← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11685

البلدان لابن الفقيه

ابن الفقيه

Полный текст (637 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

ميلين، فبلغه خبر [دخول] الجيش، ٢/١٥٦ فهرب إلى الجبل، إلى موضع يقال له الطاق. وهذا الموضع كان في القديم [١٥١ أ] خزانة لملوك الفرس. وكان أول من اتخذه خزانة، منوجهر، وهو نقب في موضع من جبل صعب السلوك لا يجوزه إلّا الراجل بجهد. وهذا النقب شبيه بالباب الصغير. فإذا دخله الإنسان مشى فيه نحوا من ميل في ظلمة شديدة. ثم يخرج إلى موضع واسع شبيه بالمدينة قد أحاطت بها الجبال من كل جانب، وهي جبال لا يمكن أحد الصعود إلى أقلّها ارتفاعا، ولو استوى له ذلك ما قدر على النزول. وفي هذه «١» الرحبة الواسعة مغائر وكهوف لا يلحق أمد بعضها، وفي وسطها عين غزيرة الماء تنبع من صخرة ويغور ماؤها في صخرة أخرى، بينهما نحو عشرة أذرع، ولا يعرف أحد لما بعد هذا موضعا. وكان في أيام ملوك الفرس، يحفظ هذا النقب رجلان معهما سلّم من حبل يدلّونه من الموضع إذا أراد أحدهما النزول في الدهر الطويل. وعندهما جميع ما يحتاجان إليه لسنين كثيرة. فلم يزل الأمر في هذه النقب وفي هذه الخزانة على ما ذكرنا إلى أن ملك العرب، فحاولوا الصعود إليها فتعذر ذلك، ولم يقدروا عليه إلى أن ولي المازيار طبرستان، فقصد هذا المكان وأقام عليه دهرا حتى استوى صعود رجل من أصحابه إليه. فلما صار إليه دلى حبالا وأصعد قوما فيهم المازيار حتى وقف على ما في تلك الكهوف والمغائر من الأموال والسلاح والكنوز، فوكل بجميع ذلك قيّما من ثقاته وانصرف. فكان الموضع في يده إلى أن أسر ونزل الموكّلون به أو ماتوا، وانقطع السبيل إليه إلى هذه الغاية. وذكر سليمان بن عبد الله أن إلى جانب هذا الطاق شبيها بالدكان، وانه إن صار إليه إنسان فلطخه بعذرة أو بشيء من سائر الأقذار، ارتفعت في الوقت سحابة عظيمة فمطرت عليه حتى تغسله وتنظفه وتزيل ذلك القذر عنه. وان ذلك شهر في

стр. 562

البلد يعرفه أهله ولا يتمارى فيه اثنان من أهل تلك الناحية في صحته، وانه لا يبقى عليه شيء من الأقذار صيفا ولا شتاء [١٥١ ب] . قال: ولما هرب الاصبهبذ إلى الطاق وجّه أبو الخصيب في أثره قوادا وجندا، فلمّا أخبر بهم هرب إلى الديلم وعاش بعد هروبه سنة ثم مات. وأقام أبو الخصيب في البلد ووضع على أهله الخراج والجزية وجعل مقامه بسارية وبنى بها مسجدا جامعا وجعل فيه منبرا، وكذلك بآمل أيضا. وكانت ولايته سنتين «١» وستة أشهر. ثم ولى أبو العباس الطوسي. ثم أبو خزيمة، سنتين. ثم روح بن حاتم، سنتين وستة أشهر. ثم خالد بن برمك، خمس سنين [وعمل بها العجائب وظفر بخزائن ملوك فارس في الطاق وبنت المصمغان] «٢» . ثم عمرو بن العلاء، أربع سنين. ثم سعيد بن دعلج، سنتين. ثم عمرو بن العلاء ثانية، سنتين. ثم تميم بن سنان، ثلاث سنين. ثم يزيد بن سويد، سنة وأربعة أشهر. ثم سعيد الحرشي، ستة أشهر. ثم مقاتل بن صالح، سنة. ثم سلم بن نافع، ستة أشهر. ثم جرير بن سنان، أربع سنين وأربعة أشهر.

стр. 563

ثم سليمان بن داود، أربعة أشهر. ثم هاني بن هاني، سنتين. ثم حميد بن قحطبة، سنة وستة أشهر. ثم مقاتل بن صالح أيضا ثانية، ستة أشهر. ثم إبراهيم بن عثمان ستة أشهر. ثم سعيد بن سلم، ستة أشهر. ثم الجنيد بن دعلج، ستة أشهر. ثم حماد بن عبد العزيز ستة أشهر. ثم المثنى بن الحجاج بن عبد الملك بن القعقاع، ستة أشهر. ثم يحيى بن معاذ، تسعة أشهر ثم موسى بن يحيى، تسعة أشهر. ثم عبد الله بن حازم، سنة وستة أشهر. ثم سعيد الجوهري، سنة. ثم مهرويه، سنتين. ثم عبد الله بن الحرمي، ثلاث أربع سنين. ثم عبد الله بن مالك، أربع سنين. ثم موسى بن جعفر، سنتين. ثم عبد الله بن سعيد، سنتين. ثم عبد الله بن أبي سعد، سنة. ثم محمد بن أخيه، سنة. ثم موسى بن حفص، أربع سنين. ثم محمد بن موسى، سنتين. ٢/١٥٧ ثم طاهر بن الحسين.

стр. 564

ثم عبد الله بن طاهر. ثم طاهر بن عبد الله [١٥٢ أ] . ثم محمد بن طاهر. وكان خليفته عليها سليمان بن عبد الله بن طاهر. فخرج عليه الحسن بن زيد العلوي الحسني في سنة تسع وأربعين ومائتين. فأخرجه عنها وغلب عليها إلى أن مات وقام مكانه أخوه محمد بن زيد «١» . وذكر أبو يزيد بن أبي عتاب «٢» قال: رأيت فيما يرى النائم سنة ثمان وأربعين ومائتين وأنا بمدينة الري، وقد بتنا على فكر من الاختلاف بين القائلين بالسيف وبين أصحاب الامامة. فقال القائل منا: قد قال أمير المؤمنين ﵁: الخير بالسيف والخير مع السيف. فأجابه مجيب: والدين بالسيف، وقد أمر الله نبيه ﷺ أن يقيم الدين بالسيف. ثم تفرّقنا. فلما كان الليل وأخذت مضجعي من النوم، رأيت في منامي كأنّ قائلا يقول: هذا ابن زيد أتاكم ثائرا حردا ... يقيم بالسيف دينا واهي العمد يثور بالشرق في شعبان منتضيا ... سيف النبيّ صفيّ الواحد الصمد فيفتح السهل والأجبال مقتحما ... من الكلار إلى جرجان فالجلد وآملا ثم شالوسا وغيرهما ... إلى الجزائر من رويان فالبلد [ويصرف الخيل عنها بعد ثالثة ... من السنين إلى ٢/١٥٨ الزوراء بالعمد] [فيهدم السور منها ثم ينهبها ... ويقصد الثغر من قزوين بالحرد] ويملك القطر من حرشاء ساكنه ... ما لاح في الجوّ نجم آخر الأبد قال: فورد محمد بن رستم الكاري ومحمد بن شهريار الروياني «٣» ، [من آل معدان] الري في سنة خمسين ومائتين- وكانا يريان السيف- فتطلبا رجلا من

стр. 565

العلوية يجعلانه شيخا مقيما بطبرستان ليدفعا جور سليمان بن عبد الله. فما زالا يطلبان ويلتمسان حتى وقع اختيارهما على الحسن بن زيد الحسني ﵁ فبايعاه في شهر رمضان من هذه السنة، وخرجا يوم الاثنين لسبع بقين من شهر رمضان سنة خمسين ومائتين نحو طبرستان. فخطب الحسن بن زيد يوم الفطر بالكلار والرويان ثم أخرج بعد مديدة يسيرة سليمان بن عبد الله [١٥٢ ب] عن البلد لسوء سيرته. واضطرب أمر آل طاهر بخراسان. واعتلّ الحسن بن زيد، فلما حضرته الوفاة، جعل الأمر من بعده لأخيه محمد بن زيد، فلم يزل عليها حتى دخلت سنة أربع وثمانين، وكان المعتضد كتب إلى عمرو بن الليث الصفار يأمره بالمصير إلى خراسان وأن يطلب رافع بن هرثمة الذي بلغه من معه إلى محمد بن زيد وإنه على أن يبيض «١» . فصار إلى خراسان ولقي رافع بن هرثمة فأوقع به وهزمه وأخذه قريبا من خوارزم فقتله وحمل رأسه إلى مدينة السلام ٢/١٥٩ وصفت خراسان للصفار. فلما كان في سنة خمس وثمانين ومائتين، كتب المعتضد إلى الصفار يأمره بطلب إسماعيل بن أحمد ويقول في كتابه أن قد وليتك [ما] إليه من العمل. وكتب إلى إسماعيل بمثل ذلك. فسار كل منهما إلى صاحبه والتقوا بناحية نسا وأبيورد فقتل بينهما خلق كثير وانصرف كل منهما إلى بلده. حتى إذا دخلت سنة سبع وثمانين ومائتين سار إسماعيل بن أحمد نحو الصفار وعبر النهر يريده- والصفار في زهاء مائة ألف رجل مقيم بمدينة بلخ- فنزل إسماعيل على باب المدينة وحاصره فيها. فلما أجهده الحصار وضاقت عليه وعلى أصحابه الميرة والعلوفة، خرج إليه، فلما التقيا انهزمت خيل الصفار، وأخذ الصفار أسيرا مع جماعة من وجوه قوّاده فحمل إلى مدينة سمرقند وحبس هناك [ثم بعث إلى بغداد] . واتصل الخبر بمحمد بن زيد وهو بطبرستان، فطمع في جرجان وسار نحوها ونزل عليها. فردّ إليه إسماعيل رجلا من قواده يعرف بمحمد بن هارون فواقعه على

