← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11688

إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان - ت الفقي

ابن القيم

Полный текст (760 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

قال الزجاج: "لا يجالسون أهل المعاصى، ولا يمالئونهم عليها، ومروا مر الكرام الذين لا يرضون باللغو، لأنهم يكرمون أنفسهم عن الدخول فيه، والاختلاط بأهله". وقد روى أن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: مر بلهو فأعرض عنه، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "إِنْ أَصْبَحَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَكَرِيماً ". وقد أثنى الله سبحانه على من أعرض عن اللغو إذا سمعه نقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللغو أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [القصص: ٥٥] . وهذه الآية، وإن كان سبب نزولها خاصاً، فمعناها عام، متناول لكل من سمع لغواً فأعرض عنه، وقال بلسانه أو بقلبه لأصحابه: "لنا أعمالنا ولكم أعمالكم". وتأمل كيف قال سبحانه ﴿لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] . ولم يقل: بالزور، لأن يشهدون بمعنى: يحضرون. فمدحهم على ترك حضور مجالس الزور، فكيف بالتكلم به، وفعله؟. والغناء من أعظم الزور. والزور: يقال على الكلام الباطل، وعلى العمل الباطل، وعلى العين نفسها كما فى حديث معاوية لما أخذ قصة من شعر يوصل به، فقال: "هذا الزور" فالزور: القول، والفعل، والمحل. وأصل اللفظة من الميل، ومنه الزور بالفتح، ومنه: زرت فلانا، إذا ملت إليه، وعدلت إليه، فالزور: ميل عن الحق الثابت إلى الباطل الذى لا حقيقة له قولاً وفعلاً.

стр. 247

فصل الاسم الرابع: الباطل. والباطل: ضد الحق، يراد به المعدوم الذى لا وجود له، والموجود الذى مضرة وجوده أكثر من منفعته. فمن الأول: قول الموحد: كل إله سوى الله باطل، ومن الثانى قوله: السحر باطل، والكفر باطل، قال تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِن الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء: ٨١] . فالباطل إما معدوم لا وجود له، وإما موجود لا نفع فيه، فالكفر والفسوق والعصيان والسحر، والغناء، واستماع الملاهى: كله من النوع الثانى. قال ابن وهب: أخبرنى سليمان بن بلال عن كثير بن زيد: أنه سمع عبيد الله يقول للقاسم بن محمد: "كيف ترى فى الغناء، قال: فقال له القاسم: هو باطل، فقال: قد عرفت أنه باطل، فكيف ترى فيه؟ فقال له القاسم: أرأيت الباطل، أين هو؟ قال: فى النار، قال: فهو ذاك". وقال رجل لابن عباس رضى الله عنهما: "ما تقول فى الغناء، أحلال هو أم حرام؟ فقال: لا أقول حراماً إلا ما فى كتاب الله. فقال: أفحلال هو؟ فقال: ولا أقول ذلك، ثم قال له: أرأيت الحق والباطل، إذا جاء يوم القيامة، فأين يكون الغناء؟ فقال الرجل: يكون مع الباطل، فقال له ابن عباس: اذهب فقد أفتيت نفسك". فهذا جواب ابن عباس رضى الله عنهما عن غناء الأعراب، الذى ليس فيه مدح الخمر والزنا واللواط، والتشبيب بالأجنبيات، وأصوات المعازف، والآلات المطربات. [فإن غناء القوم لم يكن فيه شىء من ذلك، ولو شاهدوا هذا الغناء لقالوا] أعظم قول. فإن مضرته وفتنته فوق مضرة شرب الخمر بكثير، وأعظم من فتنته. فمن أبطل الباطل أن تأتى شريعة بإباحته، فمن قاس هذا على غناء القوم فقياسه من جنس قياس الربا على البيع، والميتة على المذكاة، والتحليل الملعون فاعله على النكاح الذى هو

стр. 248

سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. وهو أفضل من التخلى لنوافل العبادة، فلو كان نكاح التحليل جائزاً فى الشرع لكان أفضل من قيام الليل، وصيام التطوع، فضلاً أن يلعن فاعله. فصل وأما اسم المكاء والتصدية. فقال تعالى عن الكفار: ﴿وَمَا كانَ صَلاَتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥] . قال ابن عباس، وابن عمر، وعطية، ومجاهد، والضحاك، والحسن، وقتادة: "المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق". وكذلك قال أهل اللغة: المكاء: الصفير، يقال: مكا، يمكو، مكاء، إذا جمع يديه ثم صفر فيهما، ومنه: مكت است الدابة، إذا خرجت منها الريح بصوت. ولهذا جاء على بناء الأصوات، كالرغاء، والعواء، والثغاء. قال ابن السكيت: الأصوات كلها مضمومة، إلا حرفين: النداء، والغناء. وأما التصدية: فهى فى اللغة: التصفيق، يقال: صدى يصدى تصدية، إذا صفق بيديه. قال حسان بن ثابت، يعيب المشركين بصفيرهم وتصفيقهم: ِإذَا قامَ المَلائِكَةُ انْبَعَثْتُمْ ... صَلاتُكُمُ التَّصَدِّى وَالمُكاءُ وهكذا الأشباه يكون المسلمون فى الصلوات الفرض والتطوع، وهم فى الصفير والتصفيق. قال ابن عباس رضى الله عنهما: "كانت قريش يطوفون بالبيت عراة، ويصفرون ويصفقون". وقال مجاهد: "كانوا يعارضون النبى ﷺ فى الطواف ويصفرون ويصفقون، يخلطون عليه صلاته وطوافه"، ونحو ذلك عن مقاتل. ولا ريب أنهم كانوا يفعلوا هذا وهذا.

стр. 249

فالمتقربون إلى الله بالصفير والتصفيق أشباه النوع الأول، وإخوانهم المخلطون به على أهل الصلاة والذكر والقراءة أشباه النوع الثانى. قال ابن عرفة، وابن الأنبارى: المكاء والتصدية ليسا بصلاة ولكن الله تعالى أخبر أنهم جعلوا مكان الصلاة التى أمروا بها المكاء والتصدية، فألزمهم ذلك عظيم الأوزار، وهذا كقولك: زرته، فجعل جفائى صلتى، أى أقام الجفاء مقام الصلة. والمقصود: أن المصفقين والصفارين فى يراع أو مزمار ونحوه فيهم شبه من هؤلاء، ولو أنه مجرد الشبه الظاهر، فلهم قسط من الذم، بحسب تشبههم بهم، وإن لم يتشبهوا بهم فى جميع مكائهم وتصديتهم، والله سبحانه لم يشرع التصفيق للرجال [وقت الحاجة إليه] فى الصلاة إذا نابهم أمر، بل أمروا بالعدول عنه إلى التسبيح، لئلا يتشبهوا بالنساء، فكيف إذا فعلوه لا لحاجة، وقرنوا به أنواعاً من المعاصى قولاً وفعلاً؟. فصل وإنما تسميته رقية الزنى: فهو اسم موافق لمسماه، ولفظ مطابق لمعناه، فليس فى رقى الزنى أنجع منه، وهذه التسمية معروفة عن الفضيل بن عياض. قال ابن أبى الدنيا: أخبرنا الحسن بن عبد الرحمن قال: قال فضيل بن عياض: "الغناء رقية الزنى". قال: إبراهيم بن محمد المروزى عن أبى عثمان الليثى قال: قال يزيد بن الوليد: "يا بنى أمية، إياكم والغناء، فإنه ينقص الحياء، ويزيد فى الشهوة، ويهدم المروءة، وإنه

стр. 250

لينوب عن الخمر، ويفعل ما يفعل السكر، فإن كنتم لابد فاعلين فجنبوه النساء، فإن الغناء داعية الزنى". قال: وأخبرنى محمد بن الفضل الأزدى قال: نزل الحطيئة برجل من العرب، ومعه ابنته مليكة، فلما جنه الليل سمع غناء، فقال لصاحب المنزل: كف هذا عنى، فقال: وما تكره من ذلك؟ فقال: إن الغناء رائد من رادة الفجور، ولا أحب أن تسمعه هذه، يعنى ابنته، فإن كففته وإلا خرجت عنك. ثم ذكر عن خالد بن عبد الرحمن قال: "كنا فى عسكر سليمان بن عبد الملك، فسمع غناء من الليل، فأرسل إليهم بكرة، فجئ بهم، فقال: إن الفرس ليصهل فتستودق له الرمكة، وإن الفحل ليهدر فتضبع له الناقة، وإن التيس لينبّ فتستحرم له العنز، وإن الرجل ليتغنى فتشتاق إليه المرأة. ثم قال: اخصوهم، فقال عمر بن عبد العزيز: هذه المثلة، ولا تحل، فخل" [سبيلهم قال:] فخلى سبيلهم". قال: وأخبرنى الحسين بن عبد الرحمن قال: قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: "جاوروا الحطيئة قوماً من بنى كلاب، فمشى ذو النهى منهم بعضهم إلى بعض، وقالوا: يا قوم، إنكم قد رميتم بداهية، هذا الرجل شاعر، والشاعر يَظن فيحقِّق، ولا يستأنى فيتثبت، ولا يأخذ الفضل فيعفو، فأتوه وهو فى فناء خبائه، فقالوا: يا أبا مليكة، إنه قد عظم حقك علينا بتخطيك القبائل إلينا، وقد أتيناك لنسألك عما تحب، فنأتيه، وعما تكره، فنزدجر عنه، فقال: جنبونى ندى مجلسكم، ولا تسمعونى أغانى شبيبتكم. فإن الغناء رقية الزنى". فإذا كان هذا الشاعر المفتون اللسان، الذى هابت العرب هجاه خاف عاقبة الغناء وأن تصل رقيته إلى حرمته، فما الظن بغيره؟ ولا ريب أن كل غيور يجنب أهله سماع الغناء، كما يجنبهن أسباب الريب، ومن طرق أهله إلى سماع رقية الزنى فهو أعلم بالإثم الذى يستحقه.

стр. 251

ومن الأمر المعلوم عند القوم: أن المرأة إذا استصعبت على الرجل اجتهد أن يسمعها صوت الغناء، فحينئذ تعطى الليان. وهذا لأن المرأة سريعة الانفعال للأصوات جداً، فإذا كان الصوت بالغناء، صار انفعالها من وجهين: من جهة الصوت، ومن جهة معناه، ولهذا قال النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لأنجشة حادية: "يَا أَنْجَشَةُ، رُوَيْدَك رِفْقاً بِالْقَوَارِيرِ": يعنى النساء. فأما إذا اجتمع إلى هذه الرقية الدف والشبابة، والرقص بالتخنث والتكسر، فلو حبلت المرأة من غناء لحبلت من هذا الغناء. فلعمر الله، كم من حرة صارت بالغناء من البغايا، وكم من حر أصبح به عبداً للصبيان أو الصبايا، وكم من غيور تبدل به اسماً قبيحاً بين البرايا، وكم من ذى غنى وثروة أصبح بسببه على الأرض بعد المطارف والحشاياً، وكم من معافى تعرّض له فأمسى، وقد حلت به أنواع البلايا، وكم أهدى للمشغوف به من أشجان وأحزان، فلم يجد بدا من قبول تلك الهدايا، وكم جرّع من غصة وأزال من نعمة، وجلب من نقمة، وذلك منه من إحدى العطايا، وكم خبأ لأهله من آلام منتظرة، وغموم متوقعة، وهموم مستقبلة كما قيل: فَسَلْ ذا خِبْرَةٍ يُنْبِيكَ عَنْهُ ... لِتَعْلَم كَمْ خَبَايا فى الزَّوَايَا وَحاذِرْ إذا شُغِفْت بِه سِهَاماً ... مُرَيشَةً بأَهْدَابِ المَنَايَا إِذا مَا خَالَطَتْ قَلْباً كَئِيباً ... يقلب بَينَ أطباقِ الرَّزَايَا وَيُصُبِحُ بَعْدَ أن قَدْ كانَ حُرا ... عَفِيفَ الفَرْجِ: عَبْداً لِلصّبايَا وَيُعْطِى مَنْ بهِ يُغنِى غِنَاءً ... وذلِكَ مِنْهُ مِنْ شَرِّ العَطَايَا فصل وأما تسميته: مُنبت النفاق. فقال على بن الجعد: حدثنا [محمد بن] طلحة عن سعيد بن كعب المروزى عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن ابن مسعود رضى الله عنه قال: "الغناء ينبت النفاق فى القلب كما ينبت الماء الزرع".

