Полный текст (760 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
المحتج به. ولو تأمل طرق الحديث وكيف وقعت القصة لم يحتج به. فإن الثلاث المذكورة فيه لم تكن مجموعة، وإنما كان قد طلقها تطليقتين من قبل ذلك ثم طلقها آخر الثلاث، هكذا جاء مصرحاً به فى الصحيح.
فروى مسلم فى صحيحه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة "أنا أبا عمرو بن حفص بن المغيرة خرج مع على بن أبى طالب رضى الله عنه إلى اليمن، فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها، وأمر لها الحارث بن هشام وعياش بن أبى ربيعة بنفقة، فقالا لها: والله مالك نفقة إلا أن تكونى حاملاً. فأتت النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "فَذَكَرْتْ لَهُ قَوْلَهُمَا فَقاَلَ: لا نَفَقَةَ لَكِ" وسَاق الحديث بطوله.
فهذا المفسر يبين ذلك المجمل، وهو قوله "طلقها ثلاثاً".
وقال الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن أبى سلمة عن فاطمة بنت قيس: أنها أخبرته "أنها كانت تحت أبى حفص بن المغيرة، وأن أبا حفص بن المغيرة طلقها آخر ثلاث تطليقات" وساق الحديث ذكره أبو داود ثم قال: وكذلك رواه صالح بن كيسان، وابن جريج وشعيب بن أبى حمزة، كلهم عن الزهرى. ثم ساق من طريق عبد الرزاق عن معمر عن
стр. 317
الزهرى عن عبيد الله قال: "أَرْسَلَ مَرْوَانْ إلَى فَاطِمَةَ فَسأَلهَا فَأَخْبَرَتْهُ أنّهَا كانَتْ عِنْدَ أبى حَفْصِ ابْنِ المُغِيرَةِ، وَكَانَ النَّبىُّ صلى الله تعالَى عليه وآله وسلم أمَّرَ عَلِىَّ بْنَ أبى طَالِبٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ عَلَى بَعْضِ الْيَمَنِ، فَخَرَجَ مَعَهُ زَوْجُها فَبَعَثَ إلَيْهَا بِتَطْلِيقَةٍ كَانتْ بَقِيتْ لهَا".
وذكر الحديث بتمامه، والواسطة بين مروان وبينها هو قبيصة بن ذؤيب. كذلك ذكره أبو داود فى طريق أخرى.
فهذا بيان حديث فاطمة بنت قيس.
قالوا: ونحن أخذنا به جميعه ولم نخالف شيئاً منه إذ كان صحيحاً صريحاً لا مطعن فيه ولا معارض له. فمن خالفه فهو محتاج إلى الاعتذار.
وقد جاء هذا الحديث بخمسة ألفاظ "طلقها ثلاثاً" و "طلقها ألبتة" و "طلقها آخر ثلاث تطليقات" و "أرسل إليها بتطليقة كانت بقيت لها" و "طلقها ثلاثاً جميعاً".
هذه جملة ألفاظ الحديث، وبالله التوفيق.
فأما اللفظ الخامس وهو قوله "طلقها ثلاثاً جميعاً" هذه القصة عن الشعبى. ولم يقل ذلك عن الشعبى غيره مع كثرة من روى هذه القصة عن الشعبى.
فتفرد مجالد على ضعفه من بينهم بقوله "ثلاثاً جميعاً" وعلى تقدير صحته فالمراد به: أنه اجتمع لها التطليقات الثلاث، لا أنها وقعت بكلمة واحدة، فإذا طلقها آخر ثلاث صح أن يقال طلقها ثلاثا جميعاً. فإن هذه اللفظة يراد بها تأكيد العدد وهو الأغلب عليها، لا الاجتماع فى الآن الواحد لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ من فِى الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ [يونس: ٩٩] .
فالمراد حصول الإيمان من الجميع لا إيمانهم كلهم فى آن واحد، سابقهم ولاحقهم.
فصل
وكذلك ما ذكروه من حديث عائشة رضى الله عنها: "أنّ رَجُلاً طلق امْرَأَتَهُ ثَلاثاً، فَسُئِلَ النّبىُّ صلّى الله تَعالى عليهِ وآلِه وسلَم: هل تحل لِلأَوَّلِ؟ فقال: لا" الحديث.
هو حق يجب المصير إليه لكن ليس فيه أنه طلقها ثلاثاً بفم واحد، فلا تدخلوا فيه ما ليس فيه.
وقولكم: "ولم يستفصل" جوابه: أن الحال قد كان عندهم معلوما، وأن الثلاث إنما
стр. 318
تكون ثلاثاً، واحدة بعد واحدة، وهذا مقتضى اللغة والقرآن والشرع والعرف كما بينا. فخرج الكلام على المفهوم المتعارف من لغة القوم.
فصل
وأما ما اعتمد عليه الشافعى من طلاق الملاعن ثلاثاً بحضرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ولم ينكره، فلا دليل فيه. لأن الملاعنة يحرم عليه إمساكها وقد حرمت تحريما مؤبدا، فما زاد الطلاق الثلاث هذا التحريم الذى هو مقصود اللعان إلا تأكيداً وقوة، وهذا جواب شيخنا ﵀.
وقال ابن المنذر: وقد ذكر الأدلة على تحريم جمع الطلاق الثلاث، وأنه بدعة ثم قال: وأما ما اعتل به من رأى أن مطلق الثلاث فى مرة واحدة مطلق للسنة بحديث العجلانى. فإنما أوقع الطلاق عنده على أجنبية، علم الزوج الذى طلق ذلك أو لم يعلم. لأن قائله يوقع الفرقة بالتعان الرجل قبل أن تلتعن المرأة، فغير جائز أن يحتج بمثل هذه الحجة من يرى أن الفرقة تقع بالتعان الزوج وحده، انتهى.
وحينئذ فنقول: إما أن تقع الفرقة بالتعان الزوج وحده كما يقوله الشافعى، أو بالتعانهما كما يقوله أحمد، أو يقف على تفريق الحاكم. فإن وقعت بالتعانه أو التعانهما فالطلاق الذى وقع منه لغو لم يفد شيئاً ألبتة، بل هو طلاق فى أجنبية. وإن وقفت الفرقة على تفريق الحاكم فهو يفرق بينهما تفريقا يحرمها عليه تحريما مؤبدا. فالطلاق الثلاث أكد هذا التحريم الذى هو موجب اللعان ومقصود الشارع. فكيف يلحق به طلاق الملاعنة وبينهما أعظم فرق؟.
فصل
وأما حديث محمود بن لبيد فى قصة المطلق ثلاثاً، فالاحتجاج به على الجواز من باب قلب الحقائق، والاحتجاج بأعظم ما يدل على التحريم لا على الإباحة. والاستدلال به على
стр. 319
الوقوع من باب التكهن والخرِصْ، والزيادة فى الحديث ما ليس فيه، ولا يدل عليه بشئ من وجوه الدلالات ألبتة، ولكن المقلد لا يبالى بنصرة تقليده بما اتفق له، وكيف يظن برسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه أجاز عمل من استهزأ بكتاب الله وصححه واعتبره فى شرعه وحكمه ونفذه؟ وقد جعله مستهزئاً بكتاب الله تعالى؟ وهذا صريح فى أن الله لم يشرع جمع الثلاث ولا جعله فى أحكامه.
فصل
وأما حديث ركانة "أنه طلق امرأته البتة، وأن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم استحلفه ما أراد بها إلا واحدة" فحديث لا يصح.
قال أبو الفرح بن الجوزى فى كتاب العلل له: قال أحمد: حديث ركانة ليس بشىء.
وقال الخلال فى كتاب العلل عن الأثرم: قلت لأبى عبد الله: حديث ركانة فى "البتة" فضعفه وقال "ذاك جعله بنيته".
وقال شيخنا: الأئمة الكبار العارفون بعلل الحديث كالإمام أحمد، والبخارى، وأبى عبيد، وغيرهم ضعفوا حديث ركانة "البتة" وكذلك أبو محمد بن حزم وقالوا: إن رواته قوم مجاهيل، لا تعرف عدالتهم وضبطهم، قال: وقال الإمام أحمد: حديث ركانة أنه طلق امرأته ألبتة لا يثبت. وقال أيضاً: حديث ركانة فى ألبتة ليس بشئ، لأن ابن إسحق يرويه عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس "أن ركانة طلق امرأته ثلاثاً" وأهل المدينة يسمون من طلق ثلاث، طلق البتة".
فإن قيل: فقد قال أبو داود: حديث "البتة" أصح من حديث ابن جريج "أن ركانة طلق امرأته ثلاثا" لأنهم أهل بيته وهم أعلم به، يعني وهم الذين رووا حديث "البتة".
فقال شيخنا في الجواب: أبو داود إنما رجح حديث "البتة" على حديث ابن جريج لأنه روى حديث ابن جريج من طريق فيها مجهول فقال: حدثنا أحمد ابن صالح حدثنا عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرنى بعض ولد أبي رافع عن عكرمة عن ابن عباس قال: "طلق
стр. 320
عبد يزيد أبو ركانة وإخوته أم ركانة ثلاثا" الحديث، ولم يرو الحديث الذى رواه أحمد في مسنده عن إبراهيم بن سعد: حدثني أبى عن محمد بن إسحق حدثنا داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: "طلق ركانة ابن عبد يزيد امرأته ثلاثا في مجلس واحد" فلهذا رجح أبو داود حديث "البتة" على حديث ابن جريج. ولم يتعرض لهذا الحديث، ولا رواه فى سننه ولا ريب أنه أصح من الحديثين. وحديث ابن جريج شاهد له وعاضد، فإذا انضم حديث أبى الصهباء إلى حديث ابن إسحاق إلى حديث ابن جريج، مع اختلاف مخارجها وتعدد طرقها، أفادت العلم بأنها أقوى من حديث "البتة" بلا شك ولا يمكن من شم روائح الحديث ولو على بعد أن يرتاب فى ذلك. فكيف يقدم الحديث الضعيف الذى ضعفه الأئمة ورواته مجاهيل على هذه الأحاديث؟
стр. 321
فصل
وأما حديث معاذ بن جبل، فلقد وهت مسألة يحتج فيها بمثل هذا الحديث الباطل. والدارقطنى إنما رواه للمعرفة، وهو أجل من أن يحتج به. وفى إسناده: إسماعيل ابن أمية الذارع، يرويه عن حماد. قال الدارقطنى بعد روايته: إسماعيل ابن أمية ضعيف متروك الحديث
فصل
وأما حديث عبادة بن الصامت الذى رواه الدارقطنى. فقد قال عقيب إخراجه: رواته مجهولون وضعفاء، إلا شيخنا وابن عبد الباقى.
فصل
وأما حديث زاذان عن على رضى الله عنه. فيرويه إسماعيل بن أمية القرشى. قال الدارقطنى: إسماعيل بن أمية هذا كوفى ضعيف.
قلت: وفى إسناده مجاهيل وضعفاء.
