Полный текст (760 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
عنهم ذكر ذلك. وهذه العبارات التى أحدثت عند افتتاح الطهارة والصلاة قد جعلها الشيطان معتركاً لأهل الوسواس، يحبسهم عندها ويعذبهم فيها، ويوقعهم فى طلب تصحيحها فترى أحدهم يكررها ويجهد نفسه فى التلفظ بها، وليست من الصلاة في شىء، وإنما النية قصد فعل الشىء، فكل عازم على فعل فهو ناويه، لا يتصور انفكاك ذلك عن النية فإنه حقيقتها، فلا يمكن عدمها فى حال وجودها، ومن قعد ليتوضأ فقد نوى الوضوء، ومن قام ليصلى فقد نوى الصلاة، ولا يكاد العاقل يفعل شيئاً من العبادات ولا غيرها بغير نية، فالنية أمر لازم لأفعال الإنسان المقصودة، لا يحتاج إلى تعب ولا تحصيل. ولو أراد إخلاء أفعاله الاختيارية عن نيته لعجز عن ذلك. ولو كلفه الله الصلاة والوضوء بغير نية لكلفه ما لا يطيق، ولا يدخل تحت وسعه. وما كان هكذا فما وجه التعب فى تحصيله؟ وإن شك فى حصول نيته فهو نوع جنون. فإن علم الإنسان بحال نفسه أمر يقينى. فكيف يشك فيه عاقل من نفسه؟ ومن قام ليصلى صلاة الظهر خلف الإمام فكيف يشك فى ذلك؟ ولو دعاه داع إلى شغل فى تلك الحال لقال: إنى مشتغل أريد صلاة الظهر، ولو قال له قائل فى وقت خروجه إلى الصلاة: أين تمضى؟ لقال: أريد صلاة الظهر مع الإمام، فكيف يشك عاقل فى هذا من نفسه وهو يعلمه يقينا؟.
بل أعجب من هذا كله أن غيره يعلم بنيته بقرائن الأحوال، فإنه إذا رأى إنساناً جالساً فى الصف فى وقت الصلاة عند اجتماع الناس علم أنه ينتظر الصلاة. وإذا رآه قد قام عند إقامتها ونهوض الناس إليها علم أنه إنما قام ليصلى. فإن تقدم بين يدى المأمومين علم أنه يريد إمامتهم، فإن رآه فى الصف علم أنه يريد الائتمام.
قال: فإذا كان غيره يعلم نيته الباطنة بما ظهر من قرائن الأحوال، فكيف يجهلها من نفسه، مع اطلاعه هو على باطنه؟ فقبوله من الشيطان أنه ما نوى تصديق له فى جحد العيان، وإنكار الحقائق المعلومة يقيناً. ومخالفة للشرع، ورغبة عن السنة، وعن طريق الصحابة.
ثم إن النية الحاصلة لا يمكن تحصيلها، والموجودة لا يمكن إيجادها؛ لأن من شرط إيجاد
стр. 142
الشىء كونه معدوما، فإن إيجاد الموجود محال، وإذا كان كذلك فما يحصل له بوقوفه شىء، لو وقف ألف عام.
قال: ومن العجب أنه يتوسوس حال قيامه، حتى يركع الإمام، فإذا خشى فوات الركوع كبر سريعاً وأدركه. فمن لم يحصل النية فى الوقوف الطويل حال فراغ باله كيف يحصلها فى الوقت الضيق مع شغل باله بفوات الركعة؟،
ثم ما يطلبه إما أن يكون سهلاً أو عسيراً، فإن كان سهلاً فكيف يعسره؟ وإن كان عسيراً فكيف تيسر عند ركوع الإمام سواه؟ وكيف خفى ذلك على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وصحابته من أولهم إلى آخرهم، والتابعين ومن بعدهم؟ وكيف لم ينتبه له سوى من استحوذ عليه الشيطان، أفيظن بجهله أن الشيطان ناصح له؟ أما علم أنه لا يدعو إلى هدى، ولا يهدى إلى خير؟ وكيف يقول فى صلاة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وسائر المسلمين الذين لم يفعلوا فعل هذا الموسوس؟ أهى ناقصة عنده مفضولة؟ أم هى التامة الفاضلة؟ فما دعاه إلى مخالفتهم والرغبة عن طريقهم؟.
فإن قال: هذا مرض بليت به، قلنا: نعم، سببه قبولك من الشيطان، ولم يعذر الله تعالى أحدا بذلك، ألا ترى أن آدم وحواء لما وسوس لهما الشيطان فقبلا منه أخرجا من الجنة، ونودى عليهما بما سمعت، وهما أقرب إلى العذر؛ لأنهما لم يتقدم قبلهما من يعتبران به، وأنت قد سمعت وحذرك الله تعالى من فتنته، وبين لك عداوته، وأوضح لك الطريق، فمالك عذر ولا حجة فى ترك السنة والقبول من الشيطان.
قلت: قال شيخنا: ومن هؤلاء من يأتى بعشر بدع لم يفعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولا أحد من أصحابه واحدة منها، فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، نويت أصلى صلاة الظهر فريضة الوقت، أداء لله تعالى، إماما أو مأموما، أربع ركعات، مستقبل القبلة، ثم يزعج أعضاءه ويحنى جبهته ويقيم عروق عنقه، ويصرح بالتكبير. كأنه يكبر على العدو. ولو مكث أحدهم عمر نوح ﵇ يفتش: هل فعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أو أحد من أصحابه شيئاً من ذلك، لما ظفر به، إلا أن يجاهر بالكذب البحت. فلو كان
стр. 143
فى هذا خير لسبقونا إليه، ولدلونا عليه. فإن كان هذا هدى فقد ضلوا عنه، وإن كان الذى كانوا عليه هو الهدى والحق فماذا بعد الحق إلا الضلال.
قال: ومن أصناف الوسواس ما يفسد الصلاة، مثل تكرير بعض الكلمة، كقوله فى التحيات: إت إت، التحى التحى، وفى السلام: أس أس. وقوله فى التكبير: أكككبر ونحو ذلك، فهذا الظاهر بطلان الصلاة به، وربما كان إماماً فأفسد صلاة المأمومين، وصارت الصلاة التى هى من أكبر الطاعات أعظم إبعاداً له عن الله من الكبائر، وما لم تبطل به الصلاة من ذلك فمكروه وعدول عن السنة، ورغبة عن طريقة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهديه، وما كان عليه أصحابه. وربما رفع صوته بذلك فآذى سامعيه، وأغرى الناس بذمه والوقيعة فيه، فجمع على نفسه طاعة إبليس ومخالفة السنة، وارتكاب شر الأمور ومحدثاتها، وتعذيب نفسه وإضاعة الوقت، والاشتغال بما ينقص أجره، وفوات ما هو أنفع له، وتعريض نفسه لطعن الناس فيه، وتغرير الجاهل بالاقتداء به؛ فإنه يقول: لولا أن ذلك فضل لما اختاره لنفسه، وأساء الظن بما جاءت به السنة، وأنه لا يكفى وحده، وانفعال النفس وضعفها للشيطان، حتى يشتد طمعه فيه وتعريضه نفسه للتشديد عليه بالقدر، عقوبة له، وإقامته على الجهل، ورضاه بالخبل فى العقل، كما قال أبو حامد الغزالى وغيره: "الوسوسة سببها إما جهل بالشرع، وإما خبل فى العقل، وكلاهما من أعظم النقائص والعيوب".
فهذه نحو خمسة عشر مفسدة فى الوسواس، ومفاسده أضعاف ذلك بكثير.
وقد روى مسلم فى صحيحه من حديث عثمان بن أبى العاص قال: قلت: "يَا رَسُولَ اللهِ، إِنّ الشيطان قَدْ حَالَ بَيْنِى وَبَيْنَ صَلاتِى يُلَبِّسُهَا عَلَىَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى علَيْهِ وَسلّم: ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خِنْزَب، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْهُ، وَاتْفُلْ عَنْ يَسَاركَ ثَلاثاً، فَفَعَلْتُ ذلِكَ، فَأَذْهَبَهُ اللهُ تَعَالَى عَنِّى".
فأهل الوسواس قرة عين خنزب وأصحابه، نعوذ بالله منه.
стр. 144
فصل
ومن ذلك الإسراف فى ماء الوضوء والغسل.
وقد روى أحمد فى مسنده من حديث عبد الله بن عمرو: "أنّ رَسُولَ الله صلّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وسّلَم مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضّأُ، فَقالَ: لا تُسْرِفْ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوَفِى المَاءِ إِسْرَافٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَإنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ".
وفى جامع الترمذى من حديث أبى بن كعب: أَنّ النّبىَّ صلى اللهُ تَعَالَى عليهِ وسلّمَ قَالَ: "إِنّ لِلْوُضُوءِ شَيْطاناً يُقَالُ لَهُ الْوَلْهَانُ، فَاتَّقُوا وَسْوَاسَ المَاءِ".
وفى المسند والسنن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "جَاءَ أَعْرَابِى إلَى رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وسلّم يَسْأَلُهُ عَن الْوُضُوءِ، فَأَرَاهُ ثَلاثاً ثلاثاً، وَقالَ: هذا الْوُضُوءُ فَمنْ زَادَ عَلَى هذاَ فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدّى وَظَلَمَ".
وفى كتاب الشافى لأبى بكر عبد العزيز من حديث أم سعد قالت: قَالَ رسُولُ اللهِ صلّى الله تَعَالَى عَلْيهِ وسلّم: "يُجْزِئُ مِنَ الْوُضُوءِ مُد، والْغُسْلِ صَاعٌ. وَسَيَأْتِى قَوْمٌ يَسْتَقِلُّونَ ذلِكَ، فَأُولِئِكَ خِلافُ أَهْل سُنَّتى، وَالآخِذ بِسُنتِى فى حَضْرَةِ الْقُدُسِ مُنتَزه أَهْلِ الجنَّةِ".
وفى سنن الأثرم من حديث سالم بن أبى الجعد عن جابر بن عبد الله قال: "يُجْزِئُ مِنَ الْوُضُوءِ المُدُّ، وَمِنَ الْغَسْلِ مِنَ الجنَابَةِ الصَّاعُ، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا يَكْفِينِى، فَغَضِبَ جَابِرٌ حَتّى تَرَبّدَ وَجْهُهُ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ كَفَى مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ وَأَكْثَرُ شَعْراً".
وقد رواه الإمام أحمد فى مسنده مرفوعاً. ولفظه عن جابر قال: قالَ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ تَعَالَى عَليْهِ وسلّم: "يُجْزِئُ مِنَ الْغَسْلِ الصَّاعُ، وَمِنَ الْوُضُوءِ المُدُّ".
وفى صحيح مسلم عن عائشة رضى الله تعالى عنها: "أَنَّهَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ هِىَ وَالنَّبىُّ صلّى اللهُ تَعَالَى عَليْهِ وسلّم مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ يَسَعُ ثَلاَثَةَ أَمْدَادٍ، أَوْ قَرِيباً مِنْ ذلِكَ".
وفى سنن النسائى عن عبيد بن عمير: "أَنّ عَائِشَةَ رَضِىَ اللهُ عَنهَا قَالَتْ: لَقَدْ رَأَيْتُنى أَغْتَسِلُ
стр. 145
أنَا وَرَسُولُ اللهِ مِنْ هذَا، فَإِذَا تَوْرٌ مَوْضُوعٌ مِثْلُ الصَّاعِ أوْ دُونَهُ - نَشْرَعُ فِيهِ جَمِيعاً، فَأَفِيضُ بِيَدَىَّ عَلَى رَأْسِى ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، وَمَا أَنْقُضُ لِى شَعْرًا".
وفى سنن أبى داود والنسائى عن عباد بن تميم عن أم عمارة بنت كعب أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: "تَوَضّأَ فَأُتِىَ بمِاءٍ فِى إناء قَدْرِ ثُلُثَىِ المُدَّ".