стр. 252

وقال شعبة: حدثنا الحكم عن حماد عن إبراهيم قال: قال عبد الله بن مسعود: "الغناء ينبت النفاق فى القلب". وهو صحيح عن ابن مسعود من قوله. وقد روى عن ابن مسعود مرفوعاً رواه ابن أبى الدنيا فى "كتاب ذم الملاهى". قال: أخبرنا عصمة بن الفضل حدثنا حرمى بن عمارة حدثنا سلام بن مسكين حدثنا شيخ عن أبى وائل عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "الْغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فى القَلْبِ كما يُنْبِتُ المَاءُ البَقْلَ". وقد تابع حرمى بن عمارة عليه بهذا الإسناد والمتن مسلم بن إبراهيم. قال أبو الحسين بن المنادى فى كتاب "أحكام الملاهى": حدثنا محمد بن على بن عبد الله بن حمدان المعروف بحمدان الوراق، حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا سلام بن مسكين فذكر الحديث. فمداره على هذا الشيخ المجهول، وفى رفعه نظر، والموقوف أصح. فإن قيل: فما وجه إنباته للنفاق فى القلب من بين سائر المعاصى؟ قيل: هذا من أدل شئ على فقه الصحابة فى أحوال القلوب وأعمالها، ومعرفتهم بأدويتها وأدوائها، وأنهم هم أطباء القلوب، دون المنحرفين عن طريقتهم، الذين داووا أمراض القلوب بأعظم أدوائها، فكانوا كالمدوى من السقم بالسم القاتل، وهكذا والله فعلوا بكثير من الأدوية التى ركبوها أو بأكثرها، فاتفق قلة الأطباء، وكثرة المرَضى، وحدوث أمراض مزمنة لم تكن فى السلف، والعدول عن الدواء النافع الذى ركبه الشارع، وميل المريض إلى ما يقوى مادة المرض، فاشتد المرض وتفاقم الأمر، وامتلأت الدور والطرقات والأسواق من المرضى، قام كل جهول يطبب الناس. فاعلم أن للغناء خواص لها تأثير فى صبغ القلب بالنفاق، ونباته فيه كنبات الزرع بالماء. فمن خواصه: أنه يلهى القلب ويصده عن فهم القرآن وتدبره، والعمل بما فيه، فإن القرآن ينهى عن اتباع الهوى، ويأمر بالعفة، ومجانبة شهوات النفوس، وأسباب الغى، وينهى عن اتباع

стр. 253

خطوات الشيطان، والغناء يأمر بضد ذلك كله، ويحسنه، ويهيج النفوس إلى شهوات الغى فيثير كامنها، ويزعج قاطنها، ويحركها إلى كل قبيح، ويسوقها إلى وصل كل مليحة ومليح، فهو والخمر رضيعا لبان، وفى تهييجهما على القبائح فرساً رهان، فإنه صنو الخمر ورضيعه ونائبه وخليفته، وخدينه وصديقه، عقد الشيطان بينهما عقد الإخاء الذى لا يفسخ، وأحكم بينهما شريعة الوفاء التى لا تفسخ، وهو جاسوس القلوب، وسارق المروءة، وسوس العقل، يتغلغل فى مكامن القلوب، ويطلع على سرائر الأفئدة، ويدب إلى محل التخيل، فيثير ما فيه من الهوى والشهوة والسخافة والرقاعة، والرعونة، والحماقة. فبينا ترى الرجل وعليه سمة الوقار وبهاء العقل، وبهجة الإيمان، ووقار الإسلام، وحلاوة القرآن. فإذا استمع الغناء ومال إليه نقص عقله، وقَلَّ حياؤه، وذهبت مروءته، وفارقه بهاؤه، وتخلى عنه وقاره، وفرح به شيطانه، وشكا إلى الله تعالى إيمانه، وثقل عليه قرآنه، وقال: يا رب لا تجمع بينى وبين قرآن عدوك فى صدر واحد، فاستحسن ما كان قبل السماع يستقبحه، وأبدى من سره ما كان يكتمه، وانتقل من الوقار والسكينة إلى كثرة الكلام والكذب، والزهزهة والفرقعة بالأصابع، فيميل برأسه، ويهز منكبيه، ويضرب الأرض برجليه، ويدق على أم رأسه بيديه، ويثب وثبات الدباب، ويدور دوران الحمار حول الدولاب، ويصفق بيديه تصفيق النسوان، ويخور من الوجد كخوران الثيران، وتارة يتأوه تأوه الحزين، وتارة يزعق زعقات المجانين، ولقد صدق الخبير به من أهله حيث يقول: أتذْكُرُ لَيْلَةً وَقَدِ اجْتَمعْنَا ... عَلَى طِيبِ السَّماعِ إلى الصَّبَاحِ؟ وَدَارَتْ بَيْننَا كأْسُ الأغَانى ... فأَسْكَرَتِ النُّفُوسَ بِغَيْرِ رَاحِ فَلمْ تَرَ فيهِمُ إِلا نَشَاوَى ... سُرُورًا، وَالسُّرُورُ هُنَاك صَاحِى إذَا نَادَى أَخُو الّلذّاتِ فِيهِ ... أَجابَ الّلهْوُ: حَىَّ عَلَى السَّماحِ وَلَمْ نْملِكْ سِوَى المُهَجَاتِ شَيْئاً ... أَرَقْنَاهَا لأَلْحَاظِ المِلاَحِ وقال بعض العارفين: السماع يورث النفاق فى قوم، والعناد فى قوم، والتكذيب فى قوم، والفجور فى قوم، والرعونة فى قوم.

стр. 254

وأكثر ما يورث عشق الصور، واستحسان الفواحش، وإدمانه يثقل القرآن على القلب، ويكرهه إلى سماعه بالخاصية، وإن لم يكن هذا نفاقاً فما للنفاق حقيقة. وسر المسألة: أنه قرآن الشيطان، كما سيأتى، فلا يجتمع هو وقرآن الرحمن فى قلب أبدا. وأيضاً فإن أساس النفاق: أن يخالف الظاهر الباطن، وصاحب الغناء بين أمرين، إما أن يتهتك فيكون فاجراً، أو يظهر النسك فيكون منافقاً، فإنه يظهر الرغبة فى الله والدار الآخرة وقلبه يغلى بالشهوات، ومحبة ما يكرهه الله ورسوله من أصوات المعازف، وآلات اللهو، وما يدعو إليه الغناء ويهيجه، فقلبه بذلك معمور، وهو من محبة ما يحبه الله ورسوله وكراهة ما يكرهه قفر، وهذا محض النفاق. وأيضاً فإن الإيمان قول وعمل: قول الحق، وعمل بالطاعة، وهذا ينبت على الذكر، وتلاوة القرآن. والنفاق: قول الباطل، وعمل البغى، هذا ينبت على الغناء. وأيضاً، فمن علامات النفاق: قلة ذكر الله، والكسل عند القيام إلى الصلاة، ونقر الصلاة، وقل أن تجد مفتوناً بالغناء إلا وهذا وصفه. وأيضاً: فإن النفاق مؤسس على الكذب، والغناء من أكذب الشعر، فإنه يحسن القبيح ويزينه، ويأمر به، ويقبح الحسن ويزهد فيه، وذلك عين النفاق. وأيضاً، فإن النفاق غش ومكر وخداع، والغناء مؤسس على ذلك. وأيضا: فإن المنافق يفسد من حيث يظن أنه يصلح، كما أخبر الله سبحانه بذلك عن المنافقين وصاحب السماع يفسد قلبه وحاله من حيث [يظن] أنه يصلحه. والمغنى يدعو القلوب إلى فتنة الشهوات، والمنافق يدعوها إلى فتنة الشبهات، قال الضحاك: "الغناء مفسدة للقلب، مسخطة للرب". وكتب عمر بن عبد العزيز إلى مؤدب ولده: "ليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهى، التى بدؤها من الشيطان، وعاقبتها سخط الرحمن، فإنه بلغنى عن الثقات من أهل العلم: أن صوت المعازف، واستماع الأغانى، واللهج بها ينبت النفاق فى القلب كما ينبت العشب على الماء".

стр. 255

فالغناء يفسد القلب، وإذا فسد القلب هاج فيه النفاق. وبالجملة. فإذا تأمل البصير حال أهل الغناء، وحال أهل الذكر والقرآن، تبين له حذق الصحابة ومعرفتهم بأدواء القلوب، وأدويتها وبالله التوفيق. فصل وأما تسميته قرآن الشيطان. فمأثور عن التابعين، وقد روى فى حديث مرفوع، قال قتادة: "لما أهبط إبليس قال: يا رب لعنتنى، فما عملى؟ قال: السحر، قال فما قرآنى؟ قال: الشعر، قال: فما كتابى؟ قال: الوشم، قال: فما طعامى؟ قال: كل ميتة، وما لم يذكر اسم الله عليه، قال: فما شرابى؟ قال: كل مسكر، قال: فأين مسكنى؟ قال: الأسواق، قال فما صوتى؟ قال: المزامير، قال: فما مصايدى؟ قال: النساء". هذا والمعروف فى هذا وقفه، وقد رواه الطبرانى فى "معجمه" من حديث أبى أمامة مرفوعاً إلى النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. وقال ابن أبى الدنيا فى كتاب "مكايد الشيطان وحيله" حدثنا أبو بكر التميمى، حدثنا ابن أبى مريم حدثنا يحيى بن أيوب قال حدثنا ابن زحر عن على بن يزيد عن القاسم عن أبى أمامة عن رسول الله صلى الله عليه سلم قال: "إِنّ إِبْليسَ لَمّا أُنْزِلَ إِلَى الأَرْضِ قالَ: يا رب، أَنْزَلْتَنِى إِلى الأَرْضِ، وَجَعَلتَنى رَجِيمِاً، فَاجْعَلْ لِى بَيْتاً، قالَ: الْحَمَّامُ، قالَ: فَاجْعَلْ لِى مَجْلِساَ، قالَ: الأَسْوَاقُ وَمَجَامِعُ الطُّرُقَاتِ، قالَ: فاجْعَلْ لى طَعاماً، قالَ: كُلُّ مَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، قالَ: فاجْعَلْ لى شَرَاباً، قالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ، قالَ: فاجْعَلْ لى مُؤَذِّناً، قالَ: المِزْمَارُ، قالَ: فاجْعَلْ لى قُرْآناً، قَالَ: الشَّعْرُ، قالَ: فاجْعَلْ لى كِتَاباً، قالَ: الوَشْمُ، قالَ: فَاجْعلْ لى حَدِيثاً، قالَ: الْكَذِبُ، قالَ: فاجْعَلْ لِى رُسُلاً، قالَ الْكَهَنَةُ، قالَ: فَاجْعَلْ لِى مَصَايِدَ، قالَ: النِّسَاءُ". وشواهد هذا الأثر كثيرة، فكل جملة منه لها شواهد من السنة، أو من القرآن.