стр. 566

باب مدينة جرجان فهزمه وقتل خلقا من أصحابه، ووجد محمد بن زيد قتيلا وأسر ابنه زيد، [وذلك يوم الجمعة لخمس خلون من شوال سنة ٢٨٧] «١» ، ولم يردّ أصحابه من الهزيمة شيء حتى وافوا طبرستان فلما اجتمعوا بها تشاوروا واتفق رأيهم على أن يجعلوا الأمر للمهدي بن زيد بن محمد- وهو يومئذ صبي لم يبلغ [١٥٣ أ] وعملوا أن يفعلوا ذلك يوم الجمعة ونادوا في الناس أن يجتمعوا للبيعة. وكان في القوّاد رجل «٢» يعرف بالزرّاد قد طابقهم على ما أجمعوا عليه. فلما قربوا من باب المسجد، نشر الزراد أعلاما سودا ووضع في أصحاب محمد بن زيد السيف فقتل منهم خلقا وخطب للمعتضد بالله على منابر طبرستان وذلك في ذي القعدة سنة سبع وثمانين ومائتين. فكان بين أول ولايتهم إلى أن خرجت عنهم سبع وعشرون «٣» سنة. قالوا: ومن عجائب طبرستان دويبة سوداء برّاقة ٢/١٦٠ تظهر في أيام العنب فقط وتكون في عناقيده قدرها دون الخنصر طولا وفوق الخيط الدقيق جسما، فيها خطوط بيض يسميها الناس ذات ألف قائمة، ولها قوائم دقاق قصار نابتة على بطنها في صفوف فإذا تحركت فكأنها أمواج [تضطرب] وتذكر النساء ان من شربت منها شيئا منعها عن الحبل. وبطبرستان أيضا دابة في عظم الثعلب لها شعر كشعر الدلق وجناحان لاصقان بها كأجنحة الخفاش ولها أنياب وطعامها الثمر تطير من شجرة إلى شجرة كما يطير الطائر. قال: وأخبرني سليمان بن يحيى أنه رأى ثعلبا حمل من خراسان إلى المتوكل، له جناحان يطير بهما. قال علي بن ربن «٤» كاتب المازيار كان بطبرستان طائر يسمونه كنكر يظهر

стр. 567

أيام الربيع، فإذا ظهر تبعه جنس من العصافير موشّاة الريش، فيخدمه كل يوم. واحد منها نهاره أجمع، يجيئه بالغذاء ويزقّه به. فإذا كان في آخر النهار وثب على ذلك العصفور «١» فأكله. حتى إذا أصبح وصاح، جاءه آخر من تلك العصافير فكان معه على ما ذكرنا، فإذا أمسى أكله. فلا يزال على هذا مدة أيام الربيع. فإذا زال الربيع، فقد هو وسائر أشكاله، وكذلك أيضا ذلك الجنس من العصافير فلا يرى شيء من الجميع إلى قابل في ذلك الوقت. وهو طائر في قدر الفاختة وذنبه مثل ذنب الببغاء وفي منسره تعقيف. وقد يفعل هذا البوم أيضا في الجمال فإنهن يتعلقن بغصن من أغصان الشجر ثم يصوّتن [١٥٣ ب] صوتا تعرفه العصافير- وفي طبع العصافير معاداة البوم- فإذا سمعن ذلك الصوت اجتمعن ولا يزلن يرفرفرن على البوم، فكلما أمكنه شيء منهن وثب فأخذ وهن لا يبرحن من الترفرف عليه حتى يأخذ منهن ما يريد. فإذا اكتفى طار. قال: ووجه المنصور خالد بن برمك إلى طبرستان لمحاربة الاصبهبذ والمصمغان. وكانت الأكاسرة أيام هربهم من العراق إلى مرو وقتل يزدجرد، أودعوا جبل طبرستان نفيس أموالهم لصعوبته وشدّة مسلكه وصيروا ذلك في القلاع. فلما وافى خالد بن برمك الجبل وملك قلاعه، وجد فيها من الجواهر والتيجان والمناطق والسيوف المكلّلة بالدر والياقوت والزمرّد ما لا قيمة له، وظفر من ذلك أهل البلد شيء كثير، فعظم ذلك وكبر خالد في نفوسهم، لأنه فتح هذا الفتح الجليل ما كانوا يصورونه على تراسهم ويصورون المجانيق التي كان يرميهم بها. فأمّا الاصبهبذ لما دام الحصار عليه شرب السم وسقاه جميع حرمه فمات وماتوا. وأما المصمغان فخرج ومعه نساؤه وسائر حرمه إلى خالد وجلس وأجلسهم

стр. 568

حوله على التراب. فرّق له خالد وأجلسه على البساط وبعث به وسائر حرمه وبناته إلى المنصور. وكان له عدة بنات- وأمهنّ بنت الاصبهبذ- فصارت واحدة منهن إلى إسماعيل بن علي وأخرى إلى المهدي وأخرى إلى العباس بن محمد، فولدت له إبراهيم بن العباس. وكانت شكلة أم إبراهيم بن المهدي [فصارت إلى عبد الصمد بن علي] «١» ثم صارت إلى المهدي فولدت له إبراهيم. وكان يسار بين يدي خالد وهو بطبرستان بعدة ألوية وهو الذي بنى المنصورة واتخذ بها سوقا ومسجدا جامعا.

стр. 569

٢/١٢٦ القول في آذربيجان قال ابن المقفّع «١» : آذربيجان آذرباذ بن إيران بن الأسود بن سام بن نوح، ويقال آذرباذ بن بيوراسف، وافتتحها المغيرة بن شعبة في سنة ٢٢ عنوة، ووضع عليها الخراج. وأخبرني واقد أن العرب لمّا نزلت آذربيجان نزعت إليها عشائرها من المصريّين والشاميّين، وغلب كلّ قوم على ما أمكنهم، فصار أهلها مزارعين لهم، فكانت ورثان منظرة، فبناها مروان بن محمّد بن مروان بن الحكم، وأحيا أرضها وحصّنها فصارت ضيعة، ثم قبضت عن بني أميّة، فصارت لأمّ جعفر زبيدة بنت جعفر بن المنصور، وكان الورثانيّ من مواليها، وكانت برزند قرية فعسكر بها الأفشين أيّام محاربته بابك فحصّنها وبناها، وكانت المراغة تدعى أفرازهروذ، وكانت موضع متمرّغ لدوابّ ٢/١٢٧ مروان بن محمّد والي أرمينية ودوابّ أصحابه، فكانوا يسمّونها قرية المراغة، ثم حذف الناس قرية فقالوا المراغة، وكان أهلها ألجئوها إلى مروان فقبضت مع ضياع بني أميّة، وصارت لبعض بنات الرشيد، فلمّا عاث الوجناء الأزديّ وصدقة بن عليّ مولى الأزد وأفسدوا، ولّي خزيمة بن خازم أرمينية وآذربيجان في خلافة الرشيد، فبنى سورها وحصّنها ومصّرها وأنزلها جندا كثيفا، فلمّا ظهر بابك بأرمينية لجأ الناس إليها فنزلوها وتحصّنوا بها، وأما مرند فكانت قرية صغيرة فحصّنها أبو البعيث، ثم حصّنها البعيث، ثم من بعده محمّد ابنه، وبنى بها قصرا.

стр. 570

وأما أرمية فمدينة قديمة يزعم المجوس أن زردشت صاحبهم منها، وكان صدقة بن عليّ مولى الأزد غلب عليها وبنى بها قصورا، وأما تبريز فنزلها الرّوّاد الأزديّ ثم الوجناء بن الروّاد، وبنوا بها وحصّنوها بسور فنزلها الناس معه، وأما الميانج وجيلبايا فمنازل الهمدانيّين، وأما كورة برزة فللأوديّين، وأما نريز فكانت قرية لها قصر قديم متشعّث، فنزلها مرّ بن عمرو الموصليّ الطائيّ، فبنى بها وسكنها وولده، فصاروا يتولّونه دون عامل آذربيجان، وأما سراة ففيها جماعة من كندة من ولد من كان مع الأشعث بن قيس. وروى مكحول الشاميّ قال: أسرع الأرض خرابا أرمينية، قيل: وما يخربها؟ قال: سنابك الخيل كأني ٢/١٢٨ أنظر إلى خلاخيل نساء قيس تضطرب فدار فيها الخيل. وحدّ آذربيجان من حدّ برذعة إلى حدّ زنجان، ومن مدنها: بركري، وسلماس، وموقان، وخويّ، وورثان، والبيلقان، والمراغة، ونريز، وتبريز، ويتّصل الحدّ الثاني من الجانب الشرقيّ ببلاد الديلم، والطّرم، وجيلان، ومن مدنهم: برزة، وسابرخاست، والخونج، والميانج، ومرند، وخويّ وكولسره، وبرزند، وكانت خرابا فمدّنها الأفشين ونزلها، والطريق من برزند إلى ورثان وهي آخر عمل آذربيجان اثنا عشر فرسخا، ومنها: جنزة، وجابروان، وأرمية مدينة زردشت، والشيز وبها بيت نار آذرجشنس، وهو عظيم القدر عند المجوس، ورستاق السّلق، ورستاق سندبايا، والبذّ، ورستاق ما ينهرج، ورساتيق أرم، وخراج آذربيجان ألفا ألف درهم، وورثان آخر عمل آذربيجان من ذلك الوجه .

стр. 571

٢/١٢٩ القول في أرمينية قال أبو المنذر هشام بن محمّد بن السائب الكلبيّ: سمّيت أرمينية بأرميني بن لنطى وهو ابن يونان بن يافث. وحدّ أرمينية من برذعة إلى الباب والأبواب، وإلى حدّ الروم من ذلك الوجه، وإلى جبل القبق وملك السّرير وملك اللّكز. ومن آخر عمل آذربيجان وهو ورثان إلى أوّل عمل أرمينية ثمان سكك، ومن برذعة إلى تفليس عشر سكك، وأرمينية الأولى هي السّيجان، وأرّان، وتفليس. وافتتحها حبيب بن مسلمة ومنها برذعة وبناها قباذ الأكبر، وبنى الباب والأبواب وبناها قصورا، وإنما سمّيت أبوابا لأنها بنيت على طرق في الجبل، وهي ثلاثمائة وستّون قصرا إلى باب اللّان مائة قصر، وعشرة قصور في أيدي المسلمين إلى أرض طبرستان، وباقي القصور في أرض فيلان. وصاحب السرير إلى باب اللّان «١» . ٢/١٣٠ ومن أرمينية الأولى: البيلقان وقبلة وشروان، وأرمينية الثانية: جرزان وصغدبيل وباب فيروز قباذ واللّكز، وأرمينية الثالثة: البسفرّجان ودبيل وسراج طير وبغروند والنّشوى، وأرمينية الرابعة: وفيها قبر صفوان بن المعطّل السّلميّ صاحب رسول الله ﷺ بينها وبين حصن زياد، عليه شجرة لا يعرف ما هي، حملها يشبه اللوز وطعمه أطيب من الشهد، شمشاط، وخلاط، وقاليقلا، وأرجيش،

