Полный текст (258 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
صفة قبة الشراب «١»
وبإزاء بئر زمزم
قبة الشراب، وهى مقبوة على أرجل من خشب، مغلوف بينها بالشرجب، ترجع إلى باب صغير من جانب دار الندوة. وذرع القبة ٨٠ ذراعا، وقاعها معمول بالجيار فيه خواب مملوءة بالماء يسقى الناس منها من المغرب إلى العتمة؛ سقفها معمول بالفسيفساء، فى أعلاها زج «ا» يشبه صورة طائر من نحاس تديره الرياح؛ بينها وبين قبة زمزم ٣٥ ذراعا.
صفة بيت اليهودية «٢»
هو داخل المسجد الحرام، وهو بيت مربع أعلاه مشرف، جدره ملبسة بالجيار. وليس فى المسجد الحرام بناء غير ما وصفت.
صفة المسجد الحرام وذرعه وما فيه من الصنع
وفى المسجد الحرام أربع أئمة: فالإمام الشافعى إلى المقام، والإمام المالكى إلى الركن الغربى، والإمام الحنفى إلى الميزاب، والإمام الحنبلى يصلى إلى الركن اليمانى «٣» . وطول المسجد الحرام من ركن بنى شيبة، وهو الباب الذي يدخل الناس منه أول ما يدخلون المسجد الحرام، إلى ركن بنى جمح الذي عند باب السهميين الكبير ٤٠٧ أذرع «٤» . وعرضه من باب السهميين، وهو ركن
стр. 37
بنى جمح، إلى ركن منى وأجياد الكبير الذي على باب اليمانيين ٢٨٠ ذراعا «١» .
هذا ذرع المسجد الحرام فى الطول وفى العرض.
وللمسجد الحرام خمس منائر «٢» : منارة فى ركن أجياد، ومنارة على ركن أبى قبيس- وفى ركن ذلك المنار مما يلى دار إبراهيم الخليل «٣» ﵇ الميل الأخضر «٤» الذي منه ابتداء الهرولة- ومنار ثالث على ركن بنى شيبة، ومنار رابع على باب دار الندوة، ومنار خامس على باب جمح، ويعرف بباب السّدّة.
عدد أبواب المسجد الحرام شرفها الله
له من الأبواب ١٧ بابا «٥» منها فى الشق الغربى وهو الذي يلى باب جمح وبنى سهم ٣ أبواب «٦» : باب السهمين الكبير وهو باب العمرة ومنه يخرج الناس إلى التنعيم لعمل العمرة، وهو حنية كبيرة بلا سارية. ثم باب
стр. 38
ابراهيم ﵇ وهو ٧ أقواس على ٨ أعمدة «ا» من آجر «ب» ملبسة بالجيار، تدخل منه قبل وصولك إلى المسجد، إلى دار كانت دار الحنطة «ج» زادتها زبيدة «١» . وهى دار مربعة طولها ٥٦ ذراعا وعرضها كذلك «د» ؛ وهى سقائف محمولة على أعمدة من آجر ملبسة بالجيار تشتمل على ٥٢ عمودا.
ثم تمضى منها إلى صحن المسجد؛ وخارج هذا الباب على ضفة الوادى بئر غدورة وبئر ابراهيم «٢» ، وهما بعيدا الرشا ملحان لا يشرب منهما. ثم باب جعفر «ر» ، وهو المعروف بباب اليمانيين، وهو قوسان على سارية.
وفى الشق الذي إلى جانب الوادى وأبى قبيس ٦ أبواب «٣» : باب البقالين وهو باب أجياد الكبير، ويقابل هذا الباب دار أبى جهل، وهو قوسان على سارية، ثم باب الغزالين وهو قوسان على سارية؛ ثم باب الصفا «س» وهو باب بنى مخزوم، ومنه يخرج إلى الصفا وهو ٥ أقواس على ٤ سوار؛ ثم باب الخياطين وهو باب بنى طلحة، وهو قوسان على سارية وفى هذا الباب يبيع البدو أطعمتهم إذ يأتون إلى مكة.
وفى الشق الذي إلى جانب المسعى ٤ أبواب «٤» : باب على «ص» ابن أبى طالب رضه، وهو ٣ أقواس على ساريتين- وفى مقابل السارية الواحدة التى إلى جانب باب النبي ﷺ الميل الأخضر الذي فى ركن دار جعفر لصق دار العباس؛ وهو رجل ملبس بالجيار، قد صبغ بالخضرة، بناه المهدى، جعله علما حيث تنقطع الهرولة. ثم باب النبي ﷺ وهو قوس
стр. 39
صغير بلاسارية، ومنه يخرج إلى الحدائق وإلى الصيادلة؛ وعنده طبل عظيم عرضه ٥ أشبار وهو من خشب تنم عليه رائحة الزنجبيل وهو مجلد من ناحية، يضرب من أول ١٠ ذى الحجة عند كل صلاة. ثم باب بنى شيبة وهو ٣ أقواس على ساريتين، ومنه دخل النبي ﷺ ، ومنه يدخل كل من دخل مكة حاجا أو معتمرا. وعتبته من القوس الأول إلى القوس الثالث هبل «ا» الصنم الأعظم الذي كان فى الكعبة، وكانت قريش تعبده من دون الله فغيره الإسلام عن حاله وجعله عتبة لهذا الباب «ب» تطأه الأقدام؛ وإنما قصد به هذا الباب لأن الناس يدخلون عليه من جميع الآفاق «١» ، والحمد لله على نعمة الإسلام. وفى هذا الشق المسعى وهو ما بين الصفا والمروة «٢» ، وهو بطن المسيل «ج» ، وفيه سوق مكة يجتمع فيه الباعة للمطاعم والصناع.
وفى الشق الذي يلى دار الندوة ٤ أبواب «٣» : باب السوارى وهو قوس صغير بلا سارية؛ ثم باب الندوة وهو قوسان على سارية، يدخل منه إلى دار الندوة التى زيدت فى المسجد «٤» . وهى دار مربعة يدخلها تبنيق من جانب دار العجلة «٥» ، وهى سقائف من كل جانب على أعمدة آجر ملبسة بالجيار «د» .
طول الدار ٣٢ ذراعا، وعرضها مثل ذلك، وجميع ما فيها من العمد ٧٧ عمودا؛ ولها باب آخر يدخل منها إلى المسجد أيضا يعرف أيضا بباب الندوة «٦» ،
стр. 40
وهو قوسان على سارية مما يلى دار العجلة. ثم باب الطبرى وهو قوس صغير بلا سارية، يقال له باب السّدّة، ومنه يخرج إلى دار جعفر الصادق. وفى هذا الشق أيضا ستة أبواب «١» إلى الدور التى تجاور المسجد الحرام ليست من المسجد فى شىء.
عدد سوارى المسجد الحرام وذكر معجزة النبي ﷺ فى ابتياعه السارية الحمراء
وجميع ما فى المسجد الحرام من السوارى ٤٧٠ سارية؛ هذا فى السقائف خاصة، وفى أبواب المسجد ٢٦ سارية ليست من العدد الأول. وفى الدارين المزيدتين فى المسجد: دار الندوة ودار الحنطة ١٢٧ «ا» عمودا فكمل بذلك عدد السوارى والأعمدة ٦٢١ عمودا «٢» . والمسجد الحرام من كل جانب ٣ بلاطات فى كل شق من تربيعه «٣» . وفى طول المسجد من ناحية الصحن ٤٦ قوسا، وفى عرض المسجد من جهة الصحن أيضا ٣١ قوسا «٤» ، وفى الوجه الذي يلى دار الندوة- فى وسط المسافة- سارية حمراء كانت ليهودية، وطلبها النبي ﷺ ليبتاعها منها فأبت أن تبيعها منه إلا بوزنها من ذهب، فابتاعها منها ﷺ فأخذها ﵇ بهذا الشرط. فوضعت السارية فى كفة «ب» الميزان ووضع
стр. 41
النبي ﷺ فى الكفة الثانية مثقالا فرجح المثقال ببركته ﷺ ، فأخذها ﵇ ووزنها مثقالا واحدا فهذا من براهينه «١» ﷺ . ووجه كل بلاط من ناحية الصحن منزول بالفسيفساء.
عدد قناديل المسجد الحرام وما فيه من الحطيم والثريا «٢»
داخله ١٠ «ا» أرجل من خشب مصفحة بالنحاس تسمى كل واحد منها بالحطيم، تجعل عليه القناديل وتعلق منه بأكواس من زجاج فى رمضان. فمنه حطيم صاحب بغداد وحطيم شاه «ب» ملك العجم وحطيم سنجار ملك الفرس وحطيم السيدة؛ وهذه «ج» من ناحية المقام موقفة. وحطيم الحنيفية من ناحية الشام ينظر إلى الركن الغربى. فحطيم بغداد يتعلق منه ٢٠ قنديلا، وحطيم شاه يتعلق منه ١٠ قناديل، وحطيم سنجار يتعلق منه ١٠ قناديل أيضا، وحطيم الحنيفية يتعلق منه ٦ قناديل. ويتعلق من الذي على زمزم ١٠ قناديل، ويتعلق من الأربعة الباقية ١٨ قنديلا، فعدد ما يتعلق منها ٧٢ قنديلا «د» . ويتعلق من سقائف المسجد الحرام
стр. 42
١٥٠ قنديلا و ٥ ثريات: واحدة على باب إبراهيم الخليل ﵇، والثانية «ا» على باب «ب» الصفا، وثالثة على باب شيبة، ورابعة على باب السوارى، والخامسة على باب بنى جمح «١» .
