Полный текст (760 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الباب الثالث عشر: في مكايد الشيطان التي يكيد بها ابن آدم
قال الله تعالى إخبارا عن عدوه إبليس، لما سأله عن امتناعه عن السجود لآدم واحتجاجه بأنه خير منه وإخراجه من الجنة أنه سأله أن يُنْظِره، فأنظره، ثم قال عدو الله:
﴿فَبِما أغْوَيْتَنِى لأقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أيْمَانهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أكْثَرهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٦- ١٧] .
قال جمهور المفسرين والنحاة: حذف "على" فانتصب بالفعل. والتقدير: لأقعدن لهم على صراطك. والظاهر: أن الفعل مضمر، فإن القاعد على الشىء ملازم له، فكأنه قال: لألزمنه، ولأرصدنه، ولأعوجنه، ونحو ذلك.
قال ابن عباس: "دينك الواضح" وقال ابن مسعود: "هو كتاب الله" وقال جابر: "هو الإسلام" وقال مجاهد: "هو الحق".
والجميع عبارات عن معنى واحد، وهو الطريق الموصل إلى الله تعالى، وقد تقدم حديث سبرة بن أبى الفاكه: "إِن الشَّيْطَانَ قَعَدَ لابْنِ آدَمَ بأَطْرُقِهِ كُلِّهَا" الحديث.
فما من طريق خير إلا والشيطان قاعد عليه يقطعه على السالك.
وقوله: ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أيْديهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] .
قال ابن عباس، فى رواية عطية عنه: "مِن قِبَل الدنيا" وفى رواية علي عنه "أشككهم فى آخرتهم".
وكذلك قال الحسن: "من قبل الآخرة، تكذيبا بالبعث والجنة والنار".
وقال مجاهد: "من بين أيديهم من حيث يبصرون"
стр. 107
ومن خلفهم.
قال ابن عباس: "أرغبهم فى دنياهم" وقال الحسن: "من قبل دنياهم أزينها لهم وأشَهيها لهم".
وعن ابن عباس رواية أخرى: "من قبل الآخرة".
وقال أبو صالح: "أشككهم فى الآخرة وأباعدها عليهم" وقال مجاهد أيضاً: "من حيث لا يبصرون".
وعن أيمانهم قال ابن عباس: "أشبه عليهم أمر دينهم" وقال أبو صالح: "الحق أشككهم فيه" وعن ابن عباس أيضاً: "من قبل حسناتهم".
قال الحسن: "من قبل الحسنات أثبطهم عنها".
وقال أبو صالح أيضاً: "من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم: أُنفِّقُه عليهم وأُرَغِّبُهم فيه".
وقال الحسن "وعن شمائلهمالسيئات يأمرهم بها ويحثهم عليها ويرغبهم فيها ويزينها فى أعينهم".
وصح عن ابن عباس ﵁ أنه قال: "ولم يقل من فوقهم؛ لأنه علم أن الله من فوقهم".
قال الشعبي: "فالله أنزل الرحمة عليهم من فوقهم".
وقال قتادة: "أتاك الشيطان يا ابن آدم من كل وجه غير أنه لم يأتك من فوقك. لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله".
قال الواحدي: "وقول من قال: الأيمان كناية عن الحسنات، والشمائل كناية عن السيئات، حسن؛ لأن العرب تقول: اجعلني فى يمينك، ولا تجعلني فى شمالك، تريد: اجعلني من المقدمين عندك، ولا تجعلني، من المؤخرين"، وأنشد لابن الدمينة:
ألُبْنَى، أفِى يُمْنَى يَديْكِ جَعَلْتِنِى ... فَأَفْرَحُ، أمْ صَيَّرْتِنِى فى شِمَالِكِ؟
وروى أبو عبيد عن الأصمعى: "هو عندنا باليمين: أى بمنزلة حسنة، وبضد ذلك هو عندنا بالشمال"، وأنشد:
رَأَيْتُ بَنِى الْعَلاتِ لَمَّا تَظَافَرُوا ... يَحُوزُونَ سَهْمى بَيْنَهُمْ فى الشَّمائِلِ
стр. 108
أى ينزلونى بالمنزلة السيئة.
وحكى الأزهرى عن بعضهم فى هذه الآية ﴿لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] : "أى لأغوينهم حتى يكذبوا بما تقدم من أمور الأمم السالفة ﴿ومن خلفهم﴾ [الأعراف: ١٧] بأمر البعث ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] : أى لأضلنهم فيما يعملون؛ لأن الكسب يقال فيه: ذلك بما كسبت يداك، وإن كانت اليدان لم تجنيا شيئا؛ لأنهما الأصل فى التصرف، فجعلتا مثلا لجميع ما يعمل بغيرهما".
وقال آخرون منهم أبو إسحاق والزمخشرى، واللفظ لأبى إسحاق: ذكر هذه الوجوه للمبالغة فى التوكيد، أى: لآتينهم من جميع الجهات، والله أعلم، أتصرف لهم فى الإضلال من جميع جهاتهم.
وقال الزمخشرى: ثم لآتينهم من الجهات الأربع التى يأتى منها العدو فى الغالب، وهذا مثل لوسوسته إليهم وتسويله ما أمكنه وقدر عليه، كقوله:
﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِسَوْطِكَ وَأجْلِبْ عَلَيهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] .
وهذا يوافق ما حكيناه عن قتادة: "أتاك من كل وجه غير أنه لم يأتك من فوقك". وهذا القول أعم فائدة ولا يناقض ما قاله السلف، فإن ذلك على جهة التمثيل لا التعيين.
قال شقيق: "ما من صباح إلا قعد لى الشيطان على أربعة مراصد: من بين يدي، ومن خلفى، وعن يمينى، وعن شمالي، فيقول: لا تخف فإن الله غفور رحيم، فأقرأ: ﴿وَإِنِّى لَغَفَّارٌ لِمنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢] .
وأما من خلفي فيخوفنى الضيعة على من أخلفه، فأقرأ: ﴿وَمَا مِنْ دَابّةٍ فى الأرْضِ إلا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] .
ومن قبل يميني يأتيني من قبل النساء، فأقرأ: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] .
ومن قبل شمالى فيأتيني من قبل الشهوات، فأقرأ: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤] .
قلت: السبل التى يسلكها الإنسان أربعة لا غير، فإنه تارة يأخذ على جهة يمينه، وتارة على شماله، وتارة أمامه، وتارة يرجع خلفه، فأي سبيل سلكها من هذه وجد الشيطان عليها رصدا له، فإن سلكها فى طاعة وجده عليها يُثبِّطه عنها ويقطعه، أو يعوقه ويبطئه، وإن سلكها لمعصية وجده عليها حاملا له وخادما ومعينا وممنيا، ولو اتفق له الهبوط إلى أسفل لأتاه من هناك.
стр. 109
ومما يشهد لصحة أقوال السلف قوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٥] .
قال الكلبي: "ألزمناهم قرناء من الشياطين". وقال مقاتل: "هيأنا لهم قرناء من الشياطين". وقال ابن عباس: "ما بين أيديهم من أمر الدنيا وما خلفهم من أمر الآخرة".
والمعنى: زينوا لهم الدنيا حتى آثروها، ودعوهم إلى التكذيب بالآخرة والإعراض عنها. وقال الكلبى: "زينوا لهم ما بين أيديهم من أمر الآخرة: أنه لا جنة، ولا نار، ولا بعث، وما خلفهم من أمر الدنيا: ما هم عليه من الضلالة". وهذا اختيار الفراء.
وقال ابن زيد: "زينوا لهم ما مضى من خبث أعمالهم، وما يستقبلون منها". والمعنى: على هذا زينوا لهم ما عملوه فلم يتوبوا منه وما يعزمون عليه فلا ينوون تركه.
فقول عدو الله تعالى: ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْديِهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] .
يتناول الدنيا والآخرة، وقوله: ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] .
فإن ملك الحسنات عن اليمين يستحث صاحبه على فعل الخير، فيأتيه الشيطان من هذه الجهة يثبطه عنه، وإن ملك السيئات عن الشمال ينهاه عنها فيأتيه الشيطان من تلك الجهة يحرضه عليها، وهذا يفصل ما أجمله فى قوله: ﴿فَبِعزَّتِكَ لأغْوِينَّهُمْ أَجْمَعينَ﴾ [ص: ٨٢] وقال تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إلا شَيْطَاناً مَرِيداً لَعَنَهُ اللهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضا وَلأضِلَّنَّهُمْ وَلأمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأنْعَامِ وَلآمُرَنّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيا مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خسرَاناً مُبِيناً يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إلا غُرُوراً﴾ [النساء: ١١٧ - ١٢٠] .
قال الضحاك: "مفروضا أى معلوما" وقال الزجاج: "أى نصيبا افترضته على نفسى" قال الفراء: "يعنى ما جعل له عليه السبيل من الناس، فهو كالمفروض".
قلت: حقيقة الفرض هو التقدير. والمعنى: أن من اتبع الشيطان وأطاعه فهو من نصيبه المفروض وحظه المقسوم، فكل من أطاع عدو الله فهو من مفروضه، فالناس قسمان: نصيب الشيطان ومفروضه، وأولياء الله وحزبه وخاصته.
وقوله ﴿ولأضلنهم﴾ يعنى عن الحق ﴿ولأمنيهم﴾ ، قال ابن عباس: "يريد تعويق التوبة وتأخيرها".
стр. 110
وقال الكلبى: "مُنَيِّهم أنه لا جنة، ولا نار، ولا بعث".
وقال الزجاج: "أجمع لهم مع الإضلال أن أوهمهم أنهم ينالون مع ذلك حظهم من الآخرة".
وقيل: "لأمنينهم ركوب الأهواء الداعية إلى العصيان والبدع".
وقيل: "أمنيهم طول البقاء فى نعيم الدنيا، فأطيل لهم الأمل فيها ليؤثروها على الآخرة".
وقوله: ﴿وَلآمُرَنّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأنْعَامِ﴾ [النساء: ١١٩] .
البتك: القطع وهو فى هذا الموضع: قطع آذان البحيرة، عن جميع المفسرين، ومن هاهنا كره جمهور أهل العلم تثقيب أذنى الطفل للحلق، ورخص بعضهم فى ذلك للأنثى، دون الذكر، لحاجتها إلى الحلية، واحتجوا بحديث أم زَرْعٍ، وفيه: "أنَاسَ مِنْ حُلِىّ أُذُنَىّ "
وقال النبى ﷺ : "كُنْتُ لَكِ كَأَبِى زَرْعٍ لأمِّ زَرْعٍ".
ونص أحمد ﵀ على جواز ذلك فى حق البنت وكراهته فى حق الصبي.
وقوله: ﴿وَلآمُرَنّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ﴾ [النساء: ١١٩] .
قال ابن عباس: "يريد دين الله". وهو قول إبراهيم، ومجاهد، والحسن، والضحاك، وقتادة، والسُّدى، وسعيد بن المسيَّب، وسعيد بن جُبير.
ومعنى ذلك: هو أن الله تعالى فطر عباده على الفطرة المستقيمة؛ وهى ملَّة الإسلام؛ كما قال تعالى:
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِى فَطَرَ النّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلِكنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ مُنِيبِينَ إلَيْهِ وَاتّقُوهُ﴾ [الروم: ٣٠- ٣١] .
ولهذا قال ﷺ : "مَا مِنْ مَوْلُودٍ إلا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمجِّسَانِهِ كَما تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، فَهَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ، حَتَّى تَكُونُوا أنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا".
ثم قرأ أبو هريرة: ﴿فِطرَتَ اللهِ الّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] الآية، متفق عليه.
стр. 111
فجمع النبىّ ﵊ بين الأمرين: تغيير الفطرة بالتهويد والتنصير، وتغيير الخلقة بالجدع، وهما الأمران اللذان أخبر إبليس أنه لا بد أن يغيرهما، فغير فطرة الله بالكفر، وهو تغيير الخلقة التى خلقوا عليها، وغير الصورة بالجدع والبتك، فغيروا الفطرة إلى الشرك، والخلقة إلى البتك والقطع، فهذا تغيير خلقة الروح، وهذا تغيير خلقة الصورة.
