← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11685

البلدان لابن الفقيه

ابن الفقيه

Полный текст (637 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وأشدهم بالدين تمسكا، فمنهم المحدثون والنبل المشهورون والعلماء المتقدمون والعباد المجتهدون. فإن قال قائل: كيف تدفع فارس عن حسن التقية مع قول النبي ﷺ : لو كان الإيمان معلقا «١» بالثريا لنالته رجال من فارس؟ قلنا له: في هذا القول دليل على رغبة الموصوفين في الدين ومسارعتهم إليه وتمسكهم بسنن النبي ﷺ فيه. وإنما هو كقولك: لو كنت في أقاصي البلاد لزرتك، فزيد: لتجشّمت الوصول إليك رغبة في لقائك. وخبر رسول الله ﷺ من الأمر يكون فيما بعد إنّما هو عن الله . ولا خلف لقول الله ولا تبديل. فإذا نحن تطلبنا مصداق هذا القول في أهل فارس لم نجده أولا ولا آخرا، إلّا أن أول أمرهم في الإسلام على ما قد علمت من شدة العداوة للمسلمين ومحاربتهم إياهم حتى قهروا وهزموا وطلبوا ومزقوا، ولم تجد لهم [١٥٧ أ] بعد ذلك رجالا برعوا في العلم وعرفوا بالحفظ للأثر والتفقه في الدين والاجتهاد في العبادة إلّا أن تجد من ذلك الشيء اليسير والنبل المغمور. فإن قال قائل: كان رسول الله ﷺ ، جعله في أهل فارس فكيف جعلته في أهل خراسان؟ قلنا: إن فارس وخراسان كانتا عند العرب شيئا واحدا إلّا أنهما يتحاذّان ويتصلان، لأن لسان أهل خراسان وفارس بالفارسية، فهم يسمون جميعا الفرس. وكذلك المتكلمون بالعربية عند من لا يفصح من الأعاجم، عرب جميعا. قال الشاعر يذكر بلاد فارس: في بلدة لم تصل عكل بها طنبا ... ولا خباء، ولا عكّ وهمدان ولا لجرم ولا الاتلاد من يمن ... لكنها لبني الأحرار أوطان أرض يبنّي بها كسرى مساكنه ... فما بها من بني اللخناء إنسان وروى أبو الجلد عمر بن جيلان قال: الدنيا كلها أربعة وعشرون ألف

стр. 597

فرسخ. فملك السودان، اثنا عشر ألف فرسخ. وملك الروم، ثمانية آلاف فرسخ. وملك فارس، ألفا فرسخ. وأرض العرب ألفا فرسخ «١» . فذكر [فارس] ولم يذكر خراسان، وهي أوسع منها، لأنه جعل المشرق كله من فارس وكذلك الروم. ولم يذكر ما يحاذيها من بلاد العجم جعله كله للروم. وفي الحديث أن رجلا قال لعلي بن أبي طالب ﵁: ٢/١٦٦ غلبتنا هذه الحمراء- يعني العجم- فقال علي ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول ليضربنكم بالسيوف على دين الله إذا غيّرتم وبدّلتم كما ضربتموهم عليه. [١٥٧ ب] . فإذا نحن طلبنا مصداق ذلك في العجم وجدناه في أهل خراسان، لأنهم هم الذين ضاربوا بالسيوف العرب وأهل الشام غضبا لدين الله وإنكارا لسيرة بني أمية حتى ابتزوهم الملك ونقلوه عن الشام إلى العراق. [وروى زيد بن أبي زياد عن إبراهيم بن علقمة] «٢» عن عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ قال: إن أهل بيتي يلقون من بعدي بلاء وتطريدا، حتى يأتي قوم من قبل المشرق ومعهم رايات سود يسألون الحق فلا يعطونه، فيقاتلون فينصرون، فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي فيملؤها قسطا كما ملؤوها جورا. فمن أدرك ذلك منكم فليأتهم ولو حبوا على الثلج. وقرأت في الإنجيل أن المسيح ﵇ قال: بحقّ أقول لكم، ليأتين قوم من المشرق فينكبون بني إبراهيم وإسحاق ويعقوب صلوات الله عليهم في ملكوت السماء، ويخرج بنو المسكونة إلى الظلمة البرّانية حيث يكون البكاء وصرير الأسنان «٣» .

стр. 598

ومما يزيد ما قلناه في فارس وضوحا ان النبي ﷺ كان بعث خنيس بن عبد الله بن حذافة السهمي ٢/١٦٧ إلى كسرى وكتب إليه كتابا بدأ فيه بنفسه. فلما قرأه كسرى غضب ومزّقه وبعث إليه بتراب. فقال النبي ﷺ : مزّق كتابي. أما انه سيمزق دينه وأمته وملكه، وبعث إليّ ترابا. أما إنكم ستملكون أرضه. فكيف يكون البقية الحسنة لمن أعلمنا رسول الله ﷺ أنهم سيمزقون؟ لا جرم إنهم قد خملوا ودرسوا مدارس إلى يومنا هذا. [وهم] «١» أبخع الناس بطاعة سلطان، وأصبرهم على الظلم وأثقلهم خراجا وأذلهم نفوسا. وذكر جماعة من مشايخهم أنهم لم يعرفوا عدلا قط، وإن سيرتهم «٢» عمر بن عبد العزيز شملت البلاد كلّها غير بلدهم، فإن عامله الذي أنفذه إليهم هلك في سيره نحوهم. ويزعم قوم من أهل السواد أنهم من أبناء أشراف فارس. وربما قال بعضهم إنهم قوافل خراسان. وإنما كانوا فإن الله قد [١٥٨ أ] أسبغ عليهم بالعرب النعمة وظاهر لهم الكرامة وأثقب لهم العز وأبدلهم بها () «٣» حالا لا ينكرها غير «٤» منقوص أو حاسد كفور. لأن السواد فتحته العرب عنوة، والإمام مخيّر في العنوة بين القتل والرق والفدية والمنّ، فاختاروا خير الأمور لهم وحقنوا دماءهم ومنّوا عليهم وأقرّوا الأموال في أيديهم. ثم جاوروا السلطان من بني العباس وأولياءه من أهل خراسان، فاستخلصهم

стр. 599

لأموره وجعلهم موضع سرّه واتخذ منهم الكتّاب والوزراء والأصحاب والندماء فصاروا به أسعد من يبذل في التمهيد المهجة والمال. وهؤلاء الذين ذكرناهم، هم المشهورون من الناس. فأما من خفي أمره ودخل في جملة الناس فلا حاجة بنا أن نقص عاليه ولا نذكر أوله وآخره، فنجعله خصما وهو مسلم، ويفتح له بالمثل أولئك الطاعنون على العرب. وقد قال الأول: كفاني نقصا أن أجرّ عداوة ... بقول أرى في غيره متوسعا وذكر علي بن محمد المدائني «١» أن أول فتوح خراسان الطبسين وهما بابا خراسان. فتحهما عبد الله بن بديل بن ورقاء في ولاية عثمان بن عفان. وإياهما عنى مالك بن الريب: لعمري لئن غالت خراسان هامتي ... لقد كنت عن بابي خراسان نائيا دعاني الهوى من أهل ودّي ولحمتي ... بذي الطبسين فالتفتّ ورائيا [ومن الري إلى دامغان ثمانون فرسخا. ومن دامغان إلى نيسابور مثل ذلك] «٢» . فكان من الري إلى نيسابور مائة وستون فرسخا. ولنيسابور قهندز وهي أحد كور خراسان الجليلة، ولها من المدن: زام، وباخرز، وجوين، وبيهق، [ولها اثنا عشر رستاقا، في كل رستاق مائة وستون قرية] «٣» . ومن نيسابور إلى سرخس أربعون «٤» فرسخا. ومن سرخس إلى مرو مدينة خراسان ثلاثون «٥» فرسخا وتسمى مرو الشاهجان. قال:

стр. 600

وأزرت مرو من أيّ السرايا ... وأبقت عبرة للغابرينا وسميت مرو الشاهجان لأنها كانت للملك. ٢/١٦٨ ومعنى هذه الكلمة أنها روح الملك [١٥٨ ب] لأن الشاه، الملك. والجان، الروح. فقيل مزح الروح. وسميت مرو الروذ لأنه لم يكن بها بناء. فبعث إليها كسرى ناسا من أهل السواد عليهم رجل يقال له بهرامية، فبنوها وسكنوها. ولما غلب أردشير على ملك النبط فرأى جمالهم وعقولهم قال: ما أخوفني إن حدث بي حدث أن يعود الملك إلى هؤلاء. ففرض لهم فرضا وبعث منهم بعوثا وأغزاهم خراسان وفرّقهم في البلاد، إلّا من ليست عليه منهم مؤونة «١» من أهل الذلة. فأهل مرو من النبط. وعن قتادة في قول الله تعالى لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها . قال: أم القرى بالحجاز، مكة. وبخراسان، مرو. ولما ملك طهمورث بنى قهندز مرو وبنى مدينة بابل ومدينة ابرايين- وهي بأرض قوم موسى- وبنى مدينة بالهند في رأس جبل يقال له أوق. وأمرت خماني بنت أردشير بن إسفنديار لما ملكت ببناء الحائط الذي حول مرو. ويقال إن طهمورث لمّا بنى قهندز مرو، بناه ألف رجل وأقام لهم سوقا فيها الطعام والشراب. فكان إذا أمسى الرجل أعطي درهما فاشترى طعامه وجميع ما يحتاج إليه، فتعود الألف الدرهم إليه. فلم يخرج في البناء إلّا الألف درهم. وكان بمرو بيت كبير يقال له كي مرزبان. ٢/١٦٩ فإذا ارتفع عن الأرض مقدار قامة، كان محمولا إلى السقف على أربعة صور. وفي جوانبه رجلان وامرأتان. وكانت فيه صورة عجيبة لا يدرى ما هي. فجاء قوم فادعوا أنه لهم وأن أباهم بناه، فنقضوه وأبلغوا بما فيه من الخشب وما كان في صوره من الذهب. وكان بيتا

