Полный текст (637 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
فلما التقوا ولّى المشامون هرّبا ... عزيز (؟) وأخلوا عن حبيش مقطّرا
ويروى عن مجاهد أنه قال: لما أوحى الله إلى الأرض أيام نوح فقال يا أرض ابلعي ماءك، كانت أرض الكوفة آخرها ابتلاعا وأشدها تقعسا. فمن هناك سائر الأرضين تكرب على حمارين وثورين وأرض الكوفة على ستة.
وقال إبراهيم التيمي: لما أمرت الأرض أن تغيض الماء، أغاضت إلّا أرض الكوفة. فلعنت فسائر الأرض تكرب على ثورين وأرض الكوفة على أربعة.
وقالت أم العلاء الأوذية: مرّوا بزيد بن علي في سوق كندة على حمار قد خولف بوجهه. فقاموا إليه يبكون. فأقبل عليهم وقال: يا شرار خلق الله! أسلمتموني للقتل ثم جئتموني تبكون؟
وقال علي ﵁ لأهل الكوفة: اللهمّ كما نصحتهم فغشّوني، وائتمنتهم فخانوني، فسلّط عليهم فتى ثقيف الذيال الميال يأكل خضرتها، ويلبس فروتها، ويحكم فيهم بحكم الجاهلية.
وقال أبو عبد الله القشيري: قام أهل الكوفة إلى علي ﵁ فقالوا:
العطاء يا أمير المؤمنين. فقال: ما لهم ميث الله قلوبهم كما يماث الملح في الماء.
أتطلقوني ولادة من غير زوج؟ أما والله لو تجتمعون على حقكم كما تجتمعون على باطلكم ما غلّ على أموالكم حلب شاة. اللهمّ إني قد كرهتهم وكرهوني. فأرحهم مني وأرحني منهم. قال: فأصيب في ذلك العام.
وقدم رجل من أهل المدينة يكنى أبا مريم الكوفة فلقيه علي ﵁.
فقال: يا أبا مريم ما أقدمك هذه البلاد؟ فقال: ما كانت لي حاجة، ولكن عهدي بك وأنت تقول: لو ولّيت هذا الأمر لفعلت وفعلت. قال: فأنا على العهد الذي عهدت. ولكني بليت بأخبث قوم في الأرض. ما دعوتهم قطّ إلى حق فأجابوني [٣ ب] إليه. ولا يدعوني إلى أمر فأجيبهم إلّا اختلفوا «١» .
стр. 212
وقال جرير بن سيير «١» : قدمت الكوفة وقد انصرف علي بن الحسين من كربلاء، فرأيت نساء أهل الكوفة يلتدمن مهتكات الجيوب. فسمعت علي بن الحسين يقول بصوت صبي وقد نهكته العلة: ألا إنّ هؤلاء قتلونا.
ورأيت زينب بنت علي ﵂ وقد أومأت إلى الناس أن انصتوا.
فارتدت الأنفاس وسكنت الأجراس، ثم قالت: الحمد لله والصلاة على نبيه. أما بعد يا أهل الكوفة. يا أهل الختل والخذل. فلا رقأت العبرة ولا هدأت الرنّة. إنما مثلكم كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا. تتخذون أيمانكم دخلا بينكم. ألا وهل فيكم إلّا الصلف والصدف والشنف. ألا ساء ما قدمت لكم أنفسكم ان سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون. أتبكون؟ اي والله. فابكوا كثيرا واضحكوا قليلا. فلقد فزتم بعارها وشنارها ولن ترحضوها بغسل بعدها أبدا. وأنى ترحمون بعد قتل سليل خاتم الرسالة وسيد شبيبة أهل الجنة وملاذ خيرتكم ومفزع نازلتكم.
ألا ساء ما تزرون. تعسا ونكسا. فلقد خاب السعي وتبت الأيدي وخسرت الصفقة وبؤتم بغضب من الله وضربت عليكم الذلة والمسكنة. ويلكم أتدرون أي كبد لمحمد ﷺ فريتم؟ وأي دم سفكتم؟ وأي حرمة له أضعتم؟ لقد جئتم شيئا إدّا.
تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الجبال وتخر الجبال هدّا. ولقد أتيتم بها خرقاء شوهاء طلاع الأرض والسماء. فعجبتم أن قطرت السماء دما. فلعذاب الآخرة أخزى ولا تنصرون. فلا يستخفنكم المهل، فإنه لا يخاف فوت الثار. كلّا. إن ربك لبالمرصاد.
قال: فرأيت الناس حيارى ولهى قد ردّوا أيديهم في أفواههم.
ودخل اليقظان بن ظهير على عائشة فقالت: ممن أنت؟ فقال: من أهل الكوفة. فقالت: وددت أن الله سلّط على أهل الكوفة عذابا مثل عذاب يوم الظلة.
ولما قتل مصعب بن الزبير، وكانت امرأته سكينة بنت الحسين. أرادت
стр. 213
الرحيل إلى المدينة وكانت بالكوفة. فقالت لها أهل الكوفة: يا بنت رسول الله، أحسن الله صحابتك [٤ أ] وفعل بك وفعل. فقالت: يا أهل الكوفة! لا أحسن الله صحابتكم. فلقد قتلتم جدي عليا وعمي الحسن وأبي الحسين وبعلي مصعبا.
فأيتمتموني صغيرة وآيمتموني كبيرة. فلا أحسن الله عليكم الخلافة ولا رفع عنكم السوء.
وقال عمر بن الخطاب: أعضل بيّ أهل الكوفة ما يرضون بأمير، ولا يرضاهم (أمير) ولا يصلحون لأمير ولا يصلح لهم.
ويروى أن عمر بن الخطاب ﵁، بلغه عن أهل الكوفة خصب وقيل له: ما تقول في الضب والنون يجتمعان في سفود؟ فقال إنكم لتنعتون أرضا برية بحرية. وأعجبه ذلك فقال: ما أراني إلّا سآتيهم فآمرهم بمعروف. فكتب إليه كعب: يا أمير المؤمنين لا تعجل فإنه بلغني أن بها الداء العضال وبها تسعة أعشار الشر. وبلغني أنه كان إذا كل شيء يتكلم اجتمع ثمانية أشياء في واد: الإيمان والحياء والهجرة والموت والغناء والعيّ والشقاء والصحة. فقال بعضهم لبعض:
تعالوا نتفرق في الأرض. فقال الإيمان: أنا ألحق بأرض اليمن. فقال الحياء: أنا معك. قالت الهجرة: أنا ألحق بأرض الشام. قال الموت: وأنا معك. قال الغنى:
أنا ألحق بأرض العراق. قال التقى: أنا معك. قالت الصحة: ما تركتم لي شيئا من البلاد إلّا وقد أخذتموه، فأنا ألحق بالبرية. قال الشقاء: وأنا معك.
وقالوا: السدير ما بين نهر الحيرة إلى النجف إلى كسكر من هذا الجانب.
وعيون «١» الطف منها مثل عين الصيد والقطقطانة والرهيمة وعين جمل وذواتها، وبها عيون كانت للموكّلين بالمسالح التي وراء خندق سابور الذي حفره بينه وبين العرب وغيرهم. وذلك أن سابور أقطعهم أرضها فاعتملوها من غير أن يلزمهم خراجا. فلما كان يوم ذي قار ونصر الله العرب بنبيه ﷺ ، غلبت العرب على
стр. 214
طائفة من تلك العيون وبقي بعضها في أيدي الأعاجم. ثم لمّا قدم المسلمون الحيرة وهربت الأعاجم بعد أن طمّت عامة ما كان في أيديها منها وبقي الذي في أيدي العرب. فأسلموا عليه، وصار ما عمروه من الأرض [٤ ب] عشرا. ولما انقضى أمر القادسية والمدائن دفع ما جلا عنه الأعاجم من أرض تلك العيون إلى المسلمين وأقطعوه، فصارت عشرية أيضا.
وكان مجرى عيون الطف وأرضها مجرى أعراض المدينة وقرى نجد.
وكانت صدقتها على عمال المدينة. فلما ولي إسحاق بن إبراهيم بن مصعب السواد للمتوكل ضمها إلى ما في يده. فتولى عمالة عشرها وصيرها سوادية. فهي على ذلك إلى اليوم. وقد استخرجت فيها اليوم عيون إسلامية تجري ما عمرتها من الأرضين هذا المجرى.
وسألت بعد المشايخ عن عين جمل لم سميت بهذا الاسم؟ فذكر أن جملا مات عندها فنسبت العين إليه.
وذكر بعض أهل واسط أن المستخرج لهذه العين يسمى جملا. قال:
وسميت عين الصيد لأن السمك كان كثيرا جدا فيها، فيصطاد فسميت بهذا الاسم.
وكانت عين الرحمة مما طمّتها وغوّرتها الأعاجم. فيقال إن رجلا من أهل كرمان اجتاز بها وهو يريد الحج. فنظر إليها- وكان بصيرا باستنباط المياه- فلما قضى حجه ورجع، أتى عيسى بن موسى فدلّه عليها وقال أنا أستنبطها لك. فكاتب السلطانيّ في أن يقطعه إياها وأرضها، ففعل. واستخرجها له الكرماني فاعتمل ما عليها من الأرض وغرس النخل الذي في طريق العذيب. وعلى فراسخ من هيت عيون تدعى الغرق تجري لهذا المجرى وأعشارها إلى صاحب هيت
.
стр. 215
القول في البصرة
قال أبو عبيدة معمر بن المثنى «١» : سميت البصرة لأنه كان فيها حجارة رخوة. والبصرة: الحجارة الرخوة تضرب إلى البياض. قال ذو الرمة:
[تداعين باسم الشيب في متثلّم] «٢» ... جوانبه من بصرة وسلام
وقالوا: سميت البصرة لأنه كان فيها حجارة سود بصرة. وقال محمد بن شرحبيل بن حسنة إنما سميت البصرة لأن فيها حجارة سوداء صلبة وهي البصرة.
قال خفاف بن ندبة:
إن تلك جلمود بصر لا أوبّسه ... أوقد عليه فأحميه فينصدع
وقال الطرماح: [٥ أ]
مؤلّفة تهوي جميعا كما هوى ... من النيق فوق البصرة المتطحطح
وقال نافع بن كلدة: كان عمر بن الخطاب قد همّ أن يتخذ للمسلمين مصرا.
وكان المسلمون قد غزوا من قبل البحرين وتوّج ونوبندجان وطاسان. فلما فتحوها كتبوا إليه: إنّا وجدنا بطاسان مكانا لا بأس به: فكتب إليهم: إن بيني وبينكم دجلة فلا حاجة لي في كل شيء بيني وبينه دجلة أن تتخذوه مصرا. فقدم عليه رجل من بني سدوس يقال له ثابت فقال: يا أمير المؤمنين. إني مررت بمكان دون دجلة فيه قصر وفيه ديادبة الأعاجم يقال له الخريبة ويسمى أيضا البصيرة. بينه وبين دجلة
стр. 216
أربعة فراسخ له خليج يجري فيه الماء إلى أجمة قصب. فأعجب ذلك عمر فدعا عتبة بن غزوان فبعثه في أربعين رجلا فيهم نافع بن الحارث بن كلدة. وأبو بكرة وزياد. فلما خرجوا قالت لهم أختهم: احملوني معكم. فحملوها. قال: فلما بصر بنا الديادبة «١» خرجوا هرّابا وجئنا فنزلنا القصر. فقال عتبة: ارتادوا لنا شيئا نأكله.
