماسة، وبداية العبيديين الفواطم، ومدن درعة وأغمات ونفيس وتنملل ومرّاكش، وكذلك الفصول الخاصة ببلاد السوس المتاخمة للسودان (دون ذكر بلاد السودان نفسها) . وإلى جانب ذلك فإن نشرة فون كرمر تحتوى هنا وهناك على بعض النقص مما كبر حجمه أو صغر. وبعد ذلك بحوالى خمسين عاما نشرا. فانيان ترجمة فرنسية كاملة لهذا الجزء نفسه مصحوبة بهوامش وتعليقات، واستخدم طبعة فون كرمر، ومخطوطى الجزائر، ومخطوط باريز «٢» . ومع أن فانيان عمل فى ترجمته على تكملة نشرة فون كرمر وسد الثغرات التى كانت بها إلا أن ما قام به لا يغنى عن النص العربى، ولا يرضي حاجة المشتغلين بالدراسات العربية. هذا إلى جانب أن الجزء الذي بقي من الكتاب دون نشر كبير ومهم، يبلغ حوالى نصف النص العربى الكامل. وهو ينقسم على قسمين: الأول ويبلغ الثلث خاص بالأماكن المقدسة فى مكة والمدينة؛ والثانى خاص بمصر وعجائبها. وهكذا تحدد عملنا- الذي يهدف إلى إكمال ما قام به كرمر وفانيان- فى نشر النص الكامل لكتاب الاستبصار، ثم ترجمة الجزء الخاص بالأماكن المقدسة ومصر إلى الفرنسية.

стр. 3

المؤلف: ومما يدعو إلى الأسف أننا نجهل مؤلف كتاب الاستبصار. فباستثناء ابن أبى زرع، صاحب كتاب روض القرطاس، الذي يذكر عنوان الكتاب «١» لم يشر أى كاتب آخر إلى الكتاب أو إلى مؤلفه. هذا كما أن المؤلف لا يمدنا خلال كتابته بأية معلومات تكشف لنا عن شخصيته. وهنا نجد ثلاث كلمات تعبر عنه وهى: «المؤلف» أى صاحب الكتاب، «والناظر» ثم «الواضع» ولها معنى كلمة المؤلف. وعلى ذلك فسنكتفى بالعناية بكلمتى «المؤلف» و «الناظر» . هل تعنى الكلمتان شخصية واحدة أو شخصيتين مختلفتين؟ يمكن أن تكون كلمة الناظر لقبا كان يحمله المؤلف وبهذا تدل «المؤلف» و «الناظر» على شخص واحد. ولكن هذا الافتراض غير محتمل إذ لا نعرف «الناظر» لقبا فى تلك الفترة. وقد يكون معنى كلمة «الناظر» قريبا من معنى كلمة «المراجع» أى الذي أعاد النظر فى الكتاب ونظمه وأعطاه شكله الأخير. وهنا تعنى كلمة الناظر شخصا آخر غير المؤلف. وهذا ما تؤيده الفقرة التالية التى تختم الكتاب (ص ٢٢٦) : «قال الناظر: هنا انتهى ما وجدته من هذا الموضوع، ولقد أحسن واضعه ورتب ما حقق، وهذا لعمرى أقرب وأخصر من غيره، ففيه ما فى غيره وليس فى غيره ما فيه. وحققت وطرزت كتاب الواضع بما قيدت فى هذه المواضع، وأنا مؤمل أن أتفرغ لوضع كتاب كامل يحتوى على ذكر بلاد المغرب وممالكها إلى هذه الايام السعيدة الإمامية، وأضيف إليها ما رفعته للحضرة العلية من مفاخر هذا الأمر العالى- أيد الله دوامه- سنة ٨٠ [٥] [١١٨٤- ١١٨٥] ، وهو ما يزيد عندى من فتوحاته المستأصلة لشأفة الأعداء ... » . €

стр. 4

وأيا ما كان فإنا نعتبر «الناظر» هو المؤلف الحقيقى للكتاب بصورته التى وصلتنا؛ فهو قد لجأ إلى كتاب قديم نجهل صاحبه، فوضع له المقدمة، ورتب فيها منهجه (من وصف الأماكن المقدسة ومصر وبلاد المغرب) ، وهو قد نقح الأصل وحققه وأضاف إليه، ثم ختمه. وهو يعد بإخراج كتاب خاص بتاريخ المغرب إلى أيامه. وفى الكتاب فقرات تبين أن الناظر عاش على عهد يعقوب المنصور الموحدى، وأنه كان ينظر بعين الولاء لأحد كبار رجال الدولة حينئذ وهو الشيخ أبو عمران بن أبى يحيى بن وقتين الذي يهدي إليه الكتاب ويطلب منه حسن الرعاية (ص ١، ٢) . ويظهر أنه كان يصنف الكتاب فى سنة ٥٨٧ (١١٩١) كما يفهم من بعض إشاراته (ص ١٣٨) ، وخاصة بمناسبة سفارة ابن منقذ رسول صلاح الدين إلى الخليفة المغربى (ص ١٠٧) ؛ وبمناسبة العمليات الحربية ضد بنى غانية بإفريقية (ص ١١١) . ولكنه يتضح أيضا أن الكتاب كان موضع تنقيحات تالية بالنسبة لهذا التاريخ؛ والمثل لذلك زيارة ابن منقذ. فبهذه المناسبة يعود صاحب الكتاب، بعد أن يذكر أنه كتب ذلك فى رمضان سنة ٥٨٧ (سبتمبر- اكتوبر ١١٩١) ، فيقول إن رسول صلاح الدين ترك العاصمة المغربية فى ١١ من المحرم سنة ٥٨٨ (٢٨ من يناير ١١٩٢) . هذا وتدل التفصيلات التى يمدنا بها عن مكناسة وفاس ومراكش على معلوماته الغزيرة عن هذه المدن. فلا شك أنه عاش فيها إن لم يكن أصله منها؛ فهو لا يكتفى بالوصف الدقيق للعواصم المغربية بأمبراطورية الموحدين على عهده، ولا بالأعمال الإنشائية التى تمت على عهد يعقوب وسلفيه، بل يقترح خططا عمرانية أخرى تهدف إلى نشر الرخاء فى هذه المناطق. وزيادة على ذلك فإن المعلومات التى يعطيها عن الحملة العسكرية ضد بنى غانية فى إفريقية تتفق بشكل غريب مع إحدى الرسائل الرسمية الصادرة من ديوان يعقوب المنصور، والتى يقتطف منها بعض الفقرات (ص ١٥٩ وهامش ١) . وهو عندما يتكلم عن بلاد السودان يقول إنه اطلع على الرسائل €

стр. 5

الرسمية الصادرة باسم غانة ملك أحد هذه البلاد إلى يوسف بن ناشفين (ص ٢١٩) ؛ ومعنى هذا أن سجلات المرابطين القديمة كانت فى متناول يده؛ أو وصلت إليه صور منها هى الأقل. من كل ذلك يمكننا أن نفترض أن المؤلف «الناظر» كان يشغل وظيفة لدى يعقوب المنصور كانت تمكنه من الاطلاع على مجرى الأمور فى ديوان الخليفة أو فى بلاطه. وهنا يمكننا أن نذهب إلى أبعد من ذلك فنظن أنه ربما كان صاحب الرسالة الرسمية نفسه أى ابن محشرة «١» . يؤيد ذلك ما يظهره المؤلف من آيات الولاء والخضوع للخليفة وسلفيه، ذلك الولاء الذي لا يصدر إلا من خادم مخلص للموحدين. الكتاب: إن النظرة السريعة إلى كتاب الاستبصار تبين أن موضعه بين كتب المكتبة الجغرافية العربية. ورغم ذلك فإنه من الصعب وضعه فى موضعه الصحيح بين أصناف الكتب الجغرافية المعروفة: من كتب الأطوال والعروض، وكتب تقويم البلدان، وكتب المسالك والممالك، أو كتب العجائب «٢» . والحقيقة أنّنا لو أخذنا بعنوان الكتاب، وهو «كتاب الاستبصار فى عجائب الأمصار» لوجب وضعه بين كتب المجموعة الأخيرة. ولكن الأمر ليس كذلك؛ إذ هو ليس كتاب جغرافية خالصة. فرغم تاريخ تأليفه المتأخر نسبيا نلاحظ أنه يحتوى على خليط من التاريخ والجغرافية من كل لون، مما يجعله أشبه ما يكون بكتب الجغرافية من النوع البدائى الأول. فمن وجهة النظر الجغرافية- ولهذا السبب وحده- يمكن أن يقال بشكل عام إن الكتاب ليس من كتب الجغرافية العلمية المبتكرة، فهو غير مخصص €