стр. 601

عجيب الصنعة، فأصابت مرو وقراها في السنة التي هدم فيها جوائح عظام. فزعم أهل مرو أنه كان طلسما للعمران، وأنه لما [زال] «١» نال البلاد ما نالهم. ووفد على بعض الخلفاء رجل من أهل خراسان له عقل ومعرفة، فقال: أخبرني من أصدق أهل خراسان؟ قال: أهل بخارا. قال: فمن أوسعهم بذلا للخبز [والملح] «٢» ؟ قال: أهل الجوزجان. قال: فمن أحسنهم [١٥٩ أ] ضيافة؟ قال: أهل سمرقند. قال: فمن أدقّهم نظرا؟ قال: أهل مرو. قال: فمن أسوأهم طاعة وأذهبهم بنفسه؟ قال: أهل خوارزم. قال: فمن أحسنهم فطنة وأبعدهم غورا؟ قال: أهل مرو الروذ. قال: فمن أصحّهم «٣» عقولا؟ قال: أهل طوس ان رضي أهل نسا. قال: فمن أكثرهم جدلا وشغبا؟ قال: أهل سرخس. قال: فمن أضعفهم رأيا وتدبيرا؟ قال: أهل نيسابور. قال: فمن أقلّهم غيرة؟ قال: أهل هراة. قال: فمن أجهلهم بالخالق؟ قال: أهل بوشنج وبادغيس. قال: فمن أرماهم؟ قال: أهل خوارزم. قال: فمن أبخلهم؟ قال: أهل مرو. وأنشد: مياسير مرو من يجود لضيفكم ... بكرش فقد أمسى نظيرا لحاتم ومن رشّ باب الدار منهم بغرفة ... فقد كملت فيه خصال المكارم يسمون بطن الشاة طاووس عرسهم ... وعند طبيخ اللحم ضرب الجماجم فلا قدّس الرحمن أرضا وبلدة ... طواويسهم فيها بطون البهائم وكان المأمون يقول: استوى الشريف والوضيع من أهل مرو في ثلاثة أشياء: البطيخ البارنك والماء البارد بغير الثلج [يعني ماء اليخ] «٤» والقطن اللين. ٢/١٧٠ وبمرو، الرزيق والماجان: نهران كبيران حسنان منهما سقي أكثر ضياعهم ورساتيقهم. وأنشد لعلي بن الجهم:

стр. 602

جاوز النهرين والنهروانا ... أجلولا يؤمّ أم حلوانا؟ ما أظن النوى يسوّغه القر ... ب ولم تمخض المطيّ البطانا نشطت عقلها هبوب الر ... يح خرقاء تخبط البلدانا أوردتنا حلوان ظهرا وقرمي ... سين ليلا وصبّحت همذانا انظرتنا إذا مررنا بمرو ... ووردنا الرزيق والماجانا أن نحيّي ديار جهم وإد ... ريس ونسأل الإخوانا [١٥٩ ب] قال وحدثني أحمد بن جعفر. حدثني أبو حفص عمر بن مدرك «١» ، قال كنت عند أبي إسحاق الطالقاني يوما بمرو على الرزيق في المسجد الجامع فقال أبو إسحاق: كنا يوما عند ابن المبارك، فانهار القهندز فتناثرت منه جماجم، فتصدعت جمجمة وتناثرت أسنانها، فوزنّا سنّين منها، فكان في كل واحدة منهما منوان بأربعة أرطال. فأتي ابن المبارك بهما، فأقبل يوزنهما بيده ساعة ثم قال: أتيت بسنّين قد رميا ... من الحصن لما أثاروا الدفينا على وزن منوين إحداهما ... ينوء به الكف شيئا رزينا ثلاثون أخرى على قدرها ... تباركت يا أحسن الخالقينا فماذا يقوم لأفواهها ... وما كان يملأ تلك البطونا إذا ما تذكرت أجسامهم ... تصاغرت النفس حتى تهونا ٢/١٧١ وكل على ذاك لاقي الردى ... وبادوا جميعا فهم خامدونا وقال إبراهيم بن الشمّاس الطالقاني: قدمت على عبد الله المبارك من سمرقند إلى مرو، فأخذ بيدي فأخرجني فأطاف بي حول سور مدينة مرو. ثم قال لي: يا

стр. 603

إبراهيم. أتعرف من بنى هذه المدينة؟ قلت: لا أدري يا أبا عبد الرحمن. قال: فمدينة مثل هذه لا يعرف بانيها، وسفيان بن سعيد الثوري مات وليس له كفن واسمه حي إلى يوم القيامة. قال معاذ الترمذي: أربعة من أصحاب رسول الله ﷺ ماتوا بمرو وحواليها: بريدة الأسلمي وبريدة بن الخصيب وحكم الغفاري وقثم بن العباس بن عبد المطلب. وقال البلاذري: خراسان أربعة أرباع «١» . فالربع الأول: إيرانشهر، وهي نيسابور، وقهستان، والطبسين وهراة، وبوشنج، وباذغيس، وطوس- واسمها طابران-. والربع الثاني: مرو الشاهجان، وسرخس، ونسا، وباورد، ومرو الروذ، والطالقان [١٦٠ أ] وخوارزم [وزم] «٢» وآمل- وهما على نهر بلخ- وبخارا. والربع الثالث: وهو غربي النهر وبينه وبين النهر ثمانية فراسخ-: الفارياب، والجوزجان، وطخارستان العليا، [وهي الطالقان، والختّل وهي وخش، والقواديان] «٣» وخست وأندرابة، والباميان، وبغلان، ووالج وهي مدينة مزاحم بن بسطام، ورستاق بنك، وبذخشان وهي مدخل الناس إلى التبت- ومن أندرابة مدخل الناس إلى كابل- والترمذ وهي في شرق بلخ، والصغانيان، وزم، وطخارستان السفلى، وخلم وسمنجان. والربع الرابع: ما وراء النهر بخارا، والشاش، والطراربند، والسغد وهوكس ونسف، والروسيان، واشروسنة، وسنام قلعة المقنّع، وفرغانة، وسمرقند،

стр. 604

[والشم، وأباركت، وبناكت، والترك] «١» . ولسمرقند أربعة أبواب: باب كبير. وباب الصين وباب أسروشنة وباب الحديد. وبين سمرقند وأسروشنة نيف وعشرون «٢» فرسخا. وخجندة متيامنة عن أسروشنة إلى الجبل والباميان إلى ناحية كابل. ومن مرو طريقان: أحدهما إلى الشاش، والآخر إلى بلخ وطخارستان. فمن مرو إلى مدينة بلخ مائة وستة وعشرون فرسخا، وهي اثنان وعشرون منزلا قال الأحوص: تجبى له بلخ ودجلة كلها ... وله الفرات وما سقى والنيل ويقال إن لهراسف بنى مدينة بلخ وعمرها وخرب مدينة بيت المقدس وشرّد من كان بها من اليهود. وقال الضحاك: أسرع الأرض خرابا من المشرق، بلخ. ويقال إن الإسكندر بنى بلخ وقيل إنه مات [فيها] وقد قاتل ملوكا كثيرة وقهرهم وغلبهم غلبات مشهورة وهزم جنودا ذات قوة ووطئ بلدانا كثيرة وكانت مدة عمره اثنين وثلاثين سنة وسبعة أشهر لم يسترح في شيء منها. ويقال إنه ملك الأرض كلها ودانت [له] «٣» سائر ملوكها. وبنى ثلاث «٤» عشرة مدينة وسمّي كلها الاسكندرية. وبعضها قائم إلى اليوم. وقد غيرت بعض [١٦٠ ب] أسمائها. منها الاسكندرية التي بناها على اسم فرسه فقليوس وتفسيره. رأس الثور. ومنها الاسكندرية التي في باورنقوس. ومنها الاسكندرية التي تدعى المحصنة. ومنها الاسكندرية التي بناها في الهند. ومنها الاسكندرية التي في جاليقوس.

стр. 605

ومنها الاسكندرية التي في بلاد السقوياسيس. ومنها الاسكندرية التي على شاطئ النهر الأعظم. ومنها الاسكندرية التي بأرض بابل. ومنها الاسكندرية التي في بلاد السغد وهي سمرقند. ومنها الاسكندرية التي تدعى مرغيلوس وهي مرو. ومنها الاسكندرية التي في مجاري الأنهار بالهند. ومنها الاسكندرية العظمى التي في بلاد مصر. ومنها الاسكندرية التي سميت كوش وهي بلخ. فهذه مدائنه التي بناها، ومات ببابل مسموما. وببلخ، النوبهار، وهو من بناء البرامكة. ٢/١٧٢ قال عمر بن الأزرق الكرماني: كانت البرامكة أهل شرف على وجه الدهر ببلخ قبل ملوك الطوائف. وكان دينهم عبادة الأوثان. فوصفت لهم مكة وحال الكعبة بها وما كانت قريش ومن والاها من العرب تدين به. فاتخذوا بيت النوبهار مضاهاة لبيت الله الحرام. ونصبوا حوله الأصنام وزينوه بالديباج والحرير وعلقوا عليه الجواهر النفيسة. وتفسير النوبهار: الجديد. وكانت سنّتهم إذا بنوا بناء حسنا أو عقدوا طاقا شريفا أن يكلّلوه بالريحان، يتوخّون بذلك أول ريحان يطلع في ذلك الوقت. فلما بنوا ذلك البيت جعلوا عليه أول ما ظهر من الريحان- وكان البهار- فسمّي نوبهار. وكانت العجم تعظّمه وتحج إليه وتهدي له وتلبسه أنواع الثياب وتنصب على قبته الأعلام. وكانوا يسمون قبته الأستن. وكانت مائة ذراع في مثلها، وارتفاعها فوق المائة ذراع بأروقة مستديرة حولها. وكان حول البيت ثلاثمائة وستون مقصورة يسكنها خدّامه [١٦١ أ] وقوّامه وسدنته. وكان على كل أهل مقصورة من تلك المقاصر، خدمة يوم ثم لا يعودون إلى الخدمة حولا. ويقال إن الريح كانت ربّما حملت الحرير من العلم الذي فوق القبة فتلقيها بالترمذ، وبينهما اثنا عشر فرسخا. وكانوا يسمون السادن الأكبر برمكا لأنهم شبّهوا البيت بمكة وقالوا: سادنه برمكة. فكان كل من ولي منهم السدانة يسمى برمكا. وكانت ملوك الهند والصين وكابل شاه وغيرهم من الملوك تدين بذلك الدين