قال: فدخلنا الأجمة فإذا زنبيلان في أحدهما تمر وفي الآخر أرز بقشره. فجبذناهما حتى أدنيناهما من القصر وأخرجنا ما فيهما. فقال عتبة هذا سمّ أعدّه لكم العدو- يعني الأرز- فلا تقربنه. فأخرجنا التمر وجعلنا نأكل منه. فإنّا لكذلك إذا نحن بفرس قد قطع. قيادة فأتى ذلك الأرز يأكل منه. فلقد رأيتنا نسعى إليه بشفارنا نريد ذبحه قبل أن يموت. فقال صاحبه أمسكوا عنه. احرسه الليلة فإن أحسست بموته ذبحته. فلما أصبحنا إذا الفرس يروث لا بأس عليه. فقالت أختي: يا أخي. إني سمعت أبي يقول إن السمّ لا يضر إذا نضج. فأخذت من الأرز تطبخه وجعلت توقد تحته ثم نادت: ألا إنّه يتفصّى عن حبيبة حمراء. ثم قالت: قد جعلت تكون بيضاء. فما زالت تطبخه حتى أنماط قشره فألقيناه في الجفنة. فقال عتبة: اذكروا اسم الله عليه وكلوه. فأكلوا منه فإذا هو طيب. قال [٥ ب] : فجعلنا بعد نميط عنه قشره ونطبخه. فلقد رأيتني بعد ذلك وما أجد منه شيئا إلّا وأنا أعدّ لولدي منه.
ثم إنّا التأمنا فبلغنا ستمائة رجل وست نسوة إحداهن أختي. فقلنا ألا نسير إلى الأبلة فإنها مدينة حصينة، فسرنا إليها ومعنا العنز «٢» وعليها الخرق وسيوفنا.
وجعلنا للنساء رايات على قصب وأمرناهنّ أن يثرن التراب وراءنا حين يرون أنّا قد دنونا من المدينة. فلما دنونا منها صففنا أصحابنا. قال: وفيها ديادبتهم وقد أعدوا السفن في دجلة. فخرجوا علينا في الحديد مسومين لا ترى منهم إلّا الحذق.
قال: فو الله، ما خرج آخرهم حتى [رجع] «٣» بعضهم على بعض قتلا. وما قتلوا هم
стр. 217
أنفسهم كان أكثر. ونزلت الديادبة فعبروا إلى الجانب الآخر. وانتهى إلينا النساء.
وقد فتح الله علينا ودخلنا المدينة وحوينا متاعهم وأموالهم وسألناهم ما الذي هزمكم من غير قتال؟ فقالوا: عرّفتنا الديادبة أن كمينا لكم قد ظهر وعلا رهجه- يريدون النساء في إثارتهن التراب- قال: فاستعمل عتبة بن غزوان زيادا على قسمة الغنائم وجمعها. ورزقه كل يوم درهما. واستجمع الناس وأقبلت أعاريب بني تميم وبكر بن وائل إلينا فصرنا ثلاثة آلاف في الديوان. فتزوجنا فكان أول مولود ولد بالبصرة عبد الرحمن بن أبي بكرة.
ثم قدم عتبة بن غزوان على عمر فأعلمه بما فتح الله عليه. فأرسل مكانه المغيرة بن شعبة فسار بنا فافتتح الفرات وميسان ودستميسان وأبرقيان. ثم وجّه مكانه أبا موسى الأشعري.
وفي بعض الجند إن أول من اختط البصرة عتبة بن غزوان في خلافة عمر بن الخطاب ﵁. وكانت تسمى يومئذ أرض الهند. فكتب عمر إلى سعد بن أبي وقاص أن حطّ قيروانك بالكوفة وابعث عتبة بن غزوان إلى أرض الهند، فإن له من الإسلام مكانا، وقد شهد بدرا- والبصرة يومئذ تسمى أرض الهند- فينزلها ويتخذها المسلمون قيروانا. ولا تجعل [٦ أ] بيني وبينك بحرا. فدعا سعد بعتبة فأخبره بكتاب عمر فأجاب. وخرج من الكوفة في ثمانمائة رجل، فسار حتى نزل البصرة وضرب قيروانه وضرب المسلمون أخبيتهم. وكانت خيمة عتبة من أكسية.
ثم رماه عمر بالرجال. فلما كثروا بنى رهط منهم فيها سبع دساكر من لبن. منها في الخريبة اثنتان وفي الأزد اثنتان «١» . وفي الزابوقة واحدة. وفي بني تميم اثنتان.
وكان ذلك في سنة سبع عشرة.
وقال أبو عبيدة في روايته: الذي بصّر البصرة لعمر بن الخطاب عتبة بن غزوان كتب إلى عمر: لا بد للمسلمين من منزل إذا شتوا، شتوا فيه. وإذا رجعوا
стр. 218
من غزوهم سكنوا فيه. فكتب إليه عمر: أن أوتد لهم منزلا قريبا من المراعي والماء واكتب إليّ بصفته. فكتب إلى عمر: إني قد وجدت أرضا كثيرة القضّة «١» في طرف البر إلى الريف ودونها مناقع فيها ماء وفيها قصباء. فلما قرأ عمر كتابه قال: هذه أرض بصرة قريبة من المشارب والمراعي والمحتطب. وكتب إليه أن أنزلها. فنزلها وبنى مسجدها من قصب وبنى دار إمارتها دون المسجد في الرحبة التي يقال لها رحبة بني هاشم وكانت تسمى الدهناء، وفيها السجن والديوان وحمام الأمراء بعد ذلك لقربها من الماء. فكانوا إذا غزوا نزعوا ذلك القصب ثم حزموه ووضعوه حتى يعودوا من الغزو. فإذا عادوا أعادوا بناءه. فلم يزل كذلك حتى استعمل عمر أبا موسى الأشعري وعزل المغيرة بن شعبة فبنى المسجد بلبن وكذلك دار الإمارة. فلم تزل على تلك الحال. فكان الإمام إذا أراد أن يصلي تخطّى الناس حتى ينتهي إلى القبلة. فلما استعمل معاوية زيادا على البصرة، قال زياد: لا ينبغي للأمير أن يتخطى رقاب الناس. ولكني أحول دار الإمارة إلى قبلة المسجد. فحوّل دار الإمارة من الدهناء وزاد في المسجد زيادة كثيرة وبنى دار الإمارة باللبن وبنى المسجد بالجص والآجر وسقفه [٦ ب] بالساج. فلما فرغ من بنائه جعل يطوف فيه وينظر إليه ومعه وجوه أهل البصرة. فقال: هل ترون خللا؟ قالوا: لا نعلم بناء أحكم منه. قال: بلى، هذه الأساطين التي على كل واحدة أربعة «٢» عقود، لو كانت أغلظ من سائر الأساطين كان أحكم لها.
وقال أبو عبيدة عن يونس: ولم يؤت منهن قط صدع ولا ميل ولا عيب.
وقال حارثة بن بدر الغداني:
بنى زياد لذكر الله مصنعة ... بالصخر والجصّ لم يخلط من الطين
لولا تعاور أيدي الرافعين له ... إذا ظنّناه أعمال الشياطين
وجاء بسواريه من الأهواز. وكان ولي بناءه الحجاج بن عتيق الثقفي.
стр. 219
فظهرت له أموال وحال لم تكن قبل. ففيه قيل: حبذا الإمارة ولو على الحجارة.
والذي اختط أيام عتبة بن غزوان مسجد البصرة حجر بن الأوزع أمره عتبة بن غزوان بذلك. وكان المنبر في وسط المسجد فأول من حوّله إلى القبلة زياد. وكان في جانب المسجد الشمالي منزويا، وذلك أنه كان دارا لنافع أخي زياد أبي أن يبيعها، فلم تزل على تلك الحال حتى ولى معاوية عبيد الله بن زياد البصرة. فقال عبيد الله لبعض وكلائه: إذا شخص عبد الله بن نافع إلى أقصى ضيعة له فأعلمني، فشخص إلى قصره الأبيض. فأعلمه ذلك. فبعث فهدم الدار وأخذ في بناء الحائط الذي يستوي به تربيع المسجد. وقدم عبد الله بن نافع فضجّ. فقال: إني أثمّن لك وأعطيك مكان كل ذراع خمسة أذرع وادع لك خوخة في حائطك إلى المسجد وأخرى في غرفتك. فرضي. فلم تزل الخوختان في حائطه حتى زاد المهدي فيه ما زاد. فدخلت الدار كلها في المسجد ثم دخلت دار الإمارة كلها في المسجد. أمر بذلك الرشيد.
ولما قدم الحجاج خبّر ان زيادا بنى دار الإمارة بالبصرة. فأراد أن يذهب ذكر زياد [٧ أ] منها فقال: ابنيها بالآجرّ. فهدمها. فقيل له: إنما غرضك أن تذهب ذكر زياد فما حاجتك إلى أن تعظم النفقة وليس يزول ذكر زياد عنها؟ فتركها مهدومة.
قال يونس «١» : فعامّة التي حولها إنما بنيت من طينها وجمع أبوابها. فلم تكن للأمراء دار ينزلونها حتى قام سليمان بن عبد الملك فاستعمل صالح بن عبد الرحمن على خراج العراقين. فقال له صالح: إنه ليس بالبصرة دار إمارة، وحدثه بحديث الحجاج. فقال له سليمان: أعدها. فأعادها بالآجر والجص على أساسها الذي كان ورفع سمكها. فلما أعادوا أبوابها عليها قصرت. فلما مات سليمان وقام عمر بن عبد العزيز استعمل عدي بن أرطاة على البصرة، فبنى فوقها غرفا. فبلغ ذلك عمر، فكتب إليه: هبلتك أمك يا ابن أم عدي! أتعجز عنك مساكن وسعت زيادا وابن زياد؟ فأمسك عدي عن بنائها.
стр. 220
فلما قدم سليمان بن علي البصرة عاملا للسفاح أنشأ فوق البناء الذي كان عدي أراد أن يجعله غرفا، بناه بطين. ثم إنه تحول إلى المربد.
فلما قدم الرشيد هدمها وأدخلها في قبلة المسجد. فليس اليوم للأمراء بالبصرة دار إمارة.
وقال الواقدي: أنشئت البصرة سنة سبع عشرة من التاريخ، قبل الكوفة بسنة وأشهر. وأول مولود ولد بالبصرة في الإسلام، عبد الرحمن بن أبي بكرة فنحر عليه أبوه جزورا، فكفت أهل البيت وذلك لقلتهم يومئذ. وأبو بكرة أول من غرس النخل بالبصرة وقال هذه أرض نخل ثم غرس الناس من بعده.
وقال هشام بن الكلبي: أول دار بنيت بالبصرة دار نافع بن الحارث ثم دار معقل بن يسار المزني. وكان عثمان بن عفان أخذ دار عثمان بن العاص الثقفي بالمدينة وكتب أن يعطى أرضا بالبصرة. فأعطي أرضه المعروفة بشاطئ عثمان حيال الأبلة وكانت سجنة فاستخرجها وعمرها وإليه تنسب [٧ ب] .
[وأول حمام اتخذ بالبصرة حمام عبد الله بن عثمان بن أبي العاص وهو موضع بستان سفيان بن معاوية الذي بالخريبة. ثم الثاني، حمام فيل مولى زياد ثم الثالث حمام مسلم بن أبي بكرة، وحمام منجاب ينسب إلى منجاب بن راشد الضبي. وقال الشاعر:
يا ربّ قائلة يوما وقد لغبت ... كيف الطريق إلى حمّام منجاب
وقصر أنس بالبصرة ينسب إلى أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ .
