← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11685

البلدان لابن الفقيه

ابن الفقيه

Полный текст (637 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

حريرا، فنشرها فإذا فيها صورة، وإذا رجل ضخم العينين، عظيم الأليتين، طويل العنق، فقال: أتدرون من هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا آدم ﵇ ، ثم فتح بيتا آخر فأخرج منه خرقة سوداء فنشرها، فإذا صورة بيضاء فإذا رجل له شعر كشعر القبط، أحمر العينين، عظيم الهامة، قال: أتدرون من هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا نوح ﵇ ، ثم فتح بيتا آخر فاستخرج خرقة مثل الأوليين، فإذا صورة بيضاء شديدة البياض، وإذا رجل حسن العينين، طويل الخدّ، شارع الأنف، مختلط شيب الرأس أبيض اللحية، والله لكأنه يتبسّم، قال: أتعرفون هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا إبراهيم ﵇ ، ثم أخرج خرقة سوداء مثلها، فنشرها فإذا صورة وإذا والله رسول الله ﷺ قال: أتعرفون هذا؟ قلنا: نعم، وبكينا وقلنا: هذا نبيّنا محمّد ﷺ فالله يعلم أنه قام قائما ثم جلس فقال: الله لهو هو، قلنا: والله لهو هو، كأنّا ننظر إليه حيّا، فأمسك ساعة ينظر ثم قال: أما والله إنه آخر البيوت ولكني عجلته لكم لأعلم ما عندكم، فأعاده وفتح بيتا آخر فأخرج خرقة سوداء فإذا فيها صورة صحماء أدماء رجل كثير الشعر جعد قطط، غائر العينين، حديد النظر، عابس، متراكب الأسنان، مقلّص الشفة، وإلى جنبه صورة شبيه به غير أنه مدوّر الرأس عظيم الجبين في عينه قبل، فقال: هذا موسى وأخوه هارون، ثم فتح بابا آخر فاستخرج خرقة سوداء فإذا فيها صورة بيضاء أشبه ما خلق الله بصورة امرأة عجيزة وساقا، قال: هذا داود ﵇ ، ثم استخرج خرقة سوداء فيها صورة بيضاء، فإذا رجل أوقص طويل الرجلين قصير الظهر وإذا هو راكب على فرس لكلّ شيء منه جناح، قال: أتعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا سليمان، وهذه الريح تحته، ثم أخرج لنا خرقة سوداء فيها صورة صفراء وإذا رجل شديد سواد الشعر سبطه كثيرة حسن الوجه والعينين مشتبه كلّ شيء، قال: أتعرفون هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا عيسى ﵇ ، قلنا: ومن أين هذه الصور هكذا؟ فإنّا نعمل أن هذه الصور على ما صوّرت، لأن صورة نبيّنا ﷺ مثله، قال: إن آدم ﵇ سأل ربّه جلّ وعزّ أن يريه أنبياء بنيه، فأنزل عليه صورهم فاستخرجها ذو القرنين من خزانة آدم في مغرب الشمس، فصوّرها دانيال على تلك الصور في

стр. 177

خرق حرير، فهي هذه بعينها، وو الله لوددت أن نفسي تطيب بالخروج من ملكي وأكون عبدا لأشرككم ملكه، ولكن نفسي لا تطيب ثم أجازنا وأحسن جائزتنا وسرّحنا. قال: ولمّا دخل أنوشروان أرض الروم وخرج منها فقد بها رجلا من متطبّبيه يسمّونه الزرسبيذ، فاشتدّ على أنوشروان ذلك، وغبر الرجل بأرض الروم سنين، حتى عرف كلامهم، وقرأ كتبهم، وعظم شأنه، فلمّا أحكم ما يريد انصرف إلى أنوشروان، فعظّم موقعه لما رجا أن يجده عنده ما يحبّ أن يعرف من حال الروم، فخلا به فسأله عن شدّة ما رأى من بأس القوم ونجدتهم، فقال الزرسبيذ: إنّا لم نزل نسمع من الملك أن النجدة قسم شريف، وقد يجمع قسمه أقساما لا تتمّ إلّا بها، وأنه لا يستحقّ أحد اسم البأس والشدّة إلّا بما يشيّعه من الصبر الذي به يحتمل الإخطار بالنفس، والأنفة التي بها يقدم على ما أقدم به، وحسن الذكر والبصيرة الذي هو ملاك ذلك كلّه، ورباطة الجأش التي بها يوطّن على ما ناله من إحراز المكرمة وحسن الثناء، وقلّ من رأيته فيهم ممن يستحقّ هذه الصفة، وذلك لمخالفتهم دينهم الذي يدينون به. قال: فكيف حظّهم من العلم؟ فوصفهم بقلّته وزعم أن مفتخرهم إنما يفتخر بكتب الفلاسفة في المنطق، وإنما هي غايتهم، قال: فأين مبلغهم من الطبّ؟ قال: أما الطبّ فمعرفتهم بالطبائع، والجواهر، وعلاج الحرارة والبرودة، وفضول المرّة والبلغم، بالعقاقير المسمّاة لهم، لا يعرفون غير ذلك ممّا بسط لأهل الهند من علاج الأرواح، والأدواء الغليظة، والرقى، والاستعانة ببعض الأرواح على بعض، قال: فالنجوم؟ قال: قلّ حظّهم منه جدّا، قال كسرى: فما بلغك فيما يدّعيه بعضهم من صنعة الذهب والفضّة، وعن الأصباغ التي يصبغ بها الجوهر، فينقل إلى غير طبائعه، وما حكي لنا عن طلسماتهم؟ قال: كان ذلك من أهمّ أمورهم عندي أن أظفر به، فلم أجد لشيء من ذلك حقيقة، فأما الطلسمات فإنها أمور قديمة، كان على الأرض من قوى بشيء لشيء قد ألّف من الكلام والرقى والعقد على تماثيل قد رأيتها بها، ممّا تقادم عمله في الأزمنة الماضية قبل مخرج عيسى

стр. 178

(﵇ ، فأما اليوم فقد ذهب من يدّعيها وبطل من يعملها. وفي الخبر «١» : أن الروم لمّا أخربت بيت المقدس كتب الله عليهم السبي في كلّ يوم، فليس يمرّ يوم من أيّام الدهر إلّا وأمّة من الأمم المطيفة بالروم يسبون من الروم سبايا. وبحر الروم من أنطاكية إلى قسطنطينيّة، ثم يدور آخذا من ناحية الدبور، حتى يخرج خلف الباب والأبواب من ناحية الخزر، حتى يبلغ قيروان إفريقية وأطرابلس إفريقية، حتى يبلغ الأندلس إلى السوس الأقصى إلى جزائر السعادة. وأرض الروم غربيّة دبوريّة، وهي من أنطاكية إلى صقلّيّة، ومن قسطنطينيّة إلى تولية، الغالب عليها روسيّ وصقلبيّ وأندلسيّ، والصقالبة صنفان: سمر وأدم، وهو ممّا يلي البحر، ومنهم بيض فيهم جمال، وهم في البرّ، ومدينة الملك، قسطنطينيّة، وأنطاكية على ساحل البحر، وفيها مجمع البطارقة، ومن طرسوس إلى خليج قسطنطينيّة مائة ميل، فيه مسجد مسلمة بن عبد الملك حيث حصر قسطنطينيّة، ويمرّ خليج قسطنطينيّة حتى يصبّ إلى بحر الشام، وعرض الخليج بأبدس قدر غلوة، وإذا صار إلى بحر الشام فعرضه عند مصبّه أيضا قدر غلوة، وهناك صخرة عظيمة عليها برج فيه سلسلة تمنع سفن المسلمين من دخول الخليج وعمورية دون الخليج، وبينها وبين قسطنطينيّة ستّون ميلا، وذكر أن بطارقة الروم الذين هم مع الملك اثنا عشر بطريقا بقسطنطينيّة، وأن خيلها أربعة آلاف، ورجّالتها أربعة آلاف. وروي عن كعب قال: شمتت قسطنطينيّة بخراب بيت المقدس فتعزّزت وتجبّرت فدعيت المستكبرة، وقالت: إن كان عرش ربّي ﷻ على الماء، فقد بنيت على الماء، فوعدها الله العذاب قبل يوم القيامة، فقال الله جلّ وعزّ لها: وعزّتي وجلالي لأنزعنّ حليك وحريرك وخمرك وخميرك، ولأتركنّك لا يصيح فيك ديك، ولا أجعل لك عامرا إلّا الثعالب وبنات آوى، ولأنزلنّ عليك ثلاث

стр. 179

نيران: نارا من زفت، ونارا من كبريت، ونارا من نفط، ولأتركنّك جلحاء قرعاء لا يحول بينك وبين السماء شيء، وليبلغنّ صوتك عنان السماء، فإنه طال ما أشرك بي فيك، وعبد فيك غيري، وليفترعن فيك جواري ما كدن أن ترى الشمس من حسنهن، ولأسمعنّ خرير البحر صوتك، فلا يعجز من بلغ منكم ذلك أن يمشي إلى بيت بلاطة ملكهم، فإنكم ستجدون فيه كنز اثني عشر ملكا من ملوكهم، كلّهم يزيد فيه ولا ينقص منه، فتقسمون ذلك كيلا بالأترسة قطعا بالفؤوس فتحملون ما استطعتم من كنوزها فتقسمونه بالغدقدونيّة، فيأتيكم آت من قبل الشام أن الدجّال قد خرج، فترفضون ما في أيديكم، فإذا بلغتم الشام وجدتم الأمر باطلا، وإنما هي نفحة كذوب. قال خالد بن معدان: ليس في الجنّة كلب إلّا كلب أصحاب الكهف، وحمار بلعم، واسم كلب أصحاب الكهف دين، وقال غيره: بل اسمه حمران، واسم الكهف جيرم، وأصحاب الرّقيم بقسطنطينيّة في جبل هناك في شعب وهم ثلاثة عشر رجلا. وخراج الروم مساحة كلّ مائتي مدى ثلاثة دنانير في كلّ سنة، ويأخذ عشر الغلّات فيصير في الأهراء للجيوش، ويأخذ من اليهود والمجوس من كلّ رجل دينارا في السنة، ويؤخذ له في كلّ بيت يوقد فيه كلّ سنة درهم، وديوانه مقسوم على مائة ألف وعشرين ألف رجل، على كلّ عشرة آلاف رجل بطريق، وأجلّ البطارقة خليفة الملك ووزيره، ثم اللّغثيط صاحب ديوان الخراج، ثم اللغثيط صاحب عرض الكتب، ثم الحاجب وصاحب ديوان البريد، ثم القاضي، ثم صاحب الحرس، ثم المرقّب «١» . والروم أصحاب بقر وخيل وشاء، ولهم البزيون العجيب، والديباج الروميّ، ولهم من العطر الميعة والمصطكى والجواري الروميّات، والخدم وينبت في قعر