وأرض المسجد الحرام رملة فى قوام السميد «٢» ؛ وقد رتب فيه نفسان بأيديهما وضفان يرقعانها عند كل صلاة «٣» .
صفة الصفا والمروة
والصفا حجر أزرق عظيم قد بنى عليه درج «ج» ، ومن عليه يصعد إلى أبى قبيس، وعدد درجاته ٣٠ درجة وإلى آخر موضع الوقوف منها «د» ١٨ درجة. والمروة أيضا حجر عظيم كأنه قد انقسم فصار بعضه كذا وبعضه كذا وصار ما بينهما فرجة نحو ١٢ ذراعا، بنى فى تلك الفرجة درج نحو العشرة إلى موضع الوقوف عليها، وبنى فى أسفلها من ناحية الشرق محراب.
وليس يرى من البيت من أعلى المروة إلا قدر ذراعين «٤» .
ذرع المسعى: وذلك من الصفا إلى الميل الأخضر الأول، الذي فى ركن المنار الذي على باب الوادى، وهو ١٨٠ ذراعا. ومن ذلك الميل إلى الميل
стр. 43
الأخضر الثانى، الذي فى ركن دارى جعفر والعباس ١٢٥ ذراعا، ويقابل كل واحد من الميلين الأخضرين مثلهما على شكلهما. ومن ذلك الميل إلى المروة ٤٧٥ ذراعا؛ فجميع ما بين الصفا والمروة ٧٨٠ ذراعا «١» .
صفة منى والجمرة ورميها «٢»
إذا دخلت منى فقل اللهم هذه منى وهى مما دللتنا عليه «ا» من المناسك «ب» ، فأسألك أن تمن علينا فيها مما مننت به على أوليائك وأهل طاعتك وعبادك الصالحين. ومنى شبه القرية التى بنيت على ضفتى الوادى النازل من عرفات «٣» . وفى وسط ذلك الوادى الجمرتان «٤» : والجمرة الأولى
стр. 44
هى جمرة العقبة أول ما تلقى منى فى رأس العقبة على يسار الداخل فى منى من ناحية مكة، فارمها من أسفلها من بطن الوادى بسبع حصيات. وتقول مع كل حصاة «ا» : «لا إله إلا الله والله أكبر على رغم الشياطين «ب» أو الشيطان وخزيه» . فإن رماها قبل الفجر لم تجز وأعاد رميها بعد الفجر ولا ذم عليه.
والحصاة قربان فما تقبل منه رفع، وما لم يتقبل منه بقى «١» . وليس على الخارج بمنى صلاة العيد وإنما صلاتهم فى ذلك اليوم وقوفهم بالمشعر الحرام «٢» .
وأيام منى أيام ذكر الله، قال الله تعالى: «وأذكروا الله فى أيام معدودات» «٣» فالمعدودات أيام منى الثلاثة، ترمى فيها الجمار وهى أيام التشريق «٤» وليس يوم النحر منها لقوله تعالى: «فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه» «٥» فلو كان منها لقال فمن تعجل فى ثلاثة. فالنفر هو فى اليوم الثانى من الثلاثة التى بعد يوم النحر «ج» ، والأيام المعلومات يوم النحر واليومان اللذان بعده، واليوم الرابع للمعدودات خاصة. فإذا رميت جمرة العقبة نحرت هديك واستقبلت به إلى القبلة، وقلت: «باسم الله اللهم منك ولك فأسألك أن تتقبل منى كما تقبلت من إبراهيم «د» خليلك ﵇» . وفى سفح الجبل على جمرة العقبة مسجد وفى حائطه من ناحية الجوف حجر مبسوط أدكن فيه «ر» أثر قدم إسماعيل ﵇ ولد إبراهيم الخليل حين أضجعه للذبح فركض برجله فلان له الحجر
стр. 45
فغرق رجله فيه ﷺ «١» . وفى هذا الموضع أثر الكبش وأسفل من ذلك فى جوف الشعب عند طلوعك إلى العقبة عن يسار الطريق مسجد بيعة «ا» الأنصار التى كانت فى الإسلام، بقى أثره إلى اليوم «٢» . ثم تدخل منى فتلقى الجمرة الثانية عن يسارك على باب مضرب السيل ومضرب المعتز، بينهما وبين جمرة العقبة ٤٠٠ ذراع «٣» ؛ ثم الجمرة الثالثة وهى وسط المحجة بينها وبين الجمرة الوسطى ٣٥٠ ذراعا «٤» . وترمى الجمرات الثلاث بسبع حصيات، وتقول إذا رميتها مثل ما تقدم من القول. وليعلن الحاج بالتكبير أيام منى، ويذكر الله ويكبر فى أى ساعات النهار شاء، ولا يقطع «ب» التكبير حتى يصلى الظهر والعصر بالمحصّب «٥» . فإذا دخلت مكة وطفت طواف الإفاضة «٦» فقل: «اللهم لك الحمد على تسليمك إياى حتى قضيت حجتى مفلحا، قد غفرت لى ذنبى وقضيت لى حوائجى، إنك على كل شئ قدير» «ج» .
فإذا ودعت البيت وصدرت «د» عنه، فلا ترد له ظهرك حتى تغيبه؛ وتقول عند ذلك: «اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا وعملا مقبولا وسعيا مشكورا يا أرحم الراحمين. اللهم لا تجعله آخر العهد من بيتك المعظم «ر» ومن زيارة قبر نبيك المكرم واقلبنى سالما إلى أهلى إنك على كل شئ قدير» .
стр. 46
صفة مسجد الخيف «ا» وذرعه وذكر الغار الذي بقربه «١»
المسجد فى أصل الجبل يمين الطريق إذا سرت إلى المزد لفة من منى.
وهو مبنى من حجارة مطرورة «ب» أكثرها آجر ملبسة بالجيار؛ البيت منه على ثلاث بلاطات، وحول الحصن من جانب سقيفة على أقواس معقودة على أرجل من آجر ملبسة بالجيار؛ جميع ما فى المسجد كله ١٨٥ رجلا «٢» . وطول المسجد ١٧٥ ذراعا وله ٧ أبواب وباب ثامن صغير فى قبلة المسجد قريب من المحراب إلى دار الإمام «٣» . وفى وسط صحنه منار قد تثلم أعلاه «٤» .
وبالقرب من المسجد فى أصل الجبل غار دخله النبي ﷺ منحنيا فلم يتمكن له فيه جلوس حتى لان له فيه الحجر فغرق فيه مرفقه ورأسه ﷺ «ج» ؛ فكل من دخله لا يتمكن له فيه جلوس حتى يضع مرفقه ورأسه فى الموضع الذي وضعه فيه النبي ﷺ «ج» . وفى هذا الغار أنزلت عليه سورة «المرسلات» «٥» فيعرف بغار المرسلات.
صفة مسجد المزد لفة «٦»
ومسجد المزدلفة أسفل من المسجد الحرام على يسارك إذا مضيت إلى عرفات؛ وفيه يجمع ما بين المغرب والعشاء إذا نفرت من عرفات، لقول النبي ﷺ :
«الصلاة أمامك» «٧» . وهو مبنى بحجارة مطرورة دون سقف؛ إنما هو حائط
стр. 47
من جميع جهاته الثلاثة، والوجه الرابع غير قائم وليس له محراب. وفى القبلة منه حجر منقوش. وطول المسجد ٦٣ ذراعا، وعرضه ٥٠ ذراعا «١» ، وارتفاع حائطه ١٠ أذرع. والمزدلفة كلها مشعر الابطن محسّر «٢» . ولا تدع التكبير والتهليل فى نزولك بالمزدلفة، وفى دفعك منها إلى منى وقل:
«اللهم إنى أسألك جوامع الخير كله» ، واسأله ما شئت فإنه «ا» موقف عظيم؛ وخذ حصيات الجمرات من المزدلفة فإنه أحسن «٣» .
صفة المشعر الحرام «٤»
وهو موضع مرتفع، عن يمين الطريق إذا مضيت إلى عرفات، من أصل جبل بنى قزح «٥» فى ذلك إلى الارتفاع. وهو منار من حجارة مطرورة بالجيار «٦» ؛ ارتفاع ذلك المنار ١٢ ذراعا، ودور غلظه ١٢ ذراعا ونصف ذراع. ويرقى إليه من داخله على ١٥ درجة؛ وله باب صغير نحو الكعبة. وحيثما وقفت من المشعر الحرام فكله موقف؛ وارتفع عن بطن محسّر «ب» فتحرك فيه بكل حال إن كنت ماشيا أو كنت راكبا، فهرول حتى تخرج منه فإنها السنة.
