Полный текст (637 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
منها إلى القريب. ووباؤها وحمّاها في وقت انكشاف الوباء ونزوع الحمى من جميع [البلدان] . وكل محموم في الأرض فإن حمّاها لا تنزع عنه ولا تفارقه وفي بدنه منها بقية. فإذا نزعت فقد وجد في نفسه منها البراءة إلى أن تعود بما يجتمع في بدنه من الأخلاط الرديئة. وليست كذلك الأهواز، لأنها تعاود من نزعت عنه من غير حدث لأنهم ليس يؤتون من قبل التخم وللإكثار من الأكل وإنما يؤتون من عين البلدة. وكذلك جمعت سوق الأهواز الأفاعي في جبلها الطاعن «١» في منازلها المطل عليها والجرارات في بيوتها ومقابرها. ولو كان في العالم شيء هو شر من الأفاعي والجرارات لما قصرت قصبة الأهواز عن توليده وتلقيحه. ومن بلّيتها ان من ورائها سباخا ومناقع مياه غليظة وفيها أنهار تشقها مسائل كنفهم ومياه أمطارهم ومتوضآتهم. فإذا طلعت الشمس فطال مقامها وطالت مقابلتها لذلك الجبل قبل بالصخرية التي فيه تلك الجرارات. فإذا امتلأت يبسا وحرّا وعادت جمرة واحدة، قذفت ما قبلت من ذلك عليهم وقد بخرت تلك السباخ والأنهار. فإذا التقى عليهم ما انجرّ من تلك السباخ وما قذفه ذلك الجبل، فسد الهواء، ففسد بفساده كل شيء يشتمل عليه ذلك الهواء.
وخبر إبراهيم بن العباس بن محمد «٢» عن مشيخة من أهل الأهواز عن القوابل انهنّ ربما قبلن الطفل المولود فيجدنه في تلك الساعة محموما [٨٧ ب] يعرفون ذلك ويتحدثون به «٣» .
ولقد أخبرني به زيد بن محمد وكان صدوقا وكان أقام بالأهواز حولا وحري
стр. 387
شدة حرّها وكثرة هوامها وحيّاتها وجراراتها بأمر فضيع «١» . ثم قال: وكيف لا يكون كذلك وطعام أهلها الأرزّ وهم يخبزون في كل يوم. فيقدّر أنه يسجر بها في كل يوم خمسون ألف تنور. فما ظنك ببلد إذا اجتمع فيه حرّ الهواء وبخار هذه النيران؟ وحلف بالله أنه عزم مرارا أن يغرق نفسه في المسرقان لما كان يلقى من الكرب وشدة الحرّ والسموم.
ويقول أهل الأهواز إن جبلهم إنما هو من غثاء الطوفان تحجّر. وهو حجر ينبت ويزيد في كل وقت.
قالوا: ولنا السكّر وأنواع التمر. وهم أحذق الأمة في إيجاد أنواع السكر.
ولهم الخزّ السوسي والديباج التستري. وكل طيب يحمل إلى الأهواز فإنه يستحيل وتذهب رائحته ويبطل حتى لا ينتفع منه بكثير شيء.
والأهواز افتتحها أبو موسى الأشعري في ولاية عمر بن الخطاب رضي [الله] عنهما. وآخر مدينة افتتحت من الأهواز السوس. فلما افتتحها وأخذ المدينة وسبى الذرية وظفر بالخزائن. فبينا هو يحصي ما فيها كان في قلعتها نحو من ثلاثمائة خزانة. فرأى خزانة منها وعليها ستر عليه الدهن. فأمر خزّان القلعة أن يفتحوه.
فجعلوا يبكون ويحلفون أنه ليس فيه شيء من الذهب والفضة. فجعل أبو موسى لا يزيده ذلك إلّا حرصا على فتحه، حتى همّ بكسر الباب. فلما رأى الخزّان ذلك قالوا له نحن نصدقك عما فيه. قال: قولوا. قالوا: فيه جسد دانيال. قال: وكيف علمتم ذلك؟ قالوا: أصابنا القحط سبع سنين متوالية حتى أشرفنا على الهلاك.
وكان هذا الجسد عندنا وقوم من النصارى يستسقون به إذا أجدبوا. فيسقون ويخصبون. فأتيناهم وطلبنا إليهم أن يعيروناه فأبوا علينا فرهناهم خمسين أهل بيت منا على أن نستسقي به في عامنا ذلك ونرده. فدفعوه إلينا. فلما استسقينا به سقينا وأخصبنا فتعلقنا به وحبسناه عن أصحابه ورغبنا فيه فهو عندنا نستسقي به في الجدب. فأمر أبو موسى بفتح الباب. فإذا في البيت سرير عليه رجل ميت واضع
стр. 388
[٨٨ أ] مرفقه على ركبته اليمنى، فكتب إلى عمر يعلمه فتح المدينة ويقصّ عليه خبر دانيال ﵇، فسأل عمر ﵁ من بحضرته من المسلمين فأخبروه أنه نبيّ وأن بخت نصر لما غزا بيت المقدس وسبى أهله، كان دانيال ممن سبى، ونقل إلى أرض بابل فلم يزل بها حتى مات. فكتب عمر إلى أبي موسى يخبره بالذي انتهى إليه من أمره وأمره بأن يحنطه ويكفنه ويدفنه من غير أن يغسله.
ويكون دفنه إياه في جوف الليل حتى يكون الله تعالى هو الذي يبعثه كما يبعث خلقه. فلما انتهى إليه كتاب عمر إلى أبي موسى، عمد إلى نهر من أنهار السوس فأمر بسكره فسكر، ثم حفر لدانيال في جوف النهر ثم عمد إليه فحنطه وكفنه وحمله وأربعة من المسلمين في جوف الليل فقبره في ذلك النهر ثمّ أجرى عليه الماء فلم يعلم أحد موضع قبره إلى يومنا هذا.
ويقال إنه أخذ خاتما كان في إصبعه وكذلك يقال أيضا إنه وجد معه كتب فيها أخبار الملاحم وما يكون من الفتن وانها صارت إلى كعب الأحبار.
وعسكر مكرم: نسبت إلى مكرم بن [معزاء الحارث] «١» أحد بني جعونة بن الحارث بن نمير. وكان الحجاج بن يوسف وجهه لمحاربة خوزاد بن بارس حين عصى ولحق بالإيذج وتحصّن في قلعة تعرف به. فلما طال عليه الحصار نزل مستخفيا ليلحق بعبد الملك بن مروان. فظفر به مكرم ومعه درّتان في قلنسوته.
فأخذه وبعث به إلى الحجاج. وكانت هناك قرية قديمة فبناها مكرم. ولم يزل يبني ويزيد حتى جعلها مدينة وسماها عسكر مكرم.
وقال الثوري: الأهواز تسمى بالفارسية هوز مسير. وإنما كان اسمها الأخواز فغيرها الناس فقالوا الأهواز. وأنشد لأعرابي:
لا ترجعنّي إلى الأخواز ثانية ... وقعقعان الذي في جانب السوق
ونهر بطّ الذي أمسى يؤرّقني ... فيه البعوض بلسب غير تشفيق
стр. 389
ونهر بط كان عنده مراح للبط فقالت العامة نهر بط، كما قالوا دار بطيخ.
وقالوا: بل كان يسمى نهر نبط. وذلك انه كان لامرأة نبطية فخفف وقيل نهر بط «١» .
وأهل الأهواز الأم الناس وأبخلهم. وهم أصبر خلق على الغربة والتنقل في البلدان. وحسبك أنك لا تدخل بلدا من سائر البلدان ولا إقليما من جميع الأقاليم إلّا وجدت في تلك المدينة صنفا من الخوز لشحهم وحرصهم على جمع المال.
وذكر الأصمعي قال: الخوز هم الفعلة وهم الذين بنوا الصرح واسمهم مشتق من الخنزير. ذهب إلى أن اسمه بالفارسية خو، فجعلته العرب خوز وإلى هذا ذهبوا.
وقال آخرون: معنى قولهم خوزي أي زيّهم زي الخنزير.
وروى أبو خبرة عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: ليس في ولد آدم شر من الخوز ولم يكن منهم نبي قط ولا نجيب.
وقال عبد الله بن سلام: خلق الله البخل عشرة أجزاء، تسعة في الخوز وجزء في سائر الخلق.
وقال علي ﵁ فيما روي عنه: على مقدمة الدجّال رجل خوزي يقال له مهران.
وقال عمر ﵁: إن عشت إلى قابل لأبيعنّ الخوز ولأجعلن أثمانهم في بيت المال.
وفي خبر آخر: من كان جاره خوزيا واحتاج إلى ثمنه، فليبعه.
وكتب كسرى إلى بعض عماله: ان ابعث إليّ بشر طعام مع شر الناس على
стр. 390
شر الدواب. فبعث إليه برأس سمكة مالحة مع خوزي على حمار.
وقال أبو وائل: خرجنا مع ابن مسعود إلى قرية بالقادسية فجاءه رجل من الأنباط في حاجة. فالتفت عبد الله إلى أصحابه
فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: تاركوا الترك ما تركوكم ولا تجاوروا الأنباط في بلادهم، وإذا رأيتموهم قد أظهروا إسلامهم وقرأوا القرآن وتمكنوا في المرباع واحتبوا في المجالس وراجعوا الرجال في كلامهم، فالهرب الهرب. ولا تناكحوا الخوز فإن لهم أعراقا تدعوا إلى غير الوفاء
.
стр. 391
٢/٨
القول في فارس
حدثنا أبو عمرو عبد العزيز بن محمد بن الفضل، حدثنا إبراهيم بن الجنيد حدثنا بشر بن محمد بن أبان عن داود بن المخير عن الصلت [٨٩ أ] بن دينار عن عبد الله بن أبي مليكة قال: قال رسول الله ﷺ : أهل فارس عصبتنا.
ويروى عن أنس بن مالك قال: إن الله خيّر بين خلقه، فخيرته من العرب قريش وخيرته من العجم فارس.
ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: أسعد الناس بالإسلام أهل فارس. وأشقى العرب به بهراء وتغلب.