стр. 6

لعجائب البلدان، كما يمكن أن نتوقع، وإنما هو مصنف يحوى معلومات دقيقة وأخبار أعامة وأساطير طريفة، جمعت بعضها إلى جانب بعض بغرض تقديم وصف سهل لطيف مستساغ للقارئ لا تثقله الدقة العلمية المتعبة والتى لاتهم سوى الإخصائيين. المصادر: إن مما يعين على معرفة المصادر المختلفة التى أخذ عنها المؤلف معلوماته أن نأخذ بعين الاعتبار أن الكتاب ينقسم إلى ثلاثة أقسام مختلفة هى: الأماكن المقدسة ومصر وبلاد المغرب. والجزء الأول عبارة عن وصف مكة والمدينة، والهدف منه هو تصوير شعائر الحج. والمؤلف يعنى فيه بوصف مكة عناية بالغة، فهو يعدد ضواحيها وتلالها، والجبال المحيطة بها. ثم هو يصف بكل دقة الكعبة ومقاييسها وبابها والحجر الأسود بها. ثم هو يستطرد فى وصف المسجد الحرام، ويصف بئر زمزم؛ وهو خلال ذلك يشرح مناسك الحج. وإلى جانب هذا يصف المساجد الأخرى مثل مسجد الخيف ومسجد وفيما يتعلق بالمدينة يستطرد المؤلف بنفس الشكل عند الكلام عن مسجد النبي وقبره المبجل، ومسجد قبا؛ وينهى وصفه بالكلام عن قبور الشهداء فى سفح جبل أحد. وهذا الجزء عظيم الأهمية نظرا لمعلوماته الدقيقة وطريقته العلمية؛ ولكننا لا نعرف من أى المصادر استقيت مادته. فالمعلومات التى يمدنا بها عن مكة مختلفة عن معلومات الأزرقى (القرن الثالث الهجرى ٩ م) التى ينقلها ابن رسته (نهاية القرن الثالث ٩ م) ، وهى تختلف كذلك عن معلومات ابن جبير المعاصر لمؤلف الاستبصار؛ والمعروف أن ما كتبه الأزرقى وابن جبير يعتبر أهم ما كتب عن مكة والكعبة وأكثره أصالة. وهنا نجد أن المؤلف لا يدين بشيء لهذين الكاتبين. ويمكن بعد هذا أن نفترض أنه نقل عن البكرى الذي كتب فى سنة ٤٦٠/١٠٦٧ كتابه المعروف بالمسالك والممالك. والحقيقة أن كتاب البكرى هو المصدر الرئيسى لصاحب الاستبصار €

стр. 7

بالنسبة للجزء الخاص بمصر والمغرب، ولكن ضاعت من كتاب البكرى الفصول الخاصة بالأماكن المقدسة؛ وهكذا فلا سبيل إلى القول بأن صاحب الاستبصار نقل هذا الجزء أو شيئا منه عن البكرى أو لم يفعل. وفيما يتعلق بوصف المدينة ومسجد النبي لا نعرف أيضا المصدر الذي أخذ عنه الاستبصار، ومعلوماته تختلف عما كتبه ابن رسته وابن جبير. وهنا نجد أن المؤلف يقول إنه فى سنة ٥٢٨/١١٣٣- ١١٣٤ كان يوجد فى رواق المسجد وطاء طبرى (ص ٤١) . وهذا يحملنا على الظن أن الجزء الأول من الاستبصار نقله مؤلفه سنة ٥٨٧/١١٩١ عن مصدر لم يصل إلينا كتب سنة ٥٢٨ أو بعد ذلك. أما الجزء الثانى من كتاب الاستبصار فيوضع بصفة عامة ضمن ما كتب عن عجائب العالم: فكل ما يحويه عبارة عن غرائب وأشياء مدهشه فريدة فى نوعها. وزيادة على ذلك نلاحظ أن خطة الفصول الخاصة بمصر تنقسم على فترتين: فترة مصر القديمة، التى تنقسم بدورها على فترتين يفصل بينهما الطوفان؛ ثم فترة مصر الحديثة أى العربية. وتبدأ الفترة الأولى بوصف عام للبلاد، وتنتهى بظهور الإسلام وفتح مصر على أيدى العرب. والفترة الثانية خاصة بوصف المدن المصرية، وتبدأ بقصة الفتح منقولة عن ابن عبد الحكم. والحقيقة أن هذه التقسيمات ليست مقبولة إلا بصفة عامة، وذلك أن المعلومات الجغرافية والتاريخية، القديمة منها والحديثة، تختلط وتتداخل خلال التقسيمات الصغيرة بعد ذلك بشكل لا يدع مجالا للتفرقة بينها. والمؤلف يستخدم فى تصنيفه لهذه الفصول خمسة مصادر مختلفة يذكرها فى بعض الأحيان، وهى: المسعودى (توفى ٣٤٥/٩٥٦) ؛ وابن وصيف- شاه الذي يظن أنه فارسى الأصل وأنه كان يسكن بلدة اخميم، الذي يكتب حوالى سنة ١٠٠٠ للميلاد (أواخر القرن الرابع الهجرى) (ص ٦٠ هامش ٢) ، وكان عالما بتاريخ مصر القديمة- حسب مفهوم ذلك التاريخ فى العصور الوسطى بطبيعة الحال؛ وابن عبد الحكم؛ ثم البكرى. وأخيرا هناك معلومات الناظر الشخصية وهى تتعلق فى معظم الأحيان بالأحداث التى عاصرها، وهو فى كل مرّة يسبقها بكلمتى: «قال الناظر» . والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: €

стр. 8

هل أخذ المؤلف معلوماته مباشرة عن المصادر التى يذكرها؟ هنا نلاحظ أن القطع الباقية من كتاب البكرى والخاصة بمصر (مخطوط المكتبة الوطنية بباريز، القسم العربى، رقم ٢٢١٨) تشبه بشكل واضح، من حيث الخطة ومن حيث التفصيلات، الفصول المماثلة من الاستبصار. وهذا يجعلنا نعتقد أن صاحب الاستبصار نقل عن كتاب البكرى معلوماته التى أخذها عن المسعودى وابن وصيف- شاه وابن عبد الحكم. وهذه الملاحظة لا تمنع من أن يكون المؤلف قد قرأ هذه الكتب التى كانت شائعة فى عصره، وأن يكون قد أخذ منها معلومات أضافها إلى ما كتبه البكرى. ورغم أنه لا يذكر كتاب الإدريسى فالظاهر أنه تأثر به فى أكثر من موضع. والمؤلف عندما يعالج قصة الفتح العربى لمصر ينقل عن ابن عبد الحكم كما سبق أن نقل البكرى؛ وفيما يختص بمصر القديمة يذكر ابن وصيف- شاه وينقل عنه. وفى مجال التاريخ القديم هذا لا ننتظر من المؤلف شيئا جديدا، وذلك على عكس ما كنا ننتظره منه من المعلومات الجديدة عندما يعالج موضوع المدن المصرية، كما فعل بالنسبة لمدن المغرب، وهذا ما لم يفعله. فالصليبية فى الشام كانت على أشدها والمدن المصرية كانت مسرحا لعدد من المآسى التى كان لها صداها فى المغرب. ولكن المؤلف الذي خصص صفحات- فى آخر هذه الفصول- للصليبية وانتصار صلاح الدين اكتفى بنقل الوصف التقليدى للمدن المصرية كما فعل المسعودى وابن عبد الحكم والبكرى. وأكثر من هذا فإنه يؤخذ عليه أنه كاد يوقع القارئ فى الخطأ عندما أهمل ذكر المصدر الذي نقل عنه، وغيّر شكله إلى حد ما ذاكرا تاريخ الوقت الذي كان يكتب فيه هو نفسه. والمثال لذلك هو معلومات المسعودى عن مدينتى تنّيس ودمياط التى يذكرها صاحب الاستبصار ويختمها بالشكل التالى: «ويسكن بجزيرة تنيس ودمياط نصارى هم الآن تحت الذمة بحمد الله، ونحن فى سنة ٨٦ [٥] [١١٩٠] » (ص ٨٨) ؛ كما لو أن هذه الحقيقة كانت واقعة على أيامه أو كما لو أنه حققها بنفسه. وهو فى الحقيقة لم يعرف €