стр. 256

فكون السحر من عمل الشيطان شاهده قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَمَا كَفَرَ سُليمْاَنُ وَلكِنَّ الشّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] . وأما كونه الشعر قرآنه فشاهده: ما رواه أبو داود فى "سننه" من حديث جبير بن مطعم: "أنّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ صلّى اللهُ تعالى عليهِ وآله وسلمَ يُصَلّى، فَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ كَبِيراً، اللهُ أَكْبَرُ كَبِيراً، اللهُ أَكْبَرُ كَبِيراً، الْحْمدُ للهِ كَثِيراً، الْحمْدُ للهِ كَثِيراً، الْحْمدُ للهِ كَثِيراً، وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ثلاثاً أَعوذُ باللهِ مِنَ الشّيْطَان الرَّجِيم: مِنْ نَفْخِهِ، وَنَفْثِه، وَهَمْزِهِ"، قالَ: نَفْثُهُ: الشِّعْرُ، وَنَفْخُهُ: الكِبْرُ، وَهَمْزُهُ: المُوتَهُ. ولما علم الله رسوله القرآن وهو كلامه صانه عن تعليم قرآن الشيطان. وأخبر أنه لا ينبغى له، فقال: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِى لَهُ﴾ [يس: ٦٩] . وأما كون الوشم كتابه، فإنه من عمله وتزيينه، ولهذا لعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "الواشمة والمستوشمة" فلعن الكاتبة والمكتوب عليها. وأما كون الميته ومتروك التسمية طعامه، فإن الشيطان يستحلّ الطعام، إذا لم يذكر عليه اسم الله، ويشارك آكله، والميتة لا يذكر عليها اسم الله تعالى، فهى وكلّ طعام إذا لم يذكر عليه اسم الله من طعامه، ولهذا لما سأل الجنُّ الذين آمنوا برسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الزاد، قال: "لَكمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ". فلم يبح لهم طعام الشياطين، وهو متروك التسمية. وأما كون المسكر شرابه. فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَملِ الشَّيْطَان﴾ [المائدة: ٩٠] . فهو يشرب من الشراب الذى عمله أولياؤه بأمره، وشاركهم فى عمله. فيشاركهم فى عمله وشربه، وإثمه، وعقوبته. وأما كون الأسواق مجلسه ففى الحديث الآخر: "أَنّهُ يَرْكُزُ رَايَتَهُ بِالسُّوقِ" ولهذا يحضره

стр. 257

اللغو واللغط والصخب والخيانة والغش. وكثير من عمله، وفى صفة النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فى الكتب المتقدمة: "أَنّهُ لَيْسَ صَخّابًا بالأَسْوَاقِ". وأما كون الحمام بيته فشاهده كونه غير محل للصلاة، وفى حديث أبى سعيد: "الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إٍلا المَقْبَرَةُ والْحَمَّامُ". ولأنه محل كشف العورات، وهو بيت مؤسس على النار، وهى مادة الشيطان التى خلق منها. وأما كون المزمار مؤذنّه، ففى غاية المناسبة، فإن الغناء قرآنه، والرقص والتصفيق اللذين هما المكاء والتصدية صلاته، فلابد لهذه الصلاة من مؤذن وإمام ومأموم. فالمؤذن المزمار، والإمام المغنى، والمأموم الحاضرون. وأما كون الكذب حديثه، فهو الكاذب، الآمر بالكذب، المزين له، فكل كذب يقع فى العالم فهو تعليمه وحديثه. وأما كون الكهنة رسله، فلأن المشركين يهرعون إليهم، ويفزعون إليهم فى أمورهم العظام، ويصدقونهم، ويتحاكمون إليهم ويرضون بحكمهم، كما يفعل أتباع الرسل بالرسل، فإنهم يعتقدون أنهم يعلمون الغيب، ويخبرون عن المغيبات التى لا يعرفها غيرهم، فهم عند المشركين بهم بمنزلة الرسل، فالكهنة رسل الشيطان حقيقة، أرسلهم إلى حزبه من المشركين وشبههم بالرسل الصادقين، حتى استجاب لهم حزبه، ومثل رسل الله بهم لينفر عنهم، ويجعل رسله هم الصادقين العالمين بالغيب، ولما كان بين النوعين أعظم التضاد قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "مَنْ أَتَى كَاهِناً فَصَدَّقَهُ بَما يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدِ". فإن الناس قسمان: أتباع الكهنة، وأتباع رسل الله، فلا يجتمع فى العبد أن يكون من هؤلاء وهؤلاء، بل يبعد عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بقدر قربه من الكاهن، ويكذب الرسول بقدر تصديقه للكاهن

стр. 258

وقوله: اجعل لى مصايد، قال: مصايدك النساء، فالنساء أعظم شبكة له، يصطاد بهن الرجال، كما سيأتى إن شاء الله تعالى فى الفصل الذى بعد هذا. والمقصود أن: الغناء المحرم قرآن الشيطان. ولما أراد عدو الله أن يجمع عليه نفوس المبطلين قرنه بما يزينه من الألحان المطربة وآلات الملاهى والمعازف، وأن يكون من امرأة جملية، أو صبى جميل. ليكون ذلك أدعى إلى قبول النفوس لقرآنه، تعويضا به عن القرآن المجيد. فصل وأما تسميته بالصوت الأحمق، والصوت الفاجر. فهى تسمية الصادق المصدوق، الذى لا ينطق عن الهوى. فروى الترمذى من حديث ابن أبى ليلى عن عطاء عن جابر رضى الله عنه قال: "خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ تعَالى عليه وَآلهِ وسلمَ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ إِلى النَّخْلِ، فإِذَا ابْنُهُ إِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَوَضَعَهُ فى حِجْرِهِ، ففاضت عَيْنَاهُ، فقَالَ عبد الرحمن: أَتَبْكِى، وَأَنْتَ تَنْهَى النَّاسَ؟ قالَ: إِنِّى لَمْ أَنْهَ عَنِ الْبُكَاءِ، وَإنمَا نَهَيْتُ عَنْ صَوْتَيْنِ أحْمقَيْنِ فَاجِرَيْنِ: صَوْتٍ عِنْدَ نَغَمَةٍ: لْهَوٍ وَلَعِبٍ وَمَزَامِيرَ شيْطَانٍ، وَصَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ: خَمْشِ وُجُوهٍ، وَشَقَّ جُيُوبٍ، وَرَنّةٍ وَهذَا هُوَ رَحْمَةٌ، وَمَنْ لا يَرْحَمُ لا يرحم لَوْلا أَنّهُ أَمْرٌ حَق، وَوَعْدٌ صِدْقٌ، وَأنّ آخِرَناَ سَيَلْحَقُ أوَّلَنَا، لَحَزِنّا عَلَيْكَ حُزْناً هُوَ أَشَدُّ مِنْ هذَا، وَإِنّا بِكَ لمَحْزُونُونَ، تَبْكِى الْعَيْنُ وَيَحزَنُ الْقَلْبُ، وَلا نَقُولُ مَا يُسْخِطُ الرَّبَّ". قال الترمذى: هذا حديث حسن. فانظر إلى هذا النهى المؤكد، بتسميته صوت الغناء صوتا أحمق ولم يقتصر على ذلك، حتى وصفه بالفجور، ولم يقتصر على ذلك حتى سماه من مزامير الشيطان، وقد أقر النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أبا بكر الصديق على تسمية الغناء مزمور الشيطان فى الحديث الصحيح، كما سيأتى، فإن لم يستفد التحريم من هذا لم نستفده من نهى أبدا. وقد اختلف فى قوله "لا تفعل" وقوله "نهيت عن كذا" أيهما أبلغ فى "التحريم"؟

стр. 259

والصواب بلا ريب: أن صيغة "نهيت" أبلغ فى التحريم، لأن "لا تفعل" يحتمل النهى وغيره، بخلاف الفعل لصريح. فكيف يستجيز العارف إباحة ما نهى عنه رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وسماه صوتا أحمق فاجراً، ومزمور الشيطان، وجعله والنياحة التى لعن فاعلها أخوين؟ وأخرج النهى عنهما مخرجاً واحداً، ووصفهما بالحمق والفجور وصفا واحدا. وقال الحسن: "صوتان ملعونان: مزمار عند نغمة، ورنة عند مصيبة". وقال أبو بكر الهذلى: "قلت للحسن: أكان نساء المهاجرات يصنعن ما يصنع النساء اليوم؟ قال: لا، ولكن هاهنا خمش وجوه، وشق جيوب، ونتف أشعار، ولطم خدود، ومزامير شيطان، صوتان قبيحان فاحشان: عند نغمة إن حدثت، وعند مصيبة إن نزلت، ذكر الله المؤمنين فقال: ﴿وَالَّذِينَ فِى أَمْوَالهِمْ حَق مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤-٢٥] . وجعلتم أنتم فى أموالكم حقاً معلوماً للمغنية عند النغمة، والنائحة عند المصيبة. فصل وأما تسميته صوت الشيطان. فقد قال تعالى للشيطان وحِزْبه: ﴿اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا * وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اُسْتَطَعْتُ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فى الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُوراً﴾ [الإسراء: ٦٣-٦٤] . قال ابن أبى حاتم فى تفسيره: حدثنا أبى أخبرنا أبو صالح كاتب الليث حدثنا معاوية بن صالح عن على بن أبى طلحة عن ابن عباس: وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ قال: "كل داع إلى معصية". ومن المعلوم أن الغناء من أعظم الدواعى إلى المعصية، ولهذا فسر صوت الشيطان به. قال ابن أبى حاتم: حدثنا أبى. أخبرنا يحيى بن المغيرة. أخبرنا جرير عن ليث عن مجاهد.

стр. 260

﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اُسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ قال: "استزل منهم من استطعت قال: "وصوته الغناء، والباطل". وبهذا الإسناد إلى جرير عن منصور عن مجاهد قال: "صوته المزامير". ثم روى بإسناده عن الحسن البصرى قال: "صوته هو الدف". وهذه الإضافة إضافة تخصيص، كما أن إضافة الخيل والرجل إليه كذلك، فكل متكلم بغير طاعة الله، ومصوت بيراع أو مزمار، أو دف حرام، أو طبل، فذلك صوت الشيطان، وكل ساع فى معصية الله على قدميه فهو من رجله، وكل راكب فى معصية الله فهو من خيالته، كذلك قال السلف، كما ذكر ابن أبى حاتم عن ابن عباس قال: "رجله كل رجل مشت فى معصية الله". وقال مجاهد: "كل رجل يقاتل فى غير طاعة الله فهو من رجله". وقال قتادة: "إن له خيلاً ورجلاً من الجن والإنس". فصل وأما تسميته مزمور الشيطان. ففى "الصحيحين" عن عائشة رضى الله عنها قالت: "دَخَلَ عَلَىَّ النَّبىُّ ﵌ وَعِنْدِى جَارِيتَانِ تُغَنِّياَنِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ، فَانْتَهَرَنِى، وَقَالَ: مِزْمَارُ الشّيْطَانِ عِنْدَ النَّبىَّ صَلّى اللهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَآلِه وَسَلَّمَ؟ فأَقْبََلَ عَلَيْهِ رسول الله ﷺ فقَالَ: "دَعْهُمَا"، فَلمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا، فخرجن".

стр. 261

فلم ينكر رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على أبى بكر تسميته الغناء مزمار الشيطان، وأقرهما، لأنهما جاريتان غير مكلفتين تغنيان بغناء الأعراب، الذى قيل فى يوم حرب بعاث من الشجاعة، والحرب، وكان اليوم يوم عيد، فتوسع حزب الشيطان فى ذلك إلى صوت امرأة جميلة أجنبية، أو صبى أمرد صوته فتنة، وصورته فتنة، يغنى بما يدعو إلى الزنى والفجور، وشرب الخمور، مع آلات اللهو التى حرمها رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فى عدة أحاديث، كما سيأتى. مع التصفيق والرقص وتلك الهيئة المنكرة التى لا يستحلها أحد من أهل الأوثان، فضلاً عن أهل العلم والإيمان، ويحتجون بغناء جويريتين غير مكلفتين بنشيد الأعراب ونحوها فى الشجاعة ونحوها وفى يوم عيد، بغير شبابة ولا دف، ولا رقص ولا تصفيق، ويدعون المحكم الصريح، لهذا المتشابه وهذا شأن كل مبطل. نعم، نحن لا نحرم ولا نكره مثل ما كان فى بيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على ذلك الوجه، وإنما نحرم وسائر أهل العلم والإيمان السماع المخالف لذلك، وبالله التوفيق.