стр. 572

وباجنيس، وكانت كور أرّان والسيجان في مملكة الخزر. وفي قصّة موسى: أرأيت إذ أوينا إلى الصّخرة قال: الصخرة صخرة شروان والبحر بحر جيلان والقرية باجروان. وبنى قباذ مدينة البيلقان أيضا، ومدينة برذعة، ومدينة قبلة، وبنى سدّ اللبن، وبنى على سدّ اللبن ثلاثمائة وستّين مدينة، خربت بعد بناء الباب والأبواب ثم ملك بعده ابنه كسرى أنوشروان فبنى مدينة الشابران، ومدينة مسقط، ومدينة كركرة، ثم بنى مدينة الباب والأبواب، وإنما سمّيت أبوابا لأنها بنيت على طرق في الجبل، وبنى بأرض ٢/١٣١ أرّان أبواب شكّى، وأبواب الدّودانيّة، وهم أمّة يزعمون أنهم من بني دودان بن أسد بن خزيمة، وبنى الدّرزوقيّة وهي اثنا عشر بابا، كلّ باب منها فيه قصر من حجارة، وبنى بأرض جرزان مدينة يقال لها سغدبيل، وأنزلها قوما من السغد وأبناء فارس، وجعلها مسلحة، وبنى باب اللان، وباب سمسخي، وبنى قلعة الجردمان، وقلعة شمشلدى، وبنى بلنجر وسمندر وخزران، وشكّى، وفتح جميع البلاد ما كان في أيدي الروم، وعمر مدينة دبيل وحصّنها، وبنى مدينة النّشوى وهي مدينة كورة البسفرّجان، وبنى حصن ويص وقلاعا بأرض السيسجان منها قلعة الكلاب وشاهبوش وأسنها من سياسيجيّته ذوي البأس والنجدة، وبنى الحائط بينه وبين الخزر بالصخر والرصاص وعرضه ثلاثمائة ذراع، حتى ألحقه برءوس الجبال، ثم قاده في البحر وجعل عليه أبواب حديد، فكان يحرسه مائة رجل بعد أن كان يحتاج إلى خمسين ألف رجل. وفي أخبار الفرس أن أنوشروان لمّا فرغ من سدّ ثغر بلنجر، وفنّد الفند في البحر وأحكمه، سرّ بذلك سرورا شديدا، فأمر أن ينصب له على الفند سرير من ذهب، ثم رقي إليه فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا ربّ الأرباب ألهمتني سدّ هذا الثغر وقمع العدوّ، فلك الحمد فأحسن مثوبتي، وردّ غربتي إلى وطني، ثم ركع وسجد، ثم استوى واستلقى على فراشه، وأغفي إغفاءة، فطلع طالع من البحر سدّ الأفق لطوله، وارتفعت معه غمامة سترت الضوء، ٢/١٣٢ وأهوى نحو الفند فبادر الأساورة إلى قسيّهم، وانتبه الملك فزعا فقال: ما شأنكم؟ فقيل له فقال: أمسكوا

стр. 573

عن سلاحكم فلم يكن الله جلّ وعزّ ليلهمني الشخوص عن وطني اثني عشر حولا حتى أسدّ ثغرا يكون مرفقا لعباده وراحة لأهل إقليمه، ثم يسلّط عليّ بهيمة من بهائم البحر، فتنحّى الأساورة وأقبل الطالع نحو الفند حتى علاه ثم قال: أيّها الملك أنا ساكن من سكّان هذا البحر، وقد رأيت هذا الثغر مسدودا سبع مرّات، وخرابا سبع مرّات، وأوحى الله جلّ وعزّ إلينا معاشر سكّان البحر أن ملكا عصره عصرك وصورته صورتك يبعثه الله لسدّ هذا الثغر، فيسدّه إلى الأبد، وأنت ذلك الملك، فأحسن الله مثوبتك، وعلى البرّ معونتك، وأطال مدّتك، وسكّن يوم الفزع الأكبر روعتك، ثم غاص في البحر. وكذلك بنى مدينة شروان، فأما بلنجر داخل أرض الخزر فبناها بلنجر بن يافث. ولمّا فرغ أنوشروان من الفند الذي في البحر سأل عن ذلك البحر فقيل: أيّها الملك هذا البحر يسمّى بكردبيل، وهو ثلاثمائة فرسخ في مثله، وبيننا وبين بيضاء الخزر مسيرة أربعة أشهر على هذا الساحل، ومن بيضاء الخزر إلى السدّ الذي سدّه إسفنديار بالحديد مسيرة شهرين، قال أنوشروان: لا بدّ من الوقوف عليه، قالوا: فليس إليه طريق يسلك، وفيه موضع يقال له دهان شير، وفيه ٢/١٣٣ دردور «١» لا يطمع فيه، ولا في سلوكه، ولا تنجو سفينة منه، فقال: لا بدّ من ركوبه والإشراف على هذا الدردور والنظر إلى هذا السدّ، فقالوا: أيّها الملك اتّق الله في نفسك ومن معك، فأبى وقال: إن الذي نجّاني من الخارج علينا من البحر لقادر أن ينجّينا من دردوره، فهيّئت له سفن وركب معه عدّة من الزهّاد والعبّاد، ولجّجوا في البحر أيّاما، حتى إذا وافوا موضع الدردور بقوا متحيّرين لا يرون علما يجعلوه منارا لهم، ولا جبلا يقيموه إمارة لمنصرفهم، فرجعوا على الملك باللوم، فقال أنوشروان: أخلصوا لله نيّاتكم واضرعوا إليه وابتهلوا إلى الله ، ونذر أنوشروان لئن نجّاه الله ليصدّقنّ خراج سبع سنين في أهل الفاقة من مملكته، فبينما هم كذلك إذ رفعت لهم جزيرة تعلوه الأمواج وفوق الجزيرة تمثال أسد في عظم

стр. 574

جبل، يدخل الماء في مؤخّره، وينحطّ من فيه إلى ذلك الدردور، فبينا هم كذلك إذ بعث الله جلّ وعزّ بقرش- سمكة أعظم من التنّين- ينساب على الماء، فطفرت في فم الأسد وسكن الدردور ونفذت السفن حتى وصل إلى ما أراد، وانصرف إلى جرجان وقضى نذره. وذكر أحمد بن واضح الأصبهانيّ أنه أطال المقام ببلاد أرمينية، وأنه كتب لعدّة من ملوكها وعمّالها، ٢/١٣٤ وأنه لم ير بلدا أكثر خيرا، ولا أعظم حيوانا منها، وذكر أن عدّة ممالكها مائة وثلاث عشرة مملكة، منها: مملكة صاحب السرير بين اللان وباب الأبواب، وليس إليها إلّا مسلكان: مسلك إلى بلاد الخزر، ومسلك إلى بلاد أرمينية، وهي ثمانية عشر ألف قرية، وأرّان أوّل مملكة بأرمينية فيها أربعة آلاف قرية، وأكثرها قرى صاحب السرير. [وباب الأبواب أفواه شعاب في جبل القبق، فيها حصون كثيرة منها: باب صول، وباب اللان، وباب الشابران، وباب لازقة، وباب بارقة، وباب سمسجن، وباب صاحب السرير، وباب فيلانشاه، وباب طارونان، وباب طبرسران شاه، وباب إيران شاه. وكان السبب في بناء باب الأبواب على ما حدّث به أبو العباس الطوسي «١» قال: هاجت الخزر مرة في أيام المنصور فقال لنا: أتدرون كيف بناء أنوشروان الحائط الذي يقال له الباب؟ قلنا: لا. قال: كانت الخزر تغير في سلطان فارس حتى تبلغ همذان والموصل. فلما ملك أنوشروان بعث إلى ملكهم فخطب إليه ابنته على أن يزوّجه إياها ويعطيه هو أيضا ابنته ويتوادعا ثم يتفرغا لأعدائهما. فلما أجابه إلى ذلك، عمد أنوشروان إلى جارية من جواريه نفيسة فوجّه بها إلى ملك الخزر على أنها ابنته وحمّل معها ما يحمل مع بنات الملوك. وأهدى خاقان إلى أنوشروان ابنته. فلما وصلت إليه كتب إلى ملك الخزر: لو التقينا فأوجبنا المودة

стр. 575

بيننا. فأجابه إلى ذلك وواعده إلى موضع سمّاه. ثم التقيا فأقاما أياما. ثم إن أنوشروان أمر قائدا من قوّاده أن يختار ثلاثمائة رجل من أشدّاء أصحابه، فإذا هدأت العيون أغار في عسكر الخزر. فحرق وعقر ورجع إلى العسكر في خفاء ففعل. فلما أصبح بعث إليه خاقان: ما هذا؟ بيّت عسكري البارحة؟ فبعث إليه أنوشروان: لم تؤت من قبلنا فابحث وانظر. ففعل، فلم يقف على شيء. ثم أمهله أياما وعاد لمثلها حتى فعل ثلاث مرات، وفي كلها يعتذر ويسأله البحث فيبحث فلا يقف على شيء. فلما أثقل ذلك على خاقان، دعا قائدا من قواده وأمره بمثل ما أمر به أنوشروان. فلما فعل، أرسل إليه أنوشروان: ما هذا؟ استبيح عسكري الليلة وفعل بي وصنع. فأرسل إليه خاقان: ما أسرع ما ضجرت! قد فعل هذا بعسكري ثلاث مرات، وإنما فعل بك أنت مرة واحدة. فبعث إليه أنوشروان: هذا عمل قوم يريدون أن يفسدوا فيما بيننا، وعندي رأي لو قبلته رأيت ما تحب. قال: وما هو؟ قال: تدعني أن أبني حائطا بيني وبينك وأجعل عليه بابا فلا يدخل بلدك إلّا من تحب ولا يدخل بلدي إلّا من أحب. فأجابه إلى ذلك وانصرف خاقان إلى مملكته. وأقام أنوشروان يبني الحائط بالصخر والرصاص وجعل عرضه ثلاثمائة ذراع وعلوّه حتى ألحقه برءوس الجبال ثم قاده في البحر. فيقال إنه نفخ الزقاق وبنى عليها فأقبلت تنزل والبناء يصعد حتى استقرت الزقاق على الأرض، ثم رفع البناء حتى استوى مع الذي على الأرض في عرضه وارتفاعه. وجعل عليه بابا من حديد ووكل به مائة رجل يحرسونه بعد أن كان يحتاج إلى مائة ألف رجل. ثم نصب سريره على الفند الذي صنعه على البحر وسجد سرورا بما هيأه الله على يده ثم استلقى على ظهره وقال: الآن حين استرحت. ووصف بعضهم هذا السدّ الذي بناه أنوشروان فقال: إنه جعل طرفا منه في البحر فأحكمه إلى حيث لا يتهيأ سلوكه. وهو مبني بالحجارة المنقورة المربعة

стр. 576

المهندمة لا يقلّ أصغرها خمسون رجلا وقد أحكمت بالمسامير والرصاص. وجعل في هذه السبعة فراسخ، سبعة مسالك على كل مسلك مدينة. ورتّب فيها قوم من المقاتلة من الفرس يقال لهم الانشاستكين. وكان على أرمينية وظائف رجال لحراسة ذلك السور، مقدار ما يسير عليه عشرون رجلا بخيلهم لا يتزاحمون. وذكر أن بمدينة الباب على باب الجهاد فوق الحائط أسطوانتين من حجر على كل اسطوانة تمثال أسد من حجارة بيض، وأسفل منهما حجرين على كل حجر تمثال لبؤتين، وبقرب الباب صورة رجل من حجر وبين رجليه صورة ثعلب ٢/١٣٥ في فمه عنقود عنب، وإلى جانب المدينة صهريج معقود له درجة تنزل إلى الصهريج منها إذا قلّ ماؤه، وعلى جنبي الدرجة أيضا صورتا أسد من حجارة يقولون إنهما طلسمان للسور. وأما حديثها أيام الفتوح فإن سلمان بن ربيعة الباهلي غزاها في أيام عمر بن الخطاب ﵁ وتجاوز الحصنين وبلنجر ولقيه خاقان ملك الخزر في جيشه خلف نهر بلنجر فاستشهد سلمان بن ربيعة وأصحابه- وكانوا أربعة آلاف- فقال عبد الرحمن بن جمانة الباهلي يذكر سلمان بن ربيعة وقتيبة بن مسلم الباهليين يفتخر بهما: وإنّ لنا قبرين: قبر بلنجر ... وقبر بصين استان يا لك من قبر فهذا الذي بالصين عمّت فتوحه ... وهذا الذي يسقى به سبل القطر] «١»

