← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11685

البلدان لابن الفقيه

ابن الفقيه

Полный текст (637 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وقال ابن الكلبي: سميت البردان التي فوق بغداد بأربعة فراسخ بردانا لأن ملوك الفرس كانوا إذا أتوا بالسبي فنقّوا شيئا منه قالوا: برده. أي ذهبوا به إلى القرية البردان فسميت بذلك. قال: وكانت بردان الكوفة لوبرة بن رومانس أخي النعمان بن المنذر لأمّه فمات ودفن فيها. ولذلك قال مكحول بن حارية يرثيه: فما الدنيا بباقية لحيّ ... وما حيّ على الدنيا بباق لقد تركوا على البردان قبرا ... وهمّوا للتفرّق بانطلاق قال: وأنشدني الهيثم بن عيسى الكاتب لبعضهم: كفى حزنا والحمد لله أنني ... ببغداد قد أعيت عليّ مذاهبي أصاحب من لا أستلذّ صحابه ... وآلف قوما لست فيهم براغب ولم أثو في بغداد حبا لأهلها ... ولا أنّ فيها مستفادا لطالب سأرحل عنها قاليا لسراتها ... وأتركهم ترك الملول المجانب فإن ألجأتني النائبات إليهم ... فأير حمار في حر أمّ النوائب وقال آخر: اركب ببغداد وجوّل بها ... واقصد لمن شئت من الناس تجده من كان إذا جئته ... مستترا عنك بإفلاس يبدي لك الفقر ويطوي الغنى ... منك ويدنيك من الياس يخضع في المنطق من بخله ... وقلبه كالحجر القاسي وأنشد لمطيع بن إياس: حبّذا عيشنا الذي زال عنا ... حين نلنا المنى ولا حبّذا ذا أين هذا من ذاك سقيا لها ... ذاك، ولسنا نقول سقيا لهذا زاد هذا الزمان شرا وعرّا ... عندنا إذ أحلّنا بغداذا بلدة تمطر التراب على النا ... س كما تمطر السماء الرذاذا

стр. 352

[٧١ ب] فإذا ما أعاذ ربي بلادا ... من عذاب كبعض ما قد أعاذا خربت عاجلا كما خرّب الله ... بأعمال أهلها كلواذى وقال محبوب بن أبي العشنّط النهشلي: لروضة من رياض أو طرف ... من القرنة جرد غير محروث يفوح منه إذا مجّ الندى أرج ... يشفي الصداع ويشفي. كلّ ممغوث أملا وأحلى لعيني إن مررت به ... من كرخ بغداد ذي الرمّان والتوث الليل نصفان: نصف للهموم فما ... أقضي الرقاد. ونصف للبراغيث أبيت حين تساميني أوائلها ... أنزو وأخلط تسبيحا بتغويث سود مداليج في الظلماء مؤذية ... وليس ملتمس منها بمشبوث وقال بعض الكلابيين- وكان ببغداد فآذته البراغيث-: أصبحت سالمت البراغيث بعد ما ... مضت ليلة مني وقلّ رقودها فيما ليت شعري هل ازورنّ بلدة ... قليل بها أوباشها وعبيدها وهل اسمعنّ الدهر أصوات ضمّر ... تطالع بالركبان صعرا خدودها تراطن حولي كلّما ذرّ شارق ... ببغداد أنباط القرى وعبيدها وهل أرينّ الدهر نارا بأرضها ... بنفسي وأهلي أرضها ووقودها قال عياش بن باغان الرقي: مبتدأ دجلة من تحت حصن في جبل بآمد وعرضها عند منبعها أقل من عشرة أذرع، ثم تمر بجبال السلسلة. وفي جبال السلسلة عيون كثيرة يصب في دجلة ثم تخالطها أنهار عظيمة منها الخابور والزرم وغيرهما من الأنهار. ثم تصب إلى جزيرة ابن عمر التغلبي. وتخالطها أيضا أنهار كبار من نواحي [٧٢ أ] أرمينية ثم تصير إلى بلد ثم إلى الموصل. فإذا أجازت الموصل بسبعة فراسخ، صب إليها الزاب الكبير. ومن تل فافان تحمل فيها السفن

стр. 353

والأطواف. فإذا بلغت السنّ، صب إليها الزاب الصغير. ثم تخالطها ببغداد أنهار من الفرات منها الصراة ونهر عيسى وغيرهما حتى تصير إلى البطائح. وروي عن كعب أنه قال: النيل نهر العسل في الجنة، ودجلة نهر اللبن والفرات نهر الخمر، وسيحان نهر الماء وهي التي ذكرها الله في القرآن. وقال أحمد بن محمد الحاسب «١» : أمر المتوكل بتسهيل أبواب دجلة من الموصل إلى بغداد وقلع الحجارة التي في الطريق لها الأبواب. فقيل له: يا أمير المؤمنين! إن عمك المأمون قد كان أمر بمثل ما أمرت فقيل له ان الله جلّ وعز إنما جعل هذه الصخور وفي هذه المواضع. وان كان فيها بعض الضرر على المجتازين لما في ذلك من الصلاح لعباده وعمارة بلاده من جهة معايشهم. وذلك انها ترد حمية الماء عن حافتي دجلة. ومقامها مقام الشكور. ويحتاج إليها أيضا لينضمّ الماء ولا يتفرق فيحمل على الأنهار. ولولا هذه الحجارة لفقر الماء دجلة حتى تخطّ وأضر ذلك بالناس وبطلت العمارة. فأمسك عما كان همّ به. قال: وبأسفل واسط تسكن جرية دجلة وتخف. وهناك تأخذ منها أنهار كسكر ونواحيها. فأما ما يأخذ منها ويسقي الجانب الشرقي، فالقناتان الشتوية والصيفية وهما اللتان عملهما المتوكل لسرمرى كانتا تدخلان المسجد الجامع وتتخللان شوارع سامرا. ثم النهر الذي قدّره أيضا وعمل على أن يدخل الخير فلم يتم. وقد كان أنفق عليه سبعمائة ألف دينار. وكان السبب في أنه لم يتم، ان المتوكل قتل قبل الفراغ منه. وقد حاول المنتصر أن يتمه، فلقصر أيامه لم يستو ذلك. ثم القاطول الكسروي يسقي [٧٢ ب] النهروان وعليه شاذروان فوقه يسقي رستاق بين النهرين من طسوج بزرجسابور. ثم القاطول المعروف بأبي الجند، يأخذ من دجلة ويصب أسفل الشاذروان الذي أحدثه الرشيد عند عمله ذلك

стр. 354

الشاذروان عوضا لأهل النهروان بسبب ما سدّ عنهم الشاذروان. ثم نهر السلام يأخذ من دجلة ويسقي كلواذى ونهر بين بزرج سابور ونهر بوق. وفي الجانب الغربي، النهر المعروف بالإسحاقي في مبتدأه من تكريت وهو يسقي العمارات. والقناة القديمة يسقي أيضا العمارات. ودجيل يسقي قطربل ومسكن. [بنى الأكاسرة بين المدائن التي على عقبة همذان وقصر شيرين مقبرة آل ساسان. وعقرقوف كانت مقبرة الكيانيين وهم أمة من النبط كانوا ملوكا بالعراق قبل الفرس] «١» .

стр. 355

القول في سرمرى قال الشعبي: كان سام بن نوح له جمال ورواء وعقل ومنظر، وكان يصيف بالقرية التي ابتناها نوح عند خروجه من السفينة ببازبدى وسماها ثمانين، ويشتو بأرض جوخا. وكان ممره من أرض جوخا إلى بازبدى على شاطئ دجلة من الجانب الشرقي. فيسمى ذلك المكان إلى الآن سام [راه، يعني طريق سام] . وقال إبراهيم بن الجنيد «١» : سمعتهم يذكرون أن سامرا بناها سام بن نوح ودعا أن لا يصيب أهلها سوء. فأراد السفاح أن يبنيها فبنى مدينته بالأنبار بحذائها. وأراد المنصور بعد ما أسس بغداد وسمع في الرواية ببركة هذه المدينة أن يبنيها. فابتدأ بالبناء في البردان ثم بدا له وبنى بغداد. وأراد الرشيد أيضا بناءها، فبنى بحذائها قصرا وسماه المبارك وهو بحذاء أثر بناء قديم كان للأكاسرة. ثم بناها المعتصم ونزلها سنة إحدى وعشرين ومائتين. وروى ليث عن مجاهد قال: حيثما اجتمع المسلمون فهو مصر. ولم يبن أحد من الخلفاء من الأبنية الجليلة ما بناه المتوكل. فمن ذلك القصر المعروف بالعروس، أنفق عليه ثلاثين ألف ألف درهم. والمختار، خمسة ألف ألف درهم. والوحيد، ألفي ألف درهم. والمسناة [٧٣ أ] عشرين ألف ألف درهم. والبرج ثلاثين ألف ألف درهم. والجوسق الإبراهيمي، ألفي ألف درهم. والجعفري المحدث عشرة ألف ألف درهم. والغريب عشرة ألف ألف درهم. والشيدار عشرة ألف ألف درهم. والبرج عشرة ألف ألف درهم. والصبح خمسة

стр. 356

ألف ألف درهم. والمليح خمسة ألف ألف. والقصر في بستان الإيتاخية عشرة ألف ألف. والتل علوه وسفله خمسة ألف ألف. والجوسق في ميدان الصخر خمسمائة ألف. والمسجد الجامع خمسة عشر ألف ألف درهم. وبركوان للمعتز عشرين ألف ألف درهم. والقلائد خمسين ألف دينار، وجعل فيها أبنية بمائة ألف دينار. والفرد في دجلة ألف ألف درهم. والقصر بالمتوكلية وهو الذي يقال له الماحوزة خمسين ألف ألف درهم. والبهو خمسة وعشرين ألف ألف. واللؤلؤ خمسة ألف ألف درهم. فذلك الجميع مائتا ألف ألف وأربعة وتسعون ألف ألف درهم. وكان المعتصم والواثق والمتوكل إذا بنى أحدهم بناء من قصر أو غيره، أمر الشعراء أن يعملوا فيه [شعرا] «١» . فمن ذلك قول علي بن الجهم في الجعفري الذي بناه المتوكل وما زلت أسمع أنّ الملوك ... تبني على قدر أقدارها وأعلم أنّ عقول الرجال ... يقضى عليها بآثارها فلما رأينا الإمام ... رأينا الخلافة في دارها بدائع لم ترها فارس ... ولا الروم في طول أعمارها وللروم ما شيّد الأولون ... وللفرس آثار أحرارها وكنا نحسّ لها نخوة ... فطامنت نخوة جبّارها وأنشأت تحتج للمسلمين ... على ملحديها وكفّارها صحون تسافر فيها العيون ... إذا ما تجلّت لأبصارها وقبة ملك كأنّ النجوم ... تفضي إليها بأسرارها تخرّ الوفود لها سجّدا ... سجود النصارى لكبّارها لها شرفات كأنّ الربيع ... كساها الرياض بأنوارها