стр. 48
صفة عرفات وجبل الرحمة «ا» «١»
وعرفات قرية صغيرة فى جانب بنى ضبّة، غربيها تحت الموقف، عن يمينك إذا استقبلت الموقف. وجبل الرحمة الذي يطلع الناس إليه للدعاء هو أقرب الجبال إلى الموقف؛ وهو جبل صغير ليس بالعالى جدا ينقطع من كل جانب.
وهو على الموقف، وقد بنى حوله شبه الساقية، يرتقى منه إلى الجبل من ثلاثة مواضع من ناحية الموقف، فى الواحد منها ١٧ درجة، وفى الاثنين عشر.
وفى أسفل الجبل منها ٣ صهاريج للماء «ب» ؛ وفى أعلى المبنى مسجد لأم سلمة زوج النبي ﷺ «٢» .
صفة شريعة ابراهيم عم «٣»
وهو حائط مبنى من كل جهاتها غير مسقف، وقد انهدم أكثرها فما بقى منها إلا جدار القبلة وفيه المحراب؛ وعن يمينك إذا استقبلت المحراب ٣ أقواس معقودة يدخل منها الناس. وموضع المنبر هناك عن يمين مستقبل المحراب، طول الشريعة ١٧٠ ذراعا وعرضها ١٥٠ ذراعا. وبقبلى الشريعة بركة للماء، وخلف تلك البركة منبت الأراك «ج» ؛ وهو بطن عرنة، قريبة إلى العلمين اللذين هما حد الحرم. وهناك يجب الارتفاع للماشى والراكب؛ ومن وقف عليه عشية الوقوف «د» فقد فسدت حجته لقوله ﵇: «عرفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن عرنة «٤» » . وقيل إنه من الحرم؛ وعرض ذلك الوادى قدر ٨٠٠ ذراع إلى العلمين «ر» .
стр. 49
صفة بطن محسّر «١» وفى أى موضع هو من المزدلفة
بطن محسّر فى أول دخولك إلى المزدلفة من ناحية الغرب إلى الشرق يشقه الطريق؛ وهو بطن مسيل عرضه ١٠٠ ذراع، ثم تفصل عنه إلى موضع مرتفع وأنت خارج إلى المزدلفة؛ وسقاية عباس هناك عن يمينك، وهى بركة عظيمة ليس بها ماء عظيم «ا» اليوم.
صفة المأزمين «٢»
هما جبلان فى فم المضيق إذا خرجت عن المشعر الحرام تريد إلى عرفات، وتوقد هناك فى ليلة النحر مشاعل كثيرة عن يمين الطريق وعن يساره.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: تم جمع ما شرطنا من وصف مكة- شرفها الله تعالى- فلنذكر الآن صفة مسجد النبي ﷺ بالمدينة وصفة روضته وصفة البقيع وصفة قبور الشهداء «٣» رضى الله عنهم.
стр. 50
صفة مسجده ﷺ
ومسجد النبي ﷺ مستطيل غير مربع، يزيد طوله على عرضه ١٠٠ ذراع «١» . وسماء المسجد منقوشة مدهونة «ا» محفورة مذهبة، كلها على عتب منقوشة على أعمدة خرز «ب» أسود بعضه على بعض ملبّسة بالجيار «٢» .
وهو ليس على أقواس إلا ما كان إلى الصحن، فإنه أقواس معقودة وجوهها منزولة بالفسيفساء على أعمدة من خرز ملبسة بالجيار. والأعمدة التى إلى صحن المسجد هى أقصر من التى عليها سماء المسجد، وتلك الأقواس التى إلى صحن المسجد مغلفة بشر اجيب الساج؛ مقدم المسجد خمس بلاطات معترضة، ومؤخره مثل ذلك «٣» ، ومجنبة المسجد الشرقية فيها ٣ بلاطات معترضة، ومجنبته الغربية ٤ بلاطات «٤» ؛ ومن مقدم المسجد إلى الصحن ١١ قوسا، وكذلك من مجنبته الأخرى. وطول المسجد من ركن منار بلال رضه وهو الذي بإزاء قبر النبي ﷺ «ج» إلى ركن مؤخره، وعرضه من باب جبريل ﵇ وهو الذي بإزاء قبر النبي ﷺ «ج» إلى باب الرحمة التى بجنب دار السيدة ١٧٠ ذراعا.
стр. 51
صفة الروضة التى بين القبر والمنبر
طول الروضة التى بين قبره ﷺ والمنبر ٥٦ ذراعا «١» . وذرع الموضع المرخم الذي فى وسطه الروضة، وهو الموضع الذي كان يقعد فيه النبي ﷺ ، ويستند إلى تابوت من خشب كان يرفع فيه حوائجه ﷺ ، فذلك الموضع اليوم شبه الحوض، مرخم عمقه قدر شبر وطوله ٣ أذرع. والتابوت فيه باق إلى اليوم، وعليه قفل من حديد ما فتحه أحد ولا يعلم ما فى داخله؛ والتابوت فى قبلة الحوض منزول منه إلى الأرض بمقدار ما يتحرك «٢» .
صفة الروضة التى فيها قبر النبي ﷺ - «٣»
قبره ﷺ فى ثلث البلاط الأوسط من ناحية الشرق، وهو فى روضة مخلّقة ولها ٥ أركان: فى الحائط الذي ينظر إلى القبلة منها، فى الركن منه من ناحية المنبر، وجه النبي ﷺ إلى القبلة؛ وعند قدر وسطه ﵇ وجه أبى بكر رضه، وقبال ذلك مسمار فضة علامة لموضع وجهه رضه؛ وعند قدر وسط أبى بكر وجه عمر رضه «٤» ومن ذلك الحائط إلى حائط القبلة ٢٠ ذراعا، وطول هذا الحائط ١٩ ذراعا، وطول الحائط الذي يلى باب جبريل ﵇ ١٥ ذراعا،
стр. 52
وبين هذا الحائط وحائط المسجد الشرقى ٩ أذرع. وطول الثلاثة أوجه سوى هذه ١٥ ذراعا، وارتفاعها من الأرض نحوا من ١٢ ذراعا، وهى مرخمة كلها، وعليها مما يلى سقف المسجد شباك الحديد، وهى مكشوفة ليس لها سقف، ولها سماء إلى سقف المسجد «١» . وقد أسدلت عليها أستار من الديباج الملون إلى قدر ثلثى الحيطان، والثلث الباقى من ناحية القبلة والغرب ملطخ بالعنبر والمسك والزعفران.
وفى الركن الذي عند رأس النبي ﷺ رخامة خضراء ما رأى أحد أجمل منها، جعلت علامة لموضع رأسه «٢» ﷺ .
صفة المنبر
هو من ٨ درجات «٣» يقعد الخطيب منها فى الدرجة السابعة، والثامنة عليها مكبّة من خشب لئلا يرقى عليها أحد لأنها الدرجة التى كان يقف عليها النبي «٤» عم. وبين المنبر وحائط القبلة ٢٠ ذراعا، وبينه وبين المقصورة «٥» ١٢ ذراعا، وبين وجه المقصورة وحائط القبلة ٨ أذرع «ا» .
وفى جانب المنبر من ناحية الروضة حلقة فضة على كوكب فضة تدور لها صوت
стр. 53
إذا حركت، كان النبي ﷺ يشغل بها الحسن والحسين «١» رضه عنهما.
وفى قبلة المنبر، مائلا إلى الشرق قليلا، عمود من أعمدة المسجد قد قطع فيه قدر شبر، ودخل فى جوف العمود الجذع الذي حن لرسول الله «٢» ﷺ .
صفة المحراب
المحراب ليس فى وسط «ا» حائط القبلة، إنما هو أميل إلى الشرق ب ٢٠ ذراعا «٣» . والقبلة مرخمة وعلى الترخيم مكتوب، من باب الرحمة إلى باب السلام، من أول سورة «والشمس وضحها» إلى آخر سورة «قل أعوذ برب الناس» «٤» الخ. وعلى جانب المحراب كوكب كبير، وفى وسطه حجر من ياقوت أزرق يذكر أنه وسط عقد فاطمة الزهراء رضه. وفى قبلة المسجد عن يمين المحراب باب صغير، تحت المقصورة فى وسط البلاط، يهبط منه على درج إلى باب كان يسكن فيه آل عمر «٥» رضه.
عدد أبواب مسجد النبي ﷺ -
وللمسجد ٢٠ بابا: منها فى الجانب الشرقى ٧ أبواب «ب» مربعة بمصاريع مشرجبة؛ وفى الجانب الغربى كذلك منها باب صغير بدفة، وهو قوس
стр. 54
ليس للمسجد باب بقوس غيره «ا» . وفى الجانب الحوفى ٤ أبواب أيضا كبار؛ وباب فى القبلة، وباب تحت المقصورة التى تقدم ذكرها «١» .
عدد ما فى المسجد من العمد «ب»
وجميع ما فى المسجد من العمد ٢٧٦ عمودا «٢» . وللمسجد ٣ منائر على ٣ أركان «٣» : منها على ركن القبلة الشرقى منار، وعلى الغربى منار، وعلى ركن مؤخر المسجد منار. والمسجد مبسوط مقدمه ومؤخره ومجنبّته بالحصى الأدكن. وكان فى البلاط الأوسط عام ٥٢٨ [١١٣٤] وطاء طبرى «ج» مبطّن. وجميع جدره مرخّمة قدر قامتين أو أزيد قليلا، وصحنه مبسوط بالحصى، وهو مغروس بالنخيل. فى البلاط الشرقى بناء قائم يشبه المحراب، ذكر أنه كان موضع صلاة فاطمة رضه. وفى الجوف «د» ، فى وجه البلاط فى الصحن، بناء قائم كأنه بيت، ذكر أنه مخزن المسجد.
