Полный текст (637 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ويقال: إن ماء بئر رومة أعذب ماء بالعقيق. وفي العقيق وقصوره وأوديته وحراره أخبار كثيرة. وللزبير بن بكار فيه كتاب مفرد «١» .
[خاخ: في حدود العقيق، وهو بين الشوطي والناصفة.
قال الأحوص بن محمد:
طربت وكيف تطرب أم تصابى ... ورأسك قد توشّح بالقتير
لغانية تحلّ هضاب خاخ ... فأسقف فالدوافع من حضير
خفيّة: في أرض العيق بالمدينة قال الشاعر:
وننزل من خفيّة كل واد ... إذا ضاقت بمنزله النعيم
العشيرة: من أودية العقيق. قال عروة بن أذينة:
يا ذا العشيرة قد هجت الغداة لنا ... شوقا وذكّرتنا أيامك الأولا
ما كان أحسن فيك العيش مؤتنقا ... غضا وأطيب في آصالك الأصلا
ذو الضروبة ثم ذو الغرّاء: من عقيق المدينة قال أبو وجزة:
كأنهم يوم ذي الغراء حين غدت ... نكبا جمالهم وللبين فاندفعوا
لم يصبح القوم جيرانا فكل نوى ... بالناس لا صدع فيها سوف ينصدع
الجنينة: موضع بالعقيق] «٢» .
وفي عالية المدينة: قبا. ومما يلي الشام: خيبر، ووادي القرى، وتيماء، ودومة الجندل، وفدك،- وهو أقربها إلى المدينة-.
стр. 72
ومن عمل المدينة: مرّان، وقبا، والدثينة- ويقال الدفينة- وفلجة، وضريّة، وطخفة، وإمرة، وأضاح، ومعدن الحسن، وبئر غرس بقبا، وبئر بضاعة بالمدينة، وكانوا يستشفون بمائها.
[عبلاء البياض: موضعان من أعمال المدينة وعبلاء الهرد. والهرد نبت به يصبغ أصفر.
غمرة: من أعمال المدينة على طريق نجد أغزاها النبي ﷺ عكّاشة بن محصن.
فأما أعراض المدينة فأضخمها الفرع وبه منزل الوالي وبه مسجد صلى به النبي ﷺ ] «١» .
الفرق بين تهامة والحجاز
قال الأصمعيّ: إذا خلفت عجلزا مصعدا فقد أنجدت، فلا تزال منجدا حتى تنحدر في ثنايا ذات عرق، فإذا فعلت ذلك فقد اتهمت، وإنما سمّي الحجاز حجازا لأنه يحجز بين تهامة ونجد. وقال ابن الأعرابي، الجزيرة ما كان فوق بقّة، وإنما سمّيت الجزيرة لأنها تقطع الفرات ودجلة، وبعد تقطع البرّ، وإنما سمّيت الموصل لأنها وصلت بين الجزيرة والشام. وقال ابن الكلبيّ: الحجاز ما يحجز بين تهامة والعروض، وما بين اليمن ونجد. وقال جعفر: أودية نجد تسيل مشرّقة وأودية تهامة تسيل مغرّبة وقد قيل: فرق ما بين الحجاز ونجد أنه ليس بالحجاز غضا فما أنبت الغضا فهو نجد وما أنبت الطّلح والسّمر والأسل- وواحده أسلة- فهو حجاز وقال الأصمعيّ: طرف تهامة من قبل الحجاز مدارج العرج، وأوّل تهامة من قبل نجد ذات عرق. وقالوا: طول تهامة ما بين جبل السّراة إلى شطّ البحر، وطول الحجاز من حدّ العرج إلى السّراة فطائف. والمدينة من نجد وأرض اليمامة والبحرين إلى عمان من العروض وتهامة تساير البحر.
стр. 73
[زينة: واد طوله عشرون يوما في نجد وأعلاه في السراة ويسمى عقيق تمرة.
السقيا: من أسافل أودية تهامة.
شعر: جبل بالحمى، ويوم شعر بين بني عامر وغطفان عطش يومئذ غلام شاب يقال له الحكم بن الطفيل فخشي أن يؤخذ فخنق نفسه فسمي يوم التخانق.
قال البريق الهذلي:
سقى الرحمن حزم ينابعات ... من الجوزاء أنواء غزارا
بمرتجز كأن على ذراه ... ركاب الشام يحملن البهارا
يحط العصم من أكناف شعر ... ولم يترك بذي سلع خمارا] «١»
стр. 74
القول في اليمامة
سمّيت اليمامة بامرأة من طسم بنت مرّة، وكانت منازل طسم وجديس اليمامة وما حولها إلى البحرين، ومنازل عاد الأولى الأحقاف وهو الرمل ما بين عمان إلى عدن، وكانت مساكن غسّان بيثرب، ومساكن أميم بالرمل، ومساكن جرهم بتهائم اليمن، ثم لحقوا بمكّة فنزلوا على إسماعيل، وكانت منازل العماليق موضع صنعاء اليوم ثم خرجوا فنزلوا مكّة، ولحقت طائفة منهم بالشام ومصر، وتفرّقت طائفة منهم في جزيرة العرب إلى العراق، ويقال: إن فراعنة مصر كانوا من العماليق منهم فرعون إبراهيم ﵇ واسمه سنان بن علوان، وفرعون يوسف اسمه الرّيّان بن الوليد وفرعون موسى اسمه الوليد بن مصعب، وملك الحجاز رجل من العماليق يقال له الأرقم، وكان الضحّاك من العماليق غلب على ملك العجم بالعراق وهو فيما بين موسى وداود.
صفة اليمامة وأوديتها
اليمامة واديان يصبّان من مهبّ الشمال، ويفرغان في مهبّ الجنوب، وعيون اليمامة كثيرة فيها عين يقال لها الخضراء، وعين يقال لها الهيت، وعين بجوّ تجري من جبل يقال له الرّام، وهو جبل معترض مطلع اليمامة يحول بينها وبين يبرين والبحرين والدّوّ والدّهناء، وبجوّ عين يقال لها الهجرة ولا يشرب ماؤها لخبثه، وبالمجازة نهران وبأسفلها نهر يقال له سيح الغمر، وبأعلاها قرية يقال لها نعام، بها نهر يقال له سيح نعام، وأوّل ديار ربيعة باليمامة مبدأها من أعلاها أوّلها دار هزّان قال: واليمامة لبني حنيفة، والبحرين لعبد القيس، والجزيرة لبني تغلب، وذات النّسوع قصر باليمامة، والمشقّر فيما بين نجران والبحرين، وبتيل حجر عليه
стр. 75
قصر مشيّد عجيب من بناء طسم، ومعنق قصر عبيد بن ثعلبة وهو أشهر قصور اليمامة من بناء طسم على أكمة مرتفعة، والثّرمليّة حصن من حصون طسم، ويقول أهل اليمامة: غلبنا أهل الأرض شرقها وغربها بخمس خصال: ليس في الدنيا أحسن ألوانا من نسائنا، ولا أطيب طعاما من حنطتنا، ولا أشدّ حلاوة من تمرنا، ولا أطيب مضغة من لحمنا، ولا أعذب من مائنا، فأما قولهم في نسائهم فإنهنّ درّيّات الألوان كما قال ذو الرّمّة:
كأنّها فضّة قد مسّها ذهب
وكقول امرئ القيس:
كبكر المقاناة البياض بصفرة
وذلك أحسن الألوان، ويقال لا تبلغ مولّدة مائة ألف درهم إلّا يماميّة، وأمّا حنطتهم فتسمّى بيضاء اليمامة وهي عذي لا سقي، يحمل منه إلى الخلفاء، وأمّا تمره فلو لم يعرف فضله إلا أن التمر ينادى عليه بين المسجدين: يماميّ اليمامة، يماميّ اليمامة، فيباع كلّ تمر ليس من جنسه بسعر اليماميّ، وبها أصناف التمور، وبها نخلة تسمّى العمرة، ويقال إنها نخلة مريم، وجمعها العمر، والجداميّة تمر ينفع من البواسير والصفرقان- تمرة سوداء طيّبة- والحضريّ، والهجنة، والبرديّ، والصفراء، والقعقاعيّ، واللّصف، والصفر، والصفايا، والتّعضوض، والعمانيّ، والجعاب، والمرّيّ، وخرائف بني مسعود، والصّرفان، والزّغريّ، والصّنغانة، وزبّ رباح: يقال في المثل: الذّ من زبد بزب، وصرفان، جلاجل، والخيل، هذه كلّها تمور اليمامة ألوان ملوّنة. قالوا: أجود تمر عمان: الفرض، والبلعق، والخبوت، وأجود تمر اليمامة: البرديّ، والزّرقاء، والجداميّة. وأجود تمر البحرين: التعضوض. والمكرى، والآزاذ. وأجود تمر الكوفة: النرسيان، والسابريّ. وأجود تمر البصرة: الآزاذ، والقريثاء. وأمّا لحم اليمامة فإنه يطيب لطيب مراعيهم وماؤهم نمير يجلو البلغم وينقّي الصدر، وفيها قالت الشعراء: أرقّ من ماء اليمامة واليمامة صرّة نجد ومدينة نجد حجر.
стр. 76
[إصاد: من أودية العلاة من أرض اليمامة] «١» .
[الخضارم: حجر، مصر اليمامة ثم جوّ وهي الخضرمة وهي من حجر على يوم وليلة وبها بنو سحيم وبنو ثمامة من حنيفة] «٢» .
[العرائس: من جبال الحمى.
عنيزة: من أودية اليمامة قرب سواج.
عيهم: جبل بنجد على طريق اليمامة إلى مكة، قال جابر بن حنيّ التغلبي:
ألا يا لقومي للحديد المصرّم ... وللحلم بعد الزلة المتوهّم
وللمرء يعتاد الصبابة بعد ما ... أتى دونها ما فرط حول مجرّم
فيا دار سلمى بالصريمة فاللوى ... إلى مدفع القيقاء فالمتثلم
أقامت بها بالصيف ثم تذكرت ... منازلها بين الجواء فعيهم] «٣»
стр. 77
القول في البحرين
قال أبو عبيدة: بين البحرين واليمامة مسيرة عشرة أيّام، وبين هجر مدينة البحرين وبين البصرة مسيرة خمسة عشر يوما على الإبل، وهي الخطّ، والقطيف، والآرة، وهجر. والبينونة، والزارة، وجواثا، والسابور، ودارين، والغابة، وقصبة هجر الصّفا، والمشقّر، والشّبعان، والمسجد الجامع في المشقّر، وبين الصفا والمشقّر نهر يجري يقال له العين، ومن قرى البحرين: الحوس، والكثيب الأكبر، والكثيب الأصغر، وأرض نوح، وذو النار، والمالحة، والذّرائب، والبديّ، والخرصان، والسّهلة، والحوجر، والوجير، والطّربال، والمنسلخ، والمرزي، والمطلع، والشّطّ، والقرحاء، والرّميلة، والبحرة، والرّجراجة، والعرجة، فهذه قرى بني محارب بن عمرو بن وديعة، وقرى بني عامر بن الحارث بن أنمار بن عمرو بن وديعة أضعاف هذه. وبين مكّة واليمن عشرون يوما.