стр. 262

فصل وأما تسميته بالسمود. فقد قال تعالى: ﴿أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم: ٥٩-٦١] . قال عكرمة عن ابن عباس "السمود: الغناء فى لغة حمير". يقال: اسمُدى لنا، أى غنى لنا، وقال أبو زبيد: وكَأَنَّ العَزِيفَ فِيهَا غِنَاءٌ ... لِلنَّدَامَى مِنْ شَارِبٍ مَسْمُودِ قال أبو عبيدة: "المسمود: الذى غنى له"، وقال عكرمة: "كانوا إذا سمعوا القرآن تغنوا، فنزلت هذه الآية". وهذا لا يناقض ما قيل فى هذه الآية من أن السمود الغفلة والسهو عن الشئ، قال المبرد: هو الاشتغال عن الشئ بهمّ أو فرح يتشاغل به، وأنشد: رَمَى الْحَدَثَانُ نِسْوَةَ آلِ حرْبٍ ... بمِقْدَارٍ سَمَدْنَ لهُ سُمُودَا وقال ابن الأنبارى: السامد اللاهى، والسامد الساهى، والسامد المتكبر، والسامد القائم. وقال ابن عباس فى الآية: "وأنتم مستكبرون". وقال الضحاك: "أشرون بطرون"، وقال مجاهد: "غضاب مبرطمون"، وقال غيره: "لاهون غافلون معرضون". فالغناء يجمع هذا كله ويوجبه. فهذه أربعة عشر اسما سوى اسم الغناء. فصل فى بيان تحريم رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الصريح لآلات اللهو والمعازف وسيأتى الأحاديث فى ذلك. عن عبد الرحمن بن غَنْم قال: حدثنى أبو عامر، أو أبو مالك الأشعرى رضى الله عنهما أنه سمع النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول: "لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِى قَوْمٌ يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ

стр. 263

والْحَرِيرَ وَالْخمَرَ وَالمَعَازِفَ". هذا حديث صحيح، أخرجه البخارى فى "صحيحه" محتجاً به، وعلقه تعليقاً مجزوماً به، فقال: "باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه"، وقال هشام بن عمار: حدثنا صدقة بن خالد حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثنا عطية بن قيس الكلابى حدثنى عبد الرحمن بن غنم الأشعرى حدثنى أبو عامر، أو أبو مالك الأشعرى والله ما كذبنى أنه سمع النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول: "لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتى أقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ والْحَرِيرَ وَالْخَمرَ وَالمَعَازِفَ، وَلَيَنْزِلَنَّ أقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ، يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ، يأْتِيهِمْ لِحَاجَةٍ، فَيَقَوُلُوا اُرْجعْ إِلَيْنَا غَداً، فَيُبَيِّتُهُمُ اللهُ تَعَالى وَيَضَعُ العَلَمَ، وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وخنازير إِلى يوْمِ الْقِيَامَةِ". ولم يصنع من قدح فى صحة هذا الحديث شيئاً، كابن حزم، نصرة لمذهبه الباطل فى إباحة الملاهى، وزعم أنه منقطع، لأن البخارى لم يصل سنده به. وجواب هذا الوهم من وجوه:

стр. 264

أحدها: أن البخارى قد لقى هشام بن عمار وسمع منه، فإذا قال "قال هشام" فهو بمنزلة قوله "عن هشام". الثانى: أنه لو لم يسمع منه فهو لم يستجز الجزم به عنه إلا، وقد صح عنه أنه حدث به. وهذا كثيرا ما يكون لكثرة من رواه عنه عن ذلك الشيخ وشهرته. فالبخارى أبعد خلق الله من التدليس. الثالث: أنه أدخله فى كتابه المسمى بالصحيح محتجاً به، فلولا صحته عنده لما فعل ذلك. الرابع: أنه علقه بصيغة الجزم، دون صيغة التمريض، فإذا توقف فى الحديث أو لم يكن على شرطه يقول: "ويروى عن رسول الله ﷺ ويذكر عنه"، نحو ذلك: فإذا قال: "قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم" فقد جزم وقطع بإضافته إليه. الخامس: أنا لو أضربنا عن هذا كله صفحاً فالحديث صحيح متصل عند غيره. قال أبو داود فى كتاب اللباس: حدثنا عبد الوهاب بن نجدة حدثنا بشر بن بكر عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر حدثنا عطية بن قيس قال: سمعت عبد الرحمن ابن غنم الأشعرى قال حدثنا أبو عامر أو أبو مالك، فذكره مختصراً. ورواه أبو بكر الإسماعيلى فى كتابه الصحيح مسنداً، فقال: أبو عامر ولم يشك. ووجه الدلالة منه: أن المعازف هى آلات اللهو كلها، لا خلاف بين أهل اللغة فى ذلك. ولو كانت حلالا لما ذمهم على استحلالها، ولما قرن استحلالها باستحلال الخمر والخزّ. فإن كان بالحاء والراء المهملتين، فهو استحلال الفروج الحرام. وإن كان بالخاء والزاى المعجمتين فهو نوع من الحرير، غير الذى صح عن الصحابة رضى الله عنهم لبسه. إذ الخز نوعان أحدهما: من حرير. والثانى: من صوف. وقد روى هذا الحديث بالوجهين. وقال ابن ماجه فى "سننه": حدثنا عبد الله بن سعيد حدثنا معن بن عيسى عن معاوية بن صالح عن حاتم بن حريث عن ابن أبى مريم عن عبد الرحمن بن غنم الأشعرى عن أبى مالك الأشعرى رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِى الْخمْرَ،

стр. 265

يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا، يُعْزَفُ عَلَى رُءُوسِهِمْ بِالمَعَازِفِ وَالمُغَنَيِّاَتِ، يَخْسِفُ اللهُ بِهمُ الأَرْضَ، وَيَجْعَلُ مِنْهُمْ قِرَدَةً وخنازير". وهذا إسناد صحيح. وقد توعد مستحلى المعازف فيه بأن يخسف الله بهم الأرض، ويمسخهم قردة وخنازير. وإن كان الوعيد على جميع هذه الأفعال، فلكل واحد قسط فى الذم والوعيد. وفى الباب عن سهل بن سعد الساعدى، وعمران بن حصين، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس، وأبى هريرة، وأبى أمامة الباهلى، وعائشة أم المؤمنين، وعلى بن أبى طالب، وأنس بن مالك، وعبد الرحمن بن سابط، والغازى بن ربيعة رضى الله عنهم. ونحن نسوقها لتقربّها عيون أهل القرآن، وتشجى بها حلوق أهل سماع الشيطان. فأما حديث سهل بن سعد، فقال ابن أبى الدنيا: أخبرنا الهيثم بن خارجة حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبى حازم عن سهل بن سعد الساعدى قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "يَكُونُ فِى أُمَّتِى خَسْفٌ وَقَذْفٌُ وَمَسْخٌ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَتَى؟ قَالَ: إِذَا ظَهَرَتِ المَعَازفُ والْقَيْنَاتُ وَاسْتُحِلَّتِ الخْمرَةُ". وأما حديث عمران بن حصين فرواه الترمذى من حديث الأعمش عن هلال ابن يساف عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "يكون فى أمتى قذف وخسف ومسخ، فقال رجل من المسلمين: متى ذاك، يا رسول الله؟ قال: إذا ظهرت القيان، والمعازف، وشربت الخمور" قال الترمذى: هذا حديث غريب. وأما حديث عبد الله بن عمرو، فروى أحمد فى "مسنده" وأبو داود عنه أن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "إِنّ اللهَ تَعَالى حَرَّمَ عَلَى أُمَّتِى الْخْمرَ وَالمَيْسِرَ والْكُوبَةَ وَالْغُبَيرَاءَ وكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ". وفى لفظ آخر لأحمد: "إن الله حرم على أمتى الخمر والميسر والمزِر والكوبة والقِنِّين".

стр. 266

وأما حديث ابن عباس ففى المسند أيضاً: عنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "إن الله حرم الخمر والميسر والكوبة وكل مسكر حرام" والكوبة الطبل. قاله سفيان وقيل: البربط، والقنين: هو الطنبور بالحبشية، والتقنين: الضرب به، قاله ابن الأعرابى. وأما حديث أبى هريرة رضى الله عنه. فرواه الترمذى عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "إِذَا اتُّخِذَ الْفَئُْ دُوَلاً، وَالأَمَانَةُ مَغْنَماً، والزَّكَاةُ مَغْرَماً، وَتُعُلَّمَ الْعِلْمُ لِغَيْر الدِّين، وَأَطَاعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ، وَعَقَّ أُمَّهُ، وأَدْنَى صَدِيقَهُ، وأُقْصَى أبَاهُ، وظَهَرَتِ الأصْوَاتُ فى المسَاجدِ، وسَادَ الْقَبيلَةَ فَاسِقُهُمْ، وَكانَ زَعِيمَ الْقَوْمِ أَرْذَلُهُمْ، وَأُكْرِمَ الرَّجُلُ مخَافَةَ شَرِّهِ، وَظَهَرَتِ الْقَيْنَاتُ وَالمَعَازِفُ، وشُرِبَتِ الْخَمْرُ، وَلَعَنَ آخِرُ هذِهِ الأُمَّةِ أَوَّلهَا، فَلْيَرْ تَقِبُوا عِنْدَ ذلِكَ رِيحاً حَمْرَاءَ، وَزَلْزَلَةً وَخَسْفاً، وَمَسْخاً، وَقَذفاً، وآيَاتٍ تتابع كَنِظَامٍ بَالٍ قُطِعَ سِلْكُهُ فَتَتَابَعَ". قال الترمذى: هذا حديث حسن غريب. وقال ابن أبى الدنيا: حدثنا عبد الله بن عمر الجشمى حدثنا سليمان بن سالم أبو داود حدثنا حسان بن أبى سنان عن رجل عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يُمْسَخُ قَوْمٌ مِنْ هذِهِ الأُمَّةِ فى آخِر الزَّمَانِ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ. قالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَيْسَ يَشْهَدُونَ أَنْ لا إِلُهَ إِلا اللهُ، وَأَنّ مُحمَّداً رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ: بَلَى، وَيصُومُونَ وَيُصَلُّونَ، وَيَحجُّونَ، قِيلَ: فَمَا بَالُهُمْ؟ قَالَ: اتَّخَذُوا المَعَازِفَ وَالدُّفُوفَ والْقَيْنَاتِ، فَبَاتُوا عَلَى شُرْبهِمْ وَلهْوِهِمْ، فَأَصْبَحُوا وَقَدْ مُسِخُواَ قِرَدَةً وخَنَازِيرَ". وأما حديث أبى أمامة الباهلى فهو فى "مسند" أحمد والترمذى عنه عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "تبِيتُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى عَلَى أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَلَهْوٍ وَلَعِبٍ، ثُمَّ يُصْبِحُونَ قِرَدَةً وخَنَازِيرَ، وَيُبْعَثُ عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ أَحْيَائهِمْ رِيحٌ، فَيَنْسِفُهُمْ كما نَسَفَ مَنْ كان قَبْلَكمْ، بِاسْتِحْلالَهمُ الْخَمْرَ، وَضَرْبهِمْ بِالدُّفُوفِ، وَاتِّخَاذِهمُ الْقَيْنَاتِ". فى إسناده فرقد السبخى، وهو