وقال عبد الرحمن بن عطاء: سمعت سعيد بن المسيب يقول: "إن لى ركوة أو قدحاً، ما يسع إلا نصف المد أو نحوه، أبول ثم أتوضأ منه، وأفضل منه فضلاً". قال عبد الرحمن: "فذكرت ذلك لسليمان بن يسار فقال: وأنا يكفينى مثل ذلك". قال عبد الرحمن: "فذكرت ذلك لأبى عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر فقال: وهكذا سمعنا من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم"، رواه الأثرم فى سننه.
وقال إبراهيم النخعى: "كانوا أشد استيفاء للماء منكم، وكانوا يرون أن ربع المد يجزئ من الوضوء".
وهذا مبالغة عظيمة، فإن ربع المد لا يبلغ أوقية ونصفاً بالدمشقى.
وفى "الصحيحين" عن أنس قال: "كَانَ رَسُولُ صلى اللهُ تعالى عليهِ وسلم يَتَوَضَّأُ بِالمُد، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إلَى خَمْسَة أمْدَاد".
وفى "صحيح مسلم" عن سفينة قال: "كانَ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ تَعَالَى عليْهِ وَسلم يَغْسِلُهُ الصَّاعُ مِنَ الجَنَابَةِ، وَيُوَضئُهُ المُدُّ".
وقال إبراهيم النخعى: "إنى لأتوضأ من كوز الحب مرتين".
وتوضأ القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق بقدر نصف المد أو أزيد بقليل.
وقال محمد بن عجلان: "الفقه فى دين الله إسباغ الوضوء وقلة إهراق الماء".
وقال الإمام أحمد: "كان يقال: من قلة فقه الرجل ولعه بالماء" وقال الميمونى: "كنت أتوضأ بماء كثير: فقال لى أحمد: يا أبا الحسن، أترضى أن تكون كذا؟ فتركته".
стр. 146
وقال عبد الله بن أحمد: "قلت لأبى: إنى لأكثر الوضوء، فنهانى عن ذلك، وقال يا بنى، يقال: إن للوضوء شيطاناً يقال له الولهان. قال لى ذلك غير مرة، ينهانى عن كثرة صب الماء، وقال لى: أقلل من هذا الماء يا بنى".
وقال إسحاق بن منصور: "قلت لأحمد: نزيد على ثلاث فى الوضوء؟ فقال: لا والله إلا رجل مبتلى".
وقال أسود بن سالم، الرجل الصالح شيخ الإمام أحمد: "كنت مبتلى بالوضوء، فنزلت دجلة أتوضأ، فسمعت هاتفاً يقول: يا أسود، يحيى عن سعيد: الوضوء ثلاث، ما كان أكثرلم يرفع، فالتفت فلم أر أحدا".
وقد روى أبو داود فى سننه من حديث عبد الله بن مُغفَّل قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: "سَيَكُونُ فى هذِهِ الأُمَّةِ قَوْمَ يَعْتَدُونَ فى الطُهورِ وَالدُّعَاءِ".
فإذا قرنت هذا الحديث بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥] . وعلمت أن الله يحب عبادته، أنتج لك من هذا أن وضوء الموسوس ليس بعبادة يقبلها الله تعالى، وإن أسقطت الفرض عنه، فلا تفتح أبواب الجنة الثمانية لوضوئه يدخل من أيها شاء.
ومن مفاسد الوسواس: أنه يشغل ذمته بالزائد على حاجته، إذا كان الماء مملوكاً لغيره كماء الحمام، فيخرج منه وهو مرتهن الذمة بما زاد على حاجته، ويتطاول عليه الدين حتى يرتهن من ذلك بشئ كثير جداً يتضرر به فى البرزخ ويوم القيامة.
فصل
ومن ذلك الوسواس فى انتقاض الطهارة لا يلتفت إليه.
وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه، قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
" إذَا وَجَدَ أَحَدُ كُمْ فى بَطْنِه شَيْئاً فَأَشْكلَ عَلَيْهِ: أَخْرَجَ مِنْهُ شَئْ أَمْ لا؟ فَلاَ يَخْرُجُ مِنَ المَسْجِد حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً أَوْ يَجَدَ رِيحاً".
стр. 147
وفى الصحيحين عن عبد الله بن زيد قال:
"شكِىَ إِلى رَسُولِ ﷺ : الرَّجُلُ يخَيّلُ إلَيْهِ أَنّهُ يَجِدُ الشّئْ فى الصَّلاَةِ، قَالَ: لا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً أوْ يَجَد رِيحاً".
وفى المسند وسنن أبى داود عن أبى سعيد الخدرى أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال:
"إنَّ الشّيْطَانَ يِأْتِى أَحَدَكُمْ وَهُوَ فى الصَّلاَةِ، فَيَأخُذُ بِشَعْرَةٍ مِنْ دُبُرِهِ فَيُمِدُّهَا فَيُرَى أَنّهُ قَدْ أَحْدَثَ، فَلاَ يَنْصَرِفُ حَتَّى يسْمَعَ صَوْتاً أَوْ يَجَدَ رِيحاً" ولفظ أبى داود: "إِذَا أَتَى الشّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فقَالَ لَهُ: إِنّكَ قَدْ أَحْدَثْتَ، فَلْيَقُلْ لَهُ: كَذَبْتَ، إِلا مَا وَجَدَ ريحِاً بِأَنْفِه أوْ سَمِعَ صَوْتاً بِأُذُنِهِ".
فأمر ﵊ بتكذيب الشيطان فيما يحتمل صدقه فيه، فكيف إذا كان كذبه معلوماً متيقناً، كقوله للموسوس: لم تفعل كذا، وقد فعله؟
قال الشيخ أبو محمد: ويستحب للإنسان أن ينضح فرجه وسراويله بالماء إذا بال، ليدفع عن نفسه الوسوسة، فمتى وجد بللا قال: هذا من الماء الذى نضحتا، لما روى أبو داود بإسناده عن سفيان بن الحكم الثقفى، أو الحكم بن سفيان قال:
"كانَ النَّبىُّ صلّى الله تَعالى عليهِ وسلم إِذا بَالَ تَوَضأَ وينتضح".
وفى رواية: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَالَ ثُمَّ نَضَحَ فَرْجَهُ".
وكان ابن عمر ينضح فرجه حتى يبل سراويله.
وشكا إلى الإمام أحمد بعض أصحابه أنه يجد البلل بعد الوضوء، فأمره أن ينضح فرجه إذا بال، قال: "ولا تجعل ذلك من همتك واله عنه".
وسئل الحسن أو غيره عن مثل هذا فقال: "اله عنه". فأعاد عليه المسألة فقال: "أتستدره لا أب لك، أله عنه".
فصل
ومن هذا ما يفعله كثير من الموسوسين بعد البول وهو عشرة أشياء: السلت، والفطر، والنحنحة، والمشى، والقفز، والحبل، والتفقد، والجور، والحشو، والعصابة، والدرجة.
стр. 148
أما السلت فيسلته من أصله إلى رأسه، على أنه قد روى فى ذلك حديث غريب لا يثبت، ففى المسند وسنن ابن ماجه عن عيسى بن يزداد عن أبيه قال: قال: رَسُولُ اللهِ تعالى عليه وسلَّم: "إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَمْسَحْ ذَكَرَهُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ".
وقال جابر بن زيد: "إِذَا بُلْتَ فَامْسَح أَسْفَلَ ذَكَرِكَ فإِنَّهُ يَنْقَطِعُ". رواه سعيد عنه.
قالوا: ولأنه بالسلت والنتر يستخرج ما يخشى عوده بعد الاستنجاء.
قالوا: وإن احتاج إلى مشى خطوات لذلك ففعل فقد أحسن، والنحنحة ليستخرج الفضلة. وكذلك القفز يرتفع عن الأرض شيئاً ثم يجلس بسرعة، والحبل يتخذ بعضهم حبلاً يتعلق به حتى يكاد يرتفع، ثم ينخرط منه حتى يقعد، والتفقد: يمسك الذكر ثم ينظر فى المخرج هل بقى فيه شىء أم لا. والوجور: يمسكه ثم يفتح الثقب ويصب فيه الماء: والحشو: يكون معه ميل وقطن يحشوه به كما يحشو الدمل بعد فتحها. والعصابة: يعصبه بخرقة، والدرجة يصعد فى سلم قليلا ثم ينزل بسرعة، والمشى يمشى خطوات ثم يعيد الاستجمار.
قال شيخنا: "وذلك كله وسواس وبدعة"، فراجعته فى السلت والنتر فلم يره، وقال: "لم يصح الحديث"، قال: "والبول كاللبن فى الضرع إن تركته قر وإن حلبته در".
قال: "ومن اعتاد ذلك ابتلى منه بما عوفى منه من لها عنه".
قال: "ولو كان هذا سنة لكان أولى الناس به رسول الله ﵊ وأصحابه"، وقد قال اليهودى لسلمان: "لقد علمكم نبيكم كل شىء حتى الخرأة، فقال: أجل"، فأين علمنا نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك أو شيئاً منه؟ بلى علم المستحاضة أن تتلجم، وعلى قياسها من به سلس البول أن يتحفظ، ويشد عليه خرقة.
فصل
ومن ذلك أشياء سهل فيها المبعوث بالحنيفية السمحة فشدد فيها هؤلاء.
فمن ذلك المشى حافياً فى الطرقات، ثم يصلى ولا يغسل رجليه، فقد روى أبو داود فى
стр. 149
سننه: عن امرأة من بنى عبد الأشهل قالت:
"قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لَناَ طَرِيقاَ إِلى المَسْجِدِ مُنْتِنَةً، فَكَيْفَ نَفْعَلُ إِذَا تَطهَّرْنَا؟ قَال: أَلَيْسَ بَعْدَهَا طَرِيقٌ أَطْيَبُ مِنْهَا؟ قَالَتْ: قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَهذِهِ بهذِهِ".
وقال عبد الله بن مسعود: "كُنَّا لا نَتَوَضّأُ مِنْ مَوْطِىٍء".
وعن على رضى الله عنه: أنه خاص فى طين المطر، ثم دخل المسجد فصلى، ولم يغسل رجليه.
وسئل ابن عباس رضى الله عنهما عن الرجل يطأ العذرة؟ قال: "إن كانت يابسة فليس بشىء، وإن كانت رطبة غسل ما أصابه".
وقال حفص: أقبلت مع عبد الله بن عمر عامدين إلى المسجد. فلما انتهينا عدلت إلى المطهرة لأغسل قدمى من شىء أصابهما، فقال عبد الله: لا تفعل، فإنك تطأ الموطىء الردئ، ثم تطأ بعده الموطئ الطيب- أو قال: النظيف- فيكون ذلك طهوراً، فدخلنا المسجد جميعاً فصلينا.
وقال أبو الشعثاء: "كان ابن عمر يمشى بمنى فى الفروث والدماء اليابسة حافياً، ثم يدخل المسجد فيصلى فيه، ولا يغسل قدميه".
وقال عمران بن حُدير: كنت أمشى مع أبى مِجْلز إلى الجمعة، وفى الطريق عذرات يابسة، فجعل يتخطاهن ويقول: ما هذه إلا سوادات، ثم جاء حافياً إلى المسجد فصلى، ولم يغسل قدميه".
وقال عاصم الأحول: "أتينا أبا العالية، فدعونا بوضوء، فقال: ما لكم؟ ألستم متوضئين؟ قلنا:
стр. 150
بلى، ولكن هذه الأقذار التى مررنا بها. قال: هل وطئتم على شىء رطب تعلق بأرجلكم؟ قلنا: لا. فقال: فكيف بأشد من هذه الأقذار يجفّ، فينسفها الريح فى رؤوسكم ولحاكم"؟
فصل
ومن ذلك أن الخف والحذاء إذا أصابت النجاسة أسفله أجزأ دلكه بالأرض مطلقاً وجازت الصلاة فيه بالسنة الثابتة. نص عليه أحمد. واختاره المحققون من أصحابه قال أبو البركات: ورواية: "أَجْزَأَ الدَّلْكُ مُطْلَقاً".