стр. 9

أن تنيس كانت هدفا لعدد من غارات الصقليين والصليبيين، وأن أهلها جلوا عنها فى سنة ٥٨٨ [١١٩٢] عندما كان يعيد النظر فى تأليفه (هامش ١ ص ٨٨) . وما أن يترك المؤلف مصر ليعالج بلاد المغرب والسودان حتى يتخلص من آثار الماضى التى تسلطت على نفسه وقلمه، فهو يسجل ما يشاهده ويعطى وصفا أكثر دقة. وإذا ما راعينا أنه كان مغربيا وبالتالى عارفا بالبلاد التى هى موطنه، فهمنا بسهولة أن هذا القسم من الكتاب يفوق فى أهميته ما سبقه من الأقسام. هنا نجد أن المصادر التى يأخذ عنها الكاتب معلوماته والتى يذكرها هى، المسعودى والبكرى- وهذا الأخير يعتبر المصدر الأول للقسم الثالث من الكتاب خاصة. هذا إلا أن مجهود المؤلف لا ينكر، فهو ينتهج منهجا خاصا به، ويعطى معلومات شخصية فى غاية الأهمية، لاسيما عن إفريقية والمغرب الأقصى. أهمية الكتاب: يعتبر الكتاب مصدرا لمعلومات متنوعة الألوان من جغرافية وتاريخية وأثرية. وهو يسهب فى وصف رخاء مصر الزراعى، الذي يرجع إلى النيل، ويؤكد بصفة خاصة خصوبة منطقة الفيوم. والفيوم تجذب انتباهه بفضل عمليات المياه فيها، وهذه تزيد من مزروعاتها وفواكهها. وفيما يتعلق بمنطقة الفرما يذكر أن تمرها يعد من عجائب الدنيا. أما عن معادن الزمرد الواقعة بين مدينة قوص ومدينة أسوان فهى موضوع خصب لاسترسال قلمه وإسهابه. وهو بعد ذلك يعتنى بصناعة النسيج فى دمياط وتنيس، حيث كانت تصنع أردية لا تدخل فى نسجها خيوط الذهب، ويساوى الرداء منها مع ذلك مائة دينار. وكانت حرفة صيد السمان مربحة لأهالى المدينتين. وفى هذا العصر كانت مدينة عيذاب ميناء مهما منه تتجه المراكب نحو الحجاز واليمن والهند وغيرها من البلاد. €

стр. 10

وفيما يختص ببلاد المغرب يبين الكتاب الثروة الزراعية والمعدنية لكل مدينة مثل: حرير قابس، وزيت سفاقص الذي يصدر إلى صقلية وإيطاليا وفرنسا (الأرض الكبيرة) ، ومنسوجات سوسة، وأسماك بنزرت، ومرجان طبرقة، وتمر الواحات وبلاد الجريد، وذهب البلاد الواقعة بين الواحات ومصر، وفستق قفصة، وقمح باجة، وصوف وجّة، ونحاس فاس، وزيت مكناسة وضواحيها، وجلد اللمط والملح ثم السكر، بصفة خاصة، التى اشتهرت بها بلاد السوس، والتى كانت تصدرها إلى كل بلاد المغرب والأندلس وإفريقية، وكذلك النحاس المصنوع والعسل والنبيذ والدقيق والعنبر الممتاز. وعندما يتكلم عن بلاد السودان يستطرد فى ذكر الشب الأبيض وحجر المغناطيس. ومن الناحية التاريخية يحتوى الكتاب على معلومات مختلفة فى طبيعتها، وفى قيمتها: كالقصص التاريخية القديمة المنقولة عن كتب معروفة أو مفقودة وهى من طبقة الأساطير ذات القيمة الأدبية فقط؛ ومثل الوثائق التاريخية المعاصرة ذات الأهمية البالغة. والقسم الأول الذي يصف الأماكن المقدسة بشكل مطول مهم بالنسبة لتاريخ الفن، ولا سيما إذا نظرنا بعين الاعتبار إلى ندرة المصادر الخاصة بالآثار، مما يجعل مهمة مؤرخ الفن من الصعوبة بمكان. والقسم الخاص بمصر يعطينا فكرة عن الروح التى كانت تسيطر على مفهوم تاريخ مصر القديمة: فكل ما هو قديم ينبغى أن يكون عجيبا دون اعتبار للوثائق الأكيدة الموجودة فى متناول الأيدى. وهكذا قيل إن الرصاص استعمل بدل الملاط فى بناء الأهرام؛ وكان يكفى النظر فى هذه الآثار للتأكد من أن الأمر ليس كذلك. وترتب على هذه الفكرة أن أصبح الجزء الثانى من الكتاب- على عكس الجزء الأول الجاف- ذا صبغة أديبة بصفة خاصة. والفصل الخاص بمدينة الإسكندرية مهم جدا؛ ففيه يصف المؤلف المنار المشهور بإسهاب، ويبين موقع المدينة من الناحية العسكرية، وكيف أنها كانت هدفا لتهديدات الأعداء التقليديين النصارى، وخاصة الصقليين €

стр. 11

منهم. أما عن جهاد صلاح الدين وانتصاره على الصليبيين، وسفار ابن منقذ إلى المنصور الموحدى، فقد شغلت عدة صفحات مهمة ك نأمل لو أنها زادت إلى أكثر من ذلك. والقسم الأخير الخاص بالمغرب مهم جدا بالنسبة لتاريخ الموحدين. فصاحب الكتاب يندد بمرارة بثورة على بن غانية فى إفريقية، ويدافع عن موقف سيده الأمير. أما المعلومات المتعلقة بالمغرب الأقصى فهى أصيلة ومهمة للغاية: مثل المجهودات المعمارية التى قام بها أمراء الموحدين الثلاثة الأول، وخاصة يعقوب منهم: كعمليات المياه، وبناء المساجد والقصور، ثم إنشاء الحصون فى مدن مراكش وفاس ومكناسة. من كل ما تقدم يتبين أن كتاب الاستبصار يعتبر حقيقة موسوعة تاريخية جغرافية مختصرة. تحقيق النص: وقد رجعنا فى تحقيق النص إلى مخطوطات ثلاث: واحدة بالمكتبة الوطنية بباريز (القسم العربى رقم ٢٢٢٥) ، وهى بخط مغربى مقروء، ولكن تنقصها الورقات الأولى والأخيرة، هذا بالإضافة إلى بعض النقص الذي يوجد فيها من حين لآخر، واثنتان بالمكتبة الوطنية بمدينة الجزائر: أولاهما (رقم ١٥٦٠) فى حالة جيدة وهى كاملة؛ والثانية (رقم ٣٢١٦) رغم أنها كاملة، إلا أنها فى حالة رديئة وذات خط غير مقروء فى بعض الأحوال. وإلى جانب ذلك رجعنا أخيرا إلى طبعة فون كرمر (von kremer) الخاصة بالمغرب والتى نشرها عن مخطوط لا نعرف مصيره، وهى تحتوى على كثير من النقص. ولقد رمزنا لمخطوط باريز بالحرف «ب» ولمخطوطى الجزائر- حسب ترتيبهما المذكور- بالحرفين «ج» ، «م» ، ولطبعة كرمر بالحرف «ك» . €