стр. 577

وقاليقلا امرأة بنت مدينة قاليقلا فنسبت إليها، ومعنى ذلك إحسان قالي، وأما بحيرة الطّريخ فلم تزل مباحة حتى ولي محمّد بن مروان بن الحكم الجزيرة وأرمينية فحوى صيدها، ثم صارت لمروان بن محمّد فقبضت عنه. وفتح حبيب بن مسلمة لعثمان بن عفّان من أرمينية مدنا كثيرة، وولى عبد الله بن حاتم بن النعمان بن عمرو الباهليّ من قبل معاوية، ثم وليها ابنه عبد العزيز، فبنى مدينة دبيل إلى مدينة برذعة ومدنا كثيرة، ففتح حبيب بن مسلمة لعثمان بن عفّان من أرمينية: جراخ، وكسفر، وكسال، وخنان، وسمسخي، والجردمان، وكسفى بيس، وشوشيت، وبازليت صلحا، على أن يؤدّوا أتاوة عن رؤوسهم وأراضيهم، وصالح الصّناريّة، وأهل قلرجيت والدّودانيّة على أتاوة. وكانت شمكور مدينة قديمة فوجّه إليها سلمان بن ربيعة من فتحها، فلم تزل مسكونة حتى أخربها الساورديّة «١» ، ٢/١٣٦ قوم تجمّعوا أيّام انصراف يزيد بن أسيد «٢» عن أرمينية، فغلظ أمرهم وكثرت نوائبهم، ثم إن بغا مولى المعتصم بالله عمرها وحصّنها ونقل إليها التجّار وسمّاها المتوكّليّة «٣» . وفتح سلمان بن ربيعة مدينة البيلقان صلحا، ووجّه خيله ففتحت سيسر، والمسقوان، وأوذ، والمصريان، والمهرجليان، وهي رساتيق عامرة وفتح غيرها من أرّان، ودعا أكراد البلاسجان إلى الإسلام فقاتلوه فظفر بهم فأقرّ بعضهم بالجزية وأدّى بعضهم الصدقة، ثم سار سلمان إلى مجمع الكرّ والرّسّ خلف برديج، فعبر الكرّ ففتح قبلة وصالحه شكّن والقميبران، وخيزان، وملك شروان، وسائر ملوك الجبال، وأهل مسقط والشابران، ومدينة الباب، ثم أغلقت هذه بعده، ولقيه خاقان في خيوله خلف نهر

стр. 578

بلنجر، فقتل ﵀ في أربعة آلاف من المسلمين، وكان سلمان أوّل من استقضي بالكوفة أقام أربعين يوما لا يأتيه خصم، وقد روي عن عمر بن الخطّاب. قالوا: ولمّا فتح حبيب ما فتح من أرض أرمينية كتب بذلك إلى عثمان، فوافاه كتاب نعيّ سلمان فهمّ بأن يولّيه، ثم رأى أن يجعله غازيا لثغور الشام والجزيرة، فولّى ثغر أرمينية حذيفة بن اليمان العبسيّ ثم عزله، وسار حبيب راجعا إلى الشام، فكان يغزو الروم ونزل حمص فنقله معاوية إلى دمشق فتوفّى بها. وولّى أرمينية المغيرة بن شعبة ثم عزله، وولّى القاسم بن ربيعة الثقفيّ، ٢/١٣٧ ووليّ الأشعث بن قيس لعليّ بن أبي طالب أرمينية وآذربيجان، ثم وليها غير واحد إلى أن وليها مروان بن محمّد، ففتح بلاد الخزر وأمعن فيهم. ثم جاءت الدولة العبّاسيّة فولي أبو جعفر الجزيرة وأرمينية في خلافة أخيه أبي العبّاس، ثم استخلف وولى يزيد بن أسيد السلميّ، وفتح باب اللان ورتّب فيه رابطة من أهل الديوان، ودوّخ الصّنّاريّة حتى أدّوا الخراج، ثم إن أهل أرمينية استعصوا في ولاية الحسن بن قحطبة الطائيّ بعد عزل يزيد بن أسيد، فبعث المنصور بالأمداد وعليهم عامر بن إسماعيل، فأوقع الحسن بموشايل وكان رئيسهم، وفرّق جمعه واستتبّ له الأمر وهو الذي نسب إليه نهر الحسن بالبيلقان، وباغ الحسن ببرذعة والضياع المعروفة بالحسنيّة، ثم ولي بعد الحسن عثمان بن عمارة، ثم روح بن حاتم المهلّبيّ، ثم خزيمة بن خازم، ثم يزيد بن مزيد الشيبانيّ، ثم عبيد الله بن المهديّ، ثم الفضل بن يحيى، ثم سعيد بن سلم، ثم محمّد بن يزيد بن مزيد، وكان خزيمة أشدّهم ولاية، وهو الذي سنّ المساحة بدبيل ونشوى، ولم يكن قبل ذلك. ثم وليهم خالد بن يزيد بن مزيد في ولاية المأمون، ثم ولّى المعتصم بالله الحسن بن عليّ الباذغيسيّ المعروف بالمأمونيّ الذي واصل بطارقة أرمينية ولان لهم حتى خرجوا عليه، ثم لم يزل يتولّى أرمينية عمّال كانوا يرضون اليسير من أهلها، حتى ولى المتوكّل فبعث إليها يوسف بن محمّد بن يوسف المروزيّ لسنتين من خلافته «١» . ٢/١٣٨ وقالوا: أعظم حيوان أرمينية الشاء، والثيران، والكلاب، وبراذينها صغار،

стр. 579

وكذلك جمالها صغار. تكاد صدورها تصيب الأرض تشبه إبل الترك. وجبل القبق فيه اثنان وسبعون لسانا، كلّ إنسان لا يعرف لغة صاحبه إلّا بترجمان، وطوله خمس مائة فرسخ، وهو متّصل ببلاد الروم إلى حدّ الخزر واللان، ويتّصل ببلاد الصقالبة، وفيه أيضا جنس من الصقالبة والباقون أرمن. وقالوا: إن هذا الجبل جبل العرج الذي بين المدينة ومكّة، يمضي إلى الشام ويتّصل بلبنان من حمص: وسنير من دمشق، ثم يمضي فيتّصل بجبال أنطاكية والمصّيصة، ويسمّى هناك اللّكام، ثم يتّصل بجبال ملطية وشمشاط وقاليقلا إلى بحر الخزر، وفيه الباب والأبواب ويسمّى هناك القبق. [أخبرني أبو الهيجا اليمامي وكان أحد برد الآفاق وكان صدوقا فيما يحكي: إن بقاليقلا بيعة للنصارى وفيها بيت لهم كبير تكون فيه مصاحفهم وصلبانهم] «١» ، فإذا كان ليلة الشعانين يخرج من موضع من البيت تراب أبيض إلى الصباح، فإذا كان الصباح انضمّ موضعه إلى قابل من ذلك الوقت، فيأخذه الرهبان فيدفعونه إلى الناس وخاصّيّته للسموم والعقارب والحيّات يداف منه وزن دانق بماء ويشربه الملدوغ والمسلوع فيسكن على المكان. وفيه أعجوبة أخرى وذلك أنه إن بيع هذا التراب وأخذ عليه شيء من عرض الدنيا لم ينتفع صاحبه ولم يبرئه من وجعه. ومن عجائب أرمينية: بحيرة خلاط فإنها عشرة أشهر لا يرى فيها ضفدع ولا سرطان ولا سمكة، ثم يظهر السمك بعد ذلك شهرين وسمكه كلّه مستراث «٢» . وقال أبو المنذر: اتّخذ الطلسمات كوش بن حام بن نوح، والضحّاك ذو الحيّتين، وذو القرنين، ويوسف بن يعقوب، وموسى بن عمران، وحلوان العمليقيّ، وبليناس الروميّ ٢/١٣٩ وقانبوس. وحدّ آذربيجان إلى الرّسّ والكرّ بأرمينية، ومخرج الرسّ من قاليقلا، ويمرّ بأرّان فيصبّ فيه نهر أرّان، ثم يمرّ بورثان، ويمرّ بالمجمع فيجتمع هو والكرّ

стр. 580

وبينهما مدينة البيلقان، ويمرّان جميعا فيصبّان في بحر جرجان. والرسّ واد عجيب، وفيه أنواع من السمك، وفيه يكون الشورماهي ولا يكون إلّا في هذا الوادي، ويجيء في كلّ سنة في وقت معلوم، كمثل أصناف حيتان البحر وقواطع السمك، فإنها تجيء في أوقات معلومة كالاستور، والجراف، والبرستوج، فإن هذه الأنواع تأتي البصرة من أقاصي البحار تستعذب الماء في ذلك الإبّان، ألا إنّ البرستوج يقبل إليهم من الزنج يستعذب الماء من دجلة البصرة، يعرف ذلك جميع البحريّة، وهم يزعمون أن الذي بين البصرة وعمان أبعد ما بين البصرة والزنج، وإنما غلط الناس فزعموا أن الصين أبعد لأن بحر الزنج حفيرة واحدة عميقة واسعة، وأمواجه عظام، ولذلك البحر ريح تهبّ قويّة، ومن عمان إلى جهة الزنج شهران، فلمّا كان البحر عميقا والريح قويّة والأمواج عظيمة والخيرات ببلاد الزنج قليلة، وكان الشراع لا تحطّ وكان سيرهم مع الوتر، ولم يكن مع القوس ولا يعرفون الكنب والمكا، صارت الأيّام التي تسير فيها قسمة الزنج أقرب، ٢/١٤٠ فالبرستوج يقطع أمواج البحر، ويسبح من الزنج إلى البصرة، ثم يعود ما فضل عن صيد الناس إلى بلاده، فتبارك الله أحسن الخالقين، وإنما عرف الشورماهي في هذا النهر من بين السمك لطيبه ولذّته وكثرة دسمه ورطوبة لحمه. قالوا: ولنا المنّ الكثير وهو الترنجبين، ولنا القرمز الذي ليس يشركنا فيه أحد، وهي دودة حمراء تظهر أيّام الربيع، فتلتقط ثم تطبخ ويصبغ بها الصوف، والأشق دابّة تكون بأرمينية شبه السنّور، ليّنة المفاصل وبرة الجلد، ويبلغ الثور جملة وأنيابها جيّدة للمحبّة، تؤخذ أنيابها ومخاليبها فتجفّف وتسقيه من تحبّ فإنه يحبّك حبّا شديدا. ولنا الفوّة الكثيرة، وبها معدن الزيبق والقلقند والقلقطار والأسربّ، ولهم الثيران الأرمينيّة، والشاة بلّوط، والخلنج الكثير، ويتّخذون منه عجائب، وتقطع هذه من غيضة ملتفّة بناحية برذعة، كثيرة الشجر والنبات تتّصل بالخزر وتمرّ إلى ناحية خوارزم تسمّى غيضة الرحمن. وتقرير أرمينية ألفا ألف وثلاثة وثلاثون ألفا وتسع مائة وخمسة وثمانون درهما.