стр. 322
فصل
وأما حديث الحسن عن ابن عمر فهو أمثل هذه الأحاديث الضعاف. قال الدارقطنى: حدثنا على بن محمد بن عبيد الحافظ: حدثنا محمد بن شاذان الجوهرى: حدثنا يعلى بن منصور: حدثنا شعيب بن رزيق: أن عطاء الخرسانى حدثهم عن الحسن قال: حدثنا عبد الله بن عمر، فذكره. وشعيب وثقه الدارقطنى. وقال أبو الفتح الأزدى فيه لين. وقال البيهقى، وقد روى هذا الحديث: وهذه الزيادات انفرد بها شعيب وقد تكلموا فيه، انتهى.
ولا ريب أن الثقات الأثبات الأئمة رووا حديث ابن عمر هذا، فلم يأت أحد منهم بما أتى به شعيب ألبتة، ولهذا لم يرو حديثه هذا أحد من أصحاب الصحيح ولا السنن.
فصل
وأما حديث كثير مولى ابن سمرة عن أبى سلمة عن أبى هريرة فقد أنكره كثير لما سئل عنه، ومثل هذا بعيد أن ينسى. وقد أعل البيهقى هذا الحديث، وقال: كثير لم يثبت
стр. 323
من معرفته ما يوجب الاحتجاج به، قال: وقول العامة بخلاف روايته وقد ضعفه عبد الحق فى أحكامه" وابن حزم فى كتابه.
فصل
وأما حديث سويد بن غفلة عن الحسن فمن رواية محمد بن حميد الرازى. قال أبو زرعة الرازى: كذاب، وقال صالح جزرة: ما رأيت أحذق بالكذب منه ومن الشاذكونى، سلمة بن الفضل. قال أبو حاتم: منكر الحديث، وإن كان رواته شتى، فقد ضعفه إسحاق بن راهويه وغيره.
فصل
فما رأى آخرون ضعف هذه المسالك استروحوا إلى مسلك آخر، وظنوا أنهم قد استروحوا به من كلفة التأويل ومشقته.
فقالوا: الإجماع قد انعقد على لزوم الثلاث، وهو أكبر من خبر الواحد كما قال الشافعى ﵀ الإجماع أكبر من الخبر المنفرد. وذلك أن الخبر يجوز الخطأ والوهم على راويه بخلاف الإجماع فإنه معصوم.
قالوا: ونحن نسوق عن الصحابة والتابعين ما يبين ذلك.
فثبت فى صحيح مسلم أن عمر رضى الله عنه أمضى عليهم الثلاث ووافقه الصحابة.
قال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان عن شقيق سمع أنساً يقول: قال عمر فى الرجل يطلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها، قال: هى ثلاث، لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، وكان إذا أتى به أوجعه.
وروى البيهقى من حديث ابن أبى ليلى عن على رضى الله عنه فيمن طلق ثلاثاً قبل الدخول، قال: لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره.
стр. 324
وروى حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه عن على: لا تحل له حتى تنكح غيره.
وروى أبو نعيم عن الأعمش عن حبيب بن أبى ثابت عن بعض أصحابه قال: جاء رجل إلى على رضى الله عنه. فقال: طلقت امرأتى ألفاً؟ فقال: ثلاث تحرمها عليك، واقسم سائرها بين نسائك.
وقال علقمة بن قيس: أتى رجل ابن مسعود رضى الله عنه، فقال: إن رجلاً طلق امرأته البارحة مائة؟ قال: قلتها مرة واحدة؟ قال: نعم. قال: تريد أن تبين منك امرأتك؟ قال: نعم، قال هو كما قلت. وأتاه رجل، فقال: إنه طلق امرأته البارحة عدد النجوم، فقال له مثل ذلك، ثم قال: قد بين الله سبحانه أمر الطلاق. فمن طلق كما أمره الله تعالى فقد بين له. ومن لبس جعلنا عليه لبسه. والله لا تلبسون إلا على أنفسكم، ونتحمله عنكم؟ هو كما تقولون.
وروى مالك فى الموطأ عن ابن شهاب عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن محمد بن إياس البُكير قال: طلق رجل امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها ثم بدا له أن ينكحها فجاء يستفتى. فذهبت معه أسأل له، فسأل أبا هريرة وابن عباس عن ذلك. فقالا لا نرى أن تنكحها حتى تنكح زوجاً غيرك. قال: إنما كان طلاقى إياها واحدة. فقال ابن عباس: إنك قد أرسلت من يدك ما كان لك من فضل.
وفى الموطأ أيضاً فى هذه القصة: أن ابن البكير سأل عنها ابن الزبير. فقال: إن هذا الأمر مالنا فيه قول، اذهب إلى ابن عباس وأبى هريرة، فإنى تركتهما عند عائشة فاسألهما ثم ائتنا فأخبرنا. فذهب فسألهما فقال ابن عباس لأبى هريرة: أفته يا أبا هريرة فقد جاءتك معضلة. فقال أبو هريرة: الواحد تبينها، والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجاً غيره. وقال ابن عباس مثل ذلك.
стр. 325
فهذه عائشة لم تنكر عليهما ولا ابن الزبير.
وفى الموطأ أيضا: عن النعمان بن أبى عياش عن عطاء بن يسار قال "جاء رجل يستفتى عبد الله بن عمرو بن العاص عن رجل طلق امرأته ثلاثا قبل أن يمسها قال عطاء فقلت إنما طلاق البكر واحدة. فقال لى عبد الله بن عمرو بن العاص: إنما أنت قاص. الواحدة تبينها، والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجاً غيره".
وروى عبيد الله عن نافع عن ابن عمر رضى الله عنهما إذا طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها، لم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره.
وروى البيهقى من حديث معاذ بن معاذ: حدثنا شعبة عن طارق بن عبد الرحمن سمعت قيس بن أبى عاصم قال: سأل رجل المغيرة وأنا شاهد عن رجل طلق امرأته مائة، فقال: ثلاثة تحرم، وسبع وتسعون فضل".
وروى البيهقى عن سويد بن غفلة قال: كانت عائشة الخثعمية عند الحسن، فلما قتل على رضى الله عنه قالت: لنهنئك الخلافة قال: بقتل على تظهرين الشماتة؟ اذهبى فأنت طالق: يعنى ثلاثاً، فتلفعت بثيابها حتى قضت عدتها، فبعث إليها ببقية بقيت لها من صداقها وعشرة آلاف صدقة، فقالت لما جاءها الرسول: متاع قليل من حبيب مفارق. فلما بلغه قولها بكى، وقال: لولا أنى سمعت جدى، أو حدثنى أبى أنه سمع جدى يقول: أيما رجل طلق امرأته ثلاثاً عند الأقراء، أو ثلاثة مبهمة لم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، لراجعتها.
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن عطاء بن السائب عن على رضى الله عنه أنه قال فى الحرام، والبتة، والبائن، والخلية، والبرية: ثلاثاً، ثلاثاً. قال
стр. 326
شعبة: فلقيت عطاء فقلت: من حدثك عن على؟ قال أبو البخترى قال أحمد: وأنا أهابها، لا أحب فيها لأنه يروى عن عامة الناس أنها ثلاث: على، وزيد، وابن عمر، وعامة التابعين.
وأما ابن عباس فروى عنه مجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء بن أبى رباح، وعمرو بن دينار، ومالك بن الحارث، ومحمد بن إياس بن البكير، ومعاوية بن أبى عياش وغيرهم: أنه ألزم الثلاث من أوقعها جملة.
قال الإمام أحمد وقد سأله الأثرم: بأىّ شئ تردّ حديث ابن عباس "كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأبى بكر وعمر رضى عنهما طلاق الثلاث واحدة" بأى شئ تدفعه؟ قال "برواية الناس عن ابن عباس من وجوه خلافه" ثم ذكر عن عدة عن ابن عباس أنها ثلاث، وإلى هذا نذهب.
وذكر البيهقى أن رجلاً أتى عمران بن حصين وهو فى المسجد فقال: رجل طلق امرأته ثلاثاً فى مجلس، فقال: أثم بربه، وحرمت عليه امرأته. فانطلق الرجل فذكر ذلك لأبى موسى، يريد بذلك عيبه، فقال: ألا ترى أن عمران قال كذا وكذا؟ فقال أبو موسى: أكثر الله فينا مثل أبى نجيد.
قالوا: فهذا عمر بن الخطاب، وعلى بن أبى طالب وعبد الله بن مسعود، وعبد الله ابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعمران بن حصين، والمغيرة بن شعبة، والحسن بن على رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
وأما التابعون فأكثر من أن يذكروا والإجماع يثبت بدون هذا، ولهذا حكاه غير واحد، منهم أبو بكر بن العربى، وأبو بكر الرازى، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد، فإنه
стр. 327
قال فى رواية الأثرم وذكر قول من قال: إذا خالف السنة يرد إلى السنة، إنه ليس بشىء. وقال: هذا مذهب الرافضة. وظاهر هذا أن القول بالوقوع إجماع أهل السنة.
قال الآخرون: قد عرفتم ما فى دعوى الإجماع الذى لم يعلم فيه مخالف: أنه راجع إلى عدم العلم لا إلى العلم بانتفاء المخالف، وعدم العلم ليس بعلم حتى يحتج به ويقدم على النصوص الثابتة، هذا إذا لم يعلم مخالف، فكيف إذا علم المخالف؟ وحينئذ فتكون المسألة مسألة نزاع يجب ردها إلى الله تعالى ورسوله، ومن أبى ذلك فهو إما جاهل مقلد وإما متعصب صاحب هوى، عاص لله تعالى ورسوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، متعرض للحوق الوعيد به. فإن الله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اُللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] .
فإذا ثبت أن المسألة مسألة نزاع وجب قطعاً ردها إلى كتاب الله وسنة رسوله، وهذه المسألة مسألة نزاع بلا نزاع بين أهل العلم الذين هم أهله. والنزاع فيها من عهد الصحابة إلى وقتنا هذا، وبيان هذا من وجوه:
أحدها: ما رواه أبو داود وغيره من حديث حماد بن زيد عن أيوب عن كرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما: إذا قال أنت طالق ثلاثاً بفم واحد، فهى واحدة وهذا الإسناد على شرط البخارى.
وقال عبد الرزاق. أخبرنا معمر عن أيوب قال: دخل الحكم بن عيينة على الزهرى بمكة وأنا معهم فسألوه عن البكر تطلق ثلاثاً؟ فقال: سئل عن ذلك ابن عباس وأبو هريرة، وعبد الله بن عمرو فكلهم قالوا: لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، قال: فخرج الحكم وأنا معه فأتى طاوساً وهو فى المسجد فأكب عليه فسأله عن قول ابن عباس فيها، وأخبره بقول الزهرى، قال: فرأيت طاوساً رفع يديه تعجبا من ذلك وقال: والله ما كان ابن عباس يجعلها إلا واحدة.