стр. 357

نظمن النسانس نظم الحليّ ... أمون النساء وأبكارها فهنّ كمصطحبات برزن ... لفصح النصارى وأقطارها فمن بين عاقصة شعرها ... ومرسلة عقد زنّارها وأروقة شطرها للرخام ... وللتبر أكرم أشطارها إذا رمقت تستبين العيو ... منها منابت أشفارها [٧٣ ب] وسطح على شاهق مشرف ... عليه النخيل بأثمارها إذا الريح هبّت لها أسم ... عتك عزيف القيان بأوتارها أطاعتك دجلة فاستنجدت ... عليك بأغزر أنهارها وفوارة ثأرها في السماء ... فليس تقصّر عن ثارها تردّ على المزن ما أنزلت ... إلى الأرض من صوب مدارها لو أنّ سليمان أدّت له ... شياطينه بعض أخبارها لأيقنّ أنّ بني هاشم ... يقدّمها فضل أخطارها فلا زالت الأرض معمورة ... بعمرك تأخير أعمارها قال: وحدثني أبو إسحاق إبراهيم بن محمد البيهقي «١» ، قال: أنشدني حماد بن إسحاق الموصلي «٢» لأبيه في الواثق ويصف سرمرى وصيده بها ويذكر النجف ويزعم أنه كتبها عنه كل ذي نعمة وأدب ببغداد. أوّلهم ابن أبي داود. وفيها عدة ألحان صاغها المغنّون: يا راكب العيس لا تعجل بنا وقف ... نحيّ دارا لسعدى ثم ننصرف وابك المعاهد من سعدى وجارتها ... ففي البكاء شفاء الهائم الكلف

стр. 358

لا تمنع العين من دمع تجود به ... في دار سعدى ولكن خلّها تكف أشكوا إلى الله يا سعدى جوى كبد ... حرّى عليك متى ما تذكري تجف أهيم وجدا بسعدى وهي تصرمني ... هذا لعمرك شكل غير مؤتلف أما أنالك أن تنهاك تجربة ... عنها وما كان من وعد ومن خلف دع عنك سعدى فسعدى عنك نازحة ... واكفف هواك وعدّ القول في لطف ما ان أرى الناس في سهل ولا جبل ... أصفى هواء ولا أغدى من النجف كأنّ تربته مسك يفوح به ... أو عنبر دافه العطار في الصدف حفّت ببرّ وبحر من جوانبها ... فالبرّ في طرف والبحر في طرف وبين ذاك بساتين يسيح بها ... نهر يجيش بجاري سيله القصف وما يزال نسيم من أيامنه ... يأتيك منه بريّا روضة أنف تلقاك منه قبيل الصبح رائحة ... تشفي السقيم إذا أشفى على التلف لو حلّه مدنف يرجو الشفاء به ... إذا شفاه من الأسقام والدنف [٧٤ أ] يؤتى الخليفة منه كلّما طلعت ... شمس النهار بأنواع من التحف الصيد منه قريب إن هممت به ... يأتيك مؤتلفا في زيّ مختلف من كلّ أقرن ممشوق قوائمه ... وكلّ مخرجه (؟) مشقوقة الظلف وطير ماء ودرّاج يساوره ... بأن يغلّقه في جوّ مختطف (؟) فيا له منزلا طابت مساكنه ... بخير من حاز بيت العز والشرف خليفة واثق بالله همّته ... تقوى الإله بحقّ الله معترف ساس البرية فانقادت لطاعته ... طوعا بلا خرق منه ولا عنف أقام فيهم قناة العدل فانتصبت ... وسار فيهم بلا ميل ولا جنف وقال الحسين بن الضحاك في سرمرى من شعر طويل:

стр. 359

رحلنا غرابيب زيّافة ... بدجلة في موجها الملتطم سوانح أيقنّ أن لا قرار ... دون مباركة المعتصم فلمّا دفعن لقاطولها ... ودهم قراقيرها تصطدم سكنّ إلى خير مسكونة ... تقسمها راغب من أمم مباركة شاد بنيانها ... بخير المواطن خير الأمم كأنّ بها نشر كافوره ... لبرد ثراها وطيب النسم كظهر الأديم إذا ما السحاب ... صاب متنها وانسجم مبرأة من وحول الشتاء ... إذا بجره وانتظم (؟) فما ان يزلّ بها راجل ... بغيث سماء ولا يرتطم يمرّ على رسله آمنا ... نقيّ الشراك نقيّ القدم بجرعاء لا صيفها ساطع ... بنقع ولا آخذ بالكظم تخرّق في برّها بحرها ... فأجدف جوادنها بالسلم فللضبّ والنون في بطنها ... جوار ومرتبع للنعم إذا ما الربيع بأنوائه ... كساها زخارف ممّا نجم وعمّم أعلامها زهره ... وجلّل قيعانها والأكم غدوت على الوحش منظومة ... رواتع في نورها المنتظم ورحت عليها وأسرابها ... شوارع في غدرها تزدحم كأنّ شوادن غزلانها ... نجوم بأكنافها تبتسم فلا أين عن وطن خصّه ... عقيد السماح وأسّ الكرم وقال فيها أيضا [٧٤ ب] : كلّ البلاد لسرّمرّى شاهد ... أنّ المصيف بها كفصل سواها فيحاء طاب مقيلها ومبيتها ... وغدوّها ورواحها وضحاها

стр. 360

وإذا الرياح تنفست برباعها ... وجرت بطيب نسيمها ونشاها فكأنما سبقت إليك بنفحة ... من جنّة حصباؤها وثراها وقال أيضا: على سرّمرى والمصيف تحية ... مجللة من مغرم بهواهما ألا هل لمشتاق ببغداد رجعة ... تقرّب من ظلّيهما وذراهما محلّان لقّى الله خير عباده ... عزيمة رشد فيهما فاصطفاهما وقولا لبغداد إذا ما تسنّمت ... على أهل بغداد جعلت فداهما أفي بعض يوم شفّ عينيّ بالقذى ... حرورك حتى رابني ناظراهما وقال أيضا: أحد بما تسمعه يا حادي ... وقل بترتيلك في الإنشاد جادك يا بغداد من بلاد ... إلى تمارى من قرى السواد فقبة السيب فبطن الوادي ... فالعرصة الطيبة المراد حبيب كل رائح وغاد ... يا ليت شعري والحنين زادي هل لي إلى ظلّك من معاد ... لله ما هجت على البعاد لقلب حرّان إليك صاد ... بدّل من ريفك بالبوادي بقفرة موحشة الأطواد ... مجهولة مجدبة حماد بعيدة الورد من الورّاد وقال فيها أيضا [٧٥ أ] : سرّمرّى أسرّ من بغداد ... فاله عن ذكر ذكرها المعتاد حبذا مسرح لها ليس يخلو ... أبدا من طريدة وطراد ورياض كأنما نشر الزهر ... عليها محبّر الأبراد واذكر المشرف المطلّ ... من التلّ على الصادرين والورّاد

стр. 361

وإذا روّح الرعاء فلا ... تنس دواعي فواقد الأولاد «١» وقال فيها أيضا: سقى الله ما والى المصيف وما انطوى ... على سرّمرّى مستهلّا مبكرا فلم أر أيّاما تسرّ قصارها ... أسرّ من الأيام فيها وأقصرا بلاد خلت من كل ريب فلا ترى ... بلادا توازيها غذاء ومنظرا أصبّ بمشتاها ولين مصيفها ... ورقّة فصليها إذا الأفق أسفرا كأنّ حصاها بثّ في عرصاتها ... فرائد مرجان ودرّا مسطّرا تريك إذا الوسمي جاد متونها ... وعاد عليهنّ الوليّ فأمطرا رياضا تحار العين في جنباتها ... إذا صفّر الأرض الربيع وحمّرا كأنّ بها في كلّ فجّ سلكته ... نمارق زرياب ووشيا محبّرا تراعى بها عفر الظباء سواكنا ... أوامن في أكنافها أن تنفّرا سكن إلى جار حماهنّ رأفة ... فمدّ حمى من دونهنّ وحيّرا كفاهنّ روعات الطراد ذمامه ... فما تعرف الطرّاد إلّا تذكرا يهادين بالحيرين من كل مذهب ... حدائق جنّات وماء مفجّرا كأنّ مرابيع السجال خلالها ... نجوم تهادى منجدات وعوّرا تراهنّ من فرط المراح شوامخا ... من العجب ما يمشين إلّا تبخترا فلا برحت دار الإمام بغبطة ... ولا زال شانيها بأصلد أوعرا تخيّرها دون البقاع موفّق ... أصاب طريق الرشد فيما تخيّرا [٧٥ ب] وكان المتوكل قد انتقل من سرمرى إلى الجعفري وانتقل معه عامة أهل سرمرّى حتى كادت أن تخلو. فقال في ذلك أبو علي البصير: إنّ الحقيقة غير ما تتوهّم ... فاختر لنفسك أيّ أمر تعزم