стр. 581

٢/١٤١ وخارج الباب ملك سور واللّكز، وملك اللان، وملك فيلان، وملك المسقط، وصاحب السّرير، ومدينة سمندر، ومن جرجان إلى خليج الخزر إذا كانت الريح طيّبة ثمانية أيّام، والخزر كلّهم يهود وإنّما هوّدت من قريب «١» ، ومن بلاد الخزر إلى موضع السدّ شهران قال الله جلّ وعزّ في سورة الكهف: وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً فَأَتْبَعَ سَبَباً حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ - إلى قوله-: إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ قال: كانوا يخرجون أيّام الربيع إلى أراضيهم فلا يدعون شيئا أخضر إلّا أكلوه ولا شيئا يابسا إلّا احتملوه. فقال: ما مكّنّي فيه ربّي خير فأعينوني بقوّة أجعل بينكم وبينهم ردما، قالوا: ما الذي تريد؟ قال: زبر الحديد- يعني قطع الحديد- ٢/١٤٢ ثم أمر بالحديد فضرب منه لبنا عظاما، وأذاب النحاس، ثم جعل ملاط اللبن النحاس وبنى به الفجّ وسوّاه مع قلّتي الجبل، فلمّا فرغ منه أمر بالنحاس فأذيب وأفرغ عليه من فوقه فصار شبيها بالمصمت، فلمّا فرغ منه جاز تلك الأرض فقطعها في أربعة أشهر منصرفا. وفي الخبر: أنه لمّا انتهى إلى موضع السدّ اجتمع إليه خلق كثير، فقالوا له: يا أيّها الملك المظفّر إن خلف هذا الجبل أمما لا يحصيهم إلّا الله جلّ وعزّ، وقد أخربوا علينا بلادنا وزروعنا. قال: وما صفتهم؟ قالوا: هم قوم قصار صلع عراض الوجوه. قال: وكم صنف هم؟ قالوا: هم أمم كثيرة لا يحصيهم إلّا الله. قال: وما أساميهم؟ قالوا: أما من قرب منّا فهم ستّ قبائل: يأجوج، ومأجوج، وتاويل، وتاريس، ومنسك، وكمارى، وكلّ قبيلة من هؤلاء مثل جميع أهل الأرض، فأما من كان في البعد منّا فإنّا لا نعرف قبائلهم، وليس لهم إلينا منفذ إلّا من هذا

стр. 582

الوجه. وهذا الفجّ، فهل نجعل لك خرجا على أن تسدّه عليهم وتكفينا أمرهم. قال: فما طعامهم؟ قالوا: يقذف البحر إليهم في كلّ عام سمكتين مسيرة عشرة أيّام كلّ سمكة منهما. قال: فبنى هذا السدّ وفي الخبر قال: السدّ طريقة حمراء من نحاس، وطريقة سوداء من حديد، ويأجوج ومأجوج أربع وعشرون قبيلة، فكانت قبيلة منهم في الغزو وهم التّرك، ٢/١٤٣ فردم ذو القرنين السدّ على ثلاث وعشرين قبيلة. قال مقاتل بن سليمان: وإنما سمّوا الترك لأنهم تركوا خلف الردم، قالوا: وإذا نزل عيسى ﷺ وقتل الدجّال الملعون ظهر يأجوج ومأجوج فيقوم عيسى في المسلمين خطيبا، فيحمد الله ويثني عليه ويقول: اللهمّ انصر القليل في طاعتك على الكثير في معصيتك، فينصر الله المؤمنين عليهم، وفي خبر عن وهب بن منبّه قال: هم قوم طول، أحدهم مثل نصف الرجل المربوع منّا، لهم مخاليب في مواضع الأظفار في أيدينا، ولهم أضراس وأنياب كالسباع، ولهم آذان عظام يفترشون الإحدى ويلتحفون بالأخرى، وليس منهم ذكر ولا أنثى إلّا وقد عرف أجله، وذلك أنه لا تموت الأنثى حتى يخرج من رحمها ألف ولد، وكذلك الرجال منهم، وهم يرزقون التّنين في الربيع ويستمطرونه لحينه، كما يستمطر الغيث لحينه، وهم يتداعون تداعي الحمام، ويعوون عواء الذئب، ويتسافدون حيث ما التقوا كتسافد البهائم، ولمّا عاين ذو القرنين ذلك منهم انصرف إلى ما بين الصّدفين، فقاس ما بينهما وهو منقطع أرض الترك ممّا يلي المشرق، فوجد بعد ما بينهما فرسخا وهو ثلاثة أميال، فحفر له أساس حتى بلغ الماء ثم جعل عرضه ميلا، وجعل حشوه زبر الحديد أمثال الصخور، وطينه النحاس يذاب فيصبّ عليه، فصار كأنّه عرق من جبل تحت الأرض، ثم علّاه وشرّفه بزبر الحديد والنحاس المذاب، وجعل خلاله عرقا من نحاس أصفر، فكأنه برد محبّر من صفرة النحاس وحمرته وسواد الحديد، فلمّا فرغ منه ٢/١٤٤ وأحكمه انصرف راجعا. وقال ابن عبّاس: الأرض ستّة أجزاء: فيأجوج ومأجوج منها خمسة أجزاء، وسائر الخلق في جزء واحد. وقال المعلّى بن هلال الكوفيّ: كنت بالمصّيصة فسمعتهم يتحدّثون أن البحر ربما مكث أيّاما وليالي لا يصفق أمواجه، ويسمع له دويّ شديد، فيقولون:

стр. 583

ما هذا إلّا لشيء قد آذى دوابّ البحر فهي تضجّ إلى الله تعالى، قال: فتقبل سحابة حتى تغيب في البحر، ثم تقبل أخرى وأخرى حتى عدّ سبع سحائب، ثم ترتفع إلى جانب آخر تنهزم تتبعها التي تليها، والريح تصفقها ثم يرتفعن جميعا في السماء، وقد أخرجن شيئا يرون أنه التنّين حتى يغيب عنّا ونحن نراه ورأسه في السحاب وذنبه يضطرب، فيطرحه إلى يأجوج ومأجوج فيسكن البحر لذلك. وقال المنصوريّ: إن السحاب الموكّل بالتنّين يخطفه حيث ما وجده كما يخطف حجر المغناطيس الحديد، حتى صار لا يطلع رأسه خوفا من السحاب، ولا يخرج رأسه إلّا في الفرد إذا صحت السماء، وربما احتمله السحاب فانفلت منه ووقع في البحر، فتجيء السحابة بهدّة ورعد وبرق فتدخل في البحر فتستخرجه ثانية، فربما مرّ في طريقه بالشجرة العاديّة فيقتلعها والصخرة العظيمة فيرفعها، ٢/١٤٥ وكان في بعض زمان حكيم يقال له بقراطيس فشا الموت في قرى هناك ففحص عنه بقراطيس هذا فإذا بتنّين قد أخرجه السحاب وانفلت منه. فوقع ونتن، فأبلغ ذلك إلى أهل القرى فذهب بقراطيس فجمع الدراهم وجبى أهل القرى، واشترى بها ملحا فألقاه عليه حتى سكن ذلك النتن، وأسلم الله أهل البلاد، قال بقراطيس: فذهبت إليه لأنظر ما هو فوجدت طوله فرسخين وعرضه أذرع كثيرة، وجسمه مستدير ولونه مثل لون النمر، مفلّس كفلوس السمك، وله جناحان عظيمان كأجنحة السمك بالقرب من رأسه الذي يتشعّب منه الرءوس، وهذا الرأس على خلقة رأس الإنسان مثل التلّ العظيم، وله أذنان طويلتان عريضتان كآذان الفيل، ويتشعّب من ذلك الرأس ستّة أعناق، طول العنق عشرة أذرع، على كلّ عنق رأس شبيه برأس الحيّة. وحدّث سلّام الترجمان «١» أن الواثق بالله لمّا رأى في منامه كأن السدّ الذي

стр. 584

بناه ذو القرنين بيننا وبين يأجوج ومأجوج قد انفتح، فطلب رجلا يخرجه إلى الموضع فيستخبر خبره. فقال أشناس «١» : ما هاهنا أحد يصلح إلّا سلّام الترجمان- وكان يتكلم بثلاثين لسانا- قال: فدعا بي الواثق وقال: أريد أن تخرج إلى السدّ حتى تعاينه وتجيئني بخبره. وضمّ إليّ خمسين رجلا شباب أقوياء ووصلني بخمسة آلاف دينار، وأعطاني ديتي عشرة آلاف درهم. وأمر فأعطي كل رجل من الخمسين ألف درهم ورزق سنة، وأمر أن يهيأ للرجال اللبابيد وتغشى بالأديم واستعمل لهم الكستبانات» بالفراء والركب الخشب وأعطاني مائتي بغل لحمل الزاد والماء. فشخصنا من سر من رأى بكتاب من الواثق بالله إلى إسحاق بن إسماعيل صاحب أرمينية وهو بتفليس في انفاذنا. وكتب لنا إسحاق إلى صاحب السرير. وكتب لنا صاحب السرير إلى ملك اللان إلى فيلان شاه. وكتب لنا فيلان شاه إلى طرخان ملك الخزر. فأقمنا عند ملك الخزر يوما وليلة حتى وجّه معنا خمسة أدلّاء فسرنا من عنده ستة وعشرين يوما، فانتهينا إلى أرض سوداء منتنة الرائحة. وكنا قد تزودنا قبل دخولها خلّا نشمه من الرائحة المنكرة. فسرنا فيها عشرة أيام ثم صرنا إلى مدن خراب فسرنا فيها عشرة أيام، ثم صرنا إلى مدن خراب فسرنا فيها عشرين يوما. فسألنا عن حال تلك المدن فخبّرنا أنها المدن التي كان يأجوج ومأجوج يتطرقونها فخربوها. ثم صرنا إلى حصون بالقرب من الجبل الذي في شعبة منه السد وفي تلك