أخبرنا ابن جريج قال: وأخبرنى حسن بن مسلم عن ابن شهاب أن ابن عباس قال: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً ولم يجمع كنّ ثلاثاً، قال: فأخبرت طاوساً فقال: أشهد ما كان ابن عباس يراهن إلا واحدة.
стр. 328
فقوله "إذا طلق ثلاثاً ولم يجمع كن ثلاثاً" أى إذا كن متفرقات، فدل على أنه إذا جمعهن كانت واحدة. وهذا هو الذى حلف عليه طاووس: أن ابن عباس كان يجعله واحدة.
ونحن لا نشك أن ابن عباس صح عنه خلاف ذلك، وأنها ثلاث، فهما روايتان ثابتتان عن ابن عباس بلا شك.
الوجه الثانى: أن هذا مذهب طاوس "، قال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج عن بن طاوس عن أبيه أنه كان لا يرى طلاقاً ما خالف وجه الطلاق ووجه العدة، وأنه كان يقول: يطلقها واحدة، ثم يدعها حتى تنقضى عدتها.
وقال أبو بكر بن أبى شيبة: حدثنا إسماعيل بن عليه عن ليث عن طاوس وعطاء أنهما قالا: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها فهى واحدة.
الوجه الثالث: أنه قول عطاء بن أبى رباح قال ابن أبى شيبة: حدثنا محمد بن بشر: حدثنا إسماعيل عن قتادة عن طاوس وعطاء وجابر بن زيد أنهم قالوا: إذا طلقها ثلاثاً قبل أن يدخل بها فهى واحدة.
الوجه الرابع: أنه قول جابر بن زيد كما تقدم.
الوجه الخامس: أن هذا مذهب محمد بن إسحق عن داود بن الحصين، حكاه عنه الإمام أحمد فى رواية الأثرم ولفظه، حدثنا سعيد بن إبراهيم عن أبيه عن ابن إسحق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس: أن ركانة طلق امرأته ثلاثاً، فجعلها النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم واحدة. قال أبو عبد الله: وكان هذا مذهب ابن إسحاق يقول: خالف السنة فيرد إلى السنة.
الوجه السادس: أنه مذهب إسحاق بن راهويه فى البكر. قال محمد بن نصر المروزى فى كتاب "اختلاف العلماء" له: وكان إسحاق يقول: طلاق الثلاث للبكر واحدة. وتأول حديث طاووس عن ابن عباس "كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأبى بكر وعمر يجعل واحدة": على هذا. قال: فإن قال لها ولم يدخل بها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. فإن سفيان، وأصحاب الرأى والشافعى، وأحمد، وأبا عبيدة، قالوا:
стр. 329
بانت منه بالأولى، وليست الثنتان بشىء. لأن غير المدخول بها تبين بواحدة، ولا عدة عليها. وقال مالك وربيعة، وأهل المدينة والأوزاعى، وابن أبى ليلى: إذا قال لها ثلاث مرات أنت طالق، نسقاً متتابعة حرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره. فإن هو سكت بين التطليقتين، بانت بالأولى ولم تلحقها الثانية.
فصار فى وقوع الثلاث بغير المدخول بها ثلاثة مذاهب للصحابة والتابعين ومن بعدهم.
أحدها: أنها واحدة سواء قالها بلفظ واحد، أو بثلاثة ألفاظ.
والثانى: أنها ثلاث سواء أوقع الثلاث بلفظ واحد، أو بثلاثة ألفاظ.
والثالث: أنه إن أوقعها بلفظ واحد فهى ثلاث. وإن أوقعها بثلاثة ألفاظ فهى واحدة.
الوجه السابع: أن هذا مذهب عمرو بن دينار فى الطلاق قبل الدخول. قال ابن المنذر فى كتابه الأوسط: وكان سعيد بن جبير، وطاوس، وأبو الشعثاء، وعطاء، وعمرو بن دينار يقولون: من طلق البكر ثلاثاً فهى واحدة.
الوجه الثامن: أنه مذهب سعيد بن جبير، كما حكاه ابن المنذر وغيره عنه، وحكاه الثعلبى عن سعيد بن المسيب وهو غلط عليه، وإنما هو مذهب سعيد بن جبير.
الوجه التاسع: أنه مذهب الحسن البصرى الذى استقر عليه. قال ابن المنذر: واختلف فى هذا الباب عن الحسن. فروى عنه كما رويناه عن أصحاب النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. وذكر قتادة وحميد ويونس عنه: أنه رجع عن قوله بعد ذلك فقال: واحدة بائنة.
وهذا الذى ذكره ابن المنذر رواه عبد الرزاق فى المصنف فقال: أخبرنا معمر عن قتادة قال: سألت الحسن عن الرجل يطلق البكر ثلاثاً، فقال الحسن: وما بعد الثلاث فقلت صدقت، وما بعد الثلاث؟ فأفتى الحسن بذلك زمنا، ثم رجع، فقال: واحد تبينها ويحطها، قاله حياته.
الوجه العاشر: أنه مذهب عطاء بن يسار، قال عبد الرزاق: أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد عن بكير عن [النعمان] بن أبى عياش قال: سأل رجل عطاء بن يسار عن الرجل
стр. 330
يطلق البكر ثلاثاً، فقال إنما طلاق البكر واحدة، فقال له عبد الله ابن عمرو بن العاص: أنت قاص، الواحدة تبينها، والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجاً غيره مالك: فذكر عطاء مذهبه، وعبد الله بن عمرو مذهبه.
الوجه الحادى عشر: أنه مذهب خلاس بن عمرو، حكاه بشر بن الوليد عن أبى يوسف عنه.
الوجه الثانى عشر: أنه مذهب محمد بن مقاتل الرازى، حكاه عنه المازرى فى كتابه "المعلم بفوائد مسلم" قال الخطيب: حدث عن عبد الله بن المبارك، عباد بن العوام، ووكيع بن الجراح وأبى عاصم النبيل، روى عنه الإمام أحمد والبخارى فى صحيحه، وكان ثقة.
الوجه الثالث عشر: أنه إحدى الروايتين عن مالك، حكاها عنه جماعة من المالكية منهم التلمسانى صاحب شرح الخلاف، وعزاها إلى ابن أبى زيد أنه حكاها رواية عن مالك، وحكاها غيره قولا فى مذهب مالك وجعله شاذاً.
الوجه الرابع عشر: أن ابن مغيث المالكى حكاه فى كتاب "الوثائق" وهو مشهور عند المالكية، عن بضعة عشر فقيها من فقهاء طليطلة المفتين على مذهب مالك، هكذا قال، واحتج لهم بأن قوله: أنت طالق ثلاثاً: كذب، لأنه لم يطلق ثلاثاً، ولم يطلق إلا واحدة. كما لو قال: حلفت ثلاثاً كانت يمينا واحدة، ثم ذكر حججهم من الحديث.
الوجه الخامس عشر: أن أبا الحسن على بن عبد الله بن إبراهيم اللخمى المشطى، صاحب كتاب الوثائق الكبير الذى لم يصنف فى الوثائق مثله حكى الخلاف فيها عن السلف والخلف حتى عن المالكية أنفسهم، فقال:
وأما من قال: أنت طالق ثلاثاً، فقد بانت منه، قال "البتة" أو لم يقل. قال: وقال بعض الموثقين، يريد المصنفين فى الوثائق: اختلف أهل العلم بعد إجماعهم على أنه مطلق، كم يلزمه من الطلاق؟ فالجمهور من العلماء على أنه يلزمه الثلاث، وبه القضاء، وعليه الفتوى، وهو الحق الذى لا شك فيه، قال: وقال بعض السلف: يلزمه من ذلك طلقة واحدة، وتابعهم على ذلك قوم من الخلف من المفتين بالأندلس. قال: واحتجوا على ذلك بحجج كثيرة وأحاديث مسطورة أضربنا عنها واقتصرنا على الصحيح منها، فمنها: ما رواه داود بن الحصين عن
стр. 331
عكرمة عن ابن عباس "أن ركانة طلق زوجته عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ثلاثاً فى مجلس واحد، فقال له النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: إنما هى واحدة، فإن شئت فدعها، وإن شئت فار تجعها"، ثم ذكر حديث أبى الصهباء، وذكر بعض تأويلاته التى ذكرناها.
الوجه السادس عشر: أن أبا جعفر الطحاوى حكى القولين فى كتابه "تهذيب الآثار" فقال: باب الرجل يطلق امرأته ثلاثاً معاً، ثم ذكر حديث أبى الصهباء ثم قال: فذهب قوم إلى أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثاً معاً فقد وقعت عليها واحدة إذا كانت فى وقت سنة، وذلك أن تكون طاهراً فى غير جماع، واحتجوا فى ذلك بهذا الحديث وقالوا: لما كان الله إنما أمر عباده أن يطلقوا لوقت على صفة فطلقوا على غير ما أمرهم به لم يقع طلاقهم. ألا ترى لو أن رجلاً أمر رجلاً أن يطلق امرأته فى وقت فطلقها فى غيره، أو أمره أن يطلقها على شريطة فطلقها على غير تلك الشريطة أن طلاقه لا يقع؟ إذ كان قد خالف ما أمر به.
ثم ذكر حجج الآخرين والجواب عن حجج هؤلاء على عادة أهل العلم والدين فى إنصاف مخالفيهم والبحث معهم،. ولم يسلك طريق جاهل ظالم متعد يبرك على ركبتيه، ويفجر عينيه ويصول بمنصبه لا بعلمه، وبسوء قصده لا بحسن فهمه، ويقول: القول بهذه المسألة كفر يوجب ضرب العنق، ليبهت خصمه ويمنعه عن بسط لسانه والجرى معه فى ميدانه، والله سبحانه عند لسان كل قائل، وهو له يوم الوقوف بين يديه عما قاله سائل.
الوجه السابع عشر: أن شيخنا حكى عن جده أبى البركات: أنه كان يفتى بذلك أحيانا سراً، وقال فى بعض مصنفاته: هذا قول بعض أصحاب مالك، وأبى حنيفة، وأحمد.
قلت: أما المالكية فقد حكينا الخلاف عنهم، وأما بعض أصحاب أبى حنيفة فإنه محمد بن مقاتل من الطبقة الثانية من أصحاب أبى حنيفة، وأما بعض أصحاب أحمد، فإن كان أراد إفتاء جده بذلك أحيانا، وإلا فلم أقف على نقل لأحد منهم.
الوجه الثامن عشر: قال أبو الحسن النسفى فى وثائقه وقد ذكر الخلاف فى المسألة،
стр. 332
ثم قال: ومن بعض حججهم أيضاً فى ذلك: أن الله أمر بتفريق الطلاق بقوله تعالى:
﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] .
وإذا جمع الإنسان ذلك فى كلمة واحدة وكان ما زاد عليها لغواً، كما جعل مالك ﵀ رمى السبع الجمرات فى مرة واحدة جمرة واحدة، وبنى عليها أن الطلاق عندهم مثله، قال: وممن نصر هذا القول من أهل الفتيا بالأندلس: أصبغ بن الحباب، ومحمد بن بقى، ومحمد بن عبد السلام الخشنى، وابن زنباع مع غيرهم من نظرائهم، هذا لفظه.
