← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11685

البلدان لابن الفقيه

ابن الفقيه

Полный текст (637 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بحيث التبس الأمر على ابن النديم فقال إن ابن الفقيه سلخ كتابه؟ إن قول المقدسي آنفا يساعدنا على احتمال صحة هذا الرأي. أما الطعن الثاني فقد وجهه المقدسي الذي كتب كتابه عام ٣٧٥ هـ- فقال: «ورأيت كتابا صنفه ابن الفقيه الهمداني في خمس مجلدات، سلك طريقة أخرى ولم يذكر غير المدائن العظمى وأدخل فيه فنونا من العلوم. مرة يزهد في الدنيا ودفعة يرغب فيها، ووقتا يبكي وساعة يضحك ويلهي. وأما كتاب الجاحظ فصغير. وكتاب ابن الفقيه في معناه غير أنه أكثر حشوا وحكايات واحتجّا بأنّا إنّما أدخلنا خلال كتبنا ما أدخلنا ليتفرج فيها الناظر إذا ملّ. وربما كنت أنظر في كتاب ابن الفقيه فأقع في حكايات وفنون» «١» . إن الانتقال من موضوع لآخر مخافة أن يملّ القارئ هو أسلوب جاحظي. ولا شك أن ابن الفقيه متأثر بأسلوبه- وينبغي عدم المبالغة في هذا التأثر-. إلّا أن ابن الفقيه نفسه قد توخّى هذا الهدف منذ البداية أي أنه جعله من أهداف الكتاب، بل جعل عنوان أحد فصوله: (باب في تصريف الجد إلى الهزل والهزل إلى الجد) . وقال في مطلع كتابه: «فكتابي هذا يشتمل على ضروب من أخبار البلدان وعجائب الكور والبنيان. فمن نظر فيه من أهل الأدب والمعرفة فليتأمله بعين الإنصاف، وليعرنا فيه حسن محضره وجميل رأيه، فإن الأجدي في المذهب شأوك وقرابة دانية ورحم ماسّة ووصلة واشجة، ويهب زللي لاعترافي واغفالي لإقراري. فإني إنما ألحقت في هذا الكتاب ما أدركه حفظي وحضره سماعي من الأخبار والأشعار والشواهد والأمثال» «٢» . بل إنه يباهي بهذا التنوع الذي ضمنه كتابه فهو يعقب بعد أن ذكر جملة من

стр. 37

المواعظ والأشعار الوعظية: «ولو لم يفدك هذا الكتاب من الأخبار العجيبة والأشعار الظريفة والأمور الغريبة، لكان فيما يفيدك من أخبار البلدان وعجائب الكور والأمصار بلاغا ومقنعا. فكيف وقد أفادك علم الماضين وأخبار الأولين. وذلك علم المعنيين. ووقفك على الطريقين، وأرشدك إلى الأمرين جميعا: حكمة بالغة وموعظة موجزة. تعرفت منه أخبار الماضين وأبنية من قد سلف من الأولين. وفي هذا الخبر الذي أثبته هاهنا عبرة لمن اعتبر وفكرة لمن تفكر، ودليل على وحدانية الله تعالى، ومخبر عن آياته وقدرته. فصفّ ذهنك وفرّغ قلبك، وأقبل عليه بسمعك وتفكر فيه وفيما تضمنته من الأعجوبة. فإن فيه عبرة لأولي الألباب» (١٠٩ ب) ثم أورد بعد ذلك قصة عجيبة عن الخضر وملك بني إسرائيل. نقول عن كتاب البلدان أول من نقل عنه، حسن بن محمد القمي الذي ألّف كتابه تاريخ قم عام ٣٧٨ هـ- الذي نقل عنه في اثنى عشر موضعا. والثاني هو المقدسي البشاري (٣٣٥- ٣٩٠ هـ-) الذي كان ازدراؤه لكتاب ابن الفقيه- كما مرّ بنا فيما مضى- مانعا له عن النقل عنه، فلم ينقل إلّا في موضع واحد (ص ٢٧ من طبعة بيروت) . ويأتي بعد ذلك محمد بن محمود بن أحمد طوسي مؤلف كتاب عجائب المخلوقات الذي قال حاجي خليفة (٢: ١١٢٧) أنه ألّفه عام ٥٥٥ هـ- إلّا أن محقق الكتاب لاحظ فيه تاريخ ٥٦٢ هـ- وأضاف: «على الرغم من كون اسمه: الطوسي. إلّا أنه إمّا أن يكون من أهل همدان أو عاش ردحا من الزمن فيها، كما يستفاد من الكتاب. وهو لم يشر إلى مصادره إلّا فيما ندر، ولم يشر إلى ابن الفقيه ولا مرة واحدة» «١» . ومن خلال مطالعتنا لعجائب الطوسي رأينا العجب العجاب. فالرجل قد نقل أكثر من ثلثي كتابه عن ابن الفقيه ولم يشر إليه ولا مرة واحدة. ولم يكن له من

стр. 38

جهد في ذلك النقل سوى ترجمته النصوص إلى الفارسية. أما أكثرهم نقلا مع التنويه بأنه ينقل عن ابن الفقيه- بصورة عامة- فهو ياقوت الحموي الذي نقل عنه في مائة وثلاثة مواضع من كتابه معجم البلدان «١» . وقد كان قلمه يزل أحيانا فيكتب: محمد بن أحمد بدلا من الصواب: أحمد بن محمد وهو الغالب في كتابه. وقد ذكرنا فيما مضى من المقدمة الموارد التي زلّ فيها قلمه. ولقد دلتنا نقوله أنه كان ينقل عن المخطوطة الأصل وليس المختصرة كما أشرنا إلى ذلك في هوامش الكتاب. ونعتقد أنه كان ينقل عن نسخة من كتاب البلدان أكمل من هذه التي يوجد نصفها تقريبا بين أيدينا. ففي مادة (شبداز) لدى ابن الفقيه وفي النسخة الأصل لم نجد بضعة أسطر كان ياقوت قد قال صراحة أنه نقلها عن ابن الفقيه (انظر مادة شبداز ٣: ٢٥٠) . وكان يجري تغييرا طفيفا على العبارة. فمثلا نقرأ في فصل همذان لدى ابن الفقيه: «وقرأ عليّ بعض النصارى كتابا بالسريانية» (١١١ أ) ونجد ياقوت كتبه هكذا: «ووجد في بعض كتب السريانيين» (همذان ٤: ٩٨١) . أو قول ابن الفقيه (١١١ ب) : «فأجمعوا على أن تسدّ عيونها حولا ثم يفتح السد ويرسل على المدينة فإنها تغرق» . نجده لدى ياقوت: «فأجمعوا على أن مياه عيونها تحبس حولا ثم تفتر وترسل على المدينة فإنها تغرق» (مادة همذان ٤: ٩٨٢) . ويبدو أن كثرة نقول ياقوت عن ابن الفقيه كانت تدعوه إلى أن ينقل عنه من غير أن يذكر اسمه. فنحن نعرف بشكل أكيد أن المناظرة بين الواسطي وابن أبي السرح- قلنا إننا نرجح أن يكون ابن أبي السري- قد جرت في منزل محمد بن إسحاق بهمذان، وهو والد أحمد بن محمد بن إسحاق مؤلف كتاب البلدان (١١٧ ب وما يليها) ومع ذلك فقد نقلها ياقوت (مادة همذان ٤: ٩٨٤) بطولها

стр. 39

ونقل بقية المعلومات المتعلقة بهمذان الموجودة لدى ابن الفقيه من غير أن يذكره ولا مرة واحدة في هذه المادة. أخيرا جاء زكريا القزويني الذي كتب كتابه آثار البلاد عام ٦٧٤ هـ. ونرجح أنه قد أخذ عن ياقوت نقوله عن ابن الفقيه وأودعها كتابه، بحيث يمكننا القول بما يشبه اليقين أنه لم ير كتاب ابن الفقيه. دليلنا على ذلك أنه حيثما أخطأ ياقوت في اسم ابن الفقيه، كان هذا الخطأ يتكرر في نفس المادة لدى القزويني. فقد كنا أشرنا إلى أن ياقوتا كان يسهو أحيانا فيكتب اسم ابن الفقيه هكذا: محمد بن أحمد الهمذاني. ونصادف هذا الخطأ لدى القزويني. فحين يقول ياقوت (مادة: رومية ٢: ٨٧٢) «فجميع ما ذكرته هاهنا من صفة هذه المدينة فهو من كتاب محمد بن أحمد الهمذاني المعروف بابن الفقيه» . نجد القزويني (ص ٥٩٤ مادة رومية أيضا) يكرر نفس الخطأ فيقول: «وهذه كلها منقولة من كتاب ابن الفقيه وهو محمد بن أحمد الهمذاني» «١» . وصف مخطوطة الكتاب ضمت المجموعة الخطية التي كشف النقاب عنها في المكتبة التابعة لحضرة الإمام علي بن موسى الرضا (ع) بمدينة مشهد الإيرانية المخطوطات التالية: ١- نصف كتاب البلدان لابن الفقيه وهو الذي نقدمه بين أيدي القراء الأفاضل.