[سفار: بلد بالبحرين] «١» .
الحزون
قال أبو عبيدة: الحزن ما بين زبالة فما فوق ذلك مصعدا في بلاد نجد، وقال أبو سعيد الضّرير: الحزون ثلاثة: حزن بني جعدة وهم من ربيعة، ثم حزن يربوع، ثم حزن بني غاضرة. وأما واقصة فهي واقصة الحزون وهي دون زبالة، وإنما سمّيت واقصة الحزون لأن الحزون أطافت بها من كلّ ناحية.
стр. 78
والحرّات
في بلاد العرب ثمانية: حرّة بني سليم وهي سوداء، وحرّة لفلف. وحرّة بني هلال، وحرّة النار، وحرّة ليلى، وحرّة راجل، وحرّة وأقم، وحرّة ضرغد.
والسّروات
ثلاث: سراة بين تهامة ونجد أدناها بالطائف وأقصاها قرب صنعاء، والسروات أرض عالية وجبال مشرفة على البحر من المغرب، وعلى نجد من المشرق، والطائف من سراة بني ثقيف وهو أدنى السروات إلى مكّة، ومعدن البرم هي السراة الثانية بلاد عدوان في بريّة العرب وبها معدن البلّور، وهو أجود ما يكون في صفاء الماورد توجد القطعة فيها منا وأكثر، وقال الكنديّ: رأيت قطعة فيها مائة منا.
والبراق
برقة منشد ما بين بني تميم وبين بني أسد، وبرقة ثهمد لبني دارم، وبرقة ضاحك لبني دارم، وأبرق العزّاف لبني أسد، وأبرق الحنّان لبني فزارة، وإنما سمّي أبرق العزّاف لعزف الجنّ بها والحنّان لأنه يسمع الحنين بها، وأبرق النّعّار لطيّء وغسّان، وأبرق الرّوحان.
والدارات
في بلاد العرب سبع عشرة دارة، قال ابن حبيب، الدّور جمع دارة وكلّ أرض اتّسعت فأحاطت بها الجبال في غلظ أو سهولة فهي دارة فمن ذلك: دارة وشجى، ودارة جلجل، ودارة رفرف، ودارة مكمن، ودارة الجمد، ودارة الدّور، ودارة الكور، ودارة قطقط، ودارة صلصل، ودارة الجأب، ودارة العليق، ودارة مأسل، ودارة الخرج، ودارة رهبى، ودارة حيقور، والبهرة مثل الدارة لأن البهرة تكون في سهولة وغلظ جميعا
.
стр. 79
القول في اليمن
قال الكلبيّ: سمّيت اليمن لأن يقطن بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح أقبل بعد خروج ثلاثة عشر ذكرا من ولد أبيه، فنزل موضع اليمن فقالت العرب: تيمّن بنو يقطن فسمّيت اليمن ويقال بل سمّيت اليمن لأنها عن يمين الكعبة ولمّا جاء أهل اليمن
قال رسول الله ﷺ : قد جاءكم أهل اليمن أرق قلوبا منكم وهم أوّل من جاءنا بالمصافحة.
وقال: «الإيمان يمان والحكمة يمانية والإسلام يمان»
وقال: «أهل اليمن زين الحاجّ» .
وقال مجاهد في قول الله فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
قال: سبي اليمن قال: وقدم رجل على النعمان بن المنذر فقال: أخبرني عن أهل اليمن. فقال: أكثر الناس سيّدا وأكثرهم جمعا. قال: فأخبرني عن بني عامر! قال: أعجاز النساء وأعناق الظباء.
قال: فتميم! قال: حجر إن وقعت عليه آذاك، وإن وقع عليك أذي.
وقال رسول الله ﷺ : «إذا تعذّر على أحدكم الملتمس فعليه بهذا الوجه» وأشار إلى اليمن.
وفي قوله وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ
الآية قال: هم أهل اليمن، وفضائل كثيرة.
قال: فاليمن ثلاثة وثلاثون منبرا قديمة، وأربعون محدثة، وسمّيت صنعاء بصنعاء بن أزال بن يقطن، وهو الذي بناها. وفي قوله : بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ
قال: صنعاء. وقوله غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ
قال: كان سليمان بن داود ﵇ يغدو من إصطخر ويروح بصنعاء ويستعرض الشياطين بالرّيّ. قال: وصنعاء أطيب البلدان، وهي طيّبة الهواء كثيرة الماء، يشتون مرّتين، ويصيفون، مرّتين، [وكذلك أهل فران ومارب وعدن والشحر. وإذا
стр. 80
صارت الشمس إلى أول الحمل، صار الحر عندهم مفرطا. فإذا صارت إلى أول السرطان وزالت عن سمت رؤوسهم أربعة وعشرين، شتوا. ثم تعود الشمس إليهم إذا صارت إلى أول الميزان فيصيفون ثانية ويشتد الحرّ عليهم. فإذا زالت إلى الجنوب وصارت إلى الجدي شتوا ثانية، غير أن شتاءهم قريب من صيفهم. وكان في ظفار وهي صنعاء كذا.
وظفار مشهورة على ساحل البحر ولعل هذه كانت تسمى بذلك قريب من القصور: قصر زيدان وهو قصر المملكة، وقصر شوحطان، وقصر كوكبان وهو جبل قريب منها وقد ذكر في موضعه.
وكان لمدينة صنعاء تسعة أبواب وكان لا يدخلها غريب إلّا بإذن. كانوا يجدون في كتوبهم أنها تخرب من رجل يدخل من باب لها يسمى باب حقل.
وكانت مرتبة صاحب الملك على ميل من بابها وكان من دونه إلى الباب حاجبان بين كل واحد إلى صاحبه رمية سهم. وكانت له سلسلة من ذهب من عند الحاجب إلى باب المدينة ممدودة وفيها أجراس، متى قدم على الملك شريف أو رسول أو بريد من بعض العمال حركت السلسلة فيعلم الملك بذلك فيرى رأيه] «١» .
وأهل الحجاز واليمن يمطرون الصيف كلّه، ويخصبون في الشتاء فيمطر صنعاء وما والاها في حزيران وتموز وآب وبعض أيلول من الزوال إلى المغرب، يلقى الرجل الآخر منهم فيكلّمه فيقول: عجّل قبل الغيث لأنه لا بدّ من المطر في هذه الأيّام. وكان ابن عبّاس يقول: مجاهد عالم أهل الحجاز، وسعيد بن جبير عالم أهل العراق، وطاؤوس عالم أهل اليمن، ووهب عالم الناس.
وباليمن من أنواع الخصب وغرائب الثمر وطرائف الشجر ما يستصغر ما ينبت في بلاد الأكاسرة والقياصرة، وقد تفاخرت الروم وفارس بالبنيان وتنافست
стр. 81
فيه، فعجزوا عن مثل غمدان، ومأرب، وحضرموت، وقصر مسعود، وسدّ لقمان، وسلحين، وصرواح، ومرواح، وبينون، وهندة، وهنيدة، وفلثوم، بريدة قال:
أبعد بينون لا عين ولا أثر ... وبعد سلحين يبني النّاس بنيانا
وبصنعاء غمدان قصر عجيب قد بني على أربعة أوجه: وجه بالجروب الأبيض، ووجه بالجروب الأصفر، ووجه بالجروب الأحمر، ووجه بالجروب الأخضر،- والجروب الحجارة- وابتني في داخله على ما أتقن من أساسه قصرا على سبعة سقوف، بين كلّ سقفين أربعون ذراعا، وسقفه من رخامة واحدة، وجعل على كلّ ركن تمثال أسد من شبه كأعظم ما يكون من الأسد، فكانت الريح إذا هبّت من ناحية تمثال من تلك التماثيل دخلت جوفه من دبره، ثم خرجت من فيه، فيسمع له زئير كزئير الأسد. وكان يأمر بالمصابيح فتسرج في بيوت الرخام إلى الصبح، فكان القصر يلمع من ظاهره كلمع البرق، فإذا أشرف الإنسان ليلا قال: أرى بصنعاء برقا شديدا ومطرا كثيرا، ولا يعلم أن ذلك من ضوء السّرج، فكان كذلك حتى أحرق، وعلى ركن من أركانه مكتوب: اسلم غمدان هادمك مقتول، فهدمه عثمان بن عفّان فقتل. وقالوا: إن الذي بناه سليمان بن داود وذلك أنه أمر الشياطين أن يبنوا لبلقيس ثلاثة قصور بصنعاء أحدها غمدان وسلحين وبينون وفيها يقول الشاعر:
هل بعد غمدان أو سلحين من أثر ... وبعد بينون يبني النّاس بنيانا
وقال أبو عبيدة: لأهل اليمن أربعة أشياء ليست لغيرهم: الركن اليماني في القبلة، وسهيل اليماني في السماء، والبحر اليماني في الجور، واليمن في البلدان، ولهم الخطّ المسند، وعقد الجمّل، والحساب، والخطّ الحميريّ، وقال الكلبيّ، علوج مصر القبط، وعلوج الشام جراجمة، وعلوج الجزيرة جرامقة، وعلوج السواد نبط، وعلوج السند سبابجة، وعلوج عمان المزون، وعلوج اليمن سامران، ويحمل العقيق من مخاليف صنعاء وأجوده ما أتي به من معدن يسمّى مقرى، وقرية
стр. 82
أخرى تسمّى الهام، وجبل يقال له قساس، فيعمل بعضه باليمن، ويحمل بعضه إلى البصرة،
وحدث يزيد بن هارون «١» عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : قال لي جبرئيل: يا محمّد تختّم بالعقيق، فقلت: وما العقيق؟
قال: جبل باليمن يشهد لله بالتوحيد، ولي بالرسالة، ولك بالنبوّة، ولعليّ بالوصيّة، ولذريّته بالإمامة، ولشيعتهم بالجنّة،