وقدم الأحنف بن قيس على عمر بن الخطّاب فقال: يا أمير المؤمنين إنّ مفاتيح الخير بيد الله وإن إخواننا من أهل الأمصار نزلوا منازل الأمم الخالية، بين المياه العذبة والجنان الملتفّة، وإنّا نزلنا أرضا نشّاشة، لا يجفّ ثراها، ولا ينبت مرعاها، ناحيتها من قبل المشرق البحر الأجاج، ومن قبل المغرب الفلاة، فليس لنا زرع ولا ضرع، تأتينا منافعنا وميرتنا في مثل مريء النعامة، يخرج الرجل الضعيف فيستعذب الماء من فرسخين، وتخرج المرأة كذلك فتربق ولدها كما يربق
стр. 221
العنز، تخاف بادرة العدوّ وأكل السبع، فإلّا ترفع خسيستنا وتجبر فاقتنا نكن كقوم هلكوا، فألحق عمر ذراريّ أهل البصرة في العطاء، وكتب لهم إلى أبي موسى يأمره أن يحفر لهم نهرا.
فحدث جماعة من أهل البصرة قالوا: كان لدجلة العوراء- وهي دجلة البصرة- خور، والخور طريق للماء لم يحفره أحد يجري إليها فيه ماء الأمطار، ويتراجع ماؤها فيه عند المدّ، وينضب في الجزر، وكان طوله قدر فرسخ، ونهر الإجّانة احتفره أبو موسى وقاده ثلاثة فراسخ حتى بلغ به البصرة، فكان طول نهر الأبلّة أربعة فراسخ، ثم إنه انطمّ منه ما بين البصرة وبثق الحيريّ، وذلك على قدر فرسخ من البصرة، فلمّا شخص ابن عامر إلى خراسان استخرج زياد نهر أبي موسى، فرجع ابن عامر وغضب عليه وتباعد ما بينهما وقال: إنما أردت أن تذهب بذكر النهر دوني.
وكانت البصرة أيّام خالد بن عبد الله طولها فرسخان «١» وعرضها فرسخان «١» .
وتذاكروا عند زياد البصرة والكوفة فقال زياد: لو ضلّت البصرة لجعلت الكوفة لمن يدلّني عليها، وقال ابن سيرين: كان الرجل منّا يقول: غضب الله عليك كما غضب أمير المؤمنين على المغيرة، عزله عن البصرة وولّاه الكوفة، وقال أبو بكر الهذليّ: نحن أكثر منكم ساجا وعاجا وديباجا ونهرا عجّاجا وخراجا، وأنشد لابن أبي عيينة في البصرة:
يا جنّة فاقت الجنان فما ... يبلغها قيمة ولا ثمن
ألفتها فاتّخذتها وطنا ... إنّ فؤادي لحسنها وطن
وقالوا: بالبصرة أربع بيوتات ليس بالكوفة مثلها: بيت بني المهلّب، وبيت بني مسلم بن عمرو الباهليّ من قيس، وبيت بني مسمع من بكر بن وائل، وبيت آل الجارود من عبد القيس، ودخل فتى من أهل المدينة البصرة فلمّا انصرف قالوا:
كيف رأيت البصرة؟ قال: خير بلاد الله للجائع والغريب والمفلس، أما الجائع
стр. 222
فيأكل خبز الأرزّ والصّحناء ولا ينفق في الشهر إلّا درهمين، وأما الغريب فيتزوّج بشقّ درهم، وأما المحتاج فلا عيلة عليه ما بقيت استه يخرأ ويبيع. وقالوا:
بالبصرة ستّة ليس بالكوفة مثلهم: الحسن البصريّ، والأحنف، وطلحة بن عبد الله، وابن سيرين، ومالك بن دينار، والخليل بن أحمد.
وبنى زياد بالبصرة دار الرزق، وحفر نهر الأبلّة ونهر معقل، وبنى داره، وبنى البيضاء والحمراء فلم يضافا إليه، وبنى سكّة فأسكنها أربعة آلاف من البخاريّة فقيل سكّة البخاريّة فأضيفت إليهم، وبنى سبعة مساجد فلم يضف إليه شيء منها:
مسجد الأساورة، ومسجد بني عديّ، ومسجد بني مجاشع، ومسجد حدّان، وكلّ مسجد بالبصرة كانت رحبته مستديرة فإنه من بناء زياد، وكلّ الذي بنى فيها أو صنع فإنه نسب إلى غيره مثل: مسنّاة مصعب، ونهر عديّ ونهر بلبل، وباب الأصفهانيّ، وحفيرة مطيع، وقصر ابن عمّار، وحمّام سياه، وحمّام فيل، وحمّام منجاب، وقصر أوس، وباب عثمان، ومقبرة حصن، ومقبرة بني شيبان، ونهر مرّة، ونهر بشّار.
وبنى عبيد الله بن زياد داره بها وفيها باب إلى السكّة التي تنفذ إلى سكّة اصطفانوس، وباب آخر إلى السكّة التي تعرف بالبخاريّة، وبالبصرة دور كثيرة كانت لمواليهم فأضيفت إلى دينارزاذ ودينار بنده، ولهم دار عجلان ودار القطن ونهر والس ونهر شيطان.
ودخل بعض الدهاقين البصرة فرأى ما اجتمع فيها فقال: قاتلك الله فو الله ما صرت هكذا حتى أخربت بلادا وبلادا.
وقال ابن الأهتم البصريّ: يأتيها ما يأتيها عفوا صفوا، ولا يخرج منها إلّا سائق أو ناعق أو قائد. وقالوا: أبعد الناس نجعة في الكسب بصريّ وخوزيّ، ومن دخل فرغانة القصوى والسوس الأقصى فلا بدّ من أن يرى بها بصريّ أو خوزيّ أو حيريّ.
وأهدي إلى رسول الله ﷺ طبق من تمر، فجعل يأكل منه البرنيّ والقريثاء
стр. 223
ثم قال: اللهمّ إنك تعلم أني أحبّهما فأنبتهما في أحبّ البلاد إليك، واجعل عندهما آية بيّنة،
قال الحسن: فو الله ما أعلمهما في بلد أكثر منهما بالبصرة، وقد جعل الله عندها آية بيّنة المدّ والجزر.
وقال عليّ بن محمّد المدائنيّ: وفد خالد بن صفوان على عبد الملك بن مروان فوافق عنده وفد جميع الأمصار، وقد اتّخذ مسلمة مصانع له، فسأل عبد الملك أن يأذن لهم بالخروج معه إلى تلك المصانع فأذن لهم، فلمّا نظروا إليها أقبل مسلمة على وفد أهل مكة فقال: يا أهل مكّة هل فيكم مثلها؟ قالوا: لا، إلّا أن فينا بيت الله المستقبل. ثم قال لوفد المدينة: هل فيكم مثل هذا؟ قالوا: لا، إلا أن فينا قبر نبيّ الله المرسل. ثم أقبل على وفد الكوفة فقال: هل فيكم مثلها؟
فقالوا: لا، إلّا أن فينا تلاوة القرآن العظيم. ثم أقبل على وفد البصرة فقال: هل فيكم مثل هذا؟ فتكلم خالد بن صفوان فقال: أصلح الله الأمير إن هؤلاء أقرّوا على بلادهم، ولو أن عندك من له خبرة ببلادهم لأجاب عنهم قال: أفعندك في بلادك غير ما قالوا؟ قال: نعم، أصف لك بلادنا قال: هات. قال: يغدو قانصانا فيجيء هذا بالشبّوط والشيم، ويجيء هذا بالطير والظليم، ونحن أكثر الناس عاجا وساجا وخزّا وديباجا وبرذونا هملاجا وخريدة مغناجا، بيوتنا الذهب، ونهرنا العجب، تمام هذا الخبر في باب افتخار الشاميّين على البصريّين، وفضل الحبلة على النخلة] «١» .
ونحن قتلنا أحمرا في جموعه ... وقد كان قتّال الكماة مظفّرا «٢»
غداة علا الإسكاف بالسيف رأسه ... فخرّ صريعا لليدين معفّرا
وكان ابن سيرين يقول: تكون فتنة أعفى الناس فيها أهل البصرة.
وقال رجل لعبد الله بن عمرو بن العاص: بلغني أنك تقول البصرة أسرع خرابا. قال: ليس كذاك قلت. إنما قلت هي أبطأ الأرض خرابا، لأنها أقومها
стр. 224
قبلة، وهي حيال البيت والمقام والحجر وزمزم. فهي أبطأها خرابا.
وقال أبو بكر ﵀: قال رسول الله ﷺ : ينزل ناس من أمتي غائطا من الأرض يقال له البصرة أو البصيرة، لها نهر يقال له دجلة يعقد عليه جسر وهو من أمصار المهاجرين، ويكثر أهله.
وقال كعب الأحبار: وجدت في كتب الله المنزلة إن بالبصرة كنز الله أربعون ألفا يردّون الناس إلى المهدي بعد انهزامهم عنه.
قال وحج ابن عمر وحج في ذلك العام ناس كثير من أهل الكوفة واليمن، ولم يحج من أهل البصرة أحد. فقال ابن عمر: ما بال أهل البصرة؟ قالوا: أصابهم وباء. فقال: أهل البصرة خير من أهل الكوفة.
وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: ما رأيت أهل بلد أبكر إلى ذكر الله من أهل البصرة.
وقال أبو ظبيان: سمعت ابن عمر، وأتاه رجل فقال: أخبرني عن البصرة فإنه بلغني أنها أول الأرض خرابا. فإن كان كذلك حوّلت أهلي منها. قال: فإنها أبطأ الأرض خرابا.
ومدح عمر بن درّاك أهل البصرة فقال: هم أعظم الناس أخطارا وأكرمهم جوارا وأبعدهم في الأرض آثارا. أهل البصرة أعظم إمرة، وأوسع هجرة، وأعطى للبررة. وهم أعظم أعلاما، وأوفى زماما وأكثر أعلاما، وأجود كفّا، وأحسن عطفا، وأيمن لواء، وأصدق حياء، وأكرم إخاء. صبر تحت الرايات، وأكرم عند البيات.
أهل البصرة أكثر عدة، وأجود عدة، وأكرم سجية، وأقسم بالسوية، وأحسن سياسة للرعية. وأقرب من ورع، وأحضر للجمع، وأقل عند الطمع. أهل البصرة أسمع وأطوع وأرضى وأمنع. وهم أطيب ثمارا، وأكثر أشجارا، وأكرم أنهارا.
وأجزل عطية، وأكرم بقية، وأشد عصبية، وأكثر غنما، وأحسن سلما، وأطيب طعما، وأصدق ثبات، وأكرم هبات، وأقضى للحاجات. وأحسن أخلاقا، وأشد
стр. 225
إشفاقا، وأملى رواقا. وأحلم في الغضب، وأصبر في الكرب، وأجمل في الطلب. أهل البصرة أصبر للبلية، وأحمل للرزية، وأكرم خبية. وهم أحمل للديات، وأسرع في الخيرات، وأطعم في الفلوات. وهم أكنز للذهب، وأركب للقتب، وأشهر في العرب. وهم أركب للبحور وأحسن في الأمور، وأصبر في الثغور.