الوجه التاسع عشر: أن أبا الوليد هشام بن عبد الله بن هشام الأزدى القرطبى صاحب كتاب "مفيد الحكام فيما يعرض لهم من النوازل والأحكام" ذكر الخلاف بين السلف والخلف فى هذه المسألة حتى ذكر الخلاف فيها فى مذهب مالك نفسه. وذكر من كان يفتى بها من المالكية. والكتاب مشهور معروف عند أصحاب مالك، كثير الفوائد جداً، ونحن نذكر نصه فيه بلفظه، فنذكر ما ذكره عن ابن مغيث، ثم نتبعه كلامه، ليعلم أن النقل بذلك معلوم متداول بين أهل العلم، وأن من قصر فى العلم باعه وطال فى الجهل والظلم ذراعه، يبادر إلى الجهل والتكفير والعقوبة جهلاً منه وظلماً ويحق له وهو الدعى فى العلم وليس منه أقرب رحماً.
قال ابن هشام: قال ابن مغيث: الطلاق ينقسم على ضربين: طلاق السنة، وطلاق البدعة. فطلاق السنة: هو الواقع على الوجه الذى ندب الشرع إليه. وطلاق البدعة: نقيضه، وهو أن يطلقها فى حيض أو نفاس، أو ثلاثاً فى كلمة واحدة، فإن فعل لزمه الطلاق.
ثم اختلف أهل العلم بعد إجماعهم على أنه مطلق، كم يلزمه من الطلاق.
فقال على بن أبى طالب، وابن مسعود: يلزمه طلقة واحدة، وقاله ابن عباس. وقال: قوله "ثلاثاً" لا معنى له: لأنه لم يطلق ثلاث مرات، وإنما يجوز قوله فى "ثلاث" إذا كان مخبراً عما مضى فيقول طلقت ثلاثاً، بخبر عن ثلاثة أفعال كانت منه فى ثلاثة أوقات كرجل قال: قرأت أمس سورة كذا ثلاث مرات، فذلك يصح. ولو قرأها مرة واحدة، فقال: قرأتها ثلاث مرات، لكان كاذباً. وكذلك لو حلف بالله تعالى ثلاثاً يردد الحلف، كانت ثلاثة أيمان، ولو قال: أحلف بالله ثلاثاً، لم يكن حلف إلا يمينا واحدة. فالطلاق مثله. ومثله
стр. 333
قال الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف رضى الله عنهما، روينا ذلك كله عن ابن وضاح. وبه قال من شيوخ قرطبة ابن زنباع شيخ هدى، ومحمد بن بقى بن مخلد، ومحمد بن عبد السلام الخشنى فقيه عصره، وأصبغ بن الحباب، وجماعة سواهم من فقهاء قرطبة.
وكان من حجة ابن عباس: أن الله تعالى فرق فى كتابه لفظ الطلاق، فقال: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَان﴾ [البقرة: ٢٢٩] .
يريد أكثر الطلاق الذى يمكن بعده الإمساك بالمعروف وهو الرجعة فى العدة، ومعنى قوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] .
يريد تركها بلا ارتجاع حتى تنقضى عدتها، وفى ذلك إحسان إليه وإليها إن وقع ندم منهما، قال الله تعالى: ﴿لا تَدْرِى لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً﴾ [الطلاق: ١] .
يريد الندم على الفرقة والرغبة فى المراجعة، وموقع الثلاث غير محسن، لأنه ترك المندوحة التى وسع الله تعالى بها ونبه عليها، فذكر الله لفظ الطلاق مفرقاً. فدل على أنه إذا جمع أنه لفظ واحد فتدبره.
وقد يخرج من غير ما مسألة من الديانة ما يدل على ذلك.
من ذلك: قول الرجل: مالى صدقة في المساكين: أن الثلث من ذلك يجزيه.
هذا كله لفظ صاحب الكتاب بحروفه.
أفترى الجاهل الظالم المعتدى يجعل هؤلاء كلهم كفاراً مباحة دماؤهم؟ سبحانك، هذا بهتان عظيم، بل هؤلاء من أكابر أهل العلم والدين، وذنبهم عند أهل العمى، أهل التقليد: كونهم لم يرضوا لأنفسهم بما رضى به المقلدون، وردوا ما تنازع فيه المسلمون إلى الله ورسوله.
وَتِلْكَ شَكاةٌُ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا
الوجه العشرون: أن هذا مذهب أهل الظاهر: داود، وأصحابه. وذنبهم عند كثير من الناس أخذهم بكتاب ربهم وسنة نبيهم، ونبذهم القياس وراء ظهورهم، فلم يعبئوا به شيئاً، وخالفهم أبو محمد بن حزم فى ذلك، فأباح جمع الثلاث وأوقعها.
فهذه عشرون وجها فى إثبات النزاع فى هذه المسألة بحسب بضاعتنا المزجاة من الكتب، وإلا فالذى لم نقف عليه من ذلك كثير.
وقد حكى ابن وضاح وابن مغيث ذلك عن على وابن مسعود والزبير وعبد الرحمن
стр. 334
بن عوف وابن عباس. ولعله إحدى الروايتين عنهم، وإلا فقد صح بلا شك عن ابن مسعود وعلى وابن عباس: الإلزام بالثلاث لمن أوقعها جملة، وصح عن ابن عباس أنه جعلها واحدة. ولم نقف على نقل صحيح عن غيرهم من الصحابة بذلك، فلذلك لم نعد ما حكى عنهم فى الوجوه المبينة للنزاع، وإنما نعد ما وقفنا عليه فى مواضعه ونعزوه إليها، وبالله التوفيق.
فإن قيل: فقد ذكرتم أعذار الأئمة الملزمين بالثلاث عن تلك الأحاديث المخالفة لقولهم، فما عذركم أنتم عن أمير المؤمنين، وثانى الخلفاء الراشدين المحدث الملهم، الذى أمرنا باتباع سنته والاقتداء به؟ أفتظنون به أنه كان يرى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وخليفته من بعده والصحابة في عهده يجعلون الثلاث واحدة؟ مع أنه أيسر على الأمة وأسهل، وأبعد من الحرج، ثم يعمد إلى مخالفة ذلك برأيه ويلزم الأمة بالثلاث من قبل نفسه، فيضيق عليهم ما وسعه الله تعالى ويعسر ما سهله ويسد ما فتحه ويحرج ما فسحه، ثم يتابعه على ذلك أكابر الصحابة، ويوافقونه ولا يخالفونه؟، ثم هب أنهم خافوا منه في حياته، وكلا، فإنه كان أتقى لله من ذلك. وكان إذا بينت له المرأة ما خفى عليه من الحق رجع إليه. وكان الصحابة أتقى لله تعالى وأعلم به أن يأخذهم لومة لائم في الحق، وأن يمسكوا عنه خوفاً من عمر رضى الله عنه. فقد دار الأمر بين القدح فى عمر رضى الله عنه والصحابة معه، وبين رد تلك الأحاديث إما لضعفها وإما لنسخها وخفى علينا الناسخ، وإما بتأويلها وحملها على محمل يصح. ولا ريب أن هذا أولى لتوفية حق الصحابة الذين هم أعلم بالله تعالى ورسوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من جميع من بعدهم؟
قيل: لعمر الله، وإن هذا لسؤال يورد أمثاله أهل العلم، وإنه ليحتاج إلى جواب شاف كاف، فيقول:
الناس هنا طائفتان: طائفة اعتذرت عن هذه الأحاديث لأجل عمر ومن وافقه. وطائفة اعتذرت عن عمر رضى الله عنه ولم ترد الأحاديث.
فقالوا: الأحكام نوعان: نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها. لا بحسب الأزمنة ولا الأمكنة، ولا اجتهاد الأئمة، كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات، والحدود
стр. 335
المقدرة بالشرع على الجرائم ونحو ذلك، فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه.
والنوع الثانى: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زمانا ومكانا وحالاً، كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها. فإن الشارع بنوع فيها بحسب المصلحة، فشرع التعزير بالقتل لمدمن الخمر فى المرة الرابعة.
وعزم على التعزير بتحريق البيوت على المتخلف عن حضور الجماعة لولا ما منعه من تعدى العقوبة إلى غير من يستحقها من النساء والذرية.
وعزر بحرمان النصيب المستحق من السلب.
وأخبر عن تعزير مانع الزكاة بأخذ شطر ماله.
стр. 336
وعزر بالعقوبات المالية فى عدة مواضع.
وعزر من مثل بعبده بإخراجه عنه وإعتاقه عليه.
وعزر بتضعيف الغرم على سارق مالاً قطع فيه، وكاتم الضالة.
وعزر بالهجر ومنع قربان النساء.
ولم يعرف أنه عزر بدرة، ولا حبس، ولا سوط، وإنما حبس فى تهمة، ليتبين حال المتهم.
وكذلك أصحابه تنوعوا فى التعزيرات بعده.
فكان عمر رضى الله عنه يحلق الرأس وينفي ويضرب، ويحرق حوانيت الخمارين
стр. 337
والقرية التى تباع فيها الخمر وحرق قصر سعد بالكوفة لما احتجب فيه عن الرعية.
وكان له رضى الله تعالى عنه فى التعزير اجتهاد وافقه عليه الصحابة لكمال نصحه ووفور علمه وحسن اختياره للأمة، وحدوث أسباب اقتضت تعزيره لهم بما يردعهم، لم يكن مثلها على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، أو كانت، ولكن زاد الناس عليها وتتابعوا فيها.
فمن ذلك: أنهم لما زادوا فى شرب الخمر وتتابعوا فيه، وكان قليلاً على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، جعله عمر رضى الله عنه ثمانين ونفى فيه.
ومن ذلك: اتخاذه درة يضرب بها من يستحق الضرب.
ومن ذلك: اتخاذه داراً للسجن.
ومن ذلك: ضربه لنوائح حتى بدا شعرها.
وهذا باب واسع اشتبه فيه على كثير من الناس الأحكام الثابتة اللازمة التى لا تتغير بالتعزيرات التابعة للمصالح وجودا وعدماً.
ومن ذلك: أنه رضى الله عنه لما رأى الناس قد أكثروا من الطلاق الثلاث، ورأى أنهم لا ينتهون عنه إلا بعقوبة، رأى إلزامهم بها عقوبة لهم، ليكفوا عنها.
وذلك إما من التعزير العارض الذى يفعل عند الحاجة، كما كان يضرب فى الخمر ثمانين ويحلق فيها الرأس، وينفى عن الوطن، وكما منع النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الثلاثة الذين خلفوا عنه عن الاجتماع بنسائهم، فهذا له وجه.