стр. 180

بحرهم البسّذ، وبها القبّة التي من الرصاص وهي في بعض مفاوزها، وذكر بعضهم أنه دخلها وعيان ما فيها، ووجد على لوح بها مكتوب عليه: يا ابن آدم خف الموت، وبادر الفوت، واستكثر من ادّخار صالح الأعمال، واعلم أن ذكر الموت يهون على اللسان، وأن الموت على الفراش أشدّ من ألف ضربة بالسيف، يا ابن آدم داو الموت بالطاعة، واعلم أن ملك الموت رؤوف بأهل الطاعة. يا ابن آدم إن كنت تحبّ نفسك فصنها عن المعاصي، واحملها على التعب الذي يعقبك الراحة، وأعدّ للسفر البعيد زادا، فإنّ من رحل بلا زاد عطب. يا ابن آدم ما أقسى قلبك تعمر دارا تخرب، وتخرب دارا تبقى، يا ابن آدم خذ لنفسك من نفسك، واعرف المذاهب بالأسباب، فإن سبب العقل المداراة، وسبب المزيد الشكر، وسبب زوال النعمة البطر، وسبب المروّة الأنفة، وسبب الأدب المواظبة، وسبب البغضاء الحسد، وسبب المحبّة الهديّة، وسبب الأخوّة البشاشة، وسبب القطيعة المعاتبة، وسبب الفقر إسراف المال، وسبب العداوة المراء، وسبب المحبّة السخاء، وسبب قضاء الحوائج الرفق، وسبب المذلّة مسألة الناس، وسبب الحرمان الكسل، وسبب الريبة مصاحبة الريب، وسبب النبل العفاف، وسبب ثياب العقل المرأة الصالحة، وسبب الغناء قلّة الفساد، وسبب الغضب الصّلف، والخير كلّه يجمعه العقل، ومن لا عقل له ولا حياء فلا خير في صحبته قال: وإذا خوان موضوع هناك من ملح قدر ما يأكل عليه ألف رجل مكتوب عليه: يا ابن آدم قد أكل على هذا الخوان مائة ملك، كلّهم مصاب بعينه اليسرى، فكم كان الأصحّاء؟ يا ابن آدم قد قضم في هذه القبّة مائتا ألف ملك، وقد رام حمل هذا الخوان واللوح ألف ملك فماتوا كلّهم. قال: فدعاني قيصر فسألني عنه ففسّرته له فبكى ثم قال: لله درّ العرب ما أعظم أحلامها، وأكرم فروعها، ثم وصلني وأحسن جائزتي، ووجّه معي من أخرجني من بلاده. قال أبو المنذر: سمّيت الروم بني الأصفر لأنه لمّا مات ملكهم لم يبق منهم من يصلح للملك إلّا امرأة، فأجمعوا أن يملّكوا عليهم أوّل طالع من الفجّ فطلع

стр. 181

حبشيّ قد أبق من مولاه، فأخذوه فزوّجوه الملكة فولدت له ابنا فسمّي الأصفر لأنه من أسود وأبيض. ومن عجائب الروم: رومية الداخلة، فإنها عجيبة البناء، كثيرة الأهل، وبينها وبين قسطنطينيّة مسيرة سنة. وقال جبير بن مطعم: لولا صوت أهل رومية لسمع الناس وجبة الشمس من حيث تطلع وقال حسن بن عطيّة: يفتح على المسلمين مدينة خلف قسطنطينيّة يقال لها رومية فيها مائة ألف سوق، في كلّ سوق مائة ألف رجل وقال بعض العلماء: ينقّس برومية في كلّ يوم عشرون ومائة ألف ناقوس، لولا وجبة أهلها لسمع الناس تسبيح الملائكة ووقع غروب الشمس. روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: حلية بيت المقدس أهبطت من الجنة فأصابتها الروم فانطلقت بها إلى مدينة لهم يقال لها رومية. قال: وكان الراكب يسير بضوء ذلك الحلي مسيرة خمس ليال. وقال رجل من آل أبي موسى: أخبرني رجل يهودي قال: دخلت رومية وان سوق الطير فيها فرسخ. وقال مجاهد: في بلد الروم مدينة يقال لها رومية فيها ستمائة ألف حمّام. وقال الوليد بن مسلم الدمشقي: أخبرني رجل من التجار قال: ركبنا البحر وألقتنا السفينة إلى ساحل رومية فأرسلنا إليهم: إنّا إياكم أردنا، فأرسلوا إلينا رسولا. فخرجنا معه نريدها. فعلونا جبلا في الطريق فإذا بشيء أخضر كهيئة اللّج فكبّرنا فقال لنا الرسول: لم كبّرتم؟ قلنا: هذا البحر، ومن سبيلنا أن نكبر إذا رأيناه. فضحك وقال: هذه سقوف رومية وهي كلها مرصصة. قال: فلما انتهينا إلى المدينة إذا استدارتها أربعون ميلا في كل ميل منها باب مفتوح. قال: فانتهينا إلى أول باب وإذا سوق البياطرة وما أشبهه. ثم صعدنا درجا فإذا سوق الصيارفة والبزازين. ثم دخلنا المدينة فإذا في وسطها برج عظيم واسع في أحد جانبيه كنيسة قد استقبل بمحرابها المغرب وببابها المشرق وفي وسط البرج

стр. 182

بركة مبلطة بالنحاس يخرج منها ماء المدينة كله. وفي وسطها عمود من حجارة عليه صورة رجل من حجارة. قال: فسألت بعض أهلها فقلت: ما هذا؟ فقال: إن الذي بني هذه المدينة قال لأهلها لا تخافوا على مدينتكم حتى يأتيكم قوم على هذه الصفة، فهم الذين يفتحونها. وذكر بعض الرهبان ممن دخلها وأقام بها أن طولها ثمانية وعشرون ميلا في ثلاثة وعشرين ميلا ولها ثلاثة أبواب من ذهب. فمن باب الذهب الذي في شرقيها إلى البابين الآخرين ثلاثة وعشرون ميلا، ولها ثلاثة جوانب في البحر، والرابع في البر. والباب الأول الشرقي والآخر الغربي والآخر اليمنى. ولها سبعة أبواب سوى هذه الثلاثة الأبواب من نحاس مذهب. ولها حائطان من حجارة رخام، وفضاء طوله مائتا ذراع بين الحائطين. وعرض السور الخارج ثمانية عشر ذراعا وارتفاعه اثنان وستون ذراعا. وبين السورين نهر ماؤه عذب يدور في جميع المدينة ويدخل دورهم مطبّق برفوف النحاس، كل دفة منها ستة وأربعون ذراعا. وعدد الرفوف مائتان وأربعون ألف دفة. وهذا كله من نحاس. وعمود النهر ثلاثة وتسعون ذراعا في عرض ثلاثة وأربعين ذراعا. فكلما همّ بهم عدو وأتاهم، رفعت تلك الرفوف فيصير بين السورين بحر لا يرام. وفيما بين أبواب الذهب إلى باب الملك اثنا عشر ميلا وسوق ماد من شرقيها إلى غربيها بأساطين النحاس، مسقف بالنحاس وفوقه سوق آخر، وفي الجميع التجار. وبين يدي هذا السوق سوق آخر على أعمدة نحاس، كل عمود منها ثلاثون ذراعا. وبين هذه الأعمدة نقيرة من نحاس في طول السوق من أوله إلى آخره فيه لسان تجري من البحر، فتجيء السفينة في هذا النقير وفيها الأمتعة حتى تجتاز في السوق بين يدي التجار فتقف على تاجر تاجر فيبتاع منها ما يريد ثم ترجع إلى البحر.

стр. 183

وفي داخل المدينة كنيسة مبنية على اسم مار فطرس ومار فولس الحواريين وهما مدفونان فيها. وطول هذه الكنيسة ألف ذراع في خمسمائة ذراع في سمك مائتي ذراع. وفيها ثلاث باسليقات بقناطر نحاس. وفيها أيضا كنيسة بنيت باسم اصطفانوس رأس الشهداء طولها ستمائة ذراع في عرض ثلاثمائة ذراع في سمك مائة وخمسين ذراعا. وثلاث باسليقات بقناطرها وأركانها. وسقوف هذه الكنيسة وحيطانها وأرضها وأبوابها وكواؤها كلها وجميع ما فيها حجر واحد. وفي المدينة كنائس منها أربع وعشرون كنيسة للخاصة وفيها كنائس لا تحصى للعامة. وفي المدينة عشرة آلاف دير للرجال والنساء وحول سورها ثلاثون ألف عمود للرهبان. وفيها اثنا عشر ألف زقاق يجري في كل زقاق منها نهران، واحد للشرب والآخر للحشوش. وفيها اثنا عشر ألف سوق، في كل سوق قناة ماء عذب. وأسواقها كلها مفروشة بالرخام الأبيض منصوبة على أعمدة النحاس مطبقة برفوف النحاس وفيها عشرون ألف سوق بعض هذه الأسواق صغار. وفيها ستمائة ألف وستون ألف حمّام. وليس يباع في هذه المدينة ولا يشترى من ست ساعات من يوم السبت حتى تغرب الشمس من يوم الأحد. وفيها مجامع لمن يلتمس صنوف العلم من الطب والنجوم وغير ذلك، يقال إنها مائة وعشرون موضعا. وفيها كنيسة الأمم إلى جانبها قصر الملك وتسمى هذه الكنيسة صهيون، بصهيون بيت المقدس، طولها فرسخ في فرسخ وفي سمك مائتي ذراع ومساحة

стр. 184

هيكلها ستة أجربة، والمذبح الذي يقدس عليه القربان من زبرجد أخضر طوله عشرون ذراعا في عرض عشرة أذرع يحمله عشرون تمثالا من ذهب طول كل تمثال ثلاثة أذرع، أعينها يواقيت حمر، وإذا قرّب على هذا المذبح قربان في الأعياد لا يطفأ إلّا يصاب. وفي رومية من الثياب الفاخرة ما يليق به. وفي الكنيسة ألف ومائتا أسطوانة من المرمر الملمع ومثلها من النحاس المذهب، طول كل أسطوانة خمسون ذراعا. وفي الهيكل ألف وأربعمائة وأربعون أسطوانة، كل أسطوانة ستون ذراعا لكل أسطوانة رجل معروف من الأساقفة. وفي الكنيسة ألف ومائتا باب كبار من النحاس الأصفر المفرّغ وأربعون بابا كبارا من ذهب سوى أبواب الابنوس والعاج وغير ذلك. وفيها ألف باسليق طول كل باسليق أربعمائة وثمانية وعشرون ذراعا في عرض أربعين ذراعا، لكل باسليق أربعمائة وثمانية وعشرون ذراعا، لكل باسليق أربعمائة وأربعون عمودا من رخام مختلف ألوانه طول كل واحد ستة وثلاثون ذراعا. وفيها أربعمائة قنطرة يحمل كل قنطرة عشرون عمودا من رخام. وفيها مائة وثلاثون ألف سلسلة ذهب معلق في السقف ببكر ذهب تعلق فيها القناديل سوى القناديل التي تسرج يوم الأحد. وهذه القناديل تسرج يوم أعيادهم وبعض مواسمهم. وفيها الأساقفة ستمائة وثمانية عشر أسقفا. ومن الكهنة والشمامسة ممن يجري عليهم الرزق من الكنيسة دون غيرهم خمسون ألف، كلما مات واحد أقاموا مكانه آخر. وفي المدينة كنيسة الملك وفيها خزائنه التي فيها أواني الذهب والفضة مما قد جعل للمذبح، وفيها عشرة آلاف جرة ذهب يقال لها الميزان، وعشرة آلاف خوان ذهب وعشرة آلاف كأس وعشرة آلاف مروحة ذهب. ومن المنائر التي تدار حول المذبح سبعمائة منارة كلها ذهب، وفيها من الصلبان التي تخرج يوم الشعانين ثلاثون ألف صليب ذهب، ومن صلبان الحديد والنحاس المنقوشة المموهة بالذهب ما لا يحصى، ومن المقطوريات عشرون ألف مقطورية وفيها ألف مقطرة