وقال ابن لهيعة: فارس والروم قريش العجم.
وقال في قوله وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ ٢/٩ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ
. قال: الناس إذ ذاك فارس والروم. وفي قوله يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ
قال: فارس.
ولما هدم ابن الزبير البيت، قال اطلبوا من العرب من يبنيه. فلم يجدوا.
فقال استعينوا بأهل فارس فإنهم ولد إبراهيم. ولن يرفع البيت إلّا ولد إبراهيم.
وقال رسول الله ﷺ : أبعد الناس من الإسلام الروم، ولو كان معلقا بالثريا لتناولته فارس. يعني الإسلام.
[قال وذكر النبي ﷺ كسرى أنوشروان فقال: ويل أمّه، ما أعمق سلمه لو كان أسلم.
стр. 392
وروي عن ابن عباس في قول الله «ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد» قال: أهل فارس.
وقال ﵇: لا تسبوا فارس فإنهم عصبتنا.
وقال ﵇ : إن لله جندا في أهل فارس إذا غضب على قوم انتقم بهم] «١» .
وقال الشعبي: أول من استنبط الأنهار العظام أنوشروان ومادة الملك واستصلح الرعية بعده مثله.
وكان أنوشروان إذا أفرض، يقدم الفارسي على رجلين من الديلم وعلى خمسة من الترك وعلى عشرة من الروم وعلى خمسة عشر من العرب وعلى الثلاثين من الهند. لأنهم كانوا ٢/١٠ أشجع ممن ذكرنا قلوبا وأعزهم نفرا وأعظمهم ملكا وأكثرهم عددا وأوسعهم بلدا وأخصبهم جنابا وأشدهم قلوبا وأرجحهم عقولا وأحسنهم تدبيرا وأصحهم جوابا وأطلقهم ألسنا.
وقال أبو البختريّ: بلغنا أن إسحاق بن إبراهيم ولد ابنا يقال له نفيس: فولد لنفيس، العيص، قبائل من فارس منهم أهل إصطخر وشابور وأردشير. والدليل على ذلك قول جرير:
منابر ملك كلّها مضرية ... يصلي علينا من أعرناه منبرا
وأبناء إسحاق الليوث إذا ارتدوا ... [حمائل موت لابسين السنوّرا] «٢»
إذا انتسبوا عدّوا الصبهبذ منهم ... وكسرى، وعدّوا الهرمزان وقيصرا
وكان إدريس بن عمران يقول: أهل إصطخر أكرم الناس أحسابا، ملوك أبناء الأنبياء.
وقال أردشير [٨٩ ب] : الأرض أربعة أجزاء. فجزء منها أرض الترك ما بين مغارب الهند إلى مشارق الروم. وجزء منها أرض المغرب، ما بين مغارب الروم
стр. 393
إلى القبط والبرابر. وجزء منها أرض كور السواد، ما بين البرابر إلى الهند. والجزء الرابع هذه الأرض التي تنسب إلى فارس ما بين نهر بلخ إلى منقطع آذربيجان وأرمينية الفارسية إلى الفرات. ثم برية العرب إلى عمان ومكران وإلى كابل وطخارستان. فكان هذا الجزء صفوة الأرض. وهو من الأرضين بمنزلة الرأس والسرة والسنام والبطن. أما الرأس، فإن ملوك أقطار الأرض مذ كان ايرج بن أفريدون، كانت دائنة لملوكنا يسمونهم أملاك الأرض ويهدون لهم صفايا ما في أرضهم.
وأما السرة، فإن أرضنا وضعت من الأرضين موضع السرة من الجسد في البسطة والكرم وفيما جمع لنا مما نرئسهم به. فأعطينا فروسية الترك وفطنة الهند وصناعة الروم، وأعطينا في كل شيء من ذلك الزيادة على ما أعطوا، وأصفينا ما حرموا بأدب الدين في أدب الملك. وأعفينا إلى مسام سيماء مشترعة في صورنا وألواننا وشعورنا ٢/١١ كما شوهت سائر الأمم بصنوف الشهرة من لون السواد وشدة الجعودة والسبوطة وصغر العيون وقلّة اللحى. فأعطينا الأوساط من المحاسن والشعور والألوان والصور والأجسام.
وأمّا السنام، فإن أرضنا على صغرها عند بقية الأرضين هي أكثر منافع والين عيشا من جميع ما سواها.
وأمّا البطن، فإن الأرضين كلها تجلب إليها منافعها من علمها ورفقها وأطعمتها وأدويتها وأمتعتها وعطرها كما تجبى الأطعمة والأشربة إلى البطن.
وقال الواقدي: شاور عمر بن الخطاب ﵁ الهرمزان في فارس وإصبهان وآذربيجان. فقال الهرمزان: إن إصبهان وآذربيجان الجناحان. فإن قطعت الجناحين، بقي الرأس. وإن قطعت الرأس وقع الجناحان، فابدأ بالرأس.
وكان أول من جمع فارس وملكها، أردشير بن بابك بن ساسان، وهو أحد ملوك الطوائف وكان على إصطخر، وهو من أولاد [٩٠ أ] الملوك المتقدمين قبل ملوك الطوائف. فرأى أنه وارث ملكهم فكتب إلى من بقربه من ملوك فارس ومن
стр. 394
نأى عنه من ملوك الطوائف يخبرهم بالذي أجمع عليه من الطلب بالملك لما فيه من صلاح أمور الرعية وإقامة الدين والسنّة. فمنهم من أقرّ له بالطاعة، ومنهم من لم يقرّ له حتى قدم عليه، ومنهم من عصاه فصار عاقبة أمره إلى القتل والهلاك. حتى استوسق له ملكه. وهو الذي افتتح الحضر. وكان ملك السواد متحصنا فيه وكانت العرب تسميه الساطرون. وفيه يقول أبو داود:
وأرى الموت قد تدلّى من الحضر على رب أهله الساطرون وقد أتينا بخبره فيما تقدم.
وهو أول من وضع السكك وحذف أذناب دواب البرد وبنى مدينة جور بفارس وكان موضعها صحراء. فمرّ بها أردشير فأمر ببنائها ٢/١٢ وسماها أردشير خرّة.
وسمتها العرب جور. وهي مبنية على صورة دارابجرد. ونصب فيها بيت نار.
وبنى مدينة رام أردشير وبهمن أردشير خرّة وهي فرات البصرة. واستاراباذ وهي كرخ ميسان وهي من كور دجلة. ومدينة سوق الأهواز. وكانت مدة ملكه أربع عشرة سنة وستة أشهر.
وقالوا: سمعوا فارس بفارس بن طهومرث وهو الذي تنسب الفرس إليه، لأنهم من ولده. وكان ملكا عادلا متحننا محتاطا على أهل عصره. وكان له عشرة بنين منهم: جمّ وشيراز وإصطخر وفسا وجنّابا وكسكر وكلواذى وقرقيسيا وعقرقوف [ودارابجرد] . فأقطع كل واحد منهم البلد الذي سمي به ونسب إليه.
وإنما كانوا قبل ذلك يسكنون الخيام. ويقال إن ملكه كان ثلاثمائة سنة.
ومن مدينة سوق الأهواز إلى مدينة أرّجان أول عمل فارس من هذا الوجه واحد وثلاثون فرسخا. وأرجان بناها قباذ بن فيروز لأنه لمّا استرجع الملك من أخيه جاماسف غزا الروم فافتتح مدينتين من مدن الجزيرة مما كانت في أيدي الروم تدعى واحدة آمد والأخرى ميافارقين. وأمر فبنيت فيما بين حدّ فارس والأهواز مدينة وسماها ابرقباد، وهي التي تسمى أرجان. وأسكن فيها سبي [٩٠ ب] همدان
стр. 395
وكوّرها كورة وضم إليها رساتيقها من كور رام هرمز وكورة سابور وكورة أردشير خرة وكورة إصبهان.
وبنى أيضا مدينة حلوان مما يلي الماهات. وبنى مدينة يقال لها قباد خرّة.
وكوّر أيضا كورة أخرى بأرض ميسان وسماها شاد قباذ، وهي التي تسمى أستان العالي. ووضع لها أربعة طساسيج: طسوج فيروز شابور وهي الأنبار وكان منها هيت وعانات فأفردها يزيد بن معاوية «١» في أيامه إلى الجزيرة. وطسوج بادوريا وطسوج قطربل وطسوج مسكن.
وكوّر أيضا كورة بهقباذ الأعلى ووضع لها ستة طساسيج: طسوجي النهرين وطسوج عين التمر والفلوجتين العليا والسفلى وطسوجي بابل وخطرنية.
وكور أيضا بهقباد الأوسط ووضع لها أربعة طساسيج: طسوج سورا.
وطسوج باروسما والجبه والبداة. وطسوج نهر الملك.
وكور أيضا بهقباد الأسفل ووضع لها خمسة طساسيج: فرات بادقلى والسيلحين. وطسوج الحيرة وطسوج تستر وطسوج هرمزجرد.
وفرّق كورة إصبهان على شقين: شق جي وشق التيمرة.
وأمر فبنيت مدينة شهرزور وهي بأرض به. وفيما بين جرجان وإيران شهر مدينة أسماها شهر قباد.
٢/١٣ وبأرجان قنطرة كسروية طويلة أكثر من ثلاثمائة ذراع مبنية بالحجارة على وادي أرجان.
قال: وأخبرني محمد بن أحمد الأصبهاني قال: بأرجان كهف في جبل ينبع منه ماء يشبه بالعرق من حجارته فيكون منه هذا المومياي الأبيض الجيد. وعلى هذا الكهف باب حديد وحفظة ويغلق ويختم بخاتم السلطان وقاضي البلد إلى يوم من السنة يفتح فيه. ويجتمع القاضي وشيوخ البلد حتى يفتح بحضرتهم ويدخل إليه
стр. 396
رجل عريان ثقة. فيجمع ما قد اجتمع من المومياي ويجعله في قارورة، ويكون مقدار ذلك مائة مثقال أو دونها. ثم يخرج ويختم الباب بعد قفله إلى السنة الأخرى. ويوجه بما يجتمع منه إلى السلطان. وخاصيّته لكل كسر أو صدع في العظم. يسقى الإنسان الذي انكسر شيء من عظامه مثل العدسة فينحطّ أول ما يشربه [٩١ أ] إلى موضع الكسر فيجبره ويصلحه لوقته.