стр. 267

من كبار الصالحين. ولكنه ليس بقوى فى الحديث، وقال الترمذى: تكلم فيه يحيى بن سعيد وقد روى عنه الناس. وقال ابن أبى الدنيا: حدثنا عبد الله بن عمر الجشمى حدثنا جعفر بن سليمان حدثنا فرقد السبخى حدثنا قتادة عن سعيد بن المسيب قال: وحدثنى عاصم بن عمرو البجلى عن أبى أمامة عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "يَبِتِ قَوْمٌ مِنْ هذِهِ الأُمَّةِ عَلَى طُعْمٍ، وَشُرْبٍ وَلهْوٍ، فَيُصْبِحُونَ وَقَدْ مُسِخُوا قِرَدَةْ وَخَنَازِيرَ، وَلَيُصِيبَنَّهُمْ خَسْفٌ وَقَذْفٌ حَتَّى يُصْبِحَ النَّاسُ فَيَقُولُونَ: خُسِفَ الَّليْلَهَ بِدَارِ فُلاَنٍ، خُسِفَ الَّليْلَةَ بِبَنى فُلاَنٍ، وَلُيْرسَلَنَّ عَلَيْهِمْ حِجَارَةٌ مِنَ السَّماءِ كما أُرْسِلَتْ عَلَى قَوْمِ لُوطٍ، على قبائل فيها، وعَلَى دُورٍ فِيهَا، وَلَيُرْسَلَنَّ عَلَيْهِمْ الرِّيحُ الْعَقِيمُ الّتِى أَهْلَكَتْ عَادًا، بِشُرْبهِمْ الْخَمر، وَأَكْلِهمْ الرِّبَا، وَاتِّخاذِهِمُ القَيْنَاتِ، وَقَطِيعَتِهُمُ الرَّحِمَ". وفى "مسند" أحمد من حديث عبيد الله بن زحر عن على بن يزيد عن القاسم عن أبى أمامة عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "إِنَّ اللهَ بَعَثَنِى رَحْمَةً وَهُدىً لِلْعَالمِينَ، وَأَمَرَنى أنْ أَمْحَقَ المَزَامِيرَ وَالْكِبَارَاتِ يَعْنِى البَرَابِطَ، وَالمَعَازِفَ وَالأَوْثَانَ، الّتِى كانَتْ تُعْبَدُ فى الْجَاهِلِيَّةِ". قال البخارى: عبيد الله بن زحر ثقة، وعلى بن يزيد ضعيف، والقاسم بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن ثقة. وفى الترمذى و"مسند" أحمد بهذا الإسناد بعينه: أن النبى صلى الله تعالي عليه وآله وسلم قال: "لا تَبِيعُوا الْقَيْنَاتِ، وَلا تَشْتَرُوهُنَّ، وَلا تُعَلّمُوهُنَّ، وَلا خَيْرَ فى تَجِارَةٍ فِيهِنَّ، وَثمَنُهُنَّ حَرَامٌ". وفى مثل هذا نزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِى لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ... الآية﴾ [لقمان: ٦] .

стр. 268

وأما حديث عائشة رضى عنها فقال ابن أبى الدنيا: حدثنا الحسن بن محبوب حدثنا أبو النضر هاشم بن القاسم، حدثنا أبو معشر عن محمد بن المنكدر عن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "يكون فى أمتى خسف ومسخ وقذف، قالت عائشة: يا رسول الله، وهم يقولون لا إله إلا الله؟ فقال: إذا ظهرت القينات، وظهر الزنى، وشربت الخمر، ولبس الحرير، كان ذا عند ذا". وقال ابن أبى الدنيا أيضاً: حدثنا محمد بن ناصح حدثنا بقية بن الوليد عن يزيد ابن عبد الله الجهنى حدثنى أبو العلاء عن أنس بن مالك أنه دخل على عائشة رضى الله عنها ورجل معه، فقال لها الرجل: "يا أم المؤمنين، حدثينا عن الزلزلة، فقالت: إذا استباحوا الزنى، وشربوا الخمر، وضربوا بالمعازف، غار الله فى سمائه، فقال: تزلزلى [بهم] ، فإن تابوا وفزعوا وإلا هدمتها عليهم، قال قلت: يا أم المؤمنين، أعذاب لهم؟ قالت: بل موعظة ورحمة وبركة للمؤمنين، ونكال وعذاب وسخط على الكافرين"، قال أنس: "ما سمعت حدثياً بعد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنا أشد به فرحاً منى بهذا الحديث". وأما حديث على فقال ابن أبى الدنيا أيضاً: حدثنا الربيع بن تغلب حدثنا فرج ابن فضالة عن يحيى بن سعيد عن محمد بن على عن على رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﵌: "إِذَا عَمِلَتُ أُمَّتِى خَمْسَ عَشْرَةَ خصلَةً حَلَّ بهَا الْبَلاَءُ، قِيلَ: يَا رَسُول اللهِ وَمَا هُنَّ؟ قالَ: إِذَا كَانَ المَغْنَمُ دُوَلا، وَالأَمَانَةُ مَغْنَماً، وَالزَّكاةُ مِغْرَماً، وَأَطَاع الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ وَعَق أُمَّهُ، وَبَرَّ صَدِيقَهُ وَجَفَا أَبَاهُ، وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ فى المَسَاجِدِ، وَكَانَ زَعِيمُ الْقَوْمِ أَرْذَلَهُمْ، وَأُكْرِمَ الرَّجُلُ مَخَافَةَ شَرِّهِ، وَشُرِبَتِ الْخُمُورُ، وَلُبِسَ الَحْرِيرُ، وَاتُّخِذَتِ الْقِيَانُ، وَلَعَنَ آخِرُ هذِهِ الأُمَّةِ أَوَّلَهَا، فَلْيَرْتَقِبُوا عِنْدَ ذلِكَ رِيحاً حَمْراءَ وَخَسْفاً وَمَسْخاً". حدثنا عبد الجبار بن عاصم قال: حدثنا أبو طالب قال حدثنا إسماعيل ابن عياش عن عبد الرحمن التميمى عن عباد بن أبى على عن على رضى الله عنه رضى الله عنه عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه قال: " تمسخ طائفة من أمتى قردة وطائفة خنازير، ويخسف بطائفة، ويرسل على طائفة الريح العقيم، بأنهم شربوا الخمر، ولبسوا الحرير واتخذوا القيان، وضربوا بالدفوف".

стр. 269

وأما حديث أنس رضى الله عنه فقال ابن أبى الدنيا: حدثنا أبو عمرو هارون ابن عمر القرشى حدثنا الخصيب بن كثير عن أبى بكر الهذلى عن قتادة عن أنس رضى الله عنه قال: قال رسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "ليكونن فى هذه الأمة خسف وقذف ومسخ، ذلك إذا شربوا الخمور، واتخذوا القينات، وضربوا بالمعازف". قال: وأخبرنا أبو إسحاق الأزدى حدثنا إسماعيل بن أبى أويس حدثنى عبد الرحمن [بن زيد] بن أسلم عن أحد ولد أنس بن مالك، وعن غيره، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "لَيَبِيتَنَّ رِجَالٌ عَلَى أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَعَزْفٍ، فَيُصْبِحُونَ عَلَى أَرَائِكِهمْ مَمْسُوخِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ". وأما حديث عبد الرحمن بن سابط فقال ابن أبى الدنيا: أخبرنا إسحاق بن إسماعيل حدثنا جرير، عن أبان بن تغلب عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن سابط قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "يكون فى أمتى خسف وقذف ومسخ، قالوا: فمتى ذاك، يا رسول الله؟ قال: إذا أظهرت المعازف، واستحلوا الخمور". وأما حديث الغازى بن ربيعة. فقال ابن أبى الدنيا حدثنا: عبد الجبار بن عاصم حدثنا إسمعيل بن عياش عن عبيد الله بن عبيد عن أبى العباس الهمدانى عن عمارة بن راشد عن الغازى بن ربيعة رفع الحديث قال: "ليمسخن قوم وهم على أريكتهم قردة وخنازير، بشربهم الخمر، وضربهم بالبرابط والقيان". قال ابن أبى الدنيا: وحدثنا عبد الجبار بن عاصم قال حدثنى المغيرة بن المغيرة عن صالح بن خالد رفع ذلك إلى النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه قال: "ليستحلن ناس من أمتى الحرير والخمر والمعازف، وليأتين الله على أهل حاضر منهم عظيم بجبل حتى ينبذه عليهم ويمسخ آخرون قردة وخنازير". قال ابن أبى الدنيا: حدثنا هارون بن عبيد الله، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا أشرس أبو شيبان الهذلى قال: قلت لفرقد السبخى: أخبرنى يا أبا يعقوب، من تلك الغرائب التى قرأت فى التوراة، فقال: "يا أبا شيبان، والله ما أكذب على ربى، مرتين أو ثلاثاً، لقد قرأت

стр. 270

فى التوراة: ليكونن مسخ وخسف وقذف فى أمة محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فى أهل القبلة، قال: قلت، يا أبا يعقوب ما أعمالهم؟ قال: باتخاذهم القينات، وضربهم بالدفوف، ولباسهم الحرير والذهب، ولئن بقيت حتى ترى أعمالاً ثلاثة، فاستيقن واستعد واحذر. قال قلت: ما هى؟ قال: إذا تكافأ الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، ورغبت العرب فى ابنه العجم، فعند ذلك. قلت له: العرب خاصة؟ قال: لا؛ بل أهل القبلة، ثم قال: والله ليقذفن رجال من السماء بحجارة يشدخون بها فى طرقهم وقبائلهم. كما فعل بقوم لوط، وليمسخن آخرون قردة وخنازير، كما فعل ببنى إسرائيل وليخسفن بقوم كما خسف بقارون". وقد تظاهرت الأخبار بوقوع المسخ فى هذه الأمة، وهو مقيد فى أكثر الأحاديث بأصحاب الغناء، وشرَّاب الخمر، وفى بعضها مطلق. قال سالم بن أبى الجعد: "ليأتين على الناس زمان يجتمعون فيه على باب رجل ينتظرون أن يخرج إليهم، فيطلبون إليه حاجتهم، فيخرج إليهم وقد مسخ قردا أو خنزيرا، وليمرن الرجل على الرجل، حانوته يبيع فيرجع إليه وقد مسخ قردا أو خنزيرا". وقال أبو هريرة رضى الله عنه: "لا تقوم الساعة حتى يمشى الرجلان إلى الأمر يعملانه فيمسخ أحدهما قرداً أو خنزيراً، فلا يمنع الذى نجا منهما ما رأى بصاحبه أن يمضى إلى شأنه ذلك حتى يقضى شهوته، وحتى يمشى الرجلان إلى الأمر يعملانه، فيخسف بأحدهما، فلا يمنع الذى نجا منهما ما رأى بصاحبه أن يمشى لشأنه ذلك، حتى يقضى شهوته منه". وقال عبد الرحمن بن غنم: "سيكون حيان متجاورين، فيشق بينهما نهر، فيستقيان منه، قبسهم واحد، يقبس بعضهم من بعض، فيصبحان يوماً من الأيام قد خسف بأحدهما والآخر حى". وقال عبد الرحمن بن غنم أيضاً: "يوشك أن يقعد اثنان على رحا يطحنان فيمسخ أحدهما والآخر ينظر".