стр. 185

من ذهب يمشون بها أمام القرابين. ومن المصاحف الذهب والفضة عشرة آلاف مصحف. وللبيعة وحدها سبعة آلاف حمّام سوى غير ذلك من المستغلات. ومجلس الملك المعروف بالبلاط يكون مساحته مائة جريب وخمسين جريبا، والإيوان الذي فيه مائة ذراع في خمسين ذراعا ملبّس كله ذهبا. وقد مثّل في هذه الكنيسة مثال كل نبي منذ آدم ﵇ إلى عيسى ابن مريم ﵇، لا يشك الناظر إليهم أنهم أحياء. وفيها ثلاثة آلاف باب نحاس مموّه بالذهب، وحول مجلس الملك مائة عمود مموّهة. بالذهب على كل واحد منها صنم من نحاس مفرّغ، في يد كل صنم جرس مكتوب عليه ذكر أمّة من الأمم وجميعها طلسمات، فإذا همّ بغزوها ملك من الملوك تحرك ذلك الصنم وحرك الجرس الذي في يده فيعلمون أن ملك تلك الأمة يريدهم فيأخذون حذرهم. وحول الكنيسة حائطان من حجارة طولهما فرسخ وارتفاع كل واحد منهما مائة ذراع وعشرون ذراعا. لهما أربعة أبواب. وبين يدي الكنيسة صحن يكون خمسة أميال في مثلها في وسطه عمود من نحاس ارتفاعه خمسون ذراعا. وهذا كله قطعة واحدة مفرغة وفوقه تمثال طائر يقال له السوداني «١» ، من ذهب على صدره نقش طلسم وفي منقاره مثال زيتونه وفي كل عشرين واحدة من رجليه مثال ذلك. فإذا كان أوان الزيتون لم يبق طائر في الأرض إلّا وأتى وفي منقاره زيتونه وفي كل واحدة من رجليه زيتونة حتى يطرح ذلك على رأس الطلسم. فزيت أهل رومية وزيتونهم من ذلك. وهذا الطلسم عمله لهم بليناس صاحب الطلسمات. وهذا الصحن عليه أمناء وحفظة من قبل الملك، وأبوابه مختومة، فإذا امتلأ وذهب أصل الزيتون اجتمع الأمناء فعصروه فيعطى الملك والبطارقة ومن يجري مجراهم قسطهم من الزيت ويجعل الباقي للقناديل التي للبيع. وهذه القصة- أعني قصة السوداني- مشهورة قلما رأيت كتابا تذكر فيه عجائب البلاد إلّا وقد ذكرت فيه. وقد روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: من عجائب الدنيا شجرة

стр. 186

برومية من نحاس عليها صورة سودانية في منقارها زيتونة، فإذا كان أوان الزيتون صفرت فوق الشجرة فيوافي كل طائر في الأرض من جنسها بثلاث زيتونات في منقاره ورجليه حتى يلقي ذلك على تلك الشجرة فيعصر أهل رومية ما يكفيهم لقناديل بيعتهم وأكلهم لجميع الحول. وفي بعض كنائسهم نهر يدخل من خارج المدينة، في هذا النهر من الضفادع والسلاحف والسراطين أمر عظيم. فعلى الموضع الذي تدخل منه الكنيسة صورة صنم من حجارة وفي يده حديدة معقفة كأنه يريد أن يتناول بها شيئا من الماء. فإذا انتهت إليه هذه الدواب المؤذية رجعت مصاعدة، ولم يدخل الكنيسة منها شيء البتة .

стр. 187

القول في العراق قال أبو عبيدة: سمّي العراق عراقا لأنه سفل على نجد، ودنا من البحر، كعراق القربة وهو الخرز المثنيّ الذي في أسفلها وهو الذي يضعه السقّاء في صدره وقال الأصمعيّ: ما دون الرمل عراق وقال المدائنيّ: عمل العراق من هيت إلى الصين والسند والهند، ثم كذلك الريّ وخراسان، والديلم وجيلان والجبال، وإصبهان سرّة العراق، ومن ولي العراق فقد ولي البصرة والكوفة والأهواز وفارس وكرمان والهند والسند وسجستان وطبرستان وجرجان. والعراق في الطول من عانة إلى البصرة، والبصرة تتاخم الأهواز، والأهواز تتاخم فارس، وفارس تتاخم كرمان، وكرمان تتاخم كابل، وكابل تتاخم زرنج، وزرنج تتاخم الهند. وقال بعض أهل النظر: أهل العراق هم أهل عقول صحيحة، وشهوات محمودة، وشمائل موزونة، وبراعة في كلّ صناعة، مع اعتدال الأعضاء، واستواء الأخلاط، وسمرة الألوان، وهي أعدلها وأقصدها، وهم الذين أنضجتهم الأرحام، فلم تخرجهم بين أشقر وأصهب وأمهق ومغرب، وكالذي يعتري أرحام نساء الصقالبة وما ضارعها وصاقبها، وهم الذين لم تتجاوز أرحام نسائهم في النضج إلى الإحراق، فيخرج الولد بين أسود وحالك ومنتن الريح ذفر ومفلفل الشعر مختلف الأعضاء ناقص العقل فاسد الشهوة كالزنج والحبشان ومن أشبهها من السودان، فهم بين فطير لم يختمر ونضيج قد احترق. وقالوا: مناكحة الغرائب أنجب، ومناكحة القرائب أضوى. وقالوا: اغتبروا ولا تضووا. وقالوا: فارس أعقل والروم أعلم وللروم صناعات.

стр. 188

القول في الكوفة قال قطرب: سميت الكوفة من قولهم: تكوّف الرمل أي ركب بعضه بعضا. والكوفان: الاستدارة. وقال أبو حاتم السجستاني: الكوفة رملة مستديرة، يقال كأنهم في كوفان. وقال المغيرة بن شعبة: أخبرنا الفرس الذين كانوا بالحيرة قالوا: رأينا قبل الإسلام في موضع الكوفة فيما بين الحيرة إلى النخيلة نارا تأجج. فإذا أتينا موضعها لم نر شيئا. فكتب في ذلك صاحب الحيرة إلى كسرى فكتب إليه أن أبعث إليّ من تربتها. قال: فأخذنا من حواليها ووسطها وبعثنا به إليه، فأراه علماءه وكهنته فقالوا: يبنى في هذا الموضع قرية يكون على يدي أهلها هلاك الفرس. قال: فرأينا- والله- الكوفة في ذلك الموضع. قالوا: وأول من اختط مسجد الكوفة سعد بن أبي وقاص. وقال غيره: اختط الكوفة السائب بن الأقرع وأبو الهيّاج الأسدي. وكانت العرب تقول: أولع البرّ لسانه في الريف. فما كان يلي الفرات فهو الملطاط، وما كان يلي الطين فهو الخيف. ويروى عن أمير المؤمنين أنه قال: الكوفة كنز الإيمان وجمجمة الإسلام وسيف الله ورمحه، يضعه حيث يشاء. والذي نفسي بيده لينصرن الله جلّ وعزّ بأهلها في شرق الأرض وغربها كما انتصر بالحجاز. وكان ﵇ يقول: حبذا الكوفة، أرض سهلة معروفة، تعرفها جمالنا المعلوفة.

стр. 189

ويقال: موضع الكوفة اليوم كانت سورستان. وكان سلمان يقول: الكوفة أهل الله، وهي قبة الإسلام، يحنّ إليه كل مسلم. وقال أمير المؤمنين: ليأتين على الكوفة زمان وما من مؤمن ولا مؤمنة إلّا بها أو قلبه يحنّ إليها. وقال ابن الكلبيّ: وفد الحجّاج على عبد الملك بن مروان ومعه أشراف العراق، فلمّا دخلوا عليه تذاكروا أمر الكوفة والبصرة. فقال محمّد بن عمير العطارديّ: إن أرض الكوفة أرض سفلت عن الشام وعملها ووباءها، وارتفعت عن البصرة وحرّها وعمقها، وجاورها الفرات فعذب ماؤها وطاب ثمرها، وهي مريئة مريعة. فقال عبد الله بن الأهتم السّعديّ: نحن والله يا أمير المؤمنين أوسع منهم تربة، وأكثر منهم دربة، وأعظم منهم بريّة، وأغذّ منهم في السريّة، وأكثر منهم قندا ونقدا، يأتينا ما يأتينا، عفوا صفوا، ولا يخرج من عندنا إلّا سائق أو قائد أو ناعق. فقال الحجّاج: إن لي بالبلدين خبرا يا أمير المؤمنين. قال: هات فأنت غير متّهم فيهم. قال: أما البصرة فعجوز شمطاء بخراء ذفراء، أوتيت من كلّ حليّ وزينة، وأما الكوفة فكبر عاطل لا حليّ لها ولا زينة. فقال عبد الملك: ما أراك إلّا وقد فضّلت الكوفة. وكان عمر بن الخطّاب يكتب: إلى سيّد الأمصار وجمجمة العرب يعني الكوفة. وكان عبد الله بن عمر يقول: يا أهل الكوفة أنتم أسعد الناس بالمهديّ. وقال أمير المؤمنين للكوفة: ويحك يا كوفة وأختك البصرة كأني بكما تمدّان مدّ الأديم، وتعركان عرك العكاظيّ، إلّا أني أعلم فيما أعلمني الله أنه ما

