← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11688

إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان - ت الفقي

ابن القيم

Полный текст (760 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وللاستمتاع، وهذا النكاح جعله أصحابه سبباً لا نقطاعه، ولوقوع الطلاق فيه، فإنه متى وطئ كان وطؤه سبباً لانقطاع النكاح، وهذا ضد شرع الله. وأيضا. فإن الله سبحانه جعل نكاح الثانى وطلاقه واسمه كنكاح الأول وطلاقه واسمه. فهذا زوج، وهذا زوج، وهذا نكاح، وهذا نكاح، وكذلك الطلاق، ومعلوم أن نكاح المحلل وطلاقه واسمه لا يشبه نكاح الأول ولا طلاقه، ولا اسمه كاسمه، ذاك زوج راغب، قاصد للنكاح. باذل للمهر، ملتزم للنفقة والسكنى والكسوة وغير ذلك من خصائص النكاح، والمحلل برئ من ذلك كله، غير ملتزم لشئ منه. وإذا كان الله تعالى ورسوله قد حرّم نكاح المُتْعة مع أن قصد الزوج الاستمتاع بالمرأة، وأن يقيم معها زماناً، وهو ملتزم لحقوق النكاح، فالمحلل الذى ليس له غرض أن يقيم مع المرأة إلا قدر ما ينزُو عليها كالتيس المستعار لذلك ثم يفارقها أولى بالتحريم. وسمعت شيخ الإسلام يقول: نكاح المتعة خير من نكاح التحليل من عشرة أوجه: أحدها: أن نكاح المتعة كان مشروعاً فى أول الإسلام، ونكاح التحليل لمُ يشرع فى زمن من الأزمان. الثانى: أن الصحابة تمتعوا على عهد النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، ولم يكن فى الصحابة محلل قط. الثالث: أن نكاح المتعة مختلف فيه بين الصحابة، فأباحه ابن عباس، وإن قيل: إنه رجع عنه، وأباحه عبد الله بن مسعود. ففى "الصحيحين" عنه قال: "كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ تعالى عليه وآله وسلم، وَلَيْسَ لَنَا نِسَاءٌ، فَقُلْنَا: أَلا نَخْتَصِى؟ فَنَهانَا عَنْ ذلِكَ، ثُمَّ رَخّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ المَرْأَةَ بِالثّوْبِ إِلى أَجَلٍ". ثم قرأ عبد الله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طيِّبَاتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] . وَفتْوَى ابن عباس بها مشهورة. قال عُروة: "قام عبد الله بن الزبير بمكة فقال: إن ناساً أعمى الله قلوبهم، كما أعمى أبصارهم، يفتون بالمتعة يُعرِّض بعبد الله بن عباس، فناداه، فقال: إنك لجِلْفُ جافٍ، فلعمرى لقد كانت المتعة تُفعل على عهد إمام المتقين، يريد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم،

стр. 282

فقال له ابن الزبير: فجرّبْ نفسك، فو الله لئن فعلتها لأرجمنَّك بأحجارك". فهذا قول ابن مسعود وابن عباس فى المتعة، وذاك قولهما وروايتهما فى نكاح التحليل. الرابع: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لم يجئ عنه فى لعن المستمتع والمستمتع بها حرف واحد، وجاء عنه فى لعن المحلل والمحلل له، وعن الصحابة: ما قد تقدم. الخامس: أن المستمتع له غرض صحيح فى المرأة، ولها غرض أن تقيم معه مدة النكاح. فغرضه المقصود بالنكاح مدة، والمحلل لا غرض له سوى أنه مستعار للضراب كالتيس. فنكاحه غير مقصود له، ولا للمرأة، ولا للولى، وإنما هو كما قال الحسن: "مسمار نار فى حدود الله" وهذه التسمية مطابقة للمعنى. قال شيخ الإسلام: يريد الحسن: أن