стр. 40

٢- الرسالتين الأولى والثانية اللتين دون فيهما أبو دلف مسعر بن المهلهل رحلاته. ٣- النص الكامل لرسالة ابن فضلان التي دون فيها مذاكرته عن رحلته التي قام بها عام ٣١٠ هـ- لمناطق بلغار الفولغا وبلاد الخزر والروس والصقالبة. وقد طبعت رسالتا أبي دلف، كما طبعت رحلة ابن فضلان بينما بقيت مخطوطة بلدان ابن الفقيه حتى يومنا هذا على رف الانتظار. يقول فلاديمير مينورسكي الأستاذ بجامعة لندن: «إن كاتب المجموعة الخطية هو شخص واحد قد كتبها على التوالي. ومن الممكن أن يعود تاريخ كتابتها إلى زمن يرقى إلى ما قبل الهجوم المغولي هو القرن السابع الهجري على أوجه التقريب. خطها ليس عسيرا على القراءة.... وتظهر ملاحظة بعض خصائص الإملاء أن كاتبها شخص إيراني، من قبيل استخدام (ژ) الفارسية أي ذات الثلاث نقاط. وكذلك كتابته لبعض التراكيب العربية التي لا معنى لها مثل كتابته (١٨٤ أ) (هي مدينة الإسلام وراها) بدلا من الصواب (لا إسلام وراءها) . أو كتابته (١٨٥ أ) (وبه بنو معون المهدي) بدلا من الصواب وهو (وبه يتوقعون المهدي) «١» » . ومن خلال المطالعة الدقيقة لمخطوطة البلدان نرى ما يلي: إن المخطوطة عرّضت لتشويهين: أولهما أنها كانت تملى على شخص كان يسمع فيكتب. ودليلنا

стр. 41

على ذلك وجود تحريف في الكلمات لا يمكن تصحيفها بالنقل من كتاب مدوّن. فيستحيل مثلًا أن يصحف كاتب ما كلمة (سهم) إلى (صهم) إذا كانت كلمة (سهم) مكتوبة أمامه وهو يقوم بنقلها. من الممكن أن تصحف إلى (شهم) أو (بهم) أو (نهم) أو (بينهم) أو أي شيء قريب. لكن أن تصحف إلى (سهم) - بالصاد- فإن ذلك يعني أن المملي- وهو غير عربي- قد قرأها مضخّمة فكتبها السامع بالصاد. وسنقدم أمثلة أخرى على ذلك. أما التشويه الثاني فقد حدث على ناسخ استنسخ المخطوطة فارتكب أخطاء في الكتابة مما يمكن صدوره عمن ينقل من كتاب مدوّن أمامه مثل كتابة (ونموق قريبا) بدلا من (وتموت) وهو الصواب. أخطأ سببها السماع المغلوط: الخطأ الصواب [١١١ ب] فأصيبت عينه بصهم لذهبت بسهم فذهبت [١١٤ أ] فالماء يشرب كرفا وممزوجا صرفا [١١٤ أ] الماء الذي يطرب كل شيء ولا ينجسه شيء يطهّر كل شيء. [١١٩ ب] وليس فينا دقة النظر أهل البصرة نظر [١١٠ ب] فلم يجبه بحرفه بحرف أما تصحيفات النوع الثاني وهو الكتابي الممكن حدوثه أثناء النقل من نص مكتوب يقرؤه الناسخ نفسه. فمثل (٩٧ ب) وإذا فكرت في أمر صورة شبديز هذه وحدثها كما ذكر المعتزلي. والصواب (وجدتها) . وقوله (١٠٣ أ) فأحجج الناس جميعا. والصواب (فأحجم) . وقوله (١٠٣ أ) إن أمر نسائه سيعلموا على أمور

стр. 42

الرجال. والصواب (سيعلو) . (١٠٣ أ) إن حق صحن الدار أن يعمر بالجزم والحاشية. والصواب (بالخدم) . و (١٠٥ أ) بنيت شديدا وتأمل بعيدا ونموق قريبا. والصواب (وتموت) . و (١٠٧ ب) فحفروا وانتطوا الماء. والصواب (وأنبطوا) . عملنا في الكتاب لما كانت المخطوطة الرضوية تمثل النصف الثاني لكتاب البلدان فقط. فقد اضطررنا إلى الاستعانة بمختصر الكتاب الذي طبعه دي خويه فوضعنا نصفه الأول في أول الكتاب ثم ألحقنا به النصف الثاني المخطوط (مخطوطة الرضوية) تجنبا لأن يكون في المكتبات كتابان أحدهما (مختصر كتاب البلدان) والثاني (النصف الثاني من مخطوطة البلدان الكاملة) . هذا أولا. ثانيا: الأبواب التي هي موجودة في المختصر والمخطوط الأصل، اخترنا إثبات ما هو في المخطوطة الأصل الكاملة. إذ لا يعقل أن نثبت ما كتب عن الترك في المختصر ومقداره صفحة واحدة ونهمل ما هو في المخطوطة الكاملة ومقداره يزيد على عشر صفحات. أو نهمل مادة طبرستان الموسعة في المخطوطة لنثبت المختصر الذي هو في المطبوع. ومع ذلك، ومن أجل فائدة من يرغب في المزيد من الدقة. فقد ارتأينا أن تطبع المواد المشتركة بين المختصر والمخطوطة الكاملة، أن تطبع بالحرف الأسود (المحقّق) ليرى القارئ مقدار الإساءة التي أساءها مختصر الكتاب حين حذف أسانيد الكتاب أو أسطرا من منتصف المواد حيث كنا نرى الجمل معلّقة أحيانا لا تعطي معنى، إضافة إلى اختصاره القطع الشعرية. وكل ذلك يتضح للقارئ من خلال ملاحظته السطور المطبوعة بالحرف الأبيض عن تلك المطبوعة بالأسود. ويكفي اختصار الكتاب نقصا أنه حذفت منه أغلب الأسانيد. كما حذف منه أهم فصول الكتاب ونعني بها تلك المتعلقة بالترك والبلغار والصقالبة. أخيرا، أرجو من السادة المحققين والأساتذة والنقاد، أن يتكرموا عليّ وهم

стр. 43

المتفضلون، إن كانت لديهم ملاحظات على الكتاب- سواء نشرت في الصحف والمجلات أم لم تنشر- بإرسال نسخة من تلك الملاحظات إلى دار عالم الكتب، لتتفضل مشكورة بإرسالها لي حيث أعيش الألف عام الأولى من العزلة بلا وطن ولا هوية، خارج الجغرافيا والتاريخ. والله وليّ التوفيق. الأول من فبراير ١٩٩٥ يوسف الهادي

стр. 44

[مقدمة الكتاب] بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله أجمعين الطاهرين. هذا بقية القول في العراق والبصرة وأخبار دار فتحها والوقت الذي بنيت فيه، وما فيها من العجائب، والقول في الأبلة. والقول في البطائح. والقول في واسط. والقول في النبط والخوز. والقول في بغداد وأخبار كور دجلة. والقول في سرّ من رأى. القول في خراج الدنيا وما كان يحمل إلى بيت السلطان من بلد إلى بلد. القول في الأهواز وفارس ومدنها. القول في قرميسين وأخبار شبريز. القول في همذان وعجائبها. القول في نهاوند وإصبهان وقم وعجائبها. القول في الري ودنباوند وأخبار بيوراسف. القول في قزوين وأبهر وزنجان وطبرستان. القول في خراسان ومدنها وأخبارها. القول في الترك وأخبارهم وقبائلهم وشرائعهم. ذكرنا أضيف (؟) إلى ما صنّفه أحمد بن محمد الهمذاني في آخر كتابه رسالتين كتبهما إلينا أبو دلف مسعود (كذا) بن المهلهل. () في إحداهما أخبار الترك والصين بمشاهدته ذلك. والأخرى أشياء رآها وشاهدها () وأضفنا إليه كتابا جمعه أحمد بن فضلان بن راشد بن حماد مولى محمد بن سليمان الهاشمي في أخبار الترك والخزر والروس والصقالبة والباشغرد مما وقف عليه ونظر إليه. لأن المقتدر بالله أنفذه إلى بلد الصقالبة في سنة تسع وثلاثمائة باستدعاء ملكهم ذلك () والإسلام. فحدّث بجميع ما شاهده في هذه البلدان () . [١ ب] . نص ما هو مكتوب على الصفحة التي تلي صفحة العنوان. والفراغات إما كلمات مطموسة أو غير مقروءة.

стр. 45

بسم الله الرحمن الرحيم ربّ يسّر قال، قال الفضل بن يحيى: الناس أربع طبقات: ملوك قدّمهم الاستحقاق، ووزراء فضّلهم الفطنة والرأي، وعليه أنهضهم اليسار، وأوساط ألحقهم بهم التأدّب، والناس بعدهم زبد جفاء وسيل غثاء لكع ولكاع وربيطة اتّضاع، همّ أحدهم طعمه ونومه. وقال معاوية للأحنف: صف لي الناس. فقال: رؤوس رفعهم الحظّ، وأكتاف عظّمهم التدبير، وأعجاز شهرهم المال، وأدباء ألحقهم بهم التأدّب، ثم الناس بعدهم أشباه البهائم، إن جاعوا ساموا، وإن شبعوا ناموا. وقال بزرجمهر لرجل: إن أردت أن تبلغ أحظى درجة الآداب وأهلها، فاصحب ملكا أو وزيرا، فإنهما برغبتهما في معرفة أيّام الملوك وأخبارهم، والآداب وأهلها، وقسمة الفلك ونجومه، يبعثانك على طلب ذلك. قال: فما وسيلتي إليهما؟ قال: انتحال ذلك رسم الإدراك، والطلب مادّة الوجود والآداب عند الهمّة. وقال أسامة بن معقل: كان السّفّاح راغبا في الخطب والرسائل، يصطنع أهلها ويثيبهم عليها، فحفظت ألف رسالة وألف خطبة طلبا للحظوة عنده فنلتها، وكان المنصور بعده معنيّا بالأسمار والأخبار وأيّام العرب، يدني أهلها ويجيزهم عليها. فلم يبق شيء من الأسمار والأخبار إلّا حفظته طلبا للقربة منه، فظفرت بها. وكان موسى مغرما بالشعر يستخلص أهله فما تركت بيتا نادرا، ولا شعرا فاخرا، ولا نسيبا سائرا إلّا حفظته، وأعانني على ذلك طلب الهمّة في علوّ الحال. ولم أر شيئا أدعى إلى تعلّم الآداب من رغبة الملوك في أهلها وصلاتهم عليها. ثم زهد هارون الرشيد في هذه الأربعة وأنسيتها حتى كأنّي لم أحفظ منها شيئا. دخل الشّعبيّ على الحجّاج فقال:

стр. 46

يا شعبيّ أدب وافر وعقل نافر. قال: صدقت أيّها الأمير. العقل سجيّة والأدب تكلّف. ولولا أنتم- معاشر الملوك- ما تأدّبنا، قال: فالمنّة في ذلك لنا دونكم. قال: صدقت، قال الشاعر، في عبيد الله بن زياد: علّمني جودك ما لم أكن ... أحسنه من جيّد الشعر فصرت في الناس أخا ثروة ... وصرت ذا جاه وذا قدر وأنشد لغيره: وكنت مفحّما دهرا طويلا، ... فصيّرني عطاؤك ذا بيان فما شكري لخلق مثل شكري ... لمن كفّاه أطلقتا لساني قال: فكتابي هذا، يشتمل على ضروب من أخبار البلدان، وعجائب الكور والبنيان، فمن نظر فيه من أهل الأدب والمعرفة، فليتأمّله بعين الإنصاف، وليعرنا فيه حسن محضره وجميل رأيه، فإن الأجدى في المذهب شاؤك، وقرابة دانية، ورحم ماسّة، ووصلة واشجة. ويهب زللي لاعترافي، وإغفالي لإقراري. فإنّي إنما ألحقت في هذا الكتاب ما أدركه حفظي، وحضره سماعي من الأخبار والأشعار والشواهد والأمثال.