стр. 585

الحصون قوم يتكلمون بالعربية والفارسية، مسلمون يقرءون القرآن لهم كتاتيب ومساجد فسألونا من أين أقبلنا، فأخبرناهم إنّا رسل أمير المؤمنين. فأقبلوا يتعجبون ويقولون أمير المؤمنين! فنقول نعم. فقالوا: شيخ هو أم شاب؟ فقلنا شاب. فعجبوا أيضا فقالوا: أين يكون؟ فقلنا بالعراق في مدينة يقال لها سرّ من رأى. فقالوا: ما سمعنا بهذا قط. وبين كل حصن من تلك الحصون إلى الحصن الآخر فرسخ إلى فرسخين أقل وأكثر. ثم صرنا إلى مدينة يقال لها إيكة، تربيعها عشرة فراسخ ولها أبواب حديد يرسل الأبواب من فوقها وفيها مزارع وأرحاء داخل المدينة وهي التي كان ينزلها ذو القرنين بعسكره. بينها وبين السدّ مسيرة ثلاثة أيام وبينها وبين السدّ حصون وقرى حتى تصير إلى السد في اليوم الثالث. وهو جبل مستدير ذكروا أن يأجوج ومأجوج فيه وهما صنفان، ذكروا أن يأجوج أطول من مأجوج. ويكون طول أحدهم ما بين ذراع إلى ذراع ونصف وأقل وأكثر. ثم صرنا إلى جبل عال عليه حصن. والسد الذي بناه ذو القرنين هو فجّ بين جبلين عرضه مائتا ذراع وهو الطريق الذي يخرجون منه فيتفرقون في الأرض. فحفر أساسه ثلاثين ذراعا إلى أسفل وبناه بالحديد والنحاس حتى ساقه إلى وجه الأرض ثم رفع عضادتين مما يلي الجبل من جنبتي الفج، عرض كل عضادة خمس وعشرون ذراعا ونصفا في ذراع ونصف في سمك أربع أصابع، ودروند حديد طرفاه على العضادتين طوله مائة وعشرون ذراعا قد ركب على العضادتين على كل واحدة بمقدار عشر أذرع في عرض خمس أذرع وفوق الدروند بناء بذلك اللبن الحديد في النحاس إلى رأس الجبل، وارتفاعه مدّ البصر يكون البناء فوق الدروند نحوا من ستين ذراعا، وفوق ذلك. شرف حديد في طرف كل شرفة قرنتان تنثني كل واحدة منهما على الأخرى، طول كل شرفة خمس أذرع في عرض أربع أذرع، وعليه سبع وثلاثون شرفة. وإذا باب حديد بمصراعين معلقين عرض كل مصراع خمسون ذراعا في ارتفاع خمس وسبعين ذراعا في ثخن خمس أذرع وقائمتاهما في

стр. 586

دوّارة على قدر الدروند، لا يدخل من الباب ولا من الجبل ريح كأنه خلق خلقة. وعلى الباب قفل طوله سبع أذرع في غلظ باع في الاستدارة. والقفل لا يحتضنه رجلان. وارتفاع القفل من الأرض خمس وعشرون ذراعا وفوق القفل بقدر خمس أذرع غلق طوله أكثر من طول القفل وقفيزاه كل واحد منهما ذراعان، وعلى الغلق مفتاح معلّق طوله ذراع ونصف وله اثنا عشرة دندانكة «١» ، كل دندانكة في صفة دستج الهواوين، واستدارة المفتاح أربعة أشبار معلق في سلسلة ملحومة بالباب طولها ثماني أذرع في استدارة أربعة أشبار. والحلقة التي فيها السلسلة مثل حلقة المنجنيق. وعتبة الباب عرضها عشر أذرع في بسط مائة ذراع سوى ما تحت العضادتين، والظاهر منها خمس أذرع، وهذه الذراع كلها بالذراع السوداء. ومع الباب حصنان يكون كل واحد منهما مائتي ذراع في مائتي ذراع وعلى باب هذين الحصنين شجرتان وبين الحصنين عين عذبة، وفي أحد الحصنين آلة البناء التي بني بها السدّ من القدور الحديد والمغارف الحديد، على كل ديكدان «٢» أربع قدور مثل قدور الصابون. وهناك بقية من اللبن الحديد قد التزق بعضه ببعض من الصدأ. ورئيس تلك الحصون يركب في كل يوم اثنين وخميس. وهم يتوارثون ذلك الباب كما يتوارث الخلفاء الخلافة. يجيء راكبا ومعه ثلاثة رجال على عنق كل رجل مرزبّة، ومع الباب درجة، فيصعد على أعلى الدرجة فيضرب القفل ضربة في أول النهار فيسمع لهم جلبة مثل كور الزنابير ثم يخمدون، فإذا كان عند الظهر ضربه ضربة أخرى ويصغي بأذنه إلى الباب فتكون جلبتهم في الثانية أشد من الأوّلة ثم يخمدون. فإذا كان وقت العصر ضربه ضربة أخرى فيضجون مثل ذلك ثم يقعد إلى مغيب الشمس ثم ينصرف.

стр. 587

الغرض في قرع القفل أن يسمع من وراء الباب فيعلموا أن هناك حفظة ويعلم هؤلاء أن أولئك لم يحدثوا في الباب حدثا. وبالقرب من هذا الموضع حصن كبير يكون عشرة فراسخ في عشرة فراسخ، تكسيره مائة فرسخ. قال سلام: فقلت لمن كان بالحضرة من أهل الحصون: هل عاب من هذا الباب شيء قط؟ قالوا: ما فيه إلّا هذا الشق، والشق كان بالعرض مثل الخيط دقيق. فقلت: تخشون عليه شيئا؟ فقالوا: لا، إن هذا الباب ثخنه خمسة «١» أذرع بذراع الإسكندر يكون ذراعا ونصفا بالأسود، كل ذراع واحدة من ذراع الإسكندر. قال: فدنوت وأخرجت من خفّي سكينا فحككت موضع الشق فأخرج منه مقدار نصف درهم وأشدّه في منديل لأريه الواثق بالله. وعلى فرد مصراع الباب الأيمن في أعلاه مكتوب بالحديد باللسان الأول «فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا» . وننظر إلى البناية وأكثره مخطط ساف أصفر من نحاس وساف أسود من حديد، وفي الجبل محفور الموضع الذي صب فيه الأبواب وموضع القدور التي كان يخلط فيها النحاس والموضع الذي كان يغلى فيه الرصاص والنحاس وقدور شبيهة بالصفر لكل قدر ثلاث عرى فيها السلاسل والكلاليب التي كان يمدّ بها النحاس إلى فوق السور. وسألنا من هناك؟ هل رأيتم من يأجوج ومأجوج أحدا؟ فذكروا أنهم رأوا مرة عددا فوق الجبل فهبّت ريح سوداء فألقتهم إلى جانبهم، وكان مقدار الرجل في رأي العين شبرا ونصفا. والجبل من الخارج ليس له متن ولا سفح ولا عليه نبات ولا حشيش ولا شجرة ولا غير ذلك وهو جبل مسلنطح قائم أملس أبيض.

стр. 588

فلما انصرفنا أخذ الأدلّاء بنا ناحية خراسان، وكان الملك يسمى اللب، ثم خرجنا من ذلك الموضع وصرنا إلى موضع يقال له طبانوين وهو صاحب الخراج فأقمنا عندهم أياما وسرنا من ذلك الموضع حتى وردنا سمرقند في ثمانية أشهر، ووردنا إلى اسبيشاب وعبرنا نهر بلخ ثم صرنا إلى أشروسنة وإلى بخارا وإلى ترمذ ثم وصلنا نيسابور ومات من الرجال الذين كانوا معنا ومن مرض منهم في الذهاب اثنان وعشرون رجلا. من مات منهم دفن في ثيابه ومن مرض خلّفناه مريضا في بعض القرى. ومات في المرجع أربعة عشر رجلا. فوردنا نيسابور ونحن أربعة عشر رجلا- وكان أصحاب الحصون زوّدونا ما كفانا- ثم صرنا إلى عبد الله بن طاهر فوصلني بثمانية آلاف درهم ووصل كل رجل معي بخمس مائة درهم. وأجرى للفارس خمسة دراهم وللراجل ثلاثة دراهم في كل يوم إلى الري. ولم يسلم من البغال التي كانت معنا إلّا ثلاثة وعشرون بغلّا. ووردنا سرّ من رأى فدخلت على الواثق فأخبرته بالقصة وأريته الحديد الذي كنت حككته من الباب. فحمد الله وأمر بصدقة يتصدق بها وأعطى الرجال كل رجل ألف دينار. وكان وصولنا إلى السدّ في ستة عشر شهرا ورجعنا في اثني عشر شهرا وأيام «١» .

стр. 589

٢/١٦١ القول في خراسان قال دغفل: خرج خراسان وهيطل ابنا عالج بن سام بن نوح لمّا تبلبلت الألسن، فنزل كل واحد منهما في البلد المنسوب إليه- يريد أن هيطل نزل في البلد المعروف ببلد الهياطلة وهو وراء النهر، ونزل خراسان في قلعته المعروفة بخراسان دون النهر-. وروي عن شريك [١٥٤ أ] بن عبد الله قال: خراسان كنانة الله، إذا غضب على قوم رماهم من كنانته. وفي حديث آخر قال: ما خرجت من خراسان راية في جاهلية ولا إسلام فردّت حتى تبلغ منتهاها. وحدثني أبو عبد الله الحسين بن أستاذويه [قال] حدثني أبو إسحاق بن إبراهيم بن الحسين. قال: قال أبو عبد الله محمد بن مرزوق الهاشمي. حدثنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي قال: حدثني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: لم يتزوج إبراهيم على سارة حتى ماتت، فتزوج بعدها امرأة من العرب العاربة يقال لها قنطورا بنت مقطير. فولدت له مدين ومداين. وهو مدين ونيشان وشوح. فأمر إبراهيم أن يضم إليه من [ولد إسماعيل وإسحاق ومدين ونيسان، ويخرج عنه مدين وأشتق وسرج. فقالوا له: يا أبانا، كيف تستجيز أن تترك عندك إسماعيل وإسحاق ومدين ونيسان في الأمن والدعة وتخرجنا نحن عنك إلى الغربة] «١» والوحشة والوحدة؟ فقال بذلك أمرت.