ذم أهل البصرة:
قال كعب لأبي مسلم: من أين أنت؟ قال: من أهل العراق. قال: من أيها؟
قال: من أهل البصرة. قال: إذا رأيت نخلها قد أطعم فاخرج منها. قال: فإن لم أستطع ذاك؟ قال: فإذا رأيت آجامها قد اتخذت بساتين فاخرج منها. قال: فإن لم أستطع. قال: إذا تطاول أهلها في بناء المدر فاخرج. قال: فإن لم أستطع. قال:
فعليك بضواحيها وإياك وسباخها فإنه سيكون بسباخها خسف.
وقال قتادة: يخسف بالدار وتنجو الدار. ويخسف بالحي وينجو الحي.
وروي عن أسود العدوي، قال: قال عمر بن الخطاب: أريد أن آتي البصرة فأقيم فيها شهرا. فقال له كعب: لا تأتها «١» . فإن بها تسعة أعشار الشر والداء العضال، وبها تكون الفتن، وفيها يخرج الدجال.
وعن أبي مجلز قال: ائتفكت البصرة مرتين ولتأتفكن الثالثة.
وقال أبو موسى: للبصرة أربعة أسماء، الخريبة والبصيرة وتدمر والمؤتفكة.
وكان كعب الأحبار يقول لتشبعن الضبع من النو «٢» في مسجد البصرة والقرى حولها عامرة.
وقال أبو غيلان: البصرة يسلط عليهم القتل الأحمر، والجوع الأغبر. وأما مصر فينضب [٩ ب] نيلها.
стр. 226
وكان ابن عمر يقول: البصرة أسرع أرض الله خرابا، وأخبثه ترابا. قيل: فما بال الكوفة؟ قال: يأتي الله بأمره إذا شاء.
وكان أمير المؤمنين ﵇ يقول لتغرقنّ البصرة أو لتحرقن إلّا بيت مالها ومسجدها.
وقال عبد الله الضبعي: سمعت عليا ﵇ يقول: ويحك يا بصرة لتغرقن أو لتحرقن حتى يرى بيت مالك ومسجدك كجؤجؤ سفينة «١» .
وقال قتادة: لتحرقن البصرة وأهلها كثير. قيل له: وكيف ذلك؟ قال: يظهر منافقوها على مؤمنيها فيخرجون منها رجالا وركبانا. وأنشد لمحمد بن حازم:
ترى البصري ليس به خفاء ... لمنخره من النتن انتشار
ربا بين الحشوش وشبّ فيها ... فمن ريح الحشوش به اصفرار
يعتّق سلحة كيما يغالي ... به عند المبايعة التجار
ولما افتتح أمير المؤمنين ﵇ البصرة ارتقى منبرها فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: يا أهل البصرة! يا بقايا ثمود ويا جند المرأة ويا أتباع البهيمة. رغا فاتّبعتم، وعقر فانهزمتم. دينكم نفاق، وأخلاقكم رقاق، وماؤكم زعاق. يا أهل البصرة والبصيرة والسبخة والخريبة! أرضكم أبعد الأرض من السماء، وأقربها من الماء، وأسرعها خرابا وغرقا «٢» .
وكان خالد بن ميمون يقول: البصرة أشد الأرض عذابا، وأسرعه خرابا وشره ترابا.
وسأل الحجاج بن يوسف، ابن القرية عن البصرة فقال: حرّها شديد، وخيرها بعيد. وماؤها ملح، وحربها صلح. مأوى كل فاجر، وطريق كل عابر.
وكان الأوزاعي يقول: نظرت فيما اختلف فيه العلماء من أهل البلدان وفتنوا
стр. 227
به، فرأيت أهل البصرة قد فتنوا بخصلتين: الخضخضة والقدر. وفتن أهل الكوفة بخصلتين: شرب المسكر وتأخير السحور. وفتن أهل الشام بخصلتين: طاعة [١٠ أ] الظلمة، وأخذ الجوائز، وفتن أهل مكة بخصلتين: تزويج المتعة والدرهم بالدرهمين. وفتن أهل المدينة بخصلتين: حب السماع وإتيان النساء في الأدبار.
وقال ابن شبرمة لأهل البصرة: لنا أحلام ملوك المدائن، وسخاء أهل السواد، وظرف أهل الحيرة. ولكم سفه السند وبخل الخوز وحمق أهل عمان.
وقال ابن شوذب: أول منبر يصعده الدجال منبر البصرة فيقول: أيها الناس من كان غنيا زدناه، ومن كان فقيرا موّلناه.
وقال عبد الله بن عباس: إذا كثرت القدرية بالبصرة ائتفكت بأهلها، وإذا كثرت السبائية «١» بالكوفة ائتفكت بأهلها.
واستشار رجل ابن مسعود في سكون البصرة فقال له: إن كنت لا بدّ فاعلا، فاسكن رابيتها ولا تسكن سبختها فإنه قد خسف بها مرة، وسيخسف بها أخرى.
والخسف الذي كان بها، أنه كان بها خمسة حكّام أسماؤهم: جائر وجابر وخاطئ ومخطي وحمّال الخطايا. فخرج رجل معه امرأة له حامل على حمار له حتى أتاها، فلما دخلها منعه جائر وقال: لا تدخل حتى تؤدي درهمين. فأخذ منه درهمين. فتظلم وقال: أنا رجل فقير وقد أخذ مني درهمان «٢» . فما أحد يعديني على من أخذهما مني؟ فقالوا: بلى، جابر. فأتاه فشكا إليه. فقال له هات أربعة دراهم. فأخذها منه مكرها. فأتى خاطئ يشكوهما إليه، فقال: هات ثمانية دراهم. فأخذها منه فأتى مخطئ فقال: هات ستة عشر درهما. فقال أنا إنسان مسكين لا شيء لي. فضربه وضرب امرأته حتى أسقطت، وقطع ذنب حماره. فأتى حمال الخطايا فشكا إليه ما حلّ به من إسقاط امرأته وقطع ذنب حماره. فقال
стр. 228
لأصحابه: انكحوا امرأته حتى تحبل، واعملوا على حماره حتى ينبت ذنبه.
فخسف الله بها.
ويروى أن أمير المؤمنين ﵇ لما دخل البصرة صعد المنبر وخطب وقال في خطبته: يا أهل البصرة! إن الله لم يقسم خيرا [١٠ ب] لأحد من أهل الأرض إلّا وقد جعل فيكم أكثر منه. فعابدكم أعبد الناس، وقارئكم أقرأ الناس.
غير أن حكم الله فيكم وفيمن مضى قبلكم جائز بقوله عزّ من قائل وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً. كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً
والله، ما ابتدأتكم بما ابتدأتكم به من المدح رغبة مني لما في أيديكم.
غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: أما علمت أن جبريل ﵇ حمل جميع الأرضين على منكبه الأيمن فأتاني بها. ألا وإني وجدت البصرة أبعد بلاد الله من السماء وأقربها من الماء وأخبثه ترابا وأسرعه خرابا، ليأتينّ عليها يوم لا يؤتى منها إلّا شرفات مسجدها كجؤجؤ السفينة في لجة البحر، فقال المنذر بن الجارود: ولذاك يا أمير المؤمنين، وممّ ذاك؟ قال: إذا رأيتم آكامها خدورا، وآجامها قصورا، فلا بصرة، ثم قال: كم بينكم وبين أرض يقال لها الأبلّة؟ قالوا:
أربعة فراسخ. فقال: صدقني والذي عجّل روحه إلى الجنة وأكرمه بالنبوة فقال: يا علي أما علمت أن بين البصرة وبين أرض يقال لها الأبلة أربعة فراسخ، يكون في ذلك الموضع العشور، ينبغي أن يقتل فيه سبعون ألفا هم نظراء قتلى بدر، فقيل ومن يقتلهم يا أمير المؤمنين؟ قال: إخوان الجنّ، إخوان الجنّ، ثم قال: ويحك يا بصرة! ويحا لك من جيش لا غبار له. قيل: يا أمير المؤمنين ما الويح؟ قال:
الويح والويل بابان، فالويح رحمة والويل عذاب.
مجلس الكوفيين والبصريين عند المأمون «١»
كان المأمون يوما جالسا وعنده نفر من خاصته وذوي المنزلة عنده. فأفاض معهم في الحديث ثم قال: قد قرأت القرآن فحفظته وسمعت الحديث وعلمت
стр. 229
الأدب وناظرت المتكلمين، فلم يبق شيء من العلم إلّا وقد كشفت ظاهره وفتشت باطنه [١١ أ] إلّا ما يتنازع فيه أهل الكوفة والبصرة، من فخر بعضهم على بعض.
وقد أحببت أن تتكلموا في ذلك حتى أسمعه.
فقال هشام «١» : أيّد الله أمير المؤمنين. ما زلنا نسمع أن أهل البصرة أبعد في الأرض آثارا وأكثر فتوحا وأبلغ خطيبا وأكثر أدبا، والبصرة قبل الكوفة.
قال الحجاج بن خيثمة: أبقى الله أمير المؤمنين، وكيف يكون أهل الكوفة أشرف من أهل البصرة وعندنا من معايبهم والطعن عليهم ما لو سمعه أمير المؤمنين لعجب منه وسيّما ما صنف فيهم شيخ لأهل البصرة يكنونه أبا عبيدة؟
فقال أحمد بن يوسف «٢» : أيد الله أمير المؤمنين، أبو عبيدة وأهل البصرة كما قال الفرزدق:
جرير وقيس مثل كلب وثلّة ... يبيت حواليها يطوف وينبح.
وأبو عبيدة يهودي من يهودهم كان قال لأبيه موزجير اليهودي ليس له قديم ولا حديث ولا أول ولا آخر. عاب أنسابهم وتناول أحسابهم وشتم الأمهات والآباء وذكر الأخوة والأخوات، وعاش بينهم سبعين سنة يشتم أعراضهم وينتهك أحسابهم.
فقال أحمد بن هشام: أنتم لا تعتدون على أهل البصرة أنهم عابوكم ولا شتموكم بأكثر من قول أبي عبيدة. فإن أردتم الانتقام فليكن ذلك فيه، لأن الله يقول وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ.
فقال المأمون: قد كنت أعلم أن عندكم اختلافا وافتخارا. ولم أكن أحسبه بلغ هذا، والكلام كثير، وقد رأيت أن يدلي كل فريق بحجته ويكتبه كاتب حفيظ.
стр. 230
فقال الخليل بن هشام «١» : اكتبوا ما شئتم ولا تنسوا خذلان علي وقتل الحسين ﵉.
فقال العباس: لقد أمسكنا عن مساوئكم وقلنا بأحسن ما حضرنا من أمركم، فأتيتم الآن تهيجونا على أنفسكم، كقول الأخطل: [١١ ب]
ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ... فدلّ عليها صوتها حيّة البحر
قال أحمد بن يوسف: يا أمير المؤمنين. هو أعلم بمآثر الكوفة ومفاخرهم مني. وأنا أعلم بمعايب أهل البصرة والطعن عليهم منه. فقال: قل ما أحببت.