عدد ما فيه من القناديل
وفى المسجد من القناديل ٢٨٤ «ر» قنديلا «٤» ؛ وكان يحرق كل ليلة ١٠ أرطال من الزيت.
стр. 55
صفة بقيع المدينة «١»
بقيع المدينة من ناحية الشرق؛ فأول ما تلقى إذا خرجت إلى البقيع قبر مالك رضه، وهو قبر مهمل مبنى بالحجر والطين مرتفع من الأرض نحو ٤ أشبار، وعند رأسه حجر أدكن منقوش تاريخه من يوم مات. ثم تسير منه قليلا وقد بصقت القبور موتاها ورفضت الأرض جميع ما دفن فيها من صغير وكبير، ولم يبق فى بطنها منهم شئ إلا رفضته «ا» على وجهها. فلم يبق عضو من أعضائها ولا عظم من عظامها، ولو كان مقدار خردلة إلا وخرج على الأرض من ناس أهل المدينة خاصة. وترى البقيع شبه المقتلة من دفن قديم وحديث وجماجم الموتى بالية قديمة وأخرى حديثة، فهذا عبرة لمن اعتبر. ثم تسير قليلا فتلقى روضة العباس بن عبد المطلب رضه، ثم روضة إبراهيم ولد النبي عم، ثم روضة عثمان بن عفان رضه، وروضات كثيرة «٢» .
صفة مسجد قبا «٣»
وهو مسجد على ثلاثة أميال من المدينة، تصلى فيه إذا مررت به.
وهو مسجد مربع طوله ٧٠ ذراعا «٤» وعرضه كذلك، مقدمه ٣ بلاطات، ومؤخره مع مجنبته سقيفة واحدة على أعمدة من خرز ملبسة بالجيار عددها
стр. 56
٤٣ عمودا «١» ، وله ٣ أبواب بلا مصارع «٢» . وعلى ركن مؤخر المسجد مكتوب عن يسار من استقبل المحراب: «إن النبي ﷺ دخل على أم أيمن وهى حزينة فقالت له ليس عندى ما أحج به فقال لها صومى أيام العشر ثم ايت مسجد قبا يوم عرفة فصلى فيه ركعتين تنقلبى بثواب حجة» «٣» . ومكتوب أيضا أن سعد بن أبى وقاص رضه قال: «لئن آت مسجد قبا فأصلى فيه ركعتين أحب إلى من أن أزور بيت المقدس مرتين. ولو علم الناس ما فى مسجد قبا لضربوا إليه آباط الإبل» «٤» .
وبئر قبا التى مضمض النبي ﷺ ومج فيها وكانت ملحة فعذبت ببركته «٥» ﷺ ، وهو بغربى المسجد. وبيت سعد بن خيثمة الأنصارى الذي كان يقيم فيه النبي ﷺ بين المسلمين، هو قريب من ركن المسجد الغربى «٦» .
ومن مقدم المسجد والشجرة التى كانت تحتها البيعة سقف، وذلك السقف جزع وهو مغطى بالألواح «٧» .
صفة قبور الشهداء بأحد رحمة الله عليهم
وقبور الشهداء فى أصل جبل أحد «٨» ، أقرب ما يكون منها بأحد حظير «ا» مبنى من حجارة ارتفاعه إلى المحزم «ب» ، فيه من القبور ٣٧ قبرا «ج»
стр. 57
مغطاة بالجندل. وقبر العروسين معاذ بن عمرو بن الجموح وصاحبه معاذ بن عمر اللذين أمر النبي ﷺ أن يدفنا فى قبر واحد «١» ، وهما بغربى ذلك الحظير، بينهما قدر رميتين بحجر؛ وعليه لوحان مكتوبان الواحد من مسن المدينة والآخر من خشب. وقبراهما مقبو عليهما، ارتفاعه قدر القامة عنده ١٢ قبرا. وأسفل من الحظير قبر حمزة بن عبد المطلب «٢» ، وقد بنى حوله حظير، وقطع منه مسجد وقبر. والقبر فى الحظير أمام المسجد غير ممهد، عند رأسه لوح من مسن المدينة فيه مكتوب: «هذا قبر حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ ، أسد الله وأسد رسوله، سيد الشهداء وقائدهم إلى الجنة؛ شهد بدرا وقتل يوم أحد رضه» . وعند ظهره لوح مكتوب فيه: «إن الله أشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون فى سبيل الله فيقتلون ويقتلون» إلى آخر الآية «٣» . وعند رجله لوح مكتوب فيه: «إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما» «٤» . «هذا قبر حمزة بن عبد المطلب، أسد الله وأسد رسوله، شهد بدرا وقتل يوم أحد شهيدا» .
ومن ذلك الحظير على يساره إذا مضيت إلى أحد، عن يمينك قبل أن تبلغ قبر حمزة، مبنى ارتفاعه إلى المحزم، عليه لوح مكتوب من خشب: «هذا قبر سهل بن قيس بن سعد، صاحب لواء رسول الله ﷺ ، شهد بدرا وقتل يوم أحد شهيدا «٥» .
قال المؤلف رحمه الله تعالى: انتهى ما قصدته من ذكر مكة شرفها الله، وما سقته معها من ذكر المناسك، ووصف مسجد النبي عم بالمدينة. والآن أشرع فيما أشترطه من ذكر البلاد بمبلغ الوسع والاجتهاد، والله الموفق للصواب.
стр. 58
ذكر بلاد مصر وما فيها من العجائب «١»
بلاد مصر فى أول الإقليم الرابع، لها من البروج الجوزاء، ومن النجوم عطارد «٢» . وهى من أسوان إلى الإسكندرية، وخصبها وزرعها وفواكهها كثير جدا، يسقى جميعا بالنيل «ا» . والنيل من عجائب العالم لا يعرف له منبع من تحت جبل القمر «٣» ، وراء خط الاستواء بتسع درجات ونصف درجة، يخرج من ١٢ عينا هنالك، يجتمع فى بحيرتين هناك كالبطائح «٤» ، ثم ينبعث من كل بطحة ٣ أنهار، منها نيل مصر وغيره من الأنهار الكبار التى يأتى ذكرها إن شاء الله تعالى. وذلك فى البلاد المحترقة الجنوبية التى لا يكون فيها نبات ولا حيوان، لقرب الشمس من ذلك الموضع «٥» .
стр. 59
قيل ينبعث نيل مصر فى رمال وجبال، ثم يخترق أرض السودان مما يلى بلاد الزنج، ثم ينبعث منه خليج يشق بلاد الزنج يصب فى بحر الزنج «١» . وتظهر «ا» فى هذا الخليج الزيادة التى تظهر فى نيل مصر؛ وفيه التمساح الكائن فى نيل مصر، ويسمى الورل الذي يكون فى الصحراء والبرارى إنما أصله من التمساح.
وذلك أن التمساح يخرج من النيل فيسرح على السواحل، فربما قبض عنه الماء فيبقى فى البر، فيتناسل فيكون منه الورل المشهور. والتمساح لا يوجد إلا فى نيل مصر، أو فى نهر أصله من ماء واحد مع نيل مصر «٢» .
وفى نيل مصر السمك الرعاد «٣» ؛ من صاده لم تزل يده ترتعد ما دام فى شبكته أو فى صنارته. وعلى النيل جبل هامد، يراه أهل تلك الجهة، من انتضى سيفه ثم أولجه فيه، وقبض على مقبضه بيديه جميعا، اضطرب السيف فى يده
стр. 60
فارتعد، ولا يقدر على إمساكه ولو كان أشد الناس. وإذا أحدّ بحجارة هذا الجبل سكين أو سيف لا يؤثر فيه حديد أبدا، وجذب الإبر والمسال أشد جذبا من المغنطيس، ولا يبطل الثوم عمله كما يبطل المغنطيس. وحجر الجبل نفسه لا يجذب الحديد، فإن حدّ عليه الحديد، جذب ذلك الحديد «١» ؛ وهذا من العجائب.