هى الصحيحة عندى لما روى أبو هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "إِذَا وطِىءَ أَحَدكُمْ بِنَعْلِه الأَذَى فَإِنَّ التُّرَابَ لَهُ طَهُورٌ"، وفى لفظ: " إِذَا وَطِىءَ أَحَدُكُمُ الأَذَى بخُفّيْهِ فَطَهُورُهُمَا التُّرَابُ". رواهما أبو داود.
وروى أبو سعيد الخدرى أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. "صَلَّى فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ فَخَلَعَ النَّاسُ نِعَالهُمْ فلما انْصَرَفَ قَالَ: لِمَ خَلَعْتُمْ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، رَأيْنَاكَ خَلَعْتَ فَخَلَعْنَا، فقَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ أتانى فَأَخْبَرَنى أَنَّ بهِماَ خَبَثاً، فإِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَقلِبْ نَعْلَيهِ ثُمَّ لِيَنْظُرْ، فَإِنْ رَأَى خَبَثاً فَلْيَمْسَحْهُ بِالأرْضِ ثُمَّ لِيُصَل فِيهِمَا". رواه الإمام أحمد.
وتأويل ذلك: على ما يستقذر من مخاط أو نحوه من الطاهرات لا يصح، لوجوه:
أحدها: أن ذلك لا يسمى خبثاً.
الثانى: أن ذلك لا يؤمر بمسحه عند الصلاة فإنه لا يبطلها.
الثالث: أنه لا تخلع النعل لذلك فى الصلاة، فإنه عمل لغير حاجة، فأقل أحواله الكراهة.
الرابع: أن الدارقطنى روى فى سننه فى حديث الخلع من رواية ابن عباس: أن النبى ﵊ قال: "إنّ جِبْرِيلَ أَتَانِى، فَأَخْبَرَنِى أَنّ فِيهِمَا دَمَ حَلَمَةٍ" والحَلَمْ كبار القراد.
стр. 151
ولأنه بمحل يتكرر ملاقاة النجاسة غالبا، فأجزأ مسحه بالجامد، كمحل الاستجمار، بل أولى. فإن محل الاستجمار يلاقى النجاسة فى اليوم مرتين أو ثلاثاً.
فصل
وكذلك ذيل المرأة على الصحيح، وقالت امرأة لأم سلمة: "إنى أطيل ذيلى وأمشى فى المكان القذر. فقالت: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: "يطهره ما بعده" رواه أحمد وأبو داود.
وقد رخص النبى ﵊ للمرأة أن ترخى ذيلها ذراعاً، ومعلوم أنه يصيب القذر ولم يأمرها بغسل ذلك، بل أفتاهن بأنه تطهره الأرض.
فصل
ومما لا تطيب به قلوب الموسوسين: الصلاة فى النعال. وهى سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأصحابه، فعلا منه وأمرا. "كانَ يُصَلّى فى نَعْلَيْهِ"، متفق عليه.
وعن شداد بن أوس قال: قَالَ رسُولُ اللهِ صلى اللهُ تَعَالى عليه وآله وسلم: "خَالِفُوا الْيَهُودَ، فَإِنَّهُمْ لا يُصَلُّونَ فى خِفَافِهِمْ وَلا نِعَالِهمْ". رواه أبو داود.
وقيل للإمام أحمد: أيصلى الرجل فى نعليه؟ فقال: إى والله.
وترى أهل الوسواس إذا بلى أحدهم بصلاة الجنازة فى نعليه قام على عقبيهما كأنه واقف على الجمر، حتى لا يصلى فيهما.
стр. 152
وفى حديث أبى سعيد الخدرى: "إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَنْظُرْ، فَإِنْ رَأَى عَلَى نَعْلَيْهِ قَذَرًا فَليَمْسَحْهُ، وَلْيُصَل".
فصل
ومن ذلك: أن سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: الصلاة حيث كان، وفى أى مكان كان، سوى ما نهى عنه من المقبرة والحمام وأعطان الإبل، فصح عنه ﵊ أنه قال:
"جُعِلَتْ لِىَ الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُورًا، فَحَيْثُمَا أدْرَكَتْ رَجُلاً مِنْ أُمَّتىِ الصَّلاَةُ فَلْيُصَل".
وكان يصلى فى مرابض الغنم، وأمر بذلك، ولم يشترط حائلا.
قال ابن المنذر: "أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على إباحة الصلاة فى مرابض الغنم، إلا الشافعي". فإنه قال: "أكره ذلك، إلا إذا كان سليماً من أبعارها". وقال: أبو هريرة رضى الله عنه: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "صَلُّوا فى مَرَابِضِ الْغَنَمِ، وَلا تُصَلُّوا فى أَعْطَانِ الإِبِلِ". رواه الترمذى وقال: حديث حسن صحيح.
وروى الإمام أحمد من حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "صَلُّوا فى مَرَابِضِ الَغْنمِ، وَلاَ تُصَلُّوا فى أَعْطَانِ الإِبِل، أَوْ مَبَارِكِ الإبِل".
وفى المسند أيضاً، من حديث عبد الله بن المغفل قال: قالَ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ تعالى عليهِ وآله وسلم: "صَلُّوا فى مَرَابِضِ الغنم وَلاَ تُصَلُّوا فى أَعْطَانِ الإِبِل، فإنّهَا خُلِقَتْ مِنَ الشَّياطِينِ".
وفى الباب عن جابر بن سمرة، والبراء بن عازب، وأسيد بن الحضير وذى الغرة، كلهم رووا عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: "صَلوا فى مَرَابِضِ الْغَنمِ".
وفى بعض ألفاظ الحديث: "صَلُّوا فى مَرَابِضِ الْغَنمِ، فَإِنَّ فِيهاَ بَرَكَةً".
стр. 153
وقال: "الأرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلا المَقْبَرَةُ وَالْحَمّامُ". رواه أهل السنن كلهم، إلا النسائى.
فأين هذا الهدىُ من فعل من لا يصلى إلا على سجادة تفرش فوق البساط فوق الحصير ويضع عليها المنديل؟ ولا يمشى على الحصير ولا على البساط، بل يمشى عليها نقرا كالعصفور. فما أحق هؤلاء بقول ابن مسعود: "لأنتم أهدى من أصحاب محمد أو أنتم على شعبة ضلالة".
وقد صلى النبى ﵊ على حصير قد اسودّ من طول ما لبس، فنضح له بالماء وصلى عليه، ولم يفرش له فوقه سجادة ولا منديل، وكان يسجد على التراب تارة، وعلى الحصى تارة، وفى الطين تارة، حتى يرى أثره على جبهته وأنفه.
وقال ابن عمر: "كانَتِ الكِلاَبُ تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ وَتَبُولُ فى المَسْجِدِ، وَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئاً مِنْ ذلِكَ".
رواه البخارى، ولم يقل "وتبول" وهو عند أبى داود بإسناد صحيح بهذه الزيادة.
فصل
ومن ذلك: أن الناس فى عصر الصحابة والتابعين ومن بعدهم كانوا يأتون المساجد حفاة فى الطين وغيره.
قال يحيى بن وثاب: "قلت لابن عباس: الرجل يتوضأ ثم يخرج إلى المسجد حافياً؟ قال: لا بأس به".
وقال كميل بن زياد: "رأيت عليا رضى الله عنه يخوض طين المطر ثم دخل المسجد فصلى ولم يغسل رجليه".
قال إبراهيم النخعى: "كانوا يخوضون الماء والطين إلى المسجد فيصلون".
وقال يحيى بن وثاب: "كانوا يمشون فى ماء المطر وينتضح عليهم". رواها سعيد بن منصور فى سننه.
стр. 154
وقال ابن المنذر: "وطئ ابن عمر بمنى وهو حاف فى ماء وطين ثم صلى ولم يتوضأ". قال: "وممن رأى ذلك علقمة، والأسود، وعبد الله بن مغفل وسعيد بن المسيب، والشعبى، والإمام أحمد، وأبو حنيفة، ومالك، وأحد الوجهين للشافعية"، قال: "وهو قول عامة أهل العلم، ولأن تنجيسها فيه مشقة عظيمة منتفية بالشرع، كما فى أطعمة الكفار وثيابهم، وثياب الفساق شربة المسكر وغيرهم".
قال أبو البركات بن تيمية: "وهذا كله يقوى طهارة الأرض بالجفاف، لأن الإنسان فى العادة لا يزال يشاهد النجاسات فى بقعة من طرقاته التى يكثر فيها تردده إلى سوقه ومسجده وغيرهما، فلو لم تطهر إذا أذهب الجفاف أثرها للزمه تجنب ما شاهده من بقاع النجاسات بعد ذهاب أثرها، ولما جاز له التحفى بعد ذلك، وقد علم أن السلف الصالح لم يحترزوا من ذلك. ويعضده أمره ﵊ بمسح النعلين بالأرض لمن أتى المسجد ورأى فيهما خبثاً، ولو تنجست الأرض بذلك نجاسة لا تطهر بالجفاف لأمر بصيانة طريق المسجد عن ذلك، لأنه يسلكه الحافى وغيره".
قلت: وهذا اختيار شيخنا ﵀.
وقال أبو قلابة: "جفاف الأرض طهورها".
فصل
ومن ذلك: أن النبى ﵊ سئل عن المذى، فأمر بالوضوء منه، فقال:
"كَيْفَ تَرَى بمَا أَصَابَ ثَوْبى مِنْهُ؟ قَالَ: تَأْخُذُ كَفا مِنْ مَاءٍ فَتَنْضحُ بِه حَيْثُ تَرَى أَنّهُ أصَابَهُ". رواه أحمد والترمذى والنسائى.
فجوّز نضح ما أصابه المذى، كما أمر بنضح بول الغلام.
قال شيخنا: وهذا هو الصواب، لأن هذه نجاسة يشق الأحتراز منها، لكثرة ما يصيب ثياب الشاب العزب، فهى أولى بالتخفيف من بول الغلام، ومن أسفل الخف والحذاء.
стр. 155
فصل
ومن ذلك: إجماع المسلمين على ما سنه لهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من جواز الاستجمار بالأحجار فى زمن الشتاء والصيف، مع أن المحل يعرق، فينضح على الثوب ولم يأمر بغسله من ذلك.
ومن ذلك: أنه يعفى عن يسير أرواث البغال والحمير والسباع، فى إحدى الروايتين عن أحمد، اختارها شيخنا لمشقة الاحتراز.
قال الوليد بن مسلم: "قلت للأوزاعى: فأبوال الدواب مما لا يؤكل لحمه، كالبغل والحمار والفرس؟ فقال: قد كانوا يبتلون بذلك فى مغازيهم، فلا يغسلونه من جسد ولا ثوب".
ومن ذلك: نص أحمد على أن الوَدْىَ يعفى عن يسيره كالمذى، وكذلك يعفى عن يسير القئ نص عليه أحمد.
وقال شيخنا: "لا يجب غسل الثوب ولا الجسد من المِدَّة والقيح والصديد"، قال: "ولم يقم دليل على نجاسته".
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه طاهر، حكاه أبو البركات. وكان ابن عمر رضى الله عنهما لا ينصرف منه فى الصلاة، وينصرف من الدم. وعن الحسن نحوه.
وسئل أبو مجلز عن القيح يصيب البدن والثوب؟ فقال: "ليس بشىء، إنما ذكر الله الدم ولم يذكر القيح".
وقال إسحاق بن راهويه: "كل ما كان سوى الدم فهو عندى مثل العرق المنتن وشبهه، ولا يوجب وضوءا".