ثم قال: ﴿يعدهم ويمنيهم﴾ [النساء: ١٢٠] فوعده ما يصل إلى قلب الإنسان، نحو: سيطول عمرك، وتنال من الدنيا إربك، وستعلو على أقرانك، وتظفر بأعدائك، والدنيا دول ستكون لك كما كانت لغيرك، ويطول أمله، ويعده بالحسنى على شركه ومعاصيه، ويمنيه الأمانى الكاذبة على اختلاف وجوهها، والفرق بين وعده وتمنيته أن الوعد فى الخير والتمنية فى الطلب والإرادة، فيعده الباطل الذى لا حقيقة له- وهو الغرور- ويمنيه المحال الذى لا حاصل له. ومن تأمل أحوال أكثر الناس وجدهم متعلقين بوعده وتمنيه وهم لا يشعرون أنه يعد الباطل، ويمنى المحال، والنفس المهينة التى لا قدر لها تغتذى بوعده وتمنيته، كما قال القائل:
مُنًى إنْ تَكُنْ حَقا تَكُنْ أحْسَنَ المُنَى ... وَإِلا فَقَدْ عِشْنَا بِهَا زَمَناً رَغْدا
فالنفس المبطلة الخسيسة تلتذ بالأمانى الباطلة والوعود الكاذبة، وتفرح بها، كما يفرح بها النساء والصيبان ويتحركون لها، فالأقوال الباطلة مصدرها وعد الشيطان وتمنيه، فإن الشيطان يمنى أصحابها الظفر بالحق وإدراكه، ويعدهم الوصول إليه من غير طريقه، فكل مبطل فله نصيب من قوله: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُوراً﴾ [النساء: ١٢٠] .
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللهُ يَعِدُكمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلا﴾ [البقرة: ٢٦٨] .
قيل: ﴿يعدكم الفقر﴾ [البقرة: ٢٦٨] : يخوفكم به، يقول: إن أنفقتم أموالكم افتقرتم، ﴿ويأمركم بالفحشاء﴾ [البقرة: ٢٦٨] قالوا: هى البخل فى هذا الموضع خاصة، ويذكر عن مقاتل والكلبى كل فحشاء فى القرآن فهى الزنا إلا فى هذا الموضع فإنها البخل.
والصواب: أن الفحشاء على بابها، وهى كل فاحشة، فهى صفة لموصوف محذوف، فحذف موصوفها إرادة للعموم، أى بالفعلة الفحشاء والخلة الفحشاء، ومن جملتها البخل، فذكر سبحانه وعد الشيطان وأمره يأمرهم بالشر ويخوفهم من فعل الخير، وهذان الأمران هما جماع ما يطلبه الشيطان من الإنسان فإنه إذا خوفه من فعل الخير تركه، وإذا أمره بالفحشاء وزينها له ارتكبها، وسمى سبحانه تخويفه وعد الانتظار الذى خوفه إياه كما ينتظر الموعود ما وعد به ثم ذكر سبحانه وعده على طاعته، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وهى المغفرة
стр. 112
والفضل، فالمغفرة: وقاية الشر، والفضل: إعطاء الخير، وفى الحديث المشهور: "إن للمَلك بقلب ابن آدم لمة، وللشيطان لمة، فلمة الملك: إيعاد بالخير، وتصديق بالوعد، ولمة الشيطان: إيعاد بالشر، وتكذيب بالوعد"، ثم قرأ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨] الآية.
فالملك والشيطان يتعاقبان على القلب تعاقب الليل والنهار، فمن الناس من يكون ليله أطول من نهاره، وآخر بضده، ومنهم من يكون زمنه نهاراً كله، وآخر بضده، نستعيذ بالله تعالى من شر الشيطان.
فصل
ومن كيده للإنسان: أنه يورده الموارد التى يخيل إليه أن فيها منفعته، ثم يُصْدِرهُ المصادر التى فيها عطبه، ويتخلى عنه ويسلمه ويقف يشمت به، ويضحك منه، فيأمره بالسرقة والزنا والقتل، ويدل عليه ويفضحه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّن لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمَ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ وَإِنِّى جَارٌ لَكُمْ فَلمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّى بَرِىءٌ مِنْكُمْ إِنِّى أَرَى مَالا تَرَوْنَ إِنِّى أَخَافُ الله وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٨] .
فإنه تراءى للمشركين عند خروجهم إلى بدر فى صورة سراقة بن مالك، وقال: أنا جار لكم من بنى كنانة أن يقصدوا أهلكم وذراريكم بسوء، فلما رأى عدو الله جنود الله تعالى من الملائكة نزلت لنصر رسوله فرَّ عنهم، وأسلمهم، كما قال حسان:
стр. 113
دَلاهُمُ بِغُرُورٍ، ثُمَّ أَسْلَمَهُمْ ... إِنَّ الخبِيثَ لمنْ وَالاهُ غَرَّارُ
وكذلك فعل بالراهب الذى قتل المرأة وولدها، أمره بالزنا ثم بقتلها، ثم دل أهلها عليه، وكشف أمره لهم، ثم أمره بالسجود له، فلما فعل فر عنه وتركه. وفيه أنزل الله سبحانه:
﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ للإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إنى بَرِىءٌ مِنْكَ إِنِّى أَخَافَ اللهَ رَبَّ الْعَالِمينَ﴾ [الحشر: ١٦] .
وهذا السياق لا يختص بالذى ذكرت عنه هذه القصة، بل هو عام فى كل من أطاع الشيطان فى أمره له بالكفر، لينصره ويقضى حاجته، فإنه يتبرأ منه ويسلمه كما يتبرأ من أوليائه جملة فى النار، ويقول لهم: ﴿إِنِّى كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢] .
فأوردهم شر الموارد وتبرأ منهم كل البراءة.
وتكلم الناس فى قول عدو الله ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ [الأنفال: ٤٨] فقال قتادة وابن إسحاق: "صدق عدو الله فى قوله ﴿إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْن﴾ [الأنفال: ٤٨] وكذب فى قوله ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ [الأنفال: ٤٨] والله ما به مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوة له ولا منعة فأوردهم وأسلمهم. وكذلك عادة عدو الله بمن أطاعه".
وقالت طائفة: "إنما خاف بطش الله تعالى به فى الدنيا، كما يخاف الكافر والفاجر أن يقتل أو يؤخذ بجرمه، لا أنه خاف عقابه فى الآخرة". وهذا أصح، وهذا الخوف لا يستلزم إيمانا ولا نجاة.
قال الكلبى: "خاف أن يأخذه جبريل فيعرفهم حاله فلا يطيعونه".
وهذا فاسد، فإنه إنما قال لهم ذلك بعد أن فر ونكص على عقبيه، إلا أن يريد أنه إذا عرف المشركون أن الذى أجارهم وأوردهم إبليس لم يطيعوه فيما بعد ذلك، وقد أبعد النجعة إن أراد ذلك، وتكلف غير المراد.
وقال عطاء: "إنى أخاف الله أن يهلكنى فيمن يهلك"، وهذا خوف هلاك الدنيا فلا ينفعه.
стр. 114
وقال الزجاج وابن الأنبارى: "ظن أن الوقت الذى أنظر إليه قد حضر". زاد ابن الأنبارى قال: "أخاف أن يكون الوقت المعلوم الذى يزول معه إنظارى قد حضر فيقع بى العذاب، فإنه لما عاين الملائكة خاف أن يكون وقت الإنظار قد انقضى، فقال ما قال إشفاقا على نفسه".
فصل
ومن كيد عدو الله تعالى: أنه يخوِّف المؤمنين من جنده وأوليائه، فلا يجاهدونهم ولا يأمرونهم بالمعروف، ولا ينهونهم عن المنكر، وهذا من أعظم كيده بأهل الإيمان، وقد أخبرنا الله سبحانه عنه بهذا فقال:
﴿إِنَّمَا ذلِكُمُ الشّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] .
المعنى عند جميع المفسرين: يخوفكم بأوليائه. قال قتادة: "يعظمهم فى صدوركم، ولهذا قال: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فكلما قوى إيمان العبد زال من قلبه خوف أولياء الشيطان، وكلما ضعف إيمان العبد قوى خوفه منهم".
ومن مكايده أنه يسحر العقل دائما حتى يكيده، ولا يسلم من سحره إلا من شاء الله، فيزين له الفعل الذى يضره حتى يخيل إليه أنه من أنفع الأشياء، وينفر من الفعل الذى هو أنفع الأشياء له، حتى يخيل له أنه يضره، فلا إله إلا الله. كم فتن بهذا السحر من إنسان، وكم حال به بين القلب وبين الإسلام والإيمان والإحسان؟ وكم جلا الباطل وأبرزه فى صورة مستحسنة، وشنع الحق وأخرجه فى صورة مستهجنة؟ وكم بهرج من الزيوف على الناقدين، وكم روّج من الزغل على العارفين؟ فهو الذى سحر العقول حتى ألقى أربابها فى الأهواء المختلفة والآراء المتشعبة، وسلك بهم فى سبل الضلال كل مسلك وألقاهم من المهالك فى مهلك بعد مهلك، وزين لهم عبادة الأصنام، وقطيعة الأرحام، ووأد البنات، ونكاح الأمهات، ووعدهم الفوز بالجنات مع الكفر والفسوق والعصيان، وأبرز لهم الشرك فى صورة التعظيم، والكفر بصفات الرب تعالى وعلوه على عرشه وتكلمه بكتبه فى قالب التنزيه، وترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى قالب التودد إلى الناس، وحسن الخلق معهم، والعمل بقوله:
﴿عَلَيْكُمْ أنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] .
والإعراض عما جاء به الرسول ﵊ فى قالب التقليد،
стр. 115
والاكتفاء بقول من هو أعلم منهم، والنفاق والإدهان فى دين الله فى قالب العقل المعيشى الذى يندرج به العبد بين الناس.
فهو صاحب الأبوين حين أخرجهما من الجنة، وصاحب قابيل حين قتل أخاه، وصاحب قوم نوح حين أغرقوا، وقوم عاد حين أهلكوا بالريح العقيم، وصاحب قوم صالح حين أهلكوا بالصيحة، وصاحب الأمة اللوطية حين خسف بهم وأتبعوا بالرجم بالحجارة، وصاحب فرعون وقومه حين أخذوا الأخذة الرابية، وصاحب عباد العجل حين جرى عليهم ما جرى، وصاحب قريش حين دعوا يوم بدر، وصاحب كل هالك ومفتون.
فصل
وأول كيده ومكره: أنه كاد الأبوين بالأيمان الكاذبة: أنه ناصح لهما، وأنه إنما يريد خلودهما فى الجنة، قال تعالى: ﴿فَوَسْوسَ لَهُمَا الشّيْطَانُ لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا وُورِىَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَانَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هذِهِ الشّجرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونَا مِنَ الخالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَا إنِّى لَكُمَا لَمِنَ النّاصِحِينَ فَدَلاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٠ - ٢٢] .
فالوسوسة: حديث النفس والصوت الخفى، وبه سمى صوت الحلى وسواسا، ورجل موسوس بكسر الواو، ولا يفتح فإنه لحن، وإنما قيل له: موسوس؛ لأن نفسه توسوس إليه، قال تعالى: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْه مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] .
وعلم عدو الله أنهما إذا أكلا من الشجرة بدت لهما عوراتهما، فإنها معصية، والمعصية تهتك ستر ما بين الله وبين العبد، فلما عصيا انهتك ذلك الستر فبدت لهما سوآتهما فالمعصية تبدى السوأة الباطنة والظاهرة، ولهذا رأى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى رؤياه الزناة والزوانى عراة بادية سوآتهم، وهكذا إذا رؤى الرجل أو المرأة فى منامه مكشوف السوأة يدل على فساد فى دينه، قال الشاعر:
стр. 116
إِنِّى كَأَنِّى أَرَى مَنْ لا حَيَاءَ لَهُ ... وَلا أمَانَةَ وَسْطَ النَّاسِ عُرْيَانَا
فإن الله سبحانه أنزل لباسين: لباسا ظاهرا يوارى العورة ويسترها، ولباسا باطنا من التقوى، يُجَمِّل العبد ويستره، فإذا زال عنه هذا اللباس انكشفت عورته الباطنة، كما تنكشف عورته الظاهرة بنزع ما يسترها.
ثم قال: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هذِهِ الشجَرَةِ إِلا أنْ تَكُونَا مَلَكْين﴾ [الأعراف: ٢٠] .
