Полный текст (760 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
بن إسحاق الجعفرى قال: كان عبد الله بن الحسن يكثر الجلوس إلى ربيعة، قال: فتذاكروا يوماً السنن، فقال رجل كان فى المجلس: ليس العمل على هذا، فقال عبد الله: "أرأيت إن كثر الجهال، حتى يكونواً هم الحكام، فهم الحجة على السنة؟ "، فقال ربيعة: "أشهد أن هذا كلام أبناء الأنبياء".
فصل
ومن أعظم مكايده: ما نصبه للناس من الأنصاب والأزلام، التى هى من عمله، وقد أمر الله تعالى باجتناب ذلك، وعلق الفلاح باجتنابه، فقال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخْمرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَل الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] . فالأنصاب: كل ما نصب يعبد من دون الله: من حجر، أو شجر، أو وثن، أو قبر. وهى جمع، واحدها نصب، كطنب وأطناب.
قال مجاهد: وقتادة، وابن جريج: "كانت حول البيت أحجار كان أهل الجاهلية يذبحون عليها ويشرحون اللحم عليها، وكانوا يعظمون هذه الحجارة ويعبدونها قالوا: وليست بأصنام، إنما الصنم ما يصور وينقش".
وقال ابن عباس: "هى الأصنام التى يعبدونها من دون الله تعالى".
وقال الزجاج: "حجارة كانت لهم يعبدونها، وهى الأوثان".
وقال الفراء: "هى الآلهة التى كانت تعبد، من أحجار وغيرها".
стр. 212
وأصل اللفظة: الشئ المنصوب الذى يقصده من رآه، ومنه قوله تعالى:
﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعاً كأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣] . قال ابن عباس: إلى غاية، أو علم يسرعون.
وهو قول أكثر المفسرين.
وقال الحسن: "يعنى إلى أنصابهم، أيهم يستلمها أوّلا".
قال الزجاج: "وهذا على قراءة من قرأ "نصب" بضمتين، كقوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] . قال: ومعناه: أصنام لهم".
والمقصود: أن النصب كل شئ نصب من خشبة، أو حجر، أو علم. والإيفاض الإسراع.
وأما الأزلام. فقال ابن عباس رضى الله عنهما: "هى قداح كانوا يستقسمون بها الأمور. أى يطلبون بها علم ما قسم لهم".
وقال سعيد بن جبير: "كانت لهم حصيات إذا أراد أحدهم أن يغزو، أو يجلس استقم بها".
وقال أيضاً: "هى القدحان اللذان كان يستقسم بهما أهل الجاهلية فى أمورهم. أحدهما عليه مكتوب: أمرنى ربى، والآخر: نهانى. فإذا أرادوا أمرا ضربوا بها، فإن خرج الذى عليه أمرنى فعلوا ما هموا به. وإن خرج الذى عليه نهانى تركوه".
وقال أبو عبيد: "الاستقسام: طلب القسمة".
وقال المبرد: "الاستقسام: أخذ كل واحد قسمه".
وقيل: الاستقسام: إلزام أنفسهم بما تأمرهم به القداح، كقسم اليمين.
وقال الأزهرى: "وأن تستقسموا بالأزلام: أى تطلبوا من جهة الأزلام ما قسم لكم من أحد الأمرين".
وقال أبو إسحاق الزجاج وغيره: "الاستقسام بالأزلام حرام".
ولا فرق بين ذلك وبين قول المنجم: لا تخرج من أجل نجم كذا، واخرج من أجل طلوع نجم كذا، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ [لقمان: ٣٤] .
стр. 213
وذلك دخول فى علم الله الذى هو غيب عنا. فهو حرام كالأزلام التى ذكرها الله تعالى.
والمقصود: أن الناس قد ابتلوا بالأنصاب والأزلام. فالأنصاب للشرك والعبادة، والأزلام للتكهن، وطلب علم ما استأثر الله به. هذه للعلم، وتلك للعمل، ودين الله مضاد لهذا وهذا، والذى جاء به رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إبطالهما، وكسر الأنصاب والأزلام.
فمن الأنصاب ما قد نصبه الشيطان للمشركين: من شجرة، أو عمود أو وثن، أو قبر أو خشبة، أو غير ذلك. والواجب هدم ذلك كله، ومحو أثره كما أمر النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عليا رضى الله عنه بهدم القبور المشرفة وتسويتها بالأرض. كما روى مسلم فى صحيحه عن أبى الهياج الأسدى. قال: قال لى على رضى الله عنه:
"أَلاَ أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِى عِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ تعالِى عليه وآله وسلم؟ أَنْ لا أَدَعَ تِمْثَالاً إِلا طمسته ولا قبراً مشرفاً إِلا سَوَّيْتُهُ".
وعمى الصحابة بأمر عمر رضى الله عنه قبر دانيال، وأخفوه عن الناس. ولما بلغه أن الناس ينتابون الشجرة التى بايع تحتها رسول الله صلى الله تعالى عليه
стр. 214
وآله وسلم أصحابه أرسل فقطعها. رواه ابن وصاح فى كتابه فقال: سمعت عيسى بن يونس يقول: "أمر عمر بن الخطاب رضى الله عنه بقطع الشجرة التى بويع تحتها النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقطعها، لأن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها فخاف عليهم الفتنة".
قال عيسى بن يونس: وهو عندنا من حديث ابن عون عن نافع: "أن الناس كانوا يأتون الشجرة، فقطعها عمر رضى الله عنه".
فإذا كان هذا فعل عمر رضى الله عنه بالشجرة التى ذكرها الله تعالى فى القرآن، وبايع تحتها الصحابة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فماذا حكمه فيما عداها من هذه الأنصاب والأوثان، التى قد عظمت الفتنة بها، واشتدت البلية بها؟.
وأبلغ من ذلك: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم هدم مسجد الضرار.
ففى هذا دليل على هدم ما هو أعظم فساداً منه، كالمساجد المبنية على القبور. فإن حكم الإسلام فيها أن تهدم كلها، حتى تسوى بالأرض، وهى أولى بالهدم من مسجد الضرار. وكذلك القباب التى على القبور يجب هدمها كلها، لأنها أسست على معصية الرسول، لأنه قد نهى عن البناء على القبور كما تقدم. فبناء أسس على معصيته ومخالفته بناء غير محترم. وهو أولى بالهدم من بناء الغاصب قطعاً.
وقد أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بهدم القبور المشرفة كما تقدم.
فهدم القباب والبناء والمساجد التى بنيت عليها أولى وأحرى، لأنه لعن متخذى المساجد عليها ونهى عن البناء عليها فيجب المبادرة والمساعدة إلى هدم ما لعن رسول الله تعالى عليه وآله وسلم فاعله ونهى عنه. والله يقيم لدينه وسنة رسوله من ينصرهما ويذب عنهما. فهو أشد غيرة وأسرع تغييراً.
وكذلك يجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر، وطفيه. فإن فاعل ذلك ملعون بلعنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. ولا يصح هذا الوقف ولا يحل إثباته وتنفيذه.
стр. 215
قال الإمام أبو بكر الطرطوشى: "انظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة، أو شجرة يقصدها الناس ويعظمونها، ويرجون البرء والشفاء من قبلها، ويضربون بها المسامير والخرق، فهى ذات أنواط، فاقطعوها".
وقال الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبى شامة فى كتاب الحوادث والبدع: "ومن هذا القسم ما قد عم به الابتلاء من تزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد، وسرج مواضع مخصوصة من كل بلد، يحكى لهم حاك أنه رأى فى منامه بها أحدا ممن شهر بالصلاح والولاية، فيفعلون ذلك، ويحافظون عليه، مع تضييعهم فرائض الله، وسننه، ويظنون أنهم متقربون بذلك. ثم يتجاوزون هذا إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن فى قلوبهم فيعظمونها، ويرجون الشفاء لمرضاهم، وقضاء حوائجهم بالنذر لها، وهى من بين عيون، وشجر وحائط، وحجر. وفى مدينة دمشق من ذلك مواضع متعددة. كعوينة الحمى خارج باب توما، والعمود المخلق داخل باب الصغير، والشجرة الملعونة اليابسة خارج باب النصر، فى نفس قارعة الطريق، سهل الله قطعها واجتثاثها من أصلها، فما أشبهها بذات أنواط التى فى الحديث"، ثم ساق حديث أبى واقد:
"أَنّهُمْ مَرُّوا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلّى اللهُ تَعَالَى عليهِ وآلهِ وَسلم بِشَجَرَةٍ عَظِيمَةٍ خَضْرَاءَ يقالُ لهَا: ذَات أَنْوَاطٍ، فقَالوا: يَا رَسُولَ اللهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْواطٍ كَما لَهُمْ ذَات أَنْواطٍ. فقَالَ النَّبىُّ ﷺ : الله أكبر، هذا كما قَالَ قَوْمُ مُوسَى لِمُوسَى: اجْعَلْ لَنَا إٍلهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَة. قَالَ: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ، لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ". قال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح.
ثم ذكر ما صنعه بعض أهل العلم ببلاد إفريقية: "أنه كان إلى جانبه عين تسمى عين العافية، كان العامة قد افتتنوا بها يأتونها من الآفاق، فمن تعذر عليه نكاح، أو ولد، قال: امضوا بى إلى العافية، فيعرف فيها الفتنة، فخرج فى السحر فهدمها، وأذن للصبح عليها، ثم
стр. 216
قال: اللهم إنى هدمتها لك، فلا ترفع لها رأسا، قال: فما رفع لها رأس إلى الآن".
وقد كان بدمشق كثير من هذه الأنصاب، فيسر الله سبحانه كسرها على يد شيخ الإسلام وحزب الله الموحدين، كالعمود المخلق، والنصب الذى كان بمسجد النارنج عند المصلى يعبده الجهال، والنصب الذى كان تحت الطاحون الذى عند مقابر النصارى ينتابه الناس للتبرك به، وكان صورة صنم فى نهر القلوط ينذرون له ويتبركون به، وقطع الله سبحانه النصب الذى كان عند الرحبة يسرج عنده، ويتبرك به المشركون. وكان عموداً طويلاً على رأسه حجر كالكرة. وعند مسجد درب الحجر نصب قد بنى عليه مسجد صغير، يعبده المشركون يسر الله كسره.
فما أسرع أهل الشرك إلى اتخاذ الأوثان من دون الله، ولو كانت ما كانت، ويقولون: إن هذا الحجر، وهذه الشجرة، وهذه العين تقبل النذر، أى تقبل العبادة من دون الله تعالى، فإن النذر عبادة وقربة، يتقرب بها الناذر إلى المنذور له، ويتمسحون بذلك النصب، ويستلمونه. ولقد أنكر السلف التمسح بحجر المقام الذى أمر الله تعالى أن يتخذ منه مصلى، كما ذكر الأزرقى فى كتاب تاريخ مكة عن قتادة فى قوله تعالى:
﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْراهِيمَ مُصَلى﴾ [البقرة: ١٢٥] . قال: "إنما أمروا أن يصلوا عنده، ولم يؤمروا بمسحه. ولقد تكلفت هذه الأمة شيئا ما تكلفته الأمم قبلها، ذكر لنا من رأى أثره وأصابعه، فما زالت هذه الأمة تمسحه حتى اخلولق".
وأعظم الفتنة بهذه الأنصاب فتنة أنصاب القبور، وهى أصل فتنة عبادة الأصنام كما قاله السلف من الصحابة والتابعين، وقد تقدم.