стр. 590

ثم إن إبراهيم ﵇ رحمهم فعلّمهم اسما من أسماء الله تعالى، فكانوا يستنصرون به على الأعداء ويستسقون في الجدوب. ونزلوا موضع خراسان فتناسلوا هناك وكثروا. وسمعت بهم الخزر- وهم من بني يافث بن نوح- ووقفوا على ما معهم من أسماء الله تعالى، فقالوا: ينبغي لمن علمكم هذا أن يكون خير أهل الأرض أو يكون ملك الأرض ورغبوا في مصاهرتهم، فزوّجوهم وعلّموهم الأسماء. وقال الشعبي: كأني بهذا العلم وقد تحول إلى خراسان. وقال: قرأت في كتاب حرب جوذرز و پيران، أن پيران كتب إلى جوذرز في رسالة طويلة: من پيران بن وسحان «١» خليفة أفراسياب ملك الترك من نسل طوس، إلى جوذرز بن جشواذان «٢» من أهل بيت الكيان حافظ ثغور الأوثان. إني بعون الله أكافئك على سنة الوقار ورسائل السلم أيها الحكيم المتوّج من السماء عقل الحكماء. قد مرّ ما كتبت إليك أن أباك «٣» كيخسرو الطلب يؤثر سياوش. فإن أفراسياب قسم الأرض وفصل الحدود كما فصلت قديما أيام منوجهر وسير الترك عن قرى أريان ونزل غرجستان العظيمة الكثيرة العدد، والطالقان الحصينة الكثيرة الجبل والمراعي مجمع [١٥٤ ب] عساكر الثغور قديما، وهراة الجمة الأموال وجشسدان دارأت «٤» ؟ العامرة الكلية، وآمل وسط النهر، والترمذ الممرعة المذكورة بالغناء والأموال، وبخارا التي وضع أفريدون بها بيت النار وأنزلها الأسد المذكور، وبلخ العظيمة المنيرة الأنيقة المشهورة بالأعز المؤيدين «٥» ، ذات الجبال العالية

стр. 591

والسهول العامرة التي تقول الكيانية إنها من بلد أريان في ناحية المشرق إلى السغد. وفي ناحية الحري من برية خوارزم إلى مصب بهروذ في البحر من مساكن قبائل الترك وأرمينية المحصنة العظيمة سرّة أريان لا ينحسر ثلجها عن جبالها ولا ماؤها عن أنهارها، ولا تخلو أرضها من الثمار الكثيرة الكريمة والزروع العميمة، وآذربيجان العامرة الزاهرة ذات العيون الكثيرة في شواهق جبالها ومستوى أرضها. في كلام له طويل. ويروى أن رسول الله ﷺ قال: تفتح أمتي أرضا يقال لها خراسان عند نهرها الملعون، أوّله رخاء وآخره بلاء. وقال عبد الله بن مسلم بن قتيبة «١» : أهل خراسان أهل الدعوة وأنصار الدولة، ولم يزالوا في أكثر ملك العجم لقاحا. لا يؤدون اتاوة ولا خراجا. وكانت ملوك العجم قبل ملوك الطوائف تنزل بلخ ثم نزلوا بابل ثم نزل أردشير بن بابك فارس فصارت دار ملكهم، وصارت بخراسان ملوك الهياطلة. وهم الذين قتلوا فيروز بن يزدجرد بن بهرام ملك فارس، وكان غزاهم فكادوه بمكيدة في طريقه حتى سلك معطشة مهلكة، ثم خرجوا إليه فأسروه. فسألهم أن يمنّوا عليه وعلى من أسر معه من أصحابه وأعطاهم موثقا من الله وعهدا مؤكدا أن لا يغزوهم أبدا ولا يجوز حدودهم، ونصب حجرا بينه وبينهم صيّره الحدّ الذي حلف عليه، وأشهد على ذلك الله تعالى ومن حضره من أهله وخاصيته وأساورته. فمنّوا عليه وأطلقوه ومن أراد ممن أسر معه. فلما عاد إلى مملكته، دخلته الأنفة والحمية مما أصابه وعاد لغزوهم ناكثا الأيمان غادرا بذمته، وجعل الحجر الذي [١٥٥ أ] كان نصبه وجعله الحد الذي حلف أنه لا يجوزه محمولا أمامه في مسيره يتأوّل فيه انه لا يتقدمه ولا يجوزه. فلما صار إلى بلدهم ناشدوه الله وأذكروه به، فأبى إلّا لجاجا ونكث فواقعوه وقتلوه وحماته وكماته واستباحوا عسكره فلم يفلت منهم إلّا الشريد.

стр. 592

وهم قتلوا كسرى بن قباذ بن هرمزد. فهذه حال خراسان قبل الإسلام. ثم أتى الله بالإسلام فكانوا فيه أحسن الأمم رغبة وأشدهم إليه مسارعة منّا من الله عليهم وتفضلا وإحسانا منه عليهم. فأسلموا طوعا ودخلوا فيه أفواجا وصالحوا عن بلادهم صلحا. فخفّ خراجهم وقلّت نوائبهم، ولم يجر عليهم سباء ولم يسقط فيما بينهم وبين المسلمين دم. ولما رأى الله سيرة بني أمية بعد عمر بن عبد العزيز وظلمهم العباد وإخرابهم البلاد واستئثارهم بالفيء، وعكوفهم على المعازف والملاهي واللذات، وإعراضهم عما أوجب الله عليهم فيما قلّدهم، ابتعث جلودا من أهل خراسان جمعهم من أقطارها كما يجمع قزع الخريف وألبسهم الهيبة ونزع من قلوبهم الرحمة، فساروا نحوهم كقطع الليل المظلم قد اتخذوا لبس السواد وأطالوا الشعور وشدّوا المآزر دون النساء حتى انتزعوا ملك بني أمية من أكبر ملوكهم سنا، وأشدّهم حنكة، وأحزمهم رأيا، وأكثرهم عدة وعديدا، وأعقلهم كاتبا ووزيرا، ٢/١٦٢ وسلموه إلى بني العباس. وقد كان محمد بن علي بن عبد الله بن العباس قال لدعاته حين أراد توجيههم إلى الأمصار «١» : أمّا الكوفة وسوادها، هناك شيعة علي وولده. وأما البصرة فعثمانية تدين بالكفّ. [تقول كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل] «٢» . وأما الجزيرة فحرورية مارقة وأعراب كأعلاج ومسلمون في أخلاق النصارى. وأما أهل الشام فليس يعرفون إلّا آل أبي سفيان وطاعة بني مروان وعداوة راسخة وجهل متراكم. وأمّا مكة والمدينة فقد غلب عليهما أبو بكر وعمر ﵄. ولكن عليكم بأهل خراسان، فإن هناك العدد الكثير والجلد الظاهر وهناك [١٥٥ ب] صدور سليمة وقلوب فارغة لم تتقسمها الأهواء ولم تتوزعها النحل ولم يقدم عليها فساد

стр. 593

وهم جند لهم أبدان وأجسام ومناكب وكواهل وهامات ولحى وشوارب وأصوات هائلة ولغات فخمة تخرج من أجواف منكرة. وبعد، فإني أتفاءل إلى المشرق إلى مطلع سراج الأرض ومصباح الخلق. فلما بلغ الله إرادته من بني أمية وبني العباس، أقام أهل خراسان مع خلفائهم على أسكن ريح وأحسن دعة وأشدّ طاعة وأكثر تعظيما لسلطان وأحمد سيرة في رعيته، تتزين عندهم بالحسن ويستتر منهم بالقبح، إلى أن كان من قضاء الله ورأى خلفاؤنا الاستبدال بهم وتصيير التدبير لغيرهم. ولا نذكر ما جرى بعد ذلك والله المستعان. وقال قحطبة بن شبيب لأهل خراسان: قال محمد بن علي بن عبد الله: يأبى الله أن يكون شيعتنا إلّا أهل خراسان. لا ننصر إلّا بهم ٢/١٦٣ ولا ينصرون إلّا بنا. انه يخرج من خراسان سبعون ألف سيف مشهور، قلوبهم كزبر الحديد وأسماؤهم الكنى وأنسابهم القرى، يطيلون شعورهم كالغيلان، جعابهم قصرت كعابهم. يطوون ملك بني أمية طيا ويزفّون الملك إلينا زفا. وأنشد لعصابة الجرجرائي: الدار داران: إيوان وغمدان ... والملك ملكان: ساسان وقحطان والناس فارس والإقليم بابل ... والإسلام مكة والدنيا خراسان والجانبان العتيدان اللّذا خشيا ... منها بخارا وبلخ الشا وأرّان قد ميّز الناس أفواجا ورتّبهم ... فمر زبان وبطريق ودهقان ولخراسان طيب الهواء، وعذوبة الماء، وصحة التربة، وعذوبة الثمرة واحكام الصنعة وتمام الخلقة وطول القامة وحسن الوجوه، وفراهة المركب من البراذين والإبل والشهاري والحمير، وجودة السلاح والدروع والثياب. وهم أهل التجارب وأصبرهم على البؤس وأقلّهم تنعّما وخفضا. [فأهل خراسان جنّة للمسلمين دون الترك] «١» وهم يثخنون فيهم القتل والأسر ٢/١٦٤ وبهم يدفع

стр. 594

إليه «١» [١٥٦ أ] عن المسلمين ومعرتهم وكيدهم. وقد جاء في الحديث: تاركوا الترك ما تاركوكم. وجاء عن النبي ﷺ فيها ما لا أعلم أنه جاء مثله في شيء من البلاد إلّا في الحرمين في الأرض المقدسة. وقال: الترك أشدّ العدو بأسا وأغلظهم أكبادا. وروي عن بريدة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : يا بريدة، إنه ستبعث من بعدي بعوث. فإذا بعثت فكن في بعث المشرق، ثم كن في بعث خراسان. ثم كن في أرض يقال لها مرو. فإذا أتيتها فانزل مدينتها. فإنه بناها ذو القرنين وصلى فيها عزير. أنهارها تجري عليها بالبركة، على كل نقب «٢» منها ملك شاهر سيفه يدفع عن أهلها السوء إلى يوم القيامة. فقدمها بريدة ومات بها. وقد جهد الطاعن على أهل خراسان أن يدعي عليهم البخل ودقة النظر ويشنع بمثل قول ثمامة «٣» : إن الديك في كل بلد يلفظ ما يأكله في فمه للدجاجة بعد ما قد حصل، إلّا ديكة مرو فإنها تسلب الدجاج ما في مناقيرها من الحبّ. وهذا كذب بيّن ظاهر للعيان لا يقدم على مثله إلّا الوقّاع البهّات الذي لا يتوقى الفضوح والعار. وما ديكة مرو إلّا كالديكة في جميع الأرض. ولأهل خراسان أجواد مبذرون لا يجارون ولا يبلغ شأوهم، منهم: البرامكة لا نعلم أن أحدا قرب من السلطان قربهم فأعطى عطاءهم وصنع صنعهم واعتقد بيوت الأموال

стр. 595

وخزائن الخلفاء مثل اعتقادهم. ٢/١٦٥ ومن المشهور عنهم أنه لم يكن لخالد بن برمك صنيعة ولا متحرم إلّا بنى له دارا على قدر كفايته ثم وقف على أولاده ما يعينهم أبدا. ولم يكن لأحد منهم إلّا من جارية وهبها له. ومن أهل خراسان القحاطبة وعلي بن هشام وعبد الله بن طاهر، وخبّر عنه بعض قوّاده أنه فرّق في مقام واحد ألف ألف دينار. وهذا يكثر أن يملك فضلا عن أن يوهب. وأخبار البرامكة وهؤلاء الذين ذكرنا بعدهم فأكثر من أن تلحق أو تعدّ أو توصف «١» . وممن سخت حاله وسمحت نفسه مما ملك، عبد الله بن المبارك [١٥٦ ب] كان يفرق ماله على إخوانه ويؤثرهم بذخائره ويكسوهم الثياب المرتفعة ويحملهم على الدواب الفرهة ويلبس هو ثوبا بعشرة دراهم، ويعطي صاحب الحمّام دينارا وللحمامي دينارا. فأمّا الأمة التي سبق أوّلها وعفا آخرها فأهل فارس. كانوا في سالف الدهر أعظم الأمم ملكا، وأكثرهم أموالا، وأشدهم شوكة. وكانت الملوك في جميع الأطراف والأقاليم تعترف لهم بذلك، وتعظم ملكهم رتغتنم منه أن يهاديهم. وكانت العرب تدعوهم الأحرار وبني الأحرار، لأنهم كانوا يسبّون ولا يسبّون ويستخدمون ولا يستخدمون. ثم أتى الله بالإسلام فكانوا كنار خمدت وكرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، فتبدد جمعهم ومجت «٢» قلوبهم، ومزقوا كل ممزّق، فلم يبق في الإسلام منهم نبيه يذكر ولا شريف يشهر إلّا أن يكون عبد الله بن المقفع والفضل بن سهل. وأهل خراسان دخلوا في الإسلام رغبة وطوعا، ثم هم أحسن الناس تقية