وبها معدن الجزع وهو أنواع، وجميع هذه الأنواع يؤتى بها من معدن العقيق، وأجود هذه الأنواع البقرانيّ وأثمنها، ومنه: العروانيّ، والفارسيّ والحبشيّ والمعسّل، والمعرق، وقال الأصمعيّ: أربعة أشياء قد ملأت الدنيا لا تكون إلّا باليمن: الورس، والكندر، والخطر، والعصب، فأما المعرق من الجزع فإنه يتّخذ منه الأواني لكبره وعظمه، ولهم الحلل اليمانية والثياب السّعديّة والعدنيّة والشبّ اليماني وهو ماء ينبع من قلّة جبل فيسيل على جانبه قبل أن يصل إلى الأرض فيجمد، فيصير هذا الشبّ اليماني الأبيض، ولهم الورس وهو شيء يسقط على الشجر كالترنجبين، ولهم البنك ويقال إنه من خشب أم غيلان، ومن أبنيتها القشيب الذي يقال له:
أقفر من أهله القشيب وعن مكحول قال: أربعة مدن من مدن الجنّة: مكّة، والمدينة، وإيلياء، ودمشق، وأربعة من مدن النار: أنطاكية، والطّوانة، وقسطنطينيّة، وصنعاء. وبها سدّ أسعد الملك وهو سدّ بين جبلين، بحجارة مربّعة منقّشة بين الحجرين عمود من حديد من الأسفل إلى الأعلى، وقد رصّص ما بين الجبلين مقدار ميلين، وسمكه ثلاثمائة ذراع، تنصبّ إليه أودية وأنهار فيرتفع الماء حتى يسقوا مزارعهم وحدائقهم، وهو أعجب سدّ في الأرض، مكتوب عليه بالمسند أشياء كثيرة. ومن عجائب اليمن القردة وهي بها كثيرة جدّا، وفيهم قرد عظيم، في عنقه لوح يقال إنه عهد من سليمان بن داود صلّى الله عليه وعلى سيدنا محمد، ويقال: إن هذه القردة
стр. 83
وكّلهم سليمان بحفظ شياطين محبّسين في هذه الناحية من الجنّ ومن عجائبهم العدار وهو شيطان يتعرّض للنساء والرجال منهم، وله أير كالقرن صلابة فيجامعه في دبره فيموت من ساعته، وفي المثل: ألوط من عدار وباليمن قرية وبار وهي مسكن الجنّ، وهي أخصب بلاد الله وأنزهها، لا يقدر أحد على الدنو منها من الأنس، وقال أبو المنذر: وبار ما بين نجران وحضرموت، وزعمت العرب أن الله حين أهلك عادا وثمودا أن الجنّ سكنت في منازل وبار وحمتها من كلّ من أرادها، وأنها أخصب بلاد الله، وأكثرها شجرا، وأطيبها تمرا ونخلا وعنبا وموزا، فإن دنا اليوم من تلك البلاد إنسان متعمّدا أو غالطا حثوا في وجهه التراب، فإن أبي إلّا الدخول خبّلوه، وربّما قتلوه، وزعموا أن الغالب على تلك البلاد الجنّ والإبل الحوشيّة- والحوش من الإبل عندهم التي قد ضرب فيها فحول إبل الجنّ وهي من نسل إبل الجنّ- والهنديّة، والمهريّة، والعسجديّة، والعمانيّة، هذه كلّها قد ضرب فيها الحوش قال ذو الرّمّة:
جرت رذايا من بلاد الحوش
قال بعضهم: قدمنا البحرين فلحقنا أعرابيّ على ناقة له صغيرة قد أكل الجرب جنبها ومعنا إبل لم ير الناس مثلها فقلنا: يا أعرابيّ أتبيع ناقتك ببعض هذه الإبل؟ قال: والله لو أعطيتموني بها جميع إبلكم كلّها ما بعتكم. قلنا: فلك مائة دينار، فأبى، فقلنا: ألف دينار، فأبى، ونحن في كلّ ذلك نهزأ به فقال: لو ملأتم جلدها ذهبا ما بعتكم. قلنا: فأرنا من سيرها شيئا. قال: نعم، فسرنا فإذا نحن بحمير وحش قد عنّت فقال: أي الحمير تريدون أعرضه لكم؟ فقلنا: نريد عير كذا؟ فغمزها ثم زجرها فمرّت ما يرى منها شيء حتى لحقت الحمير ثم تناول قوسه فرمى فلم يخط الحمار، فلم يزل يرشقه حتى صرعه ولحقناه وقد ذبحه، فلمّا رأينا ذلك ساومناه بجدّ فقال: ليس عندي من نسلها إلّا ابن لها وابنة ولا والله لا أبيعها أبدا بشيء.
وبأرض وبار النّسناس «١» ويقال: إن لهم نصف رأس وعين واحدة ويصادون
стр. 84
فيؤكلون. قال: وهو شيء له وجه كوجه الإنسان وإنما له يد ورجل في صدره، ويتكلّمون وهم في غياض هناك وباليمن جبل فيه شقّ يقال له شمخ، يدخل منها الرجل الضخم حتى ينفذ إلى الجانب الآخر ما خلا ولد الزنا فإنه يضيق عليه حتى لا يقدر أن ينفذ منه.
قال المدائنيّ: كان أبو العبّاس السفّاح أبو الخلفاء يعجبه منازعة الناس، فحضر ذات ليلة إبراهيم بن مخرمة الكنديّ وناس من بلحارث ابن كعب وكانوا أخواله، وخالد بن صفوان فخاضوا في الحديث وتذاكروا مضر واليمن فقال إبراهيم: يا أمير المؤمنين إن اليمن الذين هم العرب الذين دانت لهم الدنيا، لم يزالوا ملوكا وأربابا ووزراء الملك منهم: النّعمانات والمنذرات والقابوسات، ومنهم غاصب البحر، وحميّ الدّبر وغسيل الملائكة، ومنهم من اهتز لموته العرش، ومكلّم الذئب «١» ، ومنهم البذّاخ والفتّاح والرمّاح، ومن له مدينة الشعر وبابها، ومن له أقفال الوفاء ومفاتحها، ومنهم الخال الكريم صاحب البؤس والنعيم، وليس من شيء له خطر إلا إليهم ينسب، من فرس رائع، أو سيف قاطع، أو درع حصينة، أو حلّة مصونة، أو درّة مكنونة، وهم العرب العاربة وغيرهم متعرّبة. قال أبو العبّاس: ما أظنّ التميميّ يرضى بقولك، ثم قال: ما تقول أنت يا خالد؟ قال: إن أذنت لي في الكلام تكلّمت، قال: تكلّم ولا تهب أحدا. قال:
أخطأ المتقحّم بغير علم، ونطق بغير صواب، وكيف يكون ذلك لقوم ليست لهم ألسن فصيحة، ولا لغة صحيحة، ولا حجّة نزل بها كتاب، ولا جاءت بها سنّة،
стр. 85
وإنهم منّا لعلى منزلتين، إن جازوا حكمنا قتلوا، وإن جاروا عن قصدنا أكلوا، يفخرون علينا بالنعمانات والمنذرات والقابوسات وغير ذلك ممّا سيأتي، ونفخر عليهم بخير الأنام وأكرم الكرام محمّد ﵇، فلله به المنّة علينا وعليهم، لقد كانوا أتباعه به عرفوا، وله أكرموا، فمنّا النبيّ المصطفى والخليفة المرتضى، ولنا البيت المعمور والمشعر الحرام وزمزم والمقام والبطحاء مع ما لا يحصى من المآثر، فليس يعدل بنا عادل، ولا يبلغنا قول قائل، ومنّا الصدّيق والفاروق وذو النورين والوليّ والسبطان وأسد الله وذو الجناحين وسيف الله، وبنا عرفوا الدين، وأتاهم اليقين، فمن زاحمنا زاحمناه، ومن عادانا اصطلمناه.
ثم أقبل خالد على إبراهيم فقال: أعالم أنت بلغة قومك؟ قال: نعم. قال:
فما اسم العين؟ قال: الجحمة. قال: فما اسم السنّ؟ قال: الميذر. قال: فما اسم الأذن؟ قال: الصنّارة. قال: فما اسم الأصابع؟ قال: الشناتر. قال: فما اسم اللحية؟ قال: الزبّ. قال: فما اسم الذئب؟ قال: الكتع. قال: أفعالم أنت بكتاب الله؟ قال: نعم. قال: فإن الله يقول إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا
وقال:
بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ
وقال: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ
فنحن العرب والقرآن علينا أنزل بلساننا، ألم تر أن الله يقول وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِ
ولم يقل الجحمة بالجحمة، والصنّارة بالصنّارة، والمَيْذَر بالمَيْذَر، وقال: جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ
ولم يقل شناترهم في صنّاراتهم، وقال تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي
ولم يقل بزُبّي، وقال: أَكَلَهُ الذِّئْبُ*
ولم يقل أكله الكتع.
ثم قال خالد: إنّي أسألك عن أربع خصال لا يجعل الله لك منها مخرجا، إن أقررت بهن قهرت، وإن جحدت بهن كفرت، قال: وما هي؟ قال: الرسول ﷺ منّا أو منكم؟ قال: بل منكم. قال: القرآن علينا أنزل أو عليكم؟ قال: بل عليكم.
قال: فالبيت لنا أم لكم؟ قال: بل لكم. قال: فالمنبر فينا أو فيكم؟ قال بل فيكم.
قال: فاذهب فما كان بعد هذا فهو لكم. قال: فغلب خالد إبراهيم فأكرم أبو العبّاس خالدا وحباهما جميعا، فقام خالد وهو يقول ما أنتم إلّا سائس قرد، أو
стр. 86
دابغ جلد، أو ناسج برد، ملكتكم امرأة وغرّقتكم فأرة ودلّ عليكم الهدهد.
[شبام: جبل عظيم بقرب صنعاء بينها وبينه يوم واحد، وهو صعب المرتقى ليس إليه إلّا طريق واحد. وذروته واسعة فيها ضياع كثيرة ومزارع وكروم ونخيل والطريق إليها في دار الملك. وللجبل باب واحد مفتاحه عند الملك، فمن أراد النزول إلى السهل استأذن الملك حتى يأذن بفتح الباب له. وحول تلك الضياع والكروم جبال شاهقة لا تسلك ولا يعلم أحد ما وراءها إلّا الله. ومياه هذا الجبل تنسكب إلى سدّ هناك، فإذا امتلأ السدّ ماء فتح ليجري إلى صنعاء ومخالفيها.
وبها جبل كوكبان، إنه بقرب صنعاء عليه قصران مبنيان بالجواهر يلمعان بالليل كالكوكبين ولا طريق إليهما، قيل إنهما من بناء الجن.