ومن أعظم كيد الشيطان: أنه ينصب لأهل الشرك قبر معظم يعظمه الناس، ثم يجعله وثنا يعبد من دون الله، ثم يوحى إلى أوليائه: أن من نهى عن عبادته، واتخاذه عيدا، وجعله وثنا فقد تنقصه وهضم حقه. فيسعى الجاهلون المشركون فى قتله وعقوبته ويكفرونه. وذنبه عند أهل الإشراك: أمره بما أمر الله به ورسوله، ونهيه عما نهى الله عنه ورسوله: من جعله وثنا وعيدا، وإيقاد السرج عليه، وبناء المساجد والقباب عليه وتجصيصه، وإشادته وتقبيله، واستلامه، ودعائه، والدعاء به أو السفر إليه أو الاستغاثة به من دون الله، مما قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه مضاد لما بعث الله به رسوله: من تجريد التوحيد لله
стр. 217
وأن لا يعبد إلا الله. فإذا نهى الموحد عن ذلك غضب المشركون، واشمأزت قلوبهم، وقالوا: قد تنقص أهل الرتب العالية. وزعم أنهم لا حرمة لهم ولا قدر. ويسرى ذلك فى نفوس الجهال والطغام، وكثير ممن ينسب إلى العلم والدين حتى عادوا أهل التوحيد، ورموهم بالعظائم، ونفروا الناس عنهم. ووالوا أهل الشرك وعظموهم، وزعموا أنهم هم أولياء الله وأنصار دينه ورسوله، ويأبى الله ذلك. فما كانوا أولياءه، وإن أولياؤه إلا المتبعون له الموافقون له، العارفون بما جاء به، الداعون إليه، لا المتشبعون بما لم يعطوا، لابسو ثياب الزور، الذين يصدون الناس عن سنة نبيهم، ويبغونها عوجاً، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
فصل
ولا تحسب أيها المنعم عليه باتباع صراط الله المستقيم، صراط أهل نعمته ورحمته وكرامته أن النهى عن اتخاذ القبور أوثانا وأعياداً وأنصابا، والنهى عن اتخاذها مساجد، أو بناء المساجد عليها، وإيقاد السرج عليها، والسفر إليها، والنذر لها، واستلامها، وتقبيلها، وتعفير الجباه في عرصاتها: غض من أصحابها، ولا تنقيص لهم، ولا تنقص كما يحسبه أهل الإشراك والضلال. بل ذلك من إكرامهم وتعظيمهم واحترامهم، ومتابعتهم فيما يحبونه وتجنب ما يكرهونه. فأنت والله وليهم ومحبهم، وناصر طريقهم وسنتهم، وعلى هديهم ومنهاجهم. وهؤلاء المشركون أعصى الناس لهم، وأبعدهم من هديهم ومتابعتهم. كالنصارى مع المسيح، واليهود مع موسى ﵉، والرافضة مع على رضى الله عنه. فأهل الحق أولى بأهل الحق من أهل الباطل، فالمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض. والمنافقون والمنافقات بعضهم من بعض.
فاعلم أن القلوب إذا اشتغلت بالبدع أعرضت عن السنن، فتجد أكثر هؤلاء العاكفين على القبور معرضين عن طريقة من فيها وهديه وسنته، مشتغلين بقبره عما أمر به ودعا إليه. وتعظيم الأنبياء والصالحين ومحبتهم إنما هى باتباع ما دعو إليه من العلم النافع والعمل الصالح، واقتفاء آثارهم، وسلوك طريقتهم دون عبادة قبورهم والعكوف عليها واتخاذها أعياداً.
стр. 218
فإن من اقتفى آثارهم كان متسببا إلى تكثير أجورهم باتباعه لهم، ودعوته الناس إلى اتباعهم، فإذا أعرض عما دعوا إليه، واشتغل بضده حرم نفسه وحرمهم ذلك الأجر. فأى تعظيم لهم واحترام فى هذا؟.
وإنما اشتغل كثير من الناس بأنواع من العبادات المبتدعة التى يكرهها الله ورسوله لإعراضهم عن المشروع أو بعضه، وإن قاموا بصورته الظاهرة فقد هجروا حقيقته المقصودة منه، وإلا فمن أقبل على الصلوات الخمس بوجهه وقلبه، عارفاً بما اشتملت عليه من الكلام الطيب والعمل الصالح، مهتما بها كل الاهتمام، أغنته عن الشرك، وكل من قصر فيها أو فى بعضها تجد فيه من الشرك بحسب ذلك.
ومن أصغى إلى كلام الله بقلبه، وتدبره وتفهمه أغناه عن السماع الشيطانى الذى يصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وينبت النفاق فى القلب. وكذلك من أصغى إليه وإلى حديث الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بكليته، وحدث نفسه باقتباس الهدى والعلم منه، لا من غيره أغناه عن البدع والآراء والتخرصات والشطحات والخيالات، التى هى وساوس النفوس وتخيلاتها.
ومن بعد عن ذلك فلا بد له أن يتعوض عنه بما لا ينفعه، كما أن من عمر قلبه بمحبة الله تعالى وذكره، وخشيته، والتوكل عليه، والإنابة إليه: أغناه ذلك عن محبة غيره وخشيته والتوكل عليه، وأغناه أيضاً عن عشق الصور. وإذا خلا من ذلك صار عبد هواه، أى شئ استحسنه ملكه واستعبده.
فالمعرض عن التوحيد مشرك، شاء أم أبى، والمعرض عن السنة مبتدع ضال، شاء أم أبى، والمعرض عن محبة الله وذكره عبدُ الصُّورَ، شاء أم أبى، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
فصل
فإن قيل: فما الذى أوقع عباد القبور فى الافتتان بها، مع العلم بأن ساكنيها أموات، لا يملكون لهم ضرا ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً؟
قيل: أوقعهم فى ذلك أمور:
منها: الجهل بحقيقة ما بعث الله به رسوله، بل جميع الرسل من تحقيق التوحيد وقطع أسباب الشرك، فقل نصيبهم جداً من ذلك. ودعاهم الشيطان إلى الفتنة، ولم يكن
стр. 219
عندهم من العلم ما يبطل دعوته، فاستجابوا له بحسب ما عندهم من الجهل، وعصموا بقدر ما معهم من العلم.
ومنها: أحاديث مكذوبة مختلقة، وضعها أشباه عباد الأصنام من المقابرية على رسول الله صلى الله تعالى وآله وسلم تناقض دينه، وما جاء به كحديث: "إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور" وحديث: "لو أحسن أحدكم ظنه بحجر نفعه" وأمثال هذه الأحاديث التى هى مناقضة لدين الإسلام. وضعها المشركون وراجت على أشباههم من الجهال الضلال. والله بعث رسوله يقتل من حسن ظنه بالأحجار، وجنب أمته الفتنة بكل طريق كما تقدم.
ومنها: حكايات حكيت لهم عن تلك القبور: أن فلانا استغاث بالقبر الفلانى فى شدة فخلص منها. وفلاناً دعاه به فى حاجة فقضيت له. وفلانا نزل به ضر فاسترجى صاحب ذلك القبر فكشف ضره. وعند السدنة والمقابرية من ذلك شىء كثير يطول ذكره. وهم من أكذب خلق الله تعالى على الأحياء والأموات. والنفوس مولعة بقضاء حوائجها، وإزالة ضروراتها ويسمع بأن قبر فلان ترتاق مجرب. والشيطان له تلطف فى الدعوة فيدعوهم أولا إلى الدعاء، فيدعو العبد عنده بحرقة وانكسار وذلة، فيجيب الله دعوته لما قام بقلبه، لا لأجل القبر. فإنه لو دعاه كذلك فى الحانة والخمارة والحمام والسوق أجابه، فيظن الجاهل أن للقبر تأثيرا فى إجابة تلك الدعوة والله سبحانه يجيب دعوة المضطر، ولو كان كافراً. وقد قال تعالى:
﴿كُلاَّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ ربك ومَا كَانَ عَطَاءُ رَبكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء:٢٠] وقد قال الخليل: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ١٢٦] فقال الله : ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ المَصِيُر﴾ [البقرة: ١٢٦] .
فليس كل من أجاب الله دعاءه يكون راضياً عنه، ولا محباً له، ولا راضياً بفعله فإنه يجيب البر والفاجر، والمؤمن والكافر، وكثير من الناس يدعو دعاء يعتدى فيه، أو يشترط فى دعائه، أو يكون مما لا يجوز أن يسأل، فيحصل له ذلك أو بعضه. فيظن أن عمله صالح
стр. 220
مرضى لله، ويكون بمنزلة من أملى له وأمد بالمال والبنين، وهو يظن أن الله تعالى يسارع له فى الخيرات. وقد قال تعالى:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَاذُكروا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُل شَىءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤] . فالدعاء قد يكون عبادة فيثاب عليه الداعى. وقد يكون مسألة تقضى به حاجته ويكون مضرة عليه، إما أن يعاقب بما يحصل له، أو تنقص به درجته، فيقضى حاجته ويعاقبه على ما جرأ عليه من إضاعة حقوقه واعتداء حدوده.
والمقصود: أن الشيطان بلطف كيده يحسن الدعاء عند القبر، وأنه أرجح منه فى بيته ومسجده وأوقات الأسحار. فإذا تقرر ذلك عنده نقله درجة أخرى، من الدعاء عنده إلى الدعاء به، والإقسام على الله به، وهذا أعظم من الذى قبله، فإن شأن الله أعظم من أن يقسم عليه، أو يسأل بأحد من خلقه، وقد أنكر أئمة الإسلام ذلك.
فقال أبو الحسين القدورى فى شرح كتاب الكرخى: قال بشر بن الوليد: سمعت أبا يوسف يقول: قال أبو حنيفة: "لا ينبغى لأحد أن يدعو الله إلا به. قال: وأكره أن يقول: أسألك بمعقد العز من عرشك. وأكره أن يقول: بحق فلان، وبحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام".
قال أبو الحسين: "أما المسألة بغير الله فمنكرة فى قولهم، لأنه لا حق لغير الله عليه، وإنما الحق لله على خلقه، وأما قوله: بمعقد العز من عرشك، فكرهه أبو حنيفة ورخص فيه أبو يوسف".
وقال: "وروى أن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم دعا بذلك، قال: ولأن معقد العز من العرش إنما يراد به القدرة التى خلق بها العرش، مع عظمته. فكأنه سأله بأوصافه".
стр. 221
وقال ابن بلدجى فى شرح المختار: "ويكره أن يدعو الله تعالى إلا به، فلا يقول: أسألك بفلان، أو بملائكتك، أو بأنبيائك ونحو ذلك، لأنه لا حق للمخلوق على خالقه، أو يقول فى دعائه: أسألك بمعقد العز من عرشك. وعن أبى يوسف جوازه".
وما يقول فيه أبو حنيفة وأصحابه أكره كذا، هو عند محمد حرام. وعند أبى حنيفة وأبى يوسف هو إلى الحرام أقرب، وجانب التحريم عليه أغلب.
وفى فتاوى أبى محمد بن عبد السلام: "أنه لا يجوز سؤال الله سبحانه بشىء من مخلوقاته، لا الأنبياء، ولا غيرهم، وتوقف فى نبينا صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، لاعتقاده أن ذلك جاء فى حديث، وأنه لم يعرف صحة الحديث".
فإذا قرر الشيطان عنده أن الإقسام على الله به، والدعاء به أبلغ فى تعظيمة واحترامه، وأنجع فى قضاء حاجته، نقله درجة أخرى إلى دعائه نفسه من دون الله. ثم ينقله بعد ذلك درجة أخرى إلى أن يتخذ وثنا يعكف عليه ويوقد عليه القنديل، ويعلق عليه الستور، ويبنى عليه المسجد، ويعبده بالسجود له، والطواف به وتقبيله واستلامه والحج إليه والذبح عنده. ثم ينقله درجة أخرى إلى دعاء الناس إلى عبادته، واتخاذه عيداً ومنسكاً وأن ذلك أنفع لهم فى دنياهم وآخرتهم.
قال شيخنا قدس الله روحه: "وهذه الأمور المبتدعة عند القبور مراتب، ابعدها عن الشرع: أن يسأل الميت حاجته، ويستغيث به فيها، كما يفعله كثير من الناس. قال: وهؤلاء من جنس عباد الأصنام، ولهذا قد يتثمل لهم الشيطان فى صورة الميت أو الغائب كما يتمثل لعباد الأصنام. وهذا يحصل للكفار من المشركين وأهل الكتاب، يدعو أحدهم من يعظمه فيتمثل له الشيطان أحياناً. وقد يخاطبهم ببعض الأمور الغائبة. وكذلك السجود للقبر، والتمسح به وتقبيله".
والمرتبة الثانية: أن يسأل الله به. وهذا يفعله كثير من المتأخرين، وهو بدعة باتفاق المسلمين.
الثالثة: أن يسأله نفسه.
الرابعة: أن يظن أن الدعاء عند قبره مستجاب، أو أنه أفضل من الدعاء فى المسجد
стр. 222
فيقصد زيارته والصلاة عنده لأجل طلب حوائجه. فهذا أيضاً من المنكرات المبتدعة باتفاق المسلمين. وهى محرمة، وما علمت فى ذلك نزاعاً بين أئمة الدين وإن كان كثير من المتأخرين يفعل ذلك، ويقول بعضهم: قبر فلان ترياق مجرب.
والحكاية المنقولة عن الشافعى أنه كان يقصد الدعاء عند قبر أبى حنيفة، من الكذب الظاهر.