وسئل أحمد ﵀: الدم والقيح عندك سواء؟ فقال: "لا، الدم لم يختلف الناس فيه، والقيح قد اختلف الناس فيه". وقال مرة: "القيح والصديد والمِدة عندى أسهل من الدم".
ومن ذلك: ما قاله أبو حنيفة: "أنه لو وقع بعر الفأر فى حنطة فطحنت، أو فى دهن مائع جاز أكله ما لم يتغير، لأنه لا يمكن صونه عنه". قال: "فلو وقع فى الماء نجسه".
стр. 156
وذهب بعض أصحاب الشافعى إلى جواز أكل الحنطة التى أصابها بول الحمير عند الدياس من غير غسل. قال: "لأن السلف لم يحترزوا من ذلك".
وقالت عائشة رضى الله عنها: "كُنَّا نَأكُلُ اللَّحْمَ، وَالدَّمُ خُطُوطٌ عَلَى القِدْرِ".
وقد أباح الله صيد الكلب وأطلق، ولم يأمر بغسل موضع فمه من الصيد ومعضه ولا تقويره، ولا أمر به رسوله، ولا أفتى به أحد من الصحابة.
ومن ذلك: ما أفتى به عبد الله بن عمر، وعطاء بن أبى رباح، وسعيد بن المسيب وطاووس وسالم، ومجاهد، والشعبى، وإبراهيم النخعى، والزهرى، ويحيى بن سعيد الأنصارى، والحكم، والأوزاعى، ومالك، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور والإمام أحمد فى أصح الروايتين، وغيرهم: "أن الرجل إذا رأى على بدنه أو ثوبه نجاسة بعد الصلاة لم يكن عالماً بها، أو كان يعلمها لكنه نسيها أو لم ينسها، لكنه عجز عن إزالتها أن صلاته صحيحة، ولا إعادة عليه".
فصل
ومن ذلك: أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: "كانَ يُصَلى وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ ابْنَتِه زَيْنَبَ، فإذَا رَكَعَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا" متفق عليه.
ولأبى داود: "أَنَّ ذلِكَ كانَ فى إحْدَى صَلاَتَىِ العشى".
وهو دليل على جواز الصلاة فى ثياب المربية والمرضع والحائض والصبى، ما لم يتحقق نجاستها.
وقال أبو هريرة: "كُنَّا مَع النَّبى صلى اللهُ تعالى عليهِ وآله وسلَم فى صَلاَةِ العِشَاءِ فَلمَّا سَجَدَ وَثَبَ الَحْسَنُ وَالْحُسَينُ عَلَى ظَهْرِهِ، فَلمَّا رَفعَ رَأْسَهُ أَخَذَهُمَا بِيَدَه مِنْ خَلْفِه أَخْذًا رَفِيقاً وَوَضَعَهُمَا عَلَى الأرْضِ، فَإِذَا عَادَ عَادَا، حَتَّى قَضَى صَلاَتَهُ". رواه الإمام أحمد.
وقال عبد الله بن شداد بن الهاد: عن أبيه: "خَرَج عَلَيْنَا رَسُولُ الله صلى الله تعالى عليهِ وآله وسلم وَهُوَ حامِلٌ الحَسَنَ، والحُسَيْنَ، فَوَضَعَهُ ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلاَةِ، فَصَلّى فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَانى صَلاَتِه سَجْدَة أَطَالهَا. فَلمَّا قضى الصَّلاَةَ قَالَ: إنَّ ابْنِى ارْتحَلَنى فَكرهْتُ أَنْ أُعْجِلَهُ". رواه أحمد والنسائى.
وقالت عائشة رضى الله تعالى عنها: "كانَ رَسُولُ صلى اللهُ تعالى عليه وآله وسلَم يُصَلّى بِاللَّيْلِ وَأَنَا إِلَى جَنْبِه، وَأَنَا حَائِضٌ، وَعَلَىَّ مِرْطٌ وَعَلَيْهِ بَعْضُهُ". رواه أبو داود.
стр. 157
وقالت: " كُنْتَ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ نَبِيتُ فى الشَّعَارِ الوَاحِدِ، وَأَنَا طَامِثٌ- حَائِضٌ- فَإِنْ أصَابَهُ مِنى شَىْ غَسَلَ مَكَانَهُ، وَلَمَ يَعْدُهْ، وَصَلى فِيهِ" رواه أبو داود.
فصل
ومن ذلك: أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان يلبس الثياب التى نسجها المشركون ويصلى فيها.
وتقدم قول عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه، وهَمّه أن ينهى عن ثياب بلغه أنها تصبغ بالبول، وقول أبى له: "مالك أن تنهى عنها، فإن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لبسها، ولبست فى زمانه؟ ولو علم الله أنها حرام لبينه لرسوله. قال: صدقت".
قلت: وعلى قياس ذلك: الجوخ، بل أولى بعدم النجاسة من هذه الثياب، فتجنبه من باب الوسواس.
ولما قدم عمر بن الخطاب رضى الله عنه الجابية استعار ثوباً من نصرانى فلبسه، حتى خاطوا له قميصه وغسلوه. وتوضأ من نجرة نصرانية.
وصلى سلمان وأبو الدرداء رضى الله عنهما فى بيت نصرانية. فقال لها أبو الدرداء: "هل فى بيتك مكان طاهر فنصلى فيه؟ " فقالت: طهرا قلوبكما، ثم صليا اين أحببتما. فقال له سلمان: "خذها من غير فقيه".
فصل
ومن ذلك: أن الصحابة والتابعين كانوا يتوضئون من الحياض والأوانى المكشوفة ولا يسألون: هل أصابتها نجاسة، أو وردها كلب أو سبع؟ ففى الموطإ عن يحيى ابن سعيد أن عمر رضى الله عنه خرج في ركب فيهم عمرو بن العاص، حتى وردوا حوضا، فقال عمرو: "يا صاحب الحوض، هل ترد حوضك السباع؟ "، فقال عمر رضى الله عنه: "لا تخبرنا. فإنا نرد على السباع وترد علينا".
стр. 158
وفى سنن ابن ماجه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "سُئِلَ: أَنَتَوَضّأُ بمَا أفْضَلَتِ الُحُمرُ؟ قَالَ: نَعمْ، وَبَما أَفْضَلَتِ السبَاعُ".
ومن ذلك: أنه لو سقط عليه شئ من ميزاب، لا يدرى هل هو أو بول. لم يجب عليه أن يسأل عنه. فلو سأل لم يجب على المسئول أن يجيبه ولو علم أنه نجس، ولا يجب عليه غسل ذلك.
ومر عمر بن الخطاب رضى الله عنه يوماً، فسقط عليه شئ من ميزاب، ومعه صاحب له، فقال: يا صاحب الميزاب ماؤك طاهر أو نجس؟ فقال عمر رضى الله عنه: "يا صاحب الميزاب لا تخبرنا ومضى"، ذكره أحمد.
قال شيخنا: "وكذلك إذا أصاب رجله أو ذيله بالليل شىء رطب ولا يعلم ما هو لم يجب عليه أن يشمه ويتعرف ما هو. واحتج بقصة عمر رضى الله عنه فى الميزاب وهذا هو الفقه، فإن الأحكام إنما تترتب على المكلف بعد علمه بأسبابها، وقبل ذلك هى على العفو. فما عفا الله عنه فلا ينبغى البحث عنه".
فصل
ومن ذلك: الصلاة مع يسير الدم، ولا يعيد.
قال البخارى: قال الحسن ﵀: "مازال المسلمون يصلون فى جراحاتهم".
قال: "وعصر ابن عمر رضى الله عنهما بثرة، فخرج منها دم فلم يتوضأ، وبصق ابن أبى أو فى دما ومضى فى صلاته. وصلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه وجرحه يثعب دما".
стр. 159
ومن ذلك: أن المراضع مازلن من عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وإلى الآن يصلين فى ثيابهن، والرضعاء يتقيئون ويسيل لعابهم على ثياب المرضعة وبدنها، فلا يغسلن شيئا من ذلك، لأن ريق الرضيع مطهر لقمه لأجل الحاجة. كما أن ريق الهرة مطهر لفمها.
وقد قال رسول الله صلى الله تعالي عليه وآله وسلم:
"إنّهَا لَيْسَتْ بِنَجِس، إِنّهَا مِنَ الطّوَّافينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ وَكَانَ يُصْغِى لَهَا الإِنَاءَ حَتَّى تَشْرَبَ".
وكذلك فعل أبو قتادة. مع العلم اليقينى أنها تأكل الفأر والحشرات، والعلم القطعى أنه لم يكن بالمدينة حياض فوق القلتين تردها السنانير وكلاهما معلوم قطعاً.
ومن ذلك: أن الصحابة ومن بعدهم كانوا يصلون وهم حاملو سيوفهم، وقد أصابها الدم. وكانوا يمسحونها، ويجتزئون بذلك.
وعلى قياس هذا: مسح المرآة الصقيلة إذا أصابتها النجاسة، فإنه يطهرها.
وقد نص أحمد على طهارة سكين الجزار بمسحها.
ومن ذلك: أنه نص على حبل الغسال أنه ينشر عليه الثوب النجس، ثم تجففه الشمس، فينشر عليه الثوب الطاهر. فقال: لا بأس به. وهذا كقول أبى حنيفة: "إن الأرض النجسة يطهرها الريح والشمس". وهو وجه لأصحاب أحمد، حتى إنه يجوز التيمم بها. وحديث ابن عمر رضى الله عنهما كالنص فى ذلك وهو قوله: "كانت الكلاب تقبل وتدبر وتبول فى المسجد ولم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك".
стр. 160
وهذا لا يتوجه إلا على القول بطهارة الأرض بالريح والشمس.
ومن ذلك: أن الذى دلت عليه سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وآثار أصحابه: أن الماء لا ينجس إلا بالتغير، وإن كان يسيراً.
وهذا قول أهل المدينة وجمهور السلف، وأكثر أهل الحديث. وبه أفتى عطاء بن أبى رباح، وسعيد بن المسيب، وجابر بن زيد، والأوزاعى، وسفيان الثورى، ومالك بن أنس، وعبد الرحمن بن مهدى، واختاره ابن المنذر. وبه قال أهل الظاهر. ونص عليه أحمد فى إحدى روايتيه. وإختاره جماعة من أصحابنا، منهم ابن عقيل فى مفرداته وشيخنا أبو العباس، وشيخه ابن أبى عمر.
وقال ابن عباس رضى الله عنهما: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:
"المَاء لا يُنَجسُهُ شَئ" رواه الإمام أحمد.
وفى المسند والسنن عن أبى سعيد قال: "قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَنَتَوَضّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ؟ وَهِىَ بِئْرٌ تُلْقَى فِيهَا الْحِيضُ ولُحُومُ الكِلاَبِ وَالنَّتْنُ فَقَال: المَاءُ طَهُورٌ، لا يُنَجسُهُ شئ".
قال الترمذى: "هذا حديث حسن". وقال الإمام أحمد: "حديث بئر بضاعة صحيح".
وفى لفظ للإمام أحمد: "إِنّهُ يُسْتَقَىِ لَكَ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ، وَهِىَ بِئْر يُطْرَحُ فِيهَا حَايِضُ النسَاءِ، وَلَحْمُ الْكِلاَبِ، وَعَذَر النَّاسِ؟ فَقَالَ رَسولُ اللهِ تعالى عليهِ وَسلم: إِنَّ المَاءَ طَهُورٌ لا يُنَجسُهُ شَىْ".
وفى سنن ابن ماجه من حديث أبى أمامة مرفوعاً:
"المَاءُ لا يُنَجسُهُ شَىْ إِلاّ مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ، أَوْ طَعْمِهِ، أَوْ لَوْنِه".