стр. 12

وأول ما نلاحظه هو أن الأخطاء الإملائية الكثيرة والنحوية فى بعض الأحيان، وكذلك اختلاف أسماء الأعلام، تبين أن هذه المخطوطات نقلت فى عصر متأخر بالنسبة للمخطوط الأصلى بمعرفة نساخ لم ينالوا حظا كبيرا من الثقافة. وترتب على ذلك أن اضطررنا إلى الرجوع- فى كثير من الأحيان- إلى المؤلفات القديمة، ومن ذلك أن جامع «الخيف» كتب فى جميع ما بين أيدينا من نسخ جامع «الحنيفية» (ص ٣٣ وهامش أ) . ورغم اتساع دائرة عملنا نتيجة لذلك فإننا لا ندعى أن النص الذي حققناه قد استقام بشكل كامل لا غبار عليه. فما زالت بعض الكلمات بل وبعض الجمل غير دقيقة أو قليلة الوضوح. وقد صادفتنا عبارات يبدو أنها من مصطلحات العمارة الإسلامية وهى غير محددة المعنى عندنا، وذلك مثل «بحر مرخّم» (ص ١٤- ١٥) أو «حجارة مطرورة» (ص ٣٣، ٣٤) . وقد فهمنا هذه العبارات حسب المعنى العام للجملة. وهكذا أخذنا «بحر مرخم» بمعنى فراغ مكسو بالرخام (الترجمة ص ٩) ، «وحجارة مطرورة» بمعنى حجارة مصقولة محددة أو حجارة مطينة مزينة (الترجمة ص ٢٠) . ونذكر كذلك كلمات «ثوران من نحاس» (ص ٢٠) ولقد فهمناها على أنها مسرجتان (شمعدانان) من نحاس (الترجمة ص ١٢) ، وجملة «فنازعنى فى القرب والشولى فغلبته (ص ١٨٥) " التى فهمناها على أنها: فتناقشنا فى أمر سمك التن والزجر ولكننى فزت عليه. ونذكر أخيرا كلمة «ثليث» (ص ٢٠٠) وهى اسم علم لمدينة فى جنوب مراكش قرب سجلماسة ولا نعرف عنها شيئا. وفيما يختص بالترجمة فقد اجتهدنا فى نقل النص العربى إلى الفرنسية دون تصرف. ولم نخرج عن هذه القاعدة إلا فى الحالات التى يصعب فيها الترجمة الحرفية، ففى هذه الحالات حاولنا نقل المعنى مع الحرص على عدم الابتعاد عن النص على قدر الإمكان. ولقد لاقينا فى هذا صعوبات كثيرة: كالتباين الخفيف بين مفهوم الكلمات ذات المعنى الواحد، والصور التى يصعب نقلها كما هى، والأساليب الخاصة بكل لغة. وعلى الجملة فقد كانت روح كلا اللغتين هى المهددة فى كل هذه الحالات. ويمكن إعطاء أمثلة كثيرة €

стр. 13

لتوضيح هذه العقبات؛ ودون البحث بعيدا فى أعماق النص يكفى النظر فى الصفحات الأولى من الكتاب، حيث تكثر أمثلة هذه الصعوبات. ولقد حرصنا على أن نزود النص بالهوامش المناسبة. والغرض من هذه الهوامش إما تحديد المؤلفات السابقة التى تعتبر من المصادر الرئيسة للنص، وإما مقارنته بها. ولهذا السبب أيضا ذكرنا فى الهوامش بعض المصنفات المهمة من عصور متأخرة. تقديم الطبعة المغربية لما كانت طبعة جامعة الاسكندرية (١٩٥٨) لكتاب الاستبصار في عجائب الأمصار، وهو الكتاب الذي كان أصلا رسالة ثانوية للدكتوراة التي تقدمنا بها إلى جامعة باريس في يونيه ١٩٥١، قد نفدت منذ مدة طويلة. ولما كان الدارسون لتاريخ مكة والمدينة ومصر وبلاد السودان الغربي في العصور الاسلامية حتى القرن السادس الهجري/ ١٢ م في حاجة الى النظر في هذا الكتاب، فضلا عن حاجة دارسي تاريخ أقطار الشمال الافريقي الاسلامية وجغرافيتها، وهو الأمر الذي تنبه اليه منذ مدة طويلة بعض الزملاء الأفاضل والناشرين في تونس وفي مصر، فإنه يسرني أن تقوم الآن دار النشر المغربية بمدينة الدار البيضاء، مشكورة، بمعرفة مديرها السيد البوري محمد سعيد بإعادة نشر الكتاب في طبعة مغربية جديدة، أرجو أن تكون مفيدة للمشتغلين بالتاريخ الاسلامي وتاريخ الشمال الافريقي- إن شاء الله. هذا، ولقد قمنا بتصحيح الأخطاء القليلة بطبعة الاسكندرية الأولى، وعلى الله التوفيق. سعد زغلول عبد الحميد الكويت في ٦/١/١٩٨٥

стр. 14

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد كتاب الاستبصار فى عجائب الأمصار [خطبة الكتاب] الحمد لله عالم الأسرار، غافر الإضرار، الواحد القهار، العزيز الجبار، المنزه الذي لا يقبض يديه سهاد الليل والنهار؛ نحمده حمد معترف بوحدانيته، ونشكره شكر مغترف من بحر نعمته، متقلب فى ظل رحمته. ونصلى على نبيه سيدنا محمد المبعوث بالآيات الباهرة، والبينات القاهرة، الآخذ عن النار بالحجزات، الداعى إلى سبيل ربه بالآيات البينات، وعلى آله الأخيار، وأصحابه الأبرار، صلاة باقية إلى يوم الدين. ونرضى عن نجله الأطهر «ا» ، وسليله الأبر، الإمام المهدى «١» ، الذي جدد رسم الدين بعد البلى، وجاهد فى سبيل الله حق جهاده وأبلى، وإلى طريق الحق [دعا] النفرى والجفلى؛ وعن الخلفاء الراشدين، أئمة الهدى، ومصابيح من رشد واهتدى. ونوالى الدعاء لخليفتهم المبارك الأسعد، سيدنا أمير المؤمنين يعقوب «٢» بنصر تتصل أسبابه بسعادته، وفتح يسوقه القدر وفق إرادته. وبعد، لما كان العلم أنفس ما يقتنى، وأشرف ما به يعتنى، لم يزل ينقله خلف عن سلف ويحمله ذو شرف عن ذى شرف، وجب أن يكون أفضل ما يهديه مهد أو يستهديه مهدى، رغبة فى الاتسام برسمه، والارتسام والدخول

стр. 15

فى رعيته، والاستثئار بحيازة مآثر من تواريخ الأمم، وسير العرب والعجم، إذ كان المرء يقف منها على أخبار من غبر، وآثار من ذهب ودثر، ويشاهد ممالك ذهبت وبادت «ا» ، كأنها عادت إلى الحياة أو كادت: لم يبق شىء من الدنيا أسرّ به ... إلا الدفاتر فيها الشعر والخبر مات الذين لهم فضل ومكرمة ... وفى الدفاتر من أخبارهم آثر وقديما وضع «ب» الناس التواريخ ورتبوها، ودونوا الأخبار وكونوها، حرصا منهم على نظم فرائدها وتقييد شواردها، وما زال واضعوها يتقلبون بين إكثار وإقلال، وإسهاب واختصار، وكلهم يجرى على طريقة إلى غاية يضيفها ويسطرها. وكثيرا ما خلد خدم العقلاء ملوك أزمنتهم بالتواريخ المؤلفة والتواليف المزخرفة، تفننا لمسراتهم وترضيا لمبراتهم، ولولا ذلك لم يحصل الأخر على علم الأول، ولا عرفت أخبار الملل والدول. ولذلك رأيت الشيخ الأجل المعظم، الأغر الأسنى، الأمجد المكرم، أبا «ج» عمران بن الشيخ الأرفع، المرحوم أبى يحيى بن وقتين «١» أدام الله علاهم، ووصل مجدهم وسراهم، قد أبرز على الفضلاء فضلا، وأربى على النبلاء نبلا، وزاد على أهل زمانه فى العلم والحلم، وغبطة بالعلم ووصل العلماء ومراضاة الفقهاء. وكانت همته السامية إلى طراف الأخبار، وإيثار أهل الآثار، إلى أن شادت بذلك الرفاق، وامتلأت بحديثه الآفاق، ونازعتنى الرغبة والتصدى لشكر النعمة، إلى أن أطرز باسمه كتابا يجمع بين الأخبار والصحائف، ويأخذ بطرفى شرائد الطرائف، متضمنا بذلك إحسانه، راجيا بذلك فضله وامتنانه بمنه حسبما أردته. و [لما] اتسق وصفه على ما اخترت، سميته بكتاب الاستبصار فى عجائب الأمصار، بعد أن قصدت فى أكثره التحقيق واطرحت فى مستودعه التلفيق.