ومن أرّجان إلى النوبندجان ستة «١» فرسخا. وفيها شعب بوان الموصوف بالحسن والنزاهة وكثرة الشجر وتدفق المياه وهو موضع من أحسن ما يعرف. فيه شجر الجوز والزيتون وجميع الفواكه النابتة في الصخر. وروى عن المبرد أنه قال:
قرأت على شجرة في شعب بوان هذه الأبيات:
إذا أشرف المكروب من رأس تلعة ... على شعب بوّان أفاق من الكرب
وألهاه بطن كالحريرة مسّه ... ومطّرد يجري من البارد العذب
وطيب ثمار في رياض أريضة ... على قرب أغصان جناها على قرب
فبالله يا ريح الجنوب تحمّلي ... إلى أرض بغداد سلام فتى صبّ
وإذا أسفل منه مكتوب:
٢/١٤
ليت شعري عن الذين تركنا ... خلفنا بالعراق هل يذكرونا
أم لعلّ المدى تطاول حتّى ... قدم العهد بعدنا فنسونا
وذكر بعض أهل الأدب أنه قرأ على شجرة دلب تظلّ عينا حسنة بشعب بوّان هذه الأبيات:
متى تبغني في شعب بوّان تلقني ... لدى العين مشدود الركاب إلى الدلب
وأعطي وإخواني الفتوّة حقّها ... بما شئت من جد وما شئت من لعب
يدير علينا الكاس من لو رأيته ... بعينيك ما لمت المحب على الحب
стр. 397
وكتب أحمد بن الضحاك الفلكي «١» إلى صديق يصف شعب بوان: كتبت إليك من شعب بوّان وله عندي يد بيضاء مذكورة، ومنة غراء مشهورة بما أولانيه من منظر أعدى على الأحزان، وأقال من صروف الزمان. وسرّح طرفي في جداول تطّرد بماء معين منسكب، أرق من دموع العشاق، حررتها لوعة الفراق. وأبرد من ثغور الأحباب، عند الالتثام. كأنها حين [٩١ ب] جرى آذيها يترقرق، وتدافع تيارها يتدفق. وارتجّ حبابها يتكسر في خلال زهر ورياض ترنو بحدق تولّد قصب لجين في صفائح عقيان، وسموط درّ بين زبرجد ومرجان. أثر على حكمة صانعه شهيد، وعلم على لطف خالقه دليل. إلى ظلّ سجسج أحوى، وخضل ألمى. قد غنت عليه أغصان فينانة وقضب غيدانة. ٢/١٥ تشورت لها القدود المهفهفة خجلا، وتقيلتها الخصور المرهفة تشبها. يستقيدها النسيم فتنقاد، ويعدل بها فتنعدل. فمن متورد يروق منظره، ومرتجّ يتهدل مثمره. مشتركة فيه حمرة نضج الثمار، بنفحة نسيم النوار. وقد أقمت به يوما لخيالك منادما ولشوقك مسامرا. وشربت لك تذكارا. وإذا تفضل الله بإتمام السلامة إلى أن أوافي شيراز، كتبت إليك من خبري بما تقف عليه إن شاء الله.
ومن النوبندجان إلى شيراز نيف وعشرون فرسخا.
وهي «٢» من كورة أردشير خرّة ورساتيقها: جور والخبر والصيحكان والبرجان والكهرجان والخواروستان وكير وسينيز وسيراف والرويحان وكان فيروز وكازرون وكران وابزر وتوّج.
ومن سوق الأهواز إلى الدورق في الماء ثمانية عشر فرسخا، وعلى الظهر أربعة وعشرون فرسخا.
стр. 398
كورة سابور ومدينتها النوبندجان ورساتيقها: الخشن والكيمارج وكازرون وخرّه وبندر همان ودشت بارين والهنديجان والدرخوند وتنبوك والجواندان والميدان والمذار وماهان والجنيد والرامجان والشاهجان ومور ودادين وخمايجان السفلى وخمايجان العليا وتيرمردان وجنحان والسياه مص وانبوران.
٢/١٦ كورة إصطخر والمدينة ورساتيقها: مدينة البيضاء وبهران وأسار وإيرج ومائين وخبر إصطخر ونيرز وأبرقويه والبرانجان والميان روذان والكاسكان والهزار.
ومن شيراز إلى مدينة فسا ثلاثون فرسخا. ومن مدينة فسا إلى مدينة دار بجرد ثمانية عشر فرسخا ورساتيقها: كرم وجهرم ونيريز والفستجان والابجرد والانديان وجويم وفرج ويارم وطسان.
كورة أرجان ورساتيقها: قاش وريشهر والسلجان والبحار وفرزن «١» .
ومن شيراز إلى مدينة [٩٢ أ] جور عشرون فرسخا وبين شيراز وسابور عشرون فرسخا. وبين شيراز وإصطخر اثنا عشر فرسخا.
زموم «٢» الأكراد بفارس وتفسير الزموم محال الأكراد. قال صاحب كتاب المسالك والممالك وهو عبد الله بن محمد بن خرداذبه: هي أربعة زموم: زم الحسين بن جيلويه ويسمى البازنجان، وهو من شيراز على أربعة عشر فرسخا. وزم ازدم بن جوانانه من شيراز على ستة وعشرين فرسخا. وزم القاسم بن شهريار ويسمى الكوريان، من شيراز على خمسين فرسخا. ٢/١٧ وزم الحسين بن صالح يسمى السوران من شيراز على سبعة فراسخ.
وقال المدائني: كانت إصطخر تجبى ستة عشر ألف ألف درهم. وسابور
стр. 399
أربعة عشر ألف ألف درهم. وأردشير خرة ثمانية عشر ألف ألف درهم. ودار ابجرد ثمانية عشر ألف ألف درهم.
وكانت أرّجان بعضها إلى إصبهان وبعضها إلى إصطخر وبعضها إلى رام هرمز. فصيرت في الإسلام كورة واحدة.
فصارت فارس خمس كور وهي إصطخر وشابور وأردشير خره ودارابجرد وفسا وأرجان. وفارس مائة وخمسون في فرسخا في مثلها.
وافتتحت عنوة على يدي أبي موسى الأشعري وعثمان بن أبي العاص ﵄.
ويقال إن نمرود إبراهيم ﵇ من إصطخر. ويقال بل كان من قرية يقال لها أبرقوية.
وخراج فارس ثلاثة وثلاثون ألف ألف درهم بالكفاية. وذكر الفضل بن مروان «١» أنه قبلها بخمسة وثلاثين ألف ألف درهم بالكفاية على أنه لا مؤونة على السلطان. وجباها الحجاج بن يوسف والأهواز ثمانية عشر ألف ألف درهم. وكان عمرو بن الليث يجبي من خراجها إحدى وثلاثين ألف ألف درهم، ومن ضياعها تسعة عشر ألف ألف درهم، فجميعه خمسون ألف ألف درهم. ويحمل إلى السلطان في كل سنة خمسة عشر ألف ألف درهم. وجباها الناصر في سنة ثمان وسبعين ومائتين ستين ألف ألف درهم. وكانت الفرس قسطت على كور فارس أربعين ألف ألف مثاقيل.
стр. 400
ومن العجائب بفارس شجرة تفاح بشيراز، نصف التفاحة حلو في نهاية الحلاوة ونصفها حامض في غاية الحموضة. وليس بفارس كلها من هذا النوع إلّا هذه الشجرة الواحدة.
ولهم سابور وفيها الأدهان الكثيرة ومن [٩٢ ب] دخلها لم يزل يشم ريحا طيبة حتى يخرج منها، وذلك لكثرة رياحينها وأنوارها وبساتينها.
٢/١٨ ولهم جور وبها يعمل الماورد الجوري وهو النهاية من الماورد.
ولهم الثياب السينيزية «١» والجنابية والنوزية والسابورية. وهم أحذق الناس باتخاذ المرايا والمجامع وغير ذلك من الآلات الحديد.
وقال الأصمعي: حشوش الدنيا ثلاثة: عمان والأبلة وسيراف.
стр. 401
٢/١٩
القول في كرمان
قال ابن الكلبي: سميت كرمان بكرمان بن فلوج من بني ليطي بن يافث بن نوح ﵇. ويقال إن بعض ملوك الفرس أخذ قوما فلاسفة «١» فحبسهم وقال:
لا يدخل إليكم إلّا الخبز وحده وخيّروهم في إدام واحد. فاختاروا الأترجّ فقيل لهم: كيف اخترتم الأترج دون غيره؟ قالوا: لأن قشره الظاهر طيب فنشمه. وأمّا داخله ففاكهة. وأمّا حمّاضة فأدم، وأما حبّة فدهن. فأمر بهم فاسكنوا كرمان.
وكان ماؤها لا يخرج إلّا على خمسين ذراعا. فهندسوه حتى أظهروه على وجه الأرض. ثم غرسوا بها الأشجار فالتفّت كرمان كلها بالشجر. فعرف الملك ذلك فقال: اسكنوهم الجبال فاسكنوها، فعملوا الفوّارات وأظهروا الماء على رؤوس الجبال ٢/٢٠ فقال الملك: اسجنوهم. فعملوا في السجن الكيمياء. وقالوا: هذا علم لا نخرجه إلى أحد. وعملوا منه ما علموا أنه يكفيهم مدة أعمارهم ثم أحرقوا كتبهم وانقطع علم الكيمياء.
وقال بعض علماء الفرس: كانت الأكاسرة تجبي السواد مائة ألف ألف وعشرين ألف ألف درهم سوى ثلاثين ألف ألف من الوضائع لموائد الملوك.
وكانوا يجبون فارس أربعين ألف ألف. وكانوا يجبون كرمان ستين ألف ألف لسعتها. وهي ثمانون ومائة فرسخ في مثلها. وكانت كلها عامرة. وبلغ من عمارتها أن القناة تجري من مسيرة خمس ليال. وكانت كرمان ذات أشجار وعيون وأنهار.