وفيها من حديث أبى سعيد الحدرى: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: "سُئِلَ عَنِ الْحِيَاضِ الّتِى بَيْنَ مَكّةَ وَالمَدِينَةِ، تَرِدُهَا السبَاعُ وَالْكِلاَبُ وَالْحُمُرُ، وَعَنِ الطّهَارَةِ بهَا؟ فَقالَ: لَها مَا حَمَلَتْ فى بُطُونهَا وَلنَا مَا غَبَرَ طَهُورٌ".
وإن كان فى إسناد هذين الحديثين مقال. فإنا ذكرناهما للاستشهاد لا للاعتماد.
وقال البخارى: قال الزهرى: "لا بأس بالماء ما لم يتغير منه طعم أو ريح أو لون".
стр. 161
وقال الزهرى أيضاً: "إذا ولغ الكلب فى الإناء ليس له وضوء غيره يتوضأ به ثم يتيمم".
قال سفيان: "هذا الفقه بعينه"، يقول الله تعالى:
" ﴿فَلَمْ تجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] . وهذا ماء، وفى النفس منه شىء يتوضأ به ثم يتيمم" ونص أحمد ﵀ فى جب زيت ولغ فيه كلب، فقال: "يؤكل".
فصل
ومن ذلك: أن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان يجيب من دعاه، فيأكل من طعامه وأضافه يهودى بخبز شعير وإهالة سنخة. وكان المسلمون يأكلون من أطعمة أهل الكتاب.
وشرط عمر رضى الله تعالى عنه عليهم ضيافة من يمر بهم من المسلمين، وقال: "أطعموهم مما تأكلون". وقد أحل الله ذلك فى كتابه.
ولما قدم عمر رضى الله عنه الشام صنع له أهل الكتاب طعاماً فدعوه، فقال: "أين هو؟ " قالوا: فى الكنيسة، فكره دخولها، وقال لعلى رضى الله عنه: "اذهب بالناس، فذهب على بالمسلمين". فدخلوا وأكلوا، وجعل على رضى الله عنه: ينظر إلى الصور، وقال: "ما على أمير المؤمنين لو دخل وأكل؟ ".
وكان النبى ﵇ يقبل ابنى ابنته فى أفواههما، ويشرب من موضع فم عائشة رضى الله عنها، ويتعرق العرق، فيضع فاه على موضع فيها، وهى حائض.
وحمل أبو بكر رضى الله عنه الحسن على عاتقه ولعابه يسيل عليه.
وأتى رسول الله ﵇ بصبى، فوضعه فى حجره، فبال عليه فدعا بماء، فنضحه ولم يغسله.
وكان يؤتى بالصبيان فيضعهم فى حجره يبرك عليهم، ويدعو لهم.
стр. 162
وهذا الذى ذكرناه قليل من كثير من السنة، ومن له اطلاع على ما كان عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأصحابه لا يخفى عليه حقيقة الحال.
وقد روى الإمام أحمد فى مسنده عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "بُعِثْتُ بِالْحنِيفِيَّةِ السمْحِةِ".
فجمع بين كونها حنيفية وكونها سمحة. فهى حنيفية فى التوحيد، سمحة فى العمل. وضد الأمرين: الشرك، وتحريم الحلال، وهما اللذان ذكرهما النبى صلى الله تعالى عليه وآله فيما يروى عن ربه ﵎ أنه قال:
" إِنى خَلَقْتُ عِبَادِى حُنَفَاءَ وَإِنّهُمْ أتَتْهُمُ الشّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينْهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحَلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بى مَا لَمْ أُنَزلْ بِهِ سُلْطَاناً".
فالشرك وتحريم الحلال قرينان. وهما اللذان عابهما الله تعالى فى كتابه على المشركين فى سورة الأنعام والأعراف.
وقد ذم النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم المتنطعين فى الدين، وأخبر بمهلكهم حيث يقول:
"أَلا هَلَكَ المُتَنَطعُونَ، أَلا هَلَكَ المُتَنَطعُونَ، أَلا هَلَكَ المُتَنَطعُونَ". وقال ابن أبى شيبة: حدثنا أبو أسامة عن مسعر قال: "أخرج إلى معن بن عبد الرحمن كتاباً، وحلف بالله أنه خط أبيه، فإذا فيه: قال عبد الله: والله الذى لا إله غيره ما رأيت أحداً كان أشد على المتنطعين من رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، ولا رأيت بعده أحداً أشد خوفاً عليهم من أبى بكر، وإنى لأظن عمر رضى الله عنه كان أشد أهل الأرض خوفاً عليهم".
وكان ﵊ يبغض المتعمقين، حتى إنه لما واصل بهم ورأى الهلال. قال: "لَوْ تَأَخّرَ الهِلالُ لَوَاصَلتُ وِصالا يَدَعُ المُتَعَمقُونَ تَعَمُّقَهُمْ، كالمَنكلِ بهِمْ".
стр. 163
وكان الصحابة أقل الأمة تكلفا، اقتداء بنبيهم صلى الله تعالى وسلم. قال الله تعالى:
﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ المُتَكَلفِينَ﴾ [ص: ٨٦] . وقال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: "من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات. فإن الحى لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد، كانوا أفضل هذه الأمة: أبرها قلوباً، وأعمقها علما، وأقلها تكلفاً. اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه، ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على أثرهم وسيرتهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم".
وقال أنس رضى الله عنه: "كنا عند عمر رضى الله عنه، فسمعته يقول: نهينا عن التكلف".
وقال مالك: قال عمر بن عبد العزيز: "سن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وولاة الأمور بعده سننا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستعمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا النظر فيما خالفها. من اقتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيراً".
وقال مالك: بلغنى أن عمر بن الخطاب كان يقول: "سُنَّت لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، وتُركتم على الواضحة، إلا أن تميلوا بالناس يمينا وشمالاً".
وقال صلى الله تعالى عليه وسلم: " يَحْمِلُ هذا العِلُمَ مِنْ كُل خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالِ المُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ".
فأخبر أن الغالبين يحرفون ما جاء به. والمبطلون ينتحلون بباطلهم غير ما كان عليه. والجاهلون يتأولونه على غير تأويله. وفساد الإسلام من هؤلاء الطوائف الثلاثة. فلولا أن الله تعالى يقيم لدينه من ينفى عنه ذلك لجرى عليه ما جرى على أديان الأنبياء قبله من هؤلاء.
стр. 164
فصل
ومن ذلك الوسوسة فى مخارج الحروف والتنطع فيها.
ونحن نذكر ما ذكره العلماء بألفاظهم:
قال أبو الفرج بن الجوزى: "قد لبس إبليس على بعض المصلين فى مخارج الحروف، فتراه يقول: الحمد، الحمد. فيخرج بإعادة الكلمة عن قانون أدب الصلاة. وتارة يلبس عليه فى تحقيق التشديد فى إخراج ضاد "المغضوب" قال: "ولقد رأيت من يخرج بصاقه مع إخراج الضاد لقوة تشديده. والمراد تحقيق الحرف حسب. وإبليس يخرج هؤلاء بالزيادة عن حد التحقيق، ويشغلهم بالمبالغة فى الحروف عن فهم التلاوة. وكل هذه الوساوس من إبليس".
وقال محمد بن قتيبة فى مشكل القرآن: "وقد كان الناس يقرؤون القرآن بلغاتهم، ثم خلف من بعدهم قوم من أهل الأمصار وأبناء العجم ليس لهم طبع اللغة، ولا علم التكلف، فهفوا فى كثير من الحروف. وذلوا فأخلواً. ومنهم رجل ستر الله عليه عند العوام بالصلاح، وقربه من القلوب بالدين. فلم أر فيمن تتبعت فى وجوه قراءته أكثر تخليطاً ولا أشد اضطراباً منه، لأنه يستعمل فى الحروف ما يدعه فى نظيره، ثم يؤصل أصلا ويخالف إلى غيره بغير علة، ويختار فى كثير من الحروف ما لا مخرج له إلا على طلب الحيلة الضعيفة. هذا إلى نبذه فى قراءته مذاهب العرب وأهل الحجاز، بإفراطه فى المد والهمز والإشباع، وإفحاشه فى الإضجاع والإدغام، وحمله المتعلمين على المذهب الصعب، وتعسيره على الأمة ما يسره الله تعالى، وتضييقه ما فسحه الله. ومن العجب أنه يقرئ الناس بهذه المذاهب، ويكره الصلاة بها. ففى أى موضع يستعمل هذه القراءة، إن كانت الصلاة لا تجوز بها؟، وكان ابن عيينة يرى لمن قرأ فى صلاته بحرفه، أو ائتم بإمام يقرأ بقراءته أن يعيد، ووافقه على ذلك كثير من خيار المسلمين. منهم بشر بن الحارث، والإمام أحمد بن حنبل، وقد شغف بقراءته عوام الناس وسوقتهم. وليس ذلك إلا لما يرونه من مشقتها وصعوبتها، وطول اختلاف المتعلم إلى المقرئ فيها. فإذا رأوه قد اختلف فى أم الكتاب عشرا. وفى مائة آية شهراً، وفى السبع الطوال حولا. ورأوه
стр. 165
عند قراءته مائل الشدقين، دار الوريدين، راشح الجبين، توهموا أن ذلك لفضله فى القراءة وحذقه بها، وليس هكذا كانت قراءة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، ولا خيار السلف ولا التابعين، ولا القراء العالمين، بل كانت سهلة رسلة".
وقال الخلال فى الجامع: عن أبى عبد الله، إنه قال: "لا أحب قراءة فلان"، يعنى هذا الذى أشار إليه ابن قتيبة، وكرهها كراهية شديدة، وجعل يعجب من قراءته، وقال: "لا تعجبنى. فإن كان رجل يقبل منك فانهه".
وحكى عن ابن المبارك عن الربيع بن أنس: أنه نهاه عنها.
وقال الفضل بن زياد: "إن رجلاً قال لأبى عبد الله: فما أترك من قراءته؟ قال: الإدغام، والكسر. ليس يعرف فى لغة من لغات العرب".
وسأله عبد الله ابنه عنها فقال: "أكره الكسر الشديد والإضجاع".
وقال فى موضع آخر: "إن لم يدغم ولم يضجع ذلك الإضجاع فلا بأس به".
وسأله الحسن بن محمد بن الحارث: "أتكره أن يتعلم الرجل تلك القراءة؟ "، قال: "أكرهه أشد كراهة، إنما هى قراءة محدثة". وكرهها شديداً حتى غضب.
وروى عنه ابن سنيد أنه سئل عنها فقال: "أكرهها أشد الكراهة"، قيل له: ما تكره منها؟ قال: "هى قراءة محدثة، ما قرأ بها أحد".
وروى جعفر بن محمد عنه أنه سئل عنها فكرهها. وقال: "كرهها ابن إدريس"، وأراه قال: وعبد الرحمن بن مهدى. وقال: "ما أدرى، إيش هذه القراءة؟ " ثم قال: "وقراءتهم ليست تشبه كلام العرب".
وقال عبد الرحمن بن مهدى "لو صليت خلف من يقرأ بها لأعدت الصلاة".
стр. 166
ونص أحمد ﵀ على أنه يعيد. وعنه رواية أخرى: "أنه لا يعيد".
والمقصود. أن الأئمة كرهوا التنطع والغلو فى النطق بالحرف.
ومن تأمل هدى رسول الله صلى الله تعالى وآله وسلم، وإقراره أهل كل لسان على قراءتهم تبين له أن التنطع والتشدق والوسوسة فى إخراج الحروف ليس من سنته.
فصل
فى الجواب عما احتج به أهل الوسواس
أما قولهم: إن ما نفعله احتياط لا وسواساً.