стр. 16

وابتدأت بمكة شرفها الله تعالى، وما يجب ذكره من وصف حرمها، وأسماء الجبال المحيطة بها، وذكر أرباضها، ووصف المسجد الحرام بحسب الوسع، وذرع الكعبة من خارج، ووصفها من داخل. ووصفت الصفا والمروة، وعرفة ومزدلفة، ومنى وجبل الرحمة، مع شريعة إبراهيم ﵇ وصفة بطن محسّر إلى غير ذلك من المناسك، وصفة مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة. ووصفت منبره ﵇، ووصفت عدد أبواب المسجد، وجميع ما فيه من العمد «ا» وعدد ما فيه من القناديل، ووصف روضته ﵇. ثم وصفت بقية المدينة، وروضة عثمان رضى الله عنه ووصفت مسجد قبا، وقبور الشهداء «ب» بأحد رحمة الله عليهم تبركا بذلك وتيمنا بالاستفتاح به. ثم عدت إلى بلاد مصر وما فيها من العجائب، ووصفت نيل مصر وعدد أمياله، من وسطه إلى موقعه، وذكرت بناء الأهرامات والبرابى «ج» ومن بناها، وصورتها وطولها وعرضها وما صنع فيها من العجائب؛ وذكرت من عمرها من الملوك قبل الطوفان وما نزل بها بهذا الطوفان؛ وذكرت فتحها فى أيام سيدنا عمر «د» بن الخطاب رضى الله عنه. ثم عدت إلى مدينة الإسكندرية، ووصفت بناءها وصفة منارها وصفة المرآة التى كانت بها وبناءها وتداول الملوك عليها. ثم ذكرت بلاد إفريقية وما فيها من العجائب، ووصفت مدينة قرطاجنة وآثارها وعجائبها، ووصفت البلاد الى آخر بلاد المغرب. وقسمت أقطارها قسمين، ورتبتها صنفين: فمنها الصحراوية أو ما قاربها، والساحلية وما يليها. ولم أذكر شيئا مما سقته إلا ما كاد ينعقد على أكثره الإجماع، ويتفق عليه العيان والسماع، وللمولى أدام الله تأييده ووصل سعوده، أن يقدر عبده فيما أورده، ويحقق فيما رجاه أمله ومعتمده، فإنه وإن كان قد أنفذ وسعه فى الاختيار، وتوسط بين الإقلال والإكثار، حرى بالاحسان

стр. 17

ظنا، ويرى التغميض عن هناته سنا، إذ هو فيما ذكر كمن حمل التمر إلى هجر «١» . ومنك استعدنا كل غريبة، فأنت غريبة فى عيون الغرائب. وهذا حين أبتدىء بذكر ما أردته فيما أوردته، مستعينا بالله سبحانه، راجيا صفحه وغفرانه، والله سبحانه يمتع الأدب ببقاء المولى، ويشكره ما منح الخلق من يده وأولى: الناس يهدون على قدرهم ... وإننى أهدى على قدركا يهدون ما يفنى وأهدى الذي ... يبقى على الأزمان من فخركا ذكر حدود حرم مكة شرفها الله «٢» حدّ الحرم من ناحية المدينة من ذى طوى «٣» على ثلاثة أميال من مكة، وحده من طريق جدّة على عشرة أميال، وحده من طريق اليمن على سبعة أميال، وحده من طريق العراق على ستة أميال، وحده من طريق الطائف على أحد عشر ميلا فعدد أميال الحرم ٣٧ ميلا «٤» ، ودور الحرم حول مكة ٧٣٣ ميلا «٥» ؛ وكان النبي ﷺ بنى بالحرمين ١٥ مسجدا «٦» .

стр. 18

وصف مكة شرفها الله وأرباضها وأسماء الجبال المحيطة بها ٣ جبل أبى قبيس «١» وهو جبل أدكن (أميل إلى البياض) ، فى رأسه منار يذكر أنه منار إبراهيم ﵇. وفى أصله الصفا «٢» ومن عليه يرقى إليه، ليس «ا» له مرقى إلا على أربعة مواضع: على الصفا، وعلى شعب عمر، وعلى شعب على «٣» رضى الله عنهما، وعلى شعب أجياد الصغير «٤» ، ليس لأبى قبيس طريق يرقى إليه إلا من هذه الأربعة مواضع. وهو أحد الأخشبين «٥» فيما يقال، ويقال إنه أول جبل خلقه الله تعالى ووضعه فى الأرض. وإنما سمى بأبى قبيس لأن رجلا كان يسكنه على قديم الدهر يكنى بأبى قبيس فنسب إليه ذلك الجبل. وهو أقرب الجبال إلى المسجد الحرام، يقابل من مكة ويقابل من الكعبة الركن الأسود.

стр. 19

ثم جبل الخندمة «١» وهو الجبل العالى المستعلى على أبى قبيس من ناحية الشرق، وهو «ا» جبل أحمر محجر فيه صخرة كبيرة بيضاء كأنها معلقة تشبه الإنسان إذا نظرت إليها من البعد، تراها من المسجد الحرام من باب السهميين «ب» الصغير. وفى ذلك الجبل تحصن أهل مكة يوم القرمطى «ج» «٢» . وأسفل «د» من ذلك الجبل، بينه وبين الجبل غار، شعب على رضى الله عنه. ثم الجبل الأبيض «٣» الذي على الأبطح إلى باب منى «٤» ، ومن ذلك الجبل إلى الجبل الأحمر السور، وجعل هنالك بابين من خشب مصفحين بالحديد، وهما على المعلى «ر» «٥» وهما المعروفان بباب منى. وعند هذا الباب آبار «س» بعيدة الرشا يستقى الناس منها، وماؤها ليس بعذب .

стр. 20

جدا. وهذا الجبل الأحمر متصل من مسجد الخيف «ا» «١» إلى الحجون «٢» وفيه الثنية العليا، وعند أصل الثنية بقيع مكة «٣» . وفى شعب منه المحصّب «٤» فى حوز الشعب الذي يقابل الخيف الذي كان ينزل فيه من سلف من الصدر الأول عندهم من منى إلى آخر أيام التشريق «٥» ، فيصلون الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة، وكذلك يدخلون مكة. وقد صح عن «ب» النبي ﷺ أنه فعل ذلك «٦» .

стр. 21

ثم الجبل الذي بظهر دار الندوة «١» يسمى قعيقعان «٢» ، وهو الذي يقابل أبا قبيس، وهو جبل أخضر. وإنما يسمى قعيقعان لأن مضاض بن جرهم نزل به، ونزل السميدع بن جرهم بجبل أجياد، فدارت بينهما حرب عظيمة فى تلك الأيام، فكانت أجياد- أعنى من سكن بها وهو السميدع وآله- أول من جاد بالدم فى الحرم ودعا إلى القتل، وقالت العرب فيها أجياد لأنها «ا» أول من جادت بالدم. ثم جبل أجياد «٣» ، وهو الجبل العالى الأخضر الذي بغربى المسجد الحرام فى رأسه منار يذكر أن أبا بكر رضه أمر ببنائه «٤» ، ينادى عليه المؤذن فى رمضان، ويقابل من الكعبة اليمانى؛ ويخرج إليه من باب إبراهيم ﵇ «٥» . وهو يقابل قعيقعان من ناحية الغرب.

стр. 22

ثم جبل ابن عمران «١» ، وهو الجبل الأسود الذي بين أبى قبيس وأجياد، وهو خلفهما. ويظهر من البعد كأنه بينهما، يقابل من الكعبة الجدار اليمانى؛ وهو أميل إلى الركن اليمانى قليلا. ثم جبل البكا «٢» ، وهو خارج على الجبال المحيطة بمكة، وهو فى العطف الذي فى آخر ذى طوى، عن يمينك وأنت خارج تريد التنعيم «٣» . وهناك عن يسارك المتكا «٤» ، وهو الحجر الذي قعد عليه النبي ﷺ واستراح عند إقباله عليه فيما يذكر أهل مكة، رووه عن مشيختهم. عدد أرباض مكة شرفها الله ولمكة أربعة أرباض منها الحجون «٥» وما حوله إلى المروة «٦» ، وربض قعيقعان «٧» وما حوله إلى باب ذى طوى «٨» ، وربض أجياد الكبير «٩»

стр. 23

مع شعب أبى بكر رضه إلى المسفلة «١» إلى باب اليمانيين، ثم إلى الأبطح «ا» وما حوله من باب منى «٢» إلى شعب على مع شعب عثمان «٣» . ذرع الكعبة كرمها الله من خارج «٤» طول وجه الكعبة وهو الشق الذي فيه الباب، من الركن الأسود إلى الركن الشامى ٢٧ ذراعا «٥» . وعند الثلث الباقى من هذا الجدار من ناحية الركن الشامى، يوقف منبر الخطيب يوم الجمعة ويرفع فى سائر الأيام، وهو منبر كبير مفصل على ثلاثة قطع «٦» . وطول مؤخرها وهو الشق الغربى، من الركن اليمانى إلى الركن الغربى، ٢٧ ذراعا- طول الذراع الذي به هذا الذرع «ب» ٢٠ أصبعا «٧» . وعرضها من ناحية اليمانى إلى الركن الأسود ٢١ ذراعا