стр. 362

أتكون في القوم الذين تأخروا ... عن حظّهم أم في الذين تقدّموا لا تقعدنّ تلوم نفسك حين لا ... يجدي عليك تأسف وتندّم أضحت قفارا سرّمرّى ما بها ... إلّا لمنقطع به متلوّم تبكي بظاهر وحشة وكأنها ... إن لم تكن تبكي بعين تسجم كانت تظلّم كلّ أرض مرة ... عنها، فصارت بعد وهي تظلّم رحل الإمام فأصبحت وكأنها ... عرصات مكة حين يمضي الموسم وكأنما تلك الشوارع بعض ما ... أخلت إياد من البلاد وجرهم كانت مرادا للعيون فأصبحت ... عظة ومعتبرا لمن يتوسّم وكأنّ مسجدها المشيد بناؤه ... ربع أحال ومنزل متوهّم وإذا مررت بسوقها لم تنء عن ... سنن الطريق ولم تجد من يزحم وترى الذراري والنساء كأنّهم ... خلف أقام وغاب عنه القيّم فارحل إلى الأرض التي يحتلّها ... خير البرية انّ ذلك أحزم وانزل مجاورة بأكرم منزل ... وتيمّم الجهة التي يتيمّم أرض تسالم صيفها وشتاؤها ... فالجسم بينهما يصحّ ويسلم وصفت مشاربها ورق أوارها ... والتذّ برد نسيمها المتنسّم سهلية جبلية لا تجتوي ... حرا ولا قرا ولا تستوخم [٧٦ أ] ويقال إن المعتصم ملك ثماني سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام. وكان ملكه في سنة ثمان عشرة ومائتين. وكان له من الفتوح ثمانية. وبنى ثمانية قصور. وولد له ثمانية ذكور وثماني إناث وخلف في بيت المال ثمانمائة ألف دينار وثمانية ألف ألف درهم. فمن القصور، الجوسق والقيد المللي وقصر الجص وقصر القصور وعمورية وقصر المطامير والقصر السماني والقصر الخاقاني.

стр. 363

والفتوح: الزط والمحمرة وبابك وعمورية والمازيار وجعفر الكردي والحسن بن خيلويه والحوف بمصر. وكتب عبد الله بن المعتز إلى بعض إخوانه يذكر سرمرى بعد خرابها ويذم بغداد وأهلها: كتبت إليك من بلدة قد أنهض الدهر سكّانها، وأقعد جدرانها. فشاهد اليأس فيها ينطق، وحبل الرجاء فيها يقصر. فكأن عمرانها يطوى، وكأن خرابها ينشر. قد وكلت إلى الهجر نواحيها وحث باقيها إلى فانيها. وتمزقت بأهلها الديار، فما يجب فيها حق جوار. فالظاعن عنها ممحوّ الأثر، والمقيم بها على طرف سفر. نهاره إرجاف، وسروره أحلام. ليس له زاد فيرحل، ولا مرعى فيربع. فحالها تصف للعيون الشكوى، وتسير إلى ذم الدنيا. بعد ما كانت بالمرأى جنة الأرض وقرار الملك، تفيض بالجنود أقطارها، عليهم أردية السيوف وغلائل الحديد. كأن رماحهم قرون الوعول، ودروعهم زبد السيول. على خيل تأكل الأرض بحوافرها، وتمدّ بالنقع ستائرها. قد نشرت في وجوهها غرر كأنها صحائف البرق، وأمسكها تحجيل كأسورة اللجين. وقرّطت عذرا كالشنوف. في جيش تتلقف الأعداء أوائله ولم تنهض أواخره. قد صب عليه ذمار الصبر، وهبت له ريح النصر. يصرّفه ملك يملأ العين جمالا والقلوب جلالا. لا تختلف مخيلته ولا تنقض [٧٦ ب] مريرته. ولا يخطئ بسهم الرأي غرض الصواب، ولا يقطع بمطايا اللهو سفر الشباب. قابضا بيد السياسة على أقطار ملك لا ينتشر حبله، ولا تتشظى عصاه، ولا تطفى جمرته في سن شباب لم يجن مأثما، وشيب لم يراهق هرما. قد فرش مهاد عدله، وخفض جناح رحمته. راجما بالعواقب [الظنون] «١» . لا يطيش عن قلب فاضل الحزم بعد العزم. ساعيا على الحق يعمل به. عارفا بالله يقصد إليه. مقرّا للحلم ويبذله. قادرا على العقاب ويعدل فيه. إذ الناس في دهر غافل قد اطمأنت بهم سيرة لينة الحواشي خشنة المرام، تطير بها أجنحة السرور، ويهب فيها نسيم الحبور، فالأطراق على مسرّة والنظر إلى مبرّة. قبل أن تخبّ مطايا

стр. 364

الغير، وتسفر وجوه الحذر. وما زال الدهر مليئا بالنوائب، طارقا بالعجائب، يؤمن يومه ويغدر غده. على أنها وإن جفيت، معشوقة السكنى، رحيبة المثوى. كوكبها يقظان، وجوها عريان. وحصاها جوهر ونسيمها معطّر. [وترابها مسك أذفر، ويومها غداة وليلها سحر] «١» وطعامها هنيء، وشرابها مريء، وتاجرها مالك، وفقيرها فاتك، لا كبغدادكم الوسخة السماء، الومدة الهواء. جوّها نار، وأرضها خبار. وماؤها حميم وترابها سرجين. وحيطانها نزوز، وتشرينها تموز. فكم في شمسها من محترق، وفي ظلها من عرق. ضيقة الديار، قاسية الجوار. ساطعة الدخان، قليلة الضيفان. أهلها ذئاب، وكلامهم سباب. وسائلهم محروم، ومالهم مكتوم. لا يجوز إنفاقه، ولا يحلّ خناقه. وحشوشهم مسائل، وطرقهم مزابل. وحيطانهم اخصاص، وبيوتهم أقفاص. ولكل مكروه أجل، وللبقاع دول. والدهر يسير بالمقيم، ويخرج البؤس بالنعيم. وبعد اللجاجة انتهاء والهمّ إلى فرجة. ولكل سائلة قرار. وبالله أستعين وهو محمود على كل حال. وفي خراب سرمرى يقول ابن المعتز: غدت سرّمرى في العفاء كأنها ... قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل وأصبح أهلوها شبيها بحالها ... لما نسجتهم من جنوب وشمال إذا ما امرؤ منهم شكا سوء حاله ... يقولون لا تهلك أسى وتجمّل [٧٧ أ] .

стр. 365

القول في السواد وصفته وأعلام حدوده وكوره وطساسيجه وسبب مساحة الأرض وتقدير خراجه وطوله وعرضه قال المدائني: السواد عشر كور، وهو من لدن القادسية إلى أول حدّ الجبل دون حلوان. والسواد الذي وقعت عليه المساحة من لدن تخوم الموصل مادّا مع الماء إلى ساحل البحر إلى بلاد عبادان من شرقي دجلة. هذا طوله. فأما عرضه: فحد منقطع الجبل من أرض حلوان إلى منتهى طرف القادسية المتصل بأرض العذيب. فهذه حدود السواد وعليها وضع الخراج. وقال الأصمعي: السواد سوادان. فسواد البصرة، الأهواز ودستميسان وفارس. وسواد الكوفة، كسكر إلى الزاب وحلوان إلى القادسية. وقال أبو معشر: إن الكلدانيين هم الذين كانوا ينزلون بابل في الزمان الأول. ويقال: إن أول من سكنها وعمرها، نوح ﵇. وذلك أنه نزلها بعقب الطوفان. فصار هو ومن خرج معه من السفينة إليها لطلب الرفاء. فأقاموا بها وتناسلوا فيها وكثروا من بعد نوح وملكوا عليهم ملوكا وابتنوا بها المدائن واتصلت مساكنهم بدجلة والفرات إلى أن بلغوا من دجلة إلى أسفل كسكر، ومن الفرات إلى ما وراء الكوفة. وموضعهم هو الذي يقال له السواد. وكانت ملوكهم تنزل بابل.

стр. 366

وكان الكلدانيون جنودهم. فلم تزل مملكتهم قائمة إلى أن قتل دار آخر ملوكهم. ثم قتل منهم خلقا فذلّوا وانقطع ملكهم. وذكر ابن الكلبي: ان مدينة بابل كانت اثني عشر فرسخا في مثل ذلك. وكان بابها مما يلي الكوفة. وكان الفرات يجري ببابل حتى صرفه بخت نصر إلى موضعه الآن مخافة أن يهدم عليه سور المدينة لأنه كان يجري معه. قال: ومدينة بابل بناها بيوراسب واشتق اسمها من اسم المشتري. لأن بابل باللسان البابلي الأول اسم للمشتري. ولما بناها جمع فيها كل من قدر عليه من العلماء وبنى لهم اثني عشر قصرا على عدد [٧٧ ب] البروج وسماها بأسمائهم. فلم تزل عامرة حتى خرج الإسكندر فأخربها. وقال الله وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ . فروي عن الأعمش قال: كان مجاهد لا يسمع بشيء من الأعاجيب إلّا مضى حتى ينظر إليه. وانه صار إلى حضرموت حتى نظر إلى بئر برهوت، وأتى بابل فلقيه رجل من رؤساء أهلها كان عارفا به. فلما لقيه أكبره وقال له: أبا الحجاج ما تصنع هاهنا؟ قال حاجة لي إلى رأس الجالوت، أحب أن تدخلني إليه وتعرّفه من أنا. فأدخله إليه وعرّفه محلّه وموضعه وقال: له حاجة إليك. قال وما حاجتك؟ قال: تأمر بعض اليهود أن يريني هاروت وماروت. فامتنع عليه طويلا ثم قال له: أخشى أن لا تتماسك. قال: أرجو أن لا يكون إلّا ما تحب. فأرسل إلى رجل من اليهود فقال: اذهب بهذا فأدخله إلى هاروت وماروت. فقال له اليهودي: كيف تجد قلبك؟ قال: ما شئت. فانطلق به إلى مكان غامض في الصحراء، وإذا صخرة عظيمة. فتكلم عليها كلاما ذكر أنه من التوراة، فأقبلت تهتز. ثم رفعها وأزالها عن مكانها. وكانت لا يقلّها مائة رجل. وإذا تحتها شبيه بالسرب. فقال له اليهودي: تعلق بي وانظر أن لا تذكر الله. فنزل معه مجاهد، فلم يزل يهوي به حتى صارا إلى فضاء عظيم. وإذا هما مثل الجبلين العظيمين، منكوسان على رؤوسهما وعليهما الحديد من أعناقهما إلى أقدامهما مصفدين. فلما رآهما مجاهد لم يملك نفسه أن ذكر الله . فاضطربا اضطرابا شديدا حتى كادا أن يقطعا ما عليهما من