ومن شيراز إلى مدينة السيرجان، مدينة كرمان، أربعة وستون فرسخا.
стр. 402
وكرمان خمسة وأربعون منبرا صغارا وكبارا. ومن مدنها: القفص والبارز والمراح «١» والبلوص [٩٣ أ] وجيرفت- وهي من أعظم مدنها- والسيرجان وبها تنزل الولاة، وهزوركند ولافث وهي الرباط وقلعة بني عبد الله. إلّا أن قصبتي البلد جيرفت والسيرجان.
قال: وبكرمان مدينة يقال لها دمندان، وهي مدينة كبيرة واسعة وبها أكثر معادن كرمان، بها معادن الحديد والنحاس والذهب والفضة والنوشادر والصفر ومعدنه بجبل يقال له دنباوند، مرتفع شاهق، ارتفاعه ثلاثة فراسخ. وهذا الجبل بالقرب من مدينة يقال لها خواش. على سبعة فراسخ من المدينة. وفي هذا الجبل كهف عظيم يسمع من داخله دويّ وخرير مثل خرير الماء، ويرتفع منه بخار مثل الدخان، فليتصق حواليه. ٢/٢١ فإذا كثف وكثر، خرج إليه أهل تلك الناحية، فيقلع في كل شهر أو شهرين. وقد وكل السلطان به قوما، حتى إذا اجتمع سائره أخذ السلطان منه الخمس وأخذ أهل البلد باقيه فاقتسموه بينهم على سهام قد تراضوا [بها] فهو النوشادر الذي يحمل إلى سائر الآفاق.
وبها مدينة يقال لها خبيص، لم تمطر داخلها قط وتمطر خارجها. فربما أخرج الإنسان يده من السور فيصيبها المطر ولا تقطر داخلها قطرة.
وبها خشب لا تحرقه الناس، يلقى فيها ويترك الوقت الطويل ثم يخرج منها وهو صحيح ما احترق. والنصارى يموّهون الخشب ويزعمون أنه من الخشب الذي صلب عليه- بقولهم- المسيح ﵇. وكان مع بعض الرهبان صليب من هذا الخشب، فافتتن به خلقا من الناس، وذلك أنه كان يلقيه في النار ساعات من النهار ثم يخرجه عنها ولم تعمل فيه شيئا. فلم يزل على ذلك حتى فطن له رجل من أهل هذه المدينة. فأتى بقطعة خشبة كانت معه ففعل بها كفعل الراهب فبطل ما كان يمخرق.
وقال المأمون: لو أخذ الطحلب فجفف في الظل وطرح في النار لم يحترق.
стр. 403
وطائر يعرف بالسمندل «١» يدخل النار فيتمرغ فيها ثم يخرج منها كما دخل لم تحترق من ريشه ولا واحدة. وذكر طمياث الحكيم في كتاب الحيوان: إن بالمشرق طائرا يقال له بنجس في مدينة يقال لها مدينة الشمس وليس له أنثى ولا شكل يشبهه. وأهل تلك المدينة يعبدون الشمس ويسجدون [٩٣ ب] لها عند طلوعها.
وتسمى المدينة اغفطوس. وهذا الطائر يكون بها ويعرف في غيرها. فإذا أراد الله بإذنه فيجمع بمنقاره شيئا كثيرا من عيدان الدار صيني. ثم لا يزال يضرب تلك العيدان بجناحيه مكبّا على ذلك لا يفتر، حتى تشتعل نارا. فإذا علا لهبها قذف نفسه فيها ٢/٢٢ حتى يحترق وتأكله النار فيصير رمادا. فإذا كان بعد أيام يعرفون عددها، تصوّر من ذلك الرماد دودة كبيرة فلا تزال تكبر حتى تصير مثل الفرخ ثم ينبت الله له جناحين «٢» وريشا وتعود صورة ذلك الطائر لا يغادر منه شيئا. وأهل هذه المدينة يذكرون أن ذلك يكون في كل خمسمائة سنة.
وفي بعض مدن خراسان هوة عظيمة في جبل فيها نار تتقد ولا تطفأ شتاء ولا صيفا. وفي هذه الهوة جرذان كبار بيض تخترق النار في دخولها وخروجها، فإذا كانت خارجة من الهوة ونظرت إلى إنسان بادرت فخاضت النار مخترقة للهوة إلى مواضعها لا تؤذيها النار ولا تحرقها.
ومن كرمان إلى سجستان مائة وثمانون فرسخا. ولها من المدن «٣» : زالق
стр. 404
وكركويه وهيسوم وزرنج وبست وناشروذ والقرنين وبها أثر مربط فرس رستم المعروف بالشديد ونهرها المعروف بالهندمند. يقول أهل سجستان أنه ينصب إليه مياه ألف نهر فلا تظهر فيه زيادة. وينشق منه ألف نهر ولا يرى فيه نقصان.
وفي شرط أهل سجستان على المسلمين أن لا يقتل من بلدهم قنفذ ولا يصاد. وذلك أن كل بيت ليس فيه قنفذ هو كثير الأفاعي. والقنافذ تأكل الأفاعي.
ولولا ذلك لأتت عليهم. والقنافذ بسجستان مثل النمس بمصر. فلولاها لأتت الثعابين على أهل مصر.
ومن مدنها الرخج وبلاد الداور، وهي مملكة رستم الشديد ملكه إياها كيكاوس.
وبين مدينة سجستان إلى مدينة هراة ثمانون فرسخا.
ومن شيراز إلى نيسابور مائة وعشرون فرسخا.
ومن شيراز إلى داربجرد سبعة وأربعون فرسخا.
ومن إصطخر إلى السيرجان، مدينة كرمان تسعة وخمسون فرسخا.
ومن كرمان إلى حدّ عمل فارس ستة عشر فرسخا [٩٤ أ] .
ومن جيرفت إلى بم عشرون فرسخا.
ومن جيرفت إلى أول عمل مكران واحد وأربعون فرسخا.
ومن أول عمل مكران إلى المنصورة ومولتان السند ثلاثمائة وثمانية وخمسون فرسخا.
ومن زرنج مدينة سجستان إلى المولتان مسيرة شهرين
.
стр. 405
٢/٢٣
القول في الجبل
ويسمى هذا الصقع بلاد البهلويين وهي همذان وماسبندان ومهر جانقذق- وهي الصيمرة- وقم وماه البصرة وماه الكوفة وقرميسين وما ينسب إلى الجبل.
وليس منه: الري وإصبهان وقومس وطبرستان وجرجان وسجستان وكرمان ومكران وقزوين والديلم والطيلسان والببر.
٢/٢٤ القول في قرميسين:
قال أبو المنذر هشام بن السائب الكلبي: لمّا ظفر قتيبة بن مسلم بفيروز بن كسرى يزدجرد حيث افتتح خراسان أخذ ابنته شاه آفريد «١» ومعها سفط مختوم فوجّه بها إلى الحجاج. فحملها الحجاج إلى الوليد بن عبد الملك. فولدت له يزيد الناقص. وفضّ الحجاج السفط فإذا فيه كتاب بالفارسية. فدعا زادانفروخ بن بيري الكسكري فقرأه، فإذا فيه: بسم الله المصوّر، ميّز قباذ بن فيروز إقليمه ووزن المياه والترب ليبني لنفسه مدينة ينزلها فوجد أنزه بقاع إقليمه بعد أن بدأ بالعراق التي هي سرة الأقاليم ثلاثة عشر موضعا: المدائن والسوس وجنديسابور وتستر وسابور وإصبهان والري وبلخ وسمرقند وباورد وبطن بنهاوند- يعني روذراور- وماسبندان ومهر جانقذق وتل ما سير.
ووجد أبرد بقاع إقليمه سبعة مواضع: قاليقلا وأردبيل وهمذان وقزوين وجوالق وخوارزم ومرو.
стр. 406
٢/٢٥ ووجد أوبأ بقاع إقليمه ستة مواضع: البندنيجين وبطن ماستون- وهو شابور خواست- وجرجان والخوار وبرذعة وزنجان.
ووجد أقحط بقاع إقليمه ثمانية مواضع: ميسان وبادرايا ودستميسان والكلتانية وباكسايا وما سبندان والري وإصبهان.
ووجد أبخل أهل إقليمه تسعة مواضع: خراسان وإصبهان وأردبيل وماسبندان وبادرايا وباكسايا وإصطخر وشيراز وفسا.
وأخصب بقاع إقليمه عشرة مواضع أرمينية وآذربيجان وجور ومكران وكرمان ودستبى [٩٤ ب] وماه الكوفة وماه البصرة وأرجان ودورق.
ووجد أجمل بقاع إقليمه عشرة مواضع: الحيرة والمدائن وكلواذى وسابور وإصطخر وجنابا والري وإصبهان وقم والنشوى.
ووجد أعقل سبعة مواضع: عكبرا وقطربل وعقرقوف والري وإصبهان وماسبندان ومهرجانقذق.
وأفطن أهل إقليمه ستة مواضع: إسكاف العليا وإسكاف السفلى ونفّر وسمّر وكسكر وعبدسي.
ووجد أحسد أهل إقليمه خمسة مواضع: جرجرايا وحلوان وسحاران «١» وهمذان وما سبندان.
٢/٢٦ ووجد أعلم أهل إقليمه بالسلاح أربعة مواضع: همذان وحلوان وإصبهان وشهرزور.
ووجد أخف مياه إقليمه عشرة مواضع: دجلة والفرات وجنديسابور وماسبندان وبلخ وسمرقند وقزوين وماسورا وهي عين بقرميسين وماء ذات المطامير وماء ملّجان قرية الثلج بماسبندان.
стр. 407
ووجد أمكر أهل إقليمه أحد عشر موضعا: خراسان وإصبهان والري وهمذان وأرمينية وآذربيجان وماسبندان ومهرجانقذق وتستر والمذار وأرتوى.
ووجود أسرى فواكه إقليمه سبعة مواضع: المدائن وسابور وأرجان والري ونهاوند وماسبندان وحلوان الجبل.