وبار: كانت أكثر الأرضين خيرا وأخصبها ضياعا وأكثرها شجرا ومياها وثمرا، فكثرت بها القبائل وعظمت أموالهم. وكانوا ذوي أجسام، فأشروا وبطروا لم يعرفوا حق نعم الله تعالى عليهم، فبدّل الله تعالى خلقهم وصيّرهم نسناسا لأحدهم نصف رأس ونصف وجه وعين واحدة ويد واحدة ورجل واحدة. فخرجوا يرعون في تلك الغياض على شاطئ البحر كما ترعى البهائم، وهم فيما بين وبار وأرض الشحر وأطراف اليمن يفسدون الزرع فيصيدهم أهل تلك الديار بالكلاب، ينفرونهم عن زروعهم وحدائقهم] «١»
стр. 87
باب في تصريف الجدّ إلى الهزل والهزل إلى الجدّ
قال منصور بن عمّار «١» : خرجت في ليلة قد قيّدت العيون ظلامها، وأخذ بالأنفاس حندسها، فما يسمع إلّا غطيط. ولا يحسّ إلّا نباح، فوجدت في بعض أبواب أهل الدنيا الذين قد سخّرهم زخرفها، وراقهم زبرجها، وشغف قلوبهم بهجتها، رجلا واقفا وهو يقول بصوت لم يسمع أحسن منه ولا أشجى لقلب ولا أقرح لكبد ولا أبكى لعين:
أنا المسيء المذنب الخاطي ... المفرط البيّن إفراطي
فإن تعاقب كنت أهلا له ... وأنت أهل العفو عن خاطي
فلا والله أن ملكت نفسي، وتذكّرت ما سلف من ذنوبي، ووقفت كالواله المرعوب الحائر قد امتلأت من الله خوفا، وعملت على أنّي قد أحرزت وعظا فقلت: أيّها القائل ما أسمع والباكي على ما سلف زدنا من هذا، فإنّ دواءك قد وافق داء قديما فعسى أن يشفيه، فزاد في صوته بترجيع قوله الذي قرح، قلبي وذكّرني ذنبي، ثم قال:
يا ساحرا أورطني حبّه ... وعشقه في شرّ إيراط
قلت: قبحك الله واعظا وترّحك، وآجرني على وقفتي عليك وطلبي منك، وأنت تطيع الشيطان وتعصى الرحمن، ثم قلت: اللهمّ اغفر لي وتب عليه.
وقال عوف بن مسكين: سمع الربيع بن خثيم في جوف الليل رجلا يقول:
стр. 88
بعفوك يستكين ويستجير ... عظيم الذّنب مسكين فقير
رجاك لعفو ما كسبت يداه ... وأنت على الّذي يرجو قدير
فقال الربيع: أسألك بحقّ من ترجوه لما تريد إلّا رددت ما تقول، فجعل يردّده، فقال الربيع: زدني يرحمك الله فقال:
فقد علم الإله بما ألاقي ... من الحبّ الّذي ستر الضمير
فقال الربيع: وا سوأتاه من استماعي دعاء لغير الله جلّ وعزّ.
ومر سفيان الثّوريّ برجل يبكي ويقول:
أتوب إلى الّذي أمسى وأضحى ... وقلبي يتّقيه ويرتجيه
تشاغل كلّ مخلوق بشيء ... وشغلي في محبّته وفيه
قال له سفيان: يا هذا لا تقنط كلّ هذا القنوط، ولا تيأس من الله فإن الله يقبل التوبة عن عباده، وذنبك بين المقصّر والغالي، فإن كنت قد أسلفت ذنوبا فإنك من الإسلام لعلى خير كثير، استغفر الله وتب إليه، وأقلل من هذا البكاء، عصمنا الله وإيّاك، فنعم ما شغلت به نفسك، فقال الرجل:
عسى قلب الممكّن من فؤادي ... يرقّ لترك طاعة عاذليه
فقال سفيان: اللهمّ أعذنا من الحور بعد الكور: ولا تضلّنا بعد إذ هديتنا، أعزب عزب الله بك.
وقال إبراهيم بن الفرج: مرّ خليل الناسك بغرفة مخلّد الموصليّ الشاعر وهو لا يعرفه فسمعه يقول:
أسأت ولم أحسن وجئتك هاربا ... وأنّى لعبد غير مولاه مهرب
فوقف الخليل ومخلّد يردّد البيت ويبكي، والخليل يبكي معه، ثم ناداه: يا قائل الخير عد، يا سائل الفضل زد، فقال مخلّد: نعم وكرامة يا أبا محمّد:
غزال إذا قبّلته ولثمته ... رشفت له ريقا من الشّهد أطيب
стр. 89
فقال الخليل: سقاك الله حميما وغساقا. ثم قال: اللهمّ لا تؤاخذني بهذا الموقف ومضى.
وخرج عمر بن الخطّاب يوما فإذا جوار يضربن بالدفّ ويغنّين ويقلن:
تغنّين تغنّين ... فللهو خلقتنّ
فجعل يضرب رؤوسهن بالدّرة ويقول: كذبتنّ كذبتنّ:
فأخزى الله شيطانا ... رمى هذا إليكنّ
وقال بعض المتعبّدين: كنت أماشي بعض الصوفيّة بين بساتين. البصرة فسمعنا ضارب طنبور يقول:
يا صباح الوجوه ما تنصفونا ... أنتم زدتم القلوب فتونا
كان في واجب الحقوق عليكم ... إذ بلينا بكم بأن ترحمونا
قال فشهق شهقة ثم أفاق وقال: يا مغرور قل:
يا صباح الوجوه سوف تموتو ... ن وتبلى خدودكم والعيونا
وتصيرون بعد ذاك رميما ... فاعلموا ذاك إنّ ذاك يقينا
ومر بعض الشعراء بنسوة فأعجبه شأنهن فأنشأ يقول:
إنّ النّساء شياطين خلقن لنا ... أعوذ بالله من شرّ الشياطين
فأجابته واحدة:
إنّ النّساء رياحين خلقن لكم ... وكلّكم يشتهي شمّ الرياحين
ومر حسين بن عليّ ﵁ بنسوة فقال لهن: لولا أنتنّ لكنّا مؤمنين،
فأجابته واحدة منهن وقالت: لولا أنتم لكنّا آمنين.
وكان عمرو الجهنيّ ناسكا فدخل المسجد الجامع بالبصرة فوقف على حلقة النّهديّين والقرشيّين وأنشأ يقول:
стр. 90
ما جرت خطرة على القلب منّي ... منك إلّا استترت من أصحابي
بدموع تجري وإن كنت وحدي ... خاليا أتبع الدّموع انتحابي
أنت همّي ومنيتي وهواي ... ورجائي وغايتي وارتقابي
قال: فتصوّب الحلق يستمنعون إليه فأقبل عليهم وقال: هذا يقوله مخلوق لمخلوق وتدعون الخيرات الحسان المقصورات في الخيام.
وقال بشر بن أبي قبيصة: قلنا لأبي همّام- وقد كان غلب على عقله- تأمر في ميراثك عن أبيك؟ فأقبل علينا مغضبا وقال: يا بشر! أو يتوارث أهل ملّتين؟
قلت: ونحن أهل ملّتين؟ قال: نعم، أنتم تزعمون أن الله قضى الخير ولم يقض الشرّ، وأنا أزعم أن الله قضى الخير والشرّ، وأن من عذّبه الله عذّبه غير ظالم له، ومن رحمه فرحمته وسعت كلّ شيء.
وقال عبد الله بن إدريس: مررت بابن أبي مالك وكان معتوها ذاهب العقل لا يتكلّم حتى يكلّم، فإذا كلّم أجاب جوابا معجبا، فقلت: يا ابن أبي مالك ما تقول في النبيذ؟ قال: حلال. قلت: أتشربه؟ قال: إن شربته فقد شربه وكيع وهو قدوة.
قلت: تقتدي بوكيع في تحليله ولا تقتدي بي في تحريمه وأنا أسنّ منه؟ قال: قول وكيع مع اتّفاق أهل البلد معه أحبّ إليّ من مقالتك مع خلاف أهل البلد عليك.
وقال عبد الله بن إدريس: مررت بابن أبي مالك فناديته فقال: ما تشاء؟ قلت: متى تقوم الساعة؟ قال: ما المسؤول بأعلم من السائل، غير أن من مات فقد قامت قيامته، والموت أوّل عدل الآخرة. قلت: فالمصلوب يعذّب؟ قال: إن كان مستحقّا فإن روحه يعذّب وما أدري لعلّ هذا البدن في عذاب من عذاب الله لا تدركه عقولنا وأبصارنا، فإن لله لطفا لا يدرك.
وكان جالسا في موضع قد كان فيه رماد ومعه قطعة جصّ فكان يخطّ به فيستبين بياض الجصّ في سواد الرماد، فتبسّم فقلت له: أيّ شيء تصنع؟ قال: ما كان يصنع صاحبنا مجنون بني عامر. قلت: وما كان يصنع؟ قال: أو ما سمعته يقول:
стр. 91
عشيّة ما لي حيلة غير أنّني ... بلقط الحصى والخطّ في الدار مولع
أخطّ وأمحو الخطّ ثم أعيده ... بكفّي والغزلان حولي ترتع
قلت: ما سمعته، فتضاحك ثم قال: أما سمعت الله يقول: أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَ
أسمعته أم رأيته؟ يا ابن إدريس هذا كلام العرب.
وقال خلف بن تميم: عدنا مريضا فقال رجل ممن كان في البيت:
ناد ربّ الدار ذا المال الّذي ... جمع المال بحرص ما فعل
فأجابه من ناحية البيت:
كان في دار سواها داره ... علّلته بالمنى ثمّ ارتحل
إنّما الدنيا كظل زائل ... طلعت شمس عليه فاضمحل
وقال بعضهم: أحببت جارية من العرب ذات جمال وأدب، فما زلت أحتال في أمرها حتى التقينا في ليلة ظلماء شديدة السواد فقلت لها: طال شوقي إليك، قالت: وأنا كذلك، وإنّما تجري الأمور بالمقادير. فتحدّثنا ثم قلت: قد ذهب الليل وقرب الصبح، قالت: وهكذا تنفد اللذّات وتنقطع الشهوات، قلت: لو أدنيتني منك. قالت: هيهات إني أخاف الله من العقوبات، قلت: فما دعاك إلى الحضور في هذا الموضع الخالي؟ قالت: شقوتي وبلائي. قلت: فما أراك تذكريني بعد هذا، قالت: ما أراني أنساك وأمّا الاجتماع فما أراني أراك ثم ولّت عني وقالت:
أخاف الله ربّي من عذاب ... شديد لا أطيق له اصطبارا
قال: فاستحييت والله ممّا سمعت منها وانصرفت وقد ذهب عني بعض ما كنت أجد بها.