стр. 24

ونصف ذراع «١» ، وعرضها من ناحية الشام وهو الشق الشامى وهو الذي عليه الميزاب «٢» «ا» ، من الركن الغربى إلى الركن الشامى، ٢٤ ذراعا «٣» . هذا ذرع البيت من خارج. وذرعه من داخل: طول الجدار «ب» الذي يقابلك إذا دخلت البيت الذي فيه محاريب الفضة «٤» ، وهو الذي صلى عليه النبي ﷺ ، من الركن الغربى إلى الركن اليمانى، ٢٢ ذراعا «٥» . وطول الجدار الذي فيه الباب، من الركن الأسود إلى الركن الشامى، ٢٩ ذراعا «٦» ؛ بسبب «ج» الركن الذي بناه الحجاج بن يوسف فى داخل البيت فى الركن الشامى، وجعل فيه سلما من داخل الركن يرقى منه إلى ظهر الكعبة لتعليق الكسوة «٧» . وعرض الجدار الشامى، الذي بين الركن الغربى والركن الشامى، ١٥ ذراعا ونصف ذراع «٨» ، نقص ذرّع «د» الجدار

стр. 25

من أجل ذلك الركن المذكور. وعرض الجدار اليمانى، من الركن الأسود إلى الركن اليمانى، ١٧ ذراعا ونصف ذراع «١» . وذرع قاع البيت مكسرا ٣٥٢ ذراعا ونصف ذراع «٢» . هذا ذرعه من داخل وتكسير قاعه. وغلظ جدار الكعبة ٥ أشبار «٣» . وارتفاع البيت من خارج، من الأرض إلى أعلى البيت ٣٠ ذراعا: طول جدار البيت منها ٢٧ ذراعا، وعليه طرابزين وارتفاعه ذراع، تعلق منه الكسوة وقد استعلت عليه ذراعا، وكمل بذلك ارتفاع البيت ٣٠ ذراعا «٤» . هذا ارتفاعه من خارجه. وارتفاعه من داخله: جدره كلها من قاع البيت إلى السماء الأولى «ا» ٣٠ ذراعا، ومن السماء الأولى إلى السقف الأعلى ذراعان «٥» . هذا ارتفاعه من داخله. وذكر أن إبراهيم الخليل ﵇ إنما بنى البيت الحرام يوم بناه فى ارتفاع ٩ أذرع «٦» غير مسقف «ب» ، فلما بنته قريش واقتصرت عن طوله ٦ أذرع تركت ذلك فى الحجر، وزادّت فى ارتفاع البيت ٩ أذرع، فكان البيت يومئذ من ١٨ ذراعا

стр. 26

فى الارتفاع «١» . فلما احترق فى زمان عبد الله بن الزبير رضه وأمر ببنائه وزاد فيه ما كان أنقصته قريش، ظهر له عند ذلك قصير الارتفاع، فزاد فى ارتفاعه ٩ أذرع. وقال إن قريشا زادت فيه ٩ أذرع وأنا أزيد فيه ٩، فصار البيت من يومئذ من ٢٧ ذراعا «٢» «ا» فى ارتفاعه، لم يزد فيه أحد من يومئذ. صفة البيت من داخله وفضله وفضل الصلاة فيه ينبغى لمن يحج أن يرغب فى داخل البيت وفى الصلاة فيه، فإن فى ذلك فضيلة كثيرة «٣» . فإذا دخل فيه أحد فليتركع وليلح بالدعاء والرغبة إلى الله، فإنه مشهد كريم. وليخلع نعليه ولا يبصق ولا يمتخط ولينزه ما استطاع فإنها بقعة مكرمة مقدسة مطهرة، كرمها الله وشرفها على بقاع الأرض كلها. وهو قبال البيت المعمور الذي يحجه الملائكة فى السماء كما يحج هذا بنو آدم فى الارض «٤» . وصفة قاع البيت هو مبسوط بالرخام الأبيض، وفى رخامة منها عند دخولك من باب الكعبة مسمار فضة، وكذلك جميع جدره مرخمة بالرخام الأبيض قدر ٩ أذرع «ب» ، وما فوق ذلك منقوش مذهب بفراشة الذهب ليس بصفائح «ج» إلى سماء البيت. وفى ترخيم جدر «د» البيت ألواح حمر وخضر، يقال إن الوليد ابن عبد الملك بعث تلك الألواح من الشام مع الرخام الذي رخم به البيت، ومع ذلك ٣٠ الف دينار، وأمر أن يرخم البيت ويذهب، وهو أول من كساه بالرخام وذهبه.

стр. 27

فمن تلك الألواح فى الجدار الغربى مقابل من داخل البيت ٥ ألواح: ٣ حمر و ٢ أخضران «ا» . وبين هذه الألواح الخمسة فى ذلك الجدار ٣ محاريب فضة، طول كل محراب منها ٥ أشبار وعرضه ٣ أشبار؛ بين كل محراب منها منقوش: «أقبل على صلاتك ولا تكن من الغافلين» . وفى جهة كل محراب منها منقوش: «لا إله إلا الله محمد رسول الله» . وفى ذلك الجدار أيضا مما يجاور الركن اليمانى، فى أعلى الترخيم على رأس اللوح الأحمر، محراب ذهب طوله شبران وعرضه شبر ونصف «١» . وعلى رأس تلك الألواح والمحاريب بحر مرخم فيه مكتوب بالمسك المحلول: «لا إله إلا الله محمد رسول الله» مكرر فى سطرين. وبعد ذلك: «الإمام المطيع لله أمير المؤمنين» «٢» . وفى سطر تحته «ب» : «الإمام المقتدر بالله أمير المؤمنين» «٣» . وفى الجدار اليمانى من تلك الألواح ٤: أخضران وأحمران، فوقهما بحر مرخم فيه مكتوب: «إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة «ج» مباركا وهدى للعالمين، فيه آيات بينات «د» مقام ابراهيم، ومن دخله كان آمنا» «٤» . وفى الجدار الذي كان فيه الباب من تلك الألواح ٣: أخضر بين أحمرين، وفوقهم بحر مرخم مكتوب من طرف عتبة الباب: «ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين» «٥» ؛ «بسم الله الرحمن الرحيم. إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما» «٦» .

стр. 28

وفى الجدار الشامى من تلك الألواح ٣ أيضا: أخضر بين أحمرين، وفوقهما بحر مرخم فيه مكتوب: «وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتى للطائفين والعاكفين والركع السجود» «١» . هذه صفة البيت من داخله وخارجه «ا» . صفة سقف البيت وعمده وسقف البيت على ثلاثة عتب أطرافها من الجدار الشرقى إلى الجدار الغربى «٢» . والعتب على ثلاثة أعمدة من خشب مخروطة على قواعد من خشب فيها مسامير فضة. وهى مصطفة من الجدار الشامى إلى الجدار اليمانى، بين العامود الأول والجدار الشامى ٤ أذرع، وبين ذلك العامود والعامود الأوسط ٧ أذرع، وبين الأوسط والثالث الذي يليه الجدار اليمانى ٧ أذرع، وبين العامود الثالث والجدار اليمانى ٦ أذرع «٣» . وسماء البيت مذهب فى خضرة ليس بمنقوش إنما هو دائر فى خضرة مذهبة. وفى سماء البيت أربعة روازن، للضوء، جميعها مغطاة بحجر أبيض يسمى الطلق، يذكر أن عبد الله بن الزبير بعث به من اليمن فغطى منه «ب» الروازن ليدخل منها «ج» الضوء ولا يدخل منها الماء. واحدة من الروازن على الحجر «د» الأسود، والثانية على وسط البيت بإزاء رأس العامود الأوسط، وثالثة «ر»