ويقال إن نيل مصر يجرى على وجه الأرض ٧٠٠ فرسخ، ويجرى فى غير عمران مسيرة ٤ أشهر، وفى بلاد السودان مسيرة شهرين، وفى بلاد مصر «ا» مسيرة شهر، من أسوا نإلى أن يصب فى البحر بحلق رشيد بشرقى الإسكندرية «٢» . وذكر هورشيش الرومى «٣» فى تاريخه أن منبعه إلى موقعه ٩٩٠٨٣٠ ميلا «٤» . والنيل مخالف لكل نهر من أنهار الأرض: لأن كل نهر يستقبل الجنوب، والنيل يستقبل الشمال، فهو مخالف لجميع أنهار الدنيا؛ وعلة ذلك أن منبعه من الجنوب؛ قال الشاعر:
بلاد مصر شأنها عجيب ... ونيلها تجرى به الجنوب «٥»
قيل وليس فى الدنيا نهر يسمى بحرا ويمّا غير النيل؛ قال الله تعالى: «فإذا خفت
стр. 61
عليه فألقيه فى اليم» «١» ؛ والعرب تسميه بحرا. وليس فى الدنيا نهر يفيض على الأرض ويزرع عليه ويغنى عن المطر غير النيل. وقيل إن بلاد مصر ٣ أشهر درة بيضاء، و ٣ أشهر مسكة سوداء، و ٣ أشهر زمردة خضراء، و ٣ أشهر سبيكة حمراء. وتفسير ذلك أن النيل إذا استوى، طما جميع أرض مصر فتبقى قراها وضياعها فى رواب وتلال كأنها الكواكب، ويتصرف الناس بينها فى الزوارق فتكون الأرض كدرة بيضاء. ويمكث عليها الماء ٣ أشهر، فإذا قبض عنها الماء أخذ الحراثون فى بذر الزرع، فتمكث الأرض سوداء إلى أن ينبت الزرع وتظهر خضرته ٣ أشهر، فكأن الأرض مسكة سوداء، وأيضا فإنها تفوح منها رائحة طيبة عطرة. فإذا كبر الزرع وظهرت خضرته، كانت الأرض كأنها زبرجدة خضراء. وبقيت كذلك ٣ أشهر، إلى أن يصفر الزرع وييبس ويتناهى، كانت الأرض عند ذلك كأنها سبيكة ذهب حمراء، وبقيت كذلك ٣ أشهر حتى يتم الحصاد «٢» .
وذكر أن مصر فى كتب الأوائل مصوّرة وسائر البلاد مادة اليها أيديها تستطعمها «٣» ، ومعنى «ا» ذلك أنها أكثر بلاد الله زروعا. وذكر أن هارون الرشيد صورت له مدائن مصر ومدائن الدنيا «ا» فما استحسن منها غير عمل مدينة أسيوط؛ وهى بسيط واحد لو قطرت فيه قطرة فاضت على جميع نواحيه، يبذر فيها جميع «ب» الحبوب، فإذا اخضر فلا يكون على الأرض بساط أعجب
стр. 62
منه «١» . والجانب الغربى من هذه المدينة جبل أبيض كأنه طيلسان «ا» ، ويحيط بها من الجانب الشرقى النيل كأنه جدول فضة، قد تشبكت عليه فى الأرض الأشجار والكروم، فلا تسمع فيه الكلام من شدة أصوات الطيور «٢» .
ولنيل مصر فى زيادته ونقصانه عجائب كثيرة، عرضنا عن ذكرها لكثرة معرفة الناس بها. وليلة الغطاس بمصر من أعجب شىء؛ وتسمى فى هذا الزمان كسر الخليج، وهى لعشر تمضى من كانون الآخر «ب» وهو بلغة الروم ينّير؛ وذلك الوقت يستوى مد النيل ويأخذ فى الانحطاط. وأصفى ما يكون ما النيل فى ذلك الوقت. ولهذه الليلة بمصر شأن عظيم، وذلك أنه يخرج تلك الليلة جميع البشر ممن يقدر على الخروج تلك الليلة وقد أعدوا ما أمكنهم من الأطعمة والأشربة، ولبسوا أحسن ما عندهم من الملابس، وأظهروا ما أمكنهم من الجواهر وأوانى الذهب والفضة، وأحضروا جميع الملاهى. ويدخل الناس فى الزوارق، ومنهم من يدخل فى الدور المشرفة على النيل، ويشعلون المشاعل «ج» والشمع الكثير. ويشعل صاحب مصر الشمع على جانب النيل «ج» ، فيحرق فى تلك الليلة بمصر من الشمع ما لا يحصى عدده؛ فترى الناس على شطوط النيل فى الزوارق، ومنهم فى الدور المشرفة على النيل بالطبول والأبواق وجميع الملاهى.
وهى أحسن ليلة تكون بمصر وأكملها سرورا؛ ويغطس أكثر الناس فى النيل، ومن لم يغطس يرش عليه من الماء، ويزعمون أن ذلك أمان من المرض «٣» .
قال عمرو بن العاص: «ولاية مصر تعدل الخلافة» «٤» ، لأنها جعلها الله متوسطة بين الإقليم الثالث والرابع؛ سلمت من حر الإقليم الأول والثانى، ومن برد الإقليم الخامس والسادس. وقال الجاحظ: «أهل مصر أعقل الناس صغارا
стр. 63
وأحمقهم كبارا» «١» . وقيل إن مصر لم يجعل الله فى أرزاق أهلها ولا فى أقواتهم نصيبا مما قسم على عباده: من الرحمة بالغيث الذي جعله الله عمارة البلاد.
نبذ من أخبار ملوك مصر من لدن عمارتها
يقال والله أعلم إن أول من ملك مصر عند قسمة الأرض بين ولد آدم، زمن أنوش، بوصية آدم ﵇، ملك يقال له نقراوش بن أضرم. وهو أول من اتخذ المصانع، وعمل الطلسمات وأقام الأساطين، وزبر عليها التواريخ، وبنى المدن «ا» . وهو الذي حفر النيل وعمقه ووسعه؛ وكان قبل ذلك ينقطع ويستنقع.
وعمل للتماسيح على شاطىء النيل فى آخر بلاد النوبه مبنيين، وزبر عليهما أحرفا منعت التماسيح أن تنحدر فى النيل. وكانت كتابتهم بالقلم الخلقطير وهو قلم آدم ﵇. وكان عالما كاهنا وكان له رأى من الجن؛ ويقال وقع إليه بعض العلوم التى كان رزآبيل الملك علمها آدم عم، فعمل بها عجائب: منها صورة طائر على اسطوانة عالية يصفر فى كل يوم مرتين، عند طلوع الشمس، وعند غروبها، تصفيرا مختلفا يستدل به على ما يكون من الحوادث. وعمل فى مدينة برسان، وهى التى بناها لابنه مصرام، قبة ذهب على منار عال، لا تزال على تلك القبة سحب تمنعها من الشمس. وعمل على باب المدينة أصناما موجهة إلى نواح مختلفة، إذا قصد أرضهم قاصد بسوء أرسلت عليه نارا فأحرقته. فكان ملكه ٢٣٠ سنة.
فلما مات جزع عليه قومه أشد جزع، فقاموا يطوفون به على أعناقهم ٣٠ سنة «٢» .
стр. 64
ثم ملكهم من بعده ابنه مصرام، وكان يعبد زحلا، وحارب أمة من الجن حتى أدخلهم فى طاعته بالعزائم الشداد. وبنى فى صحراء المغرب مدائن معلقة على أساطين رخام، تحيط بها شباك من ذهب، وجعل فيها خزائن الحكمة.
وجعل لها أبوابا تحت الأرض لا يدخل إليها إلا منها؛ وجعل لها أقفالا ومفاتيح مدبرات. وكانت ٣ مدن فى كل مدينة ٣ خزائن، فيها عجائب العلم وطرائف الحكمة ورموز الصنعة، وأجرام من الماء المعقود لا يتحلل، ومن الهواء المجمد لا يضمحل. وفيها مطهرة من ماء الحياة الإلهى الصنع، وفيها صورة الكواكب فى بيوت شرفها، وعلى رؤوسها أكاليل الغلبة، وبإزائها صور الحكماء المقيمين لأمورها بأيديهم مصاحف «ا» الصنعة، وجميع الطلسمات والعلوم، ومن دروب الأحجار الرفيعة والجواهر النفيسة والأجرام العجيبة: من الدر الخطير، وسبائك الذهب والفضة، والحجارة الرفيعة، والعقاقير المكنونة والأدوية المؤلفة. وصور هذه الخزائن فى كل بربى من برابى مصر، قد زبروا عليها بخطوطهم، وخبرها مشهور فى جميع مصاحفهم القديمة وهياكلهم المرسومة.
وبنى هذا الملك مدينة بالقرب من هذه المدن الثلاث على هيئة الجنة بزعمه، وجعل لها أسرابا تحت الأرض، يوصل منها إلى هذه المدائن الثلاث، وتوصل من بعضها إلى بعض «١» .
أخبرنى رجل دخل «ب» بلادا كثيرة، أن الغاوى الذي بجبل ألموت إمام الحشيشية، يرى اغتيال الملوك عند مدينة تحت الأرض على هذه الصورة.
يدخل فيها المستجيب له، فإذا عاين ما أعد له فيها، يقال له: هذا لك إذا قتلت فلانا فى الموضع الفلانى. ويكون إدخاله فى تلك المدينة وهو قد سقى المرقّد، فينتبه فيها.
فإذا أريد إخراجه، سقى المرقد أيضا، ويخرج فينتبه فى منزله، ويتذكر ما رأى،
стр. 65
فيقصه على من أمامه. فيقول له: إنك رأيت هذا فى منامك وهو بشرى لك، فلا تنثى عما أمرت به ويبشره بالمثوبة عليه، ويرفع له خنجرا مسموما معدا عنده من حينه «١» .