فصل
فى الفرق بين زيارة الموحدين للقبور، وزيارة المشركين
أما زيارة الموحدين: فمقصودها ثلاثة أشياء:
أحدها: تذكر الآخرة والاعتبار والاتعاظ. وقد أشار النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إلى ذلك بقوله: "زُورُوا الْقُبُورَ، فَإٍنّهَا تُذَكرُكُمُ الآخِرَةَ".
الثانى: الإحسان إلى الميت، وأن لا يطول عهده به، فيهجره، ويتناساه، كما إذا ترك زيارة الحى مدة طويلة تناساه، فإذا زار الحى فرح بزيارته وسر بذلك، فالميت أولى. لأنه قد صار فى دار قد هجر أهلها إخوانهم وأهلهم ومعارفهم، فإذا زاره وأهدى إليه هدية: من دعائه، أو صدقة، أو أهدى قربة، ازداد بذلك سروره وفرحه، كما يسر الحى بمن يزوره ويهدى له. ولهذا شرع النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم للزائرين أن يدعوا لأهل القبور بالمغفرة والرحمة، وسؤال العافية فقط. ولم يشرع أن يدعوهم، ولا يدعواً بهم، ولا يصلى عندهم.
الثالث: إحسان الزائر إلى نفسه باتباع السنة، والوقوف عند ما شرعه الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فيحسن إلى نفسه وإلى المزور.
وأما الزيارة الشركية فأصلها مأخوذ عن عباد الأصنام.
стр. 223
قالوا: الميت المعظم الذى لروحه قرب ومنزلة ومزية عند الله تعالى لا يزال تأتيه الألطاف من الله تعالى وتفيض على روحه الخيرات. فإذا علق الزائر روحه به، وأدناها منه فاض من روح المزور على روح الزائر من تلك الألطاف بواسطتها، كما ينعكس الشعاع من المرآة الصافية والماء ونحوه على الجسم المقابل له.
قالوا: فتمام الزيارة أن يتوجه الزائر بروحه وقلبه إلى الميت، ويعكف بهمته عليه، ويوجه قصده كله وإقباله عليه، بحيث لا يبقى فيه التفات إلى غيره. وكلما كان جمع الهمة والقلب عليه أعظم كان أقرب إلى انتفاعه به.
وقد ذكر هذه الزيارة على هذا الوجه ابن سينا والفارابى وغيرهما. وصرح بها عباد الكواكب فى عبادتها.
وقالوا: إذا تعلقت النفس الناطقة بالأرواح العلوية فاض عليها منها النور.
وبهذا السر عبدت الكواكب واتخذت لها الهياكل، وصنفت لها الدعوات، واتخذت الأصنام المجسدة لها. وهذا بعينه هو الذى أوجب لعباد القبور اتخاذها أعياداً، وتعليق الستور عليها، وإيقاد السرج عليها، وبناء المساجد عليها. وهو الذى قصد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إبطاله ومحوه بالكلية، وسد الذرائع المفضية إليه. فوقف المشركون فى طريقه وناقضوه فى قصده. وكان صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فى شق، وهؤلاء فى شق.
وهذا الذى ذكره هؤلاء المشركون فى زيارة القبور هو الشفاعة التى ظنوا أن آلهتهم تنفعهم بها وتشفع لهم عند الله تعالى.
قالوا: فإن العبد إذا تعلقت روحه بروح الوجيه المقرب عند الله وتوجه بهمته إليه وعكف بقلبه عليه صار بينه وبينه اتصال، يفيض به عليه منه نصيب مما يحصل له من الله. وشبهوا ذلك بمن يخدم ذا جاه وحظوة وقرب من السلطان، فهو شديد التعلق به. فما يحصل لذلك من السلطان من الإنعام والإفضال ينال ذلك المتعلق به بحسب تعلقه به.
فهذا سر عبادة الأصنام، وهو الذى بعث الله رسله، وأنزل كتبه بإبطاله، وتكفير أصحابه ولعنهم. وأباح دماءهم وأموالهم وسبى ذراريهم، وأوجب لهم النار. والقرآن من أوله إلى آخره مملوء من الرد على أهله، وإبطال مذهبهم.
стр. 224
قال تعالى: ﴿أَمِ اتخَذُوا مِنْ دُونِ الله شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ للهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الزمر:٤٣-٤٤] .
فأخبر أن الشفاعة لمن له ملك السموات والأرض، وهو الله وحده. فهو الذى يشفع بنفسه إلى نفسه ليرحم عبده. فيأذن هم لمن يشاء أن يشفع فيه. فصارت الشفاعة فى الحقيقة إنما هى له، والذى يشفع عنده إنما يشفع بإذنه له وأمره بعد شفاعته سبحانه إلى نفسه وهى إرادته من نفسه أن يرحم عبده. وهذا ضد الشفاعة الشركية التى أثبتها هؤلاء المشركون ومن وافقهم، وهى التى أبطلها الله سبحانه فى كتابه، بقوله تعالى:
﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِى نَفْسٌ عَنْ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣] وقوله ﴿يَا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَنُفْقِوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يوْمٌ لا بَيْعٌ فِيه وَلا خُلّةُ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِى وَلا شَفِيعٌ لَعَلّهُمْ يَتّقُونَ﴾ [الأنعام: ٥١] وقال: ﴿اللهُ الّذِى خَلَقَ السَّموَات وَالأَرْضَ بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثم اُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَالَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِىٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: ٤] . فأخبر سبحانه أنه ليس للعباد شفيع من دونه، بل إذا أراد الله سبحانه رحمة عبده أذن هو لمن يشفع فيه. كما قال تعالى:
﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس: ٣] . وقال: ﴿مَنْ ذَا الّذِى يَشْفَعَ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِه﴾ [البقرة: ٢٥٥] فالشفاعة بإذنه ليست شفاعة من دونه، ولا الشافع شفيع من دونه، بل شفيع بإذنه.
والفرق بين الشفيعين، كالفرق بين الشريك والعبد المأمور.
فالشفاعة التى أبطلها الله: شفاعة الشريك فإنه لا شريك له، والتى أثبتها: شفاعة العبد المأمور الذى لا يشفع ولا يتقدم بين يدى مالكه حتى يأذن له. ويقول: اشفع فى فلان. ولهذا كان أسعد الناس بشفاعته سيد الشفعاء يوم القيامة أهل التوحيد، الذين جردوا التوحيد وخلصوه من تعلقات الشرك وشوائبه، وهم الذين ارتضى الله سبحانه.
قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لَمِنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] ، وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحمنُ وَرَضِى لَهُ قَوْلاً﴾ [طه: ١٠٩]
стр. 225
فأخبر أنه لا يحصل يومئذ شفاعة تنفع إلا بعد رضاء قول المشفوع له، وإذنه للشافع فيه، فأما المشرك فإنه لا يرتضيه، ولا يرضى قوله، فلا يأذن للشفعاء أن يشفعوا فيه فإنه سبحانه علقها بأمرين: رضاه عن المشفوع له، وإذنه للشافع، فما لم يوجد مجموع الأمرين لم توجد الشفاعة.
وسر ذلك: أن الله له الأمر كله وحده، فليس لأحد معه من الأمر شىء، وأعلى الخلق وأفضلهم وأكرمهم عنده: هم الرسل والملائكة المقربون، وهم عبيد محض، لا يسبقونه بالقول، ولا يتقدمون بين يديه، ولا يفعلون شيئاً إلا بعد إذنه لهم، وأمرهم. ولاسيما يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً، فهم مملوكون مربوبون، أفعالهم مقيدة بأمره وإذنه. فإذا أشرك بهم المشرك، واتخذهم شفعاء من دونه، ظناً منه أنه إذا فعل ذلك تقدموا وشفعوا له عند الله، فهو من أجهل الناس بحق الرب سبحانه وما يجب له ويمتنع عليه فإن هذا محال ممتنع، شبيه قياس الرب تعالى على الملوك والكبراء، حيث يتخذ الرجل من خواصهم وأوليائهم من يشفع له عندهم فى الحوائج.
وبهذا القياس الفاسد عبدت الأصنام، واتخذ المشركون من دون الله الشفيع والولى.
والفرق بينهما هو الفرق بين المخلوق والخالق، والرب والمربوب، والسيد والعبد، والمالك والمملوك، والغنى والفقير، والذى لا حاجة به إلى أحد قط، والمحتاج من كل وجه إلى غيره.
فالشفعاء عند المخلوقين: هم شركاؤهم، فإن قيام مصالحهم بهم، وهم أعوانهم وأنصارهم، الذين قيام أمر الملوك والكبراء بهم، ولولاهم لما انبسطت أيديهم وألسنتهم فى الناس، فلحاجتهم إليهم يحتاجون إلى قبول شفاعتهم، وإن لم يأذنوا فيها ولم يرضوا عن الشافع، لأنهم يخافون أن يردوا شفاعتهم، فتنتقض طاعتهم لهم، ويذهبون إلى غيرهم. فلا يجدون بداً من قبول شفاعتهم على الكره والرضى. فأما الغنى الذى غناه من لوازم ذاته، وكل ما سواه فقير إليه بذاته. وكل من فى السماوات والأرض عبد له، مقهورون بقهره، مصرفون. بمشيئته. لو أهلكهم جميعاً لم ينقص من عزه وسلطانه وملكه وربوبيته وإلهيته مثقال ذرة.
قال تعالي: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الَمْسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِى الأَرْضِ جَمِيعاً وَللهِ مُلْكُ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخلق ما يشاء وَاللهُ عَلَى كَل شَىءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٧] ، وقال سبحانه فى سيدة آى القرآن: آية الكرسى: ﴿لَهُ مَا فِى السَّموَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِى
стр. 226
يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ، وقال: ﴿قل لله الشّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الزمر: ٤٤] .
فأخبر أن حال ملكه للسموات والأرض يوجب أن تكون الشفاعة كلها له وحده، وأن أحداً لا يشفع عنده إلا بإذنه، فإنه ليس بشريك، بل مملوك محض، بخلاف شفاعة أهل الدنيا بعضهم عند بعض.
فتبين أن الشفاعة التى نفاها الله سبحانه فى القرآن هى هذه الشفاعة الشركية التى يعرفها الناس، ويفعلها بعضهم مع بعض، ولهذا يطلق نفيها تارة، بناءً على أنها هى المعروفة المتعاهدة عند الناس، ويقيدها تارة بأنها لا تنفع إلا بعد إذنه، وهذه الشفاعة فى الحقيقة هى منه، فإنه الذى أذن، والذى قبل، والذى رضى عن المشفوع والذى وفقه لفعل ما يستحق به الشفاعة وقوله.
فمتخذ الشفيع مشرك، لا تنفعه شفاعته، ولا يشفع فيه، ومتخذ الرب وحده إلهه ومعبوده ومحبوبه، ومرجوه، ومخوفه الذى يتقرب إليه وحده، ويطلب رجاءه، ويتباعد من سخطه هو الذى يأذن الله سبحانه للشفيع أن يشفع فيه.
قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ؟﴾ ، إلى قوله: ﴿قُلْ للهِ الشّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ [الزمر: ٤٣-٤٤] ، وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ الله قُلْ أتُنَبئُونَ اللهَ بمَا لا يعْلمُ فى السَّموَاتِ وَلا فِى الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] ، فبين سبحانه أن المتخذين شفعاء مشركون، وأن الشفاعة لا تحصل باتخاذهم هم، وإنما تحصل بإذنه للشافع، ورضاه عن المشفوع.