стр. 367

الحديد، وخر اليهودي ومجاهد على وجوههما وقتا طويلا ثم أفاقا. فقال اليهودي لمجاهد: ألم أتقدم إليك أن لا تذكر الله؟ كدنا والله أن نهلك ولا نقدر على الخروج. فتعلق به مجاهد، فلم يزل يصعد به حتى خرجا إلى الأرض. ويقال إن عمر بن الخطاب سأل دهقان الفلوجة عن عجائب بلادهم فقال: كان بها [عجائب] «١» بجميع مدنها في كل مدينة أعجوبة ليست في [٧٨ أ] الأخرى. فكان في المدينة التي ينزلها الملك بيت فيه صورة الأرض كلها برساتيقها وقراها وأنهارها. فمتى التوى بحمل الخراج أو غيره أهل بلد من جميع البلدان، خرق أنهارهم فغرقتهم وأتلفت زروعهم وجميع ما في بلدهم حتى يرجعوا عمّا همّوا به. ثم يسدّ بإصبعه تلك الأنهار فتنسد في بلدهم. وفي المدينة الثانية حوض عظيم. فإذا جمعهم الملك لحضور مائدته، حمل كل رجل ممن يحضر من منزله شرابا يختاره ثم صبه في ذلك الحوض. فإذا جلسوا على الشرب شرب كل واحد شرابه الذي حمله من منزله. وفي المدينة الثالثة طبل معلق على بابها فإذا غاب من أهلها إنسان وخفي أمره على أهله، وأحبوا أن يعلموا أحيّ أم ميت، ضربوا ذلك الطبل. فإن سمعوا له صوتا، فإن الرجل حي. وإن لم يسمعوا صوتا فإن الرجل قد مات. وفي المدينة الرابعة مرآة من حديد، فإذا غاب الرجل عن أهله فأحبوا أن يعرفوا خبره على صحته، أتوا تلك المرآة فنظروا فيها فيرونه على الحال التي هو فيها. وفي المدينة الخامسة اوزّة من نحاس على عمود من نحاس منصوب على باب المدينة فإذا دخلها جاسوس صوتت الأوزة بصوت يسمعه سائر أهل المدينة فيعلمون أن قد دخلها جاسوس. وفي المدينة السادسة قاضيان جالسان على الماء. فإذا تقدم إليهما الخصمان وجلسا بين أيديهما غاص المبطل منهما في الماء وثبت المحق.

стр. 368

وفي المدينة السابعة شجرة من نحاس ضخمة كثيرة الغصون لا تظل ساقها. فإذا جلس تحتها واحد أظلّته إلى ألف نفس، فإنها تظلهم كلهم. فإذا زادوا على ألف صاروا كلهم في الشمس. وقال يزيد بن عمر الفارسي: كانت ملوك الفرس تعد السواد اثني عشر استانا وتحسبه ستين طسوجا وتفسير الاستان إجارة وترجمة الطسوج: ناحية. وكان الملك من ملوكهم إذا عني بحيّز من الأرض عبره وسماه باسمه. وكانوا ينزلون [٧٨ ب] السواد لما جمع الله في أرضه من مرافق الخيرات وما يوجد فيها من غضارة العيش وخصب المحل وطيب المستقر، ولما ينصب إليها من مواد الأطراف ومنافعها وسعة ميرها من أطعمتها وأدواتها وأمتعتها وعطرها ولطيف صناعاتها. وكانوا يشبّهون السواد بالقلب وسائر الدنيا بالبدن، ولذلك سموه: دل إيرانشهر، أي قلب إيرانشهر. وإيرانشهر: الإقليم المتوسط لجميع الأقاليم. وإنما سموه بذلك لأن الآراء تتشعب عن أهله بصحة الفكر والروية كما تتشعب من القلب بدقائق العلوم ولطائف الآداب والأحكام الكتابية. فأمّا ما حولها من البلاد فأهلها يستعملون أطرافهم بالمباشرة والعلاج. وخصب بلاد إيرانشهر بسهولة. لا عوائق فيها ولا شواهق تشينها ولا مفاوز موحشة ولا براري منقطعة عن تواصل العمارة والأنهار المطردة في رساتيقها وبين قراها. مع قلة جبالها وآكامها وتكاثف عمارتها وكثرة أصناف غلاتها وثمارها. والتفاف أشجارها وعذوبة مائها وصفو هوائها وطيب تربتها مع اعتدال طينتها وتوسط مزاجها وكثرة أجناس الصيد في ظلال شجرها وبين عشبها، وخلال زهرتها. من طائر [بجناح] وماش على ظلف وسابح في البحر. امنه مما ينال البلدان من غارات الأعداء وبوائق المخالفين. مع ما خصت به من الرافدين دجلة والفرات. إذ هما مادان لا ينقطعان شتاء ولا صيفا على بعد منابعهما ونزوح مبتدأهما. [فإنه] «١» لا ينتفع منهما بكثير عمارة حتى يدخلاها فيسيح ماؤهما في جنباتها وينبطح بين

стр. 369

رساتيقها، فتأخذ صفوه وعذوبته وترسل كدره وأجنه [إلى البحر] «١» . هذا قليل من كثير وصفها ويسير من نعت جليلها. قالوا: وأول طول السواد على ما حدّته ملوك فارس من قرية تعرف بالعلث على حدّ طسوج بزرجسابور من شرقي دجلة. وقرية في غربي دجلة مقابلتها تجري على حد طسوج مسكن. بينهما عرض دجلة إلى آخر الكورة المعروفة [٧٩ أ] ببهمن أردشير. وهي فرات البصرة إلى جزيرة منها متصلة بالبحر تعرف بميان روذان. وهو مائة فرسخ وخمسة وعشرون فرسخا، وعرضه من عقبه حلوان إلى أن ينتهي إلى العذيب. وذلك ثمانون فرسخا يكون جملة ذلك مكسرا عشرة ألف فرسخ. والفرسخ اثنا عشر ألف ذراع بالذراع المرسلة. يكون بالذراع الهاشمية تسعة آلاف ذراع وهو مائة وخمسون أشلا. يكون ذلك في مثله اثنين وعشرين ألفا وخمسمائة جريب. هذا لكل فرسخ. فإذا ضربت في عشرة آلاف، بلغت مائتي ألف ألف وعشرين ألف جريب. يسقط منها بالتخمين، آكامها وآجامها وسباخها ومجاري أنهارها ومواضع مدنها وقراها ومدى ما بين طرقها الثلاث. فيبقى مائة ألف ألف وخمسون ألف ألف جريب. يراح منها النصف ويعمر النصف على ما فيها من الكرم والنخل والشجر والعمارة الدائمة المتصلة، فيقع التخمين بالتقريب على كل جريب، قيمة ما يلزمه للخراج درهمان وذلك أقل من العشر على أن يضرب بعض ما يوجد فيها من أصناف الغلات ببعض سوى خراج أهل الذمة وسوى الصدقة. فإن ذلك لا يدخل في الخراج. فيبلغ ذلك مائة ألف ألف وخمسين ألف ألف درهم مثاقيل. وكانت غلات السواد تجري على المقاسمة في أيام ملوك فارس إلى أن ملك قباد بن فيروز فإنه مسحه وجعل على أهله الخراج. وكان السبب في ذلك أنه خرج ذات يوم متصيدا فانفرد من أصحابه في اتباع صيد طرده حتى وغل في شجر ملتف وغاب الصيد الذي تبعه عن بصره. فقصد إلى رابية يتشرّف عليها، فإذا تحت الرابية قرية كبيرة. ونظر إلى بستان قريب منه فيه نخل ورمان وغير ذلك من أصناف

стр. 370

الشجر، وإذا امرأة واقفة على تنور تخبز ومعها صبي لها كلما غفلت عنه مضى إلى شجرة رمان مثمر ليتناول من رمانها وهي تمنعه من [٧٩ ب] ذلك ولا تتركه يأخذ شيئا منه. فلم تزل كذلك حتى فرغت من خبزها وجميع ما هي والصبي فيه بمشهد من الملك. فلما لحقه أصحابه ووزراؤه قصّ «١» عليهم ما رأى من المرأة والصبي ووجّه إليها من سألها عن السبب الذي لأجله منعت ولدها أن يتناول شيئا من الرمان. فقالت: إن للملك فيه حصة ولم يأتنا المستأدون «٢» بعد لقبضها وهي أمانة في أعناقنا لا يجوز أن نخونها ولا نتناول من جميع ما تحت أيدينا شيئا حتى يأخذ الملك حقه. فلما سمع قباد قولها أدركته الرقة عليها وعلى الرعية وقال لوزرائه: إن الرعية في شدة شديدة وسوء حال بما في أيديهم من غلاتهم لأنهم ممنوعون من الانتفاع بشيء من ذلك حتى يرد عليهم من يأخذ حقنا منهم. فهل عندكم حيلة نفرّج بها عنهم ما هم فيه؟ فقال بعض وزرائه: نعم. يأمر الملك بالمساحة عليهم ويلزم كل جريب من كل صنف بقدر ما يخص الملك من الغلة ليؤدوا ذلك إليه، ويطلق أيديهم في غلاتهم. ويكون ذلك على قرب مخارج المير وبعدها من الممتارين. فأمر قباد بمساحة السواد والزم الرعية الخراج بعد حطيطة النفقة والمؤونة على العمارة والنفقة على كري الأنهار وسقاية الماء وإصلاح البريدات وان جميع ذلك على بيت المال. فبلغ خراج السواد في تلك السنة مائة ألف ألف وخمسين ألف ألف درهم مثاقيل. فحسنت أحوال الناس ودعوا للملك بطول البقاء لما نالهم من العدل والرفاهية. وكان «٣» أول ما يعدّ من السواد، كورة استان خسروشاد فيروز، وهي كورة حلوان، خمسة طساسيج، طسوج فيروز قباذ. طسوج الجبل. طسوج تامرا. طسوج أربل. طسوج خانقين الشرقي. سقي دجلة وتامرا:

стр. 371

كورة استان شادهرمز، سبعة طساسيج: طسوج بزرجسابور. طسوج نهر بوق. طسوج [٨٠ أ] كلواذى ونهر بين. طسوج جازر. طسوج المدينة العتيقة. طسوج راذان الأعلى والأسفل. كورة استان قباذ: ثمانية طساسيج: طسوج روستقباد. طسوج مهروذ. طسوج سلسل. طسوج جلولاء وجللتا «١» . طسوج الذنبين. طسوج البندنيجين. طسوج براز الروز. طسوج الدسكرة والرساتيق «٢» . كورة استان بازيجان «٣» : خمسة طساسيج: طسوج النهروان الأعلى. طسوج النهروان الأوسط. طسوج بادريا. طسوج باكسايا «٤» . سقي دجلة والفرات: كورة استان شاذ شابور- وهي كسكر- أربعة طساسيج: طسوج الزندرود. طسوج البربون «٥» . طسوج الاستان. طسوج الجواذر. كورة استان شاذ بهمن- وهي كورة دجلة- أربعة طساسيج: طسوج بهمن أردشير. طسوج ميسان. طسوج دستميسان وهو الأبلّة. قال غيلان بن سلمة الثقفي: ظلّت تحيد من الدجاج وصوته ... وصريف باب بالأبلّة مغلق وطسوج ابرقباذ. وخراج كور دجلة ثمانية ألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم. سقي الفرات ودجيل: كورة استان الكاليا، أربعة طساسيج: طسوج فيروز شابور وهو الأنبار. وطسوج مسكن. قال ابن قيس الرقيات:

стр. 372

إن الرزية يوم مسكن والمصيبة والفجيعة. وطسوج قطربل. وطسوج بادوريا. كورة استان أردشير بابكان، خمسة طساسيج: طسوج بهرسير. طسوج الرومقان. طسوج كوثر «١» . طسوج نهر درقيط. طسوج نهر جوبر. كور استان رونق ماسيان «٢» - وهي الزوابي- ثلاثة طساسيج: طسوج الزاب الأعلى. طسوج الزاب الأوسط. طسوج الزاب الأسفل «٣» . كورة بهقباذ الأوسط، أربعة طساسيج: طسوج الحبة [٨٠ ب] والبداة. طسوج سوراء وبرسيما. طسوج باروسيما. طسوج الملك. كورة استان بهقباد الأسفل، خمسة طساسيج: طسوج تستر. طسوج فرات بادقلى. طسوج السيلحين. طسوج روذستان. طسوج هرمز جرد «٤» .

стр. 373

تقدير السواد «١» الجانب الغربي، سقي دجلة والفرات: اسم الطسوج/ عدد الرساتيق/ عدد البيادر/ كمية الحنطة/ كمية الشعير/ الورق الأنبار/ ٥/٢٥٠/٢٣٠٠ كرّ/ ١٤٠٠ كرّ/ ٣٥٠٠٠٠ قطربل/ ١٠/٢٢٠/٢٠٠٠ كرّ/ ١٠٠٠ كر/ ٣٠٠٠٠٠ درهم مسكن/ ٦/١٥٠/٣٠٠٠ كرّ/ ١٠٠٠ كر/ ١٥٠٠٠٠ درهم بادوريا/ ١٠/٤٢٠/٣٥٠٠ كرّ/ ٢٠٠٠ كرّ/ ١٠٠٠٠٠ درهم بهرسير ١٠/١٤٠/١٧٠٠ كر/ ١٧٠٠ كر/ ١٥٠٠٠٠ درهم الرومقان/ ١٠/٢٤٠/١٣٠٠ كر/ ٣٠٥٠ كر/ ٥٠٠٠٤٠ درهم كوثى/ ٩/٢١٠/٣٠٠٠ كر/ ٢٠٠٠ كر/ ١٥٠٠٠٠ درهم نهر درقيط/ ٨/١٢٥/٢٠٠٠ كر/ ١٠٠٠ كر/ ٢٠٠٠٠٠ درهم نهر جوبر/ ١٠/٢٢٦/٢٧٠٠ كر/ ١٠٠٠٠ كر/ ١٥٠٠٠٠ درهم كورة الزوابي ٣ طساسيج/ ١٢/٢٤٤/١٤٠٠ كر/ ٧٢٠٠ كر/ ١٠٠٠٠٠٠ درهم بابل وخطرنية/ ١٢ ٣٧٠٠/٣٠٠٠ كر/ ٥٠٠٠ كر/ ٣٥٠٠٠٠ درهم الفلوجة العليا ١٥/٢٤٠/٥٠٠ كر/ ٥٠٠ كر/ ٧٠٠٠٠ درهم الفلوجة السفلى/ ٦/٩٢/٢٠٠٠ كر/ ٣٠٠٠ كر/ ١٨٠٠٠٠ درهم طسوج النهرين ٣/١٨١/٣٠٠ كر/ ٤٠٠ كر/ ٤٥٠٠٠ درهم عين التمر/ ٣/١٤/٣٠٠ كر/ ٤٠٠ كر/ ٤٥٠٠٠ درهم الجبة والبداه ٨/٧١/١٢٠٠ كر/ ١٦٠٠ كر/ ١٥٠٠٠٠ درهم سوراء وبرسيما ١٠/٢٥٠/٧٠٠ كر/ ١٤٠٠ كر/ ١٠٠٠٠٠ درهم

стр. 374

اسم الطسوج/ عدد الرساتيق/ عدد البيادر/ كمية الحنطة/ كمية الشعير/ الورق باروسما ونهر الملك/ ١٠/٦٦٤/١٥٠٠ كر/ ٤٥٠٠ كر/ ٢٥٠٠٠٠ درهم السيبان والموقوف: ضياع جمعت من عدة طساسيج وصيرت ضيعة واحدة. فهي أعظم قدرا من طسوجين وتقديرا لعشرة منها./ ٥٠٠ كر ٥٥٠٠ كر/ ١٥٠٠٠٠ درهم [٨١ ب] فرات بادقلى ١٠/٢٧١/٢٠٠٠ كر/ ١٥٠٠ كر/ ٩٠٠٠٠٠ درهم السيلحين وفيه الخورنق وطيزناباذ/ ٣٤/١٠٠٠ كر ١٥٠٠ كر/ ١٤٠٠٠٠ درهم روزمستان وهرمزجرد/ ٥٠٠ كر/ ١٠٠٠٠ درهم تستر ٧/١٦٣/١٢٥٠ كر/ الشعير والأرز ١٠٠٠ كر/ ٣٠٠٠٠٠٠ درهم ايغار يقطين من عدة طساسيج/ ٢٠٤٨٤٠ درهم سقي دجلة والفرات: كور كسكر ومنها: نهر الصلة وبرقة والريّان وكان يرتفع من خراجها وسائر أبواب مالها سبعون ألف درهم/ ٣٠٠٠ كر/ الشعير والأرز ٢٠٠٠٠ كر/ ٢٠٠٠٠٠ درهم

стр. 375

الجانب الشرقي: اسم الطسوج/ عدد الرساتيق/ عدد البيادر/ كمية الحنطة/ كمية الشعير/ الورق بزرجسابور/ ٩/٢٦٠/٢٥٠٠ كر/ ٢٠٠٠ كر/ ٣٠٠٠٠٠ درهم الراذانين ١٦/٣٦٢/٤٨٠٠ كر/ ١٠٠٠ كر/ ١٠٠٠٠٠ درهم طسوجا كلواذى ونهربين ٣/٣٤ ١٦٠٠ كر/ ١٥٠٠ كر/ ١٠٣٠ درهم [٨٢ أ] طسوجا جازر والمدينة العتيقة ٧/١١٨/١٠٠٠ كر/ ١٥٠٠ كر/ ١٧٠٠٠٠ درهم طسوجا مهرود وسلسل/ ٢٠٠٠ كر/ ٢٥٠٠ كر/ ٢٥٠٠٠٠ درهم جلولاء وجلولاء/ ٥/٦٦/١٠٠٠ كر/ ١٠٠٠ كر/ ١٠٠٠٠٠ درهم الذنبين ٤/٢٣٠/٧٠٠ كر/ ١٣٠٠ كر/ ٤٠٠٠٠ درهم الدسكرة والرساتيق ٧/٤٤ ٢٠٠٠ كر/ ٢٠٠٠ كر/ ٧٠٠٠٠ درهم براز الروز/ ٧/٨٦/٣٠٠٠ كر/ ٥٠٠٠ كر/ ١٢٠٠٠٠ درهم البندنيجين ٥/٥٤/٦٠٠ كر/ ٥٠٠ كر/ ١٠٠٠٠٠ درهم النهروانات ٢١/٣٨٠ أ- النهروان الأعلى/ ٢٧٠٠ كر/ ١٨٠٠ كر/ ٣٥٠٠٠٠ درهم ب- النهروان الأوسط/ ١٠٠٠ كر/ ٥٠٠ كر/ ١٠٠٠٠٠ درهم ج- النهروان الأسفل ١٠٠٠ كر/ ١١٠٠ كر/ ١٥٠٠٠٠ درهم بادرايا وباكسايا/ ٤٧٠٠ كر/ ٥٠٠٠ كر/ ٣٣٠٠٠٠ درهم [٨٢ ب] كور استان شاد فيروز. وهي حلوان ووظيفتها مع الجابارقة وغيرهم من الأكراد [من الورق] ألف ألف وثمانمائة ألف