стр. 606

وتحج إلى هذا البيت. وكانت سنّتهم إذا هم وافوه أن يسجدوا للصنم الأكبر ويقبلوا برمك. وكانوا قد جعلوا للبرمك ما حول النوبهار من الأرضين سبعة فراسخ في مثلها. وسائر أهل ذلك الرستاق عبيد له يحكم فيهم بما يريد. وكانوا قد صيروا للبيت وقوفا كثيرة وضياعا عظيمة سوى ما يحمل إليه من الهدايا التي تتجاوز كل حد. وسائر أموال ذلك مصروفة إلى البرمك الذي يكون عليه. فلم يزل برمك بعد برمك إلى أن افتتحت خراسان أيام عثمان بن عفان ﵁. وقد صارت السدانة إلى برمك أبي خالد بن برمك، فسار إلى عثمان بن عفان مع دهاقين كانوا ضمنوا مالا في البلد. ثم إنه رغب في الإسلام فأسلم وسمّي عبد الله ورجع إلى ولده وأهله وبلده فأنكروا عليه إسلامه وجعلوا بعض ولده مكانه برمكا. ٢/١٧٣ فكتب إليه نيزك طرخان- وهو أحد الملوك يعظم ما أتاه من الإسلام ويدعوه إلى الرجوع في دين آبائه. فأجابه برمك: إني إنما دخلت في هذا الدين اختيارا له وعلما بفضله من غير رهبة ولا خوف، ولم أكن لأرجع إلى دين بادي العوار مهتك الأستار. فغضب نيزك وزحف إلى برمك في جمع كثيف. فكتب إليه برمك: قد عرفت حبي للسلامة واني ان استجرت الملوك عليك أنجدوني، فاصرف عني أعنّة خيلك وإلّا حملتني على لقائك. فانصرف عنه. ثم استغرّه وبيّته [١٦١ ب] فقتله وعشرة بنين له، فلم يبق له خلف سوى برمك أبي خالد، فإن أمه هربت به وكان صغيرا إلى بلاد القشمير فنشأ هناك وتعلم النجوم والطب وأنواعا من الحكمة- وهو على دين آبائه-. ثم إن أهل بلده أصابهم طاعون ووباء فتشاءموا بمفارقة دينهم ودخولهم في الإسلام، فكتبوا إلى برمك فقدم عليهم وأجلسوه في مكان أبيه، وتولى أمر النوبهار فسمّي برمكا. فتزوج برمك بنت ملك الصغانيان فولدت له الحسن وبه كان يكنى، وخالدا،

стр. 607

وعمرا، وأم خالد، وسليمان بن برمك من امرأة غيرها من أهل بخارا «١» . وأهدى صاحب بخارا إلى برمك جارية فولدت له كال بن برمك وأم القاسم. وللبرامكة أخبار كثيرة يطول أمرها، وإنما ذكرنا هذا الخبر بسبب بناء النوبهار. وببلخ جيحون وهو نهرهم العظيم، وبينه وبين بلخ اثنا عشر فرسخا. والترمذ على النهر. وبخارا وجبالها وعيونها وأنهارها التي من الجانب الأقصى في الشمال. والمدن التي عن يمين النهر والأنهار الصغار التي في هذه الجبال الشرقية التي من ناحية القبلة ومن ناحية الدبور تصب إلى هذا النهر أعني نهر بلخ. وهو يجيء من ناحية المشرق من موضع يقال له ريوساران وهو جبل متصل بناحية السند والهند وكابل. ومنه عين تجري من موضع يقال له عندميس واسترز من هذا الجبل. ويجتمع بمرو ويجيء إلى مرغاب ثم يمرّ إلى آمويه، ٢/١٧٤ ويشق خوارزم فيصير إلى البحر الخراساني وهو بحر الخزر، ثم يدخل الصين. ونصارى خراسان تميل إلى الثنوية والشمنية، إلّا ان نسطور لما دخلها مالوا إلى مذهبه. وأصل هذا النهر من المشرق عليه معادن البلور وغيره من الأحجار النفيسة وعليه أيضا معدن ذهب جيد. ومن بلخ إلى شط جيحون اثنا عشر «٢» فرسخا. فذات اليمين على الشط كورة خلج ونهر الضرغام. وذات اليسار، مرو وخوارزم واسمها بيل. فهي جانبان على نهر بلخ يشقها جيحون [١٦٢ أ] وآمل وزم وجبال الطالقان وبلنجر والجوزجان وأقاصي قرى بلخ «٣» : سقى مزن السحاب إذا استهلّت ... مصارع فتية بالجوزجان

стр. 608

ويعبر نهر بلخ هذا إلى الترمذ- وهو معها- ويضرب سورها ومدينتها على حجر طريق الصغانيان. ومن الترمذ إلى الراشت، ثمانون فرسخا. والراشت أقصى خراسان من ذلك الوجه. وهي بين جبلين. وكان منها مدخل الترك إلى بلاد الإسلام للغارة عليهم. فعلّق الفضل بن يحيى بن خالد هناك بابا. ومن بلخ إلى طخارستان العليا ثمانية وعشرون فرسخا. وهناك قرية يقال لها قارض. وبالقرب منها قرى بسطام بن سورة بن عامر بن مساور «١» . ولمّا ان أقر ابن عامر قيس بن الهيثم على خراسان، سار قيس إلى مدينة بلخ وقدّم بين يديه عطاء بن السائب فدخلها وخرّب النوبهار. ويقال إن أول من دخل هراة من المسلمين رجل يقال له عطاء، دخل من الباب المعروف بالحسك. فسمي الرجل عطاء الحسك. وحدثني أبو يوسف يعقوب بن إسحاق «٢» . قال: حدثني إبراهيم بن الجنيد عن إبراهيم بن رويم الخوارزمي قال: فيما بين خراسان وأرض الهند نمل أمثال الكلاب السلوقية. وكلبهم عظيم، لا يطاقون، ويحفرون من أماكنهم الذهب ويخرجونه، فأرضهم كلها ذهب وهي شديدة الحرّ، فهم يخافون في أحجرتهم الهاجرة. فيجيء الناس إلى أخذ ذلك الذهب ويعتمدون وقت شدة الحر ودخولهم إلى أماكنهم، فيأخذون ما يقدرون عليه ويبادرون الخروج قبل سكون الحرّ وخروجهم. فإن خرجوا ولحقوا أحدا منهم، أتوا عليه، فيكون معهم اللحم اشقاقا كبارا، فإذا كادوا أن يلحقوهم، طرحوا بعد ذلك اللحم في وجوههم فاشتغلوا به وبادروا هم بالخروج، فإذا بلغوا إلى موضع هو الحدّ لم يخرجوا منه شبرا واحدا في طلسم «٣» .

стр. 609

فأما الطريق «١» من مرو إلى الشاش والترك. فمن مرو إلى كشماهن ثم إلى الديوان [١٦٢ ب] ثم إلى المنصف ثم إلى الاحساء وإلى بئر عثمان ثم إلى آمل: فمن مرو إلى آمل ستة وثلاثون فرسخا. ومن آمل إلى شط نهر بلخ فرسخ ويعبر إلى فربر فرسخ. ٢/١٧٥ ومن آمل إلى بخارا سبعة عشر فرسخا. ولبخارا قهندز ولها من المدن: كرمينية وطواويس وفربر ووردانة وبيكند مدينة التجار. ومن بخارا إلى كول عشرة فراسخ ومما يلي الجنوب من هذا الموضع جبال الصين. ومن بخارا إلى سمرقند سبعة وثلاثون فرسخا. ولسمرقند قهندز. ولها من المدن: الدبوسية وأربنجن وكشان وكس ونسف وخجندة وهي مدينة طيبة كثيرة الخير حسنة. أنشدني رجل من أهلها: ولم أر بلدة بإزاء شرق ... ولا غرب بأنزه من خجنده هي الغراء تعجب من رآها ... وهي بالفارسية دل ببرذه ويقال إن سمرقند من بناء الإسكندر. واستدارة حائطها اثنا عشر فرسخا. وفيها بساتين ومزارع وأرحاء. ولها اثنا عشر بابا. من الباب إلى الباب فرسخ. وعلى أعلى السور آزاج وأبرجة للحرب. والأبواب الاثنا عشر من حديد «٢» . وبين كل بابين منزل للبواب. فإذا جزت المزارع، صرت إلى الربض وفيه أبنية وأسواق. وفي ربضها من المزارع عشرة آلاف جريب. ويدخل المدينة ومساحتها خمسة عشر ألف جريب. ولهذه المدينة [أعني] «٣» الداخلة أربعة أبواب، ومساحتها ألفان وخمسمائة