стр. 47

القول في خلق الأرض قال الله : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ قال: وسئل النبيّ ﷺ عن الأرض: سبع هي؟ قال: نعم، والسماوات سبع. وقرأ: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ، وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ. فقال رجل: فنحن على وجه الأرض الأولى؟ قال: نعم، وفي الثانية خلق يطيعون ولا يعصون، وفي الثالثة خلق، وفي الرابعة صخرة ملساء، والخامسة ضحضاح من الماء، والسادسة سجّيل وعليها عرش إبليس، والسابعة ثور. والأرضون على قرن الثور، والثور على سمكة، والسمكة على الماء، والماء على الهواء، والهواء على الثرى، والثرى منقطع فيه علم العلماء. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل السهميّ: صورة الدنيا على خمسة أجزاء كرأس الطير والجناحين والصدر والذنب. فرأس الدنيا الصين، وخلف الصين أمّة يقال لها واق واق، ووراء واق واق من الأمم ما لا يحصي إلا الله. والجناح الأيمن الهند، وخلف الهند البحر، وليس خلفه خلق. والجناح الأيسر الخزر، وخلف الخزر أمّتان، يقال لإحداهما منشك وماشك، وخلف ماشك ومنشك يأجوج ومأجوج من الأمم ما لا يعلمها إلّا الله. وصدر الدنيا مكّة والحجاز والشام والعراق ومصر. والذنب من ذات الحمام إلى المغرب، وشرّ ما في الطير الذنب. وقال ابن عبّاس: الأرض كلّها أربعة آلاف فرسخ في مثل ذلك، تكون ستّة عشر ألف ألف فرسخ. وقال أمير المؤمنين ﵁ : الأرض طولها مسيرة خمس مائة سنة: أربع مائة خراب، ومائة عمران. قال: وفي يد

стр. 48

المسلمين سنة. وقال أبو خلف «١» : الأرض أربعة وعشرون ألف فرسخ، فللسودان اثنا عشر ألف فرسخ، وللروم ثمانية آلاف فرسخ، وللعرب ألف فرسخ، ولفارس ثلاثة آلاف فرسخ. وذكر محمّد بن موسى الخوارزميّ «٢» : أن دور الأرض على الفضاء تسعة آلاف فرسخ. العمران من ذلك نصف سدسها، والباقي ليس فيه حيوان ولا نبات، والبحار هي محسوبة من العمران، والمفاوز التي بين العمران من العمران. وذكر بعض الفلاسفة، أن الأرض مدوّرة كتدوير الكرة، موضوعة في جوف الفلك كالمحّة في جوف البيضة. والنسيم حول الأرض، وهو جاذب لها من جميع جوانبها إلى الفلك. وبنية الخلق على الأرض، إن النسيم جاذب لما في أيديهم من الخفّة، والأرض جاذبة لما في أيديهم من الثقل، لأن الأرض بمنزلة الحجر الذي يجذب الحديد، والأرض مقسومة نصفين بينهما خطّ الاستواء، وهو من المشرق إلى المغرب. وهذا طول الأرض، وهو أكبر خطّ في كرة الأرض. كما أن منطقة البروج أكبر خطّ في الفلك، وعرض الأرض من القطب الجنوبيّ الذي يدور حوله سهيل، إلى القطب، الشماليّ الذي يدور حوله بنات نعش. واستدارة الأرض في موضع خطّ الاستواء ثلاثمائة وستّون درجة، والدرجة خمسة وعشرون فرسخا، والفرسخ اثنا عشر ألف ذراع، والذراع أربعة وعشرون إصبعا، والأصبع ستّ حبّات شعير مصفوفة بطن بعضها إلى بعض. فيكون ذلك تسعة آلاف فرسخ. وزعم دورتيوس «٣» : أن الأقاليم السبعة على بروج السماء كبار عظام مدينتان في إقليم زحل، ومدينتان في إقليم المشتري، ومدينتان في إقليم المرّيخ، ومدينة في إقليم الشمس، ومدينتان في إقليم الزّهرة، ومدينتان في إقليم عطارد، ومدينة في إقليم القمر. وقالوا أيضا: إن الأقاليم سبعة، إقليم في أيدي العرب، وإقليم في أيدي الروم، وإقليم في أيدي الحبشة، وإقليم في أيدي الهند، وإقليم في أيدي

стр. 49

الترك، وإقليم في أيدي الصين، وإقليم في أيدي يأجوج ومأجوج، لا يدخل هؤلاء أرض هؤلاء، ولا هؤلاء إلى هؤلاء. فالإقليم الأول: مبتدأه من أرض المحرقة التي تدعى باليونانيّة ريامياروس، ومنتهاه أرض سرنديب، وسكّانه سود، قباح الوجوه عراة كالسباع، وأعمارهم طويلة، ودوابّهم وطيورهم أعظم من عامّة البهائم والطير، وهناك رقى وعقاقير وأحجار فيها شفاء ومنافع طبيعيّة، وفيها تنانين وهو امّ ذات سموم، وطوله خمسة آلاف وخمس مائة فرسخ، وعرضه مائتان وخمسة وثمانون فرسخا. والإقليم الثاني: مبتدأه من العرض أرض سرنديب، ومنتهاه أرض الحبشة، وهناك معدن الزبرجد والببغاء، ومنتهاه من قبل شرقيّة أرض السند قريب من كابل وزابلستان. وهناك سباع ضارية، وحشرات وطير ممتنعة، وأهلها في القبح دون الإقليم الأوّل. وفيها أيضا رقى وعقاقير، وأهلها أقصر أعمارا من الأوّل، وطوله طول الأوّل. والإقليم الثالث: مبتدأه عرض أرض الصّغد وجرجان، حتى ينتهي إلى أرض الترك وحدّ الصين إلى أقصى المشرق، ومن غربيّة نحو مصر، ومن شرقيّة السند وعدن، ومنتهى عرضه أرض الشام وفارس وإصبهان. وهناك ناس حكماء. وعرضه وطوله مثل الأوّل. والإقليم الرابع: بابل، متوسّط الأقاليم، وهو أفضلها مزاجا. ومبتدأه من إفريقية إلى بلخ إلى مشرق الأرض، وعرضه وطوله كالأوّل. والإقليم الخامس: قسطنطينيّة والروم والخزر، وعرضه وطوله كالأوّل. والإقليم السادس: فرنجة وأمم أخرى، وفيه نساء من عادتهن قطع ثديهنّ وكيّه في صغرهنّ لئلا يعظم. وعرضه وطوله كالأوّل. والإقليم السابع: الترك، ورجالهم ونساؤهم مترّكو الوجوه لغلبة البرد عليهم، وسباعهم صغيرة الأجساد، ولا يوجد هناك حشرات ولا هوامّ. ويسكنون الظلال يتّخذونها من الألواح، ينقلونها على عجل، تجرّها الثيران، وأنعامهم في

стр. 50

الفيافي وفي أولادهم قلّة. فمبلغ الأقاليم السبعة على مساحة الإقليم الأوّل ثمانية وثلاثون ألف فرسخ وخمس مائة فرسخ، وعرضها ألف وتسع مائة وخمسة وتسعون فرسخا. وقسمت الأرض المعمورة أربعة أقسام: أروفى «١» ، وفيه: الأندلس والصّقالبة والروم وفرنجة. وطنجة إلى حدّ مصر ولوبية وفيها: مصر وقلزم والحبشة وبربر وما والاها. والبحر الجنوبيّ، وليس في هذه البلاد خنزير برّيّ ولا أيّل ولا عير ولا تيس، وفيها تهامة واليمن والسند والهند. وأسقوتيا وفيها: أرمينية وخراسان والترك والخزر. وزعم هرمس أن طول كلّ إقليم سبع مائة فرسخ في مثله.