وسر الفرق بين الشفاعتين: أن شفاعة المخلوق للمخلوق، وسؤاله للمشفوع عنده، لا يفتقر فيها إلى المشفوع عنده، لا خلقاً، ولا أمراً، ولا إذناً، بل هو سبب محرك له من خارج، كسائر الأسباب التى تحرك الأسباب، وهذا السبب المحرك قد يكون عند المتحرك لأجله ما يوافقه كمن يشفع عنده فى أمر يحبه ويرضاه، وقد يكون عنده ما يخالفه كمن يشفع إليه
стр. 227
فى أمر يكرهه، ثم قد يكون سؤاله وشفاعته أقوى من المعارض، فيقبل شفاعة الشافع. وقد يكون المعارض الذى عنده أقوى من شفاعة الشافع، فيردها ولا يقبلها، وقد يتعارض عنده الأمران، فيبقى متردداً بين ذلك المعارض الذى يوجب الرد، وبين الشفاعة التى تقتضى القبول، فيتوقف إلى أن يترجح عنده أحد الأمرين بمرجح، فشفاعة الإنسان عند المخلوق مثله: هى سعى فى سبب منفصل عن المشفوع إليه يحركه به، ولو على كره منه، فمنزلة الشفاعة عنده منزلة من يشفع يأمر غيره، أو يكرهه على الفعل، إما بقوة وسلطان، وإما يرغبه شفاعته، فلا بد أن يحصل للمشفوع إليه من الشافع إما رغبة ينتفع بها، وإما رهبة منه تندفع عنه بشفاعته. وهذا بخلاف الشفاعة عند الرب سبحانه، فإنه ما لم يخلق شفاعة الشافع، ويأذن له فيها، ويحبها منه، ويرضى عن الشافع، لم يمكن أن توجد، والشافع لا يشفع عنده لحاجة الرب إليه، ولا لرهبته منه، ولا لرغبته فيما لزمه، وإنما يشفع عنده مجرد امتثال أمره وطاعته له، فهو مأمور بالشفاعة، مطيع بامتثال الأمر، فإن أحداً من الأنبياء والملائكة وجميع المخلوقات لا يتحرك بشفاعة ولا غيرها إلا بمشيئة الله تعالى، وخلقه، فالرب هو الذى يحرك الشفيع حتى يشفع، والشفيع عند المخلوق هو الذى يحرك المشفوع إليه حتى يقبل، والشافع عند المخلوق مستغن عنه فى أكثر أموره، وهو فى الحقيقة شريكه، ولو كان مملوكه وعبده. فالمشفوع عنده محتاج إليه فيما يناله منه من النفع بالنصر، والمعاونة وغير ذلك، كما أن الشافع محتاج إليه فيما يناله منه: من رزق، أو نصر، أو غيره، فكل منهما محتاج إلى الآخر.
ومن وفقه الله تعالى لفهم هذا الموضع ومعرفته، تبين له حقيقة التوحيد والشرك، والفرق بين ما أثبته الله تعالى من الشفاعة وبين ما نفاه وأبطله، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نوراً فماله مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] .
стр. 228
فصل
ومن مكايد عدو الله ومصايده، التى كاد بها من قل نصيبه من العلم والعقل والدين، وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين، سماع المكاء، والتصدية، والغناء بالآلات المحرمة، الذى يصد القلوب عن القرآن، ويجعلها عاكفة على الفسوق والعصيان، فهو قرآن الشيطان، والحجاب الكثيف عن الرحمن، وهو رقية اللواط والزنا، وبه ينال العاشق الفاسق من معشوقة غاية المنى، كاد به الشيطان النفوس المبطلة، وحسنه لها مكراً منه وغروراً، وأوحى إليها الشبه الباطلة على حسنه فقبلت وحيه واتخذت لأجله القرآن مهجوراً، فلو رأيتهم عند ذياك السماع وقد خشعت منهم الأصوات، وهدأت منهم الحركات، وعكفت قلوبهم بكليتها عليه، وانصبت انصبابة واحدة إليه، فتمايلوا له ولا كتمايل النشوان، وتكسروا فى حركاتهم ورقصهم، أرأيت تكسر المخانيث والنسوان؟ ويحق لهم ذلك، وقد خالط خمارة النفوس، ففعل فيها أعظم ما تفعله حُمَّيه الكؤوس، فلغير الله، بل الشيطان، قلوب هناك تمزق، وأثواب تشقق، وأموال فى غير طاعة الله تنفق، حتى إذا عمل السكر فيهم عمله، وبلغ الشيطان منهم أمنيته وأمله، واستفزهم بصوته وحيله، وأجلب عليهم برجله وخيله، وخَزَ فى صدورهم وخزاً. وأزَّهم إلى ضرب الأرض بالأقدام أزا، فطورا يجعلهم كالحمير حول المدار، وتارة كالذباب ترقص وسُيَطْ الديار. فيا رحمتا للسقوف والأرض من دك تلك الأقدام، ويا سوأتا من أشباه الحمير والأنعام، وياشماتة أعداء الإسلام، بالذين يزعمون أنهم خواص الإسلام قضوا حياتهم لذة وطرباً، واتخذوا دينهم لهواً ولعباً، مزامير الشيطان أحب إليهم من استماع سور القرآن، لو سمع أحدهم القرآن من أوله إلى آخره لما حرك له ساكناً، ولا أزعج له قاطنا، ولا أثار فيه وجداً، ولا قدح فيه
стр. 229
من لواعج الشوق إلى الله زنداً، حتى إذا تلى عليه قرآن الشيطان، وولج مزمور سمعه، تفجرت ينابيع الوجد من قلبه على عينه فجرت، وعلى أقدامه فرقصت، وعلى يديه فصفقت، وعلى سائر أعضائه فاهتزت وطربت، وعلى أنفاسه فتصاعدت، وعلى زفراته فتزايدت، وعلى نيران أشواقه فاشتعلت، فيا أيها الفاتن المفتون، والبائع حظه من الله بنصيبه من الشيطان صفقة خاسر مغبون، هلا كانت هذه الأشجان، عند سماع القرآن؟ وهذه الأذواق والمواجيد، عند قراءة القرآن المجيد؟ وهذه الأحوال السنيات، عند تلاوة السور والآيات؟ ولكن كل امرئ يصبو إلى ما يناسبه، ويميل إلى ما يشاكله، والجنسية علة الضم قدراً وشرعاً، والمشاكلة سبب الميل عقلاً وطبعاً، فمن هذا أين الإخاء والنسب؟ لولا التعلق من الشيطان بأقوى سبب، ومن أين هذه المصالحة التى أوقعت فى عقد الإيمان وعهد الرحمن خللاً؟
﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُريتَهُ أَوْلِياَءَ مِنْ دُونِى وَهُمْ لكُمْ عَدُو بِئْسَ لِلظّالمِينَ بَدَلا﴾ [الكهف: ٥٠] .
ولقد أحسن القائل:
تُلِىَ الكتَابُ، فأطْرَقُوا، لا خِيفَةً ... لكِنَّهُ إِطْرَاقُ سْاهٍ لاهِى
وأتَى الغِنَاءُ، فكالحَميرِتَنَاهَقُوا ... وَاللهِ مَا رَقَصُوا لأجْلِ اللهِ
دُفِ وَمِزْمَارٌ، وَنغْمَةُ شَاذِنٍ ... فمتَى رَأَيتَ عِبَادَةً بملاهى؟
ثَقُلَ الكِتَابُ عليهمُ لَمَّا رَأوْا ... تَقْيِيدَهُ بأَوَامِرٍ وَنَوَاهِى
سَمِعُوا له رَعْدًا وبَرْقاً، إِذْحَوَى ... زَجْرًا وتخْوِيفاً مَنَاهِى
وَرَأَوْهُ أَعْظمْ قاطعٍ لِلنَّفسِ عَنْ ... شهَوَاتِها، ياذبحها المُتَناهِى
وَأتى السماعُ مُوافِقاًأَغْرَاضَها ... فَلأَجْلَ ذاكَ غَدَا عَظِيمَ الجاهِ
أيْنَ المُسَاعِدُلِلْهَوَىِ مِنْ قاطعٍ ... أَسْبَابَهُ، عِنْدَ الجَهُولِ السّاهى؟
إنْ لَمْ يَكُنْ خَمَر الجُسُومِ، فإنَّهُ ... خَمْرُ العُقولِ مُمَاثِلٌ وَمُضَاهِى
فانظْر إِلى النّشْوان عِنْدَ شَرَابَه ... وانْظُرْ إلى النَّسْوَانِ عِنْدَ مَلاهِى
وانظُرْ إِلى تمْزِيقِ ذَا أَثوَابَهُ ... مِن بَعْدِ تمزيقِ الفُؤَادِ اللاهِى
стр. 230
واحكم فأىَّ الخمرتين أحق بالتحريم، والتأثيم عند الله؟
وقال آخر:
برِئْنَا إِلَى اللهِ منْ مِعْشَرٍ ... يهِمْ مَرَضٌ مِنْ سَمَاعِ الغِنَا
وكم قلْتُ يَاقَوْمُ، أَنْتُمْ عَلَى ... شَفَا جُرُفٍ مَابِهِ مِنْ بِنَا
شَفَا جُرُفٍ تحْتَهُ هُوَّة ... إِلى دَرَكٍ، كم بِهِ مِنْ عَنا
وتَكْرَارُ النُّصْحِ مِنا لهم ... لنُعْذِرَ فِيهِمْ إِلى ربَّنا
فَلمَّا اسْتَّهانُوا بَتَنْبِيهنا ... رَجَعْنَا إِلى اللهِ فى أَمْرِنا
فعِشْنَا عَلَى سُنَّةِ المُصْطَفَى ... وَمَاتوُا عَلَى تِنْتِنَا تِنْتِنا
ولم يزل أنصار الإسلام وأئمة الهدى، تصيح بهؤلاء من أقطار الأرض، وتحذر من سلوك سبيلهم، واقتفاء آثارهم من، جميع طوائف الملة.
قال الإمام أبو بكر الطرطوشى فى خطبة كتابه، فى تحريم السماع:
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، ونسأله أن يرينا الحق حقاً فنتبعه، والباطل باطلاً فنجتنبه. وقد كان الناس فيما مضى يستتر أحدهم بالمعصية إذا واقعها، ثم يستغفر الله ويتوب إليه منها، ثم كثر الجهل، وقل العلم، وتناقص الأمر، حتى صار أحدهم يأتى المعصية جهاراً، ثم ازداد الأمر إدباراً، حتى بلغناً أن طائفة من إخواننا المسلمين- وفقنا الله وإياهم- استزلهم الشيطان، واستغوى عقولهم فى حب الأغانى واللهو، وسماع الطقطقة والنقير، واعتقدته من الدين الذى يقربهم إلى الله وجاهرت به جماعة المسلمين وشاقَّت سبيل المؤمنين، وخالفت الفقهاء والعلماء وحملة الدين
﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُومِنِين نُوَلهِ مَا تَوَلّى وَنُصْلِه جَهَنّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء: ١١٥] . فرأيت أن أوضح الحق، وأكشف عن شبه أهل الباطل، بالحجج التى تضمنها كتاب الله، وسنة رسوله، وأبدأ بذكر أقاويل العلماء الذين تدور الفتيا عليهم فى أقاصى الأرض ودانيها، حتى تعلم هذه الطائفة أنها قد خالفت علماء المسلمين فى بدعتها. والله ولى التوفيق.
ثم قال: أما مالك فإنه نهى عن الغناء، وعن استماعه، وقال: "إذا اشترى جارية فوجدها مغنية له أن يردها بالعيب".
стр. 231
وسئل مالك ﵀: عما يرخص فيه أهل المدينة من الغناء؟ فقال: "إنما يفعله عندنا الفساق".
قال: "وأما أبو حنيفة: فإنه يكره الغناء، ويجعله من الذنوب"،
وكذلك مذهب أهل الكوفة: سفيان، وحماد، وإبراهيم، والشعبى، وغيرهم، لا اختلاف بينهم فى ذلك، ولا نعلم خلافاً أيضاً بين أهل البصرة فى المنع منه.
قلت: مذهب أبى حنيفة فى ذلك من أشد المذاهب، وقوله فيه أغلظ الأقوال. وقد صرح أصحابه بتحريم سماع الملاهى كلها، كالمزمار، والدف، حتى الضرب بالقضيب، وصرحوا بأنه معصية، يوجب الفسق، وترد به الشهادة، وأبلغ من ذلك أنهم قالوا: إن السماع فسق، والتلذذ به كفر، هذا لفظهم، ورووا فى ذلك حديثاً لا يصح رفعه.
قالوا: ويجب عليه أن يجتهد فى أن لا يسمعه إذا مر به، أو كان فى جواره
وقال أبو يوسف، فى دار يسمع منها صوت المعازف والملاهى: "أدخل عليهم بغير إذنهم، لأن النهى عن المنكر فرض"، فلو لم يجز الدخول بغير إذن لامتنع الناس من إقامة الفرض".
قالوا: ويتقدم إليه الإمام إذا سمع ذلك من داره، فإن أصر حبسه وضربه سياطاً، وإن شاء أزعجه عن داره.
وأما الشافعى: فقال فى كتاب "أدب القضاء": "إن الغناء لهو مكروه، يشبه الباطل والمحال. ومن استكثر منه فهو سفيه تردّ شهادته".
وصرح أصحابه العارفون بمذهبه بتحريمه، وأنكروا على من نسب إليه حله، كالقاضى أبى الطيب الطبرى، والشيخ أبى إسحاق، وابن الصباغ.
قال الشيخ أبو إسحاق فى "التنبيه": "ولا تصح الإجارة على منفعة محرمة، كالغناء، والزمر، وحمل الخمر، ولم يذكر فيه خلافاً".