стр. 610

جريب. ٢/١٧٦ وفيها مسجد جامع، وفيها القهندز وفيه مسكن السلطان. وفي هذه المدينة الداخلة نهر يجري. فأما داخل سور المدينة الكبير ففيه أودية وأنهار وعيون وجبال. وعلى القهندز باب حديد من داخله باب آخر حديد. وفي أخبار ملوك اليمن قالوا: لمّا مات ناشر ينعم الملك، قام بالملك من بعده شمر بن افريقيس بن أبرهة. فجمع جنوده وسار في خمسمائة ألف رجل حتى ورد العراق. فأعطاه كشتاشف بن بخت نصر الطاعة وعلم أن لا طاقة له به لكثرة جنوده وشدة صولته. فسار من العراق قاصدا لبلد الصين. فلما صار إلى بلد الصغد اجتمع أهل تلك البلاد [١٦٣ أ] وتحصنوا منه بمدينة سمرقند فأناخ عليها وأحاط بمن فيها من كل وجه وحاربهم حتى استنزلهم بغير أمان فقتل منهم مقتلة عظيمة، وأمر بالمدينة فهدمت، فسميت من يومئذ شمركند أي شمر هدمها. فعربتها العرب وقالوا سمرقند. وقال في مسيره هذا: أنا شمر أبو كرب اليمانا ... جلبت الخيل من يمن وشام لآتي أعبدا مرقوا علينا ... بأرض الصين من أهل السوام فأحكم في بلادهم بحكم ... وثيق لا يجاوز بالأثام فإن أهلك ولم أرجع إليكم ... فقد هلك الملوك من آل سام بنو مهليل انتجعوا فساحوا ... وخطّوا البيت بالبلد الحرام هو البيت العتيق فعظّموه ... وإن كانت وجوهكم دوام سيملك بعدنا أبنا ملوك ... يدينون العباد بغير ذام ويملك بعدهم ملك كريم ... نبيّ لا يرخّص في الحرام محمد اسمه يا ليت يومي ... تأخّر بعد مخرجه بعام ثم سار حتى قارب الصين فمات هو وأصحابه عطشا فلم يبق منهم مخبر. وكان ملكه سبع سنين. فلم تزل سمرقند خرابا إلى أن ملك تبع الأقرن بن أبي مالك بن ناشر ينعم. فلم تكن له همّة إلّا الطلب بثأر جده شمر الذي هلك بأرض الصين. فتجهّز واستعد وسار في مائة ألف رجل من أبطال قومه. فجاء العراق

стр. 611

فخرج إليه بهمن بن إسفنديار وأعطاه الطاعة وحمل إليه الخراج ثم أقام له الترك في جميع مملكته. وكان طريقه على الأهواز حتى دخل في أرض خراسان فانتهى إلى النهر الأعظم فعبره بالسفن حتى وافى مدينة بخارا فطواها حتى أتى سمرقند وهي خراب فأمر ببنائها وأقام عليها حتى فرغ منها وردها إلى أفضل مما كانت عليه من العمارة. ثم سار منها إلى فرغانة وركب من هناك المفاوز فسار فيها شهرا حتى أتى بلادا واسعة كثيرة المياه والكلأ فابتنى هناك مدينة عظيمة وأسكن فيها ثلاثين من أصحابه ممن لم يستطع السير معه إلى الصين وسماها التبت. فأهلها إلى اليوم لهم زي العرب ولباسهم ولهم فروسية وبأس شديد، قد قهروا جميع من حولهم من أجناس الأتراك. وسار من هناك حتى ورد الصين [١٦٣ ب] فخرج إليه ملكها فحاربه فهزمه الأقرن وقتل خلقا من جنوده وأخرب مدينته وشن في أرضه الغارة، وطلب الملك حتى ظفر [به] «١» فقتله وغنم من أرضه غنائم لم يغنم مثلها أحد ممن كان قبله من الملوك. فيقال إن تلك «٢» المدينة التي سكنها هذا الملك خراب إلى اليوم. وفي ذلك يقول تبع بن الأقرن: أنا تبّع ذو المجد من آل حمير ... ملكنا عباد الله في الزمن الخالي فدانت لنا شرق البلاد وغربها ... وأبنا عليها خير أوب وأنفال ملكناهم قسرا وسارت خيولنا ... إلى الهند بالفرسان حالا على حال ومغرب شمس الله قد وطئت لنا ... قبائل خيل غير نكس وأعزال وسوف تليها بعدنا خير أمة ... ذوو نجدة من خير دين وإفضال يدينون دين الحق لا يسلمونه ... سجود ركوع في غدو وآصال كرام ذوو فضل وعلم ورأفة ... فمن بين زهّاد كرام وأبدال يقر جميع العالمين بفضلهم ... وليسوا عن الحرب العوان بأنكال

стр. 612

ضراغمة بيض كأن وجوههم ... إذا ما بدوا ليلا قناديل ذيّال ثم انصرف بعده إلى أرضه وقد أدرك ثأره. ولما حضر سعيد بن عثمان بن عفان مدينة سمرقند، حلف أن لا يبرح ولا يزول حتى يدخل المدينة ويرمي القهندز بحجر صلحا أو فدية أو عنوة. فصالحهم على سبعمائة ألف درهم وأن يدخل المدينة من باب ويخرج من الآخر، وأن يمر على القهندز وأن يعطوه رهنا من أولاد عظمائهم. فدخل المدينة ورمى القهندز بحجر فثبت فيه فتطيروا لذلك وقالوا: ثبت فيها ملك العرب. وصالح قتيبة بن مسلم أهل سمرقند على أن ما في بيوت النيران وحلية الأصنام. فأخرجت إليه الأصنام فسلب حليّها وأمر بتحريقها فقال سدنتها: إن فيها أصناما من أحرقها هلك. فقال قتيبة: أنا أحرقها [١٦٤ أ] بيدي، وأخذ شعلة من نار فأضرمها فيها، فاضطرمت واحترقت، فوجد بقايا ما كان فيها من مسامير الذهب خمسين ألف مثقال. وسمرقند من بلاد الصغد، ومن ورائها كرمانية ودبوس «١» وأشروسنة والشاش ونخشب وبناكت واستوركث، ابوازكت، سام، سرك، بنكت، تكت، رفكت، وسيج، برنمذ «٢» . هذه كلها من مدن الشاش. وقالوا: ليس في الأرض مدينة أنزه ولا أطيب ولا أحسن مستشرفا من سمرقند. وقد شبّها الحصين بن المنذر الرقاشي فقال: كأنها السماء للخضرة، وقصورها الكواكب للإشراق، ونهرها المجرّة للاعتراض، وسورها الشمس للأطباق.

стр. 613

وسأل المأمون رجلا عن سمرقند فقال: يا أمير المؤمنين، كأن مدينتها دارة القمر، وكأن نهرها المجرة، وكأن ضياعها حولها النجوم. وقال الشعبي: شهدت فتح سمرقند مع قتيبة بن مسلم، فنظر على بعض أبوابها لوحا في الحائط فيه خطوط «١» كأنها عربية وليست عربية.- وكان اللوح من حجر- فتأمله طويلا ثم قال: والله إني لأظنها بعض فعالات حمير. ابغوني رجلا من الجند قريب العهد باليمن وكلام حمير: فبعث إلى عبد الله الحزامي فقال له: أتعرف هذا الخط؟ قال: نعم- أصلح الله الأمير- هذا بخط حمير الذي يقال له المسند. قال: اقرأه. فإذا هو: باسمك اللهمّ. هذا كتاب ملك العرب والعجم شمر يرعش الملك الآثم. من بلغ هذا المكان فهو مثلي، ومن جازه فهو فوقي، ومن قصر عنه فهو دوني. فأبى قتيبة أن لا يرجع حتى يطأ بلاد الصين. وبلغ ذلك ملكها فخاف فبعث إليه بإكليل مفصّل بالياقوت وبجراب من تراب بلده وقال: أبسط هذا التراب وامش عليه، فإذا فعلت فقد برّت يمينك. وضمن له خراجا في كل سنة، فقيل له ذلك منه وأقام. وقال الأصمعي: مكتوب على باب سمرقند بالحميرية: بين هذه المدينة وبين صنعاء ألف فرسخ. وبين بغداد وإفريقية ألف فرسخ. وبين سجستان [١٦٤ ب] وبين البحر مائتا فرسخ. ٢/١٧٧ ومن «٢» سمرقند إلى زامين سبعة عشر فرسخا. وزامين مفرق طريقين إلى الشاش والترك وفرغانة. فمن رامين إلى الشاش خمسة وعشرون فرسخا.

стр. 614

ومن الشاش إلى الفنجهير معدن الفضة سبعة فراسخ وإلى باب الحديد ميلان «١» . ومن الشاش إلى بارجاخ «٢» أربعون فرسخا. وبارجاخ تل حوله ألف عين تجيء من المشرق إلى المغرب وتسمى بركوب آب أي الماء المقلوب صيده تدارج» سود. ومن الشاش إلى أسبيجاب اثنان وعشرون «٤» فرسخا. ومن أسبيجاب إلى موضع ملك كيماك مسيرة ثمانين يوما يحمل فيها الطعام. ومن طراز إلى نوشجان السفلى ثلاثة فراسخ. ومنها إلى كرباس فرسخان «٥» وهي خرمية يشتو بها الخرلخية وبقربها منشأ الخلجية. ثم إلى كول شوب أربعة فراسخ. ثم إلى حل شوب أربعة فراسخ. ثم إلى كولان، قرية غناء ذات مياه وأشجار أربعة فراسخ. ثم إلى بركى، قرية كبيرة أربعة فراسخ. ثم إلى أسبره أربعة فراسخ. ثم إلى نوركث، قرية عظيمة ثمانية فراسخ.