ووجد أقل أهل إقليمه نظرا في العواقب أهل ثمانية مواضع: البندنيجين وما سبندان ومهر جانقذق وأردشير خرّه ورامهرمز وأرمينية وآذربيجان وطخرود «١» ، قرية من قرى قم خرج منهم في وقت موافاة العرب أربعة ألف رجل مع كل رجل خادم وسائس وخباز وطباخ إلى نهاوند ليقاتلوا العرب ويمنعوهم من المقام. فقتلوا كلهم بالاسفيذهان فلم يفلت منهم إلّا رجل واحد.
ووجد أسفل أهل إقليمه أهل ستة مواضع: البندنيجين وبادرايا وباكسايا وبهندف وقهقور- بطن بماسبندان- وجرود- بطن بنهاوند-.
ولم يجد ما بين المدائن إلى نهر بلخ بقعة على الجادة أنزه ولا أعذب ماء ولا نسيما من قرميسين إلى عقبة همذان. فأنشأ قرميسين [٩٥ أ] وبنى لنفسه بناء معمدا على ألف كرم. فقرميسين كلمة فارسية معناها كرمانشاهان.
وبنى الأكاسرة من المدائن إلى عقبة همذان وقصر شيرين مقبرة آل ساسان وبعقرقوف مقبرة الكيانيين.
ثم نقل قباذ الأشراف من فارس وخراسان وكذلك أهل الجمال والأدب والفروسية فأسكنهم حافتي دجلة وأنزل أصحاب الصناعات بطن جوخى ٢/٢٧ وأنزل من كان من وجوه الناس الذين هم دون الأشراف، النهروانات.
стр. 408
وأنزل الحاكة والحجامين بادرايا وباكسايا، وأنزل التجار الأهواز، وأنزل الأطباء سيرى «١» قرية بماسبندان.
فلما ميز قباذ إقليمه وعرف أهل بقاعه مسح البلاد ووقف على الحدود وعدد الفراسخ، اختار النزول بالمدائن ليقرب من الروم. وأخذ في بنائها. وابتدأ بعمل قصر ليسكنه. فكان كلما رفع من حائطه شيئا هبّت ريح عظيم فتقلعه. فلما رأى ذلك وجّه إلى بليناس المطلسم فأحضره من بلده وأمره أن يطلسم مواضع آفات إقليمه. وقال له: ابدأ بالمدائن. وجعل له على كل طلسم يعمله أربعة ألف درهم.
فاتخذ له في موضع الإيوان مكان وسط القصر طلسما كبيرا وجعل حوله أحد عشر طلسما. فأمّا الكبير فللريح التي كانت تقتلع الحائط فسكنت وتمّ البناء. وطلسم للعقارب فقلّت بها. وآخر للحمى، وآخر للجرارات وآخر للسباع وآخر للبراغيث وآخر لاجتماع كلمة أهلها، وآخر ليطيع أهلها ملوكهم ما بقوا، وآخر لملوك الأقاليم أن يهابوا ملك العراق ولا يخالفوه وآخر لتعفّ نساؤهم عن الفجور وآخر لتزكو غلاتهم وثمارهم. وجعل على يمين كل طلسم منها وشماله وقدامه وورائه كنزا بينه وبينه أربعون ذراعا. ثم طلسمها وكنوزها أن تخفى عن الناس فخفيت.
ويقال إنه ما بني بالآجر والجص بنية أبهى ولا أجل ولا أحكم ولا أعلى سقفا ولا أكثر ذرعا من إيوان كسرى بالمدائن. وفيه يقول البحتري من شعر طويل:
وكأن الإيوان من عجب الصنعة ... جرب في جنب أرعن جلس
[٩٥ ب] ٢/٢٨
مشمخر تعلو له شرفات ... رفعت في رؤوس رضوى وقدس
ليس يدرى أصنع إنس لجنّ ... سكنوه أم صنع جنّ لإنس
قال: وأنشدني ابن الحاجب لنفسه يصف الإيوان:
إن خانني زمن فمن هذا الذي ... لم تستبحه خيانة الأزمان
стр. 409
أخنى على عاد وأهلك تبّعا ... وسطا بقدرته على النعمان
وأزال ملك الفرس بعد ثبوته ... وهوى بكسراها أنوشروان
آثارهم تنبيك عن أخبارهم ... نطقا وليس مغيّبا كعيان
هل أسمعت أذناك مثل حديثهم ... أو عاينت عيناك كالإيوان؟
قصر يكاد يردّ حسن بنائه ... عند التأمل أعين العميان
تعلو له شرف كأن شخوصها ... بيض الحمائم في ذى الأغصان
حفّت به كحفوف وقد أحدقوا ... بحريم بيت الله ذي الأركان
وكأنها في وسط كل دجنّة ... نار تشب لعابد الرهبان
أو فتية شربوا فأثر فيهم ... فعل الشراب مخيلة النشوان
وضعوا الأكفّ على الحضور ورفّعوا ... فوق الرءوس أكلّة المرجان
مصطفة كبنات نعش في ذرى ... عالي السموك موثّق البنيان
الفت مجاورة السموك سموكه ... وترفعت عن يذبل وأبان
فكأنما بين السماك وبينه ... شر فما ينيان ينتحيان
صور من الآساد في جنباته ... ما ان لها اجم سوى الجدران
أسد على فرس الرجال قديمة ... لو انها كانت من الحيوان
٢/٢٩ ومعسكران لكل حزب منهما ... رجل أمام مواقف الفرسان
جيشان لو وقع التناجز منهما ... لم يبق من جمعيهما رجلان
لولا وقوع اليأس من حركاتهم ... لظننت أنهما سيقتتلان
لبسوا من الألوان أصفر فاقعا ... فأتاه ناصعه بأحمرقان
ومورّد في خضرة فكأنه ... زهر تكنف حافتي بستان
[٩٦ أ] ثم رجع بنا القول في قرميسين وذكر عجائبها.
قال أبو المنذر: طلسمات إيران شهر غير ظاهرة، وعند كل طلسم منها علامة إما صخرة وإمّا تمثال. وجميع ذلك من كل طلسم على أربعين ذراعا.
стр. 410
قال: ولما انتهى بليناس إلى طرازستان وعمل بإزاء القنطرة طلسما للغرق فسلم أهلها منه. وآخر خلف القنطرة فاستتمّ بناؤها. وآخر عن يمينها، فجرى الماء الذي عندها. وآخر عن يسارها فسلمت من السحر. وعمل بالبندنيجين طلسما للغرق فأمنوا. وآخر للقيّارة- عين القير- حتى نضبت. لولا ذلك ما أمكن أحد أن يشرب من الماء الذي هناك. وكذلك عمل آخر للنفاطة حتى انصرف شعب النفط إلى جهة أخرى عن الماء.
وعمل عن يسار البندنيجين طلسما للزنابير وآخر للذبة فقلّت وكانت أكثر الأرض ذبة «١» وزنابير.
وعمل بقرية من قرى ماسبندان تسمى تومان، طلسما لأجمة كانت هناك لا يسلكها أحد في الشتاء إلّا غرق في طينها.
وعمل في هذه القرية أيضا طلسما لحمّة كانت هناك ماؤها شديد الحرّ، كانت تظهر في الشتاء وينقطع ماؤها في الصيف. فلما طلسمها جرى ماؤها شتاء وصيفا ولم ينقطع في وقت من أوقات السنة.
ومن عجائب قرميسين أن الهواء لم يكن يهب فيها في الصيف ليلا ولا نهارا.
٢/٣٠ فشكا قباذ إلى بليناس ذلك، فعمل لها طلسما حتى هب الهواء بها على ما يهب في غيرها.
وطلسم أيضا قرية بالقرب منها يقال لها كركان. وكانت تقوم بها سوق في كل عام فيتلف فيها خلق كثير بالعقارب. فقلّت العقارب فيها وخف عن أهلها ما كانوا يلقون منها. ويقال إنه لا يوجد منها عقرب. وإن وجد لم يضرّ. ومن أخذ من ترابها وطيّن بها حيطان داره في أي بلد كان، لم ير في داره عقربا. ومن أخذ منه عند لسعة العقرب إياه وشربه، عوفي لوقته. ومن أخذ منه شيئا وأخذ العقارب بيده لم يخشها.
стр. 411
ومن عجائبها وهو أحد عجائب الدنيا، صورة شبديز «١» . وهو في قرية يقال لها جانان ومصوّره فنطوس بن سنمار. وسنمار هو الذي [٩٦ ب] بنى الخورنق بالكوفة. وكان سبب صورته في هذه القرية أنه كان أزكى الدواب وأعظمها خلقا وأظهرها خلقا وأصبرها على طول الركض. وكان ملك الهند أهداه إلى برويز الملك. فكان لا يبول ولا يروث ما دام عليه سرجه ولجامه ولا ينخر ولا يزبد.
وكانت استدارة حافره ستة أشباره.
[فاتفق أن شبديز اشتكى وزادت شكواه، وعرف أبرويز ذلك وقال: لئن أخبرني أحد بموته لأقتلنه. فلمّا مات شبديز خاف صاحب خيله أن يسأله عنه فلا يجد بدا من أخباره بموته فيقتله. فجاء إلى البهلبند مغنيه- ولم يكن فيما تقدم من الأزمان ولا ما تأخر أحذق منه بالضرب بالعود والغناء-، قالوا: كان لأبرويز ثلاث خصائص لم تكن لأحد من قبله: فرسه شبديز وسريته شيرين ومغنيه بهلبند.
وقال: اعلم أن شبديز قد نفق ومات. وقد عرفت ما أوعد به الملك من أخبره بموته، فاحتل لي حيلة ولك كذا وكذا. فوعده الحيلة.