وإما ظناً أن جعل الثلاث واحدة كان مشروعاً بشرط وقد زال، كما ذهب إلى ذلك فى متعة الحج، إما مطلقاً، وإما متعة الفسخ فهذا وجه آخر.
стр. 338
وإما لقيام مانع قام فى زمنه منع من جعل الثلاث واحدة كما قام عنده مانع من بيع أمهات الأولاد، ومانع من أخذ الجزية من نصارى بنى تغلب وغير ذلك. فهذا وجه ثالث:
فإن الحكم ينتفى لانتفاء شروطه، أو لوجود مانعه. والإلزام بالفرقة فسخاً أو طلاقاً لمن لم يقم بالواجب مما يسوغ فيه الاجتهاد، لكن تارة يكون حقاً للمرأة، كما فى العنة والإيلاء والعجز عن النفقة والغيبة الطويلة عند من يرى ذلك. وتارة يكون حقاً للزوج، كالعيوب المانعة له من استيفاء المعقود عليه أو كماله. وتارة يكون حقاً لله تعالى كما فى تفريق الحكمين بين الزوجين عند من يجعلهما وكيلين، وهو الصواب وكما فى وقوع الطلاق بالمولى إذا لم يفئ فى مدة التربص عند كثير من السلف والخلف وكما قال بعض السلف ووافقهم عليه بعض أصحاب أحمد ﵀: إنهما إذا تطاوعا على الإتيان فى الدبر فرق بينهما.
وقريب من ذلك: أن الأب الصالح إذا أمر ابنه بالطلاق لما يراه من مصلحة الولد فعليه أن يطيعه، كما قاله أحمد ﵀ وغيره.
واحتجوا بأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: "أمَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ أَنْ يُطِيعَ أَبَاهُ، لَمّا أَمَرَهُ بِطَلاقِ زَوْجَتِهِ".
стр. 339
فالإلزام إما من الشارع، وإما من الإمام بالفرقة إذا لم يقم الزوج بالواجب: هو من موارد الاجتهاد.
وأصل هذا: أن الله لما كان يبغض الطلاق لما فيه من كسر الزوجة وموافقة رضى عدوه إبليس حيث يفرح بذلك، ويلتزم من يكون على يديه من أولاده ويدنيه منه، ومفارقة طاعته بالنكاح الذى هو واجب أو مستحب، وتعريض كل من الزوجين للفجور والمعصية، وغير ذلك من مفاسد الطلاق. وكان مع ذلك قد يحتاج إليه الزوج أو الزوجة وتكون المصلحة فيه، شرعه على وجه تحصل به المصلحة وتندفع به المفسدة، وحرمه على غير ذلك الوجه. فشرعه على أحسن الوجوه وأقربها لمصلحة الزوج والزوجة.
فشرع له أن يطلقها طاهراً من غير جماع طلقة واحدة، ثم يدعها حتى تنقضى عدتها، فإن زال الشر بينهما وحصلت الموافقة، كان له سبيل إلى لم الشعث وإعادة الفراش، كما كان، وإلا تركها حتى انقضت عدتها، فإن تبعتها نفسه كان له سبيل إلى خطبتها، وتجديد العقد عليها برضاها، وإن لم تتبعها نفسه تركها فنكحت من شاءت.
وجعل العدة ثلاثة قروء ليطول زمن المهلة والاختيار.
فهذا هو الذى شرعه وأذن فيه.
ولم يأذن فى إبانتها بعد الدخول إلا بالتراضى بالفسخ والافتداء، فإذا طلقها مرة بعد مرة بقى له طلقة واحدة. فإذا طلقها الثالثة حرمها عليه عقوبة له، ولم يحل له أن ينكحها حتى تنكح زوجاً غيره ويدخل بها ثم يفارقها بموت أو طلاق.
فإذا علم أن حبيبته تصير إلى غيره فيحظى به دونه أمسك عن الطلاق.
فلما رأى أمير المؤمنين أن الله سبحانه عاقب المطلق ثلاثاً بأن حال بينه وبين زوجته وحرمها عليه حتى تنكح زوجاً غيره، علم أن ذلك لكراهته الطلاق المحرم وبغضه له. فوافقه أمير المؤمنين فى عقوبته لمن طلق ثلاثاً جميعاً بأن ألزمه بها وأمضاها عليه.
فإن قيل: فكان أسهل من ذلك أن يمنع الناس من إيقاع الثلاث، ويحرمه عليهم ويعاقب بالضرب والتأديب من فعله، لئلا يقع المحذور الذى يترتب عليه.
стр. 340
قيل: نعم لعمر الله، قد كان يمكنه ذلك ولذلك ندم عليه فى آخر أيامه، وود أنه كان فعله.
قال الحافظ أبو بكر الإسماعيلى فى مسند عمر: أخبرنا أبو يعلى: حدثنا صالح ابن مالك: حدثنا خالد بن يزيد بن أبى مالك عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: ما ندمت على شىء ندامتى على ثلاث: أن لا أكون حرمت الطلاق، وعلى أن لا أكون أنكحت الموالى، وعلى أن لا أكون قتلت النوائح.
ومن المعلوم أنه رضى الله عنه لم يكن مراده تحريم الطلاق الرجعى، الذى أباحه الله تعالى وعلم بالضرورة من دين رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم جوازه. ولا الطلاق المحرم الذى أجمع المسلمون على تحريمه كالطلاق فى الحيض، وفى الطهر المجامع فيه. ولا الطلاق قبل الدخول الذى قال الله تعالى فيه: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَّلْقتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦] .
هذا كله من أبين المحال أن يكون عمر رضى الله عنه أراده: فتعين قطعاً أنه أراد تحريم إيقاع الثلاث، فعلم أنه إنما كان أوقعها لاعتقاده جواز ذلك، ولذلك قال: إن الناس قد استعجلوا فى شئ كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم؟ وهذا كالصريح فى أنه غير حرام عنده، وإنما أمضاه لأن المطلق كانت له فسحة من الله تعالى فى التفريق فرغب عما فسحه الله تعالى له إلى الشدة والتغليظ. فأمضاه عمر رضى الله عنه عليه، فلما تبين له بأخرة ما فيه من الشر والفساد ندم على أن لا يكون حرم عليهم إيقاع الثلاث ومنعهم منه. وهذا مذهب الأكثرين: مالك، وأحمد، وأبى حنيفة ﵏.
فرأى عمر رضى الله عنه أن المفسدة تندفع بإلزامهم به. فلما تبين له أن المفسدة لم تندفع بذلك وما زاد الأمر إلا شدة، أخبر أن الأولى كان عُدوله إلى تحريم الثلاث الذى يدفع المفسدة من أصلها. واندفاع هذه المفسدة بما كان عليه الأمر فى زمن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأبى بكر، وأول خلافة عمر رضى الله عنهما أولى من ذلك كله. ولا يندفع الشر والفساد بغيره البتة ولا يصلح الناس سواه، ولهذا لما رغب عنه كثير من الناس احتاجوا إلى أحد أمرين لابد لهم منهما: إما الدخول فيما لعن رسول الله ﵌ فاعله وتابع عليه اللعنة، وإما التزام الآصار والأغلال ورؤية حبيبته حسرة.
стр. 341
والذى شرعه الله تعالى ورسوله ﵌ ودلت عليه السنة الصحيحة الصريحة يخلص من هذا وهذا ولكن تأتى حكمة الله تعالى أن يفتح للظالمين المتعدين لحدوده، الراغبين عن تقواه وطاعته أبواب اليسر والفرج السهولة. فإن الله إنما جعل ذلك لمن اتقاه والتزم طاعته وطاعة رسوله، كما قال تعالى فى السورة التى بين فيها الطلاق، وأحكامه وحدوده وما شرعه لعباده:
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ [الطلاق: ٢] وقال فيها ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ [الطلاق: ٤] وقال فيها ﴿وَمَنْ يَتَّقِ الله يُكفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاَتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾ [الطلاق: ٥] .
فمن طلق على غير تقوى الله كان حقيقاً أن لا يجعل الله له مخرجاً وأن لا يجعل له من أمره يسراً.
وقد أشار إلى هذا بعينه الصحابة حيث قال ابن عباس، وابن مسعود، لمن طلق ثلاثاً جميعاً: إنك لم تتق الله فيجعل لك مخرجاً.
وقال شعبة عن ابن أبى نجيح عن مجاهد: سئل ابن عباس عن رجل طلق امرأته مائة؟ فقال: عصيت ربك: وبانت منك امرأتك، إنك لم تتق الله فيجعل لك مخرجاً.
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ [الطلاق: ٢] .
وقال الأعمش: عن مالك بن الحارث عن ابن عباس: أن رجلاً أتاه فقال: إن عمى طلق امرأته ثلاثاً، فقال: إن عمك عصى الله فلم يجعل له مخرجاً، فاندمه الله تعالى، أطاع الشيطان فقال: أفلا يحللها له رجل؟ فقال من يخادع الله يخدعه.
والله تعالى قد جرت سنته فى خلقه بأن يحرم الطيبات شرعاً وقدرَاً على من ظلم وتعدى حدوده وعصى أمره، وأن ييسر للعسرى من بخل بما أمره به فلم يفعله، واستغنى عن طاعته باتباع شهواته وهواه، كما أنه سبحانه ييسر لليسرى من أعطى واتقى وصدق بالحسنى.
فهذا نهاية إقدام الناس فى باب الطلاق.
يبقى أن يقال: فإذا خفى على أكثر الناس حكم الطلاق، ولم يفرقوا بين الحلال والحرام منه جهلاً، وأوقعوا الطلاق المحرم يظنونه جائزا هل يستحقون العقوبة بالإلزام به،
стр. 342
لكونهم لم يتعلموا دينهم الذى أمرهم الله تعالى به وأعرضوا عنه ولم يسألوا أهل العلم كيف يطلقون؟ وماذا أبيح لهم من الطلاق؟ وماذا يحرم عليهم منه؟ أم يقال لا يستحقون العقوبة، لأن الله سبحانه لا يعاقب شرعاً ولا قدراً إلا بعد قيام الحجة ومخالفة أمره، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذَبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥] .
وأجمع الناس على أن الحدود لا تجب إلا على عالم بالتحريم متعمد لارتكاب أسبابها، والتعزيرات ملحقة بالحدود.
فهذا موضع نظر واجتهاد، وقد قال النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "التّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمنْ لا ذَنْبَ لَهُ".
فمن طلق على غير ما شرعه الله تعالى وأباحه جاهلاً، ثم علم به فندم وتاب، فهو حقيق بأن لا يعاقب وأن يفتى بالمخرج الذى جعله الله تعالى لمن اتقاه، ويجعل له من أمره يسراً.
والمقصود: أن الناس لابد لهم فى باب الطلاق من أحد ثلاثة أبواب يدخلون منها.
أحدها: باب العلم والاعتدال الذى بعث الله تعالى به رسوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وشرعه للأمة رحمة بهم وإحسانا إليهم.
والثانى: باب الآصار والأغلال، الذى فيه من العسر والشدة والمشقة ما فيه.