стр. 615

ثم إلى حرجوا «١» أربعة فراسخ. ثم إلى كتوال ثلاثة فراسخ. ثم إلى نوشجان الأعلى خمسة عشر يوما للقوافل على المرعى، وهو حدّ الصين، فأما لبريد الترك فمسيرة ثلاثة أيام. والطريق من زامين إلى فرغانة، ومنها إلى ساباط فرسخان. ٢/١٧٨ وإلى سروشنه سبعة فراسخ. منها فرسخان في سهل وخمسة في استقبال ماء جار من ناحية المدينة. فمن سمرقند إلى سروشنة ستة وعشرين فرسخا. ومن ساباط إلى غلوك ستة فراسخ. ثم إلى خجندة أربعة فراسخ. ثم إلى صامغان خمسة فراسخ. ثم إلى خاجستان أربعة فراسخ. ثم إلى يرمقان سبعة فراسخ. ثم إلى مدينة باب ثلاثة فراسخ. ثم إلى فرغانة أربعة فراسخ. فمن سمرقند إلى فرغانة ثلاثة وخمسون فرسخا. وكان أنوشروان بناها ونقل إليها من كل أهل بيت واحدا وسماها (أز هر خانه) أي من كل بيت واحد. وخجندة من [١٦٥ أ] فرغانة. ثم إلى فنا عشرة فراسخ. وإلى مدينة أوش عشرة فراسخ. وإلى مدينة خورتكين سبعة فراسخ. وإلى العقبة مسيرة يوم وإلى اطباس مسيرة يوم. واطباس هذه مدينة على عقبة مرتفعة. ثم إلى نوشجان الأعلى إلى مدينة خاقان التغزغز مسيرة ثلاثة أشهر في قرى كبار وخصب. وأهلها أتراك فيهم مجوس يعبدون النار وفيهم زنادقة. والملك في مدينة عظيمة لها اثنا عشر بابا حديدا. وأهلها زنادقة. ومن يسارها كيماك وأمامها الصين على ثلاثمائة فرسخ. ولملك التغزغز خيمة [من ذهب] «٢» على أعلى قصره تسع مائة إنسان ترى من خمسة فراسخ.

стр. 616

فأما ملك كيماك ففي خيام يتبع الكلأ. وبين طراز وموضعه مسيرة أحد وثمانين يوما في مفاوز «١» وجبال وأودية فيها الأفاعي وغيرها من الحيوانات القتّالة. والطراز آخر الإسلام من هذا الوجه. وروي عن عبد الله بن عمر قال: رأيت النبي ﷺ يشير بيده إلى المشرق ويقول: إن الفتنة ها هنا حيث تطلع قرن الشيطان. وروي عن عكرمة أنه قال: وقد خرج من خراسان: الحمد لله الذي أخرجنا منها، لتطوى خراسان طيّ الأديم حتى يقوّم الحمار الذي كان فيها بخمسة دراهم بل بخمسين أو بخمسمائة. ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: إن الدجال يخرج من المشرق من أرض يقال لها خراسان يتبعه أقوام كأن وجوههم المجان المطرقة. خراج خراسان «٢» : الذي وظّف على عبد الله بن طاهر من خراج خراسان وللأعمال المضمومة إليها لسنتي إحدى واثنتي عشرة ومائتين: الري، عشرة آلاف ألف درهم. قومس: ألفا ألف ومائة ألف وستة وتسعون ألف درهم. جرجان: عشرة آلاف ألف ومائة ألف وستة وسبعون ألفا وثمانمائة درهم. كرمان: مائة وثمانون فرسخا في مائة وخمسين فرسخا. كانت تجبى للأكاسرة [١٦٥ أ] ستين ألف ألف درهم.

стр. 617

سجستان بعد المنكسر من خراج قرى مورّق والرخج وبلاد الداور وزابلستان- وهي من ثغور طخارستان- وهو تسعمائة ألف وسبعة وأربعون ألف درهم. ستة آلاف ألف ألف وسبعمائة ألف وستة وسبعون ألف درهم. الطبسين: مائة ألف وثلاثة عشر ألفا وثمانمائة وثمانون درهما. قهستان: سبعمائة ألف وسبعة وثمانون ألفا وثمانمائة وثمانون درهما. نيسابور: ألفا ألف وثمانمائة وستون درهما. نسا: ثمانمائة ألف وثلاثة وسبعون ألفا وأربعمائة درهم. أبيورد: سبعمائة ألف درهم. سرخس: ثلاثمائة ألف وسبعة آلاف وأربعمائة وأربعون درهما. مرو الروذ ورستاق بها يقال لها طنج، أربعمائة ألف وعشرون ألف وأربعمائة درهم. الطالقان «١» : أحد وعشرون ألفا وأربعمائة درهم. غرجستان: مائة ألف درهم، ومن الغنم ألفا شاة. باذغيس: أربعمائة ألف وأربعون ألف درهم. هراة وأسفزار واسفذسج «٢» : ألف ألف ومائة ألف وتسعة وخمسون ألف درهم. كور طخارستان: زم: مائة ألف وستة آلاف درهم. الفارياب: خمسة وخمسون ألف درهم.

стр. 618

الجوزجان: مائة ألف وأربعة وخمسون ألف درهم. الختلان: خلم: اثنا عشر ألف درهم. بلخ وشعب خرة وجبالها: مائة ألف وثلاثمائة وتسعون ألفا وثلاثمائة درهم. فيروغس «١» : أربعة آلاف درهم. ترمذ: ألفا درهم. الروب وسمنجان: اثنا عشر ألف وستمائة درهم. الباميان: خمسة آلاف درهم. برخان وجوهرين والمنخان «٢» : مائة ألف وستة آلاف وخمسمائة درهم. الترمذ: سبعة وأربعون ألفا ومائة درهم. القيقان «٣» : ثلاثة آلاف وخمسمائة درهم. شنقان «٤» : أربعة آلاف درهم. وخان «٥» : عشرون ألف درهم.

стр. 619

الميذجان «١» : ألفا درهم. أخرون: اثنان وثلاثون ألف درهم. الكست: عشرة آلاف [١٦٦ أ] ألف درهم. الصغانيان: ثمانية وأربعون ألفا وخمسمائة درهم. باسارا: سبعة آلاف وثلاثمائة درهم. الواشجرد: ألف درهم. العندمين والوخشان «٢» : اثنا عشر ألف رأس وثلاث عشرة دابة. كابل: ألفا ألف وخمسمائة درهم. ومن الوصائف ألفا رأس قيمتها ستمائة ألف درهم. وكابل من ثغور طخارستان ولها من المدن: وأذان وخواش وخشك وحبره «٣» . وبكابل عود ونارجيل وزعفران وهليلج لأنها متاخمة الهند. نسف: تسعون ألف درهم. كس: مائة ألف واثنا عشر ألفا وخمسمائة درهم. البتم: خمسة آلاف درهم. الباكبين «٤» : ستة آلاف ومائتا درهم. رستاق جاوان: سبعة آلاف درهم.

стр. 620

رستاق الديوار «١» : ألفان ومائتان وعشرون درهما. افنه: ثمانية وأربعون ألف درهم. خوارزم: أربعمائة ألف وتسعة وثمانون ألف درهم. آمل: مائتا ألف وثلاثة وتسعون ألفا وأربعمائة درهم. وراء النهر: بخارا: ألف ألف ومائة ألف وتسعة وثمانون ألفا ومائتا درهم غطريفية. السغد وسائر كور نوح بن أسد: ثلاثمائة ألف وستة وعشرون ألفا وأربعمائة درهم. منها على فرغانة، مائتا ألف وثمانون ألفا محمدية. وعلى مدائن الترك ستة وأربعون ألفا وأربعمائة درهم خوارزمية. ومن الكرابيس الغلاظ الكندجية ألف وسبعة وثمانون ثوبا. ومن المرور وصفائح الحديد ألف وثلاثمائة قطعة نصفين. فالجميع ألف ألف واثنان وسبعون ألف درهم محمدية. منها على الصغد والمعدن بالبتم ومعدن الملح بكس ألف ألف وتسعة وثلاثون درهما محمدية. وكس ونسف والبتم من كور السغد. أسروشنة: خمسون ألف ألف درهم. وثمانمائة وأربعون درهم محمدية. الشاش ومعدن الفضة: ستمائة ألف وسبعة آلاف مسيبية. خجندة: مائة ألف درهم مسيبية. فجميع خراج خراسان [١٦٦ ب] وما ضمّ إلى عبد الله بن طاهر من الكور والأعمال: أربعمائة وأربعون ألف ألف وثمانمائة ألف وستة وأربعون ألف درهم. ومن الدواب ثلاثة عشر ألف ألف دابة. ٢/١٧٩ ومن الغنم ألفا شاة. ومن السبي ألفا رأس واثنا عشر رأسا قيمتها ستمائة ألف درهم. ومن المرور وصفائح الحديد ثلاثمائة قطعة نصفين.

стр. 621

القول في الترك روي عن حذيفة أنه قال: تغلب الترك على الكوفة، وتغلب الخزر على الجزيرة، وتغلب الروم على الشام. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: لتخرجن الترك أهل العراق من بلادهم. قال: وكتب عمر ﵁ إلى عماله: إذا أصبتم أحدا من الأتراك فاضربوا عنقه، فإن لهم خرجة بعد المائتين. فإذا خرجوا كانوا أشدّ كلبا على ما في أيديكم مما في أيديهم. ويروى عن النبي ﷺ قال: الترك أول من يسلب أمتي ما خوّلوا. ويروى عن عبد الله بن عباس أنه قال: والله لتكونن الخلافة في ولدي حتى تغلب على عزّهم الحمر الوجوه الذين وجوههم كأنها المجان المطرقة. ويروى عن أبي هريرة أنه قال: لا تقوم الساعة حتى يجيء قوم عراض الوجوه صغار العيون فطس الأنوف حتى يربطوا خيولهم بشاطئ دجلة. ويروى أن معاوية قال: لا تبعثوا الرابضين اتركوهما ما تركوكم: الترك والحبشة. وفي حديث مرفوع قال: قال النبي ﷺ : اتركوا الترك ما تركوكم. وقالوا: لا تضع الشاة بالترك أقل من أربعة، وربما وضعت خمسة أو ستة كما تصنع الكلبة. فأما اثنين وثلاثة فإنما يكون في الفرد وهي كبار جدا ولها ألايا عظام تجرها على الأرض.