قال المؤلف فلما هلك الملك نقراوش المتقدم الذكر، ملك بعده ابنه سورت. وكان موحدا مؤمنا. فغلق هياكل الكواكب فقل النيل فى أيامه، فرفضه بنو أبيه وخلعوه وملكوا أخاه الأصغر مصرام المتقدم الذكر. وكان جبارا فزاد فى هياكل الكواكب، واحتفل فى شكرها وبر سدنتها وزاد فى دخلها وقرابينها. وكان له ربّى فأمره أن يحتجب عن الناس، وألقى على وجهه نورا حتى لم يتمكن أحد من النظر إليه؛ وذلل له الأسد فركبها، وادعى الإلهية ودعا الناس إلى عبادته، وغاب عن الناس نحو ٣٠ سنة. وركب فى غيبته أنواعا من الدواب العظام من الوحوش والسباع لها منظر يهول. ومضى به ذلك الربّى حتى أوقفه على البحر الأسود، فبنى فى وسطه صنما من حجر أسود أبيض، وزبر عليه اسمه وجعله قربانا للشمس، وعمل قلعة الفضة التى فى البحر الأسود وخبرها مشهور.
ذكر ذلك الموس الكاهن فى سير الملوك القدماء. وزبر على ذلك الصنم:
«أنا مصرام الحبار جامع الأخبار وكاشف الأسرار والعالم القهار: وأظهرت الحكمة العجيبة وكشفت الأمور الغريبة؛ ونصبت الأعلام الهائلة على البحار السائلة ليعلم من بعدى أنه لا ملك مثل ملكى» . وقيل إنه ركب فى مدينة برسان شجرة تؤكل منها كل فاكهة، وعمل عجائب وغرائب يطول وصفها «٢» .
فلما هلك مصرام ملك بعده من بنيه عدة ملوك، كل واحد منهم يعمل فى وقته عجائب وغرائب فى البناء، وغير ذلك من الطلسمات والصور والأصنام المركبة من الجواهر الغالية؛ إلى أن ملك من بنيه شوندين بن سلمون صاحب الأهرام.
وكان ملكا عاقلا عالما محبا للعلماء، وكان أوتى من العلم والحكمة ما لم يسبقه إلى ذلك ملك ولا غيره، وكان يتعهد من مصالح الرعية ما لم يتعهده سواه من الملوك، وكان ينفق على الزمناء والضعفاء من ماله. واتخذ مرآة من أخلاط
стр. 66
وأقامها على منار فى وسط قصره، فكان ينظر فيها جميع الأمم والأقاليم وغير ذلك، ويقابل ذلك بما يصلحه. وكان قد عهد إلى رئيس كهنته ان يأمرهم بالنظر فى كل يوم ما يحدث فى العالم، ويخلد ذلك فى كتاب؛ فجمع إليه العلماء والكهنة والمنجمون من جميع أقطار الأرض، وحققوا له ما أراد وتم له ذلك. وعملت له الغرائب والعجائب فى البناء والطلسمات، وغير ذلك، وفى أيامه بنيت الأهرام التى بأرض مصر. فيقال إنه ليس على وجه الأرض حجر موضوع على حجر أغرب من بناء أهرام مصر.
وكان سبب بناء هذ الأهرام أن الملك شوندين رأى رؤيا هائلة، وذلك أنه رأى الكوكب المعروف بالبانية فى صورة طير أبيض وكأنه يختطف العالم ويلقيهم بين جبلين، وكأن الجبلين انطبقا عليهم، وأن الكواكب المنيرة مظلمة كاسفة كلها. فأخبر بذلك رؤساء الكهان والعلماء وأمرهم أن ينظروا ما تدل عليه الكواكب مما يحدث فى العالم، فأقاموا الكواكب فى مراكزها فى وقت مسألة فدلت على آفة نازلة من السماء وخارجة من الأرض. فلما بان لهم ذلك أخبروه به، فقال ما هو ذلك فنظروا فى خفى أمورها ودقائق علمها، فوجدوها مفسدة للأرض وأهلها وحيوانها وجميع ما فيها، وقالوا إن هذه الآفة محيطة بجميع أقطار الأرض إلا اليسير، وذلك إذا نزل قلب الأسد بأول دقيقة من السرطان، وتكون الشمس والقمر فى أول دقيقة من الحمل. فلما تيقن الملك شوندين من ذلك، وعلم أن تلك الآفة تكون ماء يغرق الأرض ومن عليها،. مر ببناء الأهرام «١» - وهى البرابى لتخليد علومهم وصناعاتهم وسير ملوكهم وسننهم فى رعيتهم وأهل مملكتهم- وبنيان أعلام عظام تكون خزائن لأموالهم وكنوزهم وذخائرهم، وتكون أيضا قبورا لهم ولأهل بيتهم، تحفظ أجسادهم من الفساد وتبقى علمهم صحيحا «٢» ، وأمر بأن يبنى ذلك كله من حجر صلد لا يغيره الدهر ولا يفسده الطوفان.
стр. 67
ويقال إنه أمر أن تبنى هذه الأهرام والبرابى من حجارة ومن طين. فإذا كان الحادث ماء ذهبت التى من طين «ا» وبقيت التى هى من حجارة، وإن كانت نارا ذهبت التى هى من حجارة وبقيت التى هى من طين «ب» . فكان ذلك الحادث ماء فذهبت الطين وبقيت الحجارة. ثم أمر الملك وزراءه فمشوا مع المنجمين والكهان فاختاروا موضعا لبناء تلك الأعلام، وهى الأهرام والبرابى، فاختاروا موضعا بقرب النيل فى الجانب الغربى فبنيت فيه مدينة مرقة، معناه بلسانهم «مطلب الحكمة» . ثم أمر الملك بجمع الناس والفعلة فجمع ٧٠٠٠ لقطع الحجارة ونحتها، ومثلهم لهندستها، وأضعافهم للبناء. وعمل قضبان الحديد واستخرج الرصاص، فكانوا ينصبون البلاطة ويجعلون فى وسطها عامود حديد قد نفذها، والعامود قائم قد ضبط بالرصاص المسبوك، وتركب عليها بلاطة أخرى فى قدرها وهندستها، مثقوبة بقدر دخول القضيب فيها، ثم يسكب الرصاص حول العامود وعلى البلاطتين معا، حتى أتى بنيانا ما بني فى العالم قط مثله «١» . وطول حائط الهرم ١٥٠ ذراعا بأذرعهم، وفى عرضه مثل ذلك وارتفاعه فى الفضاء ٤٠٠ ذراع «٢» . ويقال إن عمقها تحت الأرض مثل ارتفاعها فوق الأرض؛ وعرض الحائط من حيطانها ٢٠ ذراعا بأذرعهم.
стр. 68
فلما تم بنيان هذه الأهرام والبرابى، أمر الملك أن يكتب على حيطان البرابى وسقوفها جميع الأشياء وغوامض الأمور: من دلائل النجوم وعللها وسائر الصنائع والطباع ومكنونها، والنواميس العظام وعمل الأدوية وتأليفها، ومعرفة العقاقير وأسمائها وصورها، وعلم صنعة الكيمياء وغير ذلك مما ينفع ويضر.
كل ذلك ملخص مفسر لمن عرف كتابتهم وفهمها. ونقش فى حيطانها وسقوفها جميع الطلسمات وكتب على كل طلسم خاصيته ونفعه وضرره، وكما وضع فى تلك الأهرام فنونا من الذهب والفضة والكيمياء وحجارة الزبرجد الرفيعة والجواهر النفيسة ما لا يحصّله وصف واصف. وكذلك فعل بنوه من بعده.
فلما تمت هذه الأهرام والبرابى على ما أراد الملك قال لهم أنظروا هل تفسد هذه الأعلام، فنظروا فوجدوها باقية لا تزول. فقال لهم هل يفتح منها موضع، أو هل يدخل إليها، فنظروا فقالوا له يفتح فى الهرم الفلانى فى الجانب الشمالى منه، فقال لهم حققوا النظر فى معرفة الموضع بعينه، فنظروا وعرفوه بالموضع.
فقال لهم عرفونى متى يكون ذلك، فنظروا فعرفوه أنه يكون ذلك لمدة ٤٠٠٠ دورة للشمس والدورة سنة. فقال لهم أنظروا مقدار ما ينفق فى فتح هذا الموضع؛ فنظروا فعرفوه بالقدر، فقال لهم اجعلوا فى الموضع الذي يوصل منه إلى داخل الهرم ذهبا بمقدار ما ينفق على فتحه. ثم حثهم على الفراغ من بناء الأهرام والبرابى، ففرغوا منها فى ٦٠ سنة. وأمر أن يكتب عليها: «بنينا هذه الأهرام فى ٦٠ سنة فليهدمها من يهدمها فى ٦٠٠ سنة، على أن الهدم أهون من البناء» «١» . ثم قال لهم أنظروا هل يكون بعد هذه الآفة كون مضر غيرها، فنظروا فإذا الكواكب تدل فى وقتهم وتظهرهم على آفة أخرى نازلة من السماء، وتكون فى آخر الزمان وهى ضد الأولى، وهى نار محرقة لأقطار العالم، فأخبروه بذلك. فقال لهم فهل من خبر آخر توقفونا عليه بعد هذه الأمور، فقالوا له ننظر فى ذلك؛ فنظروا على آلاف السنين، وقالوا له إذا قطع قلب الأسد ثلثى دورة، وهى آخر دقيقة من برج العقرب، لم يبق من حيوان الأرض متحرك إلا تلف، فإذا استتم دورة تحللت عقد الفلك. فقال لهم فى أى يوم تتحلل عقد الفلك، فقالوا له اليوم الثانى من وجود الفلك. قال فتعجب الملك من ذلك، وأمر بكل ما قاله العلماء من هذه الحكم أن تخلّد فى الكتب، وتستودع فى تلك الأهرام؛ فيقال إن فيها علم الأولين والآخرين.