стр. 51

القول في البحار وإحاطتها بالأرض قال: البحار أربعة: البحر الكبير، الذي ليس في العالم بحر أكبر منه. وهو أخذ من المغرب إلى القلزم حتى يبلغ واق واق الصين، وواق واق الصين هو بخلاف واق واق اليمن، لأن واق واق اليمن يخرج منه ذهب سوء. وهذا البحر يمدّ من القلزم على وادي القرى حتى يبلغ بربر وعمان، ويمرّ إلى الدّيبل والمولتان حتى يبلغ جبل الصّنف إلى الصين «١» . ثم البحر المغربي الدبوريّ الروميّ، وهو من أنطاكية إلى جزائر السعادة، وخليج منه آخذ من الأندلس حتى يبلغ السوس الأقصى، وعلى ساحل هذا البحر طرسوس والمصّيصة والإسكندريّة وأطرابلس. وطول هذا البحر ألفان وخمس مائة فرسخ، من أنطاكية إلى جزائر السعادة. وعرضه خمس مائة فرسخ. والبحر الثالث الخراسانيّ الخزريّ، لقرب الخزر منه، إلى موقان إلى طبرستان وخوارزم وباب الأبواب، ومن بحر جرجان إلى خليج الخزر عشرة أيّام،

стр. 52

فإذا طابت. لهم الريح فثمانية أيّام في البحر، ويومان في البرّ، ويسمّى هذا البحر الدّوّارة الخراسانيّة، وقطرها مائة فرسخ، والذي يطيف بها ألف وخمس مائة فرسخ. والرابع، ما بين رومية وخوارزم جزيرة تسمّى تولية، ولم يوضع عليها سفينة قطّ. وملك العرب في يديه ألف مدينة في زماننا هذا، وفي يدي ملك النوبة ألف مدينة، وفي يدي ملك الصين أربع مائة مدينة، وستّمائة مدينة من الصين في أيدي ملوك صغار. قال: وأعلم أن بحر فارس والهند هما بحر واحد لاتّصال أحدهما بالآخر، إلّا أنهما متضادّان. قال: فأوّل ما تبتدئ صعوبة بحر فارس عند دخول الشمس السنبلة وقربها من الاستواء الخريفيّ، فلا يزال يكثر أمواجه ويتقاذف مياهه ويصعب ظهره، إلى أن تصير الشمس إلى الحوت. وأشدّ ما تكون صعوبته في آخر زمان الخريف، عند كون الشمس في القوس. وإذا كانت قرب الاستواء الربيعيّ، يبتدئ في قلّة الأمواج ولين الظهر، إلى أن تعود الشمس في السنبلة، وألين ما يكون في آخر زمان الربيع، وهو عند كون الشمس في الجوزاء. فأما بحر الهند فإنه خلافه، لأنه عند كون الشمس في الحوت وقربها من الاستواء الربيعيّ، يبتدئ في الظلمة والغلظ، وتكثر أمواجه، حتى لا يركبه أحد لظلمته وصعوبته عند كون الشمس في الجوزاء. فإذا صارت في السنبلة أضاء ظلمته، ويسهل مركبه، إلى أن تصير الشمس في الحوت، إلّا أن بحر فارس، قد يركب في كلّ أوقات السنة. فأما بحر الهند، فلا يركبه الناس عند هيجانه لظلمته وصعوبته. قال: فمن أراد الصين، أو عدن، أو شلاهط، أخذ من ناحية المغرب على اليمامة وعمان. ومن أراد السند أخذ من ناحية فارس على سيراف .

стр. 53

القول في البحار وعجائب ما فيها قال الله : مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ يروى عن الحسن قال: بحر فارس والروم. وقال سليمان بن أبي كريمة «١» : إذا طلعت الثّريّا ارتجّ البحر واختلفت الرياح، وسلّط الله الجنّ على المياه، وتبرّأ الله ممن يركب البحر أربعين يوما. وقال النبيّ ﷺ : «من ركب البحر بعد طلوع الثريّا، فقد برئت منه الذمّة» . وسئل ابن عبّاس عن المدّ والجزر فقال: إن ملكا موكّل بقاموس البحر «٢» ، إذا وضع رجله فيها فاضت، وإذا رفعها غاضت. قال كعب: ولقي الخضر ملكا من الملائكة فسأله عن المدّ والجزر فقال الملك: إن الحوت يتنفّس فيشرب الماء ويرفعه إلى منخريه فذلك الجزر، ثم يتنفّس فيخرجه من منخريه فذلك المدّ. قال: وفي البحر سمكة يقال لها الخراطيم مثل الحيّة لها منقار كمنقار الكركيّ، وفي منقارها من الشقّين كالمنشار. وفيه سمكة يقال لها الأطمر لها فرج كفرج المرأة، ووجهها كوجه الخنزير، وهو طبق من شحم وطبق من لحم. وفي البحر سمك على خلقة القرود من جلوده تكون الدرق التي تنبو عنها السيوف، ويقال إنها تحيض وترضع وكذلك السلاحف. وفيه سمك يسمّى الدّخس ينجي الغريق. وفيه سمك إذا هاج البحر خرج من قعر البحر، فيعلم البحريّون أن البحر قد هاج، يسمّى البرستوج، وهو الذي يكون بالبصرة. ويلي هذا البحر بحر يسمّى هركند، يقال إنه قاموس البحار كلّها، وفي هذا البحر جزيرة سرنديب، وفي هذه الجزيرة الجبل الذي أهبط عليه آدم، وعليه أثر

стр. 54

قدم آدم، وهو عظيم طويل، وعليه أنواع الأفاوية والطيب وفأر المسك، وفي بحره مغاص اللؤلؤ. وفي هذه الجزيرة ثلاثة ملوك، فالملك الأكبر منهم إذا مات قطع بأربع قطع وأحرق بالنار، ورجاله يتهافتون خلفه في النار حتى يحرقوا أنفسهم. وبعدها جزيرة الرامني وهي ثمان مائة فرسخ، وفيها عجائب كثيرة، وهي تشرع إلى بحر شلاهط والهركند، وفيها ملوك كثيرة، وبها الكركدن والكافور، وفيها معادن الذهب، وطعامهم النارجيل، ورجالهم أقوياء يصيدون الفيلة، وفيها بقمّ كثير يغرس غرسا، وحمله شبه الخرنوب، وطعمه مثل العلقم لا يؤكل. ويقال. إن عروقه شفاء من سمّ ساعة، وفيها الخيزران الكثير وجواميس عظيمة، وملوك لهم الأفاوية الطيّبة كالصّندلين والبسباسة، وليس هذا لأحد غيرهم. وبالزابج ببغات بيض وحمر وصفر، تتكلّم على ما لقّنت بكلام فصيح، عربيّة وفارسيّة وروميّة وهنديّة. ومن الطواويس خضر ورقط وبزاة بيض لها قنازع حمر، وإن بها قردة بيضا عظاما كأمثال الجواميس، وبها خلق على صورة الإنسان يتكلّم بكلام لا يفهم يأكل ويشرب. وبها من السنانير ألوان ولها أجنحة كأجنحة الخفّاش من أصل الأذن إلى الذنب. وأن فأر المسك تحمل أحياء من السند إلى الزابج، وأن الزباد أطيب رائحة من المسك، والأنثى تجلب مسكا، وإذا مشى في بيت نفحت منه رائحة المسك، وإذا لمسته بيدك عبق بيدك «١» . وذكر سليمان التاجر: أن أكثر السفن الصينيّة تحمل من البصرة وعمان، وتعبأ بسيراف، وذلك لكثرة الأمواج في هذا البحر وقلّة الماء في مواضع منه، فإذا عبّى المتاع استعذبوا الماء إلى موضع منها

стр. 55

يقال له مسقط، وهو آخر عمان، وبين سيراف وهذا الموضع نحو مائتي فرسخ. وفي شرقيّ هذا البحر فيما بين سيراف ومسقط من البلاد سيف بني الصفّاق وجزيرة ابن كاوان. وفي غربيّ هذا البحر جبال عمان، وفيها الموضع الذي يسمّى دردور وهو مضيق بين جبلين، تسلكه السفن الصغار ولا تسلك فيه الصينيّة، وفيه جبلا كسير وعوير، فإذا جاوزت الجبال صرت إلى موضع يقال له صحار عمان، فيستعذب الماء من مسقط من بئر بها وهناك جبل فيه رعاء غنم من بلاد عمان فتختطف «١» السفينة منها إلى بلاد الهند، وتقصد إلى كولو ملي، وفيها مسلحة لبلاد الهند وبها ماء عذب، فإذا استعذبوا من هناك الماء أخذوا من المركب الصينيّ ألف درهم ومن غيرها عشرة دنانير إلى العشرين الدينار، وملي من بلاد الهند. وبين مسقط وبين كولو ملي مسيرة شهر، وبين كولو ملي وبين الهركند نحو من شهر. ثم يختطف من كولو ملي إلى بحر الهركند، فإذا جاوزوه، صاروا إلى موضع يقال له كله بار بينه وبين هركند جزائر قوم يقال لهم لنج «٢» ، لا يعرفون لغة، ولا يلبسون الثياب كواسج، لم ير منهم امرأة، يبيعون العنبر بقطع الحديد، ويخرجون إلى التجّار من الجزيرة في زواريق ومعهم النارجيل، وشراب النارجيل يكون أبيض، فإذا شرب منه فهو حلو كالعسل، فإذا ترك يوما صار مسكرا، فإن بقي أيّاما حمض فيبيعونه بالحديد، ويتبايعون بالإشارة يدا بيد، وهم حذّاق بالسباحة، فربّما استلبوا الحديد من التجّار ولا يعطونهم شيئا، ثم تخطف السفينة إلى موضع يقال له كله بار، وهي من مملكة الزابج متيامنة عن بلاد الهند، يجمعهم ملك ولباسهم الفوط، ثم يتخطف إلى موضع يقال له تيومة، بها ماء عذب والمسافة إليها عشرة أيّام، ثم إلى موضع يقال له كدرنج «٣» مسيرة عشرة أيّام بها ماء عذب، وكذلك في سائر جزائر الهند إن احتفر فيها الآبار وجد فيها الماء

стр. 56

العذب، وبها جبل مشرف. ثم يخطف إلى موضع يقال له الصّنف، ثم إلى موضع يقال له صندرفولات «١» ، وهي جزيرة في البحر، والمسيرة إليها عشرة أيّام، ثم إلى موضع يقال له صنج إلى أبواب الصين، وهي جبال في البحر، بين كلّ جبلين فرجة تمرّ فيها السفن، ثم إلى الصين. ومن صندرفولات إلى الصين مسافة شهر، إلّا أن الجبال التي تمرّ بها السفن مسيرة سبعة أيّام، فإذا جاوزت الأبواب صرت إلى ماء عذب يقال له خانفو، يكون فيه مدّ وجزر في اليوم والليلة مرّتين «٢» . وبقرب الصين في موضع يقال له صنجي وهو أخبث البحار. [كثير الموج والخب وفيه جبال كثيرة لا بدّ للمراكب من النفوذ بينها. وذلك أن البحر إذا عظم خبه وكثر موجه ظهر أشخاص] «٣» شبيهون بصبيان الزنج طول أحدهم أربعة أشبار، يخرجون بالليل من الماء فيبيتون في السفينة ويدورون فيها، ولا يؤذون أحدا، ثم يعودون إلى البحر، فإذا رأوا ذلك كان علامة الريح التي تسمّى الخبّ، وهي أخبث الرياح، فيستعدّون لتلك الريح ويخفّفون المتاع. وقالوا: إذا رأوا أعلى دقل السفينة بهذا الموضع طائرا كأنه شعلة نار، فذلك عندهم من دلالة التخلّص، وإن في البحر طيرا يقال له جرشي، يكون قريبا من الساحل أعظم من الحمام، يتبعه طير يقال له جوانكرك، يشبه الحمام. فإذا ذرق الجرشي تلقّاه الجوانكرك بمنقاره فابتلعه. وأن بقرب الزابج جبلا يسمّى جبل النار لا يقدر على الدنوّ منه، يظهر بالنهار منه دخان، وبالليل لهب النار، يخرج من أسفله عين باردة عذبة وعين حارّة عذبة.