قال: وكان سليمان بن عبد الملك شابّا وضيئا وكان يعجبه اللباس والخمرة، فلبس ذات يوم وتهيّأ ثم قال لجارية له حجازيّة: كيف ترين الهيئة؟ قالت: أنت أجمل الناس. قال: أنشديني على ذلك، فقالت:
стр. 92
أنت خير المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان
أنت خلو من العيوب وممّا ... يكره الناس غير أنّك فان
قال عبد الملك بن مروان يوما لجارية له: ألقيت على جلسائي صدر بيت فأعياهم إجازته. قالت: وما هو؟ قال:
نروح إذا راحوا ونغدوا إذا غدوا ... فقالت: وعمّا قليل لا نروح ولا نغدو
стр. 93
باب في مدح الغربة والاغتراب
قال الله : هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ
وقال: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ
وقال: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ
وقال: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
الآية،
قال: وروى الزبير بن العوّام قال: قال رسول الله ﷺ : «البلاد بلاد الله، والعباد عباد الله، فحيث ما أصبت خيرا فأقم، واتّق الله»
وقال: «سافروا تغنموا»
وقال ﷺ : «موت الغريب شهادة» .
قال أبو المليح: أتيت ميمون بن مهران وقلت له: إني أريد سفرا، فقال: اخرج لعلّك تصيب من آخرتك أفضل ما تؤمّل من دنياك، فإن موسى بن عمران خرج يقتبس نارا لأهله فكلّمه الله ، وخرجت بلقيس تطلب ملكها فرزقها الله الإسلام.
وقال عمر ﵁ : لا تلثّوا بدار معجزة- أي لا تقيموا.
وقال سفيان الثّوريّ: لمّا خرج يوسف ﵇ من الجبّ قال قائل منهم: استوصوا بالغريب خيرا، فقال يوسف: من كان الله معه فلا غربة عليه.
وعن شريح بن عبيد قال: ما مات غريب في أرض غربة غابت عنه بواكيه إلّا بكت السماء عليه والأرض وأنشد:
إنّ الغريب إذا بكى في حندس ... بكت النّجوم عليه كلّ أو ان
وقال معاوية للحارث بن الحباب: أيّ البلاد أحبّ إليك؟ قال: ما حسنت فيه حالي وعرض فيه جاهي ثم أنشأ يقول:
стр. 94
فلا كوفة أمّي ولا بصرة أبي ... ولا أنا يثنيني عن الرّحلة الكسل
وقرئ على باب خان طرسوس:
ما من غريب وإن أبدى تجلّده ... إلّا سيذكر عند الغربة الوطنا
وأسفل منه مكتوب:
أير الحمار وأير البغل في قرن ... في است الغريب إذا ما حنّ للوطن
وقال بعضهم: غرس المشقّة مع دوام الغربة يحبّبان الدعة، وحسن التعب يصيّر إلى محلّ الراحة. وقال بعضهم: اطلبوا الرزق في البعد فإنكم إن لم تغنموا مالا كثيرا غنمتم عقلا كبيرا وأنشد:
لا يمنعنّك خفض العيش في دعة ... حنين نفس إلى أهل وأوطان
تلقى بكلّ بلاد إن حللت بها ... أهلا بأهل وجيرانا بجيران
هذا كما قيل في الأثر: ليس بينك وبين البلدان عداوة، فخير البلاد ما احتملك. وقال بعض المحدثين:
وما بلد الإنسان غير الموافق ... ولا أهله الأذنون غير الأصادق
وقال آخر:
وإذا الديار تنكّرت عن حالها ... فدع الديار وأسرع التحويلا
ليس المقام عليك فرضا لازما ... في بلدة تدع العزيز ذليلا
وقال آخر:
إذا كنت في أرض تكرّهت أهلها ... فدعها وفيها إن رجعت معاد
وقالوا: الراحة عقلة. وقال أحمد بن المعافى:
إنّ التّواني أنكح العجز بنته ... وساق إليها حين زوّجها مهرا
فراشا وطيّا ثمّ قال لها أتّكي ... فقصرهما لا شكّ أن يلدا الفقرا
стр. 95
نعوذ بالله منه، وقال آخر:
أغرّك أن كانت لبطنك عكنة ... وأنّك مكفيّ بمكّة طاعم
وقال الحطيئة:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... وأقعد فإنّك أنت الطاعم الكاسي
وقالوا: قناعة الناس بالأوطان من النقص والفشل والطلب من علم التجارب والعقل.
وقال أكثم بن صيفيّ: ما يسرّني أنّي مكفيّ أمر الدنيا، وأني أسمنت وألبنت.
قالوا: ولم؟ قال: مخافة عادة العجز.
وقالوا: لا توحشك الغربة إذا آنست بالكفاية، ولا تجزع لفراق الأهل مع لقاء اليسار.
وقالوا: الفقر أوحش من الغربة، والغنى آنس من الوطن، وترك الوطن أدنى إلى فرح الإقامة.
وقيل: الفقير في الأهل مصروم، والغنيّ في الغربة موصول.
وقالوا: أوحش قومك. ما كان في إيحاشهم أنسك، واهجر وطنك ما نبت عنه نفسك.
وقالوا: إذا عدمت أنكرك قريبك، وإن أثريت عرفك غريبك.
وقال قسّ بن ساعدة: أبلغ العظات النظر إلى محلّ الأموات، وأفضل الذكر ذكر الله، وخير الزاد التقوى، وأحسن الجواب الصمت، وأزين الأمور الاحتمال، والحزم شدّة الحذار، والكرم حسن الاصطبار، وفي طول الاغتراب فوز الاكتساب.
وقال آخر: تألّفوا النعم بحسن مجاورتها، والتمسوا المزيد بحسن الشكر، واغتربوا لتكسبوا، ولا تكونوا كالنساء اللاتي قد رضين بالكنّ واقتصرن على
стр. 96
القعود، فإن الغربة تخرّج الغمر، وتشجّع الجبان، وتحرّك المضطجع، وتزيد في بصيرة الماهر.
وقال:
الفقر في أوطاننا غربة ... والمال في الغربة أوطان
وقال آخر: لا يألّف الوطن إلّا ضيّق العطن.
وقال آخر: ما حنّ أحد إلى بلد جمع فيه شمله إلّا لوصمة في عقله، ولا تنزع بامرء نفسه إلى بلد قلّ به رفده إلّا لاستيلاء الموق عليه.
وقالوا: الحنين إلى الأوطان من أخلاق الصبيان وفي طول الاغتراب فوز الاكتساب، وفي فائدة صالح الإخوان مع النزوح عن الأوطان سلوّ عن مقارنة الجيران، ولولا اغتراب الناس عن محالّهم ضاقت بهم البلدان وسئم ألّافهم الإخوان، ومن طالب أخاه بمحلّه قلّت هيبته وسئمه أهله وتمنّوا الراحة منه. قال:
ولولا اغتراب المغتربين ما عرف ما بين الأندلس إلى الصين، ولا ردم الإسكندر السدود، ودوّخ الأقاليم، ومدّن المدن، وبخع له ملوكها بالطاعة، ولا قتل دارا بن دارا، ولا أسر الأساورة، ولا جمعت الملوك بين الصفائح اليمانية، والقضب الهنديّة، والرماح البلوصيّة، والأسنّة الخزريّة، والأعمدة الهرويّة، والأجرزنة «١» الأسروشنيّة، والخناجر الصّغديّة، والسروج الصينيّة، والدروع السابريّة والجواشن الفارسيّة، والقسيّ الشاشيّة، والأوتار التركيّة، والسهام الناوكيّة، والجعاب السجزيّة، والدرق المغربيّة، والأترسة التبّتيّة، والجلود الزّنجيّة، والنمور البربريّة، واللجم الخانبديّة والركب المروزيّة، والستور الصينيّة، والخيل الخزريّة، والكراسيّ القمّيّة، والشهاريّ البخاريّة والبغال الأرمنيّة، والحمير المريسيّة، والكلاب السلوقيّة، والبزاة الروميّة، والصوالجة النهاونديّة، والثياب المنيّرة
стр. 97
الرازيّة، والأكسية القزوينيّة، والثياب السعيديّة، والحلل اليمانية، والأردية المصريّة، والملاحم الخراسانيّة، والثياب الطاهريّة، والحلل الأندلسيّة، والدرّ العمانيّ، والياقوت السّرنديبيّ، والحرير الصينيّ، والخزّ السوسيّ، والديباج التّستريّ، والبزيون الروميّ، والكتّان المصريّ، والوشي الكوفيّ، والعتّابيّ الأصبهانيّ، ولا علم أن ببلاد المغرب ومصر عجائب لا تكون إلّا بها مثل منارة الإسكندريّة وعمود عين الشمس، والهرمان وجسر أذنة، وقنطرة سنجة، وكنيسة الرّها، وسور أنطاكية، والأبلق الفرد، وبرهوت، وهاروت، والفرس الذي في أقصى المغرب، والأسد الذي بهمذان، والسمكة والثور بنهاوند، وإيوان كسرى بالمدائن، وتخت شبديز في الطاق، وبناء قصر شيرين والدكّان، وأساطين قصر اللصوص، وعجائب رومية، والتمساح بالنيل، والرعّاد والسقنقور، وغير ذلك مما لا يحصى ولا يعدّ. وقالوا: أبعد الناس نجعة في الكسب بصريّ، وحميريّ، ومن دخل فرغانة القصوى، والسوس الأقصى، فلا بدّ أن يرى فيها بصريّا، أو حميريّا على أن أهل إصبهان والخوز معروفون بذلك، ويجد في كلّ بلد منهما صفّا قائما.