стр. 190

أراد بكما جبّار سوءا إلّا ابتلاه الله بشاغل. وكان محمّد بن عمير بن عطارد «١» يقول: الكوفة سفلت عن الشام ووبائها، وارتفعت عن البصرة وعمقها، فهي مريئة مريعة بريّة بحريّة، إذا أتتنا الشمال هبّت مسيرة شهر على مثل رضراض الكافور، وإذا هبّت الجنوب جاءتنا بريح السواد، وورده، وياسمينه وخيريّه وأترجّه، ماؤنا عذب، ومحتشّنا خصب. وكتب إليهم عمر بن الخطّاب: أني اختبرتكم فأحببت النزول بين أظهركم، لما أعرف من حكم الله ولرسوله، وقد بعثت إليكم عمّار بن ياسر أميرا، وعبد الله بن مسعود مؤذّنا ووزيرا، وهما من النجباء من أهل بدر، فخذوا عنهما واقتدوا بهما، وقد آثرتكم بعبد الله بن مسعود على نفسي. وكان زياد يقول: الكوفة جارية حسناء، تصنّع لزوجها فكلّما رآها يسرّ بها. قالوا: ولنا فتوح وأيّام، فمن فتوحنا: الحيرة، وبانقيا، والفلّوجتين، ونستر، وبغداد، وعين التّمر، ودومة، والأنبار، وما فتحوا مع خالد بن الوليد في مسيرهم إلى الشام: المصيّح، وحصيد، وبشر، وقراقر، وسوى، وأراك، وتدمر، ثم شاركوا أهل الشام في بصرى ودمشق، هذا كلّه في خلافة أبي بكر، ثم كان من آثارهم في خلافة عمر: يوم جسر أبي عبيد، ويوم مهران، ويوم القادسيّة، ويوم المدائن وجلولاء وحلوان، هذا كلّه قبل أن ينزلوا الكوفة، ثم نزلوها ففتحوا الموصل، وآذربيجان، وتستر، وماسبدان، ورامهرمز، وجرجان، والدّينور، ولهم مع أهل البصرة نهاوند، ولهم بعض الريّ، وبعض إصبهان، ولهم طميس ونامية من طبرستان، ونزل الكوفة من الخلفاء والأئمّة عليّ والحسن ﵇ ، ومن الملوك والخلفاء معاوية، وعبد الملك، وأبو العبّاس، وأبو جعفر المنصور،

стр. 191

والمهديّ، وهارون الرشيد، وكان بها عمّال العراق والدعوة لهم في العطاء قبل أهل البصرة عدّة أهل الكوفة ثمانون ألفا، ومقاتلتهم أربعون ألفا، وكان زياد يقول: أهل الكوفة أكثر طعاما، وأهل البصرة أكثر دراهم. وقال الأحنف بن قيس: نزل أهل الكوفة في منازل كسرى بن هرمز بين الجنان الملتفّة والمياه الغزيرة والأنهار المطّردة، تأتيهم ثمارهم غضّة لم تخضد ولم تفسد، ونزلنا أرضا هشّاشة في طرف فلاة، وطرف ملح أجاج في سبخة نشّاشة، لا يجفّ ثراها، ولا ينبت مرعاها، يأتينا ما يأتينا في مثل مريء النّعامة. قال: ولمّا ظهر أمير المؤمنين ﵇ على أهل البصرة قال أعشى همدان: اكسع البصريّ إن لاقيته ... إنّما يكسع من قلّ وذلّ واجعل الكوفيّ في الخيل ولا ... تجعل البصريّ إلّا في النّفل وإذا فاخرتمونا فاذكروا ... ما فعلنا بكم يوم الجمل بين شيخ خاضب عثنونه ... وفتى أبيض وضّاح رفل جاءنا يخطر في سابغة ... فذبحناه ضحى ذبح الحمل وعفونا فنسيتم عفونا ... وكفرتم نعمة الله الأجلّ وقال فطر بن خليفة: نازعني قتادة في الكوفة والبصرة فقلت: دخل الكوفة سبعون بدريّا، ودخل البصرة عتبة بن غزوان فسكت. وقال أمير المؤمنين: قبّة الإسلام الكوفة، والهجرة بالمدينة، والأبدال بالشام، والنجباء بمصر وهم قليل. وقالوا: من نزل الكوفة فلم يقرّ لهم بفضل ثلاث، فليست له بدار: بفضل ماء الفرات، ورطب المشان، وفضل أمير المؤمنين عليّ ﵇ ومن نزل البصرة. فلم يقرّ لهم بثلاث فليست له بدار: بفضل عثمان، وفضل الحسن البصريّ ورطب الأزاذ.

стр. 192

قالوا: ومن أسخياء الكوفة: هلال بن عتّاب، وأسماء بن خارجة، وعكرمة بن ربعيّ الفيّاض، ومن فتيانها: خالد بن عتاب، وأبو سفيان بن عروة بن المغيرة بن شعبة، وعمرو بن محمّد بن حمزة. وقال سعيد بن مسعود المازنيّ لسليمان بن عبد الملك: منّا أحلم الناس: الأحنف، وأحملهم بحمالة: إياس بن قتادة، وأسخاهم: طلحة بن عبد الله بن خلف، وأشجعهم عبّاد بن حصين والحريش «١» ، وأعبدهم: عامر بن عبد قيس. فقال نظّار الكوفة: منّا أشجع الناس الأشتر «٢» ، وأسخاهم: خالد بن عتّاب، وأحملهم: عكرمة الفيّاض، وأعبدهم: عمرو بن عتبة بن فرقد. وقالوا جميعا: إذا كان علم الرجل حجازيّا وطاعته شاميّا وسخاؤه كوفيّا فقد كمل. افتخار الكوفيّين والبصريّين قال: اجتمع عند أبي العبّاس أمير المؤمنين عدّة من بني عليّ، وعدّة من بني العبّاس، وفيهم بصريّون وكوفيّون منهم: أبو بكر الهذليّ وكان بصريّا، وابن عيّاش وكان كوفيّا «٣» ، فقال أبو العبّاس: تناظروا حتى نعرف لمن الفضل منكم. قال بعض بني عليّ: إن أهل البصرة قاتلوا عليّا يوم الجمل، وشقّوا عصا المسلمين. قال أبو العبّاس: ما تقول يا أبا بكر؟ قال: معاذ الله أن يجهل أهل البصرة، إنما كانت شرذمة منها شذّت عن سبل

стр. 193

المنهج، واستحوذ عليها الشيطان، وفي كلّ قوم صالح وطالح فأما أهل البصرة فهم أكثر أموالا وأولادا، وأطوع للسلطان، وأعرف برسوم الإسلام. قال ابن عيّاش: نحن أعلم بالفتوح منكم، نحن نفينا كسرى عن البلاد وأبرنا جنوده وأبحنا ملكه وفتحنا الأقاليم، وإنما البصرة من العراق بمنزلة المثانة من الجسد، ينتهي إليها الماء بعد تغييره وفساده، مضغوطة قبل ظهرها بأخشن أحجار الحجاز وأقلّها خيرا، مضغوطة من فوقها ببطيحتها، وإن كانوا يستعذبون ماءهم، ولولا ذلك ما انتفعوا بالعيش، ومضغوطة بالبحر الأخضر من أسفلها ونحن قلّلناهم على وجه المعزاء، وبعثنا إليهم من جندنا ما كان منه قوامهم، وإنما أهل البصرة بمنزلة الرسل لنا، ومحلّ الكوفة محلّ اللهوات واللسان من الجسد، وموضعها على صدور الأرضين ينتهي إليها الماء ببرده وعذوبته، ويتفرق في بلادنا ويجوز بالعذبة الزكيّة الفرات ودجلة، والبصرة من العراق بمنزلة المثانة من الجسد. قال أبو بكر: أنتم مع ما وصفت أكثر أنبياء وما لنا إلّا نبي واحد وهو محمّد صلّى الله عليه وعامّة أنبيائكم الحاكة. فضحك أبو العبّاس حتى كاد يسقط عن السرير ثم قال: لله درّك يا أبا بكر. فقال أبو بكر: وما رأيت الأنبياء مصلوبين إلّا ببلاد الكوفة. فقال ابن عيّاش: عيّرت أهل الكوفة بثلاثة مجانين من السفلة ادّعوا النبوّة بالجنون، فصلبهم الله بالكوفة، فمن يعيّر به أهل البصرة من المدّعين للعقول والشرف والروايات للحديث كثيرا، وكلّهم يزعم أنه يهدي نفسه ويضلّها، والمتنبّئ بالجنون أيسر خطبا من ادّعاء الصحيح هدى نفسه وضلالها، فلقد ادّعوا الربوبيّة في قول بعضهم. فقال أبو العبّاس: هذه بتلك أو أشدّ يا أبا بكر، فاعترض عليهم بعض العلويّة وهو الحسن بن زيد فقال: يا أبا بكر ما قاتلتم عليّا يوم الجمل؟ فقال: بلى، قاتله شرذمة، وكفّ الله أيدينا وسلاحنا عن قتله نظرا منه لنا، ثم

стр. 194

رجع إلى الكوفة فقتلوه وولده وولد ولده وبني عمّه. وأخرجوا الحسن بن عليّ بعد بيعتهم له حتى هرب منهم. فقال ابن عيّاش: بل قصّر الله أيديكم بطول أيدي الكوفة وبنصرتهم عليكم، وكيف تعيّرنا بباطل رجل واحد منّا يبلغ بباطله ما عجز عنه عامّتكم، ولقد حدّثني أشياخ من النّخع أن أهل الكوفة كانوا يوم الجمل تسعة آلاف رجل مع أمير المؤمنين ﵇ ، وكان عليه ثلاثون ألفا مع طلحة والزبير وعائشة، فلمّا التقوا لم يكن أهل البصرة إلّا كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف. فقال أبو بكر: ومتى كان أهل البصرة ثلاثين ألفا يقاتلون أمير المؤمنين ﵇ وقد اعتزلهم الأحنف بن قيس في سعد والرّباب، وقد دخلنا بعد ذلك الكوفة، فذبحنا بها ستّة آلاف رجل من أصحاب نبيّهم المختار، كما يذبح الحملان، سوى من هرب بعد أن جاء أسماء بن خارجة الفزاريّ ومحمّد بن الأشعث الكنديّ وشبث بن ربعيّ التميميّ، واستعانوا بأهل البصرة وشكوا إليهم المختار وأصحابه، وما قتل من رجالهم واستباح من حريمهم، فخرجنا مع مصعب بن الزّبير حتى قتلنا نبيّهم المختار، ومن قدرنا عليه من أصحابه وأعتقناهم من الرقّ، فلنا الفضل على أهل الكوفة، ولنا المنّة عليهم وعلى أعقابهم لو كانوا يشكرون. قال ابن عيّاش: أتاكم أهل الكوفة يوم الجمل مع عليّ فقتلوكم، فأرى أهل الكوفة غالبين ومغلوبين على الحقّ، وأرى أهل البصرة غالبين ومغلوبين على الباطل. فقال أبو العبّاس: يا أبا بكر دونك فإني أرى ابن عيّاش مفوّها جدلا. قال أبو بكر: ما لهم بنا طاقة. قال ابن عيّاش: لسنا في حرب فيرى مغالبنا، وإنما نحن في كلام، فأحسن الكلام أوضحه حجّة.