стр. 57

جزيرة برطاييل: جزيرة قريبة من جزائر الزابج، سكانها قوم وجوههم كالمجان المطرقة وشعورهم كأذناب البراذين وبها الكركدن، وبها جبال يسمع فيها بالليل صوت الطبل والدف والصياح المزعجة، والبحريون يقولون إن الدجال فيها ومنها يخرج. وبها القرنفل ومنها يجلب، وذلك أن التجار ينزلون عليها ويضعون بضائعهم وأمتعتهم على الساحل ويعودون إلى مراكبهم ويلبثون فيها. فإذا أصبحوا ذهبوا إلى أمتعتهم فيجدون إلى جانب كل شيء من البضاعة شيئاً من القرنفل فإن رضيه أخذه وترك البضاعة. وإن أخذوا البضاعة والقرنفل لم تقدر مراكبهم على السير حتى يردّوا أحدهما إلى مكانه. وإن طلب أحدهم الزيادة فترك البضاعة والقرنفل فيزاد له فيه. وحكى بعض التجار أنه صعد هذه الجزيرة فرأى فيها قوما مردا وجوههم كوجوه الأتراك وآذانهم مخرمة ولهم شعور، هم على زي النساء، فغابوا عن بصره. ثم إن التجار بعد ذلك أقاموا يترددون إليها ويتركون البضائع على الساحل فلم يخرج إليهم شيء من القرنفل، فعلموا أن ذلك بسبب نظرهم إليهم، ثم عادوا بعد سنين إلى ما كانوا عليه. ولباس هؤلاء القوم ورق شجر يقال له اللوف يأكلون ثمرتها ويلبسون ورقها. ويأكلون حيوانا يشبه السرطان، وهذا الحيوان إذا خرج إلى البر صار حجرا صلدا. وهو مشهور يدخل في الأكحال، ويأكلون السمك والموز والنارجيل والقرنفل، وهذا القرنفل من أكله رطبا لا يهرم ولا يشيب شعره] «١» . الصين [أهل الصين يقولون بالتناسخ ويعملون بالنجوم ولهم كتب يشتغلون بها، والزنا عندهم مباح ولهم غلمان وقفوهم للواطة. كما أن الهند وقفوا الجواري على

стр. 58

البد «١» للزنا وذلك عند سفلتهم لا عند أهل التمييز. والملك وكلّ بالصناع ليرفع إلى الملك جميع المعمول، فما أراد من ذلك اشتراه لخزانته وإلّا يباع في السوق، وما فيه عيب يمزّقه. وحكي أنه ارتفع ثوب إلى الملك فاستحسنه المشايخ كلهم إلّا واحدا، فسئل عن عيبه فقال: إن هذا الثوب عليه صورة الطاووس وقد حمل قنو موز، والطاووس لا يقدر على حمل قنو الموز، فلو بعث الملك هذا الثوب هدية إلى بعض الملوك يقولون: أهل الصين ما يعرفون أن الطاووس لا يقدر على حمل قنو الموز. وبالصين دابة المسك، وهي دابة تخرج من الماء في كل سنة في وقت معلوم فيصطاد منها شيء كثير وهي شديدة الشبه بالظباء، فتذبح ويؤخذ الدم من سرّتها وهو المسك ولا رائحة له هناك حتى يحمل إلى غيرها من الأماكن. وبها الغضائر الصيني التي لها خواص وهي بيضاء اللون شفافة لا يصل إلى بلادنا منها شيء، والذي يباع في بلادنا على أنه صيني معمول بلاد الهند بمدينة يقال لها كولم. والصيني أصلب منه وأصبر على النار. وخزف الصين أبيض، قالوا: يترشح السم منه وخزف كولم أدكن. وطرائف الصين كثيرة: الفرند الفائق والحديد المصنوع الذي يقال له طاليقون يشترى بأضعافه فضة، ومناديل الغمر من جلد السمندل، والطواويس العجيبة، والبراذين الفرّة التي لا نظير لها في البلاد] «٢» . الفرق ما بين بلاد الصين وبلاد الهند قالوا: ليس بالصين متاع أسرى ولا أحسن ممّا يحمله التجّار إلى العراق، فأما ما يبقى هناك فرديّ لا حسن له. ولباس أهل الصين كلّهم الحرير في الشتاء،

стр. 59

والصيف. يلبس الرجل منهم خمس سراويلات حرير لندوة أسفلهم. فأما هواؤهم، فحارّ، ولا يعرفون العمائم، وطعامهم الأرزّ، وملوكهم يأكلون خبز الحنطة واللحم، وليس فيهم كثير نخل، ويعمل نبيذهم، من الأرزّ، ولا يستنجون بالماء، ويأكلون الميتة، ونساؤهم يكشفن رؤوسهن، ويجعلن فيها الأمشاط. فربّما كان في رأس واحدة منهن عشرون مشطا من عاج، والرجال يغطّون رؤوسهم بشبه القلانس، وأهل الصين يلوطون بغلمان قد أقيموا لذلك بمنزلة الزواني للهند. وحيطان أهل الصين الخشب، وأكثرهم لا لحى لهم، حتى كأنهم لم تخلق لهم لحى. وأهل الصين يعبدون الأوثان، ولهم كتب لأديانهم. والهند لا يأكلون الحنطة، إنما يأكلون الأرزّ فقط، وتطول لحاهم حتى ربّما رأيت لأحدهم لحية ثلاثة أذرع، وإذا مات أحدهم حلق رأسه ولحيته، وهم يتلازمون بالحقوق، ويمنعون في الملازمة الطعام والشراب سبعة أيّام، وأهل الهند يقتلون ما أرادوا أكله ولا يذبحونه، يضربون هامته حتى يموت، ثم يأكلونه، ولا يغتسلون من جنابة، ولا يأتون النساء في محيض، وأهل الصين يأتون لأن آئينهم آئين المجوس. وأهل الهند لا يأكلون حتى يستاكوا ويغتسلوا، ولا يفعل ذلك أهل الصين، وبلاد الهند أوسع من بلاد الصين أضعافا، وبلاد الصين أعمر وليس لهم عنب، وليس بالبلدين جميعا نخل، وللهند السحر وهم جميعا يقولون بالتناسخ، ويختلفون في فروع دينهم، وأهل الهند أطبّاء حكماء منجّمون، ولهم خيل قليلة، وملوكهم لا يرزقون جندهم، إنما يدعوهم الملوك إلى الجهاد فيخرجون بنفقات أنفسهم. والهند لا مدائن لهم، ويلبسون القرطين ويتحلّون بأسورة الذهب الرجال والنساء، والهند تبيح الزنا ما خلا ملك قمار، فإنه يحرّم الزنا والشراب [وملكها يعاقبهم على شرب الخمر، فيحمي الحديدة بالنار وتوضع على بدن الشارب ولا تترك إلى أن تبرد. فربما يفضي إلى التلف. وينسب إليها العود القماري] «١» . وبلاد الصين أنزه وأحسن، ومدنهم عظيمة مشرفة محصنة مسوّرة، وبلادهم أصحّ وأقلّ أمراضا، وأطيب، لا تكاد ترى بها أعور ولا أعمى ولا ذا عاهة، ولهم عطاء

стр. 60

كديوان العرب «١» . ويقال إن بين الهند والصين ثلاثين ملكا، أصغر ملك بها يملك ما يملكه ملك العرب، وملوك الهند كلّهم يلبسون الحلي. وفي بلاد الهند مملكة يقال لها رهمى على ساحل البحر، وملكتهم امرأة وبلادها وبيّة، ومن دخل إليها من سائر الهند مات، فالتجّار يدخلونها لكثرة أرباحها، ثم تصير إلى بلاد الزابج، فلملك الكبير يقال له المهراج، تفسيره ملك الملوك، وليس بعده أحد، لأنه في آخر الجزائر، وهو ملك كثير الخير، وفيها غيضة فيها ورد، إذا أخرج من الغيضة احترق. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: فيما بين السند والهند أرض يقال لها كنام فيها بطّة من نحاس على عمود من نحاس، فإذا كان يوم عاشوراء نشرت البطّة جناحها، ومدّت منقارها، فيفيض من الماء ما يكفي زروعهم ومواشيهم وضياعهم إلى العام المقبل. وقمار من بلاد الهند، وأهل الهند تزعم أن أصل كتب الهند من قمار، وملكه مسيرة أربعة أشهر، وعبادتهم الأصنام كلّهم. وملك قمار يفترش أربعة آلاف جارية والعنبر يؤتى به من جزيرة شلاهط، والفلفل من ملي وسندان، والبقّم من ناحية الجنوب من شلاهط، والقرنفل والصندل والكافور وجوزبوا من الزابج، وهو من ناحية القبلة بقرب الصين من بلد يقال له فنصور، وماء الكافور والنيل من ناحية السند، والخيزران من بلد يقال له لنكبالوس وكله من ناحية خراسان، والقنى من عمان، والياقوت والألماس من سرنديب، وكذلك الكركدن والطاوس والببغاء والدجاج السنديّ وجميع أنواع العطر والصّيدلة. قالوا: ومبدأ بحر الصين من جبل قاف إلى أن يجيء إلى عبّادان والبصرة، وأول البحار التي تسلك إلى بلاد الصين بحر صنجى، وأوّل جبل فيه يدعى صندرفولات، وفيه حيّات ربّما ابتلعت البقر والرجل، فهو أشدّ البحار كلّها، وهو قليل المسافة، وعلى الجبل من الصيّادين خلق لهم شباك يكون في قعر البحر، فأهل المركب إذا رأوا بلاد الصين سألوا الصيّادين عن الريح فيخبرونهم بهيجان