стр. 69
نرجع الآن إلى حديث الثلمة: قيل فلما كان فى زمان المأمون بن هارون الرشيد، وفرغ من حرب التيماء وأقام بمصر «١» ، أراد هدم الأهرام، فعرفه بعض شيوخ المصريين أن ذلك غير متمكن، وقال له ولا يحسن بأمير المؤمنين أن يطلب شيئا ولا يبلغه «٢» ؛ فقال له لابد أن أعلم ما فيها. ثم أمر بفتح هرم من أعظم الأهرام، ففتح فيه ثلم من جانبه الشمالى، لقلة دوام الشمس على من يعمل فيه؛ فلما ابتدءوا عمله وجدوا حجرا صلدا يكل فيه الحديد. فكانوا يوقدون النار عند الحجر، فإذا حمى رش بالخل ورمى بالمنجنيق فزبر الحديد؛ وأقاموا على ذلك أياما حتى فتحوا الثلمة التى فيه الآن، فمنها يدخل إلى ذلك الهرم. ووجدوا بنيانه بالحديد والرصاص «٣» ووجدوا عرض الحائط ٢٠ ذراعا؛ وبالقرب من الموضع الذي فتحوا مطهرة من حجر أخضر فيها مال على حول الدنانير العريضة، وزن كل دينار منها ٢٧ مثقالا وثلثى مثقال. فقال المأمون زنوه فوزنوا الجملة فوجدوا فيها مالا معلوما، وكان المأمون ﵀ فطنا، فقال ﵀ ارفعوا ما أنفقتم على فتح هذه الثلمة، ففعلوا فوجدوه موازنا لما وجدوا من المال. فعجب أمير المؤمنين من ذلك، ومن معرفتهم بالموضع الذي يفتح منه ذلك الهرم على طول الزمان، وازداد فى علم النجوم يقينا. قال فمشى المأمون حتى دخل الهرم، ومشى فيه فوجد صنما أخضرا مادا يده وهو قائم فلم يعلم خبره. ونظر إلى الزلاقة والبئر الذي فى الهرم، وأمر بالدخول والنزول فيه.
قال فنزل فيه قوم من رجاله من درجة إلى درجة حتى أفضوا إلى صنم أحمر، عيناه مجزعتان سواد فى بياض كأنهما حدقتا إنسان ينظر إليهم، فهالهم أمره وقدروا أن له حركة، فجزعوا منه فخرجوا وعرفوا أمير المؤمنين الحال.
قال فجرأه ذلك على طلب مخابىء كثيرة. ويقال إنه وجد فيه مالا كثيرا.
стр. 70
قيل فسأل المأمون عمن وجد بمصر من العلماء بتاريخ العالم: هل لهذه الأهرام أبواب يدخل إليها منها؟ فقيل له إن لها أبوابا تحت الأرض، فى آزاج مبنية بالحجارة، طول كل زج منها ٢٠ ذراعا، له باب من حجر واحد يدور بكوكب، إذا أطبق لم يعرف أنه باب، وصار كالبنيان لا يدخل الذر فى خصاصته، ولا يوصل إليه إلا بكلام وقرابين وبخورات معروفة. وإن فى هذه الأهرام قبورا من الذهب والفضة والكيمياء وحجارة الزبرجد الرفيعة النفيسة ما لا يسعه وصف واصف.
وفيها من الكتب المستودعة فيها طرائف الحكمة وكمال الصنعة، ومن التماثيل الهائلة من الذهب الملون على رؤسها التيجان الفاخرة مكللة بالجواهر النفيسة، ما يستدل به على عظيم ملكهم؛ وجعلوا على ذلك من الطلسمات ما يمنع منه، ويدفع عنه إلى أوقات معلومة وأمد لابد منه. وإنما قصدوا بذلك أن تكون تلك الأشياء ذخيرة لأعقابهم، ولمن يكون من بعدهم، علما على عظيم ملكهم. قال ووضعوا أساس تلك الأعلام فى وقت السعادة، وجعلوا فى أساس كل علم منها صنما، وزبروا فى صدورها دفع المضار والآفات عنها. وفى كل صنم منها آلة كالبوق، وهو واضعه على فيه. وفى وسط كل هرم منها شرفات موجهة إلى آزاج ضيقة المنافذ واسعة المداخل، تجتذب الرياح إليها على طول الزمان، وتخرج من وجه الداخل إليها، ولها صفير فمن لم يحس دفعها أهلكته. قال فعجب المأمون من ذلك ولم يتعرض إلى شىء من تلك الأعلام.
وقيل إنه عمل تحت تلك الأهرام أسرابا تخرج إلى نواح مختلفة: منها ما يخرج إلى الفيوم وهى على نحو يوم ونصف من مصر، وإلى ناحية المغرب على مسيرة يومين وأزيد، وفى أسفلها مسارب للماء تفضى إلى النيل. قيل ووكل بكل هرم من تلك الأهرام روحانيين، فجعل فى الهرم الغربى روحانى فى صورة امرأة عريانة مكشوفة الفرج لها ذؤابتان حسنة الخلق. وإذا أرادت تستفز الإنسان ضحكت إليه، واستجرته إلى نفسها، فإن تبعها أهلكته.
ذكر ذلك من رآها مرارا. ووكل بالهرم القبلى روحانى فى صورة غلام أمرد عريان حسن الخلق يفعل كذلك. وقد رؤى من خارج مرة بعد مرة ثم يغيب فى الهرم. وفى الهرم الملون صورة شيخ عليه ثياب الرهبان، وبيده مجمرة كأنه يتبخر. وكذلك وكل بجميع البرابى «١» . وببلد إخميم يشاهد أهله أن روحانى
стр. 71
البربى الذي بها «١» فى صورة غلام أسود بيده عصا، فلا يقدر أحد أن يدخل «ا» البربى من بعد العصر إلى الصبح. وكذلك بربى مدينة سمنود «٢» فيه روحانى فى صورة رجل طويل، أدم اللون صغير اللحية أشيب. وأما بربى قفط، فجارية سوداء معها صبى صغير أسود تحمله «٣» . ولكل بربى من البرابى «ب» قربان وكلام يطيع به ذلك الروحانى، ويدل على علوم البربى «ب» وكنوزه. ويقال إن ذا النون الإخميمى «٤» إنما قدر على ما قدر عليه من علوم البربى حتى عمل الصنعة الكبيرة، وهى الكيمياء والجوهر، وحمل من مصر إلى بغداد فى ليلة واحدة، وغير ذلك مما كان عنده من الغرائب وخبره مشهور.
فيقال إنه خدم راهبا كان بإخميم يقال له ساس مدة صباه، فعلمه قراءة الخط الذي فى البربى، وعلمه القربان والبخور واسم الروحانى؛ وأوصاه أن يكتم ذلك.
فلما علم ذو النون ما علم من علم الكيمياء وغيرها، عمد إلى طين الحكمة، فطمس به صنعة الكيمياء حتى لا يبلغ إليها أحد غيره؛ وهذا الطين لا ينقطع أبدا.
وهذا القلم هو المسطر فى كتاب السياسة الأوسط وهو كتاب مشهور:
اب ت ث ج ح خ د ذ ر ز ط ظ ك ل م
стр. 72
ن ص ض ع غ ف ق س ش هـ ولا ى «١» .
وبها من الكيمياء. وفى بعض أخبار مصر أن قوما قصدوا الأهرام، فنزلوا فى تلك الآبار، وطلبوا أن يدخلوا فى تلك المضايق التى تخرج منها الرياح، واحتملوا معهم سرجا فى أوان رخام. فلما حصلوا فى تلك المضايق، خرجت عليهم ريح شديدة وأخرجتهم منها عنفا، وأطفأت أكبر سرجهم. فأخذوا أحدهم وكان أقواهم جأشا وأشدهم عزما وأصلبهم قلبا؛ فربطوا وسطه بالحبال، وقالوا ادخل فإن رأيت شيئا تكرهه جذبناك، فلما دخل المغرور وزاحم تلك الرياح، انطبق عليه ذلك الفتح، فجذبوه فانقطعت حبالهم، وبقى الرجل فى ذلك الشق وهم لا يعلمون له خبرا؛ فصعدوا هاربين حتى خرجوا من البئر، واغتموا لما أصاب صاحبهم. فجلسوا عند الثلمة مفكرين فى أمر صاحبهم، وفى أمرهم وما أقاموا عليه، فبينما هم كذلك إذ انفجرت من الأرض فرجة كالكوة، وأثارت لهم ذلك الرجل عريانا مشوه الخلق ميت الدم جامد العينين، وهو يتكلم بكلام عجيب لا يفهم، فلما فرغ من كلامه سقط ميتا. فازداد وجلهم وتضاعف حزنهم وجزعهم، وعلموا أنهم خالصون من أمر عظيم «٢» . قال فاحتملوا صاحبهم، واتصلت أنباؤهم بوالى مصر وهو ابن المدبر فى أيام المتوكل «٣» ، فسألهم عن أمرهم؛ وأخبروه بذلك فعجب. وأمر أن يكتب الكلام الذي قال ذلك الرجل الذي مات، حسب ما قاله، وأقام ابن المدبر يطلب من يفسره إلى أن وجد رجلا يعرف شيئا من ذلك اللسان، ففسره: «هذا جزاء من طلب ما ليس له وأراد الكشف على ما يخفى، فليعتبر من رآه» . قال فمنع حينئذ ابن المدبر أن يتعرض أحد للأهرام.