стр. 271

وقال مالك بن دينار: "بلغنى أن ريحا تكون فى آخر الزمان وظُلَم، فيفزع الناس إلى علمائهم، فيجدونهم قد مسخوا". قال بعض أهل العلم: إذا اتصف القلب بالمكر والخديعة والفسق، وانصبغ بذلك صبغاً تاما، صار صاحبه على خلق الحيوان الموصوف بذلك: من القردة، والخنازير، وغيرهما، ثم لا يزال يتزايد ذلك الوصف فيه حتى يبدو على صفحات وجهه بدوا خفياً ثم يقوى ويتزايد حتى يصير ظاهراً على الوجه، ثم يقوى حتى يقلب الصورة الظاهرة، كما قلب الهيئة الباطنة، ومن له فراسة تامة يرى على صور الناس مسخا من صور الحيوانات التى تخلقوا بأخلاقها فى الباطن، فقل أن ترى محتالاً مكاراً مخادعاً ختارا إلا وعلى وجهه مسخة قرد، وقل ترى رافضيا إلا وعلى وجهه مسخة خنزير، وقل أن ترى شرها نهما، نفسه نفس كلبية إلا وعلى وجهه مسخة كلب. فالظاهر مرتبط بالباطن أتم ارتباط، فإذا استحكمت الصفات المذمومة فى النفس قويت على قلب الصورة الظاهرة، ولهذا خوف النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من سابق الإمام فى الصلاة بأن يجعل الله صورته صورة حمار، لمشابهته للحمار فى الباطن، فإنه لم يستفد بمسابقة الإمام إلا فساد صلاته، وبطلان أجره، فإنه لا يسلم قبله، فهو شبه الحمار فى البلادة، وعدم الفطنة. إذا عرف هذا فأحق الناس بالمسخ هؤلاء الذين ذكروا فى هذه الأحاديث، فهم أسرع الناس مسخاً قردة وخنازير، لمشابهتهم لهم فى الباطن، وعقوبات الرب تعالى نعوذ بالله منها جارية على وفق حكمته وعدله. وقد ذكرنا شبه المغذين والمفتونين بالسماع الشيطانى، ونقضناها نقضا وإبطالا فى كتابنا الكبير فى السماع، وذكرنا الفرق بين ما يحركه سماع الأبيات وما يحركه سماع الآيات،

стр. 272

وذكرنا الشبهة التى دخلت على كثير من العباد فى حضوره حتى عدوه من القرب فمن أحب الوقوف على ذلك فهو مستوفى فى ذلك الكتاب، وإنما أشرنا ههنا إلى نبذة يسيرة فى كونه من مكايد الشيطان، وبالله التوفيق. فصل ومن مكايده التى بلغ فيها مرادة: مكيدة التحليل، الذى لعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فاعله، وشبهه بالتيس المستعار، وعظم بسببه العار والشنار، وعير المسلمين به الكفار، وحصل بسببه من الفساد مالا يحصيه إلا رب العباد واستكريت له التيوس المستعارات، وضاقت به ذرعا النفوس الأبيات، ونفرت منه أشد من نفارها من السفاح وقالت: لو كان هذا نكاحاً صحيحاً لم يلعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من أتى بما شرعه من النكاح، فالنكاح سنته، وفاعل السنة مقرب غير ملعون، والمحلل مع وقوع اللعنة عليه بالتيس المستعار مقرون، فقد سماه رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بالتيس المستعار، وسماه السلف بمسمار النار، فلو شاهدت الحرائر المصونات، على حوانيت المحللين متبذلات، تنظر المرأة إلى التيس نظرة الشاة إلى شفرة الجازر، وتقول: يا ليتنى قبل هذا كنت من أهل المقابر، حتى إذا تشارطا على ما يجلب اللعنة والمقت، نهض واستتبعها خلفه للوقت، بلا زفاف ولا إعلان، بل بالتخفى والكتمان، فلا جهاز ينقل، ولا فراش إلى بيت الزوج يحول، ولا صواحب يهدينها إليه، ولا مصلحات يجلينها عليه، ولا مهر مقبوض ولا مؤخر ولا نفقة ولا كسوة تقدر، ولا وليمة ولا نثار، ولا دف إعلان ولا شعار، والزوج يبذل المهر وهذا التيس يطأ بالأجر، حتى إذا خلا بها وأرخى الحجاب، والمطلق والولى واقفان على الباب، دنا ليطهرها بمائه النجس الحرام، ويطيبها بلعنة الله ورسوله ﵊، حتى إذا قضيا عرس التحليل، ولم يحصل بينهما المودة والرحمة التى ذكرها الله تعالى فى التنزيل. فإنها لا تحصل باللعن الصريح، ولا يوجبها إلا النكاح الجائر الصحيح. فإن كان قد قبض أجرة ضرابه سلفاً وتعجيلاً، وإلا حبسها حتى تعطيه أجره طويلاً. فهل سمعتم بزوج لا يأخذ بالساق

стр. 273

حتى يأخذ أجرته بعد الشرط والاتفاق؟ حتى إذا طهرها وطيبها، وخلصها بزعمه من الحرام وجنبها. قال لها: اعترفى بما جرى بيننا ليقع عليك الطلاق، فيحصل بعد ذلك بينكما الالتئام والاتفاق، فتأتى المصخمة إلى حضرة الشهود فيسألونها: هل كان ذاك؟ فلا يمكنها الجحود، فيأخذون منها أو من المطلق أجراً، وقد أرهقوهما من أمرهما عسراً هذا، وكثير من هؤلاء المستأجرين للضراب يحلل الأم وابنتها فى عقدين، ويجمع ماءه فى أكثر من أربع وفى رحم أختين، وإذا كان هذا من شأنه وصفته، فهو حقيق بما رواه عبد الله ابن مسعود رضى الله تعالى عنه قال: (لَعَنَ رَسولُ اللهِ ﷺ المُحَلِّلَ وَالمُحَلَّلَ لَهُ". رواه الحاكم فى الصحيح والترمذى وقال: حديث حسن صحيح، قال: والعمل عليه عند أهل العلم. منهم: عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عمر رضى الله عنهم، وهو قول الفقهاء من التابعين. ورواه الإمام أحمد فى "مسنده"، والنسائى فى "سننه" بإسناد صحيح، ولفظهما "لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْوَاشِمَةَ والمُؤْتَشِمَةَ، وَالوَاصِلَةَ وَالمَوْصُولَةَ، وَالمُحَلِّلَ وَالمُحَلِّلَ لَهُ، وَآكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ". وفى "مسند الإمام أحمد"، و"سنن النسائى" أيضاً: عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال: "آكِلُ الرِّبَا ومُوكِلُهُ وشَاهِدُهُ وكَاتِبُهُ، إِذَا عَلِمُوا بِهِ، والوَاصِلَةُ وَالمُسْتَوْصِلَةُ، وَلاوِى الصَّدَقةِ والمُعْتَدِى فِيهَا، والمُرْتَدُّ عَلَى عَقِبَيْهِ أعْرَابِيا بَعْدَ هِجْرَتِهِ، والمحلل وَالمُحَلِّلُ لَه: مَلْعُونُونَ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". وعن على بن أبى طالب رضى الله عنه عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم "أنه لعن المحلل له"، رواه الإمام أحمد وأهل السنن كلهم غير النسائى. وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم

стр. 274

"لعن الله المحلل والمحلل له" رواه الإمام أحمد بإسناد رجاله كلهم ثقات، وثقهم ابن معين وغيره. وقال الترمذى فى كتاب "العلل": سألت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخارى عن هذا الحديث؟ فقال: هو حديث حسن، وعبد الله بن جعفر المخزومي صدوق ثقة، وعثمان بن محمد الأخنسي ثقة. وقال أبو عبد الله بن ماجه فى سننه: حدثنا محمد بن بشار حدثنا أبو عامر عن زمعة بن صالح عن سلمة بن وهران عن عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: "لعن رسول الله ﷺ المحلِّل والمحلَّل له". وعن ابن عباس أيضاً قال: "سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ تعالى عليهِ وآله وسلم عَنِ المُحَلَّلِ؟ فقَال: لا، إِلا نِكاحَ رَغْبَةٍ، لا نِكاحَ دِلْسَةٍ وَلا اسْتِهْزَاءً بِكِتَابِ اللهِ، ثمَّ تَذوقُ العُسَيْلَةَ". رواه أبو إسحاق الجوزجانى فى كتاب المترجم قال: أخبرنى إبراهيم بن إسماعيل ابن أبى جبيبة عن داود بن حصين عن عكرمة عنه، وهؤلاء كلهم ثقات إلا إبراهيم، فإن كثيراً من الحفاظ يضعفه والشافعى حسن الرأى فيه، ويحتج بحديثه. وعن عقبة بن عامر رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "أَلا أخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ المُسْتَعَارِ؟ قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: هُوَ المُحَلِّلُ. لَعَنَ اللهُ المُحَلِّلَ وَالمَحَلَّلَ لَهُ". رواه ابن ماجه بإسناد رجاله كلهم موثقون، لم يجرح واحد منهم. وعن عمرو بن دينار وهو من أعيان التابعين: "أنه سئل عن رجل طلق امرأته، فجاء رجل من أهل القرية، بغير علمه ولا علمها فأخرج شيئاً من ماله فتزوجها ليحلها له، فقال لا، ثم ذكر أن النبى ﷺ سئل عن مثل ذلك فَقَالَ: "لا، حَتَّى يَنْكِحَ مُرْتَغِباً لِنَفْسِه، فإذَا فَعَلَ ذلِكَ لَمْ تَحِل لَهُ حَتَّى يَذُوقُ العُسَيْلَةَ". ورواه أبو بكر بن أبى شيبة فى المصنف بإسناد جيد. وهذا المرسل قد احتج به من أرسله، فدل على ثبوته عنده، وقد عمل به أصحاب رسول الله ﷺ كما سيأتى، وهو موافق لبقية الأحاديث الموصولة، ومثل هذا حجة

стр. 275

باتفاق الأئمة، وهو والذى قبله نص فى التحليل المنوى، وكذلك حديث نافع عن ابن عمر رضى الله عنهما: "أن رجلاً له: امرأة تزوجتها أحلها لزوجها، لم يأمرنى، ولم يعلم؟ قال: لا. إلا نكاح رغبة، إن أعجبتك أمسكتها وإن كرهتها فارقتها، وإن كنا لنعد هذا على عهد رسول الله ﷺ سفاحاً" ذكره شيخ الإسلام فى إبطال التحليل. فصل وأما الآثار عن الصحابة. ففى كتاب "المصنف" لابن أبى شيبة، و"سنن" الأثرم، و"الأوسط" لابن المنذر، عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال: "لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما". ولفظ عبد الرزاق وابن المنذر: "لا أوتى بمحلل ولا محللاً إلا رجمتهما" وهو صحيح عن عمر. وقال عبد الرزاق: عن معمر عن الزهرى عن عبد الملك بن المغيرة قال: "سئل ابن عمر رضى الله تعالى عنهما عن تحليل المرأة لزوجها؟ فقال: ذاك السفاح"، ورواه ابن أبى شيبة. وقال عبد الرزاق: أخبرنا الثورى عبد الله بن شريك العامرى، قال: سمعت ابن عمر رضى الله تعالى عنهما: "سئل عن رجل طلق ابنة عم له، ثم رغب فيها وندم، فأراد أن يتزوجها رجل يحللها له، فقال ابن عمر رضى الله عنهما: كلاهما زان، وإن مكث عشرين سنة، أو نحو ذلك، إذا كان الله يعلم أنه يريد أن يحلها له". قال وأنبأنا معمر والثورى عن الأعمش عن مالك بن الحارث عن ابن عباس رضى الله عنهما وسأله رجل فقال: "إن عمى طلق امرأته ثلاثاً؟ فقال: إن عمك عصى الله فأندمه، وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجاً، قال: كيف ترى فى رجل يحللها؟ قال: من يخادع الله يخدعه".