стр. 61

البحر وسكونه، لأنه بحر إذا هاج فيه الريح فقليل من يسلم، وإنما يقطع في عشر أو ثمان إلى بلاد الصين إلى الأبواب، خاصّة أبواب الصين، وذلك البحر بحر كبير وفيه ملك يدعى المهراج، عظيم الملك في جزائره عجائب، وأنواع العطر، وينبت في بلاده الذهب نباتا، ويقال غلّته في كل يوم مائتا منا ذهب. [أتى رجل من الهند هذا الصنم وقد اتخذ لرأسه تاجا من القطن ملطخا بالقطران ولأصابعه كذلك وأشعل النار فيها، ووقف بين يدي الصنم حتى احترق] «١» .

стр. 62

القول في مكة قال، عبد الله بن عمرو بن العاص: سمّيت بكّة لأنها كانت تبكّ أعناق الجبابرة إذا ألحدوا فيها بظلم- أي تدقّ- وقال إبراهيم بن أبي المهاجر: بكّة موضع البيت، ومكّة موضع القرية. وسمّيت بذلك لاجتذابها الناس من الآفاق. وقالوا: سمّيت بكّة لأن الأقدام تبكّ بعضها بعضها- أي تزدحم- وسمّي البيت العتيق لأنه أعتق من الجبابرة. وهي أمّ القرى، وأمّ الرّحم، لأن الرّحمة تنزل بها. ومن أسمائها: صلاح، وناسّة لقلّة الماء بها، وبنيّة الأمين. قال النبيّ ﷺ : «ما من نبيّ هرب من قومه إلّا هرب إلى الكعبة يعبد الله فيها حتى يموت» وقال ﵇ : «إن قبر هود وشعيب وصالح فيما بين زمزم والمقام، وإن في الكعبة قبر ثلاثمائة نبيّ، وما بين الركن اليماني إلى الركن الأسود قبر سبعين نبيّاً» وقال ﷺ : «من مات في حجّ أو. عمرة لم يعرض ولم يحاسب، وقيل له: أدخل الجنّة بغير حساب» . وقال ﷺ : «من صلّى في الحرم صلاة واحدة كتب الله له ألف صلاة وخمس مائة صلاة» . وقال ﷺ : «المقام بمكّة سعادة والخروج منها شقاوة» . وقال ﷺ : «الحاجّ والعمّار وفد الله إن سألوا أعطوا، وإن دعوا أجيبوا، وإن أنفقوا أخلف عليهم لكلّ درهم ألف درهم» . وقال ﷺ : «من صبر على حرّ مكّة تباعد منه جهنّم مسيرة مائة عام وتقرّبت منه الجنّة مسيرة مائتي عام» . وقال الكلبيّ: لمّا قال إبراهيم: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً ... وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ الآية استجاب الله له فأمن فيه الخائف ورزق أهله من الثمرات، يجلب إليهم من الآفاق، وقيل قرية من قرى الشام، فيقال إنها الطائف وقال مقاتل: من نزل بمكّة والمدينة من غير أهلهما محتسبا حتى يموت دخل في

стр. 63

شفاعة محمّد ﷺ قال الله جلّ ذكره: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً ولم يقل مثابة للعرب دون العجم، إذ كان اسم الناس شاملًا للفريقين، فقد جعله الله مثابة للجميع، والدليل على ذلك قول الله : وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ الآية فمن شرف مكّة أمنه، ومقام إبراهيم فيه، وحجّ الأنبياء إليه، وأن أهلها في الجاهليّة كانت لقاحا لم يؤدّوا أتاوة قطّ، ولا ملكهم ملك، وكانوا يتزوّجون في أيّ القبائل شاءوا، ولا يشترط عليهم في ذلك ولا يزوّجون أحدا إلا بعد أن يشترطوا عليهم أن يكونوا حمسا على دينهم ويدان لهم وينتقل إليهم، فحمّسوا خزاعة ودانت لهم، وحمّسوا عامر بن صعصعة ودانت لهم، وحمّسوا ثقيفا ودانت لهم، سوى من حمّسوا من عدد الرجال، ثم فرضوا على العرب قاطبة أن يطرحوا أزواد الحلّ إذا دخلوا الحرم، وأن يخلعوا ثياب الحلّ، ويستبدلوا ثياب الحرم إمّا شرى أو عاريّة أو هبة، فإن أتى بذلك وإلا طاف بالبيت عريانا، وفرضوا على نساء العرب مثل ذلك، وكلّفوا العرب أن تفيض من المزدلفة، وهم بعد أعزّ العرب يتأمّرون على العرب قاطبة، وهم أصحاب الهريس والحرير والثريد والضيافة والأندية والفالوذج، وأول من ثرد الثريد منهم عمرو وهو هاشم بن عبد مناف وفيه يقول الشاعر «١» : عمرو العلى هشم الثريد لقومه ... ورجال مكّة مسنتون عجاف ولهذا سمّي هاشما. ذكر البيت الحرام وما جاء فيه قال الله تعالى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ ، عن وهب بن منبّه أنه قال: إن الله جلّ وعزّ لمّا أهبط آدم ﵇ من الجنّة إلى الأرض حزن واشتدّ بكاؤه على الجنّة، فحباه الله بخيمة من خيام الجنّة، فوضعها له بمكّة في موضع الكعبة، قبل أن تكون الكعبة وكانت من ياقوتة حمراء، فيها قناديل من ذهب، وأنزل معها الركن، وهو يومئذ ياقوتة بيضاء، وكان كرسياً لآدم (عليه

стр. 64

السلام) وطول الحديث، قال: فمن فضائل البيت الحرام أنه لم يره أحد ممّن لم يكن رآه إلّا ضحك أو بكى، ومن فضائله أنه لا يسقط على ظهر الكعبة من الحمام إلا العليل منها، فإذا وقع عليه بريء، وتقبل الفرقة من الطير والحمام وغير ذلك حتى إذا تحاذت الكعبة افترقت فرقتين، ومالت عن ظهرها، ولم يطر على ظهرها طير قطّ ومن عجائب البيت والمسجد: كثرة الحمام بها، ولم يروا على طول الدهر ذرقة حمام ولا طير في المسجد ولا الكعبة ومن عجائبه: أمن الطير والوحوش والسباع بها، ودفع الله عنها شرّ الحبشة والفيلة، وحجّه النعمان بن المنذر وزاره وهو ملك نصرانيّ، فجلس في سفح أجياد فبال عليه خالد بن ثوّالة الكنانيّ فما كان عنده نكير لأهل مكّة. وماء زمزم دواء لكلّ مبتلى. وقال ﷺ : «التضلّع من ماء زمزم براءة من النفاق» . [وكان ذرع زمزم من أعلاها إلى أسفلها ستين ذراعا] «١» وقال مجاهد في قول الله : فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ قال: لو قال: واجعل أفئدة الناس تهوي إليهم لازدحمت عليه فارس والروم. قال قتادة: بنيت الكعبة من خمسة أجبل: طور سينا وطور زيتا، وأحد، ولبنان، وحراء، وثبير. وقال مجاهد: أسّس إبراهيم زوايا البيت بأربعة أحجار: حجر من حراء، وحجر من ثبير، وحجر من الطور، وحجر من الجوديّ. قال قتادة: فبنى إبراهيم البيت وجعل طوله في السماء سبعة أذرع، وعرضه اثنين وثلاثين ذراعا بين الركن الأسود إلى الركن الشامي الذي عنده الحجر من وجهه، وجعل عرض ما بين الركن الشامي إلى الركن الغربي الذي فيه الحجر اثنين وعشرين ذراعا، وجعل طول ظهرها من الركن الغربي إلى الركن اليماني أحد وثلاثين ذراعا، وجعل عرض شقّها اليماني من الركن الأسود إلى الركن اليماني عشرين ذراعا، وجعل بابها في الأرض مبوّب حتى كان زمن تبّع الحميري، فهو الذي بوّبها وكساها الوصائل ثياب حبرة ونحر عندها، ثم كساها النبيّ ﵇ الثياب اليمانية، ثم كساها عثمان