стр. 29

على الركن الشامى، ورابعة «ا» على الركن اليمانى «١» . وفى الركن عمود به قصبة فضة «ب» ، وهى التى كانت بها قرط مارية والتميمة وقرن الكبش «٢» . وليس بها اليوم إلا قنديلان من فضة كبيران منقوشان، ومعلاق فضة بقنديلين آخرين لا غير «ج» . صفة باب الكعبة وذرعه وعتبته عتبة الباب من ساج أسود مكتوبة من داخل البيت مذهبة من خارجه. وطول باب «د» البيت ٧ أذرع ونصف ذراع، وعرضه ٤ أذرع الا أربعة أصابع «٣» . وهو مكسو بصفائح الفضة المذهبة، وله حلقتان من فضة بيضاء غير مذهبتين. وكان قفل البيت من نحاس أحمر مذهب، بعضه قد انكشف وبقى بعضه مذهبا، وهو اليوم «ر» حديد مكسو بالفضة «٤» ،

стр. 30

طول القفل شبر. والباب فى الجدار الشرقى، بينه وبين الركن الأسود ٥ أذرع، ويسمى هذا الموضع الملتزم «١» ، بينه وبين الركن الشامى ١٨ ذراعا، وارتفاع الباب من الأرض ٥ أذرع «٢» . صفة الحجر الأسود وارتفاعه فى الركن وفضله الحجر الأسود على ثلاثة أذرع من الأرض «٣» ، وطول ما يظهر منه فى الركن شبر غير أصله فى الجدار شبر «٤» . وهو مصدوع مكسور على ثلاثة قطع: اثنتان كبيرتان وواحدة صغيرة «٥» ، ذكر أن عبد الله ابن الزبير كان ألصقه وشده بالفضة وأدخله فى الركن. وكان قد بقيت القطعة الصغيرة منه عند بنى شيبة، فلما رده القرمطى بعد أخذه، ألصق بالّك وأضاف إليه بنو شيبة القطعة الثالثة، وأفرغ حوله الفضة ودارت الفضة بينها حتى صار كشبه العين «٦» .

стр. 31

وفيه أيضا طرق كثيرة غير الصدع؛ فأكثر من استلامه ومن «ا» الركن اليمانى، فإن ذلك يحط الخطايا «١» . وتقول عند استلامه: بسم الله، والله أكبر، اللهم إيمانك وتصديقا لما جاء به نبيك ﵇. صفة الحجر وذرعه «٢» الحجر مكعب يشبه الصهريج ليس بالمربع، مرخم قاعه وحوائطه بالرخام الأبيض، طرفاه ليسا بملصوقين بركن البيت، يقابلان من الأركان الشامى والغربى. بين طرفى حائط الحجر الواحد والركن الشامى ٨ أذرع، وبين الطرف الثانى والركن الغربى ٦ أذرع، وهما بابا «ب» الحجر من حيث يدخل إليه «٣» . ودور الحجر ٤٥ ذراعا ونصف ذراع «٤» ،

стр. 32

وطوله من جدار البيت إلى آخر جوف الحجر ٢٠ ذراعا «١» ، وعرض ما بين طرفيه ٢٥ ذراعا «٢» لأن طرفه الواحد يخرج عن ركن البيت الشامى قدر ذراع وكذلك مقابله. والميزاب فى وسط ذلك الجدار الذي على الحجر «٣» فى وسط ما بين طرفى الحجر، لاصق بجدار الكعبة رخامتان خضراوان تجر إلى صفرة، ملصوقتان «ب» بالرصاص يقع عليهما ماء الميزاب. وارتفاع حائطه ٥ أشبار، وعرض غلظه أربعة أشبار، مسطح أعلاه بالرخام الأبيض. وعلى ظهر الحائط فى وسطه مما يقابل الميزاب رخامة خضراء، تجعل صدرك عليها للدعاء فى تمام كل أسبوع؛ هذه صفة الحجر. صفة المقام حجر لونه بين الدكنة والحمرة، منقط بنقط سوداء، له رأسان مختصر الوسط مخروم جدا، وعمق الأقدام فى الحجر أكثر من ثلثى الشبر يزيد نصف أصبع «٤» . صفة القدمين في الحجر: وصفة القدمين فى الحجر إبهام الواحد إلى كعب الثانى. وأصابع القدم اليمنى مما يلى مستقبل المقام، وكعب ذلك القدم إلى البيت الحرام، وأصابع القدم الشمال إلى البيت الحرام، وكعبه مما يلى مستقبل

стр. 33

المقام، وبين القدمين غلظ مما يلى البيت الحرام ثلاثة أصابع، ثم يضيق «ا» فيرجع فى وسط المقام إلى أصبعين مغلقين، ثم يضيق حتى يرجع فى آخر الجبهة مما يلى مستقبله إلى أقل من غلظ أصبع «١» . ذكر صفة المقام: والمقام مكسو بغاشية فضة، فى الرأس الأعلى منقوش فى الغاشية مقابل مستقبله «سبحان الله» ، وفى الجهة التى تلى زمزم «والحمد لله» ، وفى الجهة التى تلى البيت الحرام «لا إله إلا الله» ، وفى الجهة التى تقابل دار الندوة «والله أكبر» «٢» . وفى المقام، فى رأسه الأسفل، مقابض فضة ملصقة فى الغاشية يرفع بها المقام عند تحريكه وغسله. وهو قاعد فى وسط حويض من رخام أبيض مربع مكسو بغاشية فضة، عمق الحويض ٤ أصابع مغلقة فيه حلقتان. تنزل على المقام مكبّة من خشب ارتفاعها ٤ أشبار، وتدخل تلك الحلقتان فى فتح فى المكبّة ويضرب عليهما قفلان الواحد من جانب زمزم والآخر من جانب دار الندوة. ولها مكبة أخرى من حديد فإذا قرب الحج وكثر الناس وأتى المرور، رفعت مكبة الخشب وأنزلت مكبة الحديد «٣» ، ويوضع عن يمين المكبة وعن يسارها كرسيان من خشب يجعل عليهما ثوران من نحاس عليهما شمع من قير. وبين المقام والكعبة ٣٠ ذراعا، وبينه وبين حد الطواف ١٢ ذراعا. فعرض الطواف هنالك ٤٢ ذراعا، وليس يقابل باب الكعبة إنما يقابل وسط جدارها.

стр. 34

صفة بئر زمزم وذرعها وذرع قبتها وما فيها من الماء وفضلها «١» يستحب لمن حج أن يستكثر من ماء بئر زمزم «ا» ، ويكون منه شرابه ووضوؤه ما أقام بمكة، ويكثر من الدعاء عند شربه وليقل إذا شربه: «اللهم إنى أسألك علما نافعا وشفاء من كل داء» ، فإنه لما شرب. ويستحب لمن حج أن يتزود منه لبلده «ب» فإنه شفاء لمن استسقى موقنا ببركته «٢» . قال ابن عباس: «اشربوا من شراب الأبرار وصلوا فى مصلى الأخيار» ؛ قال وشراب الأبرار ماء زمزم «ج» ومصلى الأخيار تحت الميزاب «٣» . وغور بئر زمزم من أعلاها إلى قاعها ٧٢ ذراعا «٤» ، ومن وجه الماء إلى أعلى البئر ٣٤ ذراعا، ومن وجه الماء إلى قعر البئر ٣٨ «د» ؛ ذراعا «٥» ؛ ويذكر أنها تقرب ليلة النصف من شعبان فى وسط الليل «٦» . وذكر أيضا أنه ليس يبقى أحد بمكة إلا يطهر منها تلك الليلة، فيخرج منها من الماء ما لا يعلمه إلا الله ﵎، فما زادت ولا نقصت «ر» ولا تغير الماء عن حاله. وكذلك فى المواسم ما نقصت شيئا إلا

стр. 35

أن الماء يتمكن قليلا فى المواسم. وقيل إنها غارت فى سنة ٣٢٤ وعطلت أياما، وكانت تجم ليجتمع فيها الماء. وذكر أيضا أنها جفت فى بعض تلك السنين حتى أن رجلا دخل «ا» فيها فصلى فى قاعها ركعتين «١» . ودور سعة البئر ١٨ ذراعا «٢» ، وذرع سورها ٦ أذرع «٣» ، وعليها قبة مربعة على ١٦ سارية «ب» منقوشة كلها «٤» ، و ٤ أركان معلقة بشراجيب الحديد ترجع إلى باب لطيف من ناحية قبة الشراب، ويعرفها أهل مكة بساقية زبيدة «٥» . قاعها مبسوط بالرخام، وسقفها ملبس منقوش من داخله بخشب الساج «ج» «٦» ، معمول من خارجه بالفسيفساء، مصنوع من زاج قد جعل فيه فرشة الذهب. وفى أعلى القبة قبيبة فيها سلسلة من نحاس، يوقد على جميعها الشموع ليلة الختمة فى رمضان. وعليها يرتفع الداعى لأمير المؤمنين بالدعاء «٧» ، وله مرتب على ذلك. وقبة زمزم هذه تقابل من الكعبة الملتزم وهو ما بين الركن الأسود وباب الكعبة «٨» ، وركن القبة خارج عن ركن الكعبة؛ ودور القبة من داخل: صهاريج يصب فيها الماء، يتوضأ الناس منها للصلاة.