وممّا قالوا في التقلّب في البلدان والتباعد في الأطراف قول أبي العتاهية في الرشيد:
ولولا أمير المؤمنين وعدله ... إذا لبغى بعض البلاد على بعض
وسيّارة هادون في الأرض بالهدى ... ليحكم بالإبرام لله والنّقض
لئن كان ذو القرنين أدرك غاية ... لحسبك من هارون ما سار في الأرض
وقال آخر في غزوة خراسان:
وما كان ذو القرنين يبلغ سعيه ... ولا غزو كسرى للهياطلة الجرد
وجوّاب آفاق وطلّاع أنجد ... وطلّاب وتر لا ينام على حقد
وقال آخر في تقلّبه في البلاد:
خليفة الخضر من يربع على وطن ... في بلدة فظهور العيس أوطاني
بالشّأم داري وبغداذ الهوى وطني ... بالرّقمتين وبالفسطاط إخواني
стр. 98
وما أظنّ النّوى ترضى بما صنعت ... حتّى تسافر بي أقصى خراسان
وقال الطائيّ:
إن تراني ترى حساما صقيلا ... مشرفيّا من السّيوف الحداد
ثاني اللّيل ثالث البيد والسّي ... ر نديم النّجوم ترب السّهاد
كلّم الخضر لي يصيّرني بع ... دك عينا على عيار البلاد
ليلة بالشام ثمّت بالأه ... واز يوما وليلة بالسّواد
وطني حيث حطّت العيس رحلي ... وذراعي الوساد وهو مهادي
وقال آخر في شبيه هذا المعنى:
قبّح الله آل برمك إنّي ... صرت من أجلهم أخا أسفار
إن يك ذو القرنين قد مسح الأر ... ض فإنّي موكّل بالعيار
ويقول الشاعر للمعتصم بالله:
تناولت أطراف البلاد بقدرة ... كأنّك فيها تبتغي أثر الخضر
قال: وقد كانت للخلفاء فتوح ولكنّه لم يتّسق لأحد ما اتّسق للمأمون وعبد الملك بن مروان والمعتصم بالله، إلّا أن فتوح المأمون وعبد الملك كانت لمن قصد إلى ملكهما، فبلغا في ذلك ما لم يبلغه أحد في الإسلام من الملوك، وللمعتصم ستّ فتوح عظام جليلة، لم يحارب في واحدة منهن إلّا من قصد المسلمين دون ملكه خاصّة، فمن ذلك: مازيار ملك طبرستان عبد أن غلب وقتل وتمكّن من تلك القلاع والجبال المنيعة والسبل الوعرة حتى ظفر به وقتله، ومن ذلك: بابك كسر العساكر وقلّ الأجناد وقتل القوّاد وأخرب البلاد وملأ القلوب هيبة ومخافة فأخذه أسيرا وقتله وصلبه إلى جنب مازيار، ومن ذلك: فتح عمورية، وهزيمة الطاغية أمير ياطيس صاحب الضّواحي، فأسره وصلبه إلى جنب بابك ومازيار، ومن ذلك: استباحته الزّطّ حتى اجتثّ أصلهم وأباد خضراءهم، بعد أن منعوا بغداذ الميرة، وقتلوا القوّاد، وغلبوا على البلاد، وبعد أن رامهم خليفة بعد
стр. 99
خليفة، ومن ذلك: أمر جعفر الكرديّ وإخافته السبل فظفر به وقتله، ومن ذلك:
ما كان منه في أمر الهند وشقّ الهند كلّه، حتى ظفر من عدد البروج ورؤساء الهند وإبطال المقاتلة وأخرب السواحل على يدي عمر بن الفضل الشيرازيّ.
ثم خليفتنا المعتضد بالله اتّسق له من الفتوح الجليلة العظيمة مثل ذلك فمن ذلك: أسره لهارون الخارجيّ الشاري بعد أن كان قد تغلّب على البلاد ومنع الميرة من جميع الآفاق، ومن ذلك: قصده لآل عبد العزيز بن أبي دلف بناحية الجبل، حتى اجتثّ أصلهم، واستباح حريمهم، ثم ما كان من شأن رافع بن هرثمة وخلعه الطاعة، فحمل رأسه إلى مدينة السلام، ثم أمر محمّد بن زيد العلويّ بطبرستان بعد أن تمكّن من القلاع والحصون التي لا ترام، بعد أن كانت الخطبة قد انقطعت عنهم ثمان وثلاثين سنة بمقامه ومقام الحسن بن زيد، وكان دخول الحسن بن زيد إليها في المحرّم سنة ٢٥٠، وتوفّي في ذي الحجّة سنة ٢٧٠، وصار مكانه أخوة محمّد بن زيد، فقتل ﵀ بجرجان يوم الجمعة لثمان خلون من شعبان سنة ٢٨٧، ومن ذلك: عمرو بن الليث الصفّار وقتله إيّاه، ومن ذلك: فتح آمد وهي أحصن مدينة في بلاد العرب، وإيقاعه بابن الشيخ، وأخذه إيّاه أسيرا، ثم أمر وصيف الخادم وخروجه إليه بنفسه إلى تخوم أرض الروم حتى أوقع به وأخذه أسيرا، ثم قتله وصلبه «١» .
стр. 100
وكان الحسن بن عليّ ﵄ يتمثّل:
من عاذ بالسّيف لاقى فرصة عجبا ... موتا على عجل أو عاش منتصفا
لا تركبوا السّهل إنّ السّهل مفسدة ... لن تدركوا المجد حتّى تركبوا عنفا
وقالوا: ليكن اليقين من أفضل سلاحك، والرضا بالقضاء من أفضل أعوانك والجدّ في طلب الخير من بالك، وأنشد:
فلا تحسبنّ الرّزق بابا سددته ... عليّ ولا أنّي إليك فقير
ففي العيس منجاة وفي الأرض مذهب ... وفي الناس أبدال سواك كثير
وكتب بعضهم إلى أهله من بلاده بعيدة:
كتابي إليكم من بلاد بعيدة ... تجشّمتها كي لا يضرّ بي الفقر
وأنشد:
اصبر لها فالحرّ صبّار ... أو اشكها إن مسّك العار
دائرة دارت على عاقل ... لم يخشها والدّهر دوّار
نبت بك الدار فسر آمنا ... فللفتى حيث انتهى دار
ولبعضهم:
تبدّل بدار غير دارك موطنا ... إذا صعبت فيها عليك المطالب
فما الكرج الدّنيا ولا النّاس قاسم ... وفي غيرها للطالبين مكاسب
وللطائيّ:
وطول مقام المرء في الحيّ مخلق ... لديباجتيه فاغترب تتجدّد
ألم تر أنّ الشّمس زيدت محبّة ... إلى النّاس إذ ليست عليهم بسرمد
وقالوا: العسر في الغربة مع العزّ، خير من اليسر في الوطن مع الذلّ. وقيل لآخر: ما العيش؟ قال: دوران البلدان، ولقاء الإخوان، ومغازلة القيان، ومرافقة
стр. 101
الفتيان، واستماع النغمات من الزير والمثاني.
وقيل لآخر: ما السرور؟ قال: غيبة بعد غنى وأوبة تعقب منى. وقال آخر:
سرى طيفها نحو امرئ متطوّح ... طليح سفار أسفع اللّون شاحب
تراه كنصل السّيف أصدأ صفحة ... مقادمه والنّصل ماضي الضرائب
تغرّب يبغي اليسر ليس لنفسه ... خصوصا ولكن لابن عم وصاحب
وما عذر ذي العشرين والخمس قاعدا ... ولم يبل عذرا في طلاب الرغائب
ومن لا يزل يخشى العواقب لا يزل ... مهينا رهينا في حبال العواقب
وأشفق من اسم التنكّر مقترا ... فلم ينجه إلّا نجاء الركائب
ولعبد الله بن طاهر:
وا سوءتى لامرئ شبيبته ... في عنفوان وماؤها خضل
وهو مقيم بدار مضيعة ... طباعه في اصطناعه الفشل
راض بدون المعاش متّضع ... على تراث الآباء متّكل
لا حفظ الله ذاك من رجل ... ولا رعاه ما حنّت الإبل
كلّا وربّي حتّى يكون فتى ... قد نهكته الأسفار والرّحل
تسمو به همّة منازعة ... وطرفه بالسّهاد مكتحل
نال بلا منّة ولا ضرع ... ولا بوجه تفوته الحيل
إلّا بعض أو مت بشفرته ... كفّ تمطّى بها فتى بطل
حتّى متى يصحب الرّجال ولا ... يصحب يوما لأمّه الهبل
وكان عمرو بن العاص يقول: عليكم بكلّ أمر مزلفة مهلكة، أي عليكم بجسام الأمور.
ولمّا نظر معاوية إلى عسكر أمير المؤمنين ﵇ قال: من طلب عظيما خاطر بعظيمته- يعني برأسه-.
стр. 102
وكان يقال: من سرّه أن يعيش مسرورا فليقتنع، ومن أراد الذكر فليجتهد، ومن أراد أن يعتبر فليغترب. وقالوا: لا ينبغي للعاقل أن يكون إلّا في إحدى منزلتين: إمّا في الغاية القصوى من الدنيا والطلب لها، أو في الغاية والنهاية من الترك لها.
وقال آخر: الدنيا مرعى فمن وجد الكلأ في موضع فليلزمه. ولأبي نواس:
أرى النّفس قد أضحت تتوق إلى مصر ... ومن دونها جوب الحزونة والوعر
وو الله ما أدري أللخفض والغنى ... أساق إليها أم أساق إلى قبري
سأرمي بنفسي عن قريب أمامها ... وأترك قول العاذلين ذوي الزّجر
لأنّ الّذي قد قدّر الله كائن ... ألا إنّما تجري الأمور على قدر
وقال آخر: السلامة إحدى العصمتين، والمرأة الصالحة إحدى الكاسبين، واللبن إحدى اللحمين، والعادة إحدى الطبيعتين، والدعاء للسائل إحدى الصدقتين، وخفّة الظهر أحد اليسارين، والغربة إحدى اللذّتين.
وأنشدني صديق لابن عبدوس الكاتب:
زعم الّذين تشرّقوا وتغرّبوا ... أنّ الغريب وإن أعزّ ذليل
فأجبتهم إنّ الغريب إذا أتّقى ... حيث استقلّ به الركاب جليل
قالوا الغريب يهان قلت تجلّدا ... إنّ الإله بنصره لكفيل
قالوا إذا مات الغريب ببلدة ... أدلي ولم يسمع عليه عويل
قلت الغريب كفاه رحمة ربّه ... وغنى البكاء عن الفقيد قليل
وله أيضا:
يقولون لي لا تغترب قلت إنّني ... إذا ما اتّقيت الله غير غريب
إذا كنت ذا عسر وحال خسيسة ... أمنت شماتات بها لقريب
وإن كنت ذا مال وحال جليلة ... فأحذر أن لا يطلبون عيوبي «١»
стр. 103
القول في مصر والنيل
قال الكلبيّ: سمّيت مصر بمصر بن أينم بن حام بن نوح، وافتتحها عمرو بن العاص، وروي في قول الله : وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ
قال: مصر. قال ابن السّكّيت: سمّيت مصر لأنها الحدّ، وأهل هجر يكتبون في شروطهم اشترى جميع الدار بمصورها أي بحدودها، قال عديّ بن زيد التميميّ:
وصيّر الشّمس مصرا لا خفاء به ... بين النّهار وبين اللّيل قد فصلا
أي حدّا حاجزا. وقال عبد الله بن عمرو: من أراد أن ينظر إلى الفردوس فلينظر إلى مصر حين تحرث. وروي عن الضحّاك بن مزاحم عن ابن مسعود مرفوعا قال: ينادي يوم القيامة مناد من السماء يا أهل مصر فيقولون جميعا أوّلهم وآخرهم: لبّيك، فيقال: إن الله يقول ألم أمنن عليكم بسكنى مصر، وأطعمتكم فيه الخمر «١» والخمير وصيد طير السماء وحيتان البحر والماء العذب؟
فيقولون: بلى ربّنا.