стр. 622

قال: وبلدان الأتراك «١» : التغزغز وبلادهم أوسع بلدان الأتراك، حدّهم الصين والتبت والخرلخ والكيماك والغز والجقل «٢» والبجناك والتركش وأركش وخشفاج «٣» وخرخيز، وبها [١٦٧ أ] مسك. وهي من هذا الجانب [من] النهر. فأما مدينة فاراب فإن فيها مسلحة «٤» للمسلمين. والأخرى أتراك الخرلخية. وجميع مدائن الترك ست عشر مدينة. وقال بعض العلماء بالترك: أجناس الترك: الخرلخ: وهم ما يكون إلى ناحية سمرقند. وهم عتاق الترك. والبذكشية: وهم أصحاب اللحى العظام. والغز والتغزغز. والكيماك: وهم الملوك، وهم أوغل في بلادهم وأعزهم عند جميع الترك. والبشناكية والشرية. والتغزغز عرب الترك، وهم أصحاب عمد يحلون ويرحلون. والبذكشية: أصحاب بناء وقرى. قال: بعث هشام بن عبد الملك رجلا إلى ملك الترك يدعوه إلى الإسلام. قال: فدخلت إليه وهو يتخذ سرجا. فقال للترجمان: من هذا؟ قال: رسول ملك العرب. قال: غلامي؟ قال: نعم. فأمر بي إلى بيت كثير اللحم قليل الخبز. فلما كان ذات يوم ركب في عشرة أنفس مع كل واحد منهم لواء وأمر أن أحمل فحملت

стр. 623

على دابة. فصعد تلّا وحول التل غيضة. فلما طلعت الشمس أمر واحدا من أولئك العشرة أن ينشر لواءه ويلح «١» به. ففعل. فوافى عشرة آلاف مدجّج. فقال للترجمان: قل لهذا الرسول يعلم صاحبه أن ليس في هؤلاء حجام ولا إسكاف ولا خياط. فإذا أسلموا من أين يأكلون؟ وآخر خراسان من ناحية الشاش، نوشجان الأعلى. فمن نوشجان إلى مدينة خاقان ملك التغزغز مسيرة ثلاثة أشهر في قرى كبار وخصب وأسواق. وأهلها أتراك وفيهم مجوس يعبدون النار. وفيهم زنادقة على مذهب ماني. والملك في مدينة عظيمة كثيرة الأهل والأسواق ولها ثلاثة [١٦٧ ب] عشر بابا حديدا. وعن يسارها كيماك وأمامها الصين على ثلاثمائة فرسخ. فأمّا ملك كيماك وأصحابه فبادية يتبعون مساقط القطر ويحلون ويرتحلون في طلب الكلأ. وقال علي بن ربن كاتب المازيار: أحصن مدينة بنيت على وجه الأرض، أن ملكا من ملوك الترك أتى سبخة ومستنقع ماء عادي أجاجي في طرف من أطراف سلطانه، فصرف الماء عنه ثم حفر أساسا عرضه أربعون ذراعا. ثم أمر فرفع من قرار الحفر سوران بالآجر والكلس، عرض كل سور عشرة أذرع وبينهما فضاء عرضه عشرون ذراعا. فلما انتهى بالسورين إلى وجه الأرض، طمّ الفضاء الذي بينهما بالرمل، وأقبل بينهما فكلما ارتفعا جعل الرمل في وسطهما حتى جعلهما خمسين ذراعا. ثم بنى في المدينة له ولرعيته من المنازل والقصور وحفر حولها خندقا ثم جرف إليها الماء. فلم تلبث أن عادت بعد سنة أجمة عظيمة من أعظم الآجام، وأودعها أهله ونفيس أمواله فصارت أمنع مدينة بنيت على قلل الجبال أو في قرار الأرض. وإن ملكا من ملوك الترك رامها- والترك أغلب الأمم وأشد احتيالا على نقب المدن والحصون من المواضع البعيدة- فسار إليها ونزل على فراسخ منها، وأمر

стр. 624

نقّابيه أن ينقبوا فنقبوا حتى بلغوها. فلما صاروا إلى الأجمة التي حولها خرج عليهم الماء في النقب. فما زالوا يحتالون فيه وهو مرة يغلبهم ومرة يغلبونه حتى استوى لهم قطعه وظنوا أنهم قد ظفروا بالمدينة. ولمّا أفضوا إلى السور وأخذوا في نقبه. فلما نقبوه خرج عليهم الرمل المنهال. فكانوا لا يخرجون منه شيئا إلّا سال من جوانبه أضعافه. فلما رأوا ذلك علموا أن لا حيلة بهم فانصرفوا خائبين. قالوا: والنعجة تضع في بلاد الترك عدة من السخول في البطن الواحدة. ربما وضعت سبعة وستة وخمسة. فامّا أربعة وثلاثة [١٦٨ أ] ، فجميع مواشيهم على هذا. والترك إذا أرادت أن تحلف رجلا أتت بصنم من نحاس فتنصبه ثم تحضر قصعة فتصيّر فيها ماء ويوضع بين يدي الصنم، ثم يجعل في القصعة قطعة ذهب وكف دخن ويؤتى بسراويل امرأة فيوضع تحت القصة. ثم يقولون: استحلف ان نقضت هذا العهد أو غدرت أو خنت فيصيرك الله امرأة تلبس سراويلها، وسلّط عليك من يقطعك قطعا مثل هذا الدخن، واصفر لونك مثل اصفرار الذهب. ثم يشرب بعد اليمين ذلك الماء. فعلى ما يفعله إنسان منهم يحنث إلّا مات وأصابته بلية. وفي بلادهم السمور والفنك الجيد. وهم أرمى الأمم كلّها بالنشاب. وإذا ولد للرجل منهم ولد، ربّاه ورعاه وعاله وقام بأمره حتى يحتلم. فإذا بلغ الحلم دفع إليه قوسا وسهاما وأخرجه عن منزله وقال له: احتل لنفسك. ثم يصير ولده عنده مثل الغريب الذي لا يعرفه. هذه سنّتهم في أولادهم. ومنهم قوم [يبيعون] «١» بنيهم وبناتهم. وتزويجهم ان جواريهم مكشفات الشعور، فإذا أراد الرجل أن يتزوج نظر إلى التي يريد وألقى على رأسها مقنعة. فإذا فعل ذلك فقد صارت امرأته لا يمنعه عنها والد ولا يدفعها أخ.

стр. 625

وفي بلادهم الختو الجيد، وهو جبهة دابة تصاد في بلدهم. وذكر تميم بن بحر المطوعي أن بلدهم شديد البرد. وإنما يسلك فيه ستة أشهر في السنة، وانه سلك إلى بلاد خاقان التغزغزي على بريد أنفذه خاقان إليه، وانه كان يسير في اليوم والليلة ثلاث سكك بأشد سير وأحثّه. فسار عشرين يوما في براري فيها عيون وكلأ وليس فيها قرية ولا مدينة غير أصحاب السكك وهم نزول في خيام. وانه كان البريد حمل معه زادا لعشرين يوما وذلك أنه عرف أمر تلك المدينة وان مسافتها عشرون يوما في براري فيها عيون وكلأ. ثم سار بعد ذلك [١٦٨ ب] عشرين يوما في قرى متصلة وعمارات كثيرة، أهلها كلّهم أو أكثرهم أتراك. منهم عبدة النيران على مذهب المجوس، ومنهم زنادقة. وإنه بعد هذه الأيام وصل إلى مدينة الملك وذكر أنها مدينة عظيمة خصيبة حولها رساتيق عامرة وقرى متصلة ولها اثنا عشر بابا من حديد مفرطة العظم. قال: وهي كثيرة الأهل والزحام والأسواق والتجارات، والغالب على أهلها مذهب الزنادقة. وذكر أنه حرز ما بعدها إلى بلاد الصين فميّزه ثلاثمائة فرسخ. قال: وأظنه أكثر من ذلك. قال: وعن يمينه مدينة ملك التغزغز، بلاد الترك لا يخالطهم غيرهم. وعن يسارها بلاد كيماك وأمامها بلاد الصين. وذكر أنه نظر قبل وصوله إلى المدينة بخمسة فراسخ إلى خيمة للملك من ذهب على سطح قطره تسع مائة رجل.. وذكر أن خاقان ملك التغزغز كان مخاتنا لملك الصين، وان ملك الصين يحمل إليه في كل سنة خمسمائة ألف فرند «١» . وذكر أن بين النوشجان الأعلى وبين الشاش على طراز، أربعين مرحلة للقوافل، فمن سارها على دابة وكان منفردا قطعها في شهر. قال: ونوشجان الأعلى بها أربع مدن كبار وأربع صغار. وانه حزر المقاتلة

стр. 626

في مدينة واحدة على شط بحيرة هناك فميّزهم نحو عشرين ألف فارس بالسلاح التام. وليس في جميع أجناس الترك أشدّ منهم، وانهم إذا اجتمعوا مع الخرلخية لحرب، كان منهم مائة رجل ومن الخرلخية ألف رجل، وعلى هذا يخرجون في جميع حروبهم. وذكر أن هذه البحيرة شبيهة بالحوض المربع، وأن حولها جبالا شامخة فيها من جميع أصناف الشجر. قال: وهناك رسم مدينة قديمة لم أجد في الأتراك من يعرف خبرها ولا من بناها ولا من كان أهلها ولا متى خربت، وانه نظر فيها إلى نهر يشقها لا يلحق غوره هناك. ورأيت فيه أنواعا من الحيوانات البحرية ما رأيت مثلها. وكذلك رأيت به طيورا لم أر في شيء من البلدان مثلها. قال: وأهل النوشجان وغيرهم بها يقدمون منهم من المدن والقرى يطوفون بها في سنة مرة واحدة في أيام الربيع ويجعلون ذلك عيدا «١» . قال: ويدخلها الماء من ناحية التبت من مائة وخمسين نهرا كبارا وصغارا. وكذلك من ناحية التغزغز والكيماك. وذكر أنه وجد ملك التغزغز حين [ذهب] «٢» إليه معسكرا بالقرب من مدينته وانه حزر جيشه الذي حول سرادقه دون غيرهم فكانوا نحو من اثني عشر ألف رجل. قال: وبعد هؤلاء سبعة عشر قائدا مع كل قائد ثلاثة آلاف. قال: وبين القائد والقائد مصالح من خيام. والقواد ومن معهم من المصالح بأجمعهم محيطون بالعسكر، ولهم في إحاطتهم فرجة يكون مقدارها أربعة أبواب إلى ناحية العسكر. وجميع دواب الملك ودواب الجند ترعى فيما بين سرادق الملك ومواضع القوّاد لا تتخلص منها دابة إلى خارج العسكر. وسألناه عن طريق كيماك من طراز فذكر أن الطريق مسيرة طراز إلى قريتين في موضع يقال له كواكب عامرتين اهلينيتين ومسافتهما من طراز سبعة فراسخ.