стр. 276

وعن سليمان بن يسار قال: "رفع إلى عثمان رضى الله عنه رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها، ففرق بينهما، وقال: لا ترجع إليه إلا بنكاح رغبة غير دلسة". رواه أبو إسحق الجورجانى فى "كتاب المترجم"، وذكره ابن المنذر عنه فى كتاب الأوسط". وفى "المهذب" لأبى إسحق الشيرازى، عن أبى مرزوق التجيبى: "أن رجلاً أتى عثمان رضى الله عنه فقال: إن جارى طلق امرأته فى غضبه، ولقى شدة، فأردت أن أحتسب نفسى ومالى، فأتزوجها" ثم أبنى بها ثم أطلقها فترجع إلى زوجها الأول، فقال له عثمان رضى الله عنه: لا تنكحها إلا نكاح رغبة". وذكر أبو بكر الطرطوشى فى خلافه عن يزيد بن أبى حبيب عن على بن أبى طالب رضى الله عنه فى المحلل: "لا ترجع إليه إلا بنكاح رغبة غير دلسة ولا استهزاء بكتاب الله"، وعلى رضى الله عنه هو ممن روى عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "أنه لعن المحلل"، فقد جعل هذا من التحليل. وروى ابن أبى شيبة فى "مصنفه" عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: "لعن الله المحلل والمحلل له"، وهو ممن روى عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لعن المحلل. وقد فسره بما قصد به التحليل وإن لم تعلم به المرأة، فكيف بما اتفقا عليه وتراضياً وتعاقدا على أنه نكاح لعنة لا نكاح رغبة؟ وذكر ابن أبى شيبة عن ابن عمر رضى الله عنهما قال: "لعن الله المحلل والمحلل له". وروى الجوزجانى بإسناد جيد عن ابن عمر رضى الله عنهما: "أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها، فقال: لعن الله الحال والمحلل له". قال شيخ الإسلام: وهذه الآثار عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن عباس، وابن عمر رضى الله عنهم مع أنها نصوص فيما إذا قصد التحليل ولم يظهره، ولم يتواطآ عليه فهى مبينة أن هذا هو التحليل، وهو المحلل الملعون على لسان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فإن أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أعلم بمراده ومقصوده. لاسيما إذا رووا حديثا وفسروه بما يوافق الظاهر. هذا مع أنه لم يعلم أن أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فرق بين تحليل وتحليل، ولا رخصوا فى شىء من أنواعه، مع أن المطلقة

стр. 277

ثلاثاً مثل امرأة رفاعة القرظى قد كانت تختلف إليه المدة الطويلة: وإلى خلفائه لتعود إلى زوجها، فيمنعونها من ذلك. ولو كان التحليل جائزاً لدلها رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على ذلك، فإنها لم تكن تعدم من يحللها، لو كان التحليل جائزاً. قال: والأدلة الدالة على أن هذه الأحاديث النبوية قصد بها التحليل وإن لم يشترط فى العقد كثير جدا ليس هذا موضع ذكرها، انتهى. ذكر الآثار عن التابعين قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن قتادة قال: "إذا نوى الناكح، أو المنكح، أو المرأة، أو أحد منهم التحليل. فلا يصلح". أخبرنا ابن جريج قال: قلت لعطاء: "المحلل عامداً، هل عليه عقوبة؟ قال: ما علمت، وإنى لأرى أن يعاقب" قال: وكلهم إن تمالئووا على ذلك مستوون، وإن أعظموا الصداق". أخبرنا معمر عن قتادة قال: "إن طلقها المحلل فلا يحل لزوجها الأول أن يقربها إذا كان نكاحه على وجه التحليل". أخبرنا ابن جريج قال: قلت لعطاء: "فطلق المحلل، فراجعها زوجها؟ قال: يفرق بينهما". أخبرنا معمر عمن سمع الحسن يقول، فى رجل تزوج امرأة يحللها ولا يعلمها؟ فقال الحسن: "اتق الله، ولا تكن مسمار نار فى حدود الله". قال ابن المنذر: وقال إبراهيم النخعى: "إذا كان نية أحد الثلاثة: الزوج الأول، أو الزوج الآخر، أو المرأة: أنه محلل، فنكاح الآخر باطل، ولا تحل للأول".

стр. 278

[قال: وقال الحسن البصرى: "إذا هم أحد الثلاثة بالتحليل فقد أفسد"] . قال: وقال بكر بن عبد الله المزنى فى الحال والمحلل له: "أولئك كانوا يسمون فى الجاهلية: التيس المستعار". قال: وقال عبد الله بن أبى نجيح عن مجاهد فى قوله تعالى: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠] . قال: "إن ظنا أن نكاحهما على غير دلسة" ورواه ابن أبى حاتم فى التفسير عنه. وقال هشيم: أخبرنا سيار عن الشعبى: "أنه سئل عن رجل تزوج امرأة كان زوجها طلقها ثلاثاً قبل ذلك: أيطلقها لترجع إلى زوجها الأول؟ فقال: لا، حتى يحدث نفسه أنه يعمر معها وتعمر معه" أى تقيم معه، رواه الجوزجانى. وروى عن النفيلى، حدثنا يحيى بن عبد الملك بن أبى غنية، حدثنا عبد الملك عن عطاء: "فى الرجل يطلق المرأة، فينطلق الرجل الذى يتحزن له، فيتزوجها من غير مؤامرة منه، فقال: إن كان تزوجها ليحلها له لم تحل له، وإن كان تزوجها يريد إمساكها، فقد حلت له". وقال سعيد بن المسيب: "فى رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها الأول، ولم يشعر بذلك زوجها الأول ولا المرأة، قال: إن كان إنما نكحها ليحلها، فلا يصلح ذلك لهما، ولا تحل له" رواه حرب فى مسائله. وعنه أيضاً قال: "إن الناس يقولون: حتى يجامعها، وأنى أقول: إذا تزوجها تزويجا صحيحاً لا يريد بذلك إحلالها، فلا بأس أن يتزوجها الأول" رواه سعيد ابن منصور عنه. فهؤلاء الأئمة الأربعة أركان التابعين، وهم: الحسن، وسعيد بن المسيب، وعطاء بن أبى رباح وإبراهيم النخعى. وقال أبو الشعثاء جابر بن زيد: "فى رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها الأول، وهو لا يعلم، قال لا يصلح ذلك، إذا كان تزوجها ليحلها".

стр. 279

ذكر الاثار عن تابعى التابعين ومن بعدهم قال ابن المنذر: وممن قال: إن ذلك لا يصلح إلا نكاح رغبة: مالك بن أنس، والليث بن سعد، وقال مالك رحمة الله: "يفرق بينهما على كل حال وتكون الفرقة فسخاً بغير طلاق". وقال سفيان الثورى: "إذا تزوجها، وهو يريد أن يحلها لزوجها، ثم بدا له أن يمسكها لا يعجبنى إلا أن يفارق، ويستقبل نكاحاً جديداً". قال أحمد بن حنبل: "جيد". وقال إسحاق: "لا يحل له أن يمسكها، لأن المحلل لم تتم له عقدة النكاح". وكان أبو عبيد يقول بقول الحسن والنخعى. وقال الجوزجانى: حدثنا إسماعيل بن سعيد قال: سألت أحمد بن حنبل عن الرجل تزوج المرأة وفى نفسه أن يحللها لزوجها الأول ولم تعلم المرأة بذلك؟ فقال: "هو محلل، وإذا أراد بذلك الإحلال فهو ملعون". قال الجوزجانى: وبه قال أيوب. وقال ابن أبى شيبة: "لست أرى أن ترجع بهذا النكاح إلى زوجها الأول". قال الجوزجانى: وأقول: إن الإسلام دين الله الذى اختاره واصطفاه، وطهره، حقيق بالتوقير والصيانة مما لعله يشينه، وينزه مما أصبح أبناء الملل من أهل الذمة يعيرون به المسلمين، على ما تقدم فيه من النهى عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ولعنه عليه، ثم ساق الأحاديث المرفوعة فى ذلك والآثار. فصل ومن العجائب معارضة هذه الأحاديث والآثار عن الصحابة بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلّقَهَا فَلاَ تَحِلّ لهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] . والذى أنزلت عليه هذه الآية

стр. 280

هو الذى لعن المحلل والمحلل له، وأصحابه أعلم الناس بكتاب الله تعالى: فلم يجعلوه زوجاً وأبطلوا نكاحه، ولعنوه. وأعجب من هذا قول بعضهم: نحن نحتج بكونه سماه "محللاً" فلولا أنه أثبت الحل لم يكن محللاً. فيقال: هذه من العظائم، فإن هذا يتضمن أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لعن من فعل السنة التى جاء بها، وفعل ما هو جائز صحيح فى شريعته، وإنما سماه محللاً لأنه أحل ما حرم الله، فاستحق اللعنة، فإن الله سبحانه حرمها على المطلق، حتى تنكح زوجاً غيره، والنكاح اسم فى كتاب الله وسنة رسوله للنكاح الذى يتعارفه الناس بينهم نكاحاً، وهو الذى شرع إعلانه، والضرب عليه بالدفوف، والوليمة فيه، وجعل للإيواء والسكن، وجعله الله مودة ورحمة، وجرت العادة فيه بضد ما جرت به فى نكاح المحلل، فإن المحلل لم يدخل على نفقة ولا كسوة، ولا سكنى، ولا إعطاء مهر، ولا تحصل نسب ولا صهر، ولا قصد المقام مع الزوجة، وإنما دخل عارية كالتيس المستعار للضراب، ولهذا شبهه به النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ثم لعنه، فعلم قطعاً [لا شك فيه أنه ليس هو الزوج المذكور فى القرآن، ولا نكاحه هو النكاح المذكور فى القرآن، وقد فطر الله سبحانه قلوب الناس على أن هذا] ليس بنكاح، ولا المحلل بزوج، وأن هذا منكر قبيح تعير به المرأة والزوج، والمحلل والولى، فكيف يدخل هذا فى النكاح الذى شرعه الله ورسوله، وأحبه، وأخبر أنه سنته، ومن رغب عنه فليس منه؟ وتأمل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلّقَهَا فَلا جُنَاحِ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] . أى فإن طلقها هذا الثانى، فلا جناح عليها وعلى الأول أن يتراجعا، أى ترجع إليه بعقد جديد، فأتى بحرق "إن" الدالة على أنه يمكنه أن يطلق وأن يقيم، والتحليل الذى يفعله هؤلاء لا يتمكن الزوج فيه من الأمرين، بل يشرطون عليه أنه متى وطئها فهى طالق، ثم لما علموا أنه قد لا يخبر بوطئها ولا يقبل قولها فى وقوع الطلاق، انتقلوا إلى أن جعلواً الشرط إخبار المرأة بأنه دخل بها، فبمجرد إخبارها بذلك تطلق عليه، والله سبحانه أنه شرع النكاح للوصلة الدائمة