وأرض مصر محدودة أربعين ليلة في مثلها، وكانت منازل الفراعنة وكان اسمها باليونانيّة مقذونية، وطول مصر من الشجرتين اللتين بين رفح والعريش إلى أسوان، وعرضها من برقة إلى أيلة وهي مسيرة أربعين ليلة في أربعين ليلة، ومن بغداذ إلى مصر خمس مائة وسبعون فرسخا، يكون ذلك أميالا ألف وسبع مائة وعشرة أميال «٢» .
стр. 104
قال: وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: البركة عشر بركات، في مصر تسع بركات وفي الأرضين بركة واحدة. والشرّ عشرة أجزاء، بمصر جزء واحد، وفي الأرض كلّها تسعة أجزاء وأما معنى قولهم: عمر مصّر الأمصار فإنه لم يحدث إلّا البصرة والكوفة، وقد تفعل العرب هذا فتسمّي الاثنين باسم الجميع، وقال الحسن: مصّر عمر سبعة أمصار: المدينة، والبحرين، والبصرة، والكوفة، والجزيرة، والشام، ومصر. وقال أبو الخطّاب: لم يذكر الله جلّ وعزّ شيئا من البلدان باسمه في القرآن ما ذكر مصر حين قال: وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ
وقال : اهْبِطُوا مِصْراً
، وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً
وكنّاها فقال : وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ
وسمّاها الله الأرض فقال: وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها
الآية وسمّى الله جلّ وعزّ ملكها العزيز فقال: قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ
وقال:
يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً
وأخبرني شيخ من آل أبي طالب قال: رأيت بمنف من كور مصر دار فرعون، ودرت في مجالسه، ومشارفه وغرفه وصفافه فإذا كلّه حجر واحد منقور، فإن كانوا لا حكوا بينه حتى صار في الملامسة لا يستبين فيه مجمع حجرين، ولا ملتقى صخرتين، فهذا عجب، وإن كان حجرا واحدا فنقرته الرجال بالمناقير حتى تخرّقت فيه تلك المخارق إن هذا لأعجب، والنيل قد سمّاه الله بحرا قال الله: فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِ
واليمّ هاهنا النيل، وهي ذات عيون سفّاحة.
ومن مفاخر أهل مصر مارية القبطيّة أمّ إبراهيم بن رسول الله ﷺ ، وتزوّج خمس عشرة امرأة، وتوفيّ ﷺ عن تسع، وحرّم الله جلّ وعزّ مارية على الرجال بعد أن ولدت إبراهيم من بعد وفاة النبيّ ﵇ كما حرّم سائر نسائه. من مفاخر مصر هاجر أمّ إسماعيل ﷺ الصادق الوعد.
وقال النبيّ ﷺ : «إذا استفتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرا، فإني لهم صهر» .
وقالوا: لو عاش إبراهيم ما ملكت قبطيّة أبدا. قالوا: وأرض مصر محدودة في الكتاب. إنها مسيرة أربعين ليلة في مثلها، وأرض السودان مسيرة سبع سنين، فما فضل عنهم من مائها صار
стр. 105
إلى مصر، وأرض مصر جزء من ستّين جزءا من أرض السودان، وأرض السودان جزء من ستّين جزءا من الأرض.
ومن مفاخر مصر وسكّانها من القبط مؤمن آل فرعون، والسحرة وأصحاب التوبة النصوح، وهاجر، وآسية، وأمّ إبراهيم، وفي نسائهم ملح وهن يشبهن في الحظوة البربريّات، والقبط أحذق في الكمانكيّة «١» واللعب من السند، ومع القبط خفّة عجيبة.
وبمصر جبل المقطّم، ويروى عن كعب أنه قال: جبل مصر مقدّس من القصير إلى اليحموم، وسأل كعب رجلا يريد مصر فقال: أهد لي تربة من سفح مقطّمها، فأتاه بجراب، فلمّا توفّي أمر به ففرش تحت جنبه في قبره. وقالوا: جبل الزمرّد من جبال البجة موصول بالمقطّم، والمقطّم جبل مصر. وقال ابن لهيعة:
سأل المقوقس عمرو بن العاص أن يبيعه سفح المقطّم كلّه بسبعين ألف دينار، فكتب عمرو إلى عمر فقال عمر: سله لم أعطانا بها وهي لا تستنبط، ولا تزرع فقال: إني أجد في الكتب أن فيه غرس الجنّة، فأعلم عمرو عمر ذلك فكتب إليه:
إنّا لا نعلم غراس الجنّة إلّا للمؤمنين، فاقبر فيه من مات من المسلمين، ولا تبعه بشيء، فكان أوّل من قبر فيه رجل من المعافر، يقال له عامر، فقيل عمرت.
ومدينة فسطاط: هي مدينة مصر سمّيت بذلك لأن عمرو بن العاص ضرب فسطاطه بذلك المكان بباب أليون، وسويقة وردان بمصر، وبمصر حائط العجوز على شاطئ النيل، بنته عجوز كانت في أوّل الدهر ذات مال، وكان لها ابن وكان واحدها فقتله السبع فقالت: لأمنعنّ السباع أن ترد النيل، فبنت ذلك الحائط حتى لا تصل السباع إلى النيل، ويقال: إن ذلك الحائط كان طلسما وكان فيه تماثيل، كلّ إقليم على هيئتهم وزيّهم، والدوابّ والسلاح، وكلّ أمّة مصوّرة في طرقها التي تجيء منها، فإذا أراد أهل إقليم غزو مصر وانتهوا إلى تلك الصور انصرفوا، ويقال: بني ذلك ليكون حاجزا بين أهل الصعيد والنوبة، لأنهم كانوا يغيرون على
стр. 106
أهل الصعيد ولا يستعرفون، فبني ذلك من أهل النوبة. وقيل أمر بعض الملوك أفلاطون فبني بناحية مصر ممّا يلي البرّ حائطا طوله ثلاثون فرسخا ما بين الفرما إلى أسوان حاجزا بينهم وبين الحبشة.
وبالفسطاط صورة امرأة من حجر عظيمة قاعدة، على رأسها إجّانة وعلى كلّ واحدة من ركبتيها درجة إلى غرفة، تسمّى أمّ يزيد الخولانيّة.
وقالوا: البطّ ترعى بمصر كما ترعى الغنم، وبها الثعابين وليس هي في بلد غيرها، وإليها حوّل الله عصا موسى، قال الله : فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ
يعني أنه حوّلها ثعبانا. ومن أعاجيب مصر النمس، وليس ذلك لأحد غيرهم، وهي من عجائب الدنيا، وذلك أنها دويبّة متحرّكة كأنها قديرة، فإذا رأت الثعبان دنت منه، فينطوي الثعبان عليها يريد أن يعضّها ويأكلها، فتزفر زفرة تقدّ الثعبان بقطعتين، وربّما قطعته قطعا، ولولا النمس لأكلت الثعابين أهل مصر، وهي هناك أنفع لأهلها من القنافذ لأهل سجستان، وسجستان بلد كثير الأفاعي وفي شروطهم أن لا يقتل لهم قنفذ ولا يصاد. وبمصر أعجوبة أخرى وهي التمساح، لا يكون إلّا في النيل، ويكون في نهر السند مهران «١» ، فإذا عضّ أوغل أسنانه واختلفت، فلم يدع ما أخذه حتى يقطع بأسنانه ما قبض من شيء، وحنكه الأعلى يتحرّك ولا يتحرّك الأسفل، وليس ذلك في غيره من الدوابّ، ولا يعمل الحديد في جلده، وما بين رأسه وذنبه عظم واحد، وليس يلتوي ولا ينقبض لأنه ليس في ظهره خرز، وإذا انقلب لم يستطع أن يتحرّك، وإذا سفد الذكر الأنثى خرج من النيل فيلقيها على ظهرها ثم يأتيها مثل ما يفعل الرجل بالمرأة، فإذا فرغ أقلبها، وإن أقرّها على ظهرها صيدت، لأنها لا تقدر أن تنقلب، وذنب التمساح حاد جدا، فربّما قتل من الضربة، وربّما جرّ الثور إلى نفسه فيأكله، وله بيض مثل بيض الأوزّ، ويبيض ستّين بيضة، وله ستّون فإذا سفد ففي ستّين مرّة، فإذا خرج التمساح من بيضة خرج مثل الحرذون في خلقه وجسمه، فيعظم حتى يكون عشرة أذرع أو
стр. 107
أكثر، وهو يزيد كلّما عاش، وإن أخذ من جانب حنكه الأيمن، أوّل سنّ في الحنك وعلّق على من به حمّى نافض تركته من ساعته، وربّما دخل اللحم في خلال أسنانه فيفتح فاه، وله صديق من الطير يشبّه بالطيطوى، يجيئه حتى يسقط على شدقه فيخلّل بمنقاره ذلك اللحم، فيكون ذلك طعاما للطير، وترفيها للتمساح لأنه ينقّى ما في أسنانه من اللحم ويحرسه هذا الطائر ما دام ينقّى أسنانه فإن رأى صيّادا أو إنسانا يريده. أو ابن عرس فإنه عدوّه أعلمه ذلك وذلك إن ابن عرس يجيء إلى التمساح وهو نائم ويحبّ النوم على شطّ النهر فيستحمّ في الماء ويتمرّغ في الطين ثم ينتفض حتى يقوم شعره في فم التمساح فيقتله قتلا عنيفا أو يأكل ما في جوفه فلذلك الطير يحرس التمساح وإذا رأى ابن عرس مقبلا أنبه التمساح وآذنه فيهرب التمساح إلى الماء وليس هذا بأعجب من الخلد وهي دابّة عمياء فتخرج من جحرها فتفتح فاها فيتساقط الذبّان في فيها وأشداقها ولا تزال تضمّ فاها على الذبّان وتبلعه حتى تشبع ثم تدخل جحرها وليس هذا بأعجب من طائرين يراهما الناس من أدنى حدود البحر من شقّ البصرة إلى غاية البحر من شق السند أحدهما كبير والآخر صغير يقال لأحدهما جوانكرك ويسمّى الآخر جرشي فلا يزال الصغير يرنّق على رأس الكبير ويعبث به ويطوف حوله ويخرج من بين رجليه ويغمّه ويكربه حتى يتّقيه بذرقة فإذا ذرق الجرشي تلقّاه الجوانكرك فلا يخطئ أقصى حلقه حتى كأنه ردى به في بئر فإذا استوفى ذلك الذرق رجع شبعان ريّان بقوت يومه ومضى ذلك الكبير لطيّته وأمرهما مشهور ظاهر، وأعجوبة أخرى وهو إن الدّخس من دوابّ الماء مما يقايس السمك وليس بسمك يعرض للغريق فيدنو منه حتى يضع الغريق يده على ظهره فيسبح والغريق يذهب معه ويستعين بالاتّكاء عليه والتعلّق به حتى ينجّيه، وهو عند البحريّين مشهور، قالوا ومن ادّهن بشحم حرذون ثم ألقى نفسه على التمساح في الماء صاده والحرذون دويّبة تكون بمصر وزبله ينفع من وجع العين ويقاتل العقرب وإذا ظفر بالجدي أكل أذنه، وأهل مصر يعدّون كون التمساح في النيل من غرائب ما عندهم وهو كثير في خلجان سندان والزنج ولكنهم لا يعرفون له هناك هذا الطائر الذي يخلّل أسنانه، وكون التمساح موصول في نيل
стр. 108
مصر بوادي مهران وهو وادي السند ومن هناك أتاه. وبمصر من العجائب الفرس الذي يكون في النيل يأكل التماسيح وغيره من الدوابّ ويربّي هذا الفرس إذا كان فلوا في البيوت مع النساء والصبيان وفي سنّه شفاء من وجع المعدة. والنوبة والحبشة تتعالج به لأنهم يأكلون الأطعمة الغليظة فيشرفون على الموت من وجع المعدة فيأخذون سنّ هذا ويتعالجون به فيبرؤون وأعفاجه تبرئ من الجنون الذي يأخذ في الأهلّة. ومن عجائب النيل دابّة تسمّى ذا القرن تكون في النيل على أنفها مثل السيف الحادّ تقطع الصخرة إذا ضربتها وربّما قتلت به الفيل.