وقال فى "المهذب": "ولا يجوز على المنافع المحرمة، لأنه محرم، فلا يجوز أخذ العوض عنه كالميتة والدم".
فقد تضمن كلام الشيخ أمورا.
стр. 232
أحدها: أن منفعة الغناء بمجرده منفعة محرمة.
الثانى: أن الاستئجار عليها باطل.
الثالث: أن أكل المال به أكل مال بالباطل بمنزلة أكله عوضاً عن الميتة والدم.
الرابع: أنه لا يجوز للرجل بذل ماله للمغنى، ويحرم عليه ذلك، فإنه بذل ماله فى مقابلة محرم. وأن بذله فى ذلك كبذله فى مقابلة الدم والميتة.
الخامس: أن الزمر حرام.
وإذا كان الزمر، الذى هو أخف آلات اللهو، حراماً، فكيف بما هو أشد منه؟ كالعود، والطنبور، واليراع، ولا ينبغى لمن شم رائحة العلم أن يتوقف فى تحريم ذلك. فأقل ما فيه: أنه من شعار الفساق وشاربى الخمور.
وكذلك قال أبو زكريا النووى في "روضته".
القسم الثانى: أن يغنى ببعض آلات الغناء، بما هو فى شعار شاربى الخمر، وهو مطرب كالطنبور، والعود والصنبح، وسائر المعازف، والأوتار. يحرم استعماله، واستماعه. قال: وفى اليراع وجهان، صحح البغوى التحريم.
ثم ذكر عن الغزالى الجواز. قال: والصحيح تحريم اليراع، وهو الشَّبَّابة.
وقد صنف أبو القاسم الدولعى كتاباً فى تحريم اليراع.
وقد حكى أبو عمرو بن الصلاح الإجماع على تحريم السماع، الذى جمع الدف والشبابة. والغناء. فقال فى فتاويه:
وأما إباحة هذا السماع وتحليله، فليعلم أن الدف والشبابة والغناء إذا اجتمعت، فاستماع ذلك حرام، عند أئمة المذاهب وغيرهم من علماء المسلمين. ولم يثبت عن أحد- ممن يعتد بقوله فى الإجماع والاختلاف- أنه أباح هذا السماع، والخلاف المنقول عن بعض أصحاب الشافعى إنما نقل فى الشبابة منفردة، والدف منفرداً، فمن لا يحصل، أو لا يتأمل، ربما اعتقد خلافاً بين الشافعيين فى هذا السماع الجامع هذه الملاهى، وذلك وهم بين من الصائر إليه، تنادى عليه أدلة الشرع والعقل، مع أنه ليس كل خلاف يستروح إليه، ويعتمد عليه، ومن تتبع ما اختلف فيه العلماء، وأخذ بالرخص من أقاويلهم، تزندق أو كاد. قال: وقولهم فى السماع
стр. 233
المذكور: إنه من القربات والطاعات، قول مخالف لإجماع المسلمين، ومن خالف إجماعهم، فعليه ما فى قوله تعالى:
﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنينَ نُوَلهِ مَا تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء: ١١٥] . وأطال الكلام فى الرد على هاتين الطائفتين اللتين بلاء الإسلام منهم: المحللون لما حرم الله، والمتقربون إلى الله بما يباعدهم عنه.
والشافعى وقدماء أصحابه، والعارفون بمذهبه: من أغلظ الناس قولاً فى ذلك.
وقد تواتر عن الشافعى أنه قال: "خلفت ببغداد شيئاً أحدثته الزنادقة، يسمونه التغبير، يصدون به الناس عن القرآن".
فإذا كان هذا قوله فى التغبير، وتعليله: أنه يصد عن القرآن، وهو شعر يزهد فى الدنيا، يغنى به مغنّ فيضرب بعض الحاضرين بقضيب على نطع أو مخذة على توقيع غنائه- فليت شعرى ما يقول فى سماع التغبير عنده كتفلة فى بحر. قد اشتمل على كل مفسدة، وجمع كل محرم، فالله بين دينه وبين كل متعلم مفتون، وعابد جاهل.
قال سفيان بن عيينة: "كان يقال: احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون".
ومن تأمل الفساد الداخل على الأمة وجده من هذين المفتونين.
فصل
وأما مذهب الإمام أحمد؛ فقال عبد الله ابنه: "سألت أبى عن الغناء؟ فقال: الغناء ينبت النفاق فى القلب، لا يعجبنى"، ثم ذكر قول مالك: "إنما يفعله عندنا الفساق".
قال عبد الله: وسمعت أبى يقول: سمعت يحيى القطان يقول: "لو أن رجلاً عمل بكل رخصة، بقول أهل الكوفة فى النبيذ، وأهل المدينة فى السماع، وأهل مكة فى المتعة، لكان فاسقاً".
стр. 234
قال أحمد: وقال سليمان التيمى: "لو أخذت برخصة كل عالم، أو زلة كل عالم، اجتمع فيك الشر كله".
ونص على كسر آلات اللهو كالطنبور وغيره، إذا رآها مكشوفة، وأمكنه كسرها وعنه فى كسرها إذا كانت مغطاة تحت ثيابه وعلم بها روايتان منصوصتان.
ونص فى أيتام ورثوا، جارية مغنية، وأرادوا بيعها، فقال: "لا تباع إلا على أنها ساذجة؛ فقالوا: إذا بيعت مغنية ساوت عشرين ألفاً أو نحوها، وإذا بيعت ساذجة لا تساوى ألفين؛ فقال: لا تباع إلا على أنها ساذجة".
ولو كانت منفعة الغناء مباحة لما فوت هذا المال على الأيتام.
فصل
وأما سماعه من المرأة الأجنبية، أو الأمرد فمن. أعظم المحرمات، وأشدها فساداً للدين.
قال الشافعى ﵀: "وصاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها، فهو سفيه ترد شهادته"، وأغلظ القول فيه. وقال: "هو دياثة، فمن فعل ذلك كان ديوثا".
قال القاضى أبو الطيب: "وإنما جعل صاحبها سفيها، لأنه دعا الناس إلى الباطل ومن دعا الناس إلى الباطل كان سفيها فاسقاً".
قال: وكان الشافعى يكره التغبير، وهو الطقطقة بالقضيب، ويقول: "وضعته الزنادقة ليشغلوا به عن القرآن".
قال: "وأما العود والطنبور وسائر الملاهى فحرام، ومستمعه فاسق، واتباع الجماعة أولى من اتباع رجلين مطعون عليهما".
قلت: يريد بهما إبراهيم بن سعد، وعبيد الله بن الحسن. فإنه قال: "وما خالف فى الغناء إلا رجلان: إبراهيم بن سعد، فإن الساجى حكى عنه: أنه كان لا يرى به بأساً، والثانى: عبيد الله بن الحسن العنبرى، قاضى البصرة، وهو مطعون فيه".
قال أبو بكر الطرطوشى: "وهذه الطائفة مخالفة لجماعة المسلمين، لأنهم جعلوا الغناء دينا
стр. 235
وطاعة، ورأت إعلانه فى المساجد والجوامع، وسائر البقاع الشريفة والمشاهد الكريمة. وليس فى الأمة من رأى هذا الرأى".
قلت: ومن أعظم المنكرات: تمكينهم من إقامة هذا الشعار الملعون هو وأهله فى المسجد الأقصى، عشية عرفة. ويقيمونه أيضاً فى، مسجد الخيف أيام منى. وقد أخرجناهم منه بالضرب والنفى مراراً، ورأيتهم يقيمون بالمسجد الحرام نفسه والناس فى الطواف، فاستدعيت حزب الله وفرقنا شملهم. ورأيتهم يقيمون بعرفات، والناس فى الدعاء، والتضرع، والابتهال والضجيج إلى الله، وهم فى هذا السماع الملعون باليراع والدف والغناء.
فإقرار هذه الطائفة على ذلك فسق يقدح فى عدالة من أقرهم ومنصبه الدينى.
وما أحسن ما قال بعض العلماء وقد شاهد هذا وأفعالهم:
أَلا قُلْ لَهُمْ قَوْلَ عَبْدٍ نَصُوحٍ ... وَحَقُّ النَّصِيحَةِ أَنْ تُسْتَمعْ:
مَتَى عَلِمَ الناسُ فى دِينِنا ... بأَنّ الغِنَا سُنَّةٌ تُتّبَع؟
وأَنْ يأكلَ المَرْءُ أَكْلَ الحِما ... رِ وَيَرْقُصَ فى الجَمْعِ حَتَّى يقَعْ؟
وقَالُوا: سَكِرْنَا بِحُبَّ الإِلهِ ... وَمَا أسْكَرَ القَوْمَ إلا القِصَعْ
كَذَاكَ البَهَائمِ إِنْ أُشْبِعَت ... يُرَقَّصُهَا رِيُّها والشَّبُعْ
ويَسْكِرُهُ النَّاىُ، ثُمَّ الغِنا ... ويس لَوْ تُلِيَتْ ما انْصَدَعْ
فيَا لَلْعقُولِ، وَيَا لِلنُّهَى ... أَلا مُنْكِرٌ مِنْكُم لِلبِدَعْ
تُهَانُ مَسَاجِدُنَا بَالسّما ... عِ وَتُكْرَمُ عَنْ مِثْلِ ذَاكَ البِيَعْ
وقال آخر، وأحسن ما شاء:
ذَهَبَ الرَّجَالُ وحال دُونَ مجَالِهمْ ... زُمَرَّ مِنَ الأوبْاَشِ وَالأَنذَالِ
стр. 236
زَعَمُوا بأَنّهُمُ عَلَى آثَارِهِمْ ... سَارُوا، ولكِنْ سِيَرةَ البَطّالِ
لَبِسُوا الدُّلُوقَ مُرقَّعاً، وَتَقَشّفُوا ... كَتَقَشُّفِ الأَقْطَابِ وَالأَبْدَالِ
قَطَعُوا طَرِيقَ السَّالِكِينَ، وَغَوَّرُوا ... سُبُل الْهُدَى، بجَهَالةٍ وَضَلالِ
عَمَروُا ظَوَاهِرَهُمْ بأَثوَابِ التٍّقَى ... وَحَشَوْا بَوَاطِنَهُمْ مِنَ الأدْغالِ
إِنْ قُلتَ: قَالَ اللهُ، قَالَ رَسُولُهُ ... هَمزُوكَ هَمْزَ المُنْكِر المُتَغَالى
أَوْ قُلْتَ: قَدْ قَالَ الصَّحَابَةُ، والأُولى ... تَبِعُوهُمُ فى القَوْلِ وَالأَعْمَالِ
أوْ قُلْتَ: قَالَ الآلُ، آلُ المُصْطَفى ... صَلّى عَليهِ اللهُ، أَفْضَلِ آلِ
أوْ قُلْتَ: قَالَ الشّافِعِىُّ، وأحمد ... وأَبو حَنِيفَةَ، وَالإِمَامُ العَالِى
أَوْ قُلْتَ: قَالَ صِحَابُهُمْ مِنْ بَعْدِهِمْ ... فَالكُلُّ عِنْدَهُمُ كَشِبْهِ خَيَالِ
وَيَقُولُ: قَلْبى قَالَ لِى، عَنَ سِرَّهِ، ... عَنْ سر سرى، عَنْ صَفَا أَحْوَالِى
عَنْ حَضْرَتى، عَنِ فِكْرَت عَنْ خَلْوَتى ... عَنْ شَاهِدِى عَنْ وَارِدِى عَنْ حَالِى
عَنْ صَفْوِ وَقْتى، عَنْ حَقِيقِة مَشهدى ... عَنْ سِرَ ذَاتى، عَنْ صِفَاتِ فِعَالِى
دَعْوَى، إذَا حقَّقْتَهَا، أَلْفَيْتَهَا ... أَلْقَابَ زُورٍ، لُفَّفَتْ بِمُحالِ