أى: إلا كراهة أن تكونا ملكين، وكراهة أن تخلدا فى الجنة، ومن هاهنا دخل عليهما لما عرف أنهما يريدان الخلود فيها، وهذا باب كيده الأعظم الذى يدخل منه على ابن آدم، فإنه يجرى منه مجرى الدم حتى يصادف نفسه ويخالطها، ويسألها عما تحبه وتؤثره، فإذا عرفه استعان بها على العبد، ودخل عليه من هذا الباب، وكذلك علم إخوانه وأولياءه من الإنس إذا أرادوا أغراضهم الفاسدة من بعضهم بعضا أن يدخلوا عليهم من الباب الذى يحبونه ويهوونه، فإنه باب لا يخذل عن حاجته من دخل منه، ومن رام الدخول من غيره فالباب عليه مسدود، وهو عن طريق مقصده مصدود.
فشام عدو الله الأبوين، فأحسَّ منهما إيناساً وركوناً إلى الخلد فى تلك الدار فى النعيم المقيم فعلم أنه لا يدخل عليهما من غير هذا الباب، فقاسمهما بالله إنه لهما لمن الناصحين، وقال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين.
وكان عبد الله بن عباس يقرؤها ملكين بكسر اللام، ويقول: لم يطمعا أن يكونا من الملائكة، ولكن استشرفا أن يكونا ملكين فأتاهما من جهة الملك، ويدل على هذه القراءة قوله فى الآية الأخرى: ﴿قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠] .
وأما على القراءة المشهورة فيقال: كيف أطمع عدو الله آدم ﵇ أن يكون بأكله من الشجرة من الملائكة، وهو يرى الملائكة لا تأكل ولا تشرب؟ وكان آدم ﵇ أعلم بالله وبنفسه وبالملائكة من أن يطمع أن يكون منهم بأكله، ولا سيما مما نهاه الله عنه؟،
فالجواب: أن آدم وحواء ﵉ لم يطمعا فى ذلك أصلاً، وإنما كذبهما عدو الله وغرَّهما، وخدعهما بأن سمى تلك الشجرة شجرة الخلد، فهذا أول المكر والكيد ومنه ورث أتباعه تسمية الأمور المحرمة بالأسماء التى تحب النفوس مسمياتها، فسموا الخمر: أم الأفراح،
стр. 117
وسموا أخاها بلقيمة الراحة، وسموا الربا بالمعاملة، وسموا المكوس بالحقوق السلطانية، وسموا أقبح الظلم وأفحشه شرع الديوان، وسموا أبلغ الكفر، وهو جحد صفات الرب، تنزيها، وسموا مجالس الفسوق مجالس الطيبة. فلما سماها شجرة الخلد قال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا كراهة أن تأكلا منها فتخلدا فى الجنة ولا تموتا فتكونان مثل الملائكة الذين لا يموتون، ولم يكن آدم ﵇ قد علم أنه يموت بعد، واشتهى الخلود فى الجنة، وحصلت الشبهة من قول العدو وإقسامه بالله جهد أيمانه، أنه ناصح لهما، فاجتمعت الشبهة والشهوة، وساعده القدر، ولما فرغ الله سبحانه من تقديره فأخذتهما سنة الغَفْلة، واستيقظ لهما العدو، كما قيل:
وَاسْتَيْقَظُوا وَأَرَادَ اللهُ غَفْلَتَهُمْ ... لِيَنْفُذَ الْقَدَرُ المَحْتُومُ فى الأزَلِ
إلا أن هذا الجواب يعترض عليه قوله ﴿أو تكونا من الخالدين﴾ [الأعراف: ٢٠] . فيقال: الماكر المخادع لا بد أن يكون فيما يمكر به ويكيد من التناقض والباطل ما يدل على مكره وكيده، ولا حاجة بنا إلى تصحيح كلام عدو الله، والاعتذار عنه، وإنما يعتذر عن الأب فى كون ذلك راج عليه وولج سمعه، فهو لم يجزم لهما بأنهما إن أكلا منها صارا ملكين، وإنما ردد الأمر بين أمرين: أحدهما ممتنع، والآخر: ممكن، وهذا من أبلغ أنواع الكيد والمكر، ولهذا لما أطمعه فى الأمر الممكن جزم له به ولم يردده.
فقال: ﴿يَا آدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يْبلَى﴾ [طه: ١٢٠] .
فلم يدخل أداة الشك هاهنا كما أدخلها فى قوله: ﴿إلا أَنْ تَكونَا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠] فتأمله، ثم قال: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّى لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] .
فتضمن هذا الخبر أنواعا من التأكيد:
أحدها: تأكيده بالقسم.
الثانى: تأكيده بإنّ.
الثالث: تقديم المعمول على العامل، إيذانا بالاختصاص. أى نصيحتى مختصة بكما، وفائدتها إليكما لا إلى.
الرابع: إتيانه باسم الفاعل الدال على الثبوت واللزوم، دون الفعل الدال على التجدد: أى النصح صفتى وسجيتى، ليس أمرا عارضا لى.
стр. 118
الخامس: إتيانه بلام التأكيد فى جواب القسم.
السادس: أنه صور نفسه لهما ناصحا من جملة الناصحين، فكأنه قال لهما: الناصحون لكما فى ذلك كثير، وأنا واحد منهم، كما تقول لمن تأمره بشىء: كل أحد معى على هذا وأنا من جملة من يشير عليك به.
سَعَى نَحْوَهَا حَتَّى تجَاوَزَ حَدَّهُ ... وَكَثَّرَ فَارْتَابَتْ، وَلَوْ شَاءَ قَلَّلا
وورّث عدو الله هذا المكر لأوليائه وحزبه عند خداعهم للمؤمنين كما كان المنافقون يقولون لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا جاءوه: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ﴾ [المنافقون: ١] . فأكدوا خبرهم بالشهادة وبإن وبلام التأكيد، وكذلك قوله سبحانه: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦] .
ثم قال تعالى: ﴿فَدَلاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢] .
قال أبو عبيدة: "خذلهما وخلاهما، من تدلية الدلو، وهو إرسالها فى البئر".
وذكر الأزهرى لهذه اللفظة أصلين: أحدهما قال: "أصله الرجل العطشان يتدلى فى البئر ليروى من الماء فلا يجد فيها ماء فيكون قد تدلى فيها بالغرور. فوضعت التدلية موضع الإطماع فيما لا يجدى نفعا، فيقال: دلاه، إذا أطمعه"، ومنه قول أبى جندب الهذلى:
أَحُصُّ، فَلاَ أُجِيرُ وَمَنْ أُجِرْهُ ... فَلَيْسَ كَمَنْ تَدَلَّى بِالْغُرُورِ
أحص: أى أقطع.
الثانى: "فدلاهما بغرور، أى جرأهما على أكل الشجرة، وأصله: دللهما من الدلال والدالة وهى الجراءة"، قال شمر: "يقال: ما دَلَّكَ على أى ما جرأك على"، وأنشد لقيس بن زهير:
أَظنُّ الْحِلْمَ دَلَّ عَلَىَّ قَوْمِى ... وَقَدْ يُسْتَجْهَلُ الرَّجُلُ الْحَلِيمُ
стр. 119
قلت: أصل التدلية فى اللغة الإرسال والتعليق. يقال: دلى الشىء فى مهواة، إذا أرسله بتعليق. وتدلى الشىء بنفسه. ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ [يوسف: ١٩] .
قال عامة أهل اللغة: يقال: أدلى دلوه إذا أرسلها فى البئر. ودلاها بالتخفيف إذا نزعها من البئر، فأدلى دلوه يدليه إدلاء إذا أرسلها، ودلاها يدلوها دلوا، إذا نزعها وأخرجها، ومنه الإدلاء، وهو التوصل إلى الرجل برحم منه، ويشاركه فى الاشتقاق الأكبر الدلالة وهى التوصل إلى الشىء بإبانته وكشفه، ومنه الدل وهو ما يدل على العبد من أفعاله، وكان عبد الله بن مسعود يتشبه برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى هديه ودله وسمته، فالهدى الطريقة التى عليها العبد، من أخلاقه وأقواله وأعماله، والدل ما يدل من ظاهره على باطنه، والسمت هيأته ووقاره ورزانته.
والمقصود: ذكر كيد عدو الله ومكره بالأبوين.
قال مطرف بن عبد الله: "قال لهما إنى خلقت قبلكما، وأنا أعلم منكما، فاتبعانى أرشدكما وحلف لهما، وإنما يخدع المؤمن بالله"، قال قتادة: "وكان بعض أهل العلم يقول من خادعنا بالله خدعنا"، فالمؤمن غر كريم والفاجر خب لئيم، وفى الصحيح: "أن عيسى بن مريم ﵇ رأى رجلا يسرق، فقال: سرقت؟ فقال: لا والله الذى لا إله إلا هو، فقال المسيح: آمنت بالله وكذبت بصرى".
وقد تأوله بعضهم على أنه لما حلف له جوز أن يكون قد أخذ من ماله، فظنه المسيح سرقة، وهذا تكلف، وإنما كان الله فى قلب المسيح ﵇ أجل وأعظم من أن يحلف به أحد كاذبا، فلما حلف له السارق دار الأمر بين تهمته وتهمة بصره، فرد التهمة إلى بصره لما اجتهد له فى اليمين بالله، كما ظن آدم ﵇ صدق إبليس لما حلف له بالله ، وقال: ما ظننت أحدا يحلف بالله تعالى كاذبا.
فصل
ومن كيده العجيب: أنه يشام النفس، حتى يعلم أى القوتين تغلب عليها: قوة الإقدام والشجاعة، أم قوة الانكفاف والإحجام والمهانة؟.
стр. 120
فإن رأى الغالب على النفس المهانة والإحجام أخذ فى تثبيطه وإضعاف همته وإرادته عن المأمور به، وثقله عليه، فهون عليه تركه، حتى يتركه جملة، أو يقصر فيه ويتهاون يه.
وإن رأى الغالب عليه قوة الإقدام وعلو الهمة أخذ يقلل عنده المأمور به، ويوهمه أنه لا يكفيه، وأنه يحتاج معه إلى مبالغة وزيادة فيقصر بالأول ويتجاوز بالثانى، كما قال بعض السلف: "ما أمر الله سبحانه بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وتقصير، وإما إلى مجاوزة وغلوّ. ولا يبالى بأيهما ظفر".
وقد اقتطع أكثر الناس إلا أقل القليل فى هذين الواديين: وادى التقصير، ووادى المجاوزة والتعدى. والقليل منهم جدا الثابت على الصراط الذى كان عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه.
فقوم قصر بهم عن الإتيان بواجبات الطهارة، وقوم تجاوز بهم إلى مجاوزة الحد
وقوم قصر بهم عن إخراج الواجب من المال، وقوم تجاوز بهم حتى أخرجوا جميع ما فى أيديهم وقعدوا كَلا على الناس، مستشرفين إلى ما بأيديهم.
وقوم قصر بهم عن تناول ما يحتاجون إليه من الطعام والشراب واللباس حتى أضروا بأبدانهم وقلوبهم، وقوم تجاوز بهم حتى أخذوا فوق الحاجة فأضروا بقلوبهم وأبدانهم.
وكذلك قصر بقوم فى حق الأنبياء وورثتهم حتى قتلوهم، وتجاوز بآخرين حتى عبدوهم.
وقصر بقوم فى خلطة الناس حتى اعتزلوهم فى الطاعات، كالجمعة والجماعات والجهاد وتعلم العلم، وتجاوز بقوم حتى خالطوهم فى الظلم والمعاصى والآثام.
وقصر بقوم حتى امتنعوا من ذبح عصفور أو شاة ليأكله، وتجاوز بآخرين حتى جرأهم على الدماء المعصومة.
وكذلك قصر بقوم حتى منعهم من الاشتغال بالعلم الذى ينفعهم، وتجاوز بآخرين حتى جعلوا العلم وحده هو غايتهم دون العمل به.
وقصر بقوم حتى أطعمهم من العشب ونبات البرية دون غذاء بنى آدم، وتجاوز بآخرين حتى أطعمهم الحرام الخالص.
وقصر بآخرين حتى زين لهم ترك سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من النكاح فرغبوا عنه بالكلية، وتجاوز بآخرين حتى ارتكبوا ما وصلوا إليه من الحرام.