والثالث: باب المكر والاحتيال الذى فيه من الخداع والتحيل والتلاعب بحدود الله تعالى، واتخاذ آياته هزواً ما فيه، ولكل باب من المطلقين وغيرهم جزء مقسوم.
فصل
ومن مكايده التى كاد بها الإسلام وأهله: الحيل والمكر والخداع الذى يتضمن تحليل ما حرم الله، وإسقاط ما فرضه، ومضادته فى أمره ونهيه، وهى من الرأى الباطل الذى اتفق السلف على ذمه
стр. 343
فإن الرأى رأيان: رأى يوافق النصوص وتشهد له بالصحة والاعتبار، وهو الذى اعتبره السلف، وعملوا به.
ورأى يخالف النصوص وتشهد له بالإبطال والإهدار، فهو الذى ذموه وأنكروه. وكذلك الحيل نوعان: نوع يتوصل به إلى فعل ما أمر الله تعالى به، وترك ما نهى عنه والتخلص من الحرام، وتخليص الحق من الظالم المانع له، وتخليص المظلوم من يد الظالم الباغى، فهذا النوع محمود يثاب فاعله ومعلمه.
ونوع يتضمن إسقاط الواجبات، وتحليل المحرمات، وقلب المظلوم ظالماً، والظالم مظلوماً، والحق باطلاً والباطل حقاً، فهذا النوع الذى اتفق السلف على ذمه، وصاحوا بأهله من أقطار الأرض.
وقال الإمام أحمد رحمة الله: لا يجوز شئ من الحيل فى إبطال حق مسلم.
وقال الميمونى: قلت لأبى عبد الله: من حلف على يمين ثم احتال لإبطالها، فهل تجوز تلك الحيلة؟ قال: نحن لا نرى الحيلة إلا بما يجوز. قلت: أليس حيلتنا فيها أن نتبع ما قالوا، وإذا وجدنا لهم قولا فى شئ اتبعناه؟ قال: بلى هكذا هو. قلت: أو ليس هذا منا نحن حيلة؟ قال: نعم.
فبين الإمام أحمد أن من اتبع ما شرعه الله له وجاء عن السلف فى معانى الأسماء التى علقت بها الأحكام ليس بمحتال الحيل المذمومة.. وإن سميت حيلة فليس الكلام فيها.
وغرض الإمام أحمد بهذا: الفرق بين سلوك الطريق المشروعة التى شرعت لحصول مقصود الشارع، وبين الطريق التى تسلك لإبطال مقصوده.
فهذا هو سر الفرق بين النوعين، وكلامنا الآن فى النوع الثانى.
قال شيخنا: فالدليل على تحريم هذا النوع وإبطاله من وجوه:
الوجه الأول: قوله : ﴿وَمَنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ
стр. 344
وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ٨-٩] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الُمْنَافِقِينَ يَخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهٌمْ﴾ [النساء: ١٤٢] .
وقال فى أهل العهد: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ﴾ [الأنفال: ٦٢] .
فأخبر أن هؤلاء المخادعين مخدوعون، وهم لا يشعرون أن الله تعالى خادع من خدعه، وأنه يكفى المخدوع شر من خدعه.
والمخادعة: هى الاحتيال والمراوغة بإظهار الخير مع إبطان خلافه، ليحصل مقصود المخادع. وهذا موافق لاشتقاق اللفظ فى اللغة. فإنهم يقولون: طريق خيدع، إذا كان مخالفاً للقصد لا يشعر به ولا يفطن له، ويقال للسراب الخيدع، لأنه يغر من يراه، وضب خدَعِ، أى مراوغ. كما قالوا: أخدع من ضب، ومنه: "الحرب خدعة" وسوق خادعة، أى متلونة، وأصله: الإخفاء والستر. ومنه سميت الخزانة مخدعاً.
فلما كان القائل "آمنت" مظهراً لهذه الكلمة، غير مريد حقيقتها المرعية المطلوبة شرعاً، بل مريد لحكمها وثمرتها فقط مخادعاً، كان المتكلم بلفظ "بعت" و "اشتريت" و "طلقت" و "نكحت" و"خالعت" و "آجرت"، و "ساقيت" و "أو صيت" غير مريد لحقائقها الشرعية المطلوبة منها شرعاً، بل مريد لأمور أخرى غير ما شرعت له، أو ضد ما شرعت له مخادعاً. ذاك مخادع فى أصل الإيمان، وهذا مخادع فى أعماله وشرائعه.
قال شيخنا: وهذا ضرب من النفاق فى آيات الله تعالى وحدوده، كما أن الأول نفاق فى أصل الدين.
يؤيد ذلك: ما رواه سعيد بن منصور عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما "أنه جاءه رجل فقال: إن عمى طلق امرأته ثلاثا، أيحلها له رجل؟ فقال: من يخادع الله يخدعه".
وعن أنس بن مالك: أنه سئل عن العينة، يعنى بيع الحريرة؟ فقال: إن الله تعالى لا يخدع، هذا ما حرم الله تعالى ورسوله. رواه أبو جعفر محمد بن سليمان الحافظ المعروف بمُطَين فى كتاب البيوع له.
وعن ابن عباس: أنه سئل عن العِينة، يعنى بيع الحريرة، فقال: إن الله لا يخدع، هذا مما حرم الله تعالى ورسوله، رواه الحافظ أبو محمد النخشى.
стр. 345
فسمى الصحابة من أظهر عقد التبايع ومقصود به الربا خداعاً لله، وهم المرجوع إليهم فى هذا الشأن والمعوّل عليهم فى فهم القرآن. وقد تقدم عن عثمان، وعبد الله بن عمر، وغيرهما أنهما قالا فى المطلقة ثلاثا: لا يحلها إلا نكاح رغبة، لا نكاح دِلسة.
قال أهل اللغة: المدالسة: المخادعة.
وقال أيوب السختيانى فى المحتالين: يخادعون الله كما يخادعون الصبيان، فلو أتوا الأمر عياناً كان أهون علىّ.
وقال شريك بن عبد الله القاضى فى كتاب الحيل: هو كتاب المخادعة.
وكذلك المعاهدون إذا أظهروا للرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنهم يريدون سلمه، وهم يقصدون بذلك المكُر به من حيث لا يشعر. فيظهرون له أمانا ويبطنون له خلافه. كما أن المحلل والمرابى يظهران النكاح والبيع المقصودين، ومقصود هذا الطلاق بعد استفراش المرأة، ومقصود الآخر ما تواطآ عليه قبل إظهار العقد، من بيع الألف الحالة بالألف والمائتين إلى أجل، فمخالفة ما يدل عليه العقد شرعاً أو عرفاً خديعة.
قال: وتلخيص ذلك أن مخادعة الله تعالى حرام، والحيل مخادعة لله.
بيان الأول: أن الله تعالى ذم المنافقين بالمخادعة وأخبر أنه خادعهم، وخدعه للعبد عقوبة تستلزم فعله للمحرم.
وبيان الثانى: أن ابن عباس وأنساً وغيرهما من الصحابة والتابعين أفتوا أن التحليل ونحوه من الحيل مخادعة لله تعالى، وهم أعلم بكتاب الله تعالى.
الثانى: أن المخادعة إظهار شئ من الخير وإبطان خلافه كما تقدم.
الثالث: أن المنافق لما أظهر الإسلام، ومراده غيره، سمى مخادعا لله تعالى، وكذلك المرابى. فإن النفاق والربى من باب واحد. فإذا كان هذا الذى أظهر قولاً غير معتقد ولا مريد لما يفهم منه، وهذا الذى أظهر فعلاً غير معتقد ولا مريد لما شرع له مخادعاً. فالمحتال لا يخرج عن أحد القسمين: إما إظهار فعل لغير مقصوده الذى شرع له، أو إظهار قول لغير مقصوده الذى شرع له. وإذا كان مشاركاً لهما فى المعنى الذى سميا به مخادعين وجب أن يشركهما فى اسم الخداع، وعلم أن الخداع اسم لعموم الحيل لا لخصوص هذا النفاق.
стр. 346
الوجه الثانى: أن الله تعالى ذم المستهزئين بآياته، والمتكلم بالأقوال التى جعل الشارع لها حقائق ومقاصد مثل كلمة الإيمان، وكلمة الله تعالى التى يستحل بها الفروج، ومثل العهود والمواثيق التى بين المتعاقدين وهو يريد بها حقائقها المقومة لها، ولا مقاصدها التى جعلت هذه الألفاظ محصلة لها، بل يريد أن يراجع المرأة ليضرها ويسئ عشرتها ولا حاجة فى نكاحها، أو ينكحها ليحلها لمطلقها، لا ليتخذها زوجاً، أو يخلعها ليلبسها، أو يبيع بيعاً جائزاً ومقصوده به ما حرمه الله تعالى ورسوله، فهو ممن اتخذ آيات الله تعالى هزواً. يوضحه:
الوجه الثالث: ما رواه ابن ماجه بإسناد حسن عن أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه. قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "ما بال أقوام يلعبون بحدود الله، ويستهزئون بآياته؟ طلقتك، راجعتك، طلقتك، راجعتك؟ " فجعل المتكلم بهذه العقود غير مريد لحقائقها وما شرعت له مستهزئاً بآيات الله تعالى، متلاعباً بحدوده. ورواه ابن بطة بإسناد جيد، ولفظة "خلعتك، راجعتك، خلعتك، راجعتك".
الوجه الرابع: ما رواه النسائى عن محمود بن لبيد "أن رجلاً طلق امرأته ثلاثاً، على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فقال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ " الحديث، وقد تقدم. فجعله لاعباً بكتاب الله، مع قصده الطلاق، لكنه خالف وجه الطلاق وأراد غير ما أراد الله تعالى به، فإن الله أراد أن يطلق طلاقاً يملك فيه ردّ المرأة إذا شاء، فطلق هو طلاقاً لا يملك فيه ردها.
وأيضاً فإن المرتين والمرات فى لغة القرآن والسنة، بل ولغة العرب، بل ولغات سائر الأمم: لما كان مرة بعد مرة، فإذا جمع المرتين والمرات فى مرة واحدة فقد تعدى حدود الله تعالى وما دل عليه كتابه، فكيف إذا أراد باللفظ الذى رتب عليه الشارع حكما ضد ما قصده الشارع؟.
الوجه الخامس: أن الله سبحانه أخبر عن أهل الجنة الذين بلاهم ما بلاهم به فى سورة
стр. 347
ن وهم قوم كان للمساكين حق فى أموالهم، إذا جذوا نهاراً، بأن يلتقط المساكين ما يتساقط من التمر فأرادوا أن يجدوا ليلا ليسقط ذلك الحق لئلا يأتيهم مسكين وأنه عاقبهم بأنه أرسل على جنتهم طائفاً وهم نائمون فأصبحت كالصريم. وذلك لما تحيلوا على إسقاط نصيب المساكين بأن يصرموها مصبحين قبل مجئ المساكين، فكان فى ذلك عبرة لكل محتال على إسقاط حق من حقوق الله تعالى أو حقوق عباده.