فلما حضر بين يدي الملك غنّاه غناء ورّى فيه عن القصة إلى أن فطن الملك وقال له: ويحك! مات شبديز؟ فقال: الملك يقوله. فقال له: زه. ما أحسن ما تخلصت وخلصت غيرك. وجزع عليه جزعا عظيما] «٢» . فأمر قنطوس بن سنمار بتصويره. فلما فرغ منه أعلم برويز بذلك. فجاء حتى وقف عليه ونظر إليه واستعبر باكيا عند تأمله إياه وقال: لشدّ ما نعى هذا التمثال إلينا أنفسنا وذكّرنا ما نصير إليه من فساد حالنا. ولئن كان في الظاهر أمر من أمور الدنيا يخلو من أمور الآخرة، إن فيه لدليلا على الإقرار بموت جسدنا وانهدام بدننا وطموس صورتنا ودرس أثرنا
стр. 412
للبلى الذي لا بد منه. مع الإقرار باليأس من البقاء الذي لا سبيل إليه أن يبقى من جمال صورتنا ومثال بدننا إلّا رسما يتجدد به من أمرنا من الباقين بعدنا مع ما يدرس من آثارنا وذكرنا.
فمن خطر بباله هذا فلينظر إلى ما أمرنا به من هذا التمثال. وليستيقن بدروس رسمه وذهاب بهجته وإلّا فالهلاك غالب على أمره. وقد أحدث لنا وقوفنا على هذا التمثال ذكرا لما يصير إليه حالنا. وتوهّمنا وقوف الواقفين عليه بعدنا حتى كأننا بعضهم ومشاهدون لهم أو من حضر ذلك منهم من ذكر الحالتين اللتين اختلفتا بصاحبه من الحياة وصحة البدن ونفاذ الأمر وما حار إلى ذلك محارّه.
ومن عجائب هذا التمثال أنه لم ير مثل صورته صورة ولم يقف عليه أحد منذ صوّر، من أهل الفكر اللطيف والنظر الدقيق إلّا استراب بصورته وعجب منها وأطال الفكر فيها. حتى لقد سمعت كثيرا من هذا الصنف يحلفون أو يقاربون اليمين انها ليست من صنعة العباد ولا تصوير المخلوقين.
وسمعت رجلا من كبار المعتزلة ومناظريهم «١» يحلف بالأيمان المغلظة أنه ليس من صنعة العباد، وان لله فيه خبيئة سوف يظهرها يوما ما.
٢/٣١ وسمعت بعض الفقهاء العلماء يقول [٩٧ أ] : لو أن رجلا خرج من فرغانة القصوى وآخر من السوس الأبعد، قاصدين إلى شبديز حتى ينظرا إليه ما عنفا على ذلك.
وأنت إذا فكرت في أمر صورة شبديز هذه وجدتها كما ذكر هذا المعتزلي.
فإنه إن كان من صنعة الآدميين، فقد أعطي ما لم يعط أحد من العالمين. فأي شيء أعجب وأظرف أو أشد امتناعا من أنه سخرت له الحجارة كما يريد، ففي الموضع الذي يحتاج إليه أن يكون أسود، أسود. وفي الموضع الذي يحتاج إليه أن يكون أحمر، أحمر. وكذلك البياض وسائر الألوان. فتبارك الله أحسن الخالقين.
وقال لي أبو علي محمد بن هارون بن زياد- وكان حكيما فيلسوفا- وقد
стр. 413
تجارينا ذكر شبديز فوصلنا إلى هذا الفصل: ما يكون أن تكون حجرة واحدة احتفر فيها هذه الألوان في المواضع التي احتيج إليها. ولكنه لمّا فرغ من الصورة صبغها بما احتاج إليه من الأصباغ. ثم دهنها بعد ذلك بدهن كان يقف عليه. يوهم أن ذلك الألوان خلقة في الحجر غير معالجة بشيء من الأشياء.
قال: وأنشدني أبو محمد العبدي الهمذاني لنفسه
من ناظر معتبر أبصرت ... مقلته صورة شبديز
تأمّل الدنيا وآثارها ... في ملك الدنيا أبرويز
يوقن أنّ الدهر لا يأتلي ... يلحق موجودا بمهزوز
أبعد كسرى اعتاض عن ملكه ... بخطّ رسم ثمّ مرموز
يغبط ذو ملك على عيشة ... رنق يعانيها بتوفيز
٢/٣٢ خلّ عن الدنيا فلا طائل ... فيها لذي لب وتمييز
نعمى وبؤسى أعقبت هذه ... تيك، فذو العزّ كمغروز
وأنشدني الحسين بن أبي سرح لأبي عمران الكسروي:
وهم نقروا شبديز في الصخر عبرة ... وراكبه برويز كالبدر طالع
عليه بهاء الملك والوفد عكّف ... يخال به فجر من الأفق ساطع
تلاحظه شيرين واللحظ فاتن ... وتعطو بكفّ حسّنتها الأشاجع
يدوم على كرّ الجديدين شخصه ... ويلفى قويم الجسم واللون ناصع
وقال آخر:
شبديز منحوت صخر بعد بهجته ... للناظرين فلا جري ولا خبب
[٩٧ ب]
عليه برويز مثل البدر منتصبا ... للناظرين فلا يجدي ولا يهب
وربما فاض للعافين من يده ... سحائب ودقها المرجان والذهب
стр. 414
فلا تزال مدى الأيام صورته ... تحنّ شوقا إليها العجم والعرب
وقال أبو الحسن العجلي في صورة شبديز:
أباح للطرف السهاد والسهر ... ووكّل الجفن بماء منهمر
طيف سرى وهنا لريّا فظهر ... يا حبّذا الطارق في وجه السحر
في الليل يبدو والنهار يستتر ... تلك التي تزري بشمس وقمر
وغرة زاهرة تغشي القمر ... حال بهاها الجمال فقطر
شبّهتها حين تبدّت في حفر ... شيرين في حسن اعتدال وقدر
كأنّما تنفث سحرا مستمر ... تكاد تسبي ناظراها من نظر
بطرّة مشرقة من الطرر ... وحاجب خطّ بمسك فشطر
وشاهد عقرب في الخدّ النضر ... ما أن به من ندب ولا أثر
لولا الذي من أنف شيرين كسر ... شلت يدا آمره والمؤتمر
لقد أتى بفعله إحدى الكبر ... ما كان أقوى قلبه حين جسر
ويل أمّه لقد تعاطى فعقر ... فجاءه أمر الأمير فحبر
وعمّر البهو وقد كان دثر ... وهي كهاتيك ولكن من حجر
كسرى وشيرين وشيخ ذو كبر ... عليهم التيجان من فوق الوفر
تسقيهم شيرين راحا بقدر ... في البهو والبهو عليه محتجر
يحثّهم مدجّج على ظهر ... منصلت حربته ذات شرر
كأنّما يطرد مهدوب الوبر ... أو الشبيهات يعيران البقر
لا الزام إنسيا ولا الطرف أغر ... عادته صيد الظباء والعفر
والترس في يمناه لما يستتر ... شاكي السلاح كالكميّ المنكدر
كأنما الدرع عليه قد سمر ... وعن يمين البهو نهر قد زخر
فيه صنوف الصيد من بحر وبر ... والفلك والنون فيه منشمر
وفارس عن الشمال مستدر ... تكاد أن تنبض يمناه الوفر
стр. 415
[٩٨ أ]
ومنهم فوق الحصان قد سكر ... تكفّه شمسته من حرّ وقر (!)
وفوق عقد البهو عند المختبر ... خلقان مكتوبان في خلق البشر
والشرفات فوق هامات الحزر ... والملكان صعدا كما أمر
في الطاق بأن بالحديد والدسر ... وفي التماثيل على الماء بقر
ثلاثة من عاقر ومعتقر ... يحثّهم منازع فيه طمر
وعقد طيقان ونهر محتفر ... وصاحب النهر على الماء خطر
يدفعه من نهر إلى نهر ... فانظر فهذا وصف ما منه ظهر
فيه لمن عمّر وعظّ وعبر ... يا أيّها السيد ذو الوجه الأغرّ
شرفت كسرت وأنكرت ما ذكر (؟) ... من شرف الملك القديم والخطر
قال: وأنشدني أبو نصر، رجل من أهل قصر اللصوص يذكر شبديز والبناء الذي بقصر اللصوص:
يا طالبي غرر الأماكن ... حيّوا الديار ببرز ماهن
وسلوا السحاب تجودها ... وتسحّ في تلك الأماكن
وتزور شبديز الملوك ... وتنثني نحو المساكن
واها لشيرين التي ... قرعت فؤادك بالمحاسن
فمضى على غلوائه ... لا يستكين ولا يداهن
واها لمعصمها المليح ... وللسوالف والمغابن
في كفّها الورق الممسّك ... والمطيّب والمداهن
وزجاجة تدع الحكيم إذا ... انتشى في زيّ ماجن
انعظت حين رأيتها ... واهتاج منّي كلّ ساكن
فسقى رباع الكسروية ... بالجبال وبالمدائن
стр. 416
دان يسفّ ربابه ... وتناله أيدي الحواضن
وقال بعض الشعراء في شبديز وقد اجتاز بموضعه رجل من الملوك فاستحسن المكان وشرب هناك ثم أمر أن يخلق وجه شبديز وشيرين بالزعفران ففعل ذلك:
كاد شبديز أن يحمحم لمّا ... خلق الوجه منه بالزّعفران
[٩٨ ب]
وكأنّ الهمام كسرى وشيرين ... مع الشيخ موبذ الموبذان
من خلوق قد ضمخوه جميعا ... أصبحوا في مطارق الأرجوان
وأنشد لأحمد بن محمد «١» :
بوستان طاق ليس في الأرض مثله ... وفيه تصاوير من الصخر محكم
وبرويز فيه والمرازب حوله ... وشيرين تسقيهم وشيخ مزمزم
وبهرام جور والمقاول مثّل ... وشروين فيهم قاعد متعمّم
وخرّين قد أجرى وأومى بسرعة ... إلى طفلة حسّانة لا تكلّم
وموبذهم في الطاق صوّر عبرة ... وهربذهم بالجهل والجور يحكم
وكث يحوز الماء في النهر واقف ... ليقسم فيما بينهم ليس يظلم
وأسراب عين والكلاب تحوشها ... وطرف عليه المرزبان المكرّم
وصوّر فيه كلّ وحش وطائر ... من الطير والعنقاء ما الله أعلم
وأسد وصيران وشاة وأعنز ... وحيتان بحر في السفين تعوّم
٢/٣٣ وما دبّ من ذرّ ونمل وعقرب ... وفيل وفيّال عليه يدمدم
وقبج ودراج وظبي وأرنب ... وباز وصقر قد يصيد وقشعم
ومكتب صبيان وتأديب غلمة ... وشيخ عديم قيل هذا معلّم
стр. 417
وصوّر فطّوس على الطاق نفسه ... عليه جناحا طائر لا يحوّم
فسبحان ربّ سخّر الصخر عنوة ... فصوّر فيه كلّ شيء مقوّم
لقد أبدع الرومي في الطاق بدعة ... أقرّ له بالحذق عرب وأعجم
وبقرميسين الدكان الذي اجتمع عليه جماعة من ملوك الأرض ٢/٣٤ منهم فغفور ملك الصين وخاقان ملك الترك وداهر ملك الهند وقيصر ملك الروم عند كسرى أبرويز. وهو دكان من حجارة مربع مائة ذراع في مثلها من حجارة مهندمة مسمّرة بمسامير الحديد، ولا يتبين فيه ما بين الحجرين فلا يشك من رآه أنه قطعة واحدة.