стр. 195

فقال الحسن بن زيد: يا أبا بكر لا تغالب أهل الكوفة ولا تفاخرهم، فإنهم أكثر فقهاء وأشرافا منكم. فقال أبو بكر: معاذ الله أنّى يكون هذا وما كان فيهم شريف إلّا وفينا أشرف منه، وما كان في تميم الكوفة مثل الأحنف في تميم البصرة، ولا في عبد القيس الكوفة مثل الحكم بن الجارود في عبد القيس البصرة، ولا كان في بكر الكوفة مثل مالك بن مسمع في بكر البصرة، ولا كان في قيس الكوفة مثل قتيبة بن مسلم في قيس البصرة. قال ابن عيّاش: زدنا يا أبا بكر إن وجدت مزيدا، فعندنا أضعاف ما ذكرت ومن أنت ذاكره إن شاء الله. قال أبو بكر: كفى بهذا فخرا وعزّا وشرفا. فقال ابن عيّاش: قطع بك يا أبا بكر، إنما أهل البصرة مثل نظام البعر المستوي واسطته درّة فهي فيهم مشهورة، وأهل الكوفة مثل نظيم الدرّ فواسطته منه لها أشباه كثيرة، ذكرت الأحنف في تميم البصرة وفي تميم الكوفة محمّد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس رهن قوسه عن جميع العرب، والنعمان ابن مقرّن صاحب النبيّ ﷺ ، المقدّم على جميع جيوش المسلمين أيّام عمر بن الخطّاب، وحسّان بن المنذر بن ضرار من بيت ضبّة، وسيّدها عتّاب بن ورقاء جواد العرب، وشبث بن ربعيّ التميميّ قائد أهل البصرة وسائقهم مع مصعب بن الزبير، وعكرمة بن ربعيّ التميميّ الذي قيل فيه: وعكرمة الفيّاض ربّ الفضائل فهؤلاء سادة تميم الكوفة، والعجب لفخرك بمالك بن مسمع في بكر بن وائل على مصقلة بن هبيرة، وقد أقرّ بين يدي عليّ بن أبي طالب بشرفه وفضله، ومنهم خالد بن معمّر وشقيق بن ثور السّدوسيّ وسويد بن منجوف وحريث بن جابر والحصين بن المنذر ومحدوج المخزوميّ ويزيد بن رويم الشيبانيّ والقعقاع بن شور الذهليّ، وأما فخرك بقتيبة بن مسلم فما أنت وذاك، إنما هو

стр. 196

رجل من باهلة صنعه الحجّاج، والشرف من قيس في عامر بن صعصعة في بني لبيد بن ربيعة الشاعر جاهليّا وإسلاميّا، وإنما فخرت بواحد من مائة، ألا أنّي أجمل لك: أميرنا عليّ بن أبي طالب ومؤذّننا عبد الله بن مسعود وقاضيا شريح، فهات في أهل البصرة واحدا من هؤلاء الثلاثة. قال أبو بكر: أميرنا عبد الله بن عبّاس. قال ابن عيّاش: نحن بطانة عبد الله وظهارته وأنصاره وجنده عليكم، ونحن أحقّ به منكم. فقال أبو بكر: فإن كان مؤذّنكم عبد الله بن مسعود فمنّا أنس بن مالك خادم النبيّ ﷺ . فقال ابن عيّاش: وأين أنس من ابن مسعود فتقيسه به، ولقد نزل الكوفة سوى من سمّيت لك سبعون رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ ، فنقيم لك واحدا بأنس، ثم نفتخر عليك بتسعة وستّين باقين. فقال أبو بكر: فإن كان شريح قاضيكم ففينا الحسن البصريّ سيّد التابعين، وابن سيرين في فضلهما وفقههما. فقال ابن عيّاش: إن عددت هذين وباهيت بهما، عددنا لك أويسا القرنيّ الذي يشفع في مثل ربيعة ومضر، وربيع بن خثيم، والأسود بن يزيد وعلقمة، ومسروقا، وهبيرة بن يريم، وأبا ميسرة، وسعيد بن جبير، والحارث الأعور صاحب عليّ بن أبي طالب وراويته، وأين أنت عمّن لم تر عينك مثله في زمانه من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه، ولا أحفظ لما سمع، ولا أفقه في الدين، ولا أصدق في الحديث، ولا أعرف بمغازي النبيّ صلّى الله عليه وأيّام العرب وحدود الإسلام والفرائض والغريب والشعر، ولا أوصف لكل أمر من عامر بن شراحيل الشّعبيّ؟ فقال كلّ من حضر: لقد كان كذلك، وبالكوفة بيوتات العرب الأربعة: فحاجب بن زرارة بيت تميم، وآل زيد بيت قيس، وآل ذي الجدّين بيت ربيعة، وآل قيس ابن معدي كرب الزّبيديّ بيت اليمن. وبالكوفة فرسان العرب الأربعة في

стр. 197

الجاهليّة والإسلام: عمرو بن معدي كرب، والعبّاس بن مرداس السّلميّ، وطليحة بن خويلد الأسديّ، وأبو محجن الثقفيّ، وأهل الكوفة جند سعد بن أبي وقّاص يوم القادسيّة، وأصحاب الجمل، وصفّين، وخانقين، وجلولاء، ونهاوند، وفرسانهم المعدودون في الإسلام: مالك بن الحارث الأشتر النخعيّ، وسعد بن قيس الهمذانيّ، وعروة بن زيد الطائيّ صاحب وقعة الديلم، وعبد الرحمن بن محمّد بن الأشعث الكنديّ. فقال أبو بكر: هذا الذي سلب الحسين بن عليّ قطيفة فسمّاه أهل الكوفة عبد الرحمن قطيفة، فقد كان ينبغي أن لا تذكره. فضحك أبو العبّاس من قول أبي بكر. فقال ابن عيّاش: والذي سار تحت لوائه أهل الكوفة والبصرة وجماعة أهل العراق وبالكوفة من أحياء العرب بأسرهم ما ليس بالبصرة منهم إلّا أهل بيت واحد وهم الذين يقول فيهم عليّ بن أبي طالب: لو كنت بوّابا على باب جنّة لقلت لهمدان ادخلي بسلام «١» فقال أبو بكر: فهل فيمن سمّيت أحد إلّا قاتل الحسين بن عليّ، وأهل بيته أو خذلهم أو سلبهم وأوطأ الخيل صدورهم؟ فقال ابن عيّاش: تركت الفخر وأقبلت على التعيير، أنتم قتلتم أباه عليّ بن أبي طالب، فأما أهل الكوفة فكان منهم مع الحسين يوم قتل أربعون رجلا، وإنما كان معه سبعون رجلا فماتوا كلّهم دونه وقتل كلّ واحد منهم عدوّة قبل أن يقتل. فقال أبو بكر: إن أهل الكوفة قطعوا الرحم ووصلوا المثانة، كتبوا إلى الحسين بن عليّ إنّا معك مائة ألف وغرّوه حتى إذا جاء خرجوا إليه فقتلوه وأهل بيته صغيرهم وكبيرهم، ثم ذهبوا يطلبون دمه، فهل سمع السامعون بمثل هذا؟ فقال ابن عيّاش: ومن أهل الكوفة أبو عبد الله الجدليّ «٢» الذي صار ناصرا

стр. 198

لبني هاشم حين حصرهم ابن الزبير، وكتب ابن الحنفيّة يستنصرهم فسار في عدّة ممّن كان مع ابن الزبير حتى صيّر الله بني هاشم حيث أحبّوا فهل كان فيهم بصريّ؟ فنهض أبو العبّاس وهو يقول: الكوفة بلاد الأدب ووجه العراق ومبزغ أهلّة وعليها الجحاش وهي غاية الطالب، ومنزل خيار الصحابة وأهل الشرف، وأن أهل البصرة لأشبه الناس بهم ثم قام. ما جاء في مسجد الكوفة قال أمير المؤمنين ﵇ : لقد صلّى في هذا البيت يعني مسجد الكوفة تسعون نبيّا، وألف وصيّ، وفيه فار التنّور، وخرجت منه السفينة، وفيه عصا موسى وخاتم سليمان بن داود، والبركة منه على اثني عشر ميلا، وهو أحد المساجد الأربعة التي تعظم، ولإن أصلّي فيه ركعتين أحبّ إليّ من أن أصلّي عشرا في غيره إلّا في المسجد الحرام ومسجد الرسول. وقال ليث بن أبي سليم: بلغني أن المكتوبة في مسجد الكوفة تعدل حجّة، والتطوّع يعدل عمره. وقال زادانفروخ مسجد الكوفة تسعة أجربة. ويروى عن ابن عيينة قال: مرّ إبراهيم ﵇ بالقادسيّة فرأى زهرتها فقال: قدّست وسمّيت القادسيّة. ويقال إن أمير المؤمنين ﵇ قال: إن بالكوفة أربع بقاع قدس مقدّسة فيها أربعة «١» مساجد، قيل: سمّها يا أمير المؤمنين. قال: أحدها مسجد ظفر: وهو مسجد السّهلة، إن أطنابها من الأرض لعلى ياقوتة خضراء، ما بعث الله نبيّا إلّا صورة وجهه فيها. والثاني مسجد جعفيّ: لا تذهب الأيّام والليالي حتى تنبع منه عين. والثالث مسجد غنيّ: لا تذهب الليالي والأيّام حتى تنبع منه عين، وحوله جنينة. والرابع مسجد الحمراء: وهو في موضع بستان، لا تذهب الليالي

стр. 199

والأيّام حتى تنبع منه عين، تنطف ماء حواليه وفيه قبر أخي يونس بن متّى. ويقال: إن مسجد السهلة مناخ الخضر، وما أتاه مغموم. إلّا فرّج الله عنه، قال: ونحن نسمّي مسجد السهلة مسجد القرى. وبالكوفة الفرات وهو نهر من أنهار الجنّة، وفي الخبر: الفرات والنيل مؤمنان، ودجلة وبرهوت كافران. وقال عبد الملك بن عمير: الفرات نهر من أنهار الجنّة، لولا ما يخالطه من الأذى، ما تداوي به مريض إلّا أبرأه الله، فإن عليه ملكا يذود عنه الأدواء. وقال سماك بن حرب: أصبت ببصري فرأيت إبراهيم ﵇ في منامي فقال: ائت الفرات فاستقبل بعينيك جرية الماء، ففعلت فردّ الله عليّ بصري. ومخرج الفرات من قاليقلا، ويدور بتلك الجبال حتى يدخل أرض الروم، ويجيء إلى كمخ وإلى ملطية، ويجيء إلى جبلتا وعيونها حتى يبلغ سميساط، فيحمل من هناك السفن، ثم يصبّ إليه الأنهار الصغار: نهر سنجة ونهر كيسوم، ونهر ديصان والبليخ، ثم يجيء إلى الرقّة، ثم يتفرّق فيصير أنهارا، فمن أنهاره: نهر سورا وهو أكبرها، ونهر الملك، ونهر صرصر، ونهر عيسى والصراتين، ونهر الخندق، وكوثى، وسوق أسد، ونهر الكوفة والفرات العتيقة. وقال المدائنيّ: اجتمع أهل العراق عند يزيد بن عمر بن هبيرة فقال ابن هبيرة: أيّ البلدين أطيب ثمرة الكوفة أم البصرة؟ فقال خالد بن صفوان: ثمرتنا أطيب أيّها الأمير منها كذا ومنها كذا. فقال عبد الرحمن بن بشير العجليّ: لست أشكّ أيّها الأمير إلّا وأنكم قد اخترتم للخليفة ما تبعثون به إليه، فقال: أجل. فقال: قد رضينا بأن تحكم لنا وعلينا، فأيّ الرطب تحملون إليه؟ قال: المشان. قال: فليس بالبصرة منه واحدة، فأيّ التمر تحملون إليه؟ قال: النرسيان. قال: وهذا فليس بالبصرة منه واحدة. قال: والهيرون والأزاذ. قال: وهذا فليس بالبصرة منهما واحدة، ثم قال: فأيّ القسب تحملون إليه؟ قال: قسب العنبر. قال: وهذا