الوجه السادس: أن الله تعالى أخبر [الأعراف: ١٦٣ ١٦٧] عن أهل السبت من اليهود بمسخهم قردة لما احتالوا على إباحة ما حرمه الله تعالى عليهم من الصيد بأن نصبوا الشباك يوم الجمعة، فلما وقع فيها الصيد أخذوه يوم الأحد. قال بعض الأئمة: ففى هذا زجر عظيم لمن يتعاطى الحيل على المناهى الشرعية ممن يتلبس بعلم الفقه وهو غير فقيه إذ الفقيه من يخشى الله تعالى بحفظ حدوده وتعظيم حرماته والوقوف عندها، ليس المحتال على إباحة محارمه وإسقاط فرائضه. ومعلوم أنهم لم يستحلوا ذلك تكذيباً لموسى ﵇ وكفراً بالتوراة، وإنما هو استحلال تأويل واحتيال، ظاهره ظاهر الاتقاء، وباطنه باطن الاعتداء، ولهذا والله أعلم مسخوا قردة، لأن صورة القرد فيها شبه من صورة الإنسان وفى بعض ما يذكر من أوصافه شبه منه، وهو مخالف له فى الحد والحقيقة. فلما مسخ أولئك المعتدون دين الله تعالى بحيث لم يتمسكوا إلا بما يشبه
الدين فى بعض ظاهره دون حقيقته، مسخهم الله تعالى قردة، يشبهونهم فى بعض ظواهرهم دون الحقيقة جزاء وفاقاً، يوضحه:
الوجه السابع: أن بنى إسرائيل كانوا أكلى الربا وأموال الناس بالباطل كما قصه الله
стр. 348
تعالى فى كتابه، وذلك أعظم من أكل الصيد الحرام فى يوم بعينه، ولذلك كان الربا والظلم حراماً فى شريعتنا والصيد يوم السبت غير محرم فيها ثم أن أكلة الربا وأموال الناس بالباطل لم يعاقبوا بالمسخ كما عوقب به مستحلو الحرام بالحيلة وإن كانوا عوقبوا بجنس آخر كعقوبات أمثالهم من العصاة. فيشبه، والله أعلم أن هؤلاء لما كانوا أعظم جرماً إذ هم بمنزلة المنافقين ولا يعترفون بالذنب، بل قد فسدت عقيدتهم وأعمالهم كانت عقوبتهم أغلظ من عقوبة غيرهم، فإن من أكل الربا والصيد الحرام عالما بأنه حرام فقد اقترن بمعصيته اعترافه بالتحريم، وهو إيمان بالله تعالى وآياته. ويترتب على ذلك من خشية الله تعالى ورجاء مغفرته وإمكان التوبة ما قد يقضى به إلى خير ورحمة. ومن أكله مستحلاً له بنوع احتيال تأول فيه، فهو مصر على الحرام، وقد اقترن به اعتقاده الفاسد فى حل الحرام، وذلك قد يفضى به إلى شر طويل.
وقد جاء ذكر المسخ فى عدة أحاديث قد تقدم بعضها فى هذا الكتاب كقوله فى حديث أبى مالك الأشعرى، الذى رواه البخارى فى صحيحه: "وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يوْمِ الْقِيَامَةِ".
وقوله فى حديث أنس: "لَيَبِيتَنَّ رِجَالٌ عَلَى أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَعَزْفٍ، فَيُصْبِحُونَ عَلَى أرَائِكِهمْ مَمْسُوخِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ".
وفى حديث أبى أمامة أيضا: "يَبِيتُ قَوْمٌ مِنْ هذِهِ الامَّةِ عَلَى طعْمٍ وَشرْبٍ وَلَهْوٍ فَيٍُصْبِحُونَ وَقَدْ مُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ".
وفى حديث عمران بن حصين: "يَكُونَ فى أُمَّتِى قَذْفٌ وَمَسْخٌ وَخَسْفٌ".
وكذلك فى حديث سهل بن سعد وكذلك فى حديث على بن أبى طالب، وقوله: " فليرتقبوا عند ذلك ريحاً حمراء، وخسفاً، ومسخاً".
стр. 349
وفى حديثه الآخر: "يمسخ طائفة من أمتى قردة وطائفة خنازير".
وفى حديث أنس رضى الله عنه "ليكونن فى هذه الأمة خسف وقذف ومسخ".
وفى حديث أبى هريرة رضى الله عنه "يمسخ قوم من هذه الأمة فى آخر الزمان قردة وخنازير. قالوا: يا رسول الله، أليس يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله؟ قال: بلى، ويصومون، ويصلون، ويحجون. قالوا: فما بالهم لله؟ قال: اتخذوا المعازف والدفوف، القينات، فباتوا على شربهم ولهوهم. فأصبحوا وقد مسخوا قردة وخنازير".
وفى حديث جبير بن نفير: ليبتلين آخر هذه الأمة بالرجف. فإن تابوا تاب الله عليهم، وإن عادوا عاد الله تعالى عليهم بالرجف، والقذف، والمسخ، والصواعق.
وقال سالم بن أبى الجعد: ليأتين على الناس زمان يجتمعون فيه على باب رجل، ينظرون أن يخرج إليهم، فيطلبوا إليه الحاجة، فيخرج إليهم وقد مسخ قرداً أو خنزيراً، وليمرن الرجل على الرجل فى حانوته يبيع، فيرجع إليه وقد مسخ قرداً أو خنزيراً.
وقال أبو هريرة: لا تقوم الساعة حتى يمشى الرجلان إلى الأمر يعملانه، فيمسخ أحدهما قرداً أو خنزيراً. فلا يمنع الذى نجا منهما ما رأى بصاحبه أن يمضى إلى شأنه ذلك حتى يقضى شهوته، وحتى يمشى الرجلان إلى الأمر يعملانه، فيخسف بأحدهما، فلا يمنع الذى نجا منهما ما رأى بصاحبه أن يمضى لشأنه ذلك، حتى يقضى شهوته منه.
وقال عبد الرحمن بن غَنْمٍ: "يُوشِكُ أَنْ يْقعُدَ أُثْنَانِ عَلَى ثِفَالِ رَحىً يَطْحَنَانِ، فَيُمْسَخُ أحَدُهُمَا وَالآخَرُ يَنْظُرُ".
وقال مالك بن دينار: بلغنى أن ريحاً تكون فى آخر الزمان، وظلم، فيفزع الناس إلى علمائهم، فيجدونهم قد مسخوا.
وقد ساق هذه الأحاديث والآثار وغيرها بأسانيدها ابن أبى الدنيا فى كتاب ذم الملاهى.
فالمسخ على صورة القردة والخنازير واقع فى هذه الأمة ولا بد وهو فى طائفتين: علماء السوء الكاذبين على الله ورسوله، الذين قلبوا دين الله تعالى وشرعه. فقلب الله تعالى صورهم كما قلبوا دينه. والمجاهرين المتهتكين بالفسق والمحارم. ومن لم يمسخ منهم فى الدنيا مسخ فى قبره أو يوم القيامة.
стр. 350
وَقد جاءَ فى حديثٍ الله أَعلم بحَالهِ: "يُحشَرُ أكَلَةُ الرِّبَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فى صَوَرِ الْخَنَازِيرِ وَالْكِلابِ مِنْ أَجْلِ حِيَلهِمْ عَلَى الرِّبَا كمَا مُسِخَ أصحاب دَاوُدَ لاحْتِيَالِهمْ عَلَى أخْذِ الْحِيتَانِ يَوْمَ السَّبْتِ".
وبكل حال فالمسخ لأجل الاستحلال بالاحتيال قد جاء فى أحاديث كثيرة.
قال شيخنا: وإنما ذلك إذا استحلوا هذه المحرمات بالتأويلات الفاسدة. فإنهم لو استحلوها مع اعتقد أن الرسول حرمها كانوا كفار ولم يكونوا من أمته. ولو كانوا معترفين بأنها حرام لأوشك أن لا يعاقبوا بالمسخ، كسائر الذين يفعلون هذه المعاصى، مع اعترافهم بأنها معصية، ولما قيل فيهم: يستحلون. فإن المستحل للشئ هو الذى يفعله معتقداً حله. فيشبه أن يكون استحلالهم للخمر، يعنى أنهم يسمونها بغير اسمها، كما جاء فى الحديث. فيشربون الأنبذة المحرمة، ولا يسمونه خمراً. واستحلالهم المعازف باعتقادهم أن آلات اللهو مجرد سمع صوت فيه لذة. وهذا لا يحرم كأصوات الطيور، واستحلال الحرير وسائر أنواعه باعتقادهم أنه حلال فى بعض الصور كحال الجرب وحال الحكة. فيقيسون عليه سائر الأحوال ويقولون: لا فرق بين حال وحال. وهذه التأويلات ونحوها واقعة فى الطوائف الثلاثة الذين قال فيهم عبد الله بن المبارك ﵀:
وَهَلْ أَفسدَ الدِّينَ إِلا الملُو ... كُ وَأحبَارُ سُوءٍ ورُهْبَانُهَا
ومعلوم أنها لا تغنى عن أصحابها من الله شيئاً بعد أن بلغ الرسول وبين تحريم هذه
стр. 351
الأشياء بيانا قاطعاً للعذر مقيما للحجة. والحديث الذى رواه أبو داود بإسناد صحيح من حديث عبد الرحمن بن غنم عن أبى مالك الأشعرى رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "ليشربن ناس من أمتى الخمر، يسمونها بغير اسمها، يعزف على رؤوسهم بالمعازف والقينات، يخسف الله تعالى بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير".
الوجه الثامن: أن النبى صلى الله تعالى وآله وسلم قال: "إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى" الحديث.
وهو أصل فى إبطال الحيل وبه احتج البخارى على ذلك. فإن من أراد أن يعامل رجلاً معاملة يعطيه فيها ألفاً بألف وخمسمائة إلى أجل فأقرضه تسعمائة، وباعه ثوباً بستمائة يساوى مائة، إنما نوى بإقراض التسعمائة تحصيل الربح الزائد. وإنما نوى بالستمائة التى أظهر أنها ثمن الثوب الربا. والله يعلم ذلك من جذر قلبه وهو يعلمه، ومن عامله يعلمه، ومن أطلع على حقيقة الحال يعلمه، فليس له من عمله إلا ما نواه وقصده حقيقة من إعطاء الألف حالة، وأخذ الألف والخمسمائة مؤجلة، وجعل صورة القرض وصورة البيع محللاً لهذا المحرم.
الوجه التاسع: ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال:
"البَيِّعَانِ بِالخْيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إِلا أنْ يَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ. وَلا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ خَشْيَةَ أنْ يَسْتَقِلهُ".
رواه أحمد وأهل السنن، وحسنه الترمذى.
وقد استدل به الإمام أحمد، وقال: فيه إبطال الحيل.