قلنا: سموه ما شئتم، فنحن نسألكم: هل هو موافق لفعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأمره، وما كان عليه أصحابه، أو مخالف؟
فإن زعمتم أنه موافق، فبهت وكذب صريح. فإذن لا بد من الإقرار بعدم موافقته وأنه مخالف له، فلا ينفعكم تسمية ذلك احتياطاً. وهذا نظير من ارتكب محظوراً وسماه بغير اسمه، كما يسمى الخمر بغير اسمها، والربا معاملة، والتحليل الذى لعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فاعله: نكاحاً، ونقر الصلاة الذى أخبر رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن فاعله لم يصل، وأنه لا تجزيه صلاته ولا يقبلها الله تعالى منه: تخفيفاً. فهكذا تسمية الغلو فى الدين والتنطع: احتياطاً.
وينبغى أن يعلم أن الاحتياط الذى ينفع صاحبه ويثيبه الله عليه الاحتياط فى موافقة السنة، وترك مخالفتها. فالاحتياط كل الاحتياط فى ذلك، وإلا فما احتاط لنفسه من خرج عن السنة، بل ترك حقيقة الاحتياط فى ذلك.
وكذلك المتسرعون إلى وقوع الطلاق فى موارد النزاع الذى اختلف فيه الأئمة، كطلاق
стр. 167
لمكره، وطلاق السكران، والبتة، وجمع الثلاث، والطلاق بمجرد النية، والطلاق المؤجل المعلوم مجئ أجله، واليمين بالطلاق، وغير ذلك مما تنازع فيه العلماء إذا أوقعه المفتى تقليدا بغير برهان، وقال: ذلك احتياط للفروج. فقد ترك معنى الاحتياط. فإنه يحرم الفرج على هذا، ويبيحه لغيره. فأين الاحتياط هاهنا؟ بل لو أبقاه على حاله حتى تجمع الأمة على تحريمه وإخراجه عمن هو حلال له، أو يأتى برهان من الله ورسوله على ذلك، لكان قد عمل بالاحتياط. ونص على مثل ذلك الإمام أحمد فى طلاق السكران.
فقال فى رواية أبى طالب: "والذى لا يأمر بالطلاق فإنما أتى خصلة واحدة. والذى يأمر بالطلاق فقد أتى خصلتين: حرمها الله عليه وأحلها لغيره". فهذا خير من هذا، فلا يمكن الاحتياط فى وقوع الطلاق إلا حيث أجمعت الأمة. أو كان هناك نص عن الله ورسوله يجب المصير إليه.
قال شيخنا: "والاحتياط حسن، ما لم يفض بصاحبه إلى مخالفة السنة. فإذا أفضى إلى ذلك فالاحتياط ترك هذا الاحتياط"، وبهذا خرج الجواب عن احتجاجهم بقوله ﷺ : "مَنْ تَرَكَ الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِه وَعِرْضِهِ" وقوله: "دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيبُكَ" وقوله: "الإِثمُ مَا حَاكَ فى الصَّدْرِ".
فهذا كله من أقوى الحجج على بطلان الوسواس.
فإن الشبهات ما يشتبه فيه الحق بالباطل، والحلال بالحرام، على وجه لا يكون فيه دليل على أحد الجانبين، أو تتعارض الأمارتان عنده، فلا يترجح فى ظنه احداها، فيشتبه عليه هذا بهذا، فأرشده النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى ترك المشتبه والعدول إلى الواضح الجلى.
ومعلوم أن غاية الوسواس أن يشتبه على صاحبه: هل هو طاعة وقربة، أم معصية وبدعة؟ هذا أحسن أحواله، والواضح الجلى هو اتباع طريق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وما سنه للأمة قولا وعملا. فمن أراد ترك الشبهات عدل عن ذلك المشتبه إلى هذا الواضح. فكيف ولا شبهة بحمد الله هناك؟ إذ قد بينت بالسنة أنه تنطع وغلو، فالمصير إليه ترك للسنة، وأخذ بالبدعة، وترك لما يحبه الله تعالى ويرضاه، وأخذ بما يكرهه ويبغضه، ولا يتقرب به إليه البتة، فإنه لا يتقرب إليه إلا بما شرع، لا بما يهواه العبد ويفعله من تلقاء
стр. 168
نفسه. فهذا هو الذى يحيك فى الصدر ويتردد فى القلب، وهو حوازّ القلوب.
وأما التمرة التى ترك رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أكلها، وقال: "أَخْشَى أنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ".
فذلك من باب اتقاء الشبهات، وترك ما اشتبه فيه الحلال بالحرام، فإن التمرة كانت قد وجدها فى بيته، وكان يؤتى بتمر الصدقة، يقسمه على من تحل له الصدقة، ويدخل بيته تمر يقتات منه أهله، فكان فى بيته النوعان، فلما وجد تلك التمرة لم يدر ﵊، من أى النوعين هى؟ فأمسك عن أكلها. فهذا الحديث أصل فى الورع واتقاء الشبهات، فما لأهل الوسواس وما له؟.
وأما قولكم: إن مالكا أفتى فيمن طلق ولم يدر: أواحدة طلق أم ثلاثا: إنها ثلاث احتياطاً، فنعم، هذا قول مالك، فكان ماذا؟ أفحجة هو على الشافعى، وأبى حنيفة وأحمد، وعلى كل من خالفه فى هذه المسألة؟ حتى يجب عليهم أن يتركوا قولهم لقوله، وهذا القول مما يحتج له، لا مما يحتج به، على أن هذا ليس من باب الوسواس فى شىء وإنما حجة هذا القول: أن الطلاق يوجب تحريم الزوجة. والرجعة ترفع ذلك التحريم، فهو يقول: قد تيقن سبب التحريم، وهو الطلاق، وشك فى رفعه بالرجعة، فإنه يحتمل أن يكون رجعيا فترفعه الرجعة، ويحتمل أن يكون ثلاثاً، فلا ترفعه الرجعة فقد تيقن سبب التحريم، وشك فيما يرفعه.
والجمهور يقولون: النكاح متيقن. والقاطع له المزيل لحل الفرج مشكوك فيه، فإنه يحتمل أن يكون المأتى به رجعياً فلا يزيل النكاح. ويحتمل أن يكون بائنا فيزيله، فقد تيقنا يقين النكاح، وشككنا فيما يزيله. فالأصل بقاء النكاح حتى يتيقن ما يرفعه.
فإن قلتم: فقد تيقن التحريم وشك فى التحليل، قلنا: الرجعية ليست بحرام عندكم ولهذا تجوزون وطأها، ويكون رجعة، إذا نوى به الرجعة.
فإن قلتم: بل هى حرام، والرجعة حصلت بالنية حال الوطء. قلنا: لا ينفعكم ذلك أيضاً.
стр. 169
فإنه إنما تيقن تحريماً يزول بالرجعة، ولم يتيقن تحريماً لا تؤثر فيه الرجعة.
وليس المقصود تقرير هذه المسألة. والمقصود أنه لا راحة فى ذلك لأهل الوسواس.
فصل
وأما من حلف بالطلاق: أن فى هذه اللوزة حبتين، ونحو ذلك، مما لا يتيقنه الحالف، فبان كما حلف عليه.
فهذا لا يحنث عند الأكثرين. وكذلك لو لم يتبين الحال استمر مجهولا. فإن النكاح ثابت بيقين، فلا يزيله بالشك.
ولمالك ﵀ أصل نازعه فيه غيره. وهو إيقاع الطلاق بالشك فى الحنث، وإيقاعه بالشك فى عدده كما تقدم. وإيقاعه بالشك فى المطلقة. كما لو طلق واحدة من نسائه ثم أنسيها، ووقف الحال مدة الإيلاء ولم يتبين، طلق عليه الجميع.
وكما لو حلف أن هذا فلان أو حيوان، وهو غير متيقن له، بل هو شاك حال الحلف، فتبين أن الأمر كما حلف عليه. فإنه يحنث عنده، وتطلق امرأته. فمن حلف على رجل أنه زيد فتبين أنه غيره، أو لم يتبين: أهو المحلوف عليه أم لا، حنث عنده. وإن تبين أنه المحلوف عليه- وكان حال اليمين لا يعلم حقيقته، ولا يغلب على ظنه. ولا طريق له إلى العلم به فى العادة- فإنه يحنث عنده لشكه حال الحلف. فالحالف يحنث بالمخالفة لما حلف عليه. أما فى الطلب فبأن يفعل ما حلف على تركه، وأما فى الخبر فبأن يتبين كذبه. وعند مالك يحنث بأمر آخر، وهو الشك حال اليمين، سواء تبين صدقة أم لا.
وأبلغ من هذا: أنه يحنث من حلف بالطلاق على إنسان إلى جانبه إنسان أو حجر: أنه حجر، ونحو ذلك مما لا شك فيه.
وعمدته فى الموضعين: أن الحالف هازل. فإن من قال: أنت طالق إذ لم تكونى امرأة، أو إن لم أكن رجلاً، لا معنى لكلامه إلا الهزل، فإن هذا مما لا غرض للعقلاء فيه.
قالوا: وإن لم يكن هذا هزلا فإن الهزل لا حقيقة له.
стр. 170
وربما عللوا الحنث بأنه أراد أن يجزم الطلاق، ثم ندم، فوصله بما لا يفيد ليرفعه.
وأما فى القسم الأول: فأصله فيه: تغليب الحنث بالشك، كمن حلف ثم شك: هل حنث أم لا، فإنهم يأمرونه بفراق زوجته، وهل هو للوجوب أم للاستحباب؟ على قولين، الأول: لابن القاسم، والثانى: لمالك.
فمالك يراعى بقاء النكاح، وقد شككنا فى زواله، والأصل البقاء. وابن القاسم يقول: قد صار حل الوطء مشكوكاً فيه، فيجب عليه مفارقتها. والأكثرون يقولون: لا يجب عليه مفارقتها، ولا يستحب له، فإن قاعدة الشريعة: أن الشك لا يقوى على إزالة الأصل المعلوم، ولا يزول اليقين إلا بيقين أقوى منه، أو مساو له.
فصل
وأما من طلق واحدة من نسائه ثم أنسيها، أو طلق واحدة مبهمة ولم يعينها، فقد اختلف الفقهاء فى حكم هذه المسألة على أقوال:
فقال أبو حنيفة، والشافعى، والثورى، وحماد: يختار أيتهن شاء، فيوقع عليها الطلاق فى المبهمة. وأما فى المنسية. وأما فى المنسية فيمسك عنهن وينفق عليهن، حتى ينكشف الأمر. فإن مات الزوج قبل أن يقرع، فقال أبو حنيفة: يقسم بينهن كلهن ميراث امرأة.
وقال الشافعى: "يوقف ميراث امرأة حتى يصطلحن".
وقالت المالكية: إذا طلق واحدة منهن غير معلومة عنده، بأن قال: أنت طالق، ولا يدرى من هى. طلق الجميع. وإن طلق واحدة معلومة ثم أنسيها، وقف عنهن حتى يتذكر. فإن طال ذلك ضرب له مدة المولى. فإن تذكر فيها وإلا طلق عليه الجميع ولو قال: إحداكن طالق، ولم يعينها بالنية طلق الجميع.
وقال أحمد: "يقرع بينهن فى الصورتين"، نص على ذلك فى رواية جماعة من أصحابه، وحكاه عن على وابن عباس.
وظاهر المذهب الذى عليه جل الأصحاب: أنه لا فرق بين المبهمة والمنسية.
стр. 171
وقال صاحب المغنى: "يخرج المبهمة بالقرعة، وأما المنسية فإنه يحرم عليه الجميع. حتى يتيقن المطلقة، ويؤخذ بنفقة الجميع، فإن مات أقرع بينهن للميراث"، قال: وقد روى إسماعيل بن سعيد عن أحمد ما يدل على أن القرعة لا تستعمل فى المنسية لمعرفة الحل، وإنما تستعمل لمعرفة الميراث. فإنه قال: "سألت أحمد عن الرجل يطلق امرأة من نسائه ولا يعلم أيتهن طلق". قال: "أكره أن أقول فى الطلاق بالقرعة". قلت: "أرأيت إن مات هذا؟ "، قال: "أقول بالقرعة وذلك لأنه تصير القرعة على المال". قال: "وجماعة من روى عنه القرعة فى المطلقة المنسية إنما هو فى التوريث. وأما فى الحل فلا ينبغى أم تثبت القرعة". قال: "وهذا قول أكثر أهل العلم".