تَركُوا الحَقَائِقَ وَالشّرائِعَ، وَاقْتدَوْا ... بِظَوَاهِرِ الجُهَّالِ وَالضُّلالِ
جَعَلُوا المِراد فَتْحاً، وألُفَاظَ الخَنَا ... شَطْحاً، وَصَالُوا صَوْلَةَ الإِدْلال
نَبِذُوا كِتَابَ اللهِ خَلْفَ ظُهُورِهْم ... نَبْذَ المُسَافرِ فَضْلَةَ الأَكّالِ
جَعَلُوا السَّماعَ مَطِيّة لِهَوَاهُمُوَ ... غَلَوْا فَقَالُوا فيهِ كُلَّ مُحَالِ
هُوَ طَاعَةٌ، هُوَ قُرْبةٌ، هُوَ سُنةٌ ... صَدَقُوا لِذَاكَ الشَّيْخِ ذِى الإضلالِ
شَيْخٌ قَديِمٌ، صَادَهُمْ بَتَحَيل ... حَتَّى أَجَابُوا دَعوةَ المُحْتَالِ
وَرَأَوْا سَمَاعَ الشعر أنْفَعَ للفَتى ... مِنْ أَوْجُهٍ سَبْعٍ لَهُمْ بِتوِالِ
هَجَرُوا لَهُ القُرْآنَ وَالأَخْبَارَ وَالآ ... ـثارَ، إٍذْ شهِدَتْ لَهُمْ بِضَلالِ
تَاللهِ مَا ظَفِرَ العَدُوُّ بِمثْلِهَا ... مِنْ مِثْلهِمْ، وَاخَيْبَةَ الآمالِ
نَصَبَ الحِبَال لَهُمْ، فَلمْ يَقَعُوا بهَا ... فأَتى بِذَا الشّرَكِ المُحِيطِ الغالى
стр. 237
فإذا هموا وَسَطِ العَرِينَ مُمَزَّقىال ... آثْوابِ، والأدْيَانِ، والأحْوَالِ
لا يَسْمَعُونَ سِوَى الّذِى يَهْوُونهُ ... شُغُلا بِهِ عنْ سائرِ الأشْغَالِ
ودُعُوا إِلى ذاتِ الْيَمينِ فأَعْرَضُوا ... عَنْهَا، وسَارَ القَوْمُ ذاتَ شِمَالِ
خَرُّوا عَلَى القرآنِ عِنْدَ سَمَاعه ... صُمَّا، وعَميَاناً ذَوِى إِهمَالِ
وإذَا تلاَ القَارِى عَلَيْهِمْ سُورَةً ... فأطَالهَا، عَدُّوهُ فى الأثْقَالِ
وَيَقُولُ قَائِلُهُمْ: أَطَلتَ، وَلَيسَ ذَا ... عَشْرٌ، فَخَفَّفْ، أَنْتَ ذُو إِملالِ
هذَا، وَكَمْ لَغْو، وَكم صَخَبٍ، وَكَم ... ضَحِكٍ بِلاَ أَدَبٍ، وَلا إجْمَالِ
حَتَّى إذَا قَامَ السَّماعُ لَدَيْهِمُ ... خَشَعَتْ لهُ الأصْواتُ بالإجْلالِ
وَامْتَدَّتِ الأعْنَاقُ، تَسْمعُ وَحْىَ ذَاِ ... كَ الشّيخِ مِنْ مُتَرنَمَّ قَوَّالِ
وَتحَرَّكَتْ تِلكَ الرُّءُوسُ، وهَزَّهَا ... طَرَبٌ، وأشْوَاقٌ لِنَيْلِ وِصَالِ
فَهُنَالِكَ الأشْوَاقُ وَالأشْجَانُ وال ... أَحوَالُ، لا أهلاً بِذِى الأحوَالِ
تَالله لو كانت صحاة أبصروا ... ماذا دهاهمْ من قبيحِ فِعَالِ
لكنما سُكْرُ السَّماع أَشدُّ مِنْ ... سُكرِ المدامِ، وذا بلا إشكالِ
فإذا هُمَا اجتمعَا لِنَفْسٍ مَرَّةً ... نالتْ من الخسرانِ كل منَالِ
يَا أمَّةً لَعبتْ بدين نبيها ... كتلاعب الصبيان فى الأوحالِ
أشمتوا أَهْلَ الكتابِ بدينكمْ ... والله لن يرضوا بذى الأفعالِ
كم ذا نعير منهم بقريقكم ... سِرا وجهرا عندَ كل جدالِ
قالوا لنا: دين عبادة أهله ... هذا السماع، فذاك دين محالِ
بل لا تجئُ شريعة بجوازه ... فسلوا الشرائع تكتفوا بسؤالِ
لو قلتموا فسق، ومعصية، وتزْ ... بين من الشيطان للأنذالِ
كنا شهدنا أنَّ ذا دين أتى ... بالحق، دين الرسل، لا بضلالِ
والله منهم قدسمعنا ذاإلى اللآ ... ذان من أفواههم بمقال
...
стр. 238
وَتمَامُ ذَاكَ الْقَوْلِ بالْحِيَلِ الّتى ... فَسَخَتْ عقُودَ الدينِ فَسْخَ فِصَالِ
جَعَلَتْه كالثَّوْبِ المُهَلْهَلِ نَسْجُهُ ... فِيهِ تُفَصّلُهُ مِنْ الأوصَالِ
مَا شئت مِنْ مَكْرِ وَمِنْ ... خِدَع وَمنْحِيَلٍ، وَتَلْبِيسٍ بِلاَ إقلالِ
فَاحَتلْ عَلَى إسْقَاطِ كُلِّ فَرِيضةٍ ... وَعَلَى حَرَامِ اللهِ بِالإِحْلالِ
واحتَلْ عَلَى المَظْلُومِ يُقْلَبُ ظالمًا ... وَعَلَى الظَّلوم، بِضد تِلكَ الَحالِ
وَاقلِبْ، وَحَولْ، فَالتَّحَيُّل كُلُّهُ ... فى الْقَلْبِ، وَالتَّحْوِيلُ ذُو إِعمالِ
إِنْ كُنْتَ تَفْهَمُ ذَا ظَفِرْتَ بِكُلِّ ما ... تَبْغِى مِنَ الأفْعَالِ وَالأَقوَالِ
وَاحْتَلْ عَلَى شُرْبِ المُدَامِ وسَمها ... غَيْرَ اُسْمِهَا، وَاللَّفْظُ ذُو إجْمَالِ
وَاحْتَلْ عَلَى أكْلِ الربَا واهْجُرْ شَنا ... عَةَ لَفْظهِ، وَاحْتَلْ عَلَى الأبْدالِ
وَاحْتَلْ عَلَى الْوَطْءِ الْحَرَامِ، وَلا تَقُلْ ... هذَا زِناً، وَانْكَحْ رَخِىَّ البَالِ
وَاحْتَلْ عَلَى حَل العقُودِ وفَسْخِهَا ... بَعْدَ اللزُومِ، وَذَاكَ ذُو إِشْكَالِ
إِلا عَلَى المُحْتَالِ، فَهْوَ طِبِيبُهَا ... يَا مِحْنَةَ الأَدْيَانِ بِالمُحْتَالِ
وَاحْتَلْ عَلَى نَقْضِ الْوُقُوفِ، وَعَوْدِهاَ ... طَلْقاً، ولا تَسْتَحِى مِنْ إِبطَالِ
فَكر، وقَدر، ثُمَّ فَصلْ بَعدَ ذَا ... فإِذَا غُلِبْتَ فَلِجَّ فى الإِشْكالِ
واحتل على الميراث، فانزعه من ... الورَّاث، ثم أبلَع جميع المالِ
قد أثبتوا نسباً وحصراً فيكم ... حتى تحوز الإرث للأموالِ
واعمد إلى تلك الشهادة واجعل ... الإبطال هَّمك تحظَ بالأبطالِ
فالحصر إثبات، ونفىٌ، غير معـ ... لوم، وهذا موضع الإشكالِ
واحْتَلْ عَلَى مَالِ اليَتِيمِ، فإِنهُ ... رِزْقٌ هَنِى مِنْ ضَعِيفِ الحالِ
لا سَوْطَهُ تخْشَى، وَلا مِنْ سَيْفه ... والقَولُ قولُكَ فى ذهابِ المالِ
وَاحْتَلْ عَلَى أَكْلِ الوُقُوفِ فإِنهَا ... مِثْلُ السَّوَائِبِ رَبّةِ الإِهمالِ
فَأَبُو حَنِيفَةَ عِنْدَهُ هِى بَاطِلٌ ... فى الأَصَلِ، لَمْ تحْتَجْ إلى إِبْطَالِ
فالمَالُ مَالٌ ضَائِع، أَرْباَبهُ ... هَلَكُوا فَخُذْ مِنْهُ بِلا مِكْيَالِ
стр. 239
وإذَا تَصِحُّ بحُكْمَ قاضٍ عَادِ ... لٍفَشُرُوطُهَا صَارَتْ إِلى اضْمِحْلاَلِ
قد عَطّلَ النَّاسُ الشُّرُوطَ، وَأَهْملوا ... مَقْصُودَهَا، فَالكُلُّ فى إهْمال
وَتَمامُ ذَاكَ قُضَاتُنَا، وشُهُودُنا ... فَاسْأَلْ بهِمْ ذَا خبْرَةٍ بالحَالِ
أمَّا الشُّهودُ فَهُمْ عُدُول عن طري ... قِ العَدْلَ فى الأَقوَال والأفعالِ
زُورًا وتَنْميقاً وكِتْمَانّا، وَتَلْ ... بيساً، وَإِسْرَافاً بِأَخْذِ نَوَالِ
يَنْسَى شَهَادَتَهُ، وَيَحْلِفْ إنهُ ... ناس لهَا، والقَلْبُ ذو إِغْفالِ
فإِذَا رَأَى المنقُوشَ، قال: ذَكَرْتُهَا ... يَا لَلمْذَكرِ، جِئْتَ بالآمالِ
ويقُول قَائِلُهُمْ: أَخوضُ النَّارَ فى ... نِزْرٍ يَسِيرٍ؟ ذاكَ عَيْنَ خَبَالِ
ثَقلْ لَى المِيزَانَ، إِنَى خَائِضٌ ... لِلمْنَكِبَيْنِ، أُجَرُّ بالأغْلالِ
أَمَّا القُضَاةُ فَقَدْ تَوَاتَرَ عَنُهمُ ... مَا قَدْ سَمِعْتَ، فَلا تَفُهْ بمَقَالِ
ماذا تقول لمن يقول: حكمت أنـ ... ك فاسق، أو كافر فى الحالِ؟
فإِذَا اسْتَغَثْتَ أُغِثْتَ بالجَلْدِ الَّذِى ... قَدْ طَرَّقُوهُ كِمَثْلِ طَرْقِ نِعَالِ
فَيَقُولُ طَقْ، فَتَقُولُ: قَطْ، فَتَعَارَضَا ... وَيكُونُ قَوْلُ الْجَلدِ ذَا إِعْمالِ
فأجَارَكَ الرَّحْمنُ ضَرْبٍ، وَمنْ ... عَرْضٍ، وَمِنْ كَذِبٍ وَسُوءِ مَقَالِ
هذَا وَنِسْبَةُ ذَاكَ أَجْمَعِهِ إِلى ... دِينِ الرَّسولِ، وَذَا مِنَ الأَهْوَالِ
حَاشَا رَسُولُ اللهِ يَحْكُمُ بالهوَى ... والْجَهْلِ، تِلْكَ حُكُومَةُ الضّلالِ
وَاللهِ لَوْ عُرِضَتْ عَلَيْهِ كُلُّهَا ... لاجْتَثَّهَا بالنَّقْضِ وَالإِبطَالِ
إِلا الَّتى مِنْهَا يُوافِقُ حُكْمَه ... فَهُوَ الَّذِى يَلقَاهُ بالإِقبال
أَحْكَامُه عَدْلٌ، وحَق كُلُّهَا ... فى رَحْمَةٍ، ومَصالِحٍ، وحَلالِ
شَهِدَتْ عُقُولُ الْخَلْقِ قاطبة بَما ... فى حُكْمِهِ مِنْ صِحَّةٍ وَكَمالِ
فإِذَا أتَتْ أَحْكَامُهُ أَلْفَيْتَهَا ... وَفْقَ العقولِ، تُزِيلُ كُلَّ عِقَالِ
حَتَّى يَقُولَ السَّامِعُونَ لِحُكْمِه ... مَا بَعْدَ هذَا الحْق غَيْرُ ضَلالِ
للهِ أَحْكامُ الرَّسُولِ وَعَدْلَهُا ... بَيْنَ العِبَادِ وَنَورُهَا المُتَلالى
стр. 240
كَانَتْ بهَا فى الأرْضِ أعْظَمُ رَحمَةٍ ... والنَّاسُ فى سَعْدٍ وَفى إِقبَالِ
أَحْكامُهُمْ تجْرِى عَلَى وَجْهِ السَّدَ ... ادِ، وَحَالُهُمْ فى ذَاكَ أحْسَنْ حَالِ
أَمْناً، وعزا فى هُدًى، وَتَرَاحُمٍ ... وَتَوَاصُلٍ، وَمَحَبّةٍ، وَجلالِ
فَتَغَيَّرَتْ أَوْضَاعُهَا، حَتَّى غَدَتْ ... مَنْكُورةً، بِتَلوُّثِ الأعمالِ
فَتَغَيَّرَتْ أَعمالُهُمْ وَتَبدَّلَتْ ... أَحْوَالُهُمْ بالنَّقْصِ بَعْدَ كمَالِ
لَوْ كانَ دِينُ اللهِ فيهِمْ قائماً ... لَرَأَيْتَهُمْ فى أَحْسَنِ الأحْوَالِ
وإِذا هُمُوا حَكَمُوا بحُكْمٍ جَائرٍ ... حَكَمُوا لمُنْكِرِهِ بِكُل وَبَالِ
قُالوا: أتُنْكِرُ حُكمَ شَرْعِ مُحَمدٍ؟ ... حَاشَا لِذَا الشّرْعِ الشَّرِيفِ العَالِى
عَجَّتْ فُرُوجُ النَّاسِ، ثُمَّ حُقُوقُهُم ... للهِ بِالبُكُرَاتِ والآصَالِ