стр. 121
وقصر بقوم حتى جفوا الشيوخ من أهل الدين والصلاح، وأعرضوا عنهم، ولم يقوموا بحقهم، وتجاوز بآخرين حتى عبدوهم مع الله تعالى.
وكذلك قصر بقوم حتى منعهم قبول أقوال أهل العلم والالتفات إليها بالكلية، وتجاوز بآخرين حتى جعلوا الحلال ما حللوه والحرام ما حرموه، وقدموا أقوالهم على سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الصحيحة الصريحة.
وقصر بقوم حتى قالوا: إن الله سبحانه لا يقدر على أفعال عباده ولا شاءها منهم، ولكنهم يعملونها بدون مشيئة الله تعالى وقدرته، وتجاوز بآخرين حتى قالوا: إنهم لا يفعلون شيئا البتة، وإنما الله سبحانه هو فاعل تلك الأفعال حقيقة، فهى نفس فعله لا أفعالهم. والعبيد ليس لهم قدرة ولا فعل البتة.
وقصر بقوم حتى قالوا: إن رب العالمين ليس داخلا فى خلقه ولا بائنا عنهم، ولا هو فوقهم ولا تحتهم ولا خلفهم ولا أمامهم ولا عن أيمانهم ولا عن شمائلهم، وتجاوز بآخرين حتى قالوا: هو فى كل مكان بذاته، كالهواء الذى هو داخل فى كل مكان.
وقصر بقوم حتى قالوا: لم يتكلم الرب سبحانه بكلمة واحدة البتة، وتجاوز بآخرين حتى قالوا: لم يزل أزلا وأبدا قائلا: يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى، ويقول لموسى ﴿اذهب إلى فرعون﴾ فلا يزال هذا الخطاب قائما به ومسموعاً منه، كقيام صفة الحياة به.
وقصر بقوم حتى قالوا: إن الله سبحانه لا يشفع أحدا فى أحد البتة، ولا يرحم أحدا بشفاعة أحد، وتجاوز بآخرين حتى زعموا أن المخلوق يشفع عنده بغير إذنه، كما يشفع ذو الجاه عند الملوك ونحوهم.
وقصر بقوم حتى قالوا: إيمان أفسق الناس وأظلمهم كإيمان جبريل وميكائيل، فضلا عن أبى بكر وعمر، وتجاوز بآخرين حتى أخرجوا من الإسلام بالكبيرة الواحدة.
وقصر بقوم حتى نفوا حقائق أسماء الرب تعالى وصفاته وعطلوه منها، وتجاوز بآخرين حتى شبهوه بخلقه ومثلوه بهم.
وقصر بقوم حتى عادوا أهل بيت رسول الله ﷺ ، وقاتلوهم، واستحلوا حرمتهم، وتجاوز بقوم حتى ادعوا فيهم خصائص النبوة: من العصمة وغيرها. وربما ادعوا فيهم الإلهية.
стр. 122
وكذلك قصر باليهود فى المسيح حتى كذبوه ورموه وأمه بما برأهما الله تعالى منه، وتجاوز بالنصارى حتى جعلوه ابن الله، وجعلوه إلها يعبد مع الله.
وقصر بقوم حتى نفوا الأسباب والقوى والطبائع والغرائز، وتجاوز بآخرين حتى جعلوها أمراً لازماً لا يمكن تغييره ولا تبديله، وربما جعلها بعضهم مستقلة بالتأثير. وقصر بقوم حتى تعبدوا بالنجاسات، وهم النصارى وأشباههم، وتجاوز بقوم حتى أفضى بهم الوسواس إلى الآصار والأغلال، وهم أشباه اليهود.
وقصر بقوم حتى تزينوا للناس وأظهروا لهم من الأعمال والعبادات ما يحمدونهم عليه، وتجاوز بقوم حتى أظهروا لهم من القبائح ومن الأعمال السيئة ما يسقطون به جاههم عندهم، وسموا أنفسهم الملامية.
وقصر بقوم حتى أهملوا أعمال القلوب ولم يلتفتوا إليها وعدوها فضلا، أو فضولا، وتجاوز بآخرين حتى قصروا نظرهم وعملهم عليها، ولم يلتفتوا إلى كثير من أعمال الجوارح، وقالوا: العارف لا يسقط وارده لورده.
وهذا باب واسع جداً لو تتبعناه لبلغ مبلغا كثيراً، وإنما أشرنا إليه أدنى إشارة.
فصل
ومن حيله ومكايده: الكلام الباطل، والآراء المتهافتة، والخيالات المتناقضة، التى هى زبالة الأذهان، ونُحاتة الأفكار، والزبد الذى يقذف به القلوب المظلمة المتحيرة، التى تعدل الحق بالباطل، والخطأ بالصواب، قد تقاذفت بها أمواج الشبهات، ورانت عليها غيوم الخيالات، فمركبها القيل والقال، والشك والتشكيك، وكثرة الجدال، ليس لها حاصل من اليقين يعول عليه، ولا معتقد مطابق للحق يرجع إليه، يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، فقد اتخذوا لأجل ذلك القرآن مهجورا، وقالوا من عند أنفسهم فقالوا منكرا من القول وزورا فهم فى شكهم يعمهون، وفى حيرتهم يترددون، نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، واتبعوا ما تلته الشياطين على ألسنة أسلافهم من أهل الضلال، فهم إليه يتحاكمون، وبه يتخاصمون، فارقوا الدليل واتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل.
стр. 123
فصل
ومن كيده بهم وتحيله على إخراجهم من العلم والدين: أن ألقى على ألسنتهم أن كلام الله ورسوله ظواهر لفظية لا تفيد اليقين، وأوحى إليهم أن القواطع العقلية والبراهين اليقينية فى المناهج الفلسفية، والطرق الكلامية، فحال بينهم وبين اقتباس الهدى واليقين من مشْكاة القرآن، وأحالهم على منطق يونان، وعلى ما عندهم من الدعاوى الكاذبة العريَّة عن البرهان، وقال لهم: تلك علوم قديمة صقلتها العقول والأذهان، ومرت عليها القرون والأزمان، فانظر كيف تلطف بكيده ومكره حتى أخرجهم من الإيمان والدين، كإخراج الشعرة من العجين.
فصل
ومن كيده: ما ألقاه إلى جُهال المتصوفة من الشطح والطامات، وأبرزه لهم فى قالب الكشف من الخيالات، فأوقعهم فى أنواع الأباطيل والترهات، وفتح لهم أبواب الدعاوى الهائلات، وأوحى إليهم: أن وراء العلم طريقا إن سلكوه أفضى بهم إلى الكشف العيان، وأغناهم عن التقيد بالسنة والقرآن، فحسن لهم رياضة النفوس وتهذيبها، وتصفية الأخلاق والتجافى عما عليه أهل الدنيا، وأهل الرياسة والفقهاء، وأرباب العلوم والعمل على تفريغ القلب وخلوه من كل شىء، حتى ينتقش فيه الحق بلا واسطة تعلم، فلما خلا من صورة العلم الذى جاء به الرسول نقش فيه الشيطان بحسب ما هو مستعد له من أنواع الباطل، وخيله للنفس حتى جعله كالمشاهد كشفا وعيانا، فإذا أنكره عليهم ورثة الرسل قالوا: لكم العلم الظاهر، ولنا الكشف الباطن، ولكم ظاهر الشريعة، وعندنا باطن الحقيقة، ولكم القشور ولنا اللباب، فلما تمكن هذا من قلوبهم سلخها من الكتاب والسنة والآثار كما ينسلخ الليل عن النهار، ثم أحالهم فى سلوكهم على تلك الخيالات، وأوهمهم أنها عن الآيات البينات، وأنها من قبل الله سبحانه إلهامات وتعريفات فلا تعرض على السنة والقرآن، ولا تعامل إلا بالقبول والإذعان.
فلغير الله لا له سبحانه ما يفتحه عليهم الشيطان من الخيالات والشطحات، وأنواع
стр. 124
لهذيان. وكلما ازدادوا بعدا وإعراضا عن القرآن وما جاء به الرسول كان هذا الفتح على قلوبهم أعظم.
فصل
ومن أنواع مكايده ومكره: أن يدعو العبد بحسن خلقه وطلاقته وبشره إلى أنواع من الآثام والفجور، فيلقاه من لا يخلصه من شره إلا تجهمه والتعبيس فى وجهه والإعراض عنه، فيحسن له العدو أن يلقاه ببشره، وطلاقة وجهه، وحسن كلامه، فيتعلق به، فيروم التخلص منه فيعجز، فلا يزال العدو يسعى بينهما حتى يصيب حاجته، فيدخل على العبد بكيده من باب حسن الخلق، وطلاقة الوجه، ومن هاهنا وصى أطباء القلوب بالإعراض عن أهل البدع وأن لا يسلم عليهم، ولا يريهم طلاقة وجهه، ولا يلقاهم إلا بالعبوس والإعراض.
وكذلك أوصوا عند لقاء من يخاف الفتنة بلقائه من النساء والمردان، وقالوا: متى كشفت للمرأة أو الصبى عن بياض أسنانك كشفا لك عما هنالك، ومتى لقيتهما بوجه عابس وقيت شرهما.
ومن مكايده: أنه يأمرك أن تلقى المساكين وذوى الحاجات بوجه عبوس ولا تريهم بشرا ولا طلاقة، فيطمعوا فيك، ويتجرأوا عليك، وتسقط هيبتك من قلوبهم، فيحرمك صالح أدعيتهم، وميل قلوبهم إليك، ومحبتهم لك فيأمرك بسوء الخلق، ومنع البشر والطلاقة مع هؤلاء، وبحسن الخلق والبشر مع أولئك، ليفتح لك باب الشر، ويغلق عنك باب الخير.
فصل
ومن مكايده أنه يأمرك بإعزاز نفسك وصونها حيث يكون رضى الرب تعالى فى إذلالها وابتذالها، كجهاد الكفار والمنافقين، وأمر الفجار والظلمة بالمعروف ونهيهم عن المنكر، فيخيل إليك أن ذلك تعريض لنفسك إلى مواطن الذل، وتسليط الأعداء وطعنهم فيك، فيزول جاهك فلا يقبل منك بعد ذلك ولا يسمع منك.
стр. 125
ويأمرك بإذلالها وامتهانها حيث تكون مصلحتها فى إعزازها وصيانتها، كما يأمرك بالتبذل لذوى الرياسات، وإهانة نفسك لهم، ويخيل إليك أنك تعزها بهم، وترفع قدرها بالذل لهم، ويذكرك قول الشاعر:
أُهِينُ لَهُمْ نفسى لأرْفَعهَا بِهِمْ ... وَلَنْ تُكْرَمَ النَّفْسُ الَّتِى لا تُهِينُهَا
وغلط هذا القائل: فإن ذلك لا يصلح إلا لله وحده، فإنه كلما أهان العبد نفسه له أكرمه وأعزه، بخلاف المخلوق، فإنك كلما أهنت نفسك له ذللت عند الله وعند أوليائه وهنت عليه.
ويأمرك بإذلالها وامتهانها حيث تكون مصلحتها فى إعزازها وصيانتها، كما يأمرك بالتبذل لذوى الرياسات، وإهانة نفسك لهم، ويخيل إليك أنك تعزها بهم، وترفع قدرها بالذل لهم، ويذكرك قول الشاعر:
أُهِينُ لَهُمْ نفسى لأرْفَعهَا بِهِمْ ... وَلَنْ تُكْرَمَ النَّفْسُ الَّتِى لا تُهِينُهَا
وغلط هذا القائل: فإن ذلك لا يصلح إلا لله وحده، فإنه كلما أهان العبد نفسه له أكرمه وأعزه، بخلاف المخلوق، فإنك كلما أهنت نفسك له ذللت عند الله وعند أوليائه وهنت عليه.
فصل
ومن كيده وخداعه: أنه يأمر الرجل بانقطاعه فى مسجد، أو رباط، أو زاوية أو تربة، ويحبسه هناك، وينهاه عن الخروج، ويقول له: متى خرجت تبذلت للناس، وسقطت من أعينهم، وذهبت هيبتك من قلوبهم، وربما ترى فى طريقك منكرا، وللعدو فى ذلك مقاصد خفية يريدها منه: منها الكبر، واحتقار الناس، وحفظ الناموس، وقيام الرياسة، ومخالطة الناس تذهب ذلك. وهو يريد أن يزار ولا يزور، ويقصده الناس ولا يقصدهم، ويفرح بمجىء الأمراء إليه، واجتماع الناس عنده، وتقبيل يده، فيترك من الواجبات والمستحبات والقربات ما يقربه إلى الله، ويتعوض عنه بما يقرب الناس إليه.