واحتج الشيخ لصحة قوله: بأنه اشتبهت عليه زوجته بأجنبية، فلم تحل له إحداهما بالقرعة، كما لو اشتبهت عليه بأجنبية لم يكن له عليها عقد، ولأن القرعة لا تزيل التحريم من المطلقة، فلا يرفع الطلاق عمن وقع عليها، ولاحتمال كون المطلقة غير من خرجت عليها القرعة. ولهذا لو ذكر أن المطلقة غيرها حرمت عليه. ولو ارتفع التحريم أو زال بالطلاق لما عاد بالذكر. فيجب بقاء التحريم بعد القرعة، كما كان قبلها.
قال: "وقد قال الخرقى فيمن طلق امرأته فلم يدر، واحدة طلق أم ثلاثاً، ومن حلف بالطلاق لا يأكل تمرة، فوقعت فى تمر، فأكل منه واحدة: لا تحل له امرأته حتى يعلم أنها ليست التى وقعت اليمين عليها. فحرمها، مع أن الأصل بقاء النكاح، ولم يعارضه يقين التحريم، فهاهنا أولى".
قال: "وهكذا الحكم فى كل موضع وقع الطلاق على امرأة بعينها، ثم اشتبهت بغيرها. مثل أن يرى امرأة فى روزنة، أو مولية، فيقول: أنت طالق، ولا يعلم عينها من نسائه. وكذلك إذا أوقع الطلاق على واحدة من نسائه فى مسألة الطائر وشبهها، فإنه يحرم عليه جميع نسائه حتى تتبين المطلقة. ويؤخذ بنفقة الجميع، لأنهن محبوسات عليه، وإن أقرع بينهن لم تفد القرعة شيئا. ولا يحل لمن وقعت عليها القرعة التزويج، لأنها يجوز أن تكون غير المطلقة. ولا يحل للزوج غيرها لاحتمال أن تكون المطلقة".
وقال أصحابنا: إذا أقرع بينهن فخرجت القرعة على إحداهن: ثبت حكم الطلاق فيها
стр. 172
فحل لها النكاح بعد انقضاء عدتها. وحل للزوج مَنْ سواها. كما لو كان الطلاق فى واحدة غير معينة.
وقال شيخنا: الصحيح استعمال القرعة فى الصورتين.
قلت: وهو منصوص أحمد فى رواية الجماعة. وأما رواية الشالنجى فإنه توقف، وكره أن يقول فى الطلاق بالقرعة، ولم يعين المنسية، ولا المبهمة، وأكثر نصوصه على القرعة فى الصورتين.
قال فى رواية الميمونى، فيمن له أربع نسوة طلق واحدة منهن، ولم يدر: "يقرع بينهن، وكذلك فى الأعبد. فإن أقرع بينهن، فوقعت القرعة على واحدة، ثم ذكر التى طلق رجعت هذه التى وقعت عليها القرعة. ويقع الطلاق على التى ذكر. فإن تزوجت فذاك شىء قد مر".
وكذلك نقل أبو الحارث عنه فى رجل له أربع نسوة طلق إحداهن، ولم يكن له نية فى واحدة بعينها: "يقرع بينهن فأيتهن أصابتها القرعة فهى المطلقة، وكذلك إن قصد إلى واحدة بعينها ونسيها".
فنص على القرعة فى الصورتين، مسوياً بينهما.
والذى أفتى به على رضى الله عنه هو فى المنسية. وبه احتج أحمد ﵀.
قال وكيع: سمعت عبد الله قال: "سألت أبا جعفر عن رجل كان له أربع نسوة وطلق إحداهن، لا يدرى أيتهن طلق"، فقال: قال على رضى الله عنه: "يقرع بينهن".
والأدلة الدالة على القرعة تتناول الصورتين، والمنسية قد صارت كالمجهولة شرعاً فلا فرق بينها وبين المبهمة المجهولة، ولأن فى الإيقاف والإمساك حتى يتذكر، وتحريم الجميع عليه، وإيجاب النفقة على الجميع عدة مفاسد له وللزوجات مندفعة شرعاً، ولأن القرعة أقرب إلى مقاصد الشرع، ومصلحة الزوج والزوجات من تركهن معلقات، لا ذوات أزوج ولا أيامى، وتركه هو معلقاً، لا ذا زوج ولا عزباً، وليس فى الشريعة نظير ذلك، بل ليس فيها وقف الأحكام، بل الفصل وقطع الخصومات بأقرب الطرق. فإذا ضاقت الطرق، ولم يبق إلا القرعة، تعينت طريقاً، كما عينها الشارع فى عدة قضايا، حيث لم يكن هناك غيرها، ولم
стр. 173
يوقف الأمر إلى وقت الانكشاف، فإنه إذا علم أنه لا سبيل له إلى انكشاف الحال، كان إيقاف الأمر إلى آخر العمر من أعظم المفاسد التى لا تأتى بها الشريعة. وغاية ما يقدر أن القرعة تصيب التى لم يقع عليها الطلاق وتخطئ المطلقة. وهذا لا يضرها هاهنا، فإنها لما جهل كونها هى التى وقع عليها الطلاق صار المجهول كالمعدوم، وكل ما يقدر من المفسدة فى ذلك فمثلها فى العتق سواء. وقد دلت سنة رسول الله ﵊ الصحيحة الصريحة على إخراج المعتق من غيره بالقرعة، وقد نص أحمد على حل البضع بالقرعة.
فقال- فى رواية ابن منصور وحنبل- إذا زوجها الوليان من رجلين، ولم يعلم السابق منهما أقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة حكم أنه الأول.
فإذا قويت القرعة على تعيين الزوج فى حل البضع له فلأن تقوى على تعيين المطلقة فى تحريم بضعها عنه أولى. فإن الطلاق مبنى على التغليب والسراية، وهو أسرع نفوذا وثبوتا من النكاح من وجوه كثيرة.
وقول الشيخ أبى محمد، قدس الله تعالى روحه: "إنه اشتبهت عليه زوجته بأجنبية فلم تحل له إحداهما بالقرعة، كما لو اشتبهت بأجنبية لم يكن عليها عقد".
جوابه: بالفرق بين حالتى الدوام والابتداء، فإنه هناك شك فى هذه الأجنبية هل حصل عقد أم لا؟ والأصل فيها التحريم، فإذا اشتبهت بها الزوجة لم يقدم على واحدة منهما. وهاهنا ثبت الحل والنكاح. وحصل الشك بعده، هل ترك التحريم فى هذا أو فى هذه. فإما أن يحرما جميعاً أو يحلا جميعاً، أو يقال له: اختر من ينزل عليه التحريم، أو يوقف الأمر أبدا، أو تستعمل القرعة، والأقسام الأربعة الأول باطلة، لا أصل لها فى السنة، ولم يعتبرها الشارع بخلاف القرعة.
وبالجملة فلا يصح إلحاق إحدى الصورتين بالأخرى، إذ هناك تحريم متيقن، ونحن
стр. 174
نشك فى حله، وهنا حل متيقن نشك فى تحريمه بالنسبة إلى كل واحدة.
قوله: ولأن القرعة لا تزيل التحريم من المطلقة، ولا ترفع الطلاق على من وقع عليه.
فيقال: إذا جهلت المطلقة. ولم يكن له سبيل إلى تعيينها قامت القرعة مقام الشاهد والمخبر بأنها المطلقة للضرورة، حيث تعينت طريقاً، فالمطلقة المجهولة قد صار طلاقها بعينها كالمعدوم، ولو كانت مطلقة فى نفس الأمر فإن الشارع لم يكلفنا بما فى نفس الأمر، بل بما ظهر وبدا. ولهذا لو نسى الطلاق بالكلية وأقام على وطئها حتى توفى، كانت أحكامه أحكام الزوج، والنسب لاحق به، والميراث ثابت، وهى مطلقة فى نفس الأمر، ولكن ليست مطلقة فى حكم الله، كما لو طلع الهلال فى نفس الأمر ولم يره أحد من الناس، أو كان الهلال تحت الغيم، فإنه لا يترتب عليه حكم الشهر، ولا يكون طالعاً فى حكم الله تعالى، وإن كان طالعاً فى نفس الأمر، ونظائر هذا كثيرة جداً.
فغاية الأمر: أن هذه مطلقة فى نفس الأمر، ولا علم له بطلاقها، فلا تكون مطلقة فى الحكم، كما لو نسى طلاقها.
قوله: ولهذا لو ذكر أن المطلقة غيرها حرمت عليه، ولو ارتفع التحريم أو زال الطلاق لما عاد بالذكر.
جوابه: أن القرعة إنما عملت مع استمرار النسيان، فإذا زال النسيان بطل عمل القرعة، كما أن المتيمم إذا قدر على استعمال الماء بطل حكم تيممه. فإن التراب إنما يعمل عند العجز عن الماء، فإذا قدر عليه بطل حكمه. ونظائر ذلك كثيرة.
منها: أن الاجتهاد إنما يعمل به عند عدم النص، فإذا تبين النص، فلا اجتهاد إلا فى إبطال ما خالفه.
قوله: وقد قال الخرقى فيمن طلق امرأته ولم يدر أواحدة طلق أم ثلاثاً؟ يلزمه الثلاث. ومن حلف بالطلاق أن لا يأكل تمرة، فوقعت فى تمر، فأكل منه واحدة لا تحل له امرأته حتى يعلم
стр. 175
نها ليست التى وقعت اليمين عليها فحرمها، مع أن الأصل بقاء النكاح، ولم يعارضه يقين التحريم فهاهنا أولى.
فيقال: الخرقى نص على المسألتين مفرقاً بينهما فى مختصره، فقال: وإذا طلق واحدة من نسائه وأنسيها أخرجت بالقرعة. وقال: ما حكاه الشيخ عنه فى الموضعين. فأما من شك: هل طلق واحدة أم ثلاثاً، فأكثر النصوص أنه إنما يلزمه واحدة، وهو ظاهر المذهب. والخرقى اختار الرواية الأخرى. وهى مذهب مالك، وقد تقدم مأخذ القولين وبيان الراجح منهما.
وعلى القول بلزوم الثلاث فالفرق بين ذلك، وبين إخراج المنسية بالقرعة: أن المجهول فى الشرع كالمعدوم. فقد جهلنا وقوع الطلاق بأى الزوجتين، فلم يتحقق تحريم إحداهما. ولم يكن لنا سبيل إلى تحريمهما ولا إباحتهما. والوقف مفسدة ظاهرة فتعينت القرعة، بخلاف من أوقع على زوجته طلاقاً قد شك فى عدده فإنه قد شك: هل يرتفع ذلك الطلاق بالرجعة أولا يرتفع بها؟ فألزمه بالثلاث. فظهر الفرق بينهما على هذا القول.
وأما على المشهور من المذهب فلا إشكال.
وأما من حلف بالطلاق لا يأكل تمرة فوقعت فى تمر، أكل منه واحدة. فقد قال الخرقى: إنه يمنع من وطء زوجته حتى يتيقن. وهذا يحتمل الكراهة والتحريم. ومذهب الشافعى وأبى حنيفة: أنه لا يحنث، ولا يحرم عليه وطء زوجته: هو اختيار أبى الخطاب، وهو الصحيح. وإن أراد به التحريم فهو يشبه ما قاله هو ومالك فيمن طلق وشك، هل طلق واحدة أم ثلاثاً؟
فصل
وأما من حلف على يمين ثم نسيها. وقولهم: يلزمه جميع ما يحلف به، فقول شاذ جدا. وليس عن مالك، إنما قاله بعض أصحابه. وسائر أهل العلم على خلافه. وأنه لا يلزمه شىء حتى يتيقن، كما لو شك: هل حلف أو لا؟
فإن قيل: فينبغى أن يلزمه كفارة يمين، لأنها الأقل.