وأنشد لأحمد بن محمد فيه:
بين القناطر والدكّان أبنية ... فاقت على كلّ آثار وبنيان
دكّان صخر على تلّ بنوه فما ... ندري لجنّ بنوه أم لإنسان
لأنها صخرة ملسا ململمة ... عجيبة الشأن فيها كلّ ألوان
قد هندسوه فأوفوه على عمد ... وهندموه فما يخفى على جان
قالوا بأنّ ملوك الأرض اجتمعوا ... عليه عند أبرويز بن ساسان
وبقصر اللصوص بناء عجيب وأساطين محكمة.
وقال أبو عبد الله محمد بن إسحاق «١» : رأيت الحسين بن أبي سرح في المنام بعد موته وكأني أسأله أن يملي عليّ خبر شبديز ومن صوّره وكيف صوّر فقال:
اكتب، استأنسوا بملامس الصخور، ولم يستوقفوا عن صغائر الأمور. وصوروا الجواري الأبكار، في الصخور الكبار، كأن لم يسمعوا بجنة ولا نار
стр. 418
في أبنية البلدان وخواصها وعجائبها
قال بطليموس: إن اختلاف الأمم في ألوانهم وأخلاقهم وأجسامهم وطبائعهم وجميع حالاتهم من ثلاثة وجوه:
واحدها: من بعد الأرض من خط الاستواء. وهو مثل البلاد وانحرافها عن الخط يمنة أو يسرة.
الثاني: من قبل طبائع البروج المحاذية لسمت تلك البلاد والغالبة على طبائعها.
والثالث: بعد البلاد من مدار الشمس وقربها منه.
فأمّا الأرض العامرة في ربع الأرض الشمالي، فما كان منها متيامنا وهو ما بين تغير الربيع إلى تغير الصيف، وهو الذي محاذيها من البروج ما بين الحمل إلى السرطان. فإذا توسطت الشمس وسط السماء كانت على سمت رؤوسهم فأحرقتهم. فلذلك صارت أجسادهم سودا وشعورهم قططا وجثتهم ذابلة، وطبائعهم حارة وعامة أشكالهم متوحشة لشدة حرّ أرضهم. وهم الحبشة والزنج والنوبة وأنواع السودان. وليس يكون ذلك فيهم وحدهم، ولكنه يكون في الهواء المحيط بهم. وكذلك يبس دواب أرضهم وشجرهم في جميع ذلك تحرقه أرضهم.
وأما ما كان متيامنا «١» [٩٩ أ] من الأرض فلتباعد سمت رؤوسهم عن مدار الشمس وحرارتها ومدار البروج، كان مكانهم باردا تنالهم كثرة الرطوبة. وتكون
стр. 419
ألوانهم بيضا وشعورهم سبطة وأجسادهم عظاما وطبائعهم إلى البرد وشكلهم متوحش لشدة برد أرضهم. وشتاؤهم شديد مفرط البرد، وشجرهم عظام ودوابهم على مثل هواء أرضهم. وهم الترك.
وأما ما كان من الذين سمت رؤوسهم تحت السرطان ومن سمت رؤوسهم تحت الدينة «١» فلأن الشمس لا تستوي على رؤوسهم، ولأنهم لم يميلوا إليها جدا، فلذلك هواؤهم حسن التمزيج وموضعهم معتدل، ليس فيه برد شديد ولا حرّ شديد. وألوانهم وأجسامهم وسط، وطبائعهم ممتزجة ومراتبهم في جميع حالاتهم متقاربة.
ومن كان من هؤلاء متيامنا فعامتهم أهل ذكاء وفطنة ودقة نظر وعلم بالنجوم وغير ذلك من العلوم، لقرب سمت رؤوسهم من مدار الكواكب الجارية والبروج.
فمن أجل ذلك تنازعهم نفوسهم إلى طلب علم النجوم والآداب. ومن كان مشرقا فهم مذكوّون وأنفسهم شديدة وهم أهل تنافس في الشرف والزيادة. لأن المشرق فيه طبيعة الشمس.
ومن يعزف منهم مغربا، فإنهم مؤنثون وأجسامهم لينة وعامة أعمالهم خفية.
لأن المغرب للقمر أو لدونيّة من مهلك من المغرب. فلذلك جعل المغرب مؤنثا ليّنا.
والشمال خلاف المشرق.
وفي هذه الأقسام قسم مختلفة في الشبه والطبائع والأدب على نحو ما يحيط به من الهواء الحار والبارد والممتزج وذلك ينقص ويزيد في كل كوكب ومكان على نحو ارتفاع الأرض وانخفاضها. والدليل على ذلك، أن بعض الناس صاروا نواتية وهم أصحاب السفن البحرية لقرب أرضهم من البحر. وصار آخرون أهل دعة وذلك لخصب بلادهم وكثرة خيرهم. وكذلك موافقة الأقاليم للبروج التي عليها في الطبائع. فإن طبائع كل إقليم على مثل طبائع البروج التي تتولاه.
стр. 420
وقسمت [٩٩ ب] الأرض العامرة على أربعة أجزاء:
فأول الأجزاء: أورس، وهي بين الشمال والدبور ويوافقها من مثلثات البروج التي لها ما بين الشمال والدبور وهي مثلثة: الحمل والأسد والقوس ويدبّرها المشتري والمريخ. وجميع ما في هذا الربع من الأمم: بريطانية وعليا وجرمانية وانوليه وصقلية وطونيا. وهم أعزاء غير خاضعين، يحسنون أخذ السلاح والعمل به، وهم أصحاب زي ولباس، يحبون مجامعة الذكران ويغارون عليهم ولا يرون ذلك شينا ولا مأثما. وأنفسهم مذكّرة وليست لهم غيره على النساء، ويهون عليهم الجماع.
والربع الثاني هو الذي من الجنوب والصبا. ولهم المثلثات: الثور والعذراء والجدي. ووالي تدبيرهم: الزهرة وزحل مشرقين. وطبائع هذه الكواكب على نحو طبائع الذي يدبرهم. فإنهم يسجدون لها ويسمعون الزهرة أنيس، والزحل يبسون، وفيه كهنة يخبرون عن الأشياء قبل أن تحدث. ويعظمون أمهاتهم وأخواتهم وجميع الإناث لتدبير الزهرة وزحل إياهم. وفيهم الورع، لأن الزهرة طبيعتها الورع. وبلادهم حارة ويحبون المجامعة والرقى والرقص واللهو والمجون من أجل الزهرة أيضا. ولا يجامعون الذكران، وينكحون أمهاتهم ويولدونهم ويرون أن ذلك تعظيم لهنّ. وأنفسهم عظيمة. وهم أشدّاء مقاتلون لتشريق زحل. ونصيب هذا الربع من وسط الأرض: أروميا وقيلسوسينا وتوريا وحلبايا. وهذه البلدان من الشمال والدبور. وهو الحمل والأسد والقوس. ووالي تدبيرهم المشتري والمريخ والشمس وعطارد. ولذلك صاروا أهل تدبير وصناعة وتجارة وعقل وسخاء.
وكتابة. وفيهم غش وخبث.
وأما الربع الثالث:
فمنها: أرمينية الأولى والثانية والثالثة والرابعة. والبلدان التي بين الشمال والصبا. وهو أحد () «١» التي يقال لها الجامع. وواليها من المثلثات التي بين
стр. 421
الشمال والصبا وهي الجوزاء والميزان والدلو [١٠٠ أ] وأصحاب تدبيرها زحل والمشتري مشرقين، فلذلك صار الذين في هذه الكور يسجدون للشمس والمشتري وهم يشبهون المجوس وعباداتهم وآدابهم حسنة. ولهم ملاحة وقبول. ماضين للحق، مقتصدين في مجامعة النساء. ويحبون البرّ والصلة. وعامة ذلك من تشريق زحل والمشتري.
فأما الربع الرابع الذي بين الحوت والميزان واليه من المثلثات: السرطان والعقرب والحوت. ومدبّرهم من الكواكب: المريخ والزهرة مغربين. فأسماء الأمم التي في هذا الربع: قونيه وميدنية وإفريقية ومور طلينا وطنجه ومراميه.
فلذلك أهل هذه البلاد يملّكون رجلا وامرأة. فأما الرجل فيملك الرجال، والمرأة تملك النساء. ويحبون مجامعة الإناث وعامة نكاحهم زنى. ويحبون الزينة والمال، ويتزينون بزي النساء من أجل الزهرة. وهم أهل غش وسحر وجرأة [في إلقاء] أنفسهم في المهلكة من أجل المريخ وولايته إياهم.
ونصيب هذا الربع من وسط الأرض وسقى وتمريقى والبرط السفلى واطرز المغرب ومارثها والحبشة والاسطون وهم ما بين الشمال والصبا.