стр. 376

درهم «١» . وكانت هيت وعانات مضافة إلى طسوج الأنبار. فلما ملك أنوشروان بلغه أن طوائف من الأعراب يعبرون على ما قرب من السواد إلى البادية. فأمر بتجديد سور مدينة تعرف بالليس «٢» كان شابور ذو الأكتاف بناها وجعلها مسلحة لحفظ ما قرب من البادية. وأمر بحفر خندق من هيت يشق طفّ البادية إلى كاظمة مما يلي البصرة وينفذ إلى البحر. وبنى عليه المناظر والجواسق ونظّمه بالمسالح ليكون ذلك مانعا لأهل البادية عن السواد. فخرجت هيت وعانات بسبب ذلك السور عن طسوج شادفيروزان، لأن عانات كانت قرى مضمومة إلى هيت. ووجد في بعض كتب الفرس أن ملوك الأرض قسموا الأرض أربعة أجزاء فجزء منها مغارب الهند وأرض الترك إلى مشارق الروم. وجزء منها الروم ومغاربها وأرض القبط والبربر. وجزء منها أرض السودان وهو بين أرض البربر إلى الهند. وجزء منها من نهر بلخ إلى آذربيجان وارمينية القادسية وإلى الفرات ثم برية العرب إلى عمان وإلى كرمان وأرض طبرستان وإلى كابل وطخارستان، وهي الأرض التي سمتها الفرس بلاد الخاضعين. وهذا الجزء هو صفوة الأرض ووسطها لا يلحقه عيب ولا يناله تقصير. ولذلك اعتدلت ألوان أهله واقتدرت أجسامهم، فسلموا من شقرة الروم والصقالبة، وسواد الحبشة والزنج، وغلظ الترك، ودمامة الصين. واجتمعت فيهم محاسن جميع الأقطار، وكل «٣» ما اعتدلوا في الحلية كذلك لطفوا في الفطنة والتمسك بمحاسن الأمور وشريف الأخلاق. ولم تزل طساسيج [٨٣ أ] السواد على العدة التي ذكرنا حتى قدم الحجاج بن يوسف واليا على العراق، وكان كاتبه القادم معه والمتولي لأمره، صالح بن عبد الرحمن. فقال له الحجاج: التمس كاتبا ناصحا من الفرس عالما بكتابتهم يعمل الحساب. فوجد رجلا يقال له زاذانفروخ بن بيري فقلّده أمر الديوان. فلم يكن

стр. 377

صالح وأصحابه يهتدون إلى العمل. وكان زاذانفروخ وكتّابه يعملون الحساب بالفارسية، فشكا صالح ذلك إلى الحجاج وعرّفه أنه في غير شيء مع زاذانفروخ. فأمر الحجاج زاذانفروخ أن يتجشم له نقل الدواوين من اللسان الفارسي إلى اللسان العربي، ففعل ذلك وميّز النواحي وكوّر الكور. فرسم طساسيج السواد. فكان ما رسم من ذلك أن جعل السواد عشر كور. كل كورة استان وطساسيجه ستون طسوجا. وقد ذكرنا ذلك في موضعه. فلما فعل هذا ونقله إلى العربية، تصرف صالح وأصحابه فيه ووقفوا عليه. وكان بناحية كسكر مدينة عظيمة كثيرة الأهل، فخرج أهلها في الزمن الأول حذرا من الطاعون إلى بعض المواضع، فهلكوا كلهم وخربت وبقي فيها بيت أصنامهم، فبنته النصارى عمرا وسمته بنينس. ورسوم هذه المدينة وآثار سورها ثابت إلى اليوم ولم يدرس. ومن ذلك خسرو شابور وساباط بناهما شابور. ومن ذلك شهراباد وهي مدينة إبراهيم الخليل ﵇. وكانت مدينة عظيمة جليلة القدر راكبة البحر. فنضب البحر عنها وانحبس ماؤه، فبطلت. وموضع مجراه وسمته معروف إلى اليوم. قال: وكانت بالقرب منها أيضا مدينة كبيرة جليلة تسمى شالها. فخربتها إياد لأنها كانت تغير عليها. ويقال إن إيادا وغيرهم من العرب غلبوا عليها وملكوها في أيام سابور وخلعوا [٨٣ ب] طاعته ونابذوه الحرب، وانتصروا بملك الروم وأطمعوه في مملكة فارس فأمدّهم بمراكب في البحر فيها مقاتلة، واتصل الخبر بسابور فرحل إليها وأقام عليها حتى فتحها فقتل فيها مائتي ألف رجل وأخربها وجمع النساء والذراري والمشايخ فأسكنهم مدينة بناها يقال لها الهفّة ونهى الرعية عن مخالطتهم ومناكحتهم. وتقدم أن لا تدخل العرب من البدو إلى الحضر فمن دخل بغير جواز قتل. قال: وكل من سخط عليه ملوك فارس نفته إلى هذه المدينة ووسمتها بالنفي

стр. 378

واللعن. وسمتها النبط هفاطرناي. وآثار سورها بينة لم تدرس. وكان بقربها أيضا عدة مدن منها دورى الزندورد. وفيها الليس ومنها دار سابور والهكة والهعة التي بناها سابور وجعلها لمن ينفى. ويقال: إن حدّ كورة كسكر من الجانب الشرقي في آخر سقي النهروان إلى أن يصب في البحر. وان المبارك وعبدسي والمذار. وتعيا وميسان ودستميسان وآجام البريد من كسكر. وان العرب فرقتها حيث مصرّت البصرة وكذلك إسكاف العليا والسفلى ونفر وسمر وبهندف وقرقوب. كل هذا منها. وقال المدائني: أول من مسح الأرض ووضع الدواوين وحدّ حدود الخراج والوظائف، قباذ. فصيّر ديوان الخراج بحلوان وسماه ديوان العدل. فكان كل شيء يجبى في مملكة الفرس من السواد مائة ألف ألف درهم مثاقيل. وذلك أن الملك كان يأخذ نصف الخراج ويترك النصف للناس فتصلح أحوالهم. إلى أن كانت أيام قباذ فإنه جبى السواد مائة ألف ألف وخمسين ألف ألف مثاقيل. وأمر عمر بن الخطاب ﵁ أن يمسح السواد وطوله من العلث في الجانب الشرقي ومن حربى في الجانب الغربي مادا إلى عبادان «١» . وهو مائة وعشرون فرسخا، وعرضه [٨٤ أ] من عقبة حلوان إلى العذيب، وهو ثمانون فرسخا. فكان ذلك بعد أن أخرج عنه الجبال والأودية والأنهار ومواضع المدن والقرى، ستة وثلاثين ألف ألف جريب. فوضع على جريب الحنطة أربعة دراهم، وعلى جريب الشعير درهمين، وعلى جريب النخل ثمانية دراهم. وعلى جريب الكرم والرطاب ستة دراهم. وختم الجزية على ستمائة ألف إنسان، وجعلها طبقات: الطبقة العالية، ثمانية وأربعون درهما. والوسطى أربعة عشرون درهما. والسفلى اثنا عشر درهما. فجبى السواد مائة ألف ألف وثمانية وعشرين ألف درهم.

стр. 379

وجباه عمر بن عبد العزيز مائة ألف ألف وأربعة وعشرين ألف ألف درهم. وجباه الحجاج بن يوسف على غشمه وظلمه وعسفه وخرقه ثمانية عشر ألف ألف. فقط: وأسلف الفلاحين للعمارة ألفي ألف. فحصل له ستة عشر ألف ألف. ومنع أهل السواد لما شكوا إليه خراب بلدهم من ذبح البقر لتكثر العمارة، فقال الشاعر: شكونا إليه خراب السواد ... فحرّم جهلا لحوم البقر وكان خراج العراق أيام زياد مائة ألف ألف وخمسة وعشرين ألف ألف درهم. وأيام عبيد الله بن زياد أكثر منه أيام زياد بعشرين ألف ألف. وكان في أيام ابن هبيرة مائة ألف ألف سوى طعام الجند وأرزاق الفعلة الذين يكونون في العسكر. وأحصى كسرى أبرويز خراج مملكته في سنة ثماني عشرة من ملكه، أربعمائة ألف ألف وعشرون ألف ألف درهم. ثم زاد خراجه بعد ذلك. وذكر بعض كتاب الفرس: إن العراق كان يجبى في أيام أنوشروان «١» ستمائة ألف ألف مثقال. وزعم أنه جبي في آخر أيام أبرويز تسعمائة ألف ألف مثقال وترك في أيدي الناس [٨٤ ب] كلهم من جميع غلّاتهم مائة ألف ألف. فهلك الناس حتى ان الجارية النفيسة كانت تباع بدرهم. وجبى بعض أمراء خراسان خراسان ثمانية وعشرين ألف ألف مثقال. وجبى الجنيد بن عبد الرحمن أرض الهند خمسة وعشرين ألف ألف مثقال. وكانت جباية البصرة خمسة وسبعين ألف ألف درهم. وأرض الكوفة خمسة وعشرين ألف ألف درهم. وكان يوسف بن عمر الثقفي يحمل من خراج العراق ما بين ستين ألف ألف وسبعين ألف ألف. ويحتسب بعطاء من قبله من جند الشام بستة عشر ألف ألف

стр. 380

وفي نفقة البريد أربعة ألف ألف وفي الطراز ألفي ألف. وفي الطراز ألفي ألف. ويبقى في بيت المال للأحداث والبوائق عشرة ألف ألف درهم. وقال المدائني: كانت ميسان ودستميسان في ديوان حلوان من تعديل قباد تؤدي أربعة ألف ألف. وابر قباد تسعة ألف ألف. وكان يؤخذ من البر والشعير والأرز الخمس ولا يؤخذ من سائر الحبوب شيء. وكان يؤخذ من كل أربع وعشرين نخلة درهم. ومن كل سبعة عشر فارسي درهم. وقال بعض الجلساء سمعت المعتز يقول لأحمد بن إسرائيل: يا أحمد! كم خراج الروم؟ فقال: يا أمير المؤمنين! خرجنا مع جدك المعتصم في غزاته. فلما توسطنا بلد الروم، صار إلينا بسيل الخرشني وكان على خراج الروم. فسأله محمد بن عبد الملك عن مبلغ خراج بلدهم، فقال: خمسمائة قنطار وكذا وكذا قنطار. قال: فحسبنا ذلك، فإذا هو أقل من ثلاثة ألف ألف دينار. فقال المعتصم: اكتب إلى ملك الروم اني سألت صاحبك عن خراج أرضك فذكر أنه كذا وكذا، وأخس ناحية في مملكتي خراجها أكثر من خراج أرضك، فكيف تنابذني وهذا ارتفاع بلدك؟ فضحك المعتز وقال: من يلومني على حب أحمد بن إسرائيل، ما سألته قط عن شيء إلّا جاءني بقصة. وقال عبد الرحمن بن جعفر بن سليمان: قال السواد ألف ألف ألف درهم [٨٥ أ] ما نقص مما في يد السلطان منه، فهو في يد الرعية. وما نقص من يد الرعية فهو في بيت مال السلطان. وقال الهيثم بن عدي: لم يكن بفارس كورة أهلها أقوى من أهل كورتين: كورة سهلية وكورة جبلية. أما السهلية فكسكر وأما الجبلية فأصبهان. وكان خراج كل واحدة منهما اثني عشر ألف ألف مثقال. ولم يكن بالعراق كورة مثل جوخى. كان خراجها ثمانين ألف ألف درهم حتى صرفت دجلة عن جوخى فخربت وأصابهم بعد ذلك طاعون شيرويه فأتى