قيل: موجب الأيمان مختلف. فما من يمين إلا وهى مشكوك فيها، هل حلف بها أم لا؟
стр. 176
وعلى قول شيخنا: يلزمه كفارة يمين حسب، لأن ذلك موجب الأيمان كلها عنده.
فصل
وأما من حلف ليفعلن كذا ولم يعين وقتا. فعند الجمهور هو على التراخى إلى آخر عمره، إلا أن يعين بنيته وقتا، فيتقيد به. فإن عزم الترك بالكلية حنث حالة عزمه، نص عليه أحمد.
وقال مالك: هو على حنث حتى يفعل، فيحال بينه وبين امرأته إلى أن يأتى بالمحلوف، عليه وهذا صحيح على أصله فى سد الذرائع، فإنه إذا كان على التراخى إلى وقت الموت لم يكن لليمين فائدة، وصار لا فرق بين الحلف وعدمه، والحمل فى ذلك على القرينة والعرف، وإن لم تكن نية. ولا يكاد اليمين يتجرد عن هذه الثلاثة.
فصل
وأما تعليق الطلاق بوقت يجئ لا محالة، كرأس الشهر والسنة، وآخر النهار ونحوه. فللفقهاء فى ذلك أربعة أقوال:
أحدها: أنها لا تطلق بحال، وهذا مذهب ابن حزم، واختيار أبى عبد الرحمن الشافعى، وهو من أجل أصحاب الوجوه.
وحجتهم: أن الطلاق لا يقبل التعليق بالشرط، كما لا يقبله النكاح والبيع والإجارة والإبراء.
قالوا: والطلاق لا يقع فى الحال، ولا عند مجئ الوقت. أما فى الحال فلأنه لم يوقعه منجزا، وأما عند مجئ الوقت فلأنه لم يصدر منه طلاق حينئذ، ولم يتجدد سوى مجئ الزمان. ومجئ الزمان لا يكون طلاقاً.
وقابل هذا القول آخرون، وقالوا: يقع الطلاق فى الحال، وهذا مذهب مالك، وجماعة من التابعين.
стр. 177
وحجتهم أن قالوا: لو لم يقع فى الحال لحصل منه استباحة وطء مؤقت، وذلك غير جائز فى الشرع، لأن استباحة الوطء فيه لا تكون إلا مطلقاً غير مؤقت، ولهذا حرم نكاح المتعة لدخول الأجل فيه، وكذلك وطء المكاتبة. ألا ترى أنه لو عرى من الأجل، بأن يقول: إن جئتنى بألف درهم فأنت حرة، لم يمنع ذلك الوطء.
قال الموقعون عند الأجل: لا يجوز أن يؤخذ حكم الدوام من حكم الابتداء، فإن الشريعة فرقت بينهما فى مواضع كثيرة، فإن ابتداء عقد النكاح فى الإحرام فاسد دون دوامه، وابتداء عقده على المعتدة فاسد دون دوامه، وابتداء عقده على الأمة مع الطول وعدم خوف العنت فاسد، دون دوامه، وابتداء عقده على الزانية فاسد عند أحمد ومن وافقه دون دوامه. ونظائر ذلك كثيرة جداً.
قالوا: والمعنى الذى حرم لأجله نكاح المتعة: كون العقد مؤقتا من أصله، وهذا العقد مطلق، وإنما عرض له ما يبطله ويقطعه، فلا يبطل، كما لو علق الطلاق بشرط وهو يعلم أنها تفعله، أو يفعله هو ولا بد، ولكن يجوز تخلفه.
والقول الثالث: أنه إن كان الطلاق المعلق بمجئ الوقت المعلوم ثلاثاً وقع فى الحال، وإن كان رجعياً لم يقع قبل مجيئه، وهذا إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، نص عليه فى رواية مهنا: "إذا قال: أنت طالق ثلاثاً قبل موتى بشهر: هى طالق الساعة. كان سعيد بن المسيب والزهرى لا يوقتون فى الطلاق". قال مهنا: فقلت له: "أفتزوج هذه التى قال لها: أنت طالق ثلاثاً قبل موتى بشهر؟ "، قال "لا: ولكن يمسك عن الوطء أبدا حتى يموت" هذا لفظه.
وهو فى غاية الإشكال، فإنه قد أوقع عليها الطلاق منجزاً، فكيف يمنعها من التزويج؟
стр. 178
وقوله "يمسك عن الوطء أبدا" يدل على أنها زوجته إلا أنه لا يطأها، وهذا لا يكون مع وقوع الطلاق. فإن الطلاق إذا وقع زالت أحكام الزوجية كلها.
فقد يقال: أخذ بالاحتياط فأوقع الطلاق، ومنعها من التزويج للخلاف فى ذلك فحرم وطأها وهو أثر الطلاق، ومنعها من التزويج لأن النكاح لم ينقطع بإجماع ولا نص.
ووجه هذا: أنه إذا كان الطلاق ثلاثاً لم يحل وطؤها بعد الأجل. فيصير حال الوطء مؤقتاً، وإن كان رجعياً جاز له وطؤها بعد الأجل. فلا يصير الحال مؤقتا، وهذا أفقه من القول الأول.
والقول الرابع: أنها لا تطلق إلا عند مجئ الأجل، وهو قول الجمهور. وإنما تنازعوا، هل هو مطلق فى الحال، ومجئ الوقت شرط لنفوذ الطلاق، كما لو وكله فى الحال. وقال: لا تتصرف إلى رأس الشهر فمجئ رأس الشهر شرط لنفوذ تصرفه، لا بحصول الوكالة، بخلاف ما إذا قال: إذا جاء رأس الشهر فقد وكلتك. وهذا يفرق الشافعى بينهما. فيصحح الأولى ويبطل الثانية، أو يقال: ليس مطلقاً فى الحال. وإنما هو مطلق عند مجئ الأجل، فيقدر حينئذ أنه قال: أنت طالق. فيكون حصول الشرط وتقدير حصول: أنت طالق معاً. فعلى التقدير الأول: السبب تقدم، وتأخر شرط تأثيره، وعلى التقدير الثانى: نفس السبب تأخر تقدير إلى مجئ الوقت. وكأنه قال إذا جاء رأس الشهر فحينئذ أنا قائل لك: أنت طالق فإذا جاء رأس الشهر قدر قائلاً لذلك اللفظ المتقدم.
فمذهب الحنفية: أن الشرط يمتنع به وجود العلة. فإذا وجد الشرط وجدت العلة فيصير وجودها مضافاً إلى الشرط، وقيل تحققه لم يكن المعلق عليه علة، بخلاف الوجوب. فإنه ثابت قبل مجئ الشرط، فإذا قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، فالعلة للوقوع: التلفظ بالطلاق، والشرط الدخول، وتأثيره فى امتناع وجود العلة قبله، فإذا وجد وجدت.
وأصحاب الشافعى يقولون: أثر الشرط فى تراخى الحكم، والعلة قد وجدت، وإنما تراخى تأثيرها إلى وقت مجئ الشرط، فالمتقدم عله قد تأخر تأثيرها إلى مجئ الشرط.
стр. 179
فصل
وأما ما أفتى به الحسن وإبراهيم النخعى ومالك، فى إحدى الروايتين عنه: أن من شك هل انتقض وضوءه أم لا؟ وجب عليه أن يتوضأ احتياطاً، ولا يدخل فى الصلاة بطهارة مشكوك فيها فهذه مسألة نزاع بين الفقهاء.
وقد قال الجمهور، منهم الشافعى، وأحمد، وأبو حنيفة، وأصحابهم، ومالك فى الرواية الأخرى عنه: إنه لا يجب عليه الوضوء، وله أن يصلى بذلك الوضوء الذى تيقنه وشك فى انتقاضه.
واحتجوا بما رواه مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:
"إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فى بَطْنِهِ شَيْئاً فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ: أَخَرَجَ مِنْهُ شَىْ أمْ لاَ؟ فَلاَ يَخْرُجُ مِنَ المَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً أَوْ يَجِدَ رِيحاً".
وهذا يعم المصلى وغيره.
وأصحاب القول الأول يقولون: الصلاة ثابته فى ذمته بيقين، وهو يشك فى براءة الذمة منها بهذا الوضوء، فإنه على تقدير بقائه هى صحيحة، وعلى تقدير انتقاضه باطلة، فلم يتيقن براءة ذمته، ولأنه شك فى شرط الصلاة: هل هو ثابت أم لا؟ فلا يدخل فيها بالشك.
والآخرون يجيبون عن هذا بأنها صلاة مستندة إلى طهارة معلومة قد شك فى بطلانها فلا يلتفت إلى الشك، ولا يزيل اليقين به، كما لو شك: هل أصاب ثوبه أو بدنه نجاسة؟ فإنه لا يجب عليه غسله، وقد دخل فى الصلاة بالشك.
ففرقوا بينهما بفرقين.
أحدهما: أن اجتناب النجاسة ليس بشرط. ولهذا لا يجب نيته، وإنما هو مانع، والأصل عدمه، بخلاف الوضوء، فإنه شرط، وقد شك فى ثبوته، فأين هذا من هذا؟.
الثانى: أنه قد كان قبل الوضوء محدثاً، وهو الأصل فيه. فإذا شك فى بقائه كان ذلك رجوعاً إلى الأصل. وليس الأصل فيه النجاسة، حتى نقول: إذا شك فى حصولها رجعنا إلى أصل النجاسة، فهنا يرجع إلى أصل الطهارة، وهناك يرجع إلى أصل الحدث.
стр. 180
قال الآخرون: أصل الحدث قد زال بيقين الطهارة، فصارت هى الأصل، فإذا شككنا فى الحدث رجعنا إليه، فأين هذا من الوسواس المذموم شرعاً، وعقلاً وعرفاً؟.
فصل
وأما قولكم: إن من خفى عليه موضع النجاسة من الثوب وجب عليه غسله كله: فليس هذا من باب الوسواس، وإنما ذلك من باب ما لا يتم الواجب إلا به. فإنه قد وجب عليه غسل جزء من ثوبه ولا يعلمه بعينه، ولا سبيل إلى العلم بأداء هذا الواجب إلا بغسل جميعه.
فصل
وأما مسألة الثياب التى اشتبه الطاهر منها بالنجس، فهذه مسألة نزاع.
فذهب مالك، فى رواية عنه، وأحمد: إلى أنه يصلى فى ثوب بعد ثوب، حتى يتيقن أنه صلى فى ثوب طاهر.
وقال الجمهور، ومنهم أبو حنيفة، والشافعى، ومالك، فى الرواية الأخرى: إنه يتحرى فيصلى فى واحد منها صلاة واحدة، كما يتحرى فى القبلة.
وقال المزنى وأبو ثور: "بل يصلى عرياناً ولا يصلى فى شىء منها، لأن الثوب النجس فى الشرع كالمعدوم، والصلاة فيه حرام، وقد عجز عن السترة بثوب طاهر، فيسقط فرض السترة"، وهذا أضعف الأقوال.
والقول بالتحرى هو الراجح الظاهر، سواء كثر عدد الثياب الطاهرة أو قل. وهو اختيار شيخنا. وابن عقيل يفصل، فيقول: "إن كثر عدد الثياب تحرى دفعاً للمشقة، وإن قل عمل باليقين".
قال شيخنا: "اجتناب النجاسة من باب المحظورات، فإذا تحرى وغلب على ظنه طهارة ثوب منها فصلى فيه، لم يحكم ببطلان صلاته بالشك، فإن الأصل عدم النجاسة، وقد شك فيها فى هذا الثوب، فيصلى فيه، كما لو استعار ثوباً أو اشتراه ولا يعلم حاله".
следующие страницы →