فقال أحمد: ما شاء الله ولا حول ولا قوة إلّا بالله. إنّا وجدنا أهل البصرة فتقوا في الإسلام فتوقا وابتدعوا من الضلالة بدعا، وبنوا من الباطل منارا. إثم ذلك في أعناقهم، وعارة باق في أعقابهم. ولو استقصينا القول في ذلك كان كثيرا. ولكنّا نذكر بعض ما لا يجوز تركه، ونترك ما يستغنى عن ذكره. فكان من ذلك: إنهم أول شهود ردت شهادتهم في الإسلام. وهم شبل بن معبد البجلي ونافع بن الحارث وأبو بكرة نفيع بن مسروح «٢» حين شهدوا على المغيرة بن شعبة، فحدّهم عمر بن الخطاب. ومنهم أول قسّامة شهدت على زور وباطل، وذلك عند الجواب حين قالت عائشة ﵂ وقد سمعت نباح كلاب الحوأب: أي مكان هذا؟ فقيل لها الحوأب. فقالت: ردّوني،
فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: أي نسائي تنبحها كلاب الحوأب.
فجاء خمسون شيخا ممن تلقاها من البصريين فحلفوا لها ما هو الحوأب. ومنهم أول ساع سعى وغماز غمز وهو أبو
стр. 231
المختار يزيد بن قيس بن يزيد بن الصعو الكلابي حين كتب إلى عمر شعرا، يسعى بعماله. يقول فيه:
أبلغ أمير المؤمنين رسالة ... فأنت أمين الله في الحال والأمر
فأرسل إلى النعمان وابن معقّل ... وأرسل إلى حزّى وأرسل إلى نشر
فأرسل إليهم يصدقوك ويخبروا ... أحاديث مال الله ذي العدّ والدّثر
وقاسمهم نفسي فداؤك إنهم ... سيرضون إن قاسمتهم منك بالشّطر
[١٢ أ] فكانت هذه أول سعاية في الإسلام، وذلك باق فيهم إلى اليوم.
ومنهم أول عمال أقرّوا بالخيانة في الإسلام، لأن عمر قال لهم: إن شئتم فتشتكم وإن شئتم صالحتكم. فقالوا: تصالحنا. فقاسمهم أموالهم. منهم النعمان بن عدي بن نقلة قرشي عدويّ، وعبد الله بن معقل المزني وعبد الله بن جزي والسعد بن عمر والأحنف بن قيس وبشر بن المحيص المزني والحجاج بن عثمان الثقفي.
ومنهم أول شهود ردّ شهادتهم حكم رسول الله ﷺ ، ثم أخذوا على شهادتهم الجعالة والرشى. والمنذر بن الزبير وأبو مريم السلولي وغيرهما شهدوا أن أبا سفيان أقرّ عندهم أنه فجر بأم زياد، وزعم أبو مريم أنه هو كان القوّاد الذي جاء بسمية إلى أبي سفيان. فردّ معاوية بشهادة هؤلاء حكم رسول الله ﷺ (الولد للفراش وللعاهر الحجر) . فجعل الحجر للفراش وللعاهر الولد.
وهم أول من تابع إمام هدى ثم خالفوه ونكثوا بيعته وذلك أمير المؤمنين علي ﵁.
وهم أول من جرى عليه حكم الحرب في الإسلام حين قتلهم الله بأيدينا يوم الجمل.
فقال أمير المؤمنين ﵁: لا تتبعوا مولّيا ولا تجيزوا على جريح «١» .
وأخذ ما في بيوت أموالهم فقسمه بيننا، فأصاب كل رجل منا خمسمائة
стр. 232
درهم وفي ذلك قال شاعرنا:
فإذا فاخرتمونا فاذكروا ... ما فعلنا بكم يوم الجمل
ابعث الكوفيّ في الخيل ولا ... تبعث البصريّ إلّا في الثقل
ومنهم أول من أجار ثم غدر في الإسلام وهو المجاشعي الذي أجار الزبير بن العوام حين انصرف من وقعة الجمل ثم غدر به حتى قتل.
ومنهم أول من ارتد عن الإسلام وهم بنو ناجية، تنصروا بعد الإسلام، فبعث إليهم علي بن أبي طالب ﵁ [١٢ ب] معقل بن قيس الرياحي فقتل المقاتلة وسبى الذرية.
ومنهم من عطّل حدود الله وهو عبد الله بن عامر بخراسان في خلافة عثمان بن عفان، فقيل له: عطلت الحدود. فقال: أنا أعطيهم مالي وهم يذموني، فكيف لو ضربت ظهورهم؟
ومنهم أول من خرج على المسلمين وهم أصحاب عبد الله بن عامر بخراسان.
ومنهم أول من ردّ
قول رسول الله ﷺ (من انتفى من أبيه فعليه لعنة الله)
فكان ذلك زياد وهو منهم.
وهم أول من ردّ
قول النبي ﷺ (لا حلف في الإسلام)
فتحالفت الأزد وبكر بن وائل. وكان الذي عقد الحلف مالك بن مسمع. فقال له الأحنف: يا مالك أحلف في الإسلام؟ فقال مالك: أدعوة في الإسلام وقد قال الله ادعوهم لآبائهم؟ - يريد أمر زياد.
ومنهم أول من انهزم في الإسلام هزيمة محلية وهو سلمة بن زرعة، انهزم من مرداس الخارجي. فصاح به الصبيان في الطرقات: يا سلمة! قد جاء أبو بلال مرداس. فحرد من ذلك. وزاد عليه الأمر حتى أقام في منزله ولم يخرج حتى مات.
стр. 233
ومنهم أول من عرف بالتطفيل وهو الجارود بن سبرة الهذلي. كان يجيء إلى موائد الأمراء والأشراف من غير أن يدعوه. وكذلك كان إمام مسجدهم سعيد بن أسعد الأنصاري إذا كانت وليمة سبق إليها.
ومنهم أول من أعلن الفاحشة وأقرّ على نفسه بالأبنة والفضيحة جحشويه «١» .
وهم المقدمون على الناس بالحمق، المعروفون بالنوك. منهم هبنقة القيسي وهو الذي يضرب به المثل حتى قيل (أحمق من هبنقة) . وكتب عمر إلى عتبة بن غزوان: أما بعد، فاحذر أهل بلدك فإن أكثر أهله تميم وهم بخل. وبكر بن وائل وهم كذب. وإن في الأزد لموقا. فهذا قول عمر فيهم خاصة. ولو كان عرف ذلك في أهل الكوفة لكتب إلى سعد [١٣ أ] بن أبي وقاص.
ومن حمقهم أن أبا خيرة القشيري كان مملقا فخدعه الفرزدق وأمره أن يبيع ابنته من المهلب على أنها وصيفة له: فهيّأها ثم ذهب بها إليه وعرضها عليه، فوقعت بقلبه واستام عليه بها مائة ألف فأخذها منه بما قال. فقال الفرزدق للمهلب: إن أبا خيرة إنما باعك ابنته. قال: كذبت. فأرسل إليه فسأله، فقال نعم، لم أطمع أن أزوّجك فبعتك بيعا حلالا. فوقف على جهله فقال: قد جعلت المائة ألف مهرها. فولدت له محمدا وأبا عيينة.
ومن حمقهم ما ذكره الشرقي بن القطامي قال: كان رجل من أهل البصرة جالسا مع امرأته فدعا الحجام ليحجمه، فلما وضع المحاجم على عنقه شرطه وهو غافل، فضرط. فضحكت امرأته. فأخذ السيف وضرب الحجام فقتله. فصاحت امرأته واجتمع الناس فأخذ وأتي به عبيد الله بن زياد وهو على البصرة. فقال: لم قتلت هذا؟ قال: لأنه يشرط ولا يحذر.
ومن حمقهم أن شيخين من الأزد تنازعا في شيء، فقال أحدهما لصاحبه:
والله لو كان غيرك. قال: فأنا غيري. قال: أنت غيرك. قال نعم. فرفع يده ولطم عينه.
стр. 234
ومن حمقهم أن مصعب بن الزبير لما أراد المسير إلى المختار بعث إلى الأحنف بن قيس بمائة ألف درهم وقال سر معي. فأمر الأحنف بفسطاطه فضرب في العسكر. فبلغ ذلك زبرا جارية الأحنف وكانت صاحبة أمره فقالت: ما أرسل إليّ مصعب شيئا؟ قيل: لا. فجاءت حتى دخلت على الأحنف وبكت ثم قالت:
أبعد قتالك المشركين ومواقفك المحمودة في بلد العدو، تخرج إلى المسلمين ومن يطلب بثأر أولاد النبي ﵈ تقاتلهم؟ قال: صدقت زبرا. قوّضوا «١» فسطاطي. ففعلوا. فبلغ ذلك مصعبا فقال: ما الذي دهاه؟ [١٣ ب] فخبروه بقصة زبرا. فبعث إليها ثلاثين ألف درهم. فجلست بين يدي الأحنف ثم قالت: أمر قد اجتمعت إليه العرب والأشراف، ويوم من أيامهم المذكورة، له ما بعده، تغيب عنه فيخمل ذكرك ويدرس اسمك؟ قال: صدقت زبرا. أعيدوا فسطاطي، فأعيد.
ومن حمق الأحنف أنه جرى بينه وبين الحتات كلام فقال له: إنك لضئيل، وإن أمّك لورهاء، وإن خالك للئيم. فقال له الأحنف: إنك لجلف جاف، وما فيك من شيء إلّا أنك ابن دارم. اسكت يا دبرة. فطرح الحتات ثيابه بين الناس وقال: هل ترون شيئا؟ فبلغ من حمق الأحنف أنه كذب كذبا كذب به قبل أن يبرح.
ومن حمقه: أنّ الحسن بن علي ﵄ كتب إليه يستنصره فقال: قد بلونا حسنا وأبا حسن فلم نجد عندهما ابالة للملك ولا سببا للحرب ولا خيانة للمال الأمر هاهنا- وأشار بيده إلى الشام- فخذّل الناس عن الحسن ﵁.
ثم شخص مع من شخص أمثال الحسين ﵁ فقامت ركابه فكان ذلك سبب تخلفه.
ومن حمقه: انه حين نزل به الموت قيل له ما تشتهي؟ فلم يقل رحمة الله.
وقال: شربة من ماء الغرير. وهو ماء رديء لبني سعد. فترك ما ينفعه وتمنى ما لا يرجع إليه منه نفع في دنيا ولا آخرة.
стр. 235
وسئل قتادة عن الأحنف فقال: كان ممن زفّ سجاح إلى مسيلمة الكذاب.
ومن حمق أهل البصرة: ان الحبل لما اضطرب عند موت يزيد بن معاوية، قام عبيد الله بن زياد على منبر البصرة فقال: أيها الناس: إنه لا بدّ لكم من إمام يقاتل عدوكم ويجبي فيئكم ويقسم بينكم. فاختاروا رجلا يلي أمركم حتى يصطلح أهل الشام على رجل فتدخلوا في اختيارهم. فقام إليه الأحنف فقال: أنت فكن ذلك [١٤ أ] الرجل. ثم ضرب يده على يده فبايعه وتتابعوا كلهم على ذلك.
ومن حمقهم: ان سفيان بن مسعود بن عمر الأزدي دخل على عبد الملك وافدا من عند الحجاج. فأراد أن يطريه ويعظّم شأنه فقال: أصلح الله أمير المؤمنين، قد خرينا من خوف الحجاج.