стр. 281

وللاستمتاع، وهذا النكاح جعله أصحابه سبباً لا نقطاعه، ولوقوع الطلاق فيه، فإنه متى وطئ كان وطؤه سبباً لانقطاع النكاح، وهذا ضد شرع الله. وأيضا. فإن الله سبحانه جعل نكاح الثانى وطلاقه واسمه كنكاح الأول وطلاقه واسمه. فهذا زوج، وهذا زوج، وهذا نكاح، وهذا نكاح، وكذلك الطلاق، ومعلوم أن نكاح المحلل وطلاقه واسمه لا يشبه نكاح الأول ولا طلاقه، ولا اسمه كاسمه، ذاك زوج راغب، قاصد للنكاح. باذل للمهر، ملتزم للنفقة والسكنى والكسوة وغير ذلك من خصائص النكاح، والمحلل برئ من ذلك كله، غير ملتزم لشئ منه. وإذا كان الله تعالى ورسوله قد حرّم نكاح المُتْعة مع أن قصد الزوج الاستمتاع بالمرأة، وأن يقيم معها زماناً، وهو ملتزم لحقوق النكاح، فالمحلل الذى ليس له غرض أن يقيم مع المرأة إلا قدر ما ينزُو عليها كالتيس المستعار لذلك ثم يفارقها أولى بالتحريم. وسمعت شيخ الإسلام يقول: نكاح المتعة خير من نكاح التحليل من عشرة أوجه: أحدها: أن نكاح المتعة كان مشروعاً فى أول الإسلام، ونكاح التحليل لمُ يشرع فى زمن من الأزمان. الثانى: أن الصحابة تمتعوا على عهد النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، ولم يكن فى الصحابة محلل قط. الثالث: أن نكاح المتعة مختلف فيه بين الصحابة، فأباحه ابن عباس، وإن قيل: إنه رجع عنه، وأباحه عبد الله بن مسعود. ففى "الصحيحين" عنه قال: "كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ تعالى عليه وآله وسلم، وَلَيْسَ لَنَا نِسَاءٌ، فَقُلْنَا: أَلا نَخْتَصِى؟ فَنَهانَا عَنْ ذلِكَ، ثُمَّ رَخّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ المَرْأَةَ بِالثّوْبِ إِلى أَجَلٍ". ثم قرأ عبد الله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طيِّبَاتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] . وَفتْوَى ابن عباس بها مشهورة. قال عُروة: "قام عبد الله بن الزبير بمكة فقال: إن ناساً أعمى الله قلوبهم، كما أعمى أبصارهم، يفتون بالمتعة يُعرِّض بعبد الله بن عباس، فناداه، فقال: إنك لجِلْفُ جافٍ، فلعمرى لقد كانت المتعة تُفعل على عهد إمام المتقين، يريد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم،

стр. 282

فقال له ابن الزبير: فجرّبْ نفسك، فو الله لئن فعلتها لأرجمنَّك بأحجارك". فهذا قول ابن مسعود وابن عباس فى المتعة، وذاك قولهما وروايتهما فى نكاح التحليل. الرابع: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لم يجئ عنه فى لعن المستمتع والمستمتع بها حرف واحد، وجاء عنه فى لعن المحلل والمحلل له، وعن الصحابة: ما قد تقدم. الخامس: أن المستمتع له غرض صحيح فى المرأة، ولها غرض أن تقيم معه مدة النكاح. فغرضه المقصود بالنكاح مدة، والمحلل لا غرض له سوى أنه مستعار للضراب كالتيس. فنكاحه غير مقصود له، ولا للمرأة، ولا للولى، وإنما هو كما قال الحسن: "مسمار نار فى حدود الله" وهذه التسمية مطابقة للمعنى. قال شيخ الإسلام: يريد الحسن: أن المسمار هو الذى يثبت الشئ المسمور، فكذلك هذا يثبت تلك المرأة لزوجها، وقد حرمها الله عليه. السادس: أن المستمتع لم يحتل على تحليل ما حرم الله، فليس من المخادعين الذين يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان، بل هو ناكح ظاهراً وباطنا، والمحلل ماكر مخادع، متخذ آيات الله هزواً. ولذلك جاء فى وعيده ولعنه ما لم يجئ فى وعيد المستمتع مثله، ولا قريب منه. السابع: أن المستمتع يريد المرأة لنفسه، وهذا هو سر النكاح ومقصوده، فيريد بنكاحه حلها له، ولا يطؤها حراماً، والمحلل لا يريد حلها لنفسه، وإنما يريد حلها لغيره، ولهذا سمى محللاً، فأين من يريد أن يحُل له وَطء امرأة يخاف أن يطأهاً حراماً إلى من لا يريد ذلك، وإنما يريد بنكاحها أن يحُل وطأها لغيره؟ فهذا ضد شرع الله ودنيه، وضد ما وُضع له النكاح. الثامن: أن الفِطَر السليمة والقلوب التى لم يتمكن منها مرض الجهل والتقليد تنفر من التحليل أشد نفار، وتُعِّير به أعظم تعيير، حتى إن كثيراً من النساء تعير المرأة به أكثر مما تعيرها بالزنا، ونكاح المتعة لا تنفر منه الفطر والعقول، ولو نفرت منه لم يُبَح فى أول الإسلام. التاسع: أن نكاح المتعة يشبه إجارة الدابة مدة للركوب، وإجارة الدار مدة للانتفاع

стр. 283

والسكنى، وإجارة العبد للخدمة مدة، ونحو ذلك، مما للباذل فيه غرض صحيح. ولكن لما دخله التوقيت أخرجه عن مقصود النكاح، الذى شرع بوصف الدوام والاستمرار، وهذا بخلاف نكاح المحلل، فإنه لا يشبه شيئاً من ذلك، ولهذا شبهه الصحابة رضى الله عنهم بالسفاح، وشبهوه باستعارة التيس للضراب. العاشر: أن الله سبحانه نصب هذه الأسباب، كالبيع والإجارة، والهبة والنكاح، مفْضِيةً إلى أحكام جعلها مسببات لها ومقتضيات، فجعل البيع سببا لملك الرَّقبة، والاجارة سبباً لملك المنفعة أو الانتفاع، والنكاح سبباً لملك البضع وحل الوطء. والمحلل مناقضٌ معاكس لشرع الله تعالى ودينه، فإنه جعل نكاحه سبباً لتمليك المطلق- البضع وإحلاله له، ولم يقصد بالنكاح ما شرعه الله له من ملكه هو للبضع، وحله له، ولا له غرض فى ذلك، ولا دخل عليه. وإنما قصد به أمراً آخر لم يشرع له ذلك السبب، ولم يجعل طريقاً له. الحادى عشر: أن المحلل من جنس المنافق، فإن المنافق يظهر أنه مسلم ملتزم لعقد الإسلام ظاهراً وباطنا، وهو فى الباطن غير ملتزم له. وكذلك المحلل يظهر أنه زوج، وأنه يريد النكاح، ويسمى المهر، ويشهد على رضى المرأة، وفى الباطن بخلاف ذلك، لا يريد أن يكون زوجاً، ولا أن تكون المرأة زوجة له، ولا يريد بذل الصداق، ولا القيام بحقوق النكاح، وقد أظهر خلاف ما أبطن، وأنه مريد لذلك. والله يعلم والحاضرون والمرأة وهو، والمطلق: أن الأمر كذلك، وأنه غير زوج على الحقيقة، ولا هى امرأته على الحقيقة. الثانى عشر: أن نكاح المحلل لا يشبه نكاح أهل الجاهلية، ولا نكاح أهل الإسلام، فكان أهل الجاهلية يتعاطون فى أنكحتهم أموراً منكرة، ولم يكونوا يرضون نكاح التحليل، ولا يفعلونه. ففى "صحيح البخارى" عن عروة بن الزبير أن عائشة رضى الله عنها أخبرته: "أن النكاح فى الجاهلية كان على أربعة أنحاء: فنكاح منها نكاح الناس اليوم: يخطب الرجل إلى الرجل وليَّته أو ابنته، فيصدقها ثم ينكحها". و"نكاح آخر: كان الرجل يقول لامرأته، إذا طهرت من طمثها: أرسلى إلى فلان، فاستبضعى منه، فيعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا، حتى يتبين حملها من ذلك الرجل، الذى تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك

стр. 284

رغبة فى نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع، ونكاح آخر: يجتمع الرهط مادون العشرة، فيدخلون على المرأة، كلهم يصيبها فإذا حملت ووضعت ومرَّ ليالى بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع، حتى يجتمعوا عندها، فتقول لهم: قد عرفتم الذى كان من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان، تسمى من أحبت باسمه، فيلحق به ولدها، لا يستطيع أن يمتنع منه، ونكاح رابع: يجتمع الناس الكثير، فيدخلون على المرأة، ولا تمنع من جاءها، وهن البغايا. كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علماً، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن فوضعت حملها جمعوا لها ودعوا لهم القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذى يرون فالتاط به ودعى ابنه لا يمتنع من ذلك. فلما بعث الله تعالى محمداً صلى الله تعالي عليه وآله وسلم بالحق هدم نكاح الجاهلية كله، إلا نكاح الناس اليوم. ومعلوم أن نكاح المحلل ليس من نكاح الناس الذى أشارت إليه عائشة رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أقره ولم يهدمه، ولا كان أهل الجاهلية يرضون به، فلم يكن من أنكحتهم، فإن الفطر والأمم تنكره وتعير به. فصل وسبب هذا كله: معصية الله ورسوله، وطاعة الشيطان فى إيقاع الطلاق على غير الوجه الذى شرعه الله، والله سبحانه يبغض الطلاق فى الأصل، كما روى أبو داود من حديث عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "أَبْغَضُ الْحَلالِ إِلَى الله تَعَالَى الطَّلاقُ". وفى سنن ابن ماجه من حديث أبى موسى رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "مَا بَالُ قَوْمٍ يلْعَبُونَ بحُدُودِ اللهِ يَقُولُ: قدْ طَلَّقْتُكِ، قدْ رَاجَعْتُكِ، قَدْ طَلّقْتُكِ". وفى "صحيح" مسلم عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فأَدْنَاهُمْ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِىءُ

стр. 285

أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا فيقَولُ: مَا صَنَعْتُ شَيئاً، قالَ: وَيَجِىء أَحَدُهُمْ، فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِه، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ، أَوْ قَالَ فَيَلْتَزِمُهُ، ويَقُولُ: نَعَمْ أَنْتَ أَنْتَ". فالشيطان وحزبه قد أغروا بإيقاع الطلاق، والتفريق بين المرء وزوجه، وكثيراَ ما يندم المطلق، ولا يصبر عن امرأته، ولا تطاوعه نفسه أن يصبر عنها إلى أن تتزوج زواج رغبة تبقى فيه مع الزوج إلى أن يموت عنها أو يفارقها إذا قضى منها وطره، ولابد له من المرأة، فيهرع إلى التحليل وهو حيلة من عشر حيل نصبوها للناس. إحداها: التحيل على عدم وقوع الطلاق، وهو نوعان، تحيل على عدم وقوعه مع صحة النكاح بالتسريح، فيأمرونه أن يقول لها: إذا طلقتك، أو إذا وقع عليك طلاقى، فأنت طالق قبله ثلاثا، فلا يمكن أن يقع عليها الطلاق بعد هذا، لا مطلقاً ولا مقيدا عن المسرحين، فسدوا باب الطلاق وجعلوا المرأة كالغل فى عنق الزوج، لا سبيل له إلى طلاقها أبدا. الحيلة الثانية: التحيل على عدم وقوع الطلاق، يكون النكاح فاسداً، فلا يقع فيه الطلاق، ويتحيلون لبيان فساده من وجوه: منها: أن عدالة الولى شرط فى صحته، فإذا كان فى الولى ما يقدح فى عدالته، فالنكاح باطل، فلا يقع فيه الطلاق، والقوادح كثيرة، فلا تكاد تفتش فيمن شئت إلا وجدت فيه قادحاً. ومنها: أن عدالة الشهود شرط، والشاهد يفسق بجلوسه على مقعد حرير، أو استناده إلى مسند حرير، أو جلوسه تحت حركاة حرير، أو تجمره بمجمرة فضة، ونحو ذلك، مما لا يكاد يخلو البيت منه وقت العقد ونحو ذلك. فيا للعجب، يكون الوطء حلالا، والنسب لاحقاً، والنكاح صحيحاً حتى يقع الطلاق، فحينئذ يطلب وجوه إفساده. الحيلة الثالثة: التحيل بالمخالعة، حتى يفعل المحلوف عليه، فإذا فعله تزوجها بعقد جديد. الحيلة الرابعة: إذا وقع الفأس فى الرأس، وحنث، ولابد، اشترى غلاماً دون البلوغ
следующие страницы →