стр. 596

وأشدهم بالدين تمسكا، فمنهم المحدثون والنبل المشهورون والعلماء المتقدمون والعباد المجتهدون. فإن قال قائل: كيف تدفع فارس عن حسن التقية مع قول النبي ﷺ : لو كان الإيمان معلقا «١» بالثريا لنالته رجال من فارس؟ قلنا له: في هذا القول دليل على رغبة الموصوفين في الدين ومسارعتهم إليه وتمسكهم بسنن النبي ﷺ فيه. وإنما هو كقولك: لو كنت في أقاصي البلاد لزرتك، فزيد: لتجشّمت الوصول إليك رغبة في لقائك. وخبر رسول الله ﷺ من الأمر يكون فيما بعد إنّما هو عن الله . ولا خلف لقول الله ولا تبديل. فإذا نحن تطلبنا مصداق هذا القول في أهل فارس لم نجده أولا ولا آخرا، إلّا أن أول أمرهم في الإسلام على ما قد علمت من شدة العداوة للمسلمين ومحاربتهم إياهم حتى قهروا وهزموا وطلبوا ومزقوا، ولم تجد لهم [١٥٧ أ] بعد ذلك رجالا برعوا في العلم وعرفوا بالحفظ للأثر والتفقه في الدين والاجتهاد في العبادة إلّا أن تجد من ذلك الشيء اليسير والنبل المغمور. فإن قال قائل: كان رسول الله ﷺ ، جعله في أهل فارس فكيف جعلته في أهل خراسان؟ قلنا: إن فارس وخراسان كانتا عند العرب شيئا واحدا إلّا أنهما يتحاذّان ويتصلان، لأن لسان أهل خراسان وفارس بالفارسية، فهم يسمون جميعا الفرس. وكذلك المتكلمون بالعربية عند من لا يفصح من الأعاجم، عرب جميعا. قال الشاعر يذكر بلاد فارس: في بلدة لم تصل عكل بها طنبا ... ولا خباء، ولا عكّ وهمدان ولا لجرم ولا الاتلاد من يمن ... لكنها لبني الأحرار أوطان أرض يبنّي بها كسرى مساكنه ... فما بها من بني اللخناء إنسان وروى أبو الجلد عمر بن جيلان قال: الدنيا كلها أربعة وعشرون ألف

стр. 597

فرسخ. فملك السودان، اثنا عشر ألف فرسخ. وملك الروم، ثمانية آلاف فرسخ. وملك فارس، ألفا فرسخ. وأرض العرب ألفا فرسخ «١» . فذكر [فارس] ولم يذكر خراسان، وهي أوسع منها، لأنه جعل المشرق كله من فارس وكذلك الروم. ولم يذكر ما يحاذيها من بلاد العجم جعله كله للروم. وفي الحديث أن رجلا قال لعلي بن أبي طالب ﵁: ٢/١٦٦ غلبتنا هذه الحمراء- يعني العجم- فقال علي ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول ليضربنكم بالسيوف على دين الله إذا غيّرتم وبدّلتم كما ضربتموهم عليه. [١٥٧ ب] . فإذا نحن طلبنا مصداق ذلك في العجم وجدناه في أهل خراسان، لأنهم هم الذين ضاربوا بالسيوف العرب وأهل الشام غضبا لدين الله وإنكارا لسيرة بني أمية حتى ابتزوهم الملك ونقلوه عن الشام إلى العراق. [وروى زيد بن أبي زياد عن إبراهيم بن علقمة] «٢» عن عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ قال: إن أهل بيتي يلقون من بعدي بلاء وتطريدا، حتى يأتي قوم من قبل المشرق ومعهم رايات سود يسألون الحق فلا يعطونه، فيقاتلون فينصرون، فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي فيملؤها قسطا كما ملؤوها جورا. فمن أدرك ذلك منكم فليأتهم ولو حبوا على الثلج. وقرأت في الإنجيل أن المسيح ﵇ قال: بحقّ أقول لكم، ليأتين قوم من المشرق فينكبون بني إبراهيم وإسحاق ويعقوب صلوات الله عليهم في ملكوت السماء، ويخرج بنو المسكونة إلى الظلمة البرّانية حيث يكون البكاء وصرير الأسنان «٣» .

стр. 598

ومما يزيد ما قلناه في فارس وضوحا ان النبي ﷺ كان بعث خنيس بن عبد الله بن حذافة السهمي ٢/١٦٧ إلى كسرى وكتب إليه كتابا بدأ فيه بنفسه. فلما قرأه كسرى غضب ومزّقه وبعث إليه بتراب. فقال النبي ﷺ : مزّق كتابي. أما انه سيمزق دينه وأمته وملكه، وبعث إليّ ترابا. أما إنكم ستملكون أرضه. فكيف يكون البقية الحسنة لمن أعلمنا رسول الله ﷺ أنهم سيمزقون؟ لا جرم إنهم قد خملوا ودرسوا مدارس إلى يومنا هذا. [وهم] «١» أبخع الناس بطاعة سلطان، وأصبرهم على الظلم وأثقلهم خراجا وأذلهم نفوسا. وذكر جماعة من مشايخهم أنهم لم يعرفوا عدلا قط، وإن سيرتهم «٢» عمر بن عبد العزيز شملت البلاد كلّها غير بلدهم، فإن عامله الذي أنفذه إليهم هلك في سيره نحوهم. ويزعم قوم من أهل السواد أنهم من أبناء أشراف فارس. وربما قال بعضهم إنهم قوافل خراسان. وإنما كانوا فإن الله قد [١٥٨ أ] أسبغ عليهم بالعرب النعمة وظاهر لهم الكرامة وأثقب لهم العز وأبدلهم بها () «٣» حالا لا ينكرها غير «٤» منقوص أو حاسد كفور. لأن السواد فتحته العرب عنوة، والإمام مخيّر في العنوة بين القتل والرق والفدية والمنّ، فاختاروا خير الأمور لهم وحقنوا دماءهم ومنّوا عليهم وأقرّوا الأموال في أيديهم. ثم جاوروا السلطان من بني العباس وأولياءه من أهل خراسان، فاستخلصهم

стр. 599

لأموره وجعلهم موضع سرّه واتخذ منهم الكتّاب والوزراء والأصحاب والندماء فصاروا به أسعد من يبذل في التمهيد المهجة والمال. وهؤلاء الذين ذكرناهم، هم المشهورون من الناس. فأما من خفي أمره ودخل في جملة الناس فلا حاجة بنا أن نقص عاليه ولا نذكر أوله وآخره، فنجعله خصما وهو مسلم، ويفتح له بالمثل أولئك الطاعنون على العرب. وقد قال الأول: كفاني نقصا أن أجرّ عداوة ... بقول أرى في غيره متوسعا وذكر علي بن محمد المدائني «١» أن أول فتوح خراسان الطبسين وهما بابا خراسان. فتحهما عبد الله بن بديل بن ورقاء في ولاية عثمان بن عفان. وإياهما عنى مالك بن الريب: لعمري لئن غالت خراسان هامتي ... لقد كنت عن بابي خراسان نائيا دعاني الهوى من أهل ودّي ولحمتي ... بذي الطبسين فالتفتّ ورائيا [ومن الري إلى دامغان ثمانون فرسخا. ومن دامغان إلى نيسابور مثل ذلك] «٢» . فكان من الري إلى نيسابور مائة وستون فرسخا. ولنيسابور قهندز وهي أحد كور خراسان الجليلة، ولها من المدن: زام، وباخرز، وجوين، وبيهق، [ولها اثنا عشر رستاقا، في كل رستاق مائة وستون قرية] «٣» . ومن نيسابور إلى سرخس أربعون «٤» فرسخا. ومن سرخس إلى مرو مدينة خراسان ثلاثون «٥» فرسخا وتسمى مرو الشاهجان. قال:

стр. 600

وأزرت مرو من أيّ السرايا ... وأبقت عبرة للغابرينا وسميت مرو الشاهجان لأنها كانت للملك. ٢/١٦٨ ومعنى هذه الكلمة أنها روح الملك [١٥٨ ب] لأن الشاه، الملك. والجان، الروح. فقيل مزح الروح. وسميت مرو الروذ لأنه لم يكن بها بناء. فبعث إليها كسرى ناسا من أهل السواد عليهم رجل يقال له بهرامية، فبنوها وسكنوها. ولما غلب أردشير على ملك النبط فرأى جمالهم وعقولهم قال: ما أخوفني إن حدث بي حدث أن يعود الملك إلى هؤلاء. ففرض لهم فرضا وبعث منهم بعوثا وأغزاهم خراسان وفرّقهم في البلاد، إلّا من ليست عليه منهم مؤونة «١» من أهل الذلة. فأهل مرو من النبط. وعن قتادة في قول الله تعالى لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها . قال: أم القرى بالحجاز، مكة. وبخراسان، مرو. ولما ملك طهمورث بنى قهندز مرو وبنى مدينة بابل ومدينة ابرايين- وهي بأرض قوم موسى- وبنى مدينة بالهند في رأس جبل يقال له أوق. وأمرت خماني بنت أردشير بن إسفنديار لما ملكت ببناء الحائط الذي حول مرو. ويقال إن طهمورث لمّا بنى قهندز مرو، بناه ألف رجل وأقام لهم سوقا فيها الطعام والشراب. فكان إذا أمسى الرجل أعطي درهما فاشترى طعامه وجميع ما يحتاج إليه، فتعود الألف الدرهم إليه. فلم يخرج في البناء إلّا الألف درهم. وكان بمرو بيت كبير يقال له كي مرزبان. ٢/١٦٩ فإذا ارتفع عن الأرض مقدار قامة، كان محمولا إلى السقف على أربعة صور. وفي جوانبه رجلان وامرأتان. وكانت فيه صورة عجيبة لا يدرى ما هي. فجاء قوم فادعوا أنه لهم وأن أباهم بناه، فنقضوه وأبلغوا بما فيه من الخشب وما كان في صوره من الذهب. وكان بيتا
следующие страницы →