وأهل مصر يعدّون النيل من أحد عجائبهم وذلك أنه مخالف لجميع الأودية التي عليها ضبع العالم وكلّ سرب ومغيض فإنّما استقباله من ناحية الشمال وليس النيل كذلك لأن مجراه من ناحية الجنوب وليست التماسيح في شيء من هذه الأودية المعروفة لا ترى بالفرات ولا دجلة ولا سيحان ولا جيحان ولا نهر بلخ، ولا فيها من الفساد والدواب الخبيثة، وشرب أهل مصر في البواقيل «١» ،
وقال النبيّ ﷺ : «تغور المياه كلّها وترجع إلى أماكنها، إلّا نهر الأردنّ ونيل مصر والحجرات وعرفات ومنا» .
وقال ابن الكلبيّ: إذا طلع العيّوق غارت المياه كلّها ونقصت إلّا نيل مصر، ويمتدّ النيل لسبع من أيّار. وقال عبد الله بن عمرو: نيل مصر سيّد الأنهار، سخّر الله له كلّ نهر بين المشرق والمغرب، فإذا أراد الله أن يجريه أمر كلّ نهر أن يمدّه، فأمدّته الأنهار بمائها، فإذا فجّر الله به الأرض عيونا وانتهى من جريته إلى ما أراد الله، أوحى الله إلى كلّ ماء أن يرجع إلى عنصره، وفي الخبر أربعة أنهار من الجنّة: النيل، والفرات، وسيحان، وجيحان.
وقال بعضهم: النيل يخرج من خلف خطّ الاستواء من بحيرتين يقال لهما بحيرتا النيل، وهو يطيف أرض الحبشة ويجيء فيمرّ بين بحر القلزم- وهو بحر الفرما- وبين المفازة، فيجيء فيصبّ بدمياط، ويخرج إلى البحر الروميّ المغربيّ، ودمياط على البحر الروميّ المغربيّ. وقال أبو الخطّاب: قال المشتري ابن الأسود: غزوت بلاد أنبية عشرين غزاة، من السوس الأقصى، فرأيت النيل بينه وبين البحر الأجاج
стр. 109
كثيب من رمل، يخرج النيل من تحته. وقال بعض الفلاسفة: أقول إنه قد يكون البحر في موضع من بعض المواضع ثم ينضب الماء عنه حتى يصير أرضا يابسة ثم يعود بحرا، والعلّة في ذلك أن قرار الأرض يشبه أجسام الحيوانات والنبات، وأن لها نهاية وغاية بمنزلة الشباب والهرم ينقص ويزيد، فإذا قربته الشمس حينا طويلا حلّلته فارتفع وجفّ ذلك الموضع، فإذا بعدت الشمس هنة رطب ذلك الموضع وندي واجتمعت فيه المياه من الندى والأمطار، ذكروا أن أرض مصر كانت بحرا، وكذلك جميع الأرض عليها فنضب ذلك الماء قليلا، فجفّت تلك المواضع في مدّة من الزمان، فظهر اليبس وغرس فيه الأشجار وزرع فيه الزرع.
ولما فتحت مصر أتى أهلها عمرو بن العاص حين دخل بوونه، فقالوا: أيّها الأمير لنيلنا هذا سنّة لا يجري إلّا بها، قال: وما ذاك؟ قالوا: إذا كان لاثنتي عشرة ليلة تخلوا من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها فأرضيناهما وجعلنا عليها من الحليّ والحلل والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل. قال عمرو:
إن هذا أمر لا يكون أبدا في الإسلام، وإن الإسلام يهدم ما قبله، فهمّوا بالجلاء فلمّا رأى ذلك عمرو كتب إلى عمرو بن الخطّاب، فكتب إليه أنك قد أصبت وأني قد بعثت إليك بطاقة في داخل كتابي هذا- يعني رقعة- فألقها في النيل، فلمّا قدم كتاب عمر على عمرو أخذ البطاقة ففتحها، فإذا فيها من عبد الله عمر إلى نيل مصر أما بعد: فإن كنت إنما تجري من قبلك فلا تجر، وإن كان الله العزيز الغفّار الواحد القهّار هو الذي يجريك فنسأل الله الواحد القهّار أن يجريك، فألقى البطاقة في النيل قبل الصليب بيوم، وقد تهيّأ أهل مصر للجلاء لأنهم لا تقوم مصلحتهم إلّا بالنيل، فأصبحوا يوم الصليب وقد أجراه الله ستّة عشر ذراعا في ليلة واحدة، وقطع الله تلك السنّة عن أهل مصر، وقال ابن الكلبيّ: كتاب عمر إلى نيل هو الطلسم الأكبر.
ومن عجائب مصر: حشيشة يقال لها الدقس، يتّخذ منها حبال للسفن، تسمّى تلك الحبال القرقس، يؤخذ من القرقس قطعة فيشعل بين أيديهم كالشمع، ثم يطفي فيمكث سائر الليل، فإذا احتاجوا إليه أخذوا طرفه فأداروه كالمخراق
стр. 110
فيشتعل. ومن أعاجيب مصر: الشجرة التي تدعى باليونانيّة المومقس، يرى بالليل من بعيد كأنه حريق، فإذا دنا منه الإنسان لم يجد عنده شيئا بتّة. ومن أعاجيب مصر: الرماد الذي يقال له رماد السنط، وهو خشب يوقد نهارهم كلّه، ولو جمع الإنسان ذلك الرماد لما ملأ راحته. ولهم حجارة الواحات، كلّ من تناول منها حجرا فحرّكه فكأنّما يحرّك مقلة نواتها في جوفها، ولهم القراطيس التي لا يشركهم فيها أحد، ولهم دابّة يقال لها الأسقنقور يهيج الجماع إذا أكل، وفيه أعجوبة أخرى وذلك أن ثلاثة من الحيوان للذكر منها أيران: الأسقنقور والورل والضبّ.
ومن مفاخرهم: شراب العسل وهو هناك يختار على الخمر البابليّ للذّته وطيبه وشدّة أخذه، وموضع الأعجوبة فيه أنه يتّخذ في زمان مدود النيل، ويعمل من ذلك الماء الخاثر الكدر، ولو عمل من الصافي لم يخرج على صفاء هذا ولا جودته، ولا تزيده تلك الكدورة إلّا صفاء وحسنا، ولهم البلسان، ودهن الفجل، ودهن الخردل، ولهم الخيش والريش، ولهم أن كلّ واد في الأرض مخالف لواديهم، لأنه يستقبل الشمال وماؤها يجري من الجنوب، وأعجوبة أخرى أنها لا تمطر مطرا، وأعجوبة أخرى أن اسمها مصر، وعلى اسمها سمّيت الأمصار مثل:
الكوفة والبصرة- وإنّما سمّيت البصرة فسطاطا على التشبيه بفسطاط مصر-.
وقال الكلبيّ: كان لفرعون ما بين مصر إلى مغرب الشمس وهي مملكة إفريقية والأندلس، وإنّما هو مثل أرض واسط أربعون في مثلها وأعجوبة أخرى بمصر وهي الأترجّ، ربّما وضع الرجل الأترجّة بينه وبين صاحبه فلا يرى أحدهما الآخر لكبرها، وبمصر من الأعاجيب السمك الرّعاد، ومن صاد منه سمكة لم تزل يده ترعد وتنتفض ما دام في شبكته وشصّه، وليس هذا بأعجب من الجبل الذي بآمد، يراه جميع أهل البلد فيه صدع فمن انتضى سيفه فأولجه فيه ثم قبض على قبيعته بجميع يديه، اضطرب السيف في يديه وارتعد هو ولو كان أشدّ الناس، وفيه أعجوبة أخرى لأنه متى حكّ بهذا الجبل سيف أو سكين حمل ذلك السكّين الحديد، وجذب الأبر والمسالّ بأكثر من جذب المغناطيس، وأعجوبة أخرى أن ذلك الحجر بعينه لا يجذب الحديد، فإن حكّ عليه سكّين أو حدّ به جذب
следующие страницы →