стр. 65

القباطيّ، ثم كساها الحجّاج الديباج. قال: ومعاوية أول من طيّب الكعبة بالخلوق والمجمر، وأجرى الزيت لقناديل المسجد من بيت مال المسلمين، وبناه ابن الزّبير بعد ما بويع له بالخلافة، فلمّا قتل نقض الحجّاج بناءه وبناه على الأساس الأوّل، ثم وسّع المنصور مسجد الكعبة سنة ولي الخلافة، ثم زاد فيه المهديّ. قال: فطول البيت اليوم سبعة وعشرون ذراعاً، وعرضه في الحجر أحد وعشرون ذراعا، وذرع جوفها ما بين الركن الأسود إلى الركن اليماني بطن الكعبة خمسة عشر ذراعا وشبر، وما بين ركني الحجر ثمانية عشر ذراعا، وما بين الباب إلى الشاذروان خمسة أذرع، وعرض بابها أربعة أذرع وفيها ثلاث سوار اثنان منها صنوبر والوسطى ساج. وبعث عمر بن الخطّاب إلى البيت بهلالين كبيرين فعلّقا في الكعبة، وبعث عبد الملك بن مروان بالشّمستين، وبعث الوليد ابنه بقدحين، وبعث أبو العبّاس بالصّفحة الخضراء، وبعث أبو جعفر بالقارورة الفرعونيّة، وبعث المأمون بالصنم الذي وجّهه إليه ملك التّبّت وكان أسلم وله خبر طويل «١» . وذرع المقام ذراع وهو مربّع سعة أعلاه أربعة عشر إصبعا في مثله، ومن أسفله مثل ذلك، وفي طرفيه طوق من ذهب. وما بين الطرفين من الحجر من المقام بارز لا ذهب عليه، وطوله من نواحيه كلّها تسع أصابع، وعرضه عشر أصابع، وعرض الحجر حجر المقام من نواحيه إحدى وعشرون إصبعا، وسطه مربّع القادمان داخلتان في الحجر سبع أصابع، دخولهما منحرف ووسطه قد استدقّ من التمسّح به. والمقام في حوض مربّع حوله رصاص، وعلى الحوض صفائح من رصاص مكسّر، وعلى المقام صندوق ساج في طرفيه سلسلتان تدخلان في أسفل الصندوق، وعليهما قفلان. قال: وذرع المسجد اليوم مائة ألف ذراع وعشرون ألف ذراع مكسّر، وعرضه من باب النّدوة إلى الجدار الذي يلي الوادي عند باب الصّفا ثلاثمائة ذراع وأربعة أذرع، وعرض المسجد من المنارة التي عند المسعى إلى المنارة التي عند باب بني شيبة الكبير مائتا ذراع وثمانية وسبعون ذراعا، وفيه من الأساطين أربع مائة وخمس وستّون أسطوانة، طول كلّ أسطوانة عشرة أذرع،

стр. 66

وتدويرها ثلاثة أذرع. وعدد أبواب المسجد في الشقّ الشرقيّ خمسة أبواب، وفي الغربيّ ستّة أبواب، وفي اليماني سبعة أبواب، وفي الشقّ الشاميّ ستّة أبواب، وذرع الطواف مائة ذراع وخمسة أذرع. وحدود الحرم من طريق المدينة على ثلاثة أميال، ومن طريق جدّة على عشرة أميال، ومن طريق اليمن على سبعة أميال، ومن طريق الطائف على أحد عشر ميلا، ومن طريق العراق على تسعة أميال، ومن بغداد إلى مكّة مائتان وخمسة وسبعون فرسخا وثلثا فرسخ «١» تكون ثمانية وخمسين بريدا. ومن البريد إلى البريد عشرون ميلا، وبين كلّ بريدين مشرف وكلّ ثلاثة أميال فرسخ، ومن مكة إلى عرفات اثنا عشر ميلا.

стр. 67

مدينة الطائف اسمها وجّ، وسمّيت الطائف بذلك الطوف الذي أحاطه عليها قسيّ وهو ثقيف وكانت الطائف مهربا وملجأ لكلّ هارب، وبالطائف وهط عمرو بن العاص، وهو كرم كان يعرش على ألف ألف خشبة، شرى كلّ خشبة ألف درهم، والوهط عند العرب دقّ التراب، يقال تراب موهط أي مدقوق. وحجّ سليمان بن عبد الملك فمرّ بالوهط وقال: أحبّ أن أنظر إليه، فلمّا رآه قال: هذا أكرم مال وأحسنه، وما رأيت لأحد مثله، لولا هذه الحرّة في وسطه. فقيل له: ما هذه بحرّة ولكنها زبيبه، وقد كان جمع في وسط الضيعة، فلمّا رآها من بعيد ظنّ أنها حرّة سوداء فقال: لله درّ قسيّ بأيّ عشّ وضع أفرخه «١» .

стр. 68

القول في المدينة يروى عن النبيّ ﵇ أنه قال: للمدينة عشرة أسماء هي: طيبة، والباقية، والموفّية، والمسكينة، والمباركة، والمحفوفة، والمحرّمة، والعذراء، والمسلمة، والمقدّسة، والشافية، والمرزوقة. فمن فضلها على غيرها أن وهب بن منبه قال: إني لأجد في بعض الكتب أن مهاجر النبي الأميّ العربيّ إلى بلد يقال لها طيابا، وتفسير ذلك أنها طويت بالبركة، وقدّس هواءها، وطيّب ترابها، فيها مهاجره، وموضع قبره، ومن مشى بالمدينة شمّ بها عرفا طيّبا. وقال أبو البختري: هي أرفع الأرض كلّها، ولا يدخلها طاعون ولا دجّال، وبظاهر بيدائها يخسف بالدجّال، وبها نزل القرآن وفرضت الفرائض وسنت السنن، وبها أصول الدين والسنن والأحكام والفرائض والحلال والحرام، وبها روضة من رياض الجنّة، ودعا رسول الله ﷺ أن يبارك لهم في صاعهم ومدّهم وسوقهم وقليلهم وكثيرهم، وبها آثار رسول الله ﷺ ومساجده وقبره وقبور أصحابه وأعمامه وأزواجه، وكلّ بلد في دار الإسلام فإنما فتح بالسيف إلّا المدينة فإنها افتتحت بالإيمان. وقال ﷺ : «غبار المدينة دواء من الجذام» وقال: «حبّ أهل المدينة محنة فإن منافقا لا يحبّهم ومؤمنا لا يبغضهم» وقال ﵇ : «أهل المدينة الشعار والناس الدثار» وقال: «المدينة معلّقة بالجنّة» . قال: ولمّا حجّ معاوية حرّك المنبر يريد أن يخرج به إلى الشام فانكسفت الشمس، فقال جابر بن عبد الله: بئس ما صنع معاوية ببلد رسول الله ﷺ ومهاجره الذي اختاره الله له، والله ليصيبنّ معاوية شيء في وجهه، فأصابته اللّقوة نسأل الله العافية.

стр. 69

فلمّا قدم النبيّ المدينة أقطع الناس الدور فخطّ لبني زهرة في ناحية مؤخّر المسجد، وجعل للزّبير بن العوّام بقيعا واسعا، وجعل لطلحة موضع داره، ولآل أبي بكر موضع داره عند المسجد الذي صار لآل معمر، ولخالد وعمّار موضع داريهما، وخطّ لعثمان موضع داره اليوم، ويقال إن الخوخة التي في دار عثمان اليوم تجاه باب النبيّ ﷺ كان يخرج منها إذا دخل بيت عثمان بن عفّان. ذكر مسجد المدينة قال ﷺ : «من جاء إلى مسجدي لا يريد إلّا الصلاة في مسجدي والتسليم عليّ شهدت وشفعت له، ومن سلّم عليّ ميّتا فكأنما سلّم عليّ حيّا» وكان بناء المسجد على عهد النبيّ ﷺ باللبن وسقفه جريد، وعمده خشب النخل، فزاد فيه عمر، ثم غيّره عثمان وبناه بالحجارة المنقوشة والقصّة، وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه ساجا. وبناه رسول الله ﷺ وله بابان شارعان: باب عائشة والذي يقال له باب عاتكة، وباب في مؤخّر المسجد إلى دار مليكة: وأول من حصّب المسجد عمر قال: والأساس اليوم معمول بالحجارة، والجدران بالحجارة المطابقة، وعمد المسجد من حجارة حشوها عمد الحديد والرصاص، وكان طوله مائتي ذراع وعرضه مائتي ذراع، وهو معنّق ومعنّق سقف دون سقف، والمحراب والمقصورة من ساج. وتراب المدينة وهواؤها أطيب ريحا من رائحة الأفاويه بسائر البلدان، ويكتفي بالمدينة الرجل الأكول بقرصتين، ولا يكتفي في غيرها بخمسة أرغفة، وليس ذلك لغلظ فيه أو فساد في حبّه وطحنه، ولو كان كذلك لظهر في التخم، ولهم الفقه والصحبة، ولهم حبّ البان. ومنها يحمل إلى جميع البلدان- وهي حشيشة تنبت في باديتها- وجبلها أحد، قال رسول الله: رضوى ﵁، وقدس قدّسه الله، وأحد جبل يحبّنا ونحبّه، جاءنا سائرا إلينا متعبّدا، له تسبيح يزفّ زفّا ومن عجائبها جبل العرج الذي بين المدينة ومكّة، يمضي إلى الشام حتى يتّصل بلبنان من حمص، ويمرّ حتى يتّصل بجبال أنطاكية والمصّيصة، ويسمّى هناك

стр. 70

اللّكام، ثم يتّصل بجبال ملطية وشمشاط وقاليقلا إلى بحر الخزر، وفيه باب الأبواب يسمّى هناك القبق وعليه سبعون لسانا لا تعرف اللغة اللغة واللسان اللسان إلّا بترجمان. والعقيق خارج المدينة ولمّا رآها رسول الله ﷺ قال: «لو علمنا بهذه أوّلا لكانت المنزل» وقصر عروة بن الزبير بالعقيق، وسئل بعضهم لمّ سمّي العقيق عقيقا؟ قال: لأن سيله عقّ في الحرّة، وبها الجمّاوات الثلاث: [فمنها جمّاء تضارع التي تسيل إلى قصر أم عاصم وبئر عروة وما والى ذلك وفيه يقول أحيحة بن الجلاح: إني والمشعر الحرام وما ... حجت قريش له وما نحروا لا آخذ الخطّة الدنية ما ... دام يرى من تضارع حجر ومنه مكيمن الجماء وفيه يقول سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت: عفا مكمن الجماء من أم عامر ... فسلع عفا منها فحرّة وأقم ثم الجماء الثانية: جماء أم خالد التي تسيل على قصر محمد بن عيسى الجعفري وما والاه. وفي أصلها بيوت الأشعث من أهل المدينة، وقصر يزيد بن عبد الملك بن المغيرة النوفلي- وفيفاء الخبار من جماء أم خالد. والجماء الثالثة: جماء العاقر وبها بئر رومة- ويقال أرومة- وبئر أريس وبئر بضاعة. وبينها- جماء العاقر- وبين جماء أم خالد فسحة، وهي تسيل على قصور جعفر بن سليمان وما والاها. وإحدى هذه الجماوات أراد أبو قطيفة بقوله: القصر فالنخل فالجماء بينهما ... أشهى إلى القلب من أبواب جيرون إلى البلاد فما حازت قرائنه ... دور نزحن عن الفحشاء والهون قد يكتم الناس أسرارا وأعلمها ... وليس يدرون طول الدهر مكنوني] «١»