وقد كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يخرج إلى السوق، قال بعض الحفاظ: "وَكَانَ يَشْتَرِى حَاجَتَهُ وَيَحْمِلُهَا بِنَفْسِهِ".
ذكره أبو الفرج بن الجوزى وغيره.
وكان أبو بكر رضى الله عنه يخرج إلى السوق يحمل الثياب، فيبيع ويشترى.
ومر عبد الله بن سلام رضى الله عنه وعلى رأسه حزمة حطب، فقيل له: ما يحملك على هذا، وقد أغناك الله ؟ فقال: أردت أن أدفع به الكبر، فإنى سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: "لا يَدْخُلُ الجنَّةَ عَبْدٌ فِى قلبه مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنَ كِبْرٍ".
وكان أبو هريرة رضى الله تعالى عنه يحمل الحطب وغيره من حوائج نفسه وهو أمير على المدينة، ويقول: "افسحوا لأميركم، افسحوا لأميركم".
стр. 126
وخرج عمر بن الخطاب رضى الله عنه يوماً وهو خليفة فى حاجة له ماشيا، فأعيى، فرأى غلاماً على حمار له، فقال: يا غلام احملنى فقد أعييت، فنزل الغلام عن الدابة، وقال: اركب يا أمير المؤمنين، فقال: لا، اركب أنت وأنا خلفك، فركب خلف الغلام، حتى دخل المدينة والناس يرونه.
فصل
ومن كيده: أنه يغرى الناس بتقبيل يده، والتمسح به، والثناء عليه، وسؤاله الدعاء، ونحو ذلك، حتى يرى نفسه، ويعجبه شأنها، فلو قيل له: إنك من أوتاد الأرض، وبك يدفع البلاء عن الخلق، ظن ذلك حقا، وربما قيل له: إنه يتوسل به إلى الله تعالى ويسأل الله تعالى به وبحرمته، فيقضى حاجتهم، فيقع ذلك فى قلبه، ويفرح به، ويظنه حقا، وذلك كل الهلاك، فإذا رأى من أحد من الناس تجافيا عنه، أو قلة خضوع له، تذمر لذلك ووجد فى باطنه، وهذا شر من أرباب الكبائر المصرين عليها، وهم أقرب إلى السلامة منه.
فصل
ومن كيده: أنه يحسن إلى أرباب التخلى والزهد والرياضة العمل بهاجسهم وواقعهم، دون تحكيم أمر الشارع، ويقولون: القلب إذا كان محفوظا مع الله كانت هواجسه وخواطره معصومة من الخطإ، وهذا من أبلغ كيد العدو فيهم.
فإن الخواطر والهواجس ثلاثة أنواع: رحمانية، وشيطانية، ونفسانية، كالرؤيا، فلو بلغ العبد من الزهد والعبادة ما بلغ فمعه شيطانه ونفسه لا يفارقانه إلى الموت، والشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم، والعصمة إنما هى للرسل صلوات الله وسلامه عليهم الذين هم وسائط بين الله وبين خلقه، فى تبليغ أمره ونهيه ووعده ووعيده، ومن عداهم يصيب ويخطئ، وليس بحجة على الخلق.
وقد كان سيد المحدثين الملهمين عمر بن الخطاب رضى الله عنه، يقول الشىء فيرده عليه
стр. 127
من هو دونه، فيتبين له الخطأ، فيرجع إليه وكان يعرض هواجسه وخواطره على الكتاب والسنة، ولا يلتفت إليها ولا يحكم بها ولا يعمل بها.
وهؤلاء الجهال يرى أحدهم أدنى شىء فيحكم هواجسه وخواطره على الكتاب والسنة، ولا يلتفت إليهما، ويقول: حدثنى قلبى عن ربى، ونحن أخذنا عن الحى الذى لا يموت، وأنتم أخذتم عن الوسائط، ونحن أخذنا بالحقائق، وأنتم اتبعتم الرسوم، وأمثال ذلك من الكلام الذى هو كفر وإلحاد، وغاية صاحبه أن يكون جاهلا يعذر بجهله، حتى قيل لبعض هؤلاء: ألا تذهب فتسمع الحديث من عبد الرزاق؟ فقال: ما يصنع بالسماع من عبد الرزاق من يسمع من الملك الخلاق؟.
وهذا غاية الجهل، فإن الذى سمع من الملك الخلاق موسى بن عمران كليم الرحمن. وأما هذا وأمثاله فلم يحصل لهم السماع من بعض ورثة الرسول، وهو يدعى أنه يسمع الخطاب من مرسله، فيستغنى به عن ظاهر العلم، ولعل الذى يخاطبهم هو الشيطان، أو نفسه الجاهلة، أو هما مجتمعتين، ومنفردتين.
ومن ظن أنه يستغنى عما جاء به الرسول بما يلقى فى قلبه من الخواطر والهواجس فهو من أعظم الناس كفرا. وكذلك إن ظن أنه يكتفى بهذا تارة وبهذا تارة، فما يلقى فى القلوب لا عبرة به ولا التفات إليه إن لم يعرض على ما جاء به الرسول ويشهد له بالموافقة، وإلا فهو من إلقاء النفس والشيطان.
وقد سئل عبد الله بن مسعود عن مسألة المفوضة شهرا، فقال بعد الشهر: "أقول فيها برأيى فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمنى ومن الشيطان، والله برىء
стр. 128
منه ورسوله".
وكتب كاتب لعمر رضى الله عنه بين يديه: هذا ما أرى الله عمر، فقال: لا. امحه واكتب: هذا ما رأى عمر.
وقال عمر رضى الله عنه أيضا: "أيها الناس اتهموا الرأى على الدين، فلقد رأيتنى يوم أبى جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله ﵇ لرددته".
واتهام الصحابة لآرائهم كثير مشهور، وهم أبر الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأبعدها من الشيطان، فكانوا أتبع الأمة للسنة، وأشدهم اتهاما لآرائهم، وهؤلاء ضد ذلك.
وأهل الاستقامة منهم سلكوا على الجادة، ولم يلتفتوا إلى شىء من الخواطر والهواجس والإلهامات، حتى يقوم عليها شاهدان.
قال الجنيد: قال أبو سليمان الدارانى: "ربما يقع فى قلبى النكتة من نكت القوم أياما فلا أقبلها إلا بشاهدين عدلين من الكتاب والسنة".
وقال أبو زيد: "لو نظرتم إلى رجل أعطى من الكرامات حتى يتربع فى الهواء، فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهى، وحفظ الحدود".
стр. 129
وقال أيضاً: "من ترك قراءة القرآن، ولزوم الجماعات، وحضور الجنائز، وعيادة المرضى، وادعى بهذا الشأن، فهو مدّع".
وقال سرىّ السقطى: "من ادعى باطن علم ينقضه ظاهر حكم فهو غالط".
وقال الجنيد: "مذهبنا هذا مقيد بالأصول بالكتاب والسنة، فمن لم يحفظ الكتاب ويكتب الحديث، ويتفقه، لا يقتدى به".
وقال أبو بكر الدقاق: "من ضيع حدود الأمر والنهى فى الظاهر حرم مشاهدة القلب فى الباطن".
وقال أبو الحسين النورى: "من رأيته يدعى مع الله حالة تخرجه عن حد العلم الشرعى فلا تقربه، ومن رأيته يدعى حالة لا يشهد لها حفظ ظاهره فاتهمه على دينه".
وقال أبو سعيد الخراز: "كل باطن يخالفه ظاهر فهو باطل".
وقال الجريرى: "أمرنا هذا كله مجموع على فصل واحد: أن تلزم قلبك المراقبة، ويكون العلم على ظاهرك قائما".
وقال أبو حفص الكبير الشأن: "من لم يزن أحواله وأفعاله بالكتاب والسنة ولم يتهم خواطره فلا تعدوه فى ديوان الرجال".
وما أحسن ما قال أبو أحمد الشيرازى: "كان الصوفية يسخرون من الشيطان، والآن الشيطان يسخر منهم".
ونظير هذا ما قاله بعض أهل العلم: "كان الشيطان فيما مضى يهب من الناس، واليوم الرجل الذى يهب من الشيطان".
فصل
ومن كيده: أمرهم بلزوم زى واحد، ولبسة واحدة، وهيئة ومشية معينة، وشيخ معين، وطريقة مخترعة، ويفرض عليهم لزوم ذلك بحيث يلزمونه كلزوم الفرائض، فلا يخرجون عنه ويقدحون فيمن خرج عنه ويذمونه، وربما يلزم أحدهم موضعاً معيناً للصلاة لا يصلى إلا فيه، وقد نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: "أَنْ يُوَطِّنَ الرَّجُلُ المَكانَ لِلصَّلاةِ
стр. 130
كَمَا يُوَطِّن الْبَعِيرُ".
وكذلك ترى أحدهم لا يصلى إلا على سجادة، ولم يصل رسول الله ﵇ على سجادة قط ولا كانت السجادة تفرش بين يديه، بل كان يصلى على الأرض، وربما سجد فى الطين، وكان يصلى على الحصير، فيصلى على ما اتفق بسطه، فإن لم يكن ثمة شىء صلى على الأرض.
وهؤلاء اشتغلوا بحفظ الرسوم عن الشريعة والحقيقة، فصاروا واقفين مع الرسوم المبتدعة ليسوا مع أهل الفقه، ولا مع أهل الحقائق، فصاحب الحقيقة أشد شىء عليه التعبد بالرسوم الوضعية، وهى من أعظم الحجب بين قلبه وبين الله، فمتى تقيد بها حبس قلبه عن سيره. وكان أخس أحواله الوقوف معها، ولا وقوف فى السير، بل إما تقدم وإما تأخر، كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر: ٣٧] .
فلا وقوف فى الطريق إنما هو ذهاب وتقدم، أو رجوع وتأخر.
ومن تأمل هدى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وسيرته وجده مناقضا لهدى هؤلاء فإنه كان يلبس القميص تارة، والقباء تارة، والجبة تارة، والإزار والرداء تارة، ويركب البعير وحده، ومردفا لغيره، ويركب الفرس مسرجا وعريانا، ويركب الحمار، ويأكل ما حضر، ويجلس على الأرض تارة، وعلى الحصير تارة، وعلى البساط تارة، ويمشى وحده تارة، ومع أصحابه تارة، وهديه عدم التكلف والتقيد بغير ما أمره به ربه، فبين هديه وهدى هؤلاء بون بعيد.
فصل
ومن كيده الذى بلغ به من الجهال ما بلغ: الوسواس الذى كادهم به فى أمر الطهارة والصلاة عند النية، حتى ألقاهم فى الآصار والأغلال، وأخرجهم عن اتباع سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وخيل إلى أحدهم أن ما جاءت به السنة لا يكفى حتى يضم إليه غيره، فجمع لهم بين هذا الظن الفاسد، والتعب الحاضر، وبطلان الأجر أو تنقيصه.
стр. 131
ولا ريب أن الشيطان هو الداعى إلى الوسواس: فأهله قد أطاعوا الشيطان، ولبوا دعوته، واتبعوا أمره ورغبوا عن اتباع سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وطريقته، حتى إن أحدهم ليرى أنه إذا توضأ وضوء رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، أو اغتسل كاغتساله، لم يطهر ولم يرتفع حدثه، ولولا العذر بالجهل لكان هذا مشاقة للرسول، فقد كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يتوضأ بالمد، وهو قريب من ثلث رطل بالدمشقى، ويغتسل بالصاع وهو نحو رطل وثلث، والموسوس يرى أن ذلك القدر لا يكفيه لغسل يديه، وصح عنه ﵇ أنه توضأ مرة مرة، ولم يزد على ثلاث، بل أخبر أن:
"مَنْ زَادَ عَلَيْهَا فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ".