كمْ تُسْتَحَلُّ بكل حُكْمٍ بَاطِلٍ ... لا يَرْتَضِيهِ رَبُّنَا المُتَعَالِى
والكلُّ فى قَعْرِ الجَحِيمِ، سِوَى الَّذِى ... يَقْضِى بِدينِ اللهِ، لا لِنَوَالِ
أَوَ مَا سَمِعْتَ بأَنّ ثُلْثَيْهِمْ غَدا ... فى النَّار، فى ذَاكَ الزَّمَانِ الَخْالى؟
وَزَمَانُنَا هذَا، فَرَبُّكَ عَالِمٌ ... هَلْ فيهِ ذَاكَ الثُّلْثُ، أَمْ هُوَ خَالِى؟
يا بَاغِىَ الإِحْسَانِ يَطْلُبُ رَبَّهُ ... لِيَفُوزَ مِنْهُ بِغَايَهِ الآمَالِ
انْظُرْ إلى هدْىِ الصَّحَابَةِ وَالذِى ... كانُوا عَلَيْهِ فى الزَّمَانِ الَخْالِى
واسْلُكْ طَرِيقَ القَوْمِ أَيْنَ تَيَمَّمُوا ... خُذْ يَمْنَةً ما الدَّرْبُ ذَاتَ شِمَالِ
تَاللهِ مَا اخْتَارُوا لأَنْفُسِهمْ سِوَى ... سُبُلِ الهُدَى فى القَوْلِ وَالأفعالِ
دَرَجُوا عَلَى نَهْجٍ الرَّسُولِ وَهَدْيه ... وَبِهِ اقْتَدوْا فى سَائرِ الأحوالِ
نِعْمَ الرَّفِيقُ لِطَالِبٍ يَبْغِى الْهُدى ... فمآلُهُ فى الَحْشْرِ خَيْرُ مآلِ
القَانِتِينَ المُخْبِتينَ لِرَبهِمْ ... النَّاطِقِينَ بأَصْدَقِ الأقوَالِ
التَّارِكِينَ لكل فِعْلٍ منكر ... وَالعَامِلينَ بأَحْسَنِ الأعمَالِ
أَهوَاؤُهُمْ تَبَعٌ لِدينِ نَبِيهمْ ... وَسِوَاهُمُ بِالضِّدَّ فى ذِى الحْالِ
مَا شَانَهُمْ فى دِينْهِمْ نَقْص، وَلا ... فى قَوْلِهمْ شَطْحُ الَجْهُولِ الْغالِى
стр. 241
عَمِلُوا بمَا عَلِمُوا، وَلم يَتَكَلّفُوا ... فَلِذَاكَ مَا شَابُوا الْهُدَى بِضَلالِ
وَسوَاهم بالضد فى الأَمْرَيْنِ، قد ... تَرَكُوا الْهُدَى، وَدَعَوْا لكل ضْلالِ
فَهُمُ الأدِلةُ لِلْحَيارَى، مَنْ يَسرْ ... بهُدَاهُمُ لَمْ يَخْش مِنْ إضْلالِ
وَهُمُ النُّجُومُ هِدَايَةً وإِضاءَةً ... وعُلوَّ مَنْزِلةً، وبُعْدَ مَنالِ
يمْشُونَ بَيْنَ النَّاسِ هَوْناً، نُطْقُهمْ ... بالَحْق، لا بجَهَالَةِ الْجُهَّال
حِلماً، وَعِلْمًا، مَعْ تُقًى وَتَوَاضُعٍ ... ونَصِيحَةٍ، مْعَ رُتبةِ الإفضَالِ
يُحْيُونَ لَيْلَهُمُ بِطَاعَةِ رَبهِمْ ... بِتِلاوَةٍ، وَتَضَرُّعٍ، وَسُؤَالِ
وعُيُونُهُمْ تجْرِى بِفَيْضِ دُمُوعِهِمْ ... مِثْلِ انْهِمَالِ الوَابلِ الهَطَّالِ
فى الَّليْلِ رُهبَانٌ، وَعِنْدَ جِهَادِهِمْ ... لِعَدُوهِمْ مِنْ أَشْجَعِ الأبطالِ
وَإِذَا بَدَا عَلَمُ الرَهَانِ رأَيتَهُمْ ... يَتَسَابَقُونَ بِصَالِح الأعمالِ
بِوُجُوهِهِمْ أَثَرُ السُّجُودِ لِرَبهمْ ... وَبهَا أَشِعَّةُ نُورِهِ المُتَلالى
ولَقدْ أَبَانَ لك الكِتَابُ صِفَاتهِمْ ... فى سُورَةِ الفَتْحِ المبِينِ العَالِى
وَبِرَابِع السبع الطوَالِ صِفَاتهُم ... قَوْمٌ يحُبُّهُمُ ذَوُو إِدْلالِ
وَبَرَاءَةٍ، والْحَشْرِ فِيهَا وَصْفُهُمْ ... وَبِهَلْ أَتَى، وَبسُورَةِ الأنفالِ
فصل
هذا السماع الشيطانى المضادّ للسماع الرحمانى، له فى الشرع بضعة عشر اسما:
اللهو، واللغو، والباطل، والزور، والمكاء، والتصدية، ورقية الزنا، وقرآن الشيطان، ومنبت النفاق فى القلب، والصوت الأحمق، والصوت الفاجر، وصوت الشيطان، ومزمور الشيطان، والسمود:
أسْمَاؤْهُ دَلّتْ عَلَى أَوْصَافِهِ ... تَبَّا لِذى الأَسْمَاءِ والأَوْصَافِ
فنذكر مخازى هذه الأسماء، ووقوعها عليه فى كلام الله وكلام رْسوله والصحابة ليعلم أصحابه وأهله بما به ظفروا، وأى تجارة رابحة خسروا:
стр. 242
فدع صاحب المزمار والدف والغنا ... وما اختاره الله عن طاعة الله مذهبا
ودعه يعش في غيه وضلاله ... على تاتنا يحيا ويبعث أشيبا
وفي تنتنا يوم المعاد نجاته ... إلى الجنة الحمراء يدعى مقربا
سيعلم يوم العرض أي بضاعة ... أضاع، وعند الوزن ما خف أو ربا
ويعلم ما قد كان فيه حياته ... إذا حصلت أعماله كلها هبا
دعاه الهدى والغي من ذا يجيبه؟ ... فقال لداعي الغي: أهلاً ومرحبا
وأعرض عن داعي الهدى، قائلاً له ... هواي إلى صوت المعارف قد صبا
يراع، ودف بالصنوج، وشاهد ... وصوت مغن، صوته يقنص الظبا
إذا ما تغني فالظباء تجيبه ... إلى أن تراها حوله تشبه الدبا
فما شئت من صيد بغير تطارد ... ووصل حبيب كان بالهجر عذبا
فيا آمري بالرشد، لو كنت حاضراً ... لكان توالي اللهو عندك أقربا
فصل
فالاسم الأول: اللهو، ولهو الحديث:
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِى لَهْوَ الَحْدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيِتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ وَإِذَا تُتْلَى عَليْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِى أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [لقمان: ٦ ٧] .
قال الواحدى وغيره: أكثر المفسرين: على أن المراد بلهو الحديث: الغناء، قاله ابن عباس فى رواية سعيد بن جبير ومقسم عنه، وقاله عبد الله بن مسعود، فى رواية أبى الصهباء عنه، وهو قول مجاهد وعكرمة.
وروى ثور بن أبى فاختة عن أبيه عن ابن عباس فى قوله تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦] قال: "هُوَ الرَّجُلُ يَشْتَرِى الَجْارِيَةَ تُغَنِّيهِ لِيْلاً وَنهَارًا"﴾
стр. 243
وقال ابن أبى نجيح عن مجاهد: "هو اشتراء المغنى والمغنية بالمال الكثير، والاستماع إليه، وإلى مثله من الباطل" وهذا قول مكحول.
وهذا اختيار أبى إسحاق أيضاً.
قال: أكثر ما جاء فى التفسير: أن لهو الحديث هاهنا هو الغناء، لأنه يلهى عن ذكر الله تعالى.
قال الواحدى: قال أهل المعانى: ويدخل فى هذا كل من اختار اللهو، والغناء والمزامير والمعازف على القرآن، وإن كان اللفظ قد ورد بالشراء، فلفظ الشراء يذكر فى الاستبدال، والاختيار، وهو كثير فى القرآن. قال: ويدل على هذا: ما قاله قتادة فى هذه الآية "لعله أن لا يكون أنفق مالاً" قال: "وبحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق".
قال الواحدى: وهذه الآية على هذا التفسير تدل على تحريم الغناء، ثم ذكر كلام الشافعى فى رد الشهادة بإعلان الغناء.
قال: وأما غناء القينات: فذلك أشد ما فى الباب، وذلك لكثرة الوعيد الوارد فيه وهو ما روى أن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "مَنِ اسْتَمَعَ إِلَى قَيْنَةٍ صُبَّ فى أُذُنَيْهِ الآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
الآنك: الرصاص المذاب.
وقد جاء تفسير لهو الحديث بالغناء مرفوعاً إلى النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم.
ففى "مسند الإمام أحمد"، "ومسند عبد الله بن الزبير الحميدى"، "وجامع الترمذى" من حديث أبى أمامة، والسياق للترمذى: أن النبى ﷺ قال:"لا تَبِيعُوا الْقينَاتِ، وَلا تَشْتَرُوهُنَّ، وَلا تُعَلِّمُوهُنَّ، وَلا خَيْرَ فى تِجَارَةٍ فِيهِنَّ وَثمَنُهُنَّ حَرَامٌ".
فى مثل هذا نزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ [لقمان: ٦] .
وهذا الحديث وإن كان
стр. 244
مداره على عبيد الله بن زحر عن على بن يزيد الإلهانى عن القاسم، فعبيد الله بن زحر ثقة، والقاسم ثقة، وعلى ضعيف، إلا أن للحديث شواهد ومتابعات، سنذكرها إن شاء الله، ويكفى تفسير الصحابة والتابعين للهو الحديث: بأنه الغناء، فقد صح ذلك عن ابن عباس، وابن مسعود.
قال أبو الصهباء: "سألت ابن مسعود عن قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يشترى لهو الحديث﴾ [لقمان: ٦] فقال: والله الذى لا إله غيره هو الغناء -يرددها ثلاث مرات.
وصح عن ابن عمر رضى الله عنهما أيضاً أنه: [الغناء] .
قال الحاكم أبو عبد الله فى التفسير، من كتاب المستدرك: "ليعلم طالب هذا العلم أن تفسير الصحابى الذى شهد الوحى والتنزيل عند الشيخين: حديث مسند.
وقال فى موضع آخر من كتابه: "هو عندنا فى حكم المرفوع".
وهذا، وإن كان فيه نظر، فلا ريب أنه أولى بالقبول من تفسير من بعدهم، فهم أعلم الأمة بمراد الله من كتابه، فعليهم نزل، وهم أول من خوطب به من الأمة. وقد شاهدوا تفسيره من الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم علماً وعملاً، وهم العرب الفصحاء على الحقيقة، فلا يعدل عن تفسيرهم ما وجد إليه سبيل.
ولا تعارض بين تفسير "لهو الحديث" بالغناء، وتفسيره: بأخبار الأعاجم وملوكها، وملوك الروم، ونحو ذلك مما كان النضر بن الحارث يحدث به أهل مكة، يشغلهم به عن القرآن، فكلاهما لهو الحديث، ولهذا قال ابن عباس: "لهو الحديث: الباطل والغناء".