стр. 73
وفى خبر آخر أن جماعة دخلوا الأهرام فوجدوا فى بعض البيوت زلاقة إلى بئر، فنزلوا فيها فوجدوا سربا، فساروا فيه نصف يوم حتى انتهوا إلى حفير عميق وفى عدوته باب لطيف. وكانوا يتبينون منه شعاع الذهب والفضة والجواهر النفيسة. ومن رأس الحفير مما يليهم إلى ذلك الباب المحاذى لهم، الذي فيه الذهب والجوهر، عامود حديد قد ألبس محورا من حديد يدور عليه ولا يستمسك فى دورانه. فاحتالوا فى وقوفه وذهاب حركته فلم يقدروا على ذلك، فربطوا أحدهم فى حبل، وتعلق بالعامود ليصل إلى الجانب الآخر، فدار به المحور «ا» فتحير وسقط وانقطع الحبل الذي كان فيه، فخرجوا هاربين لا يلوون على شئ.
وفى خبر آخر أن قوما دخلوا بعض الأسراب التى فى الهرم، فانتهوا إلى صنم أخضر على صورة شيخ، وبين يديه أصنام صغار كأنه يعلمهم. ثم ساروا فوجدوا فوارة تحت قبة يقع فيها ماء من أعلى تلك القبة، فيكون له نشيش شديد كأنه يطفئ نارا، ثم يفيض هناك ولا يتبين. ثم داروا فوجدوا بيتا مسدودا لا يظهر له باب غير حجر صلد، وفيه دوى شديد لا يدرى ما هو؛ ووجدوا عنده شبه المطهرة الكبيرة فيها ماء ودنانير، منقوش فى الوجه الواحد صورة أسد وفى الوجه الثانى صورة طير، فأخذوا من تلك الدنانير شيئا، فلم يقدروا على حركة ولا كلام حتى تركوها فى موضعها.
وأما البرابى ففيها من الطلسمات والكتابة، وعمل الصناعات وتصوير جميع الآلات وتعليم جميع الصناعات، كل ذلك منقوش فى الحجر الصلد، وإن الناس يمشون إليها فيأخذون فوائد كثيرة «١» . قال الوصيفى «٢» :
رأيت فى بربى إخميم صورة عقرب فألصقت عليها شمعا فلم أتركها فى موضع إلا أن انحاشت العقارب إليها من كل موضع، وإن كانت فى تابوت اجتمعت
стр. 74
حول التابوت وتحته. فطلبها منى بعض إخوانى فرجعت إلى إخميم فوجدت تلك الصورة قد نقرت وأفسدت. وفى هذا البربى، عند الباب الذي يدخل منه إلى المصعد على يسار الداخل، صورة رأس إنسان عظيم اللحية كثير الشعر كأنه رأس روحى بغير جسد، فذكر أن الأولين كانوا يبخرون ذلك الرأس، ببخور لهم معروف عندهم، فكل من بخره وجد عنده دينارا؛ فكان فى ذلك معونة لأهل المسألة. قال الوصيفى: تصفحت الموضع الذي بقرب ذلك الرأس، فوجدت أثر البخور والطيب بينا فيه. وذكر أن على باب إخميم طلسم، وهو قطعة من الحجر فى صورة القلنسوة، معقبة الرأس كأنه منقار طائر، يقال إن تحته مال عظيم، وقد جهد جماعة من الولاة على إخميم فى قلعها أو كسرها فلم يقدروا على ذلك، وتنكسر المعاول كلها ولا يتثلم منها شئ.
وأخبرنى رجل بأنه رأى هنالك صورة استحسنها، وهى صورة إنسان على رأسه طائر وإلى جنبه كلب رابض وتحت رجليه كتابة، قال فأخذتها وصورتها فى قرطاس كما رأيتها فأقمت ثلاثة أيام فلم أهجع ولم آكل ولم أشته شيئا من الطعام ولم أدر ما السبب لذلك حتى فكرت فى الصورة التى عندى فنزعتها عنى فاشتهيت الطعام وأكلت ونمت»
. وحدث رجل من أهل إخميم أن رجلا من أهل المشرق نزل عندهم وكان بصيرا بهذه العلوم فتذاكروا معه أمر البربى فقال ذلك المشرقى لبعضهم إن وجدت فيه صورة إنسان عريان مؤتزر بمئزر وفى يده اليمنى فأس له رأسان وفيه ورقة معلقة فأنسخه لى وما حوله من الكتابة.
قال ففعلت ذلك وأتيت بها إليه وسألته عن خاصيتها، فأطعمنى «ا» فيها وقال ليس ينتفع عندها أو تفسد البربى. قال فمشيت إليها فخدشتها بمنقار حتى أفسدتها وطمستها ثم سألته عن علمها فخلط على ولم يعطنى فائدة. فلما كان بعد ذلك تحدثت به مع قوم أهل المشرق فتلهف أحدهم فسألته عن أمرها فقال إن تلك الصورة إذا جعلت فى موقع فيه كنز ارتفع من الموضع غبار فيعلم أن فيه خيرا وهى دلالة على الكنوز فغمنى أن كنت أفسدتها. وكذلك يتحدث أهل سمنود عن البربى الذي عندهم «٢» بعجائب كثيرة منها أن بعض من دخله كتب على كفه صورة من تلك الصور أعجبته، فأطبقت عينه الواحدة حتى أتاه من كتب على كفه الصورة المحاذية لها فانفتحت عينه.
стр. 75
قال الوصيفى: وأخبرنى من أثقه أنه رأى ببربى سمنود صورة شيطانين تحوط بهما سلسلة بكتابة، وهما يمسكان طرفى السلسلة وبينهما كتابة، قال: فصورت ذلك كما هو، وأمسكته عندى إلى أن جاءنى من عرفها، فقال لى: هذا حرز عظيم من جميع السباع، ومن كل من يروم الإذاية، ولو جعل على هذا الطلسم لحم، وجوع كلب أو سبع وقرب منه لم يقدر على «ا» أخذ شىء منه بوجه ولا بحال، قال فعجبت من قوله فامتحنت الطلسم فوجدته كما قال. ومن المتعارف عند أهل إخميم، أنه كان فى البربى الذي كان عندهم، صورة شيطان قائم على رجل واحدة وله يد واحدة قد رفعها إلى الهواء، وفى جبهته وحواليه كتابة، وله إحليل ظاهر ملتصق بالحائط. فقيل من احتال لذلك الإحليل حتى ينقب عليه، وينزعه من غير أن ينكسر، ويعلقه فى وسطه لم يزل منعظا إلى أن ينزعه، ويجامع ما أحب ولا ينكس ما دام عليه. وقيل إن ابن الغمر لما ولى إحميم أخبر بذلك، فطلب تلك الصورة فى البربى فلم يجد منها غير واحدة قرب سقف البربى، فاحتال عليها حتى أخذ الإحليل، فكان يستعمله فيخبر عنه بعجب؛ وقيل إنه كان فى البربى منه صور كثيرة فلم [تزل] تؤخذ حتى فقدت «١» .
قال الوصيفى: حدثنى من أثقه أنهم وجدوا فى بعض البرابى أشنانة زجاج أحمر مربعة الشكل موضوعة فى طاق وفيها ماء أصفر، فلم يدروا لم يصلح ذلك الماء فاهرقوه منها، وأخذ أحدهم تلك الأشنانة. قال فأقامت عنده مدة إلى أن رآها رجل غريب نزل عليه ضيفا، فاستظرفها فسأله عنها فأخبره بخبرها وبخير الماء الذي كان فيها؛ فتلهف ذلك الرجل على الماء، وقال أضعتم علما عظيما وخيرا كثيرا. وقال إنكم لو حميتم الفضة وغمستموها فى ذلك الماء لصارت ذهبا؛ قال فندمت على التفريط فى ذلك الماء. ثم قال لى أتريد أن أريك فى هذه الأشنانة عجبا؟ قلت نعم قال زنها، قال فوزنتها فوجدت بها ٤ أرطال سواء، فقال لى املأها ماء أو ما أحببت، قال ففعلت، قال لى زنها فوزنتها، فوجدت وزنها واحد وهى ممتلئة مثل وزنها وهى فارغة ٤ أرطال لا تزيد ولا تنقص شيئا «٢» ،
следующие страницы →