فالموسوس مسىء متعد ظالم بشهادة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فكيف يتقرب إلى الله بما هو مسىء به متعدّ فيه لحدوده؟،
وصح عنه ﷺ أنه كان يغتسل هو وعائشة رضى الله عنها من قصعة بينهما فيها أثر العجين، ولو رأى الموسوس من يفعل هذا لأنكر عليه غاية الإنكار، وقال: ما يكفى هذا القدر لغسل اثنين؟ كيف والعجين يحلله الماء فيغيره؟ هذا والرشاش ينزل فى الماء فينجسه عند بعضهم، ويفسده عند آخرين، فلا تصح به الطهارة، وكان صلى الله تعالى عليه وسلم يفعل ذلك مع غير عائشة، مثل ميمونة وأم سلمة، وهذا كله فى الصحيح.
وثبت أيضاً فى الصحيح عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه قال: "كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّئُونَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ".
والآنية التى كان رسول الله ﵇ وأزواجه وأصحابه ونساؤهم يغتسلون منها لم تكن من كبار الآنية ولا كانت لها مادة تمدها؛ كأنبوب الحمام ونحوه، ولم يكونوا يراعون فيضانها حتى يجرى الماء من حافاتها، كما يراعيه جهال الناس ممن بلى بالوسواس فى جرن الحمام.
فهدى رسول الله ﷺ الذى من رغب عنه فقد رغب عن سنة رسول الله ﷺ ، جواز الاغتسال من الحياض والآنية وإن كانت ناقصة غير فائضة، ومن انتظر الحوض حتى
стр. 132
يفيض، ثم استعمله وحده ولم يمكن أحدا أن يشاركه فى استعماله فهو مبتدع مخالف للشريعة.
قال شيخنا: "ويستحق التعزير البليغ الذى يزجره وأمثاله عن أن يشرعوا فى الدين ما لم يأذن به الله، ويعبدوا الله بالبدع لا بالاتباع".
ودلت هذه السنن الصحيحة على أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه لم يكونوا يكثرون صب الماء، ومضى على هذا التابعون لهم بإحسان.
قال سعيد بن المسيب: "إنى لأستنجى من كوز الحب وأتوضأ وأفضل منه لأهلى".
وقال الإمام أحمد: "من فقه الرجل قلة ولوعه بالماء".
وقال المروزى: "وضأت أبا عبد الله بالعسكر، فسترته من الناس، لئلا يقولوا إنه لا يحسن الوضوء لقلة صبه الماء".
وكان أحمد يتوضأ فلا يكاد يبل الثرى.
وثبت عنه ﷺ فى الصحيح: "أَنَّهُ تَوَضَّأَ مِنْ إنَاءٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاُسْتَنْشَقَ".
وكذلك كان ﷺ فى غسله يدخل يده فى الإناء، ويتناول الماء منه، والموسوس لا يجوز ذلك، ولعله أن يحكم بنجاسة الماء ويسلبه طهوريته بذلك.
وبالجملة فلا تطاوعه نفسه لاتباع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وأن يأتى بمثل ما أتى به أبداً، وكيف يطاوع الموسوس نفسه أن يغتسل هو وامرأته من إناء واحد قدر الفَرقَ قريباً من خمسة أرطال بالدمشقى، يغمسان أيديهما فيه، ويفرغان عليهما؟ فالمسوس يشمئز من ذلك كما يشمئز المشرك إذا ذكر الله وحده.
قال أصحاب الوسواس: إنما حملنا على ذلك الاحتياط لديننا، والعمل بقوله صلى الله تعالى عليه وسلم:
"دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَالا يَرِيبُكَ" وقوله: "مَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهَ" وقوله: "الإثْمُ مَا حَاكَ فى الصَّدْرِ".
стр. 133
وقال بعض السلف: "الإثم خَوارْ القلوب"، وقد وجد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم تمرة فقال:
"لَوْلا أَنِّى أَخْشَى أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لأكَلْتُهَا".
أفلا يرى أنه ترك أكلها احتياطا؟ وقد أفتى مالك رحمه الله تعالى فيمن طلق امرأته وشك هل هى واحدة أم ثلاث: بأنها ثلاث، احتياطا للفروج.
وأفتى من حلف بالطلاق: أن فى هذه اللوزة حبتين، وهو لا يعلم ذلك، فبان الأمر كما حلف عليه: أنه حانث؛ لأنه حلف على ما لا يعلم.
وقال فيمن طلق واحدة من نسائه ثم أنسيها: يطلق عليه جميع نسائه احتياطا وقطعاً للشك.
وقال أصحاب مالك فيمن حلف بيمين ثم نسيها: إنه يلزمه جميع ما يحلف به عادة فيلزمه الطلاق، والعتاق، والصدقة بثلث المال، وكفارة الظهار، وكفارة اليمين بالله تعالى، والحج ماشياً، ويقع الطلاق فى جميع نسائه، ويعتق عليه جميع عبيده وإمائه. وهذا أحد القولين عندهم. ومذهب مالك أيضاً إنه إذا حلف ليفعلن كذا: أنه على حنث حتى يفعله، فيحال بينه وبين امرأته.
ومذهبه أيضاً: أنه إذا قال: إذا جاء رأس الحول فأنت طالق ثلاثاً: أنها تطلق فى الحال، وهذا كله احتياط.
وقال الفقهاء: "من خفى عليه موضع النجاسة من الثوب وجب عليه غسله كله".
وقالوا: "إذا كان معه ثياب طاهرة وتنجس منها ثياب، وشك فيها، صلى فى ثوب بعد ثوب، بعدد النجس، وزاد صلاة ليتيقن براءة ذمته".
وقالوا: "إذا اشتبهت الأوانى الطاهرة بالنجسة أراق الجميع وتيمم، وكذلك إذا اشتبهت عليه القبلة، فلا يدرى فى أى جهة، فإنه يصلى أربع صلوات عند بعض الأئمة لتبرأ ذمته بيقين".
وقالوا: "من ترك صلاة من يوم ثم نسيها وجب عليه أن يصلى خمس صلوات".
وقد أمر النبى ﵊ من شك فى صلاته أن يبنى على اليقين.
стр. 134
وحرم أكل الصيد إذا شك صاحبه هل مات بسهمه أو بغيره، كما إذا وقع فى الماء. وحرم أكله إذا خالط كلبه كلباً آخر، للشك فى تسمية صاحبه عليه.
وهذا باب يطول تتبعه.
فالاحتياط والأخذ باليقين غير مستنكر فى الشرع، وإن سميتموه وسواسا.
وقد كان عبد الله بن عمر يغسل داخل عينيه فى الطهارة حتى عمى.
وكان أبو هريرة إذا توضأ أشرع فى العضد، وإذا غسل رجليه أشرع فى الساقين.
فنحن إذا احتطنا لأنفسنا وأخذنا باليقين وتركنا ما يريب إلى ما لا يريب، وتركنا المشكوك فيه للمتيقن المعلوم، وتجنبنا محل الاشتباه، لم نكن بذلك عن الشريعة خارجين ولا فى البدعة والجين، وهل هذا إلا خير من التسهيل والاسترسال؟ حتى لا يبالى العبد بدينه، ولا يحتاط له، بل يسهل الأشياء ويمشى حالها، ولا يبالى كيف توضأ؟ ولا بأى ماء توضأ؟ ولا بأى مكان صلى؟ ولا يبالى ما أصاب ذيله وثوبه. ولا يسأل عما عهد بل يتغافل، ويحسن ظنه، فهو مهمل لدينه لا يبالى ما شك فيه. ويحمل الأمور على الطهارة، وربما كانت أفحش النجاسة، ويدخل بالشك ويخرج بالشك. فأين هذا ممن استقصى فى فعل ما أمر به، واجتهد فيه، حتى لا يخل بشىء منه، وإن زاد على المأمور فإنما قصده بالزيادة تكميل المأمور، وأن لا ينقص منه شيئاً؟
قالوا: وجماع ما ينكرونه علينا احتياط فى فعل مأمور، أو احتياط فى اجتناب محظور وذلك خير وأحسن عاقبة من التهاون بهذين، فإنه يفضى غالبا إلى النقص من الواجب والدخول فى المحرم، وإذا وازنا بين هذه المفسدة ومفسدة الوسواس كانت مفسدة الوسواس أخف، هذا إن ساعدناكم على تسميته وسواسا، وإنما نسميه احتياطا واستظهارا فلستم بأسعد منا بالسنة، ونحن حولها ندندن، وتكميلها نريد.
وقال أهل الاقتصاد والاتباع: قال الله تعالى:
﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لَمِنْ كانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتّبِعُونِى يُُحْبِبْكمُ اللهُ﴾ [آل عمران: ٣١] وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقال تعالى: ﴿وَأنّ هذَا صِرَاطِى مُسْتَقِيماً فَاتّبعُوهُ وَلا تَتَّبعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلّكمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] .
стр. 135
وهذا الصراط المستقيم الذى وصانا باتباعه هو الصراط الذى كان عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأصحابه، وهو قصد السبيل، وما خرج عنه فهو من السبل الجائرة، وإن قاله من قاله، لكن الجور قد يكون جوراً عظيما عن الصراط، وقد يكون يسيراً، وبين ذلك مراتب لا يحصيها إلا الله وهذا كالطريق الحسى، فإن السالك قد يعدل عنه ويجور جوراً فاحشاً، وقد يجور دون ذلك، فالميزان الذى يعرف به الاستقامة على الطريق والجور عنه هو ما كان رسول الله ﷺ وأصحابه عليه، والجائر عنه إما مفرط ظالم، أو مجتهد متأول، أو مقلد جاهل. فمنم المستحق للعقوبة. ومنهم المغفور له. ومنهم المأجور أجراً واحداً، بحسب نياتهم ومقاصدهم واجتهادهم فى طاعة الله تعالى ورسوله، أو تفريطهم.
ونحن نسوق من هدى رسول الله ﷺ وهدى أصحابه ما يبين أى الفريقين أولى باتباعه ثم نجيب عما احتجوا به بعون الله وتوفيقه.
ونقدم قبل ذلك ذكر النهى عن الغلو، وتعدى الحدود، والإسراف، وأن الاقتصاد والاعتصام بالسنة عليهما مدار الدين.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِى دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] وقال تعالى: ﴿وَلا تُسْرِفُوا إِنّهُ لا يحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١] وقال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] وقال تعالى: ﴿وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠] وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥] .
وقال ابن عباس رضى الله عنهما: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، غداة العقبة وهو على ناقته:
"الْقُطْ لِى حصى، فَلَقَطْتُ لَهُ سَبعَ حَصَيَاتٍ مِنْ حَصَى الخَذْفِ، فَجَعَلَ يَنْفُضُهُنَّ فِى كَفِّهِ وَيَقُولُ: أمْثَالَ هؤُلاءِ فَارْمُوا، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ: إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِى الدِّينِ، فَإنّمَا أَهْلَكَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمُ الْغُلُوُّ فى الدِّينِ".
رواه الإمام أحمد والنسائى.
وقال أنس رضى الله عنه: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "لا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدِّدُ اللهُ عَلَيْكُم، فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهمْ فَشَدّدَ اللهُ عَلَيْهِمْ. فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فى الصَّوامِعِ وَالدِّيارِ: رَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ".
стр. 136
فنهى النبى ﵌ عن التشديد فى الدين، وذلك بالزيادة على المشروع، وأخبر أن تشديد العبد على نفسه هو السبب لتشديد الله عليه، إما بالقدر، وإما بالشرع.
فالتشديد بالشرع: كما يشدد على نفسه بالنذر الثقيل، فيلزمه الوفاء به، وبالقدر كفعل أهل الوسواس. فإنهم شددوا على أنفسهم فشدد عليهم القدر، حتى استحكم ذلك وصار صفة لازمة لهم.
قال البخارى: "وَكَرِهَ أَهْلُ الْعِلْم الإسْرَافَ فِيه- يَعْنى الوُضُوءَ- وَأَنْ يُجَاوِزوا فِعْلَ النبى صلّى اللهُ تَعَالَى علَيْهِ وَسَلّمَ"، وقَالَ ابْنُ عَمَر رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا: "إسْبَاعُ الْوُضُوءِ: الإنْقَاءُ".
فالفقه كل الفقه الاقتصاد فى الدين، والاعتصام بالسنة.