стр. 381

عليهم. ولم يزل السواد في ادبار منذ كان طاعون شيرويه. ولم تزل فارس في ادبار منذ كان ذلك الطاعون. وكان المعروف بأبي الوزير الكاتب عمل تقديرا للدنيا وعرضه على يحيى بن خالد البرمكي في خلافة الهادي سنة سبعين ومائة. قال: أثمان الغلّات بالسواد ستة وثمانين ألف ألف وسبعمائة ألف وثمانين ألف درهم. ومن أبواب المال به أيضا أربعة ألف ألف وثمانمائة ألف درهم ومن الحلل البحرانية مائتا حلة. ومن الطين الأسود الأنباري ما يفرق في الدواوين مائتان وأربعون حملا. كسكر، من الورق أحد عشر ألف ألف وستمائة ألف درهم. كور دجلة: من الورق عشرون ألف ألف وثمانمائة ألف درهم. حلوان أربعة ألف ألف وثمانمائة درهم. الأهواز خمسة وعشرون ألف ألف درهم. ومن صنوف السكّر ثلاثمائة ألف رطل. فارس: سبعة وعشرون ألف ألف درهم. ومن ماء الورد ثلاثمائة ألف قارورة. ومن ماء الزبيب والميبة وغير ذلك من الأشربة عشرون ومائة ألف رطل. ومن السفرجل مائة ألف سفرجلة. ومن الرمان مثل ذلك. ومن الزبيب الفارسي بالكر الهاشمي سبعة أكرار. ومن السكنجبين، خمسة ألف رطل. ومن الطين السيرافي خمسة ألف رطل. كرمان: من الورق، أربعة ألف ألف ومائتا ألف درهم. ومن الثياب البمية والخبيصية [٨٥ ب] وتسعون ألف دينار «١» . فلسطين: ثلاثمائة ألف وستون ألف دينار. ومن جميع أجناد الشام: من الزيت خمسمائة ألف رطل. ومن التفاح، مائتا

стр. 382

ألف تفاحة. ومن التين، عشرة ألف منّا. ومن الخروب، ثلاثون ألف رطل. مصر سوى تنيس ودمياط والأشمونين فإن مال هذه الكورة مصروف إلى شري الخيل والنفقة على الطرز ثلاثة ألف ألف وتسعمائة ألف وأربعون ألف دينار. ومن أنواع الثياب الدبيقي والقصب وغير ذلك عشرون ألف ثوب. الإسكندرية: ألف ألف وثمانمائة ألف درهم. برقة: ألف ألف درهم. إفريقية: ثلاثة عشر ألف ألف درهم. ومن البسط الكبار خمسمائة بساط ومن الزيت مائة ألف مائة ألف رطل. مكة والمدينة: ثلاثمائة ألف دينار وسبعون ألف دينار. ومن التمر الصيحاني، ألف رطل. ومن الصاح «١» خمسين رطلا. السمن والعين ثمانمائة وسبعون ألف دينار. ومن العنبر ثمانون رطلا. ومن أصناف الحلل وغيرها من الثياب أربعة ألف ثوب. ومن الورس خمسة ألف رطل. ومن الزبيب خمسمائة قفيز. اليمامة والبحرين وعمان وسيراف: من الورق ثلاثة ألف ألف درهم. ومن الثياب الصحارية، خمسمائة ثوب ومن التمر اليماني «٢» مائتا ألف رطل. حوالي الكوفة والبصرة ومدينة السلام وما بين الماصرين «٣» : من الورق، ألف ألف وثلاثمائة ألف وسبعون ألف درهم. ولم يثبت في هذا التقدير قزوين لأنها تفرقت في الكور.

стр. 383

القول في الأهواز قال المغيرة بن سليمان: أرض الأهواز نحاس تنبت الذهب، وأرض البصرة تنبت النحاس. قال ابن المقفع: أول سور وضع في الأرض بعد الطوفان سور السوس وتستر. ولا يدرى من بنى سور السوس وتستر والأبلّة. وقال ابن المنذر: السوس من بناء سام بن نوح. فأما تستر فبعض الناس [٨٦ أ] يجعلها من الأهواز، ومنهم من يجعلها من أرض البصرة. وقال ابن عون مولى المسور: حضرت عمر بن الخطاب ﵁، وقد اختصم إليه أهل الكوفة وأهل البصرة في تستر [وكانوا] حضروا فتحها. فقال أهل الكوفة: من أرضنا. وقال أهل البصرة: بل من أرضنا. فجعلها عمر من أرض البصرة. والأهواز هي سوق الأهواز ورامهرمز وايذج وعسكر مكرم وتستر وجنديسابور والسوس وسرّق ونهر تيرى ومناذر «١» . وخراج الأهواز ثلاثون ألف ألف درهم. وكانت الفرس تقسط على خوزستان- وهي الأهواز- خمسين ألف ألف درهم مثاقيل. وبنى سابور بالأهواز مدينتين، سمى أحدهما باسم الله تعالى، والأخرى باسم نفسه وجمعهما باسم واحد وهي هرمزدارشير. وسمتها العرب سوق الأهواز.

стр. 384

وبنى جنديسابور وكانت غيضة. فمرّ بها واكار الحرث [يحرث] أرضا بالقرب منها. فقال له سابور: إني أريد أن أبني في هذا الموضع مدينة. فقال الأكار وكان شيخا كبيرا وكان اسمه بيل يعجب من قول: إن جاء مني كاتبا جاء في هذا الموضع مدينة «١» . فقال شابور: والله ما يتولى بناءها والنفقة عليها غيرك. ثم أمر بحمل الشيخ، فحمل وأمر بحلق رأسه ولحيته كي لا يشتغل عن التعليم، وضمّ إليه معلما وأخذه بتعليمه. وأمر بقطع الخشب من الغيضة، فقطع. ومهر الشيخ في الكتابة وحذقها وعرف جميع أمورها في سنة. فلما بلغ من ذلك غاية ما يحتاج إليه أدخله المعلم إلى سابور وعرّفه أمره وأنه قد بلغ النهاية في الكتابة. فضحك شابور وقال له: يا بيل! تعلمت الكتابة؟ قال: نعم. قال: اذهب. فقد قلدتك نفقات المدينة. وأمره أن يقوم على الفعلة. فبنى جنديسابور. فلما فرغ منها، نظر إلى بعض جوانبها يكره عليه من السيل. فنقضه وبناه بالآجر والكلس وبنى باقيها باللبن. فأهل الأهواز يسمون جنديسابور بيلاباد. باسم الشيخ الذي تولى بناءها والنفقة عليها. وفي ملك سابور بن أردشير ظهر ماني [٨٦ ب] صاحب الزنادقة. فدعا شابور إلى مذهبه فما زال يسوّفه ويماطله حتى استخرج ما عنده فوجده داعية للشيطان. فأمر به فسلخ جلده وحشي تبنا وعلق على باب مدينة جنديسابور. فالباب إلى الساعة يسمى باب الماني. والزنادقة تحج إليه وتعظم ذلك الموضع. ويقال إن معنى نيسابور وسابور خواست وجنديسابور، إن أصحاب نيسابور لما فقدوه لقول المنجمين له أنك تشقى سبع سنين، خرج هاربا يسيح في الأرض. وخرج أصحابه يطلبونه فبلغوا نيسابور فطلبوه هناك فلم يجدوه فقالوا: نيست سابور أي ليس سابور. ثم وقع إلى سابور خواست فقالوا: سابور خواست. أي طلب سابور هناك. ثم وقعوا عليه بجنديسابور فقالوا: وندذ سابور أي وجد الملك. وبنى أردشير مدينة سوق الأهواز

стр. 385

قال الهيثم بن عدي: أردشير خوره حفر المسرقان ودجيل وأنهار خوزستان السبع وهي سرّق ورامهرمز من سوق الأهواز والشوش وجنديسابور ومناذر ونهر تيرى. ويقال: لا بناء بالحجارة ولا أبهى من شاذروان تستر، لأنه بالصخر وأعمدة الحديد وملاط الرصاص. ومخرج دجيل الأهواز من أرض إصبهان ويصب في بحر الشرقي. وقالوا: من أقام بالأهواز حولا ثم تفقد عقله وجد النقصان فيه بيّنا. فأما قصبة الأهواز فنقلت كل من نزلها من بني هاشم وأشراف الناس إلى طبيعتها. ولا بدّ للهاشمي قبيح الوجه كان أم حسنا من أن يكون لوجهه وشمائله طبع به من جميع قريش وجميع العرب. فلقد كادت الأهواز أن تنقل ذلك وتبدله ولقد تحيّفته «١» . وأدخلت الضيم عليه وبينت أثرها عليه. فما ظنك بصنيعها في سائر الأجناس؟ ولفساد عقولهم ولؤم طبع بلادهم، لا تراهم مع تلك الأموال الكثيرة والضياع النفيسة يحبون من البنين والبنات ما يحبه أوساط أهل الأمصار في الثروة واليسار، وإن طال ذلك والمال منبهة كما يعلم الناس. وقد يكتسب الرجل: من غيرهم [٨٧ أ] المويل اليسير فلا يرضى لولده [حتى يفرض] له المؤدبين والحرص له على الأدب بالخطر النفيس فيما يقدر عليه. والخوزي بخلاف ذلك كله. فإنه إذا ترعرع ولده وكبر وعقل شغّله بالغربة وأبلاه بالأسفار والكسب. فهو من بلد إلى بلد ومن مدينة إلى أخرى. وليست في الأرض صناعة مذكورة ولا أدب شريف ولا مذهب محمود لهم في شيء منه نصيب وان خسؤ وقلّ ودقّ وجل. ولم ير فيها وجنة حمراء لصبي ولا صبية ولا دما ظاهرا ولا قريبا [من ذلك] وهي قتالة للغرباء وعلى ان حمّاها خاصة ليست إلى الغريب بأسرع