стр. 627

ومن هذا الموضع ملك كيماك مسيرة ثمانين يوما للفارس المجدّ يحمل معه زاده. وان جميع ذلك صحارى وبراري ومفاوز واسعة كثيرة الكلأ والعيون. وفيه مراعي الكيماكية. وذكر انه سلك وحده هذه الطريق ووجد ملك كيماك مع عسكره في خيام وبقربه قرى وعمارات وانه ينتقل من موضع إلى موضع يتبع الكلأ. وان دوابهم كثيرة دقيقة الحوافر. وحزر من في عسكره فوجدهم نحو عشرين ألف فارس. وذكر أبو الفضل الواشجردي أن ملك التغزغز غزا ملك الصين مرتين في أيام الرشيد. وقيل ذلك في أيام المهدي [١٦٩ ب] وكانت غزوته ما بين سروشنة إلى سمرقند. وان عامل سمرقند حاربه في عدة وقائع وكانت لهم حروب شديدة. ثم إن صاحب سمرقند رزق النصر عليه فهزمه وقتل خلقا من أصحابه. ويقال إنه كان في ستمائة ألف بين فارس وراجل من أهل الصين. فغنم المسلمون غنيمة عظيمة وأسروا خلقا، فأولادهم الذين بسمرقند يعملون الكاغذ الجيد وأنواع السلاح والآلات التي لا تعمل بمدن خراسان إلّا بسمرقند. ومن عجائب بلد الترك حصى عندهم يستمطرون [به] «١» ما شاءوا من مطر وثلج وبرد وغير ذلك. وأمر هذا الحصى عندهم مشهور مستفيض لا ينكره أحد من الأتراك. وهو عند ملك التغزغز خاصة ليس يوجد عند أحد من ملوكهم غيره. وحدثني أبو عبد الله الحسين بن استاذويه. حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن الحسن. حدثنا هشام بن لهراسب السائب الكلبي عن أبي مليح عن ابن عباس قال: لم يتزوج إبراهيم ﵇ على سارة حتى ماتت فتزوج امرأة من العرب العاربة يقال لها قنطورا بنت مقطور فولدت له مدين ومداين وهو مدين ونيسان واشتق وسرج. فأمر إبراهيم ﵇ أن يضمّ إليه من ولد إسماعيل وإسحاق ومدين ونيسان ويخرج عنه مدين واشتق وسرج. فقالوا له: يا أبانا كيف تستجيز أن تترك عندك إسماعيل وإسحاق ومدين ونيسان في الأمن والدعة وتخرجنا نحن عنك إلى

стр. 628

الغربة والوحشة والوحدة؟ فقال: بذلك أمرت ولكني سأعلمكم اسما من أسماء الله تعالى لتستنصروا به على أعدائكم وتستنزلوا «١» به الغيث إذا أجدبتم. فعلّمهم إياه وخرجوا سائرين حتى نزلوا موضع خراسان فتناسلوا هناك وقهروا بذلك الاسم جميع من ناوأهم. فاتصل خبرهم بالخزر- وهم من ولد يافث بن نوح- فصاروا إليهم وحالفوهم وتزوجوا إليهم وأقام بعضهم عندهم وانصرف الباقون إلى بلدهم [١٧٠ أ] . وحدث أبو العباس عيسى بن محمد بن عيسى المروزي «٢» فقال: لم نزل نسمع في الثغور الخراسانية التي من وراء النهر وغيرها من الكور الموازية لبلاد الترك الكفرة الغزية والتغزغزية والخرلخية وفيهم المملكة ولهم في أنفسهم شأن عظيم ونكاية في الأعداء شديدة، ان من الترك من يستمطر في أسفاره وغيرها فيمطر ويحدث ما يشاء من مطر وبرد وثلج ونحو ذلك. فكنا بين منكر ومصدق حتى رأيت داود بن منصور بن أبي علي الباذغيسي- وكان رجلا صالحا قد تولى خراسان فحمد أمره- وقد خلا بابن ملك الترك الغزية وكان يقال له بالقيق بن حيّويه فقال له: يبلغنا عن الترك أنهم يجلبون المطر والبرد والثلج متى شاءوا فما عندك في ذلك؟ فقال: الترك أذلّ وأحقر عند الله من أن يستطيعوا هذا الأمر. والذي بلغك فهو حق ولكن له خبر أحدثك به. كان بعض أجدادي راغم أباه.- وكان الملك في ذلك العصر- وشذّ عنه واتخذ لنفسه أصحابا من مواليه وغلمانه وغيرهم ممن يحب الصعلكة ومضى سائرا في شرق البلاد يغير على الناس ويصيد ما يظهر له ولأصحابه. فانتهى به المسير إلى بلد ذكر أهله أنه لا منفذ لأحد وراء جبل لهم. فقال لهم: وكيف ذلك؟ قالوا: لأن الشمس تطلع من وراء هذا الجبل وهي قريبة من الأرض جدا فلا تقع على شيء إلّا أحرقته. قال: أفليس هناك ساكن ولا وحش؟ قالوا: بلى. قال: فكيف يتهيأ لهم المقام على ما ذكرتم؟ قالوا: أما الناس فلهم أسراب تحت الأرض وغيران في الجبال، فإذا طلعت الشمس بادروا

стр. 629

إليها فاستكنّوا فيها حتى ترتفع الشمس عنهم. وأما الوحش فإنها تلقط حصى هناك قد ألهمت معرفته، فتأخذ كل وحشية حصاة من ذلك الحصى بفيها وترفع رأسها إلى السماء فتظلها عند ذاك غمامة تحجب بينها وبين الشمس. قال: فقصد جدي تلك الناحية فوجد الأمر على ما بلغه. قال: فلما بدأت الشمس في الطلوع بادرت الوحوش إلى ذلك الحصى فجعلته في أفواهها [١٧٠ ب] ورفعت رؤوسها إلى السماء فأظلتها الغمائم. قال: فحمل هو وأصحابه عليها يكدونها، فلما أدركها اللغوب ألقت ذلك الحصى من أفواهها، فأمر أصحابه بلقطه ليعرفه. ففعلوا وجاءوا به فعرفه وتتبعه هو وأصحابه في تلك البرية فأخذوه وشالوه حيال الشمس فأظلهم الغمام ونجوا من وقع الشمس وحرها. ثم جمعوا منه ما قدروا عليه وحملوه إلى بلادهم. فهم إذا سافروا وأرادوا المطر [حركوا منه شيئا يسيرا فينشأ الغيم فيوافي المطر] «١» وان هم أرادوا الثلج والبرد زادوا فيه فيوافي الثلج والبرد. ويقال إنهم إذا أومأوا إلى جهة من الجهات، مطرت تلك الجهة وأبردت. فهذه قصتهم وليس هذه من حيلتهم ولا قدرتهم ولكنها من قدرة الله تعالى. قال أبو العباس: ثم وردت مدينة الشاش واجتمع إليّ قوم من أهلها لهم افهام ومعرفة وعلم بأحوال الترك فسألتهم فقالوا عندنا من جملة الأمر ما عندك. فأما التفسير الذي ذكر بالقيق فهو أعرف به إذ كان يخرج الحديث عن آبائه. فقال: ولقيت هناك شيخا من الكتاب القدماء يقال له حبيب بن عيسى وكان قد اجتمع اخبار وقائع نوح بن أسد وحروبه مع الترك، وفهم أمور ذلك الصقع، فأخرج إليّ نسخة كتاب من عبد الله بن طاهر إلى نوح بن أسد، وفي آخره «٢» نسخة كتاب المأمون إليه يأمره بالمسألة والبحث عما يتكلم به الترك في الاستمطار. قال

стр. 630

حبيب: فجمع نوح مشايخ البلد ومسلمي الترك فسألهم عن الأمر فلم يختلفوا في أنه حق إلّا أنهم لم يعرفوا العلة فيه. قال أبو العباس: فسمعت إسماعيل بن أحمد أمير خراسان يقول: غزوت الترك في بعض السنين في نحو عشرين ألف رجل من المسلمين فخرج إليّ منهم نحو ستين ألفا في السلاح الشاك فواقعتهم أياما. فإني يوما في قتالهم إذ اجتمع إليّ خلق من غلمان الأتراك وغيرهم من الأتراك المستأمنة فقالوا لي: إن لنا في عسكر الكفرة قرابات وإخوان قد أنذرونا وخوفونا بموافاة [١٧١ أ] فلان- قال: وكان هذا الذي ذكروا عندهم كالكاهن وكانوا يزعمون أنه ينشئ سحاب البرد والثلج وغير ذلك فيقصد بها من يريد إهلاكهم- وقالوا: قد عزم أن يمطر عسكرنا بردا عظاما لا تصيب البردة إنسانا إلّا قتلته. فانتهرتهم وقلت لهم: ما خرج الكفر من قلوبكم بعد، وهل يستطيع هذا أحد من البشر؟ قالوا: قد أنذرناك وأنت أعلم والموعد غداة [غد] «١» عند ارتفاع النهار. قال: فلما كان من الغد وارتفع النهار نشأت سحابة عظيمة هائلة من رأس جبل كنت مستندا بعسكري إليه. ثم لم تزل تنتشر ويزيد أمرها حتى أظلت عسكري كله. فهالني سوادها ومما رأيت منها وما سمعت فيها من الأصوات الهائلة، وعلمت أنها فتنة فنزلت عن دابتي وصليت ركعتين وأهل العسكر يموج بعضهم في بعض لا يشكّون في البلاء. فدعوت الله وعفّرت وجهي في التراب وقلت: اللهم أغثنا إن عبادك يضعفون عن محنتك، وأنا أعلم أن القدرة لك وانه لا يملك الضر والنفع إلّا أنت، إن هذه السحابة إن مطرت علينا كانت فتنة للمسلمين وسطوة للمشركين. فاصرف عنا شرها بحولك وقوتك يا ذا الحول والقوة. قال: فأكثرت [الدعاء] «٢» ووجهي في التراب رغبة ورهبة إلى الله وعلما أنه لا يأتي الخير إلّا من عنده ولا يصرف السوء غيره. فبينا أنا كذلك إذ تبادر إليّ