قال أبى بن كعب رضى الله عنه: "عليكم بالسبيل والسنة، فإنه ما من عبد على السبيل والسنة ذكر الله فاقشعر جلده من خشية الله تعالى إلا تحاتت عنه خطاياه كما يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها. وإن اقتصادا فى سبيل وسنة خير من اجتهاد فى خلاف سبيل وسنة. فاحرصوا إذا كانت أعمالكم اقتصادا أن تكون على منهاج الأنبياء وسنتهم".
قال الشيخ أبو محمد المقدسى فى كتابه ذم الوسواس: "الحمد لله الذى هدانا بنعمه، وشرفنا بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم وبرسالته، ووفقنا للاقتداء به والتمسك بسنته، ومن علينا باتباعه الذى جعله علماً على محبته ومغفرته وسببا لكتابة رحمته وحصول هدايته، فقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١] ، وقال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلّذِينَ يَتّقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿الّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النّبىَّ الأمِّىَّ﴾ [الأعراف: ١٥٦-١٥٧] ثم قال: ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النبى الأُمِّىَّ الّذِى يُؤْمِنْ بِاللهِ وَكِلمَاتِهِ وَاتّبِعُوهُ لَعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] . أما بعد: فإن الله سبحانه جعل الشيطان عدوا للإنسان، يقعد له الصراط المستقيم، ويأتيه من كل جهة وسبيل، كما أخبر الله تعالى عنه أنه قال: ﴿لأقْعُدَنّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيمْاَنهم وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٦-١٧] . وحذرناً الله من متابعته، وأمرنا بمعاداته ومخالفته، فقال
стр. 137
سبحانه: ﴿إِنّ الشّيْطَانَ لَكُمْ عَدُو فَاتّخِذُوهُ عَدُوا﴾ [فاطر: ٦] وقال: ﴿يَا بَنِى آدَمَ لا يَفْتِنَنّكُم الشّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أبَوَيْكُمْ مِنَ الجنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧] وأخبرنا بما صنع بأبوينا تحذيرا لنا من طاعته، وقطعاً للعذر فى متابعته، وأمرنا الله باتباع صراطه المستقيم ونهانا عن اتباع السبل، فقال سبحانه:
﴿وَأَنّ هذَا صِرَاطِى مستقيماً فَاتبِعُوهُ وَلا تَتّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] . وسبيل الله وصراطه المستقيم هو الذى كان عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وصحابته بدليل قوله : ﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحكِيمِ إِنّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس: ١- ٤] وقال: ﴿وَإِنّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمً﴾ [الحج: ٦٧] وقال: ﴿إِنّكَ لَتهْدِى إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] ، فمن اتبع رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فى قوله وفعله فهو على صراط الله المستقيم، وهو ممن يحبه الله ويغفر له ذنوبه، ومن خالفه فى قوله أو فعله فهو مبتدع متبع لسبيل الشيطان غير داخل فيمن وعد الله بالجنة والمغفرة والإحسان".
فصل
ثم إن طائفة الموسوسين قد تحقق منهم طاعة الشيطان، حتى اتصفوا بوسوسته. وقبلوا قوله، وأطاعوه، ورغبوا عن اتباع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وصحابته، حتى إن أحدهم ليرى أنه إذا توضأ وضوء رسول الله ﵊ أو صلى كصلاته، فوضوؤه باطل، وصلاته غير صحيحة. ويرى أنه إذا فعل مثل فعل رسول الله ﵊ فى مؤاكلة الصبيان، وأكل طعام عامة المسلمين، أنه قد صار نجساً يجب عليه تسبيع يده وفيه، كما لو ولغ فيهما كلب أو بال عليهما هر.
ثم إنه بلغ من استيلاء إبليس عليهم أنهم أجابوه إلى ما يشبه الجنون، ويقارب مذهب السوفسطائية الذين ينكرون حقائق الموجودات، والأمور المحسوسات، وعلم الإنسان بحال نفسه من الأمور الضروريات اليقينيات، وهؤلاء يغسل أحدهم عضوه غسلا يشاهده ببصره ويكبر، ويقرأ بلسانه، بحيث تسمعه أذناه ويعلمه بقلبه، بل يعلمه غيره منه ويتيقنه
стр. 138
ثم يشك: هل فعل ذلك أم لا؟ وكذلك يشككه الشيطان فى نيته وقصده التى يعلمها من نفسه يقينا، بل يعلمها غيره منه بقرائن أحواله. ومع هذا يقبل قول إبليس فى أنه ما نوى الصلاة، ولا أرادها، مكابرة منه لعيانه، وجحدا ليقين نفسه، حتى تراه متلددا متحيراً، كأنه يعالج شيئاً يجتذبه، أو يجد سيئًا فى باطنه يستخرجه. كل ذلك مبالغة فى طاعة إبليس، وقبول وسوسته، ومن انتهت طاعته لإبليس إلى هذا الحد فقد بلغ النهاية فى طاعته.
ثم إنه يقبل قوله فى تعذيب نفسه ويطيعه فى الإضرار بجسده، تارة بالغوص فى الماء البارد، وتارة بكثرة استعماله وإطالة العرك. وربما فتح عينيه فى الماء البارد، وغسل داخلهما حتى يضر ببصره، وربما أفضى إلى كشف عورته للناس، وربما صار إلى حال يسخر منه الصبيان ويستهزئ به من يراه.
قلت: ذكر أبو الفرج بن الجوزى عن أبى الوفاء بن عقيل: "أن رجلاً قال له: أنغمس فى الماء مرارا كثيرة وأشك: هل صح لى الغسل أم لا؟ فما ترى فى ذلك؟ فقال له الشيخ: اذهب فقد سقطت عنك الصلاة. قال: وكيف؟ قال: لأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ: المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَالنّائمِ حَتَّى يَسْتَيقِظَ، وَالصَّبىِّ حَتّى يَبْلُغَ".
ومن ينغمس فى الماء مرارا ويشك هل أصابه الماء أم لا، فهو مجنون".
قال: وربما شغله بوسواسه حتى تفوته الجماعة، وربما فاته الوقت، ويشغله بوسوسته فى النية حتى تفونه التكبيرة الأولى، وربما فوت عليه ركعة أو أكثر، ومنهم من يحلف أنه لا يزيد على هذا، ثم يكذب.
قلت: وحكى لى من أثق به عن موسوس عظيم رأيته أنا يكرر عقد النية مرارا عديدة فيشق على المأمومين مشقة كبيرة، فعرض له أن حلف بالطلاق أنه لا يزيد على تلك المرة فلم يدعه إبليس حتى زاد، ففرق بينه وبين امرأته، فأصابه لذلك غم شديد وأقاما متفرقين
стр. 139
دهرا طويلاً، حتى تزوجت تلك المرأة برجل آخر، وجاءه منها ولد ثم إنه حنث فى يمين حلفها ففرق بينهما وردت إلى الأول بعد أن كاد يتلف لمفارقتها.
وبلغنى عن آخر أنه كان شديد التنطع فى التلفظ بالنية والتقعر فى ذلك، فاشتد به التنطع والتقعر يوماً إلى أن قال: أصلى، أصلى، مرارا، صلاة كذا وكذا. وأراد أن يقول: أداء، فأعجم الدال، وقال: أذاء لله. فقطع الصلاة رجل إلى جانبه، فقال: ولرسوله وملائكته وجماعة المصلين.
قال: ومنهم من يتوسوس فى إخراج الحرف حتى يكرره مرارا.
قال: فرأيت منهم من يقول: الله أكبر. قال: وقال لى إنسان منهم: قد عجزت عن قول السلام عليكم، فقلت له: قل مثل ما قد قلت الآن، وقد استرحت.
وقد بلغ الشيطان منهم أن عذبهم فى الدنيا قبل الآخرة، وأخرجهم عن اتباع الرسول وأدخلهم فى جملة أهل التنطع والغلو، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
فمن أراد التخلص من هذه البلية فليستشعر أن الحق فى اتباع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى قوله وفعله، وليعزم على سلوك طريقة عزيمة من لا يشك أنه على الصراط المستقيم، وأن ما خالفه من تسويل إبليس ووسوسته، ويوقن أنه عدو له لا يدعوه إلى خير.
﴿إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦] . وليترك التعريج على كل ما خالف طريقة رسول الله ﵊ كائنا ما كان، فإنه لا يشك أن رسول الله ﵊ كان على الصراط المستقيم. ومن شك فى هذا فليس بمسلم. ومن علمه فإلى أين العدول عن سنته؟ وأى شىء يبتغى العبد غير طريقته؟ ويقول لنفسه: ألست تعلمين أن طريقة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم هى الصراط المستقيم؟ فإذا قالت له: بلى، قال لها: فهل كان يفعل هذا؟ فستقول: لا، فقل لها: فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ وهل بعد طريق الجنة إلا طريق النار؟ وهل بعد سبيل الله وسبيل رسوله إلا سبيل الشيطان؟ فإن اتبعت
стр. 140
سبيله كنت قرينه، وستقولين: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنى وَبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرقين فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨] . ولينظر أحوال السلف فى متابعتهم لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فليقتد بهم وليختر طريقهم فقد روينا عن بعضهم أنه قال: لقد تقدمنى قوم لو لم يتجاوزوا بالوضوء الظفر ما تجاوزته. قلت: هو إبراهيم النخعى.
وقال زين العابدين يوماً لابنه: "يا بنى، اتخذ لى ثوباً ألبسه عند قضاء الحاجة، فإنى رأيت الذباب يسقط على الشىء ثم يقع على الثوب، ثم انتبه فقال: ما كان للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه إلا ثوب واحد، فتركه".
وكان عمر رضى الله تعالى عنه يهم بالأمر ويعزم عليه، فإذا قيل له: لم يفعله رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم انتهى، حتى إنه قال: "لقد هممت أن أنهى عن لبس هذه الثياب، فإنه قد بلغنى أنها تصبغ ببول العجائز فقال له أبى: ما لك أن تنهى، فإن رسول الله ﵊ قد لبسها ولبست فى زمانه ولو علم الله أن لبسها حرام لبينه لرسوله ﷺ . فقال عمر: صدقت".
ثم ليعلم أن أصحاب رسول الله ﷺ ما كان فيهم موسوس. ولو كان الوسوسة فضيلة لما ادخرها الله عن رسوله وصحابته، وهم خير الخلق وأفضلهم، ولو أدرك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الموسوسين لمقتهم، ولو أدركهم عمر رضى الله تعالى عنه لضربهم وأدبهم، ولو أدركهم الصحابة لبدعوهم، وها أنا أذكر ما جاء فى خلاف مذهبهم على ما يسره الله تعالى مفصلاً:
الفصل الأول: فى النية فى الطهارة والصلاة
النية هى القصد والعزم على فعل الشىء، ومحلها القلب، لا تعلق لها باللسان أصلاً ولذلك لم ينقل عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ولا عن أصحابه فى النية لفظ بحال، ولا سمعنا
стр. 141
عنهم ذكر ذلك. وهذه العبارات التى أحدثت عند افتتاح الطهارة والصلاة قد جعلها الشيطان معتركاً لأهل الوسواس، يحبسهم عندها ويعذبهم فيها، ويوقعهم فى طلب تصحيحها فترى أحدهم يكررها ويجهد نفسه فى التلفظ بها، وليست من الصلاة في شىء، وإنما النية قصد فعل الشىء، فكل عازم على فعل فهو ناويه، لا يتصور انفكاك ذلك عن النية فإنه حقيقتها، فلا يمكن عدمها فى حال وجودها، ومن قعد ليتوضأ فقد نوى الوضوء، ومن قام ليصلى فقد نوى الصلاة، ولا يكاد العاقل يفعل شيئاً من العبادات ولا غيرها بغير نية، فالنية أمر لازم لأفعال الإنسان المقصودة، لا يحتاج إلى تعب ولا تحصيل. ولو أراد إخلاء أفعاله الاختيارية عن نيته لعجز عن ذلك. ولو كلفه الله الصلاة والوضوء بغير نية لكلفه ما لا يطيق، ولا يدخل تحت وسعه. وما كان هكذا فما وجه التعب فى تحصيله؟ وإن شك فى حصول نيته فهو نوع جنون. فإن علم الإنسان بحال نفسه أمر يقينى. فكيف يشك فيه عاقل من نفسه؟ ومن قام ليصلى صلاة الظهر خلف الإمام فكيف يشك فى ذلك؟ ولو دعاه داع إلى شغل فى تلك الحال لقال: إنى مشتغل أريد صلاة الظهر، ولو قال له قائل فى وقت خروجه إلى الصلاة: أين تمضى؟ لقال: أريد صلاة الظهر مع الإمام، فكيف يشك عاقل فى هذا من نفسه وهو يعلمه يقينا؟.