فمن الصحابة من ذكر هذا، ومنهم من ذكر الآخر، ومنهم من جمعهما.
والغناء أشد لهواً، وأعظم ضرراً من أحاديث الملوك وأخبارهم، فإنه رقية الزنا، ومنبت النفاق، وشرك الشيطان، وخمرة العقل، وصده عن القرآن أعظم من صد غيره من الكلام الباطل، لشدة ميل النفوس إليه، ورغبتها فيه.
إذا عرف هذا، فأهل الغناء ومستمعوه لهم نصيب من هذا الذم بحسب اشتغالهم بالغناء عن القرآن، وإن لم ينالوا جميعه، فإن الآيات تضمنت ذم من استبدل لهو الحديث
стр. 245
بالقرآن ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزواً، وإذا تليى عليه القرآن ولى مستكبراً كأن لم يسمعه، كأن فى أذنيه وقراً، وهو الثقل والصمم، وإذا علم منه شيئاً استهزأ به، فمجموع هذا لا يقع إلا من أعظم الناس كفراً، وإن وقع بعضه للمغنين ومستمعيهم، فلهم حصة ونصيب من هذا الذم.
يوضحه: أنك لا تجد أحداً عنى بالغناء وسماع آلاته، إلا وفيه ضلال عن طريق الهدى، علماً وعملاً، وفيه رغبة عن استماع القرآن إلى استماع الغناء، بحيث إذا عرض له سماع الغناء وسماع القرآن عدل عن هذا إلى ذاك، وثقل عليه سماع القرآن، وربما حمله الحال على أن يسكت القارئ ويستطيل قراءته، ويستزيد المغنى ويستقصر نوبته، وأقل ما فى هذا: أن يناله نصيب وافر من هذا الذم، إن لم يحظ به جميعه
والكلام فى هذا مع من فى قلبه بعض حياة يحس بها. فأما من مات قلبه، وعظمت فتنته، فقد سد على نفسه طريق النصيحة:
﴿وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لهم فِى الدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فى الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١] .
فصل
الاسم الثانى والثالث: الزور، واللغو.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِالَّلغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ [الفرقان: ٧٢] .
قال محمد بن الحنفية: "الزور هاهنا الغناء"، وقاله ليث عن مجاهد، وقال الكلبى: لا يحضرون مجالس الباطل.
واللغو فى اللغة: كل ما يلغى ويطرح، والمعنى: لا يحضرون مجالس الباطل، وإذا مروا بكل ما يلغى من قول وعمل أكرموا أنفسهم أن يقفوا عليه أو يميلوا إليه. ويدخل فى هذا: أعياد المشركين، كما فسرها به السلف، والغناء، وأنواع الباطل كلها.
стр. 246
قال الزجاج: "لا يجالسون أهل المعاصى، ولا يمالئونهم عليها، ومروا مر الكرام الذين لا يرضون باللغو، لأنهم يكرمون أنفسهم عن الدخول فيه، والاختلاط بأهله".
وقد روى أن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: مر بلهو فأعرض عنه، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "إِنْ أَصْبَحَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَكَرِيماً ".
وقد أثنى الله سبحانه على من أعرض عن اللغو إذا سمعه نقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللغو أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [القصص: ٥٥] .
وهذه الآية، وإن كان سبب نزولها خاصاً، فمعناها عام، متناول لكل من سمع لغواً فأعرض عنه، وقال بلسانه أو بقلبه لأصحابه: "لنا أعمالنا ولكم أعمالكم".
وتأمل كيف قال سبحانه ﴿لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] .
ولم يقل: بالزور، لأن يشهدون بمعنى: يحضرون. فمدحهم على ترك حضور مجالس الزور، فكيف بالتكلم به، وفعله؟. والغناء من أعظم الزور.
والزور: يقال على الكلام الباطل، وعلى العمل الباطل، وعلى العين نفسها كما فى حديث معاوية لما أخذ قصة من شعر يوصل به، فقال: "هذا الزور" فالزور: القول، والفعل، والمحل.
وأصل اللفظة من الميل، ومنه الزور بالفتح، ومنه: زرت فلانا، إذا ملت إليه، وعدلت إليه، فالزور: ميل عن الحق الثابت إلى الباطل الذى لا حقيقة له قولاً وفعلاً.
стр. 247
فصل
الاسم الرابع: الباطل.
والباطل: ضد الحق، يراد به المعدوم الذى لا وجود له، والموجود الذى مضرة وجوده أكثر من منفعته.
فمن الأول: قول الموحد: كل إله سوى الله باطل، ومن الثانى قوله: السحر باطل، والكفر باطل، قال تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِن الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء: ٨١] .
فالباطل إما معدوم لا وجود له، وإما موجود لا نفع فيه، فالكفر والفسوق والعصيان والسحر، والغناء، واستماع الملاهى: كله من النوع الثانى.
قال ابن وهب: أخبرنى سليمان بن بلال عن كثير بن زيد: أنه سمع عبيد الله يقول للقاسم بن محمد: "كيف ترى فى الغناء، قال: فقال له القاسم: هو باطل، فقال: قد عرفت أنه باطل، فكيف ترى فيه؟ فقال له القاسم: أرأيت الباطل، أين هو؟ قال: فى النار، قال: فهو ذاك".
وقال رجل لابن عباس رضى الله عنهما: "ما تقول فى الغناء، أحلال هو أم حرام؟ فقال: لا أقول حراماً إلا ما فى كتاب الله. فقال: أفحلال هو؟ فقال: ولا أقول ذلك، ثم قال له: أرأيت الحق والباطل، إذا جاء يوم القيامة، فأين يكون الغناء؟ فقال الرجل: يكون مع الباطل، فقال له ابن عباس: اذهب فقد أفتيت نفسك".
فهذا جواب ابن عباس رضى الله عنهما عن غناء الأعراب، الذى ليس فيه مدح الخمر والزنا واللواط، والتشبيب بالأجنبيات، وأصوات المعازف، والآلات المطربات. [فإن غناء القوم لم يكن فيه شىء من ذلك، ولو شاهدوا هذا الغناء لقالوا] أعظم قول. فإن مضرته وفتنته فوق مضرة شرب الخمر بكثير، وأعظم من فتنته.
فمن أبطل الباطل أن تأتى شريعة بإباحته، فمن قاس هذا على غناء القوم فقياسه من جنس قياس الربا على البيع، والميتة على المذكاة، والتحليل الملعون فاعله على النكاح الذى هو
стр. 248
سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. وهو أفضل من التخلى لنوافل العبادة، فلو كان نكاح التحليل جائزاً فى الشرع لكان أفضل من قيام الليل، وصيام التطوع، فضلاً أن يلعن فاعله.
فصل
وأما اسم المكاء والتصدية.
فقال تعالى عن الكفار: ﴿وَمَا كانَ صَلاَتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥] .
قال ابن عباس، وابن عمر، وعطية، ومجاهد، والضحاك، والحسن، وقتادة: "المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق".
وكذلك قال أهل اللغة: المكاء: الصفير، يقال: مكا، يمكو، مكاء، إذا جمع يديه ثم صفر فيهما، ومنه: مكت است الدابة، إذا خرجت منها الريح بصوت. ولهذا جاء على بناء الأصوات، كالرغاء، والعواء، والثغاء. قال ابن السكيت: الأصوات كلها مضمومة، إلا حرفين: النداء، والغناء.
وأما التصدية: فهى فى اللغة: التصفيق، يقال: صدى يصدى تصدية، إذا صفق بيديه. قال حسان بن ثابت، يعيب المشركين بصفيرهم وتصفيقهم:
ِإذَا قامَ المَلائِكَةُ انْبَعَثْتُمْ ... صَلاتُكُمُ التَّصَدِّى وَالمُكاءُ
وهكذا الأشباه يكون المسلمون فى الصلوات الفرض والتطوع، وهم فى الصفير والتصفيق.
قال ابن عباس رضى الله عنهما: "كانت قريش يطوفون بالبيت عراة، ويصفرون ويصفقون".
وقال مجاهد: "كانوا يعارضون النبى ﷺ فى الطواف ويصفرون ويصفقون، يخلطون عليه صلاته وطوافه"، ونحو ذلك عن مقاتل.
ولا ريب أنهم كانوا يفعلوا هذا وهذا.
стр. 249
فالمتقربون إلى الله بالصفير والتصفيق أشباه النوع الأول، وإخوانهم المخلطون به على أهل الصلاة والذكر والقراءة أشباه النوع الثانى.
قال ابن عرفة، وابن الأنبارى: المكاء والتصدية ليسا بصلاة ولكن الله تعالى أخبر أنهم جعلوا مكان الصلاة التى أمروا بها المكاء والتصدية، فألزمهم ذلك عظيم الأوزار، وهذا كقولك: زرته، فجعل جفائى صلتى، أى أقام الجفاء مقام الصلة.
والمقصود: أن المصفقين والصفارين فى يراع أو مزمار ونحوه فيهم شبه من هؤلاء، ولو أنه مجرد الشبه الظاهر، فلهم قسط من الذم، بحسب تشبههم بهم، وإن لم يتشبهوا بهم فى جميع مكائهم وتصديتهم، والله سبحانه لم يشرع التصفيق للرجال [وقت الحاجة إليه] فى الصلاة إذا نابهم أمر، بل أمروا بالعدول عنه إلى التسبيح، لئلا يتشبهوا بالنساء، فكيف إذا فعلوه لا لحاجة، وقرنوا به أنواعاً من المعاصى قولاً وفعلاً؟.
فصل
وإنما تسميته رقية الزنى:
فهو اسم موافق لمسماه، ولفظ مطابق لمعناه، فليس فى رقى الزنى أنجع منه، وهذه التسمية معروفة عن الفضيل بن عياض.
قال ابن أبى الدنيا: أخبرنا الحسن بن عبد الرحمن قال: قال فضيل بن عياض: "الغناء رقية الزنى".
قال: إبراهيم بن محمد المروزى عن أبى عثمان الليثى قال: قال يزيد بن الوليد: "يا بنى أمية، إياكم والغناء، فإنه ينقص الحياء، ويزيد فى الشهوة، ويهدم المروءة، وإنه
стр. 250
لينوب عن الخمر، ويفعل ما يفعل السكر، فإن كنتم لابد فاعلين فجنبوه النساء، فإن الغناء داعية الزنى".
قال: وأخبرنى محمد بن الفضل الأزدى قال: نزل الحطيئة برجل من العرب، ومعه ابنته مليكة، فلما جنه الليل سمع غناء، فقال لصاحب المنزل: كف هذا عنى، فقال: وما تكره من ذلك؟ فقال: إن الغناء رائد من رادة الفجور، ولا أحب أن تسمعه هذه، يعنى ابنته، فإن كففته وإلا خرجت عنك.
ثم ذكر عن خالد بن عبد الرحمن قال: "كنا فى عسكر سليمان بن عبد الملك، فسمع غناء من الليل، فأرسل إليهم بكرة، فجئ بهم، فقال: إن الفرس ليصهل فتستودق له الرمكة، وإن الفحل ليهدر فتضبع له الناقة، وإن التيس لينبّ فتستحرم له العنز، وإن الرجل ليتغنى فتشتاق إليه المرأة. ثم قال: اخصوهم، فقال عمر بن عبد العزيز: هذه المثلة، ولا تحل، فخل" [سبيلهم قال:] فخلى سبيلهم".
قال: وأخبرنى الحسين بن عبد الرحمن قال: قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: "جاوروا الحطيئة قوماً من بنى كلاب، فمشى ذو النهى منهم بعضهم إلى بعض، وقالوا: يا قوم، إنكم قد رميتم بداهية، هذا الرجل شاعر، والشاعر يَظن فيحقِّق، ولا يستأنى فيتثبت، ولا يأخذ الفضل فيعفو، فأتوه وهو فى فناء خبائه، فقالوا: يا أبا مليكة، إنه قد عظم حقك علينا بتخطيك القبائل إلينا، وقد أتيناك لنسألك عما تحب، فنأتيه، وعما تكره، فنزدجر عنه، فقال: جنبونى ندى مجلسكم، ولا تسمعونى أغانى شبيبتكم. فإن الغناء رقية الزنى".
فإذا كان هذا الشاعر المفتون اللسان، الذى هابت العرب هجاه خاف عاقبة الغناء وأن تصل رقيته إلى حرمته، فما الظن بغيره؟
ولا ريب أن كل غيور يجنب أهله سماع الغناء، كما يجنبهن أسباب الريب، ومن طرق أهله إلى سماع رقية الزنى فهو أعلم بالإثم الذى يستحقه.
следующие страницы →