стр. 631

الغلمان وغيرهم من الجند يبشرون بالسلامة وأخذوا بعضدي ينهضوني من سجدتي ويقولون: انظر، انظر أيها الأمير. ٢/١٨٠ فرفعت رأسي وإذا السحابة قد زالت عن عسكري وقصدت عسكر الترك تمطر عليهم بردا عظاما. وإذا هم يموجون وقد نفرت دوابهم وتقلعت خيمهم وما تقع بردة على واحد منهم إلّا أوهنته أو قتلته. فقال أصحابي: نحمل عليهم. فقلت: لا، لأن عذاب الله أدهى وأمر، فلم يفلت منهم إلّا القليل وتركوا عسكرهم بجميع ما فيه وهربوا. فلما كان من الغد جئنا [١٧١ ب] إلى عسكرهم فوجدنا فيه من الغنائم ما لا يوصف. فحملنا جميع ذلك وحمدنا الله على السلامة وعلمنا أنه هو الذي سهّل لنا ذلك وملكنا إياه والحمد لله رب العالمين. ذكر بعض مدن الأتراك وعجائبها قال سعيد بن الحسن السمرقندي: منهم بادية يحلون ويرتحلون وينتجعون الغيث ويتبعون الكلأ كما تفعل البوادي في بلد الإسلام. وهم لا يدينون لملك ولا يعطون طاعة لأحد. يغير بعضهم على بعض فيسبون الحرم والذراري وربما فارق القوم منهم الحيّ الذي كانوا فيه وصاروا إلى حي آخر ومعهم من حرم أهل ذلك الحي الذين قد صاروا إليه وأولادهم قد استعبدوهم فلا يطالبونهم بهم، وهم ينظرون إليهم عبيدا لهم سنّة فيهم وشيء قد اصطلحوا عليه. ولهم مدن كثيرة في بعضها تجار وأموال وفي جميعها أسواق. فمنها مدينة التغزغز وهي أكبر مدائنهم وأحصنها ولها سور عظيم مبني بالصخر وله خندق دائر به، فيه ماء غزير، وأهلها لهم شدة وإقدام في الحرب وأكثر سلاحهم السيوف. ومن مدنهم أيضا مدينة يقال لها حيوس «١» تقرب من الشاش وهي كبيرة أيضا وأهلها بغير دين وهم شرار خلق الله يغير بعضهم على بعض ويقتل أقدرهم

стр. 632

ضعيفهم ولا يأمن الأخ أخاه ولا الوالد أبناءه. يأكلون جميع الحيوانات. الزنى فيهم ظاهر، يدخل الواحد منهم إلى منزل الآخر فيفترش حرمته وهو ينظر إليه لا يمتعض من ذلك ولا ينكره. وليست لهم شجاعة وفيهم جمال وأكثر رجالهم مؤنثون ويشربون الدم. وفي وسط مدينتهم بحيرة غزيرة الماء إذا مات الواحد منهم ألقي فيها. ومن مدنهم أيضا مدينة يقال لها دي «١» ، لا يقول أهلها بالحرب بل يؤدون الاتاوة إلى كل من غلبت يده عليهم وينكحون كل ما لحقوه من امرأة أو غلام أو حيوان [١٧٢ أ] . ومن مدنهم مدينة يقال لها سور «٢» يقاتل أهلها أهل الشاش وأهل سمرقند، ولهم بأس شديد ونكاية عظيمة ولهم أوصاف يعرفون بها في الحرب ولا تكاد تخطئ. وفي رجالهم جمال وفي نسائهم قبح. وهم ينكرون الزنى ويقتلون من يفعله من الذكر والأنثى. ولهم نبيذ يتخذونه من عقاقير يعرفونها، يسكر الرطل الواحد بالبغدادي منه سكرا مفرطا.

стр. 633

ومن مدنهم مدينة يقال لها جريسم «١» أكثر غارة أهلها على المدينة التي يقال لها سور، وإذا أسروا من أهلها إنسانا قطعوه وطبخوه وأكلوه وهم همج لا يكاد بعضهم يفقه قولا ولا يعرف شيئا. وإذا خلا القوي منهم بالضعيف نكحه ولهم أيضا بأس شديد. ومن مدنهم أيضا مدينة يقال لها اغرس «٢» أهلها قد خالفوا جميع الأتراك باعتدال الطبع وسلامة الناحية. يأكلون لحم أكثر الحيوان بعد الذبح ويعبدون أوثانا لهم. وفيهم علماء بمذهبهم، ولا يرون الزنى ويجتنبون الفواحش، ولهم بيت عبادة مفرط الطول والعرض والارتفاع يزعمون أنه نزل من السماء على هيئته التي هو عليها. ويقولون: إنما نعبد الأوثان لتقربنا إلى الله وتشفع لنا عنده لأنها بغير ذنوب. ولهم ملك منهم. ومن مدنهم مدينة يقال لها كرشيم «٣» يأكل أهلها كلما دبّ على وجه الأرض بغير تذكية ولهم إقدام وصولة. وهم عراة كالبهائم يلقى الرجل المرأة في الطريق فيجامعها والناس ينظرون إليه. وهم أصحاب بيات وأكثر قتالهم بالنشاب المسموم ولا يعطون طاعة لأحد. ومن مدنهم مدينة يقال لها دكس «٤» ، لأهلها بأس شديد وصبر على القتل. وبعضهم شديد الحب لبعض وغنيهم يعود على فقيرهم. ولهم يسار ظاهر من المواشي والخيل وغير ذلك. ومنهم تجار يخرجون إلى بلد الإسلام. ولهم وفاء

стр. 634

بالعهد إذا عاهدوا منهم دون جاره أو من يعرفه من غير بلده، إلّا أن الزنى عندهم غير مستنكر. ومدينتهم كثيرة [١٧٣ أ] الخير غزيرة المياه والبساتين ولهم ضروب من الفاكهة عجيبة لا تعرف في بلد الإسلام. ومنهم مدينة يقال لها كيساه «١» تقرب من بلد الخزر فأهلها يعزون على الخزر، وهم من شر خلق الله، إذا دخل الغريب مدينتهم نكحوه. وإذا وجدوا رجلا مع غلام جعلوا الغلام له أبدا. وفي بلدهم ضرب من الحيوان يأكل الناس يكون في قدر الكلب إلّا أنه شديد الضراوة على الناس قلّ من يفلت منه إذا نظر إليه سريع الخطو يسبق الخيل المضمرة. ولهم نبيذ أبيض طيب الرائحة والطعم. يأكلون الميتة والدم مثل السباع. قليلة رحمتهم، لئام الظفر قباح الوجوه قصار الأجسام. ومن مدنهم مدينة يقال لها داني «٢» رجالها طوال ونساؤها قصار ومدينتهم

стр. 635

بين الخزر والروم فهم يقاتلون هؤلاء وهؤلاء. ولهم قوة على الخزر ولا قوّة على الروم. يأكلون جميع الحيوان ويلحسون جراحاتهم ويقاتلون بالسيوف ولا صبر لهم على النشاب. يتزوج الرجل منهم بمائة امرأة وربما ذبح الواحد منهم امرأته وولده بحضرة أبي المرأة وأمها وإخوتها وأكلها هو وهم. ولهم جبل فيه ضرب من الحيات لا يبلّ سليمها. ولهم عقارب مفرطة العظم كثيرة في منازلهم ليست تنال ربما أكلوها. وعندهم خفاش يكون الواحد منهم مثل الحمامة الكبيرة وأعظم. ومن مدنهم مدينة يقال لها سكوب «١» وأهلها يتكلمون بالسريانية ولهم شجاعة وإقدام ونساؤهم يقاتلن معهم قتالا شديدا. والزنى في نسائهم طبع مركب، تنظر الواحدة منهن إلى الرجل الذي تشتهيه فتقبض عليه ولا يملك شيئا من نفسه وتمضي به إلى جبل بالقرب من المدينة فيه غيران وكهوف فتجعله في بعض تلك الغيران ولا يسهل له الخروج. وتجيؤه بجميع ما يحتاج إليه. ولا يجوز لزوج- إن كان لها- أو أخ أو ولد منعها من ذلك. وكذا الرجل لا يمكنه الخلاص من يدها إن كانت [١٧٤ أ] امرأة أو ولدا وغير ذلك من الأهل. فمتى يأبى عليها قتلته. وكذلك [إن] منعها منه مانع، استنجدت من النساء اللواتي على مذهبها فقاتلن معها حتى يبلغن لها ما تريد لأنهن على مذهب واحد فبعضهن بعضا. فإذا ضجرت منه أو ملّته أو هويت سواه صرفته إلى منزله ثم لم يقدرها غيرها على أن يقتطعه لأنها تمنع من ذلك كان معها أو لم يكن.
следующие страницы →