بل أعجب من هذا كله أن غيره يعلم بنيته بقرائن الأحوال، فإنه إذا رأى إنساناً جالساً فى الصف فى وقت الصلاة عند اجتماع الناس علم أنه ينتظر الصلاة. وإذا رآه قد قام عند إقامتها ونهوض الناس إليها علم أنه إنما قام ليصلى. فإن تقدم بين يدى المأمومين علم أنه يريد إمامتهم، فإن رآه فى الصف علم أنه يريد الائتمام.
قال: فإذا كان غيره يعلم نيته الباطنة بما ظهر من قرائن الأحوال، فكيف يجهلها من نفسه، مع اطلاعه هو على باطنه؟ فقبوله من الشيطان أنه ما نوى تصديق له فى جحد العيان، وإنكار الحقائق المعلومة يقيناً. ومخالفة للشرع، ورغبة عن السنة، وعن طريق الصحابة.
ثم إن النية الحاصلة لا يمكن تحصيلها، والموجودة لا يمكن إيجادها؛ لأن من شرط إيجاد
стр. 142
الشىء كونه معدوما، فإن إيجاد الموجود محال، وإذا كان كذلك فما يحصل له بوقوفه شىء، لو وقف ألف عام.
قال: ومن العجب أنه يتوسوس حال قيامه، حتى يركع الإمام، فإذا خشى فوات الركوع كبر سريعاً وأدركه. فمن لم يحصل النية فى الوقوف الطويل حال فراغ باله كيف يحصلها فى الوقت الضيق مع شغل باله بفوات الركعة؟،
ثم ما يطلبه إما أن يكون سهلاً أو عسيراً، فإن كان سهلاً فكيف يعسره؟ وإن كان عسيراً فكيف تيسر عند ركوع الإمام سواه؟ وكيف خفى ذلك على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وصحابته من أولهم إلى آخرهم، والتابعين ومن بعدهم؟ وكيف لم ينتبه له سوى من استحوذ عليه الشيطان، أفيظن بجهله أن الشيطان ناصح له؟ أما علم أنه لا يدعو إلى هدى، ولا يهدى إلى خير؟ وكيف يقول فى صلاة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وسائر المسلمين الذين لم يفعلوا فعل هذا الموسوس؟ أهى ناقصة عنده مفضولة؟ أم هى التامة الفاضلة؟ فما دعاه إلى مخالفتهم والرغبة عن طريقهم؟.
فإن قال: هذا مرض بليت به، قلنا: نعم، سببه قبولك من الشيطان، ولم يعذر الله تعالى أحدا بذلك، ألا ترى أن آدم وحواء لما وسوس لهما الشيطان فقبلا منه أخرجا من الجنة، ونودى عليهما بما سمعت، وهما أقرب إلى العذر؛ لأنهما لم يتقدم قبلهما من يعتبران به، وأنت قد سمعت وحذرك الله تعالى من فتنته، وبين لك عداوته، وأوضح لك الطريق، فمالك عذر ولا حجة فى ترك السنة والقبول من الشيطان.
قلت: قال شيخنا: ومن هؤلاء من يأتى بعشر بدع لم يفعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولا أحد من أصحابه واحدة منها، فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، نويت أصلى صلاة الظهر فريضة الوقت، أداء لله تعالى، إماما أو مأموما، أربع ركعات، مستقبل القبلة، ثم يزعج أعضاءه ويحنى جبهته ويقيم عروق عنقه، ويصرح بالتكبير. كأنه يكبر على العدو. ولو مكث أحدهم عمر نوح ﵇ يفتش: هل فعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أو أحد من أصحابه شيئاً من ذلك، لما ظفر به، إلا أن يجاهر بالكذب البحت. فلو كان
стр. 143
فى هذا خير لسبقونا إليه، ولدلونا عليه. فإن كان هذا هدى فقد ضلوا عنه، وإن كان الذى كانوا عليه هو الهدى والحق فماذا بعد الحق إلا الضلال.
قال: ومن أصناف الوسواس ما يفسد الصلاة، مثل تكرير بعض الكلمة، كقوله فى التحيات: إت إت، التحى التحى، وفى السلام: أس أس. وقوله فى التكبير: أكككبر ونحو ذلك، فهذا الظاهر بطلان الصلاة به، وربما كان إماماً فأفسد صلاة المأمومين، وصارت الصلاة التى هى من أكبر الطاعات أعظم إبعاداً له عن الله من الكبائر، وما لم تبطل به الصلاة من ذلك فمكروه وعدول عن السنة، ورغبة عن طريقة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهديه، وما كان عليه أصحابه. وربما رفع صوته بذلك فآذى سامعيه، وأغرى الناس بذمه والوقيعة فيه، فجمع على نفسه طاعة إبليس ومخالفة السنة، وارتكاب شر الأمور ومحدثاتها، وتعذيب نفسه وإضاعة الوقت، والاشتغال بما ينقص أجره، وفوات ما هو أنفع له، وتعريض نفسه لطعن الناس فيه، وتغرير الجاهل بالاقتداء به؛ فإنه يقول: لولا أن ذلك فضل لما اختاره لنفسه، وأساء الظن بما جاءت به السنة، وأنه لا يكفى وحده، وانفعال النفس وضعفها للشيطان، حتى يشتد طمعه فيه وتعريضه نفسه للتشديد عليه بالقدر، عقوبة له، وإقامته على الجهل، ورضاه بالخبل فى العقل، كما قال أبو حامد الغزالى وغيره: "الوسوسة سببها إما جهل بالشرع، وإما خبل فى العقل، وكلاهما من أعظم النقائص والعيوب".
فهذه نحو خمسة عشر مفسدة فى الوسواس، ومفاسده أضعاف ذلك بكثير.
وقد روى مسلم فى صحيحه من حديث عثمان بن أبى العاص قال: قلت: "يَا رَسُولَ اللهِ، إِنّ الشيطان قَدْ حَالَ بَيْنِى وَبَيْنَ صَلاتِى يُلَبِّسُهَا عَلَىَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى علَيْهِ وَسلّم: ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خِنْزَب، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْهُ، وَاتْفُلْ عَنْ يَسَاركَ ثَلاثاً، فَفَعَلْتُ ذلِكَ، فَأَذْهَبَهُ اللهُ تَعَالَى عَنِّى".
فأهل الوسواس قرة عين خنزب وأصحابه، نعوذ بالله منه.
стр. 144
فصل
ومن ذلك الإسراف فى ماء الوضوء والغسل.
وقد روى أحمد فى مسنده من حديث عبد الله بن عمرو: "أنّ رَسُولَ الله صلّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وسّلَم مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضّأُ، فَقالَ: لا تُسْرِفْ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوَفِى المَاءِ إِسْرَافٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَإنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ".
وفى جامع الترمذى من حديث أبى بن كعب: أَنّ النّبىَّ صلى اللهُ تَعَالَى عليهِ وسلّمَ قَالَ: "إِنّ لِلْوُضُوءِ شَيْطاناً يُقَالُ لَهُ الْوَلْهَانُ، فَاتَّقُوا وَسْوَاسَ المَاءِ".
وفى المسند والسنن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "جَاءَ أَعْرَابِى إلَى رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وسلّم يَسْأَلُهُ عَن الْوُضُوءِ، فَأَرَاهُ ثَلاثاً ثلاثاً، وَقالَ: هذا الْوُضُوءُ فَمنْ زَادَ عَلَى هذاَ فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدّى وَظَلَمَ".
وفى كتاب الشافى لأبى بكر عبد العزيز من حديث أم سعد قالت: قَالَ رسُولُ اللهِ صلّى الله تَعَالَى عَلْيهِ وسلّم: "يُجْزِئُ مِنَ الْوُضُوءِ مُد، والْغُسْلِ صَاعٌ. وَسَيَأْتِى قَوْمٌ يَسْتَقِلُّونَ ذلِكَ، فَأُولِئِكَ خِلافُ أَهْل سُنَّتى، وَالآخِذ بِسُنتِى فى حَضْرَةِ الْقُدُسِ مُنتَزه أَهْلِ الجنَّةِ".
وفى سنن الأثرم من حديث سالم بن أبى الجعد عن جابر بن عبد الله قال: "يُجْزِئُ مِنَ الْوُضُوءِ المُدُّ، وَمِنَ الْغَسْلِ مِنَ الجنَابَةِ الصَّاعُ، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا يَكْفِينِى، فَغَضِبَ جَابِرٌ حَتّى تَرَبّدَ وَجْهُهُ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ كَفَى مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ وَأَكْثَرُ شَعْراً".
وقد رواه الإمام أحمد فى مسنده مرفوعاً. ولفظه عن جابر قال: قالَ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ تَعَالَى عَليْهِ وسلّم: "يُجْزِئُ مِنَ الْغَسْلِ الصَّاعُ، وَمِنَ الْوُضُوءِ المُدُّ".
وفى صحيح مسلم عن عائشة رضى الله تعالى عنها: "أَنَّهَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ هِىَ وَالنَّبىُّ صلّى اللهُ تَعَالَى عَليْهِ وسلّم مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ يَسَعُ ثَلاَثَةَ أَمْدَادٍ، أَوْ قَرِيباً مِنْ ذلِكَ".
وفى سنن النسائى عن عبيد بن عمير: "أَنّ عَائِشَةَ رَضِىَ اللهُ عَنهَا قَالَتْ: لَقَدْ رَأَيْتُنى أَغْتَسِلُ
стр. 145
أنَا وَرَسُولُ اللهِ مِنْ هذَا، فَإِذَا تَوْرٌ مَوْضُوعٌ مِثْلُ الصَّاعِ أوْ دُونَهُ - نَشْرَعُ فِيهِ جَمِيعاً، فَأَفِيضُ بِيَدَىَّ عَلَى رَأْسِى ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، وَمَا أَنْقُضُ لِى شَعْرًا".
وفى سنن أبى داود والنسائى عن عباد بن تميم عن أم عمارة بنت كعب أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: "تَوَضّأَ فَأُتِىَ بمِاءٍ فِى إناء قَدْرِ ثُلُثَىِ المُدَّ".
وقال عبد الرحمن بن عطاء: سمعت سعيد بن المسيب يقول: "إن لى ركوة أو قدحاً، ما يسع إلا نصف المد أو نحوه، أبول ثم أتوضأ منه، وأفضل منه فضلاً". قال عبد الرحمن: "فذكرت ذلك لسليمان بن يسار فقال: وأنا يكفينى مثل ذلك". قال عبد الرحمن: "فذكرت ذلك لأبى عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر فقال: وهكذا سمعنا من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم"، رواه الأثرم فى سننه.
وقال إبراهيم النخعى: "كانوا أشد استيفاء للماء منكم، وكانوا يرون أن ربع المد يجزئ من الوضوء".
وهذا مبالغة عظيمة، فإن ربع المد لا يبلغ أوقية ونصفاً بالدمشقى.
وفى "الصحيحين" عن أنس قال: "كَانَ رَسُولُ صلى اللهُ تعالى عليهِ وسلم يَتَوَضَّأُ بِالمُد، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إلَى خَمْسَة أمْدَاد".
وفى "صحيح مسلم" عن سفينة قال: "كانَ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ تَعَالَى عليْهِ وَسلم يَغْسِلُهُ الصَّاعُ مِنَ الجَنَابَةِ، وَيُوَضئُهُ المُدُّ".
وقال إبراهيم النخعى: "إنى لأتوضأ من كوز الحب مرتين".
وتوضأ القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق بقدر نصف المد أو أزيد بقليل.
وقال محمد بن عجلان: "الفقه فى دين الله إسباغ الوضوء وقلة إهراق الماء".
وقال الإمام أحمد: "كان يقال: من قلة فقه الرجل ولعه بالماء" وقال الميمونى: "كنت أتوضأ بماء كثير: فقال لى أحمد: يا أبا الحسن، أترضى أن تكون كذا؟ فتركته".
следующие страницы →