ولهم من المثلثات: التومين والميزان والدلو. ومدبّرهم من الكواكب: زحل والمشتري وعطارد. وهذه الكور قريبة من مدار الكواكب الخمسة الجارية إذا كانت مغربة. ولذلك هم أهل تدين وتعظيم الآلهة. يعرفون حقّها ويحبون النياحة. ولهم آداب كبيرة مختلفة وأديان متفرقة. وإذا ملكوا كانوا أذلّاء جبناء صابرين. وإذا ملكوا كانوا أهل طيب أنفس وعطية كثيرة. وخلقهم على نحو طبيعة أرضهم.
وعامة ذكرانهم ضعفاء مؤنثون يتركون الجماع من حيث ينبغي ويأتون النساء من حيث لا ينبغي لتقريب الزهرة.
وذكروا أن الأرض والماء وسائر الطبائع كرية. وان استدارة الأرض كلها وجبالها وبحارها أربعة وعشرون ألف ميل. وان قطرها وعمقها وعرضها سبعة آلاف وستة وثلاثين. وانهم استدركوا ذلك بأنهم أخذوا ارتفاع القطب الشمالي في مدينتين هما على خط الاستواء مثل مدينة تدمر [١٠٠ ب] والرقة، فوجدوا ارتفاع
стр. 422
القطب في مدينة الرقة خمسة وثلاثين جزءا وثلثا. وارتفاع القطب في مدينة التدمر، أربعة وثلاثين، بينهما زيادة جزء وثلث. ثم مسحوا ما بين الرقة وتدمر فوجدوه سبعة وعشرين ميلا. فعلموا أن لكل جزء وثلث، جزء من أجزاء الفلك الأعظم. فالظاهر من الفلك سبعة وستون «١» ميلا من الأرض، والفلك ثلاثمائة وستون جزءا على ما اتفق عليه علماء الروم والهند وبابل. وإنما قسموه هكذا، لأنهم وجدوا الفلك قد اقتسمته البروج الاثنا عشر، ووجدوا الشمس تقطع كل برج منها في شهر وتقطع البروج في ثلاثمائة وستين يوما. فبهذه القسمة والمقاييس استدركوا علم الساعات والكسوفين. وبها استخرجوا الآلات والاصطرلابات وعليها وضعوا كتبهم.
وقالوا أيضا: الفلك مستدير. واستدلوا بذلك لأنه يدور على محورين وقطبين، اللذين هما القطب الشمالي. والجنوبي فأما أهل البلدان التي مالت إلى ناحية الشمال، فإنهم يرون القطب الشمالي وبنات نعش ولا يرون القطب الجنوبي ولا الكواكب القريبة منه. ولذلك صار سهيل «٢» لا يرى بناحية خراسان ويرى في العراق أياما في السنة. فأما في البلدان الجنوبية فإنه يرى فيها السنة كلها. فمتى مال إلى الناحية الجنوب، غاب عنه القطب الشمالي والكواكب التي تقاربه. وهذه الكواكب التي هي قريبة من القطب تدور حوله دورانا مستديرا مستويا يرى بالعيان مثل الشمس فإنها بالصيف تطلع من وسط المشرق ثم تصعد في الفلك صعودا مستويا، ثم تهبط على مثال ذلك الدور، ثم تغيب تحت الأرض. فتدور هناك مثلما تدور هاهنا حتى تطلع.
وزعموا أن البحر أيضا كريّ مدور. وبرهان ذلك أنك إذا لججت فيه غابت عنك الأرض والجبال شيئا بعد شيء حتى خفي ذلك كله، ولا ترى شيئا من شوامخ الجبال. فإذا أقبلت نحو الساحل، ظهرت [١٠١ أ] لك قلل الجبال وأجسامها شيئا
стр. 423
بعد شيء. فإذا قربت من الساحل، ظهرت الأرض والأشجار. والأرض قسمان:
أحدهما مسكون والآخر غير مسكون. والمسكون منه قسمان: أحدهما مفرط الحر وهو جهة اليمين لأن الشمس تقرب منه فيلتهب هواؤه. والآخر جهة الشمال وهو مفرط البرد لبعد الشمس منه.
فكل مدينة موضوعة في جهة المشرق فهي أشد اعتدالا وأقل اسقاما. لأن الشمس تصفي تلك المياه التي تجري فيها.
والمدن الموضوعة بإزاء المغرب، تكثر أمراض أهلها لأن مياههم كدرة متغيرة، وهواؤهم غليظ، لأنه يبقي تلك الرطوبات فيه فتغلظ مياههم.
والمدن الموضوعة على جهة الجنوب تكون مياهها حارة كدرة متغيرة مالحة لينة تسخن في الصيف وتبرد في الشتاء. وأبدان أهلها رطبة لينة لما يتحلب إليها عن الرطوبات من أرضهم. وتكثر نساؤهم الإسقاط بسبب الرطوبات ولا يقدرون أن يكثروا من الطعام والشراب لضعف رؤوسهم. لأن كثرة ذلك تغمّ أدمغتهم وتغيرها.
وقلما تعرض لهم الحميات الحارة.
والمدن الموضوعة في جهة الشمال على إزائه فإن مياهها فاسدة رطبة ثقيلة النضج. وأهلها أقوياء أشدّاء عراض الصدور دقاق السوق رؤوسهم صحيحة يابسة وأعمارهم طويلة لصحة أبدانهم وكثرة فضول الرءوس. وتكون أخلاقهم وحشية.
ويقل حمل نسائهم، لكنهن لا يسقطن لبرد الماء ويبسه ويلدن بشدة وصعوبة وتتسع لذلك صدورهن. وإنما رقّت سوقهن لارتفاع الحرارة عنها. ويكثرون الأكل ولا يكثرون الشراب.
قال: وسكان ناحية الجنوب سود جعاد دقاق الكعوب كحل العيون سود الشعور خفاف اللحوم. فيهم الحفظ والذكاء والبرّ والطرب والحرص والسرقة.
وسكان ناحية الصبا أقرب شبها بأهل ناحية الجنوب وهم دونهم فيما وصفت. وسكان ناحية الدبور أقرب شبها بأهل ناحية الجنوب وهم دونهم.
وأهل المغرب مختلفون في هيئاتهم، فأما سكان سواحل البحر منهم فقريب
стр. 424
شبههم من سكان ناحية الجنوب. وسكان ناحية الصبا قريب شبههم بناحية الشمال.
وأهل [١٠١ ب] الهند ممتزجون لأن بلادهم من بلاد الشمال والجنوب.
ولذلك حسنت أخلاقهم وأجسامهم ووجوههم واعتدلت. وكذلك من كانت محلته بين الشمال والجنوب وهم أعدل مزاجا وأحسن عقولا.
وأهل مصر أهل غفلة وقلة فطنة.
والبربر الفطنة فيهم فاشية، وليس فيهم كبر ولا لهم مكر.
والروم أهل صلف وتكلف.
وأهل الشام أهل غفلة وسلامة.
وأهل الحجاز أهل معازف ولهو ومداعبة وتأنيث.
وأهل العراق أهل فطنة وغدر.
وأهل الهند أهل غفلة وشجاعة ولين.
وأهل الصين أهل طلب وخفة وجبن وحذق بالصناعات.
وأهل اليمن أهل غفلة وخفة ولين.
وأهل خراسان أهل غفلة وبخل وحرص وشجاعة.
وقال بقراط في كتاب الأهوية والأبدان: إنّ ما كان من الأمصار مقابل شرق الشمس. فرياحه سليمة وماؤه عذب وأهله قلّما يضرهم تغير الهواء. وكان يقول:
المياه التي تنبع من مواضع مشرقة ومن تلاع وروابي، أفضل المياه وأصحها، وهي عذبة. وبلدها أصح البلاد، لا يحتاج إلى كثرة مزج الشراب، ولا سيما الشرقي الصيفي. لأنها تكون براقة طيبة الريح اضطرارا.
وقال فسطوس في كتاب الفلاحة: أصلح مواضع البنيان أن يكون على تلّ أو كبس «١» وثيق ليكون مطلا. وأحقّ ما جعلت إليه أبواب المنازل وأفنيتها وكواها،
стр. 425
المشرق واستقباله الصبا. فإن في ذلك صلاح الأبدان لسرعة طلوع الشمس ومرّها عليهم. وأن توسع البيوت ويرفع سمكها وتكون أبوابها إلى المشرق. لأن ريح الجنوب أشدّ حرا وأثقل وأسقم.
وأصح البلدان ما كانت على رؤوس الجبال والأماكن التي تواجه مهبّ الصبا. وما كان في قعور وأغوار ومواجهة لريح الجنوب أو الدبور، فهي مواضع رديئة مولدة للأمراض.
والصواب أن تتخذ الدور بين الماء والمشرق وأن تكون شرقية، والبساتين غربية. ومن قرب منزله من النهر كان أقل انية ممن [١٠٢ أ] بعد عنه. وقالوا:
لتكن دوركم شرقية وضياعكم غربية. وقال ابن كلدة: جميع خصال الدار، أن تكون على طريق نافذ وماؤها يخرج، وليس عليها متشرّف، وحدودها لها، وتكون بين الماء والسوق. وتصلح أفنيتها لحط الرجال وبلّ الطين وموقف الدواب. وإن كان لها بابان فذلك أمثل.
وكان إياس بن معاوية يقول: شرقي كل بلد خير وأفضل من غربيه.
وكان يقال: الجار ثم الدار، كما الرفيق قبل الطريق.
وقال يحيى بن خالد: دار الرجل دنياه. فينبغي أن يتنوّق في دهليزه فإنه وجه داره ومنزل ضيفه ومجلس صديقه إلى أن يؤذن له. ومستراح خدمه وموضع مؤدب ولده ومنتهى حدّ المستأذن.
ولما قدم موسى بن جعفر على المهدي، كلّمه في ردّ فدك. فقال له: أنا ناظر في ذلك، ولكن أين حدودها؟ قال: أما الأول فعريش مصر. والثاني: دومة الجندل. والثالث: أحد، والرابع: سيف البحر. فقال المهدي: هذه الدنيا كلها.
فقال موسى بن جعفر: هذا كان في أيدي اليهود، فأفاءه الله على رسوله ﷺ «١» .
следующие страницы →