стр. 200

فليس بالبصرة منه واحدة. قال: أفلست تعلم أنها أفضل من البصرة؟ ذكر الخورنق قالوا: ومن البناء المذكور الأبلق الفرد، وباليمن غمدان، وهو قصر من أعجب ما بنته الملوك، وقد ذكرنا خبره. وقصر نباج بناه الأخنس بن شهاب، والهرمان «١» بمصر والإسكندرية ومنارتها، ومنف مدينة فرعون، وملعب فامية بحمص، وتدمر بالشام، وإيوان أنوشروان ومأرب وشبديز والخورنق بظهر الكوفة. وكان الذي بناه النعمان بن امرئ القيس، وهو ابن الشّقيقة بنت أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان فارس حليمة، ملك ثمانين سنة وبنى الخورنق في ستّين سنة، بناه له رجل روميّ. يقال له سنمّار، وكان يبني السنتين والثلاثة ثم يغيب الخمس سنين، فيطلب فلا يوجد، ثم يأتي فيبني كذلك حتى أتت عليه ستّون سنة وفرغ من الخورنق، فصعده النعمان على دابّته فنظر إلى البحر تجاهه والبرّ خلفه، ورأى الحوت والضبّ والظبي والطير والظليم والنخل والزرع فقال: ما رأيت مثل هذا البناء قطّ، فقال له سنمّار: أما أني أعلم موضع آجرّة لو زالت زال هذا القصر كلّه. فقال له النعمان: أيعرفها أحد غيرك؟ قال: لا. قال: لا جرم لأدعنّها لا يعرفها أحد، ثم أمر فقذف سنمّار من فوق القصر فتقطّع، فضربت العرب به المثل فتقول: جازاني جزاء سنمّار، فقال الشاعر: جزاني جزاه الله شرّ جزائه ... جزاء سنمار وما كان ذا ذنب سوى رمّه البنيان ستّين حجّة ... يعلّي عليه بالقراميد والسّكب فلمّا رأى البنيان تمّ سحوقه ... وآض كمثل الطّود ذي الباذخ الصّعب وظنّ سنمّار به كلّ خيرة ... وفوز لديه بالمودّة والقرب فقال: أقذفوا بالعلج من فوق رأسه ... فهذا لعمر الله من أعجب الخطب «٢»

стр. 201

وكان النعمان غزا الشام مرارا وأكثر المصائب في أهلها وسباهم، وكان من أشدّ الملوك نكاية، فجلس ذات يوم في مجلسه من الخورنق فأشرف على النّجف وما يليه من البساتين والنخل والجنان والأنهار ممّا يلي المغرب، وعلى الفرات ممّا يلي المشرق، والخورنق قصر بحذاء الفرات، يدور عليه في عاقول كالخندق، فأعجبه ما رأى من الخضرة والنور والأنهار والزهر، فقال لوزيره: رأيت مثل هذا المنظر؟ قال: لا، لو كان يدوم. قال: وما الذي يدوم؟ قال: ما عند الله في الآخرة. قال: فبم ينال؟ قال: بتركك الدنيا وتعبد الله، وتلتمس ما عنده، فترك ملكه من ليلته ولبس مسوحه وخرج هاربا لا يعلم به أحد، وأصبح الناس لا يعلمون بحاله فحضروا بابه فلم يؤذن لهم ثلاثة، أيّام، فلمّا أبطأ الأذن سألوا عنه فلم يجدوه، ففي ذلك يقول عديّ بن زيد «١» : وتبيّن ربّ الخورنق إذ أش ... رف يوما وللهدى تفكير سرّه حاله وكثرة ما يم ... لك والبحر معرضا والسّدير فارعوى قلبه وقال وما غب ... طة حيّ إلى الممات يصير ثم صاروا كأنّهم ورق ج ... فّ فألوت به الصّبا والدّبور وسمّي السّدير لأن العرب نظرت إلى سواد النخل فسدرت أعينهم أي تحيّرت فقالوا: ما هذا إلّا سدير. وقال الكلبيّ: أوّل من بنى الخورنق بهرام جور بن يزدجرد بن سابور ذي الأكتاف، وذلك أن يزدجرد كان لا يبقى له ولد، وكان بهرام أصابه جن في صغره، فسأل عن منزل مريء صحيح من الأدواء فقالت الأطبّاء: لا يبرأ حتى تخرجه من أرضك إلى بلاد العرب، ويسقى أبوال الإبل وألبانها، فوجّهه يزدجرد إلى النعمان وأمر ببناء الخورنق مسكنا له ليعالج فيه، فعولج فبرأ، فكان بهرام يكرم العرب ويركب الإبل وهو في الصّور التي تصوّرها العجم في أوانيها وبسطها وفرشها راكب بعيرا أبدا.

стр. 202

وقال الهيثم بن عديّ: لم يقدم الكوفة أحد إلّا أحدث في هذا القصر شيئا، يعني الخورنق، فلمّا قدمه الضحّاك بن قيس بناه وعمره، فدخل عليه شريح القاضي فقال: أبا أميّة أرأيت بناء قطّ أحسن منه؟ قال، نعم، قال: كذبت وأيّ بناء رأيته أحسن منه؟ قال: السماء. قال: وعن السماء سألتك أقسم لتسبّنّ أبا تراب «١» . قال: لا أفعل. قال: ولم؟ قال: لأنّا نعظّم أحياء قريش، ولا نسبّ موتاها، قال: جزاك الله خيرا. وأنشد لعليّ بن محمّد العلويّ «٢» : كم وقفة لك بالخور ... نق لا توازى بالمواقف بين السّدير إلى الغدي ... ر إلى ديارات الأساقف فمدارج الرّهبان في ... أطمار خائفة وخائف دمن كأنّ رسومها ... يكسين أعلام المطارف وكأنّما غدرانها ... منها عشور من مصاحف وكأنّما أنوارها ... تهتزّ بالرّيح العواصف يلقى أواخرها أوا ... ئلها بألوان الرفارف بحريّة شتواتها ... برّيّة منها المصايف درّيّة الحصباء كا ... فوريّة منها المشارف قصّة الغريّين وبها الغريّان بناهما المنذر بن امرئ القيس، وهو ابن ماء السماء، وكان سبب ذلك أنه كان له نديمان من بني أسد خالد بن نضلة وعمرو بن مسعود وأنهما

стр. 203

ثملا من النبيذ ليلة فرادّا الملك بعض الكلام فأمر فحفر لهما حفيرتان، بجانب البئر بظهر الكوفة فدفنا فيه حيّين وفيهما يقول الشاعر: ألا بكّر الناعي بخيري بني أسد ... بعمرو بن مسعود وبالسّيّد الصّمد يعني خالد بن نضلة، وأمر ببناء طربالين عليهما وهما صومعتان، وجعل لهما في السنة يومين: يوم بؤس ويوم نعيم، فيذبح في يوم بؤسه كلّ من يلقاه، ويغرو بدمه الطربالين ما كان من شيء آدميّ أو وحشيّ، وفي يوم بؤسه قتل عبيد بن الأبرص الأسديّ الشاعر، وكان أوّل من أشرف عليه في يوم بؤسه، فقال له المنذر: هلّا كان الذبح لغيرك يا عبيد، فقال عبيد: أتتك بحائن رجلاه فأرسلها مثلا، فقال المنذر: أجلّ بلغ أناه، فقال له المنذر: أنشدني. فقال: حال الجريض دون القريض، وبلغ الحزام الطّبيين، فأرسلهما مثلا فقال المنذر: أسمعني. فقال: عبيد المنايا على الحوايا، فأرسلها مثلا. فقال له بعض أصحاب الملك: أنشده هبلتك أمّك. فقال عبيد: وما قول قائل مقتول، فأرسلها مثلا. فقال له آخر: ما أشدّ جزعك من الموت. قال: لا يرحل رحلك من ليس معك، فأرسلها مثلا، أي لا تدخل في أمرك من لا يهتمّ بك. قال المنذر: قد أمللتني فأرحني، قال عبيد: من عزّ بزّ، فأرسلها مثلا ثم قتله. وكان سبب تركه لهذين اليومين رجل من طيّء يقال له حنظلة، همّ بقتله فتكفّل به شريك بن عمرو بن شراحيل أبو الحوفزان على أن يرجع إلى أهله ويصلح حالهم، ثم يعود إليه فانقضت السنة ولم يرجع حنظلة فهمّ الملك بشريك، فلمّا وضع السيف على عنق شريك فإذا بحنظلة قد أقبل متحنّطا متكفّنا، فلمّا رآه المنذر عجب من وفائهما فخلّى عنهما وأبطل السّنّة، وقال: لا أكون الأم الثلاثة. والغريّ في اللغة ما يبس عليه الدم من صنم وغيره. ولمّا دخل معن بن زائدة الكوفة رأى الغريين قد انهدما فأنشأ يقول: لو كان شيء مقيما لا يبيد على ... طول الزمان لما باد الغريّان قد فرّق الدهر والأيّام بينهما ... وكلّ إلف إلى بين وهجران

стр. 204

قالوا: وبالكوفة الحيرة البيضاء، وكانت الملوك تنزلها قبل أن بنيت الكوفة لطيب هوائها وفضلها على سائر المواضع، وإنما سمّيت الحيرة لأن تبّعا لمّا سار إلى موضع الحيرة. أخطأ الطريق وتحيّر هو وأصحابه فسمّيت الحيرة وأوّل من نزل من العرب الحيرة جذيمة الأبرش، ويقال: بل أوّل ملوكها مالك بن فهم بن غنم بن دوس من الأزد. وقال ابن عيينة: سمعت ابن شبرمة يقول: يوم وليلة بالحيرة خير من دواء سنة، وكان ابن كناسة ينشد: فإنّ بها لو تعلمين أصائلا ... وليلا رقيقا مثل حاشية البرد قال: وكان أوّل من ملك منهم في زمن ملوك الطوائف مالك بن فهم، وكان منزله فيما يلي الأنبار، ثم مات فملك أخوه جذيمة الأبرش، وكان من أفضل ملوك العرب رأيا، وأبعدهم مغارا، وأشدّهم نكاية، وأظهرهم حزما، وصار الملك من بعده في ابن أخته عمرو بن عديّ، وهو أوّل من اتّخذ الحيرة منزلا من ملوك العراق، وهم ملوك آل نصر: إليه ينسبون ثم غلب على الأمر أردشير بن بابك في أهل فارس. قالوا: وسوق يوسف بالحيرة نسب إلى يوسف بن عمرو بن محمّد بن الحكم بن عقيل الثقفيّ ابن عمّ الحجّاج بن يوسف وحمّام أعين نسب إلى أعين مولى سعد بن أبي وقّاص. وشهار سوج «١» معناه شهار طاق بجلة بالكوفة نسب إلى قبيلة بجلة، وهم ولد مالك بن ثعلبة وبجلة أمّهم وغالبتهم على نسبهم، ونسبوا إليها وغلط الناس فقالوا بجيلة. وجبّانة عرزم منسوبة إلى رجل كان يلبّن فيها، ولبنها رديّ فيه قصب وخرق، فربّما أصابها شظيّة من نار فاحترقت الحيطان.