стр. 71

ويقال: إن ماء بئر رومة أعذب ماء بالعقيق. وفي العقيق وقصوره وأوديته وحراره أخبار كثيرة. وللزبير بن بكار فيه كتاب مفرد «١» . [خاخ: في حدود العقيق، وهو بين الشوطي والناصفة. قال الأحوص بن محمد: طربت وكيف تطرب أم تصابى ... ورأسك قد توشّح بالقتير لغانية تحلّ هضاب خاخ ... فأسقف فالدوافع من حضير خفيّة: في أرض العيق بالمدينة قال الشاعر: وننزل من خفيّة كل واد ... إذا ضاقت بمنزله النعيم العشيرة: من أودية العقيق. قال عروة بن أذينة: يا ذا العشيرة قد هجت الغداة لنا ... شوقا وذكّرتنا أيامك الأولا ما كان أحسن فيك العيش مؤتنقا ... غضا وأطيب في آصالك الأصلا ذو الضروبة ثم ذو الغرّاء: من عقيق المدينة قال أبو وجزة: كأنهم يوم ذي الغراء حين غدت ... نكبا جمالهم وللبين فاندفعوا لم يصبح القوم جيرانا فكل نوى ... بالناس لا صدع فيها سوف ينصدع الجنينة: موضع بالعقيق] «٢» . وفي عالية المدينة: قبا. ومما يلي الشام: خيبر، ووادي القرى، وتيماء، ودومة الجندل، وفدك،- وهو أقربها إلى المدينة-.

стр. 72

ومن عمل المدينة: مرّان، وقبا، والدثينة- ويقال الدفينة- وفلجة، وضريّة، وطخفة، وإمرة، وأضاح، ومعدن الحسن، وبئر غرس بقبا، وبئر بضاعة بالمدينة، وكانوا يستشفون بمائها. [عبلاء البياض: موضعان من أعمال المدينة وعبلاء الهرد. والهرد نبت به يصبغ أصفر. غمرة: من أعمال المدينة على طريق نجد أغزاها النبي ﷺ عكّاشة بن محصن. فأما أعراض المدينة فأضخمها الفرع وبه منزل الوالي وبه مسجد صلى به النبي ﷺ ] «١» . الفرق بين تهامة والحجاز قال الأصمعيّ: إذا خلفت عجلزا مصعدا فقد أنجدت، فلا تزال منجدا حتى تنحدر في ثنايا ذات عرق، فإذا فعلت ذلك فقد اتهمت، وإنما سمّي الحجاز حجازا لأنه يحجز بين تهامة ونجد. وقال ابن الأعرابي، الجزيرة ما كان فوق بقّة، وإنما سمّيت الجزيرة لأنها تقطع الفرات ودجلة، وبعد تقطع البرّ، وإنما سمّيت الموصل لأنها وصلت بين الجزيرة والشام. وقال ابن الكلبيّ: الحجاز ما يحجز بين تهامة والعروض، وما بين اليمن ونجد. وقال جعفر: أودية نجد تسيل مشرّقة وأودية تهامة تسيل مغرّبة وقد قيل: فرق ما بين الحجاز ونجد أنه ليس بالحجاز غضا فما أنبت الغضا فهو نجد وما أنبت الطّلح والسّمر والأسل- وواحده أسلة- فهو حجاز وقال الأصمعيّ: طرف تهامة من قبل الحجاز مدارج العرج، وأوّل تهامة من قبل نجد ذات عرق. وقالوا: طول تهامة ما بين جبل السّراة إلى شطّ البحر، وطول الحجاز من حدّ العرج إلى السّراة فطائف. والمدينة من نجد وأرض اليمامة والبحرين إلى عمان من العروض وتهامة تساير البحر.

стр. 73

[زينة: واد طوله عشرون يوما في نجد وأعلاه في السراة ويسمى عقيق تمرة. السقيا: من أسافل أودية تهامة. شعر: جبل بالحمى، ويوم شعر بين بني عامر وغطفان عطش يومئذ غلام شاب يقال له الحكم بن الطفيل فخشي أن يؤخذ فخنق نفسه فسمي يوم التخانق. قال البريق الهذلي: سقى الرحمن حزم ينابعات ... من الجوزاء أنواء غزارا بمرتجز كأن على ذراه ... ركاب الشام يحملن البهارا يحط العصم من أكناف شعر ... ولم يترك بذي سلع خمارا] «١»

стр. 74

القول في اليمامة سمّيت اليمامة بامرأة من طسم بنت مرّة، وكانت منازل طسم وجديس اليمامة وما حولها إلى البحرين، ومنازل عاد الأولى الأحقاف وهو الرمل ما بين عمان إلى عدن، وكانت مساكن غسّان بيثرب، ومساكن أميم بالرمل، ومساكن جرهم بتهائم اليمن، ثم لحقوا بمكّة فنزلوا على إسماعيل، وكانت منازل العماليق موضع صنعاء اليوم ثم خرجوا فنزلوا مكّة، ولحقت طائفة منهم بالشام ومصر، وتفرّقت طائفة منهم في جزيرة العرب إلى العراق، ويقال: إن فراعنة مصر كانوا من العماليق منهم فرعون إبراهيم ﵇ واسمه سنان بن علوان، وفرعون يوسف اسمه الرّيّان بن الوليد وفرعون موسى اسمه الوليد بن مصعب، وملك الحجاز رجل من العماليق يقال له الأرقم، وكان الضحّاك من العماليق غلب على ملك العجم بالعراق وهو فيما بين موسى وداود. صفة اليمامة وأوديتها اليمامة واديان يصبّان من مهبّ الشمال، ويفرغان في مهبّ الجنوب، وعيون اليمامة كثيرة فيها عين يقال لها الخضراء، وعين يقال لها الهيت، وعين بجوّ تجري من جبل يقال له الرّام، وهو جبل معترض مطلع اليمامة يحول بينها وبين يبرين والبحرين والدّوّ والدّهناء، وبجوّ عين يقال لها الهجرة ولا يشرب ماؤها لخبثه، وبالمجازة نهران وبأسفلها نهر يقال له سيح الغمر، وبأعلاها قرية يقال لها نعام، بها نهر يقال له سيح نعام، وأوّل ديار ربيعة باليمامة مبدأها من أعلاها أوّلها دار هزّان قال: واليمامة لبني حنيفة، والبحرين لعبد القيس، والجزيرة لبني تغلب، وذات النّسوع قصر باليمامة، والمشقّر فيما بين نجران والبحرين، وبتيل حجر عليه

стр. 75

قصر مشيّد عجيب من بناء طسم، ومعنق قصر عبيد بن ثعلبة وهو أشهر قصور اليمامة من بناء طسم على أكمة مرتفعة، والثّرمليّة حصن من حصون طسم، ويقول أهل اليمامة: غلبنا أهل الأرض شرقها وغربها بخمس خصال: ليس في الدنيا أحسن ألوانا من نسائنا، ولا أطيب طعاما من حنطتنا، ولا أشدّ حلاوة من تمرنا، ولا أطيب مضغة من لحمنا، ولا أعذب من مائنا، فأما قولهم في نسائهم فإنهنّ درّيّات الألوان كما قال ذو الرّمّة: كأنّها فضّة قد مسّها ذهب وكقول امرئ القيس: كبكر المقاناة البياض بصفرة وذلك أحسن الألوان، ويقال لا تبلغ مولّدة مائة ألف درهم إلّا يماميّة، وأمّا حنطتهم فتسمّى بيضاء اليمامة وهي عذي لا سقي، يحمل منه إلى الخلفاء، وأمّا تمره فلو لم يعرف فضله إلا أن التمر ينادى عليه بين المسجدين: يماميّ اليمامة، يماميّ اليمامة، فيباع كلّ تمر ليس من جنسه بسعر اليماميّ، وبها أصناف التمور، وبها نخلة تسمّى العمرة، ويقال إنها نخلة مريم، وجمعها العمر، والجداميّة تمر ينفع من البواسير والصفرقان- تمرة سوداء طيّبة- والحضريّ، والهجنة، والبرديّ، والصفراء، والقعقاعيّ، واللّصف، والصفر، والصفايا، والتّعضوض، والعمانيّ، والجعاب، والمرّيّ، وخرائف بني مسعود، والصّرفان، والزّغريّ، والصّنغانة، وزبّ رباح: يقال في المثل: الذّ من زبد بزب، وصرفان، جلاجل، والخيل، هذه كلّها تمور اليمامة ألوان ملوّنة. قالوا: أجود تمر عمان: الفرض، والبلعق، والخبوت، وأجود تمر اليمامة: البرديّ، والزّرقاء، والجداميّة. وأجود تمر البحرين: التعضوض. والمكرى، والآزاذ. وأجود تمر الكوفة: النرسيان، والسابريّ. وأجود تمر البصرة: الآزاذ، والقريثاء. وأمّا لحم اليمامة فإنه يطيب لطيب مراعيهم وماؤهم نمير يجلو البلغم وينقّي الصدر، وفيها قالت الشعراء: أرقّ من ماء اليمامة واليمامة صرّة نجد ومدينة نجد حجر.
следующие страницы →