стр. 386

منها إلى القريب. ووباؤها وحمّاها في وقت انكشاف الوباء ونزوع الحمى من جميع [البلدان] . وكل محموم في الأرض فإن حمّاها لا تنزع عنه ولا تفارقه وفي بدنه منها بقية. فإذا نزعت فقد وجد في نفسه منها البراءة إلى أن تعود بما يجتمع في بدنه من الأخلاط الرديئة. وليست كذلك الأهواز، لأنها تعاود من نزعت عنه من غير حدث لأنهم ليس يؤتون من قبل التخم وللإكثار من الأكل وإنما يؤتون من عين البلدة. وكذلك جمعت سوق الأهواز الأفاعي في جبلها الطاعن «١» في منازلها المطل عليها والجرارات في بيوتها ومقابرها. ولو كان في العالم شيء هو شر من الأفاعي والجرارات لما قصرت قصبة الأهواز عن توليده وتلقيحه. ومن بلّيتها ان من ورائها سباخا ومناقع مياه غليظة وفيها أنهار تشقها مسائل كنفهم ومياه أمطارهم ومتوضآتهم. فإذا طلعت الشمس فطال مقامها وطالت مقابلتها لذلك الجبل قبل بالصخرية التي فيه تلك الجرارات. فإذا امتلأت يبسا وحرّا وعادت جمرة واحدة، قذفت ما قبلت من ذلك عليهم وقد بخرت تلك السباخ والأنهار. فإذا التقى عليهم ما انجرّ من تلك السباخ وما قذفه ذلك الجبل، فسد الهواء، ففسد بفساده كل شيء يشتمل عليه ذلك الهواء. وخبر إبراهيم بن العباس بن محمد «٢» عن مشيخة من أهل الأهواز عن القوابل انهنّ ربما قبلن الطفل المولود فيجدنه في تلك الساعة محموما [٨٧ ب] يعرفون ذلك ويتحدثون به «٣» . ولقد أخبرني به زيد بن محمد وكان صدوقا وكان أقام بالأهواز حولا وحري

стр. 387

شدة حرّها وكثرة هوامها وحيّاتها وجراراتها بأمر فضيع «١» . ثم قال: وكيف لا يكون كذلك وطعام أهلها الأرزّ وهم يخبزون في كل يوم. فيقدّر أنه يسجر بها في كل يوم خمسون ألف تنور. فما ظنك ببلد إذا اجتمع فيه حرّ الهواء وبخار هذه النيران؟ وحلف بالله أنه عزم مرارا أن يغرق نفسه في المسرقان لما كان يلقى من الكرب وشدة الحرّ والسموم. ويقول أهل الأهواز إن جبلهم إنما هو من غثاء الطوفان تحجّر. وهو حجر ينبت ويزيد في كل وقت. قالوا: ولنا السكّر وأنواع التمر. وهم أحذق الأمة في إيجاد أنواع السكر. ولهم الخزّ السوسي والديباج التستري. وكل طيب يحمل إلى الأهواز فإنه يستحيل وتذهب رائحته ويبطل حتى لا ينتفع منه بكثير شيء. والأهواز افتتحها أبو موسى الأشعري في ولاية عمر بن الخطاب رضي [الله] عنهما. وآخر مدينة افتتحت من الأهواز السوس. فلما افتتحها وأخذ المدينة وسبى الذرية وظفر بالخزائن. فبينا هو يحصي ما فيها كان في قلعتها نحو من ثلاثمائة خزانة. فرأى خزانة منها وعليها ستر عليه الدهن. فأمر خزّان القلعة أن يفتحوه. فجعلوا يبكون ويحلفون أنه ليس فيه شيء من الذهب والفضة. فجعل أبو موسى لا يزيده ذلك إلّا حرصا على فتحه، حتى همّ بكسر الباب. فلما رأى الخزّان ذلك قالوا له نحن نصدقك عما فيه. قال: قولوا. قالوا: فيه جسد دانيال. قال: وكيف علمتم ذلك؟ قالوا: أصابنا القحط سبع سنين متوالية حتى أشرفنا على الهلاك. وكان هذا الجسد عندنا وقوم من النصارى يستسقون به إذا أجدبوا. فيسقون ويخصبون. فأتيناهم وطلبنا إليهم أن يعيروناه فأبوا علينا فرهناهم خمسين أهل بيت منا على أن نستسقي به في عامنا ذلك ونرده. فدفعوه إلينا. فلما استسقينا به سقينا وأخصبنا فتعلقنا به وحبسناه عن أصحابه ورغبنا فيه فهو عندنا نستسقي به في الجدب. فأمر أبو موسى بفتح الباب. فإذا في البيت سرير عليه رجل ميت واضع

стр. 388

[٨٨ أ] مرفقه على ركبته اليمنى، فكتب إلى عمر يعلمه فتح المدينة ويقصّ عليه خبر دانيال ﵇، فسأل عمر ﵁ من بحضرته من المسلمين فأخبروه أنه نبيّ وأن بخت نصر لما غزا بيت المقدس وسبى أهله، كان دانيال ممن سبى، ونقل إلى أرض بابل فلم يزل بها حتى مات. فكتب عمر إلى أبي موسى يخبره بالذي انتهى إليه من أمره وأمره بأن يحنطه ويكفنه ويدفنه من غير أن يغسله. ويكون دفنه إياه في جوف الليل حتى يكون الله تعالى هو الذي يبعثه كما يبعث خلقه. فلما انتهى إليه كتاب عمر إلى أبي موسى، عمد إلى نهر من أنهار السوس فأمر بسكره فسكر، ثم حفر لدانيال في جوف النهر ثم عمد إليه فحنطه وكفنه وحمله وأربعة من المسلمين في جوف الليل فقبره في ذلك النهر ثمّ أجرى عليه الماء فلم يعلم أحد موضع قبره إلى يومنا هذا. ويقال إنه أخذ خاتما كان في إصبعه وكذلك يقال أيضا إنه وجد معه كتب فيها أخبار الملاحم وما يكون من الفتن وانها صارت إلى كعب الأحبار. وعسكر مكرم: نسبت إلى مكرم بن [معزاء الحارث] «١» أحد بني جعونة بن الحارث بن نمير. وكان الحجاج بن يوسف وجهه لمحاربة خوزاد بن بارس حين عصى ولحق بالإيذج وتحصّن في قلعة تعرف به. فلما طال عليه الحصار نزل مستخفيا ليلحق بعبد الملك بن مروان. فظفر به مكرم ومعه درّتان في قلنسوته. فأخذه وبعث به إلى الحجاج. وكانت هناك قرية قديمة فبناها مكرم. ولم يزل يبني ويزيد حتى جعلها مدينة وسماها عسكر مكرم. وقال الثوري: الأهواز تسمى بالفارسية هوز مسير. وإنما كان اسمها الأخواز فغيرها الناس فقالوا الأهواز. وأنشد لأعرابي: لا ترجعنّي إلى الأخواز ثانية ... وقعقعان الذي في جانب السوق ونهر بطّ الذي أمسى يؤرّقني ... فيه البعوض بلسب غير تشفيق

стр. 389

ونهر بط كان عنده مراح للبط فقالت العامة نهر بط، كما قالوا دار بطيخ. وقالوا: بل كان يسمى نهر نبط. وذلك انه كان لامرأة نبطية فخفف وقيل نهر بط «١» . وأهل الأهواز الأم الناس وأبخلهم. وهم أصبر خلق على الغربة والتنقل في البلدان. وحسبك أنك لا تدخل بلدا من سائر البلدان ولا إقليما من جميع الأقاليم إلّا وجدت في تلك المدينة صنفا من الخوز لشحهم وحرصهم على جمع المال. وذكر الأصمعي قال: الخوز هم الفعلة وهم الذين بنوا الصرح واسمهم مشتق من الخنزير. ذهب إلى أن اسمه بالفارسية خو، فجعلته العرب خوز وإلى هذا ذهبوا. وقال آخرون: معنى قولهم خوزي أي زيّهم زي الخنزير. وروى أبو خبرة عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: ليس في ولد آدم شر من الخوز ولم يكن منهم نبي قط ولا نجيب. وقال عبد الله بن سلام: خلق الله البخل عشرة أجزاء، تسعة في الخوز وجزء في سائر الخلق. وقال علي ﵁ فيما روي عنه: على مقدمة الدجّال رجل خوزي يقال له مهران. وقال عمر ﵁: إن عشت إلى قابل لأبيعنّ الخوز ولأجعلن أثمانهم في بيت المال. وفي خبر آخر: من كان جاره خوزيا واحتاج إلى ثمنه، فليبعه. وكتب كسرى إلى بعض عماله: ان ابعث إليّ بشر طعام مع شر الناس على

стр. 390

شر الدواب. فبعث إليه برأس سمكة مالحة مع خوزي على حمار. وقال أبو وائل: خرجنا مع ابن مسعود إلى قرية بالقادسية فجاءه رجل من الأنباط في حاجة. فالتفت عبد الله إلى أصحابه فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: تاركوا الترك ما تركوكم ولا تجاوروا الأنباط في بلادهم، وإذا رأيتموهم قد أظهروا إسلامهم وقرأوا القرآن وتمكنوا في المرباع واحتبوا في المجالس وراجعوا الرجال في كلامهم، فالهرب الهرب. ولا تناكحوا الخوز فإن لهم أعراقا تدعوا إلى غير الوفاء .
следующие страницы →