ووجه ذلك: أن الشارع أثبت الخيار إلى حين التفرق الذى يفعله المتعاقدان بداعية طباعهما. فحرم صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن يقصد المفارق منع الآخر من الاستقالة وهى طلب الفسخ، سواء كان العقد جائزا أو لازماً، لأنه قصد بالتفرق غير ما جعل التفرق فى العرف له. فإنه قصد به إبطال حق أخيه من الخيار، ولم يوضع التفرق لذلك. وإنما جعل التفرق لذهاب كل منهما فى حاجته ومصلحته.
стр. 352
الوجه العاشر: ما روى محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال:
"لا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكبَتِ الْيَهُودُ، وَتَسْتَحِلُّواً مَحَارِمَ اللهِ بِأَدْنَى الْحِيَلِ".
رواه أبو عبد الله بن بطة: حدثنا أحمد بن محمد بن سلام حدثنا الحسن بن الصباح الزعفرانى حدثنا يزيد بن هارون حدثنا محمد بن عمرو، وهذا إسناد جيد يصحح مثله الترمذى.
وهو نص فى تحريم استحلال محارم الله تعالى بالحيل. وإنما ذكر صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أدنى الحيل تنبيها على أن مثل هذا المحرم العظيم الذى قد توعد الله تعالى عليه بمحاربة من لم ينته عنه.
فمن أسهل الحيل على من أراد فعله: أن يعطيه مثلاً ألفاً إلا درهماً باسم القرض، ويبيعه خرقة تساوى درهماً بخمسمائة.
وكذلك المطلق ثلاثاً: من أسهل الأشياء عليه أن يعطى بعض السفهاء عشرة دراهم مثلاً. ويستعيره لينزو على مطلقته فتطيب له، بخلاف الطريق الشرعى. فإنه يصعب معه عودها حلالاً إذ من الممكن أن لا يطلق بل أن يموت المطلق أولا قبله ثم إنه ﵌ نهانا عن التشبه باليهود، وقد كانوا احتالواً
فى الاصطياد يوم السبت، بأن حفرواً خنادق يوم الجمعة تقع فيها الحيتان يوم السبت ثم يأخذونها يوم الأحد، وهذا عند المحتالين جائز. لأن فعل الاصطياد لم يوجد يوم السبت، وهو عند الفقهاء حرام لأن المقصود هو الكف عما ينال به الصيد بطريق التسبب أو المباشرة.
ومن احتيالهم: أن الله لما حرم عليهم الشحوم، تأولواً أن المراد نفس إدخاله الفم، وأن الشحم هو الجامد دون المذاب، فجملوه فباعوه وأكلوا ثمنه، وقالوا: ما أكلنا الشحم، ولم ينظروا فى أن الله تعالى إذا حرم الانتفاع بشئ فلا فرق بين الانتفاع بعينه أو ببدله، إذ البدل يسد مسده. فلا فرق بين حال جامده وودكه، فلو كان ثمنه حلالاً لم يكن فى تحريمه كثير أمر، وهذا هو:
стр. 353
الوجه الحادى عشر: وهو ما روى ابن عباس قال: "بَلَغَ عُمَرَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أنّ فُلاناً بَاعَ خَمْراً. فقَالَ: قَاتَلَ اللهُ فُلاناً، أَلَمْ يَعْلَمْ أَنّ رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ تَعالَى عَليْهِ وآله وسّلمَ قَالَ: "قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ، حُرّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا" متفق عليه.
قال الخطابى: "جملوها" معناه: أذابوها حتى تصير ودكا فيزول عنها اسم الشحم يقال: جملت الشحم، وأجملته، واجتملته. والجميل: الشحم المذاب.
وعن جابر بن عبد الله: أنه سمع النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول: "إِنّ اللهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمرِ وَالمَيْتَةِ، وَالْخَنْزِيرِ، وَالأَصّنَامِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ المَيْتَةِ فإِنّهَا يُطْلَى بهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِح بهَا النّاسُ؟ فَقَالَ: لا، هُوَ حَرَامٌ. ثُمَّ قالَ رَسُولُ الله صلى اللهُ تعالى عليه وآله وسلم عِنْدَ ذلِكَ: قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ، إِنَّ اللهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثمَنَهُ" رواه البخارى وأصله متفق عليه.
قال الإمام أحمد، فى رواية صالح، وأبى الحارث فى أصحاب الحيل: عمدواً إلى السنن، فاحتالوا فى نقضها، فالشئ الذى قيل إنه حرام احتالوا فيه حتى أحلوه. ثم احتج بهذا الحديث، وحديث: "لَعَنَ اللهُ المُحَلِّلَ وَالمُحَلَّلَ لَهُ".
قال الخطابى قد ذكر حديث الشحوم: فى هذا الحديث بطلان كل حيلة يحتال بها المتوصل إلى المحرم، وأنه لا يتغير حكمه بتغير هيئة وتبديل اسمه، وقد مثلت حيلة أصحاب الشحوم بمن قيل له: لا تقرب مال اليتيم، فباعه وأخذ ثمنه فأكله وقال: لم آكل نفس مال اليتيم. أو اشترى شيئاً فى ذمته ونقده وقال: هذا قد ملكته وصار عوضه دينا فى ذمتى، فإنما أكلت ما هو ملكى باطناً وظاهراً.
ولولا أن الله سبحانه رحم هذه الأمة بأن نبيها نبههم على ما لعنت به اليهود، وكان السابقون منها فقهاء أتقياء، علموا مقصود الشارع، فاستقرت الشريعة بتحريم المحرمات: من الميتة والدم ولحم الخنزير وغيرها وإن تبدلت صورها، وبتحريم أثمانها، لطرَّق الشيطان لأهل الحيل ما طرق لهم فى الأثمان ونحوها. إذ البابان باب واحد على ما لا يخفى.
الوجه الثانى عشر: أن باب الحيل المحرمة مداره على تسمية الشئ بغير اسمه، على تغيير
стр. 354
صورته مع بقاء حقيقته، فمداره على تغيير الاسم مع بقاء المسمى، وتغيير الصورة مع بقاء الحقيقة. فإن المحلل مثلا غير اسم التحليل إلى اسم النكاح، واسم المحلل إلى الزوج، وغير مسمى التحليل بأن جعل صورته صورة النكاح، والحقيقة حقيقة التحليل.
ومعلوم قطعاً أن لعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على ذلك إنما هو لما فيه من الفساد العظيم الذى اللعنة من بعض عقوبته، وهذا الفساد لم يزل بتغيير الاسم والصورة مع بقاء الحقيقة، ولا بتقديم الشرط من صلب العقد إلى ما قبله. فإن المفسدة تابعة للحقيقة، لا للاسم ولا لمجرد الصورة.
وكذلك المفسدة العظيمة التى اشتمل عليها الربا لا تزول بتغيير اسمه من الربا إلى المعاملة ولا بتغيير صورته من صورة إلى صورة، والحقيقة معلومة متفق عليها بينهما قبل العقد يعلمها من قلوبهما عالم السرائر فقد اتفقا على حقيقة الربا الصريح قبل العقد، ثم غير اسمه إلى المعاملة، وصورته إلى التبايع الذى لا قصد لهما فيه ألبتة وإنما هو حيلة ومكر ومخادعة الله تعالى ولرسوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم.
وأىّ فرق بين هذا وبين ما فعلته اليهود من استحلال ما حرم الله عليهم من الشحوم بتغيير اسمه وصورته؟ فإنهم أذابوه حتى صار ودكا وباعوه وأكلواً ثمنه وقالوا: إنما أكلنا الثمن، لا المثمن، فلم نأكل شحماً.
وكذلك من استحل الخمر باسم النبيذ كما فى حديث أبى مالك الأشعرى رضى الله عنه عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه قال: "ليشربنّ ناس من أمتى الخمر، يسمونها بغير اسمها، يعزف على رؤوسهم بالمعازف والقينات، يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير".
وإنما أتى هؤلاء من حيث استحلوا المحرمات بما ظنوه من انتفاء الاسم، ولم يلتفتوا إلى وجود المعنى المحرم وثبوته، وهذا بعينه هو شبهة اليهود فى استحلال بيع الشحم بعد جمله، واستحلال أخذ الحيتان يوم الأحد بما أو أوقعوها به يوم السبت فى الحفائر والشباك من فعلهم يوم الجمعة، وقالوا: ليس هذا صيد يوم السبت، ولا استباحة لنفس الشحم بل الذى
стр. 355
يستحل الشراب المسكر، زاعما أنه ليس خمراً مع علمه أن معناه معنى الخمر ومقصوده مقصوده وعمله عمله أفسد تأويلا. فإن الخمر اسم لكل شراب مسكر كما دلت عليه النصوص الصحيحة الصريحة، وقد جاء هذا الحديث عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من وجوه أخرى.
منها: ما رواه النسائى عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "يشرب ناس من أمتى الخمر يسمونها بغير اسمها" وإسناده صحيح.
ومنها: ما رواه ابن ماجه عن عبادة بن الصامت يرفعه: "يشرب ناس من أمتى الخمر يسمونها بغير اسمها" ورواه الإمام أحمد، ولفظه: "ليستحلنّ طائفة من أمتى الخمر".
ومنها: ما رواه ابن ماجه أيضاً من حديث أبى أمامة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "لا تذهب الليالى والأيام حتى تشرب طائفة من أمتى الخمر يسمونها بغير اسمها".
فهؤلاء إنما شربوا الخمر استحلالاً لما ظنوا أن المحرم مجرد ما وقع عليه اللفظ، وأن ذلك اللفظ لا يتناول ما استحلوه. وكذلك شبهتهم فى استحلال الحرير والمعازف، فإن الحرير أبيح للنساء وأبيح للضرورة، وفى الحرب. وقد قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الّتِى أخْرَجَ لِعبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] .
والمعازف قد أبيح بعضها فى العرس ونحوه، وأبيح الحداء، وأبيح بعض أنواع الغناء. وهذه الشبهة أقوى بكثير من شبه أصحاب الحيل. فإذا كان من عقوبة هؤلاء: أن يمسخ بعضهم قردة وخنازير، فما الظن بعقوبة من جرمهم أعظم، وفعلهم أقبح؟ فالقوم الذين يخسف بهم ويمسخون،. إنما فعل ذلك بهم من جهة التأويل الفاسد الذى استحلواً به المحارم بطريق الحيلة، وأعرضواً عن مقصود الشارع وحكمته فى تحريم هذه الأشياء. ولذلك مسخواً قردة وخنازير كما مسخ أصحاب السبت بما تأولوا من التأويل الفاسد الذى استحلواً به المحارم، وخسف ببعضهم كما خسف بقارون، لأن فى الخمر والحرير والمعازف من الكبر والخيلاء ما فى الزينة التى خرج فيها قارون على قومه، فلما مسخوا دين الله تعالى مسخهم الله، ولما تكبروا عن الحق أذلهم الله تعالى، فلما جمعوا بين الأمرين جمع الله لهم بين هاتين
следующие страницы →