стр. 205

وزرارة نسبت إلى زرارة بن يزيد بن عمرو بن عدس من بني البكّاء، وكانت منزله فأخذها معاوية بن أبي سفيان «١» . ودار حكيم بالكوفة في أصحاب الأنماط نسبت إلى حكيم بن سعد بن ثور البكّائيّ. وقصر مقاتل نسب إلى مقاتل بن حسّان بن ثعلبة. والسّوّاريّة بالكوفة نسبت إلى سوّار بن زيد العباديّ الشاعر. وقرية أبي صلابة التي على الفرات نسبت إلى أبي صلابة بن مالك بن طارق العبديّ. وأقساس مالك تنسب إلى مالك بن قيس. ودير الأعور منسوب إلى رجل من إياد من بني أميّة بن حذاقة. ودير قرّة ينسب إلى قرّة أحد بني أميّة بن حذاقة، وإليهم نسب دير السّوا والسّوا العدل. ودير الجماجم دير لإياد، وكان بين حيّين منهم قتال، وهم: بنو بهراء بن الحاف بن قضاعة، وبين بني القين بن جسر بن شيع الله بن وبرة، فقتل منهم خلق، فلمّا انقضت الوقعة دفنوا قتلاهم عند الدير، فكان بعد ذلك إذا حفروا فيه لبعض أمورهم وجدوا جماجم فيخرجونها فسمّي دير الجماجم. ويقال أيضا: إن دير كعب لإياد أيضا. ودير هند لأمّ عمرو بن هند. ودار قمام نسب إلى قمام بنت الحارث بن هانئ الكنديّ وهو عند دار الأشعث بن قيس. وبيعة عديّ نسبت إلى بني عديّ بن الدّميل من لخم.

стр. 206

وكانت طيزناباذ تدعى ضيزناباذ منسوبة إلى ضيزن بن معاوية بن العبيد السّليحيّ. ومسجد سماك بالكوفة منسوب إلى سماك بن مخزمة بن حمين الأسديّ. وبها محلّة بني شيطان منسوبة إلى شيطان بن زهير من زيد مناة بن تميم. ورحا عمارة نسبت إلى عمارة بن عقبة بن أبي معيط. وجبّانة سالم نسبت إلى سالم بن عمّار من بكر بن هوازن. وصحراء البردخت نسبت إلى البردخت الشاعر الضبّيّ. ومسجد بني عنز ينسب إلى بني عنز بن وائل بن قاسط. ومسجد بني جذيمة. وقصر العدسيّين في طرف الحيرة لبني عمّار بن عبد المسيح نسبوا إلى جدّتهم عدسة بنت مالك بن عوف الكلبيّ. وسكّة البريد اليوم بالكوفة كانت بيعة لأمّ خالد بن عبد الله القسريّ. ونهر الجامع من حفر خالد وقصر خالد معروف هناك. وسوق أسد منسوب إلى أخيه أسد بن عبد الله القسري. وقنطرة الكوفة أحدثها عمر بن هبيرة وأصلحها خالد بن عبد الله القسريّ. وقصر يزيد بن عمر بن هبيرة بالقرب من جسر سورا. والمدينة الهاشميّة التي بناها أبو العبّاس بحيالها وكان نزلها، ثم اختار نزول الأنبار فبنى فيها مدينتها المعروفة به، فلمّا استخلف المنصور نزل المدينة الهاشميّة بالكوفة، واستتمّ بناءها وزاد فيها، ثم تحوّل منها إلى بغداذ فبنى مدينته ومصّر بغداذ، وسمّاها مدينة السلام. وبنى المنصور بالكوفة الرّصافة، وأمر أبا الخصيب مرزوقا مولاه فبنى له القصر المعروف بأبي الخصيب على أساس قديم له، ويقال بل بناه لنفسه.

стр. 207

وأما الخورنق فقد أتمّ بناءه النعمان لبهرام جور. وجبّانة ميمون نسبت إلى ميمون مولى محمّد بن عليّ بن عبد الله وهو أبو بشر بن ميمون صاحب الطاقات ببغداذ بالقرب من باب الشام. وصحراء أمّ سلمة نسبت إلى أمّ سلمة بنت يعقوب بن سلمة بن عبد الله امرأة أبي العبّاس أمير المؤمنين. ما جاء في ذمّ الكوفة من ذلك غدرهم بأمير المؤمنين ﵇ حتى قتل بينهم، وخذلانهم له حتى في تجهم «١» غيره. وخذلانهم الحسين بن علي ﵄ بعد مكاتبتهم إياه، حتى قتل بين ظهرانيهم وهم ينظرون. بل هم كانوا أصحابه وقتلته. وقبل ذاك غدرهم بالحسن ومكاتبتهم معاوية ومصير أكثرهم إليه. وطعنهم الحسن وسلب متاعه. وقتل مسلم بن عقيل راسلا من إياه «٢» . وغدرهم بزيد بن علي ﵄، بعد مبايعتهم له. وكذلك فعلهم بيحيى بن عمر وغيره من أهل بيت رسول الله ﷺ . وقتلوا المختار بن عبيد وقد خرج طالبا بدماء أهل البيت. وكثرة شكايتهم للعمال. شكوا سعد بن أبي وقاص فدعا عليهم أن لا يرضيهم الله بوال ولا يرضى وال عنهم. وشكوا عمار بن ياسر، والمغيرة بن شعبة والوليد بن عقبة، وسعيد بن العاص. وكان () «٣» يقول: ما أبالي بعد السبعين لو دحيت صخرة قتلت بها عشرة من أهل الكوفة. وقال إذا كان رأس السنة فلو صعدت مسجد الكوفة وألقيت بصخرة ما خشيت أن أقتل مؤمنا. وقال عمر () «٤» استعملت عليهم

стр. 208

الضعيف خوّفوه. وإن استعملت عليهم القوي () «١» . وقال بعض أهل الكوفة للوليد بن عقبة بعد ما عزل عنهم: جزاك الله خيرا يا با وهب، فما رأينا بعدك خيرا منك. قال: ولكني بحمد الله لم أر بعدكم شرا منكم، وان بغضكم لتلف وحبكم لكلف. وقال النجاشي: إذا سقى الله أرضا صوب غادية ... فلا سقى الله أهل الكوفة المطرا التاركين على طهر نساءهم ... والنائكين بشطّي دجلة البقرا والسارقين إذا ما جنّ ليلهم ... والدارسين إذا ما أصبحوا السورا ألقى العداوة والبغضاء بينهم ... حتّى يكونوا لمن عاداهم جزرا [٢ أ] وقال فيهم أيضا: لعن الله ولا يغفر لهم ... ساكني الكوفة من حيّ مضر واليمانيين لا يحفل بهم ... فهم من شرّ من فوق الغبر جلدوني ثم قالوا قدر ... قدّر الله لهم سوء القدر وكان قوم من أهل البصرة والكوفة بخراسان في بعض المغازي. فعيّر البصريون الكوفيين بشرب السويق، وعيّر الكوفيون البصريين بشرب النبيذ. فقال الشاعر في ذلك: إذا ذكر الفرات بكوا عليه ... بعيد ما تمنّاهم سحيق وقد علموا بأنّ الحرب ليست ... لأصحاب التزايد والسويق ضربناكم على الإسلام حتّى ... أقمناكم على وضح الطريق وأتت عيرهم أهل الشام بالسمن، فقال شاعرهم: () «٢» غير سبع ... بقين من المحرّم أو ثمان

стр. 209

وادعى النبوة من أهل الكوفة جماعة منهم المختار بن عبيد. كتب إلى الأحنف بن قيس: بلغني أنكم تكذّبونني. ولئن كذبتموني فقد كذبت الأنبياء قبلي. ولست خيرا من كثير منهم. قيل لابن عمر: إن المختار يزعم أن الوحي يأتيه، فقال: صدق، وحي الشيطان. قال الله تعالى يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً ويروى أن المختار قال لرجل دخل إليه: اجلس على وسادة كانت في مجلسه: أتدري من قام عن هذه الوسادة آنفا؟ قال: لا، قال جبريل. وكان منهم أبو منصور الخنّاق «١» ، وكان يتولّى سبعة أنبياء من بني قريش وسبعة من بني عجل. وكان منهم المغيرة بن سعيد «٢» . وسأله رجل عن أمير المؤمنين علي. فقال لا تحتمله. قال: بل أحتمله. قال فذكر آدم ومن دونه من الأنبياء فلم يذكر أحدا منهم إلّا فضّل عليا ﵁ حتى انتهى إلى النبي ﷺ فقال فقلت كذبت. قال قد أخبرتك أنك لا تحتمل. وحج راشد الهجري وأتى المدينة وذلك في ولاية زياد [٢ ب] العراق، فقال للحسن ﵁: استأذن لي على أمير المؤمنين. قال: أو ليس قد مات؟ قال: لا والله ما مات، وإنه ليتنفس تنفس حيّ، ويعرق تحت الدثار الثقيل. فقال له الحسن: كذبت يا عدو الله. واتصل الخبر بزياد فقتله وصلبه على باب داره. وكانت فيهم هند الأفاكة.

стр. 210

وقال أصغر بن حسان المازني- مازن مذحج- وقد قدم الكوفة يلتمس الإحسان من أهلها فلم يفعلوا به جميلا، وقالوا: أقم حتى يقفل الجيش من جرجان. فلم يقم ورحل عنهم وقال: رحلت إلى قوم أؤمّل رفدهم ... وما سائل الكوفيّ إلّا مقاتله لصوص إذا مارستهم في بيوتهم ... منيت بخصم لا تزال تجادله وقالوا تربّص أوبة الجيش إنّه ... بجرجان لم نحبس عليك مجاهله وإنّ عطاء دونه ما زعمتم ... على سائل الأعراب قد راث جائله فأدنيت حرجوجا كأنّ سنامها ... من الأين (؟ ..........؟) «١» ورحت كما راح النجاشيّ منهم ... خفيفا من النقد الجياد رواحله فويل أمّها من قرية غير أنّها ... قليل بها معطي الجزيل وفاعله وفيهم يقول شاعر من بني عمرو بن عامر: يا أيها الراكب الغادي لطيّبة ... يؤمّ بالقوم أهل البلدة الحرم أبلغ قبائل عمرو إن لقيتهم ... لو كنت من دارهم يوما على أمم إنّا وجدنا فقرّوا في بلادكم ... أهل الكتاب وأهل اللوم والعرم أرض تغيّر أحساب الرجال بها ... كما رسمت بياض الرّيط بالحمر «٢» وخرج جيش من أهل الكوفة إلى حبيش بن دلجة بالربذة فخافوا ورجعوا. وخرج جيش من أهل البصرة فقتلوه فقال الشاعر في ذلك: [٣ أ] ألسنا بأصحاب ابن دلجة إذ عبا ... هنالك خيلا كالسّراحين ضمّرا تقاد بفرسان إذا حمس الوغى ... أحلّوا الحرام واستباحوا المنكرا فلاقتهم خيل لنا فارسيّة ... أساورة تدعو يزيد المسوّرا