ومن حمقهم، ان الثافال البكراوي كان فاجرا خليعا فكان أن فسق برجل كرهنا أن نسميه. ولولا أن جحشويه كشف ذلك على نفسه ما ذكرناه. فخطب الثافال بنت المفعول به، وظنّ أن تزويجها لا يحلّ له لفسقه بأبيها. فأتى الحسن البصري وهو جالس والناس عنده فقال: يا أبا سعيد ما تقول في رجل نكح رجلا، أيحلّ له أن يتزوج ابنته؟ فقال له الحسن: لعلك أردت أنه نكح أمّها؟ قال: لا. أنا أدرى ما سعيت فيه. فأعرض عنه الحسن.
وليس في الأرض بصري يدخل الكتّاب إلّا وله كرسي يجلس عليه لئلا تأكل الأرض ثوبه.
ومن بخلهم أن صاحب باقلي كان في بعض سككهم فأخرجوه وقالوا: تعلّم صبياننا الإسراف ويقتلهم الجوع لأنهم يشترون منك بخبزهم باقليّ.
وأخرجوا غريبا كان نازلا في بعض سككهم فقال لهم: أي شيء أجرمت إليكم؟ قالوا: تأكل اللحم في كل يوم.
ولقي بعضهم صاحبا له: أعرني نعلك إلى الكلأ بتعليق يريد أنه يعلقها بيده ويمشي ليظن الناس أنها منقطعة الشراك.
وليس في الأرض أهل بلد أطمع ولا أدق أخلاقا وأنظر في الخطر الخسيس
стр. 236
منهم. فإنهم أول من جعل حب الأرز في الموازين. وأربع حبات أرز، حبة شعير. ولا نعرف ذاك في شيء من البلدان إلّا بلدهم.
ومن فضل الكوفة على البصرة: ان ملوك العرب والعجم طافوا الآفاق واختاروا البلاد فوقع اختيارهم على الكوفة وما يقرب منها. من ذلك الأنبار نزلها دارا بن دارا وجذيمة الأبرش [١٤ ب] . ومنها بابل نزلها بخت نصر ومن كان قبله وبعده من الملوك. ومنها مدائن كسرى نزلها أردشير بن بابك ومن بعده من ملوك فارس إلى يزدجرد. ومنها الخورنق نزله بهرام جور والنعمان بن الشقيقة وغيره من ملوك العرب. ومنها الحيرة نزلها عمرو بن عدي وولده بعده إلى عمرو وقابوس ابني المنذر، والنعمان بن المنذر، وإياس بن قبيصة الطائي حتى جاء الله بالإسلام.
وإنما كانت البصرة منازل ينزلها الجند مثل منجشان صاحب المنجشانية ومن أشبهه من السفلة والرعاع.
وهم الذين شخصوا إلى عمر بن الخطاب ﵁. فقال الأحنف يا أمير المؤمنين. إن إخواننا من أهل مصر نزلوا منازل فرعون، وإن إخواننا من أهل الشام نزلوا في منازل ملوك الروم، وإن إخواننا من أهل الكوفة نزلوا بين حيرة النعمان ومدائن كسرى في مثل حولاء الناقة أو حدقة البعير الغاسقة في جنان خصبة وأنهار عذبة تأتيهم ما يأتيهم من رزقهم غريضا غضا. وإنّا نزلنا في سبخة هشاشة نشاشة زعفة لا يجفّ ثراها ولا ينبت مرعاها عسفتها الفلاة من خلفها وخنقها البحر الأجاج من أمامها، يأتيها ما أتاها في مثل حلقوم النعامة. فلا يزيد من الفخر عليهم بطيب المنازل إلّا بما أقرّ به صاحبهم. ولم يزل أهل البصرة يشربون الماء المالح حتى وليها عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، فحفر لهم نهرا من البطيحة فهم يسمونه نهر ابن عمر، وفيه يقول بشار في شعر طويل:
لا نشرب الماء إلّا قال قائلنا ... نعم الأمير، فداه السمع والبصر
روى من العذب ها مات مصرّدة ... قد كان أزرى بهنّ الملح والكدر
стр. 237
وقال شاعرنا يصف الكوفة وطيب هوائها وأن الشام ارتفعت عنها والبصرة سفلت منها:
سفلت عن برد أرض ... زادها البرد عذابا
وعلت عن حر أرض ... تلهب النار التهابا
مزجت حرا ببرد ... فصفا العيش وطابا
ولم يزل عمال العراق ينزلون الكوفة يرونها [١٥ أ] عذب ماء وأصفى هواء وأطيب ترابا. وكل الأرض يجعلها الله للمسلمين طهورا. ومسجدا إلّا أرض البصرة فإنه ليس يستطيع أحد أن يتيمم ولا يصلي على أرضها لقذرها وفسادها وكثرة سمارها. وما نزلها من أمراء العراق أحد إلّا الحجاج مديدة ثم تحول إلى واسط. ومسلمة بن عبد الملك أياما حين قتل يزيد بن الأسلت. فأما الكوفة فأكثر الولاة كانوا ينزلونها ويقيمون بها ولا يمضون إلى البصرة إلّا لحادثة تحدث، أو فتق يحذر. كان خالد بن عبد الله القسري يسميها الذفراء. وكذلك يوسف بن عمر.
ولما ولى يزيد بن عمر بن هبيرة العراق، لم يختر شيئا على الكوفة وبنى عند قنطرتا مدينة وسماها الهبيرة وهي المعروفة بقصر ابن هبيرة. ولم يزل مقيما بالكوفة حتى جاءت الدولة الهاشمية فتحول إلى واسط.
ومن الكوفة ظهرت دولة بني العباس وفيها كان وزيرهم وبها عقد لهم الملك.
والكوفة بمنزلة العين من الرأس، والبصرة بمنزلة الكراع من الأديم. ثم ترك المهدي الكوفة وبنى القصر الأبيض بالحيرة وهو الذي كان النعمان بن المنذر ينزله، وبنى بها قصر أبي الخصيب على طرف النجف وفيه يقول الشاعر:
يا دار غيّر رسمها ... مرّ الشمال مع الجنوب
بين الخورنق والسدير ... فبطن قصر أبي الخصيب
стр. 238
فالدير فالنجف الأشمّ ... حيال أرباب الصليب
ولا يحتج علينا أهل البصرة أن أحدا من ولاة العراق نزلها إلّا زيادا وعبيد الله ابنه. فإنها كانت وطنهما ومشتاهما. ولم يكونا على نتنها وملوحة مائها وشدة بخرها وكثرة بقّها وكدورة هوائها وفساد طينتها. يطيلان المقام بها. بل كان أكثر مقامهما بالكوفة. وبحسبك أن السمك في نهرها لا يصبر على ملوحة الماء حتى ينتقل. فإذا كان سمك البحر لا يصبر، فكيف ينبغي لذوي العقول أن يفخروا بها؟
[١٥ ب] ولو لم يكن من فضل بلدنا على بلدهم إلّا أنّا لا نحتاج إلى دباغ العفص وقشور الرمان في الصيف، لكان ذلك فضلا عظيما. وفي الحديث (إن الفرات ودجلة من أنهار الجنة) وقد خصنا الله بعذوبتهما وبردهما. وحرم الله على أهل البصرة أن يذوقوا منهما قطرة حتى يختلط بهما البحر الأجاج. فهم كما قال الله «وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ. قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ
» .
وقدم أبو شدقم العنبري البصرة فملح عليه الماء واشتد عليه الحرّ وآذاه تهاوش ريحها وكثرة بعوضها. ثم مطرت السماء فصارت ردغاء. فقال:
أشكو إلى الله ممسانا ومصبحنا ... وبعد شقّتنا يا أمّ أيوب
وإنّ منزلنا أمسى بمعترك ... يزيده طبعا وقع الأهاضيب
ما كنت أدري وقد عمّرت من زمن ... ما قصر أوس وما سحّ الميازيب
تهيجني نفحات من يمانية ... من نحو نجد وتنعاب الغرابيب
كأنهنّ على الأجدال كلّ ضحى ... مجالس من بني حام أو النوب
يا ليتنا قد حللنا واديا أنفا ... أو حاجزا نصبا غضّ اليعاسيب
وحبذا شربة من شنّة خلق ... من ماء صدّاء تسلي «١» كلّ مكروب
وآذاه قذرها فقال أيضا:
стр. 239
إذا ما سقى الله البلاد فلا سقى ... بلادا بها سيحان برقا ولا رعدا
بلاد تهبّ الريح فيها خبيثة ... وتزداد نتنا حين تمطر أو تندى
خليلي أشرف فوق غرفة درهم ... إلى قصر أوس فانظرن هل ترى قصرا؟
وقال أعرابي قدمها فنزل إلى جانب دار محمد بن سليمان:
هل الله من وادي البصيرة مخرجي ... فأصبح لا تبدو لعيني قصورها
وأصبح قد جاوزت سيحان سالما ... وأسلمني أسواقها وجسورها
[١٦ أ]
ومربدها المذري علينا ترابه ... إذا شحجت أبغالها وحميرها
فنضحى بها غبر الرءوس كأنّنا ... أناسيّ موتى نبش عنها قبورها
وقال أبو تغلب يذكر نتنها وقذرها:
يا ربّ لا تسق نازل البصرة ... فهي على كلّ حالة قذره
تأتيك منها إذا نزلت بها ... روائح من روائح العذرة
فقال علي بن هشام: يا أمير المؤمنين! إن أحمد بن يوسف عدد عيوب البصرة ومثالبهم وترك ما على أهل الكوفة. فلئن كان الذي ذكر من أهل البصرة على ما ذكر فما يعرفه إلّا خواص من الناس ممن نظر في الأمور وبحث عن المستور. فأما عيوب الكوفة فأوضح من النهار وأبين من الشمس، تعرفها العاتق في خدرها والعجوز في مجراها والصبيّ في كتّابه.
قال المأمون: وأيّ شيء تعرف؟
قال: عليّ أول ذلك
قول علي بن أبي طالب ﵁ حين قال على المنبر: يا أيها الملأ المجتمعة أبدانهم، المختلفة أهواؤهم. ما عدت دعوة من دعاكم، ولا استراح من قاساكم. كلامكم يوهن الصمّ الصلاب، وفعلكم يطمع فيكم الخود الكعاب. إن قلت لكم انفروا في الشتاء قلتم أمهلنا يذهب عنا الصر
стр. 240
والقر. وإن قلت لكم انفروا في الصيف، قلتم أمهلنا تذهب عنا حمّارة القيظ وينسلخ عنا الحرّ. أعاليل بأضاليل. أية دار بعد داركم تمنعون؟ أم عن أي إمام بعدي تقاتلون؟ في خطبة طويلة «١» .
فقال أحمد بن يوسف: إن أمير المؤمنين ﵇ لما انتقضت عليه البلاد وخالفه أكثر «٢» ، اختارنا لنفسه ورضينا لنصره. فكنا إذا أحسّنا دعا لنا وأثنى علينا.
وإذا أسأنا عاتبنا واستبطأنا كما يعاتب الرجل ولده. وإنك لتعلم يا أمير المؤمنين إنه انحدر من المدينة يريد البصرة فنزل ذا قار ثم بعث إلينا فخرجنا لنصره على الصعب [١٦ ب] والذلول. فنصرناه قبل أن نراه، وآزرناه بعد أن رآنا. فكان يقول ﵇: أنتم الشعار وأنتم الدثار، وفيكم محياي وعندكم مماتي. وكان يقول: اختار الله لنبيه مكة، فاختار رسول الله ﵇ لهجرته المدينة «٣» . وكان يقول على منبر البصرة: يا أهل البصرة! يا أهل الحيرة. يا أهل تدمر. يا أهل المؤتفكة ائتفكت بأهلها ثلاث مرات وعلى الله تمام الرابعة. يا جند المرأة، يا أنصار البهيمة. رغا فأجبتم وعقر فانهزمتم. أخلاقكم رقاق وعهدكم نفاق وماؤكم زعاق. وقد لعنكم الله ورسوله. فالمقيم بذنب والخارج عنها بنجاة «٤» .
قال علي بن هشام: فإن أهل الكوفة قتلوا علي بن أبي طالب ﵁.
قتله ابن ملجم وكان نازلًا في دار الأشعث وتزوج قطام التميمية.
فقال أحمد بن يوسف: احتججت على نفسك. إن كان من أهل الكوفة، فكيف ينزل دار الأشعث ويترك دار قومه؟ إنما هو رجل من مصر ممن كان مع محمد بن أبي بكر ﵀. فلما قتله عمرو بن العاص ومضى جنده إلى علي ﵁ كان ابن ملجم فيهم.
قال عمرو بن الحارث: فإن أهل الكوفة قد قتلوا الحسين ﵇. وقد
стр. 241
قتلوا زيد بن علي ويحيى بن زيد ﵉ وغروهما وخذلوهما.
قال العباسي: قد علم الناس أنه ليس في الأرض بلد أجمع أهله على حب بني هاشم إلّا الكوفة. وما قتل أحد من بني هاشم في شرق ولا غرب إلّا وحوله قتلى من أهل الكوفة تختلط دماؤهم بدمه. فأما الحسين ﵇ فإنه كتب إلى أشرافكم. فأما منذر بن الجارود فإنه أخذ الرسول وهو عبد الله بن يقطن «١» الليثي فدفعه إلى ابن زياد فقتله، وذلك أن أنبته بحربة كانت عند ابن زياد. وكان من أمر الحسين ﵇ ما كان. وما أكرم الله رجلا أن يسفك دمه [١٧ أ] معه فيكون في ذلك شرف الدنيا والآخرة. فهل سمع سامع بمثل أنصار الحسين وهم سبعون رجلا لقوا جبال الحديد حتى قتلوا حوله؟
قال الحجاج بن خيثمة: فإن الله قد أعطى أهل البصرة ما لم يعط أهل الكوفة. إن الماء يغدوا عليهم إذا غدوا إلى ضياعهم فيأخذونه إذا أرادوه. وإن استغنوا عنه حجبوه.
قال أحمد بن يوسف: ما رأيت ذلك عندهم. فلم ينقطع أعناقهم من العطش فلا يشربون حسوتين إلّا بالمنجنون «٢» والإبل، فإن عطب بعير وانكسرت منجنونه أو أبطأ الموكل بذلك تعطلت السقايات. وإنما يقيم لهم الماء ساعة في أول النهار وساعة في آخره. وما أحد من أهل البصرة يشرب الماء العذب إلّا أن يتصدق به عليه. ومتى كثر عليهم الماء خافوا الغرق وضربوا الفساطيط على المكان الذي يخشونه. وإن قلّ عطشوا حتى يمزجوا الماء بالخل من ملوحته. وإن المريض منهم ليقال له ما تشتهي؟ فيقول: الماء العذب. وهم يسمون ماءنا الماء الحي.
وإذا قدم الغائب وكان طريقه على الماء العذب أخذ منه ليفرقه هدايا على أقاربه وأهله وإخوانه. وماؤهم صبابة المياه ومفيض الأنهار.
وقال ابن عياش الهمداني لأبي بكر الهذلي يوم فاخره عند أبي العباس
стр. 242
السفاح: إنما الكوفة مثل اللهاة من البدن يأتيها الماء ببرده وعذوبته. والبصرة بمنزلة المثانة يأتيها الماء بعد تغييره وفساده.
وكان بالبصرة رجل من أهل الكوفة يقال له أبا المعذل بن غيلان ففاخرهم يوماً فقال: ألستم تروون أن من بال في الماء القائم المبال أربعين صباحاً تغير عقله؟ قالوا: بلى. قال: فهو ذا أنتم يشرب أحدكم الماء القائم المبال فيه ثمانين سنة. فكيف تكون عقولكم مثل عقول أهل الكوفة؟ فما استطاعوا أن يجيبوه.
فقال عمرو بن الحارث «١» : فإن [١٧ ب] لأهل البصرة الرطب الذي ليس في الدنيا أكثر ولا ألذّ منه.
فقال ابن يوسف: أما الكثير ليس بزائده في الطيب. ولو كان الكثير أطيب لكان بعر الإبل أطيب من الجوز. وأما الطيب، فإن أهل العراق اجتمعوا ليلة في سمر عند يزيد بن عمر بن هبيرة فقالوا: أي البلدين أطيب تمرا الكوفة أم البصرة؟
فقال خالد بن صفوان: بل تمرنا أطيب وأعذب، ولنا على أهل البصرة فضل العنب الرازقي في طيبه السونابي «٢» في حلاوته والخمري في رقته. فإذا فخر البصري بالعنب ذكر لهم عنبا يسمونه المتروري، وما رأيت الحصى قطّ يباع حتى رأيت هذا العنب يباع.
قال علي بن هشام: فإن لأهل البصرة فيلسوفي الإسلام اللذين استخرجا النحو والعروض: أبو الأسود الدؤلي والخليل بن أحمد.
فقال عمرو بن مسعدة «٣» : أما العروض فهو وإن كان علما فما يحتاج إليه كثير من الناس، وليس من علم الأشراف. وأما النحو فإن أبا الأسود احتاج إليه لفساد السنة أهل البصرة. ولم يحتج أصحابنا لفصاحتهم. ولئن كان أبو الأسود
стр. 243
تقدم في النحو، إنّ لأصحابنا الفصاحة في العلم بالقرآن والإعراب به والمعرفة بوجوه القراءات حتى أكثر القراء بقراءتهم يقرءون. ومنا الفقهاء والعلماء والأدباء والفصحاء والنجباء والشجعان والفرسان المذكورون والشعراء المعروفون.
قال علي بن هشام: فإن أبا عمرو بن العلاء من أنبل الناس وأفصحهم لسانا.
قال ابن يوسف: إن كان الناس يقولون: أبو عمرو الراوية كما يقولون حماد الرواية. فهو مثله إذ كان ديوان الشعر مجموعا في قلبه. ومن مثل المفضل في رواية أشعار الشعراء وأشعار القبائل وأيام الجاهلية وأخبارهم؟ ومنا خالد بن كلثوم «١» كان إذا علم شيئا أدّاه كما سمعه. [لا كمن] «٢» كان يروي الخبر لا أصل له وربما زاد فيه ونقص منه.
قال عمرو بن الحارث [١٨ أ] : فإن لأهل البصرة أبا بكر الهذلي أعلى الناس بالجاهلية والإسلام.
قال عمرو بن مسعدة: فأين هو من قبيصة بن ذؤيب الأسدي وعبد الملك المعيطي وعبد الله بن عياش الهمداني والحجاج بن أرطاة النخعي. وهم كلموه عند السفاح، فما تأتى له الردّ عليهم.
ومنا الثقة المؤتمن هشام بن محمد بن سائب الكلبي الذي ملأ الآفاق علما، وأبو مخنف لوط بن يحيى بن مخنف بن سليم الأزدي والهيثم بن عدي.
قال الحجاج: أو ليس دغفل بن حنظلة الشيباني من أهل البصرة؟
قال ابن يوسف: فإن التجار العذري «٣» كوفئ بهلال بن الكيس الحميري وابن لسان الحمّي التيمي ومحمد بن السائب الكلبي وهشام بن محمد والمنتوف والشرقي بن القطامي. وما منهم أحد إلّا كما قال الأول:
стр. 244
وما كان بين الخافقين قبيلة ... يقال اشتروهم، واحد فتبادله
قال الحجاج: فإن خطباء البصرة أخطب وأبلغ. منهم: عبد الله بن الأهتم وصفوان بن الأهتم وخالد بن صفوان وشبيب بن شبه.
قال عمرو: فأين هم من خطباء الكوفة مثل صعصعة بن صوحان والقعقاع بن عمرو الأسدي ومصقلة بن رقبة العبدي ومحمد بن المفضل السكوني وابنه خطباء الرشيد وخطبائك يا أمير المؤمنين.
قال علي بن هشام: فإن الشعراء بالبصرة أشعر وأكثر منهم: جرير والفرزدق وذو الرمة ويزيد بن الحكم والعجاج ورؤبة وأبو النجم. فهل لأهل الكوفة مثلهم؟
قال عمرو: أما جرير فإنه أعرابي صاحب عمود وبيت شعر كان يدخل البصرة كما يدخل الكوفة. وكان أكثر دهره باليمامة. ومنا الشماخ بن مزرد ولبيد والعباس بن مرداس والكميت بن زيد الأسدي وعمرو بن شاس وضابئ البرجمي والحطيئة وأبو محجن الثقفي وأبو شمال الأسدي وأبو زيد الطائي والنجاشي الحارثي وأعشى همدان وعمرو بن معدي كرب وعدي بن حاتم وعروة بن زيد الخيل وابن [١٨ ب] مقبل والقطامي وكعب بن جعيل والجحاف بن حكيم وغيرهم من الشعراء المجودين.
قال عمرو بن الحارث: فإن الأسخياء بالبصرة أكثر منهم بالكوفة. منهم:
عبد الرحمن بن أبي بكرة وطلحة الطلحات فهل سمعت بمثلها؟
قال ابن مسعدة: فينا عدي بن حاتم الجواد بن الجواد. وعبد الملك بن بشر بن مروان ومحمد بن عمير بن عطارد.
قال عمرو بن الحارث: فإنه لم يل «١» العراق أحد من أهل الكوفة، وقد وليه غير واحد من أهل البصرة منهم زياد وابنه ويزيد بن المهلب.
قال ابن مسعدة: هذا الحسن بن سهل معنا في المجلس، ومن قبله علي بن
стр. 245
أبي سعيد كلاهما قد ولي العراق. وثالثهما الفضل بن سهل ولي المشرق والمغرب ودعي له على أكثر منابر الأرض في ولاية واحدة. فهل لأهل البصرة مثله؟
قال الحجاج: فمن أهل البصرة كتّاب أمر العراق منهم صالح بن عبد الرحمن وهو الذي قلب الدواوين من الفارسية إلى العربية وهو كاتب الحجاج بن يوسف. ومنهم المغيرة بن أبي قرّة كاتب المهلب. وشيبة بن أيمن كاتب يوسف بن عمر. وقحذم مولى أبي بكر كاتب يوسف. وهارون بن ياسين كاتب خالد بن عبد الله القسري. وجبلة بن عبد الرحمن والقاسم بن سلم وعبد ربه بن أبي أيوب وابن أبي عبيدة وعمير بن أبي معن والمغيرة بن عطية وأخوه سعيد بن عطية.
قال العباس: أما صالح بن عبد الرحمن فهو مولى امرأة من أهل الكوفة من بني تميم. ولكن منّا زياد بن عبد الرحمن كاتب الحجاج. وسعد كاتب خالد.
وعون كاتب خالد. ويونس بن مروة كاتب يوسف بن عمر. وعبد الجبار بن مغيث. والهيثم بن مسلم كاتبا عيسى بن موسى. وحماد بن موسى كاتب محمد بن سليمان. وكتّاب الخلفاء منا، لم يكتب لهم قط أحد من أهل البصرة. منهم يحيى بن زياد بن عبد الرحمن استكتبه المنصور وضمه إلى جعفر ابنه. وعمرو بن كليع وإبراهيم ومحمد ابنا حبيش. هؤلاء كتّاب المنصور. وكتّاب المهدي [١٩ أ] علي بن يقطين وعمرو بن بزيع. وكتاب الرشيد: يحيى بن سليمان ومنصور بن زياد ومجاشع بن مسعدة ويوسف بن القاسم. ثم هؤلاء كتاب أمير المؤمنين «١» :
الحسن بن سهل على الخراج، وعمرو بن مسعدة على الرسائل، وأحمد بن يوسف على الديوان بالجبل وخراسان، ومحمد بن عمران على ديوان البريد بالآفاق.
وثابت بن يحيى منّا وإن كان قد نشأ بالري.
قال علي بن هشام: إن أبا عبيدة زعم أن عليا ﵇ قال على منبر الكوفة فقال: إنكم تزعمون أن دابة الأرض «٢» إن كنتم كاذبين فلا أماتكم الله
стр. 246
حتى يخرج من أصلابكم نساء زواني.
قال ابن يوسف: كان علي ﵇ اتقى الله وأرحم بعباده وأفقه في دينه من أن يقول هذا لقوم مسلمين. وأما الفجور فمعاذ الله أن يرمي به المسلمات.
ولكن قد علم الله أن النهاريات والليليات لا يعرفن في شيء من البلدان إلّا بالبصرة. وليس بالبصرة شريف إلّا وقد بنى في داره دكانا تركب منه امرأته. وما بالبصرة امرأة جليلة إلّا ولها حريف من المكاريين يخرجها إلى الأعياد والمواسم وقدوم الولاة. وكل حدث يكون.
وما يحل للمسلمين أن يقدموا رجلا من أهل البصرة يصلي بهم حتى يحبس كما تحبس الإبل الجلالة سبعة أيام لأن غداءه السماء. فضحك المأمون.
فقال علي بن هشام: أنت بالفحش أحذق وبه أرفق. ولكن بالبصرة أربعة بيوتات من بيوتات العرب ليس بالكوفة مثلها بيت: بيت بني الجارود، وليس في عبد القيس بالكوفة مثلهم. وبيت بني المهلب وليس في أزد الكوفة مثلهم. وبيت بني مسمع ليس في بكر الكوفة مثلهم.
قال عمرو بن مسعدة: أما بيت بني المهلب فإن النجاشي قال:
وكنت كذي رجلين: رجل صحيحة ... ورجل بها ريب من الحدثان
فأمّا التي صحّت فأزد شنوءة ... وأمّا التي شلّت فأزد عمان
[١٩ ب] وبالكوفة بيت بني مخنف بن سليم بن مزيقياء بن ماء السماء. ليس في أزد البصرة مثله. ولهم بعد ذلك من البيوتات الشريفة ما لا يحدّ ولا يوصف.
فمنهم بيت النعمان بن مقرن صاحب رسول الله ﷺ .
وقال النبي ﵇: آل مقرن من بيوتات الجنة.
ومنهم حذيفة بن اليمان صاحب رسول الله ﷺ . ومنهم فرسان العرب الذين أدركوا الجاهلية والإسلام: عمرو بن معدي: كرب وقيس بن مكشوح وعروة بن زيد الخيل والعباس بن مرداس وطليحة الأسدي والأشتر بن الحارث النخعي ومصقلة بن هبيرة وإبراهيم بن الأشتر وأبو بردة بن أبي موسى.
стр. 247
فنحن فينا بيوتات العرب وأشراف الجاهلية وفرسان الإسلام. خير الأقاليم إقليمنا وخير الإقليم بلدنا وخير الأنهار نهرنا وخير الصحابة فقهاؤنا. ومنهم أمير المؤمنين علي ﵁ وابن مسعود وعمار بن ياسر وحذيفة اليمان، وسلمان منا.
ومسجدنا المسجد الرابع في الفضل. مسجد كان من علي وسعد عامرا برهة، ومن عمار والرجال المهاجرين إلى الله من الأولين والآن. وفيه يقول السيد بن محمد الحميري:
لعمرك ما من مسجد بعد مسجد ... بمكة طهرا أو مصلى بيثرب
لشرق ولا غرب علمنا مكانه ... من الأرض معمور ولا متجنّب
بأبين فضلا من مصلى مبارك ... بكوفان رحب ذي أواسي ومخصب
مصلى به نوح تأثّل وابتنى ... به ذات حيزوم وصدر محتّب
وفار به التنّور ماء وعندها ... له قيل قم يا نوح في الفلك واركب
وباب أمير المؤمنين الذي به ... ممرّ أمير المؤمنين المهذّب
[٢٠ أ] وليس فينا قدري ولا خارجي.
فقال المأمون للبصريين: قد نظرت في أمركم وسمعت قولكم وفهمت احتجاجكم، فما لمتكم في جدال ولا مدافعة. ولكني رأيت مثلكم في مفاخرة أهل.
الكوفة كقول القائل:
يا حار قد كنت في عزّ ومكرمة ... لو أنّ مسعاه من جاريته أمم
ثم دعا المأمون صاحب يبت حكمته فقال: اجعل هذا الكتاب في خواص كتبنا. ثم قال علي بن صالح للقوم انهضوا. فنهضوا وانقضى المجلس والحمد لله رب العالمين
.
стр. 248
القول في واسط
وإنما ذكرنا واسط في هذا الموضع لأنها توسطت المصرين أعني البصرة والكوفة ولذلك سميت واسط.
وقال يحيى بن مهدي بن كلال: بنى الحجاج بن يوسف [واسط] في سنتين وكان فراغه منها في سنة ست وثمانين. وهي السنة التي مات فيها عبد الملك بن مروان.
ويروى أن ابن عمر بن عبد العزيز قال: إن الحجاج إنما بنى واسط إضرارا بالمصرين يعني الكوفة والبصرة. وقد أردت أن أهدم مسجدها وأخربها وأردّ كل قوم إلى وطنهم. فقال له أبو منبه: يا أمير المؤمنين! إن جلّ قومها فيها ولدوا وبها نشأوا، لا يعرفون غيرها، ومسجد جماعة قد قرأ فيه القرآن. فسكت.
وذكر بعض أهل الكوفة قال: سألت حازما أبا عبد الله الضبي أن يشهد على دار اشتريتها بواسط فقال: لا أشهد على شيء بيع بواسط. قلت: ولم ذاك؟ قال:
لأن الحجاج غصب عليها.
وذكرت واسط عند أبي سفيان الحميري وقيل ليس بها فاكهة. فقال: لأنها مشؤومة بناها رجل مشؤوم.
وقال أبو سفيان الحميري: ولي الحجاج العراق عشرين سنة، قدمها سنة خمس وسبعين ومات سنة خمس وتسعين في شهر رمضان ليلة سبع وعشرين.
وكانت ولايته في [٢٠ ب] أيام عبد الملك أحد عشر سنة، وفي أيام الوليد بن عبد الملك تسع سنين.
стр. 249
وكان قد ولي الحجاز ثلاث سنين وله ثلاثون سنة، ثم ولي العراق فمات وله ثلاث وخمسون سنة. ودفن بواسط على النيل. وهو الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن عمرو بن مسعود بن عامر بن معتب. وافتتح السند والهند بخراسان وسجستان، وولي الحجاز مكة والمدينة، وحج بالناس في حصار ابن الزبير سنة اثنين وسبعين. وقتل ابن الزبير في جمادى الآخرة وهو أول من ابتنى مدينة ألا وهي واسط، وأول من اتخذ المحامل وضرب الدراهم وكتب عليها قل هو الله أحد. وقال حميد الأرقط:
أخزى الإله عاجلا وآجلا ... أوّل عبد عمل المحاملا
عبد ثقيف ذاك أوّلا فأوّلا
وهو أول من ضرب له الخيس، وأول من أطعم على ألف خوان على كل خوان عشرة رجال وجنب شوي وثريدة وسمكة وبرنية عسل وبرنية لبن. وكان يقول لمن يحضر غداه وعشاه: رسولي إليكم الشمس، فإذا طلعت فاغدوا إلى غدائكم وإذا غربت فروحوا إلى عشائكم.
وأول من أجاز بألف ألف درهم للجحاف بن حكيم. وولي العراق بعد بشر بن هارون. وقدم الكوفة وعليه قباء هروي أصفر متقلدا سيفه متنكبا قوسا معتما بعمامة خزّ حمراء لا ترى إلّا عيناه. ولم يسلّم عليه من أصحاب ابن الأشعث إلّا الشعبي والغصبا بن يزيد «١» .
وقال بعضهم: صليت خلف الحجاج بالكوفة يوم جمعة فعددت الناس خلفه فكانوا ستين نفسا.
قال: وقدم الحجاج العراق سنة خمس وسبعين ووليه عشرين سنة. وبنى واسط في سنتين وفرغ سنة ست وثمانين وهي السنة التي مات [٢١ أ] فيها
стр. 250
عبد الملك. ولما فرغ كتب إلى عبد الملك: إني اتخذت مدينة في كرش الأرض بين الجبل والمصرين وسميتها واسط، فلذلك سمي أهل واسط الكرشين.
وقال الأصمعي: وجه الحجاج الأطباء ليرتادوا له موضعا. فذهبوا يطلبون ما بين عين التمر إلى البحر وجوار العراق. ورجعوا إليه وقالوا: ما أصبنا مكانا أوفق من موضعك هذا في خفوف الريح وأنف البرية.
وكان الحجاج قبل اتخاذه واسط أراد نزول الصين من كسكر وحفر بها نهر الصين وجمع له الفعلة ثم بدا له، فعمر واسط ونزلها واحتفر النيل والزابي وسماه زابيا لأخذه من الزابي القديم. وأحيا ما على هذين النهرين من الأرضين، وأحدث المدينة التي تعرف بالنيل ومصّرها، وعمد إلى ضياع كان عبد الله بن دراج مولى معاوية بن أبي سفيان استخرجها لنفسه أيام ولايته على خراج الكوفة مع المغيرة بن شعبة من موات مرفوض من مغايض وآجام، فضرب عليها المسنيات ثم قلع قصبها ودخلها فحازه الحجاج لعبد الملك بن مروان.
وقال الوضاح بن عطاء: لقد رأيت المقصورة بواسط وإنه ليغشاها أربعون رجلا شريفا من آل أسلم بن زرعة الكلابي.
وحدث علي بن حرب الموصلي عن أبي البختري وهب بن عمرو بن كعب بن الحارث الحارثي قال سمعت خالي يحيى بن الموفق يحدث عن مسعدة بن صدقة العبدي قال حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن عن سماك بن حرب قال: استعملني الحجاج بن يوسف على ناحية بادوريا. فبينا أنا يوما على شاطئ دجلة ومعي صاحب لي إذا أنا برجل على فرس من الجانب الآخر، فصاح باسمي واسم أبي. فقلت: ما تشاء [٢١ ب] ؟ فقال الويل لأهل مدينة تبنى هاهنا. ليقتلن فيها ظلما سبعون [ألفا] «١» . كرر ذلك ثلاث مرات ثم أقحم فرسه في دجلة حتى غاب في الماء. فلم أره. فلما كان قابل ساقني القضاء إلى ذلك الموضع فإذا أنا برجل على فرس، فصاح كما صاح في المرة الأولى، وقال كما قال وزاد: سيقتل
следующие страницы →