стр. 36

صفة قبة الشراب «١» وبإزاء بئر زمزم قبة الشراب، وهى مقبوة على أرجل من خشب، مغلوف بينها بالشرجب، ترجع إلى باب صغير من جانب دار الندوة. وذرع القبة ٨٠ ذراعا، وقاعها معمول بالجيار فيه خواب مملوءة بالماء يسقى الناس منها من المغرب إلى العتمة؛ سقفها معمول بالفسيفساء، فى أعلاها زج «ا» يشبه صورة طائر من نحاس تديره الرياح؛ بينها وبين قبة زمزم ٣٥ ذراعا. صفة بيت اليهودية «٢» هو داخل المسجد الحرام، وهو بيت مربع أعلاه مشرف، جدره ملبسة بالجيار. وليس فى المسجد الحرام بناء غير ما وصفت. صفة المسجد الحرام وذرعه وما فيه من الصنع وفى المسجد الحرام أربع أئمة: فالإمام الشافعى إلى المقام، والإمام المالكى إلى الركن الغربى، والإمام الحنفى إلى الميزاب، والإمام الحنبلى يصلى إلى الركن اليمانى «٣» . وطول المسجد الحرام من ركن بنى شيبة، وهو الباب الذي يدخل الناس منه أول ما يدخلون المسجد الحرام، إلى ركن بنى جمح الذي عند باب السهميين الكبير ٤٠٧ أذرع «٤» . وعرضه من باب السهميين، وهو ركن

стр. 37

بنى جمح، إلى ركن منى وأجياد الكبير الذي على باب اليمانيين ٢٨٠ ذراعا «١» . هذا ذرع المسجد الحرام فى الطول وفى العرض. وللمسجد الحرام خمس منائر «٢» : منارة فى ركن أجياد، ومنارة على ركن أبى قبيس- وفى ركن ذلك المنار مما يلى دار إبراهيم الخليل «٣» ﵇ الميل الأخضر «٤» الذي منه ابتداء الهرولة- ومنار ثالث على ركن بنى شيبة، ومنار رابع على باب دار الندوة، ومنار خامس على باب جمح، ويعرف بباب السّدّة. عدد أبواب المسجد الحرام شرفها الله له من الأبواب ١٧ بابا «٥» منها فى الشق الغربى وهو الذي يلى باب جمح وبنى سهم ٣ أبواب «٦» : باب السهمين الكبير وهو باب العمرة ومنه يخرج الناس إلى التنعيم لعمل العمرة، وهو حنية كبيرة بلا سارية. ثم باب

стр. 38

ابراهيم ﵇ وهو ٧ أقواس على ٨ أعمدة «ا» من آجر «ب» ملبسة بالجيار، تدخل منه قبل وصولك إلى المسجد، إلى دار كانت دار الحنطة «ج» زادتها زبيدة «١» . وهى دار مربعة طولها ٥٦ ذراعا وعرضها كذلك «د» ؛ وهى سقائف محمولة على أعمدة من آجر ملبسة بالجيار تشتمل على ٥٢ عمودا. ثم تمضى منها إلى صحن المسجد؛ وخارج هذا الباب على ضفة الوادى بئر غدورة وبئر ابراهيم «٢» ، وهما بعيدا الرشا ملحان لا يشرب منهما. ثم باب جعفر «ر» ، وهو المعروف بباب اليمانيين، وهو قوسان على سارية. وفى الشق الذي إلى جانب الوادى وأبى قبيس ٦ أبواب «٣» : باب البقالين وهو باب أجياد الكبير، ويقابل هذا الباب دار أبى جهل، وهو قوسان على سارية، ثم باب الغزالين وهو قوسان على سارية؛ ثم باب الصفا «س» وهو باب بنى مخزوم، ومنه يخرج إلى الصفا وهو ٥ أقواس على ٤ سوار؛ ثم باب الخياطين وهو باب بنى طلحة، وهو قوسان على سارية وفى هذا الباب يبيع البدو أطعمتهم إذ يأتون إلى مكة. وفى الشق الذي إلى جانب المسعى ٤ أبواب «٤» : باب على «ص» ابن أبى طالب رضه، وهو ٣ أقواس على ساريتين- وفى مقابل السارية الواحدة التى إلى جانب باب النبي ﷺ الميل الأخضر الذي فى ركن دار جعفر لصق دار العباس؛ وهو رجل ملبس بالجيار، قد صبغ بالخضرة، بناه المهدى، جعله علما حيث تنقطع الهرولة. ثم باب النبي ﷺ وهو قوس

стр. 39

صغير بلاسارية، ومنه يخرج إلى الحدائق وإلى الصيادلة؛ وعنده طبل عظيم عرضه ٥ أشبار وهو من خشب تنم عليه رائحة الزنجبيل وهو مجلد من ناحية، يضرب من أول ١٠ ذى الحجة عند كل صلاة. ثم باب بنى شيبة وهو ٣ أقواس على ساريتين، ومنه دخل النبي ﷺ ، ومنه يدخل كل من دخل مكة حاجا أو معتمرا. وعتبته من القوس الأول إلى القوس الثالث هبل «ا» الصنم الأعظم الذي كان فى الكعبة، وكانت قريش تعبده من دون الله فغيره الإسلام عن حاله وجعله عتبة لهذا الباب «ب» تطأه الأقدام؛ وإنما قصد به هذا الباب لأن الناس يدخلون عليه من جميع الآفاق «١» ، والحمد لله على نعمة الإسلام. وفى هذا الشق المسعى وهو ما بين الصفا والمروة «٢» ، وهو بطن المسيل «ج» ، وفيه سوق مكة يجتمع فيه الباعة للمطاعم والصناع. وفى الشق الذي يلى دار الندوة ٤ أبواب «٣» : باب السوارى وهو قوس صغير بلا سارية؛ ثم باب الندوة وهو قوسان على سارية، يدخل منه إلى دار الندوة التى زيدت فى المسجد «٤» . وهى دار مربعة يدخلها تبنيق من جانب دار العجلة «٥» ، وهى سقائف من كل جانب على أعمدة آجر ملبسة بالجيار «د» . طول الدار ٣٢ ذراعا، وعرضها مثل ذلك، وجميع ما فيها من العمد ٧٧ عمودا؛ ولها باب آخر يدخل منها إلى المسجد أيضا يعرف أيضا بباب الندوة «٦» ،

стр. 40

وهو قوسان على سارية مما يلى دار العجلة. ثم باب الطبرى وهو قوس صغير بلا سارية، يقال له باب السّدّة، ومنه يخرج إلى دار جعفر الصادق. وفى هذا الشق أيضا ستة أبواب «١» إلى الدور التى تجاور المسجد الحرام ليست من المسجد فى شىء. عدد سوارى المسجد الحرام وذكر معجزة النبي ﷺ فى ابتياعه السارية الحمراء وجميع ما فى المسجد الحرام من السوارى ٤٧٠ سارية؛ هذا فى السقائف خاصة، وفى أبواب المسجد ٢٦ سارية ليست من العدد الأول. وفى الدارين المزيدتين فى المسجد: دار الندوة ودار الحنطة ١٢٧ «ا» عمودا فكمل بذلك عدد السوارى والأعمدة ٦٢١ عمودا «٢» . والمسجد الحرام من كل جانب ٣ بلاطات فى كل شق من تربيعه «٣» . وفى طول المسجد من ناحية الصحن ٤٦ قوسا، وفى عرض المسجد من جهة الصحن أيضا ٣١ قوسا «٤» ، وفى الوجه الذي يلى دار الندوة- فى وسط المسافة- سارية حمراء كانت ليهودية، وطلبها النبي ﷺ ليبتاعها منها فأبت أن تبيعها منه إلا بوزنها من ذهب، فابتاعها منها ﷺ فأخذها ﵇ بهذا الشرط. فوضعت السارية فى كفة «ب» الميزان ووضع
следующие страницы →