стр. 211

فلما التقوا ولّى المشامون هرّبا ... عزيز (؟) وأخلوا عن حبيش مقطّرا ويروى عن مجاهد أنه قال: لما أوحى الله إلى الأرض أيام نوح فقال يا أرض ابلعي ماءك، كانت أرض الكوفة آخرها ابتلاعا وأشدها تقعسا. فمن هناك سائر الأرضين تكرب على حمارين وثورين وأرض الكوفة على ستة. وقال إبراهيم التيمي: لما أمرت الأرض أن تغيض الماء، أغاضت إلّا أرض الكوفة. فلعنت فسائر الأرض تكرب على ثورين وأرض الكوفة على أربعة. وقالت أم العلاء الأوذية: مرّوا بزيد بن علي في سوق كندة على حمار قد خولف بوجهه. فقاموا إليه يبكون. فأقبل عليهم وقال: يا شرار خلق الله! أسلمتموني للقتل ثم جئتموني تبكون؟ وقال علي ﵁ لأهل الكوفة: اللهمّ كما نصحتهم فغشّوني، وائتمنتهم فخانوني، فسلّط عليهم فتى ثقيف الذيال الميال يأكل خضرتها، ويلبس فروتها، ويحكم فيهم بحكم الجاهلية. وقال أبو عبد الله القشيري: قام أهل الكوفة إلى علي ﵁ فقالوا: العطاء يا أمير المؤمنين. فقال: ما لهم ميث الله قلوبهم كما يماث الملح في الماء. أتطلقوني ولادة من غير زوج؟ أما والله لو تجتمعون على حقكم كما تجتمعون على باطلكم ما غلّ على أموالكم حلب شاة. اللهمّ إني قد كرهتهم وكرهوني. فأرحهم مني وأرحني منهم. قال: فأصيب في ذلك العام. وقدم رجل من أهل المدينة يكنى أبا مريم الكوفة فلقيه علي ﵁. فقال: يا أبا مريم ما أقدمك هذه البلاد؟ فقال: ما كانت لي حاجة، ولكن عهدي بك وأنت تقول: لو ولّيت هذا الأمر لفعلت وفعلت. قال: فأنا على العهد الذي عهدت. ولكني بليت بأخبث قوم في الأرض. ما دعوتهم قطّ إلى حق فأجابوني [٣ ب] إليه. ولا يدعوني إلى أمر فأجيبهم إلّا اختلفوا «١» .

стр. 212

وقال جرير بن سيير «١» : قدمت الكوفة وقد انصرف علي بن الحسين من كربلاء، فرأيت نساء أهل الكوفة يلتدمن مهتكات الجيوب. فسمعت علي بن الحسين يقول بصوت صبي وقد نهكته العلة: ألا إنّ هؤلاء قتلونا. ورأيت زينب بنت علي ﵂ وقد أومأت إلى الناس أن انصتوا. فارتدت الأنفاس وسكنت الأجراس، ثم قالت: الحمد لله والصلاة على نبيه. أما بعد يا أهل الكوفة. يا أهل الختل والخذل. فلا رقأت العبرة ولا هدأت الرنّة. إنما مثلكم كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا. تتخذون أيمانكم دخلا بينكم. ألا وهل فيكم إلّا الصلف والصدف والشنف. ألا ساء ما قدمت لكم أنفسكم ان سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون. أتبكون؟ اي والله. فابكوا كثيرا واضحكوا قليلا. فلقد فزتم بعارها وشنارها ولن ترحضوها بغسل بعدها أبدا. وأنى ترحمون بعد قتل سليل خاتم الرسالة وسيد شبيبة أهل الجنة وملاذ خيرتكم ومفزع نازلتكم. ألا ساء ما تزرون. تعسا ونكسا. فلقد خاب السعي وتبت الأيدي وخسرت الصفقة وبؤتم بغضب من الله وضربت عليكم الذلة والمسكنة. ويلكم أتدرون أي كبد لمحمد ﷺ فريتم؟ وأي دم سفكتم؟ وأي حرمة له أضعتم؟ لقد جئتم شيئا إدّا. تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الجبال وتخر الجبال هدّا. ولقد أتيتم بها خرقاء شوهاء طلاع الأرض والسماء. فعجبتم أن قطرت السماء دما. فلعذاب الآخرة أخزى ولا تنصرون. فلا يستخفنكم المهل، فإنه لا يخاف فوت الثار. كلّا. إن ربك لبالمرصاد. قال: فرأيت الناس حيارى ولهى قد ردّوا أيديهم في أفواههم. ودخل اليقظان بن ظهير على عائشة فقالت: ممن أنت؟ فقال: من أهل الكوفة. فقالت: وددت أن الله سلّط على أهل الكوفة عذابا مثل عذاب يوم الظلة. ولما قتل مصعب بن الزبير، وكانت امرأته سكينة بنت الحسين. أرادت

стр. 213

الرحيل إلى المدينة وكانت بالكوفة. فقالت لها أهل الكوفة: يا بنت رسول الله، أحسن الله صحابتك [٤ أ] وفعل بك وفعل. فقالت: يا أهل الكوفة! لا أحسن الله صحابتكم. فلقد قتلتم جدي عليا وعمي الحسن وأبي الحسين وبعلي مصعبا. فأيتمتموني صغيرة وآيمتموني كبيرة. فلا أحسن الله عليكم الخلافة ولا رفع عنكم السوء. وقال عمر بن الخطاب: أعضل بيّ أهل الكوفة ما يرضون بأمير، ولا يرضاهم (أمير) ولا يصلحون لأمير ولا يصلح لهم. ويروى أن عمر بن الخطاب ﵁، بلغه عن أهل الكوفة خصب وقيل له: ما تقول في الضب والنون يجتمعان في سفود؟ فقال إنكم لتنعتون أرضا برية بحرية. وأعجبه ذلك فقال: ما أراني إلّا سآتيهم فآمرهم بمعروف. فكتب إليه كعب: يا أمير المؤمنين لا تعجل فإنه بلغني أن بها الداء العضال وبها تسعة أعشار الشر. وبلغني أنه كان إذا كل شيء يتكلم اجتمع ثمانية أشياء في واد: الإيمان والحياء والهجرة والموت والغناء والعيّ والشقاء والصحة. فقال بعضهم لبعض: تعالوا نتفرق في الأرض. فقال الإيمان: أنا ألحق بأرض اليمن. فقال الحياء: أنا معك. قالت الهجرة: أنا ألحق بأرض الشام. قال الموت: وأنا معك. قال الغنى: أنا ألحق بأرض العراق. قال التقى: أنا معك. قالت الصحة: ما تركتم لي شيئا من البلاد إلّا وقد أخذتموه، فأنا ألحق بالبرية. قال الشقاء: وأنا معك. وقالوا: السدير ما بين نهر الحيرة إلى النجف إلى كسكر من هذا الجانب. وعيون «١» الطف منها مثل عين الصيد والقطقطانة والرهيمة وعين جمل وذواتها، وبها عيون كانت للموكّلين بالمسالح التي وراء خندق سابور الذي حفره بينه وبين العرب وغيرهم. وذلك أن سابور أقطعهم أرضها فاعتملوها من غير أن يلزمهم خراجا. فلما كان يوم ذي قار ونصر الله العرب بنبيه ﷺ ، غلبت العرب على

стр. 214

طائفة من تلك العيون وبقي بعضها في أيدي الأعاجم. ثم لمّا قدم المسلمون الحيرة وهربت الأعاجم بعد أن طمّت عامة ما كان في أيديها منها وبقي الذي في أيدي العرب. فأسلموا عليه، وصار ما عمروه من الأرض [٤ ب] عشرا. ولما انقضى أمر القادسية والمدائن دفع ما جلا عنه الأعاجم من أرض تلك العيون إلى المسلمين وأقطعوه، فصارت عشرية أيضا. وكان مجرى عيون الطف وأرضها مجرى أعراض المدينة وقرى نجد. وكانت صدقتها على عمال المدينة. فلما ولي إسحاق بن إبراهيم بن مصعب السواد للمتوكل ضمها إلى ما في يده. فتولى عمالة عشرها وصيرها سوادية. فهي على ذلك إلى اليوم. وقد استخرجت فيها اليوم عيون إسلامية تجري ما عمرتها من الأرضين هذا المجرى. وسألت بعد المشايخ عن عين جمل لم سميت بهذا الاسم؟ فذكر أن جملا مات عندها فنسبت العين إليه. وذكر بعض أهل واسط أن المستخرج لهذه العين يسمى جملا. قال: وسميت عين الصيد لأن السمك كان كثيرا جدا فيها، فيصطاد فسميت بهذا الاسم. وكانت عين الرحمة مما طمّتها وغوّرتها الأعاجم. فيقال إن رجلا من أهل كرمان اجتاز بها وهو يريد الحج. فنظر إليها- وكان بصيرا باستنباط المياه- فلما قضى حجه ورجع، أتى عيسى بن موسى فدلّه عليها وقال أنا أستنبطها لك. فكاتب السلطانيّ في أن يقطعه إياها وأرضها، ففعل. واستخرجها له الكرماني فاعتمل ما عليها من الأرض وغرس النخل الذي في طريق العذيب. وعلى فراسخ من هيت عيون تدعى الغرق تجري لهذا المجرى وأعشارها إلى صاحب هيت .

стр. 215

القول في البصرة قال أبو عبيدة معمر بن المثنى «١» : سميت البصرة لأنه كان فيها حجارة رخوة. والبصرة: الحجارة الرخوة تضرب إلى البياض. قال ذو الرمة: [تداعين باسم الشيب في متثلّم] «٢» ... جوانبه من بصرة وسلام وقالوا: سميت البصرة لأنه كان فيها حجارة سود بصرة. وقال محمد بن شرحبيل بن حسنة إنما سميت البصرة لأن فيها حجارة سوداء صلبة وهي البصرة. قال خفاف بن ندبة: إن تلك جلمود بصر لا أوبّسه ... أوقد عليه فأحميه فينصدع وقال الطرماح: [٥ أ] مؤلّفة تهوي جميعا كما هوى ... من النيق فوق البصرة المتطحطح وقال نافع بن كلدة: كان عمر بن الخطاب قد همّ أن يتخذ للمسلمين مصرا. وكان المسلمون قد غزوا من قبل البحرين وتوّج ونوبندجان وطاسان. فلما فتحوها كتبوا إليه: إنّا وجدنا بطاسان مكانا لا بأس به: فكتب إليهم: إن بيني وبينكم دجلة فلا حاجة لي في كل شيء بيني وبينه دجلة أن تتخذوه مصرا. فقدم عليه رجل من بني سدوس يقال له ثابت فقال: يا أمير المؤمنين. إني مررت بمكان دون دجلة فيه قصر وفيه ديادبة الأعاجم يقال له الخريبة ويسمى أيضا البصيرة. بينه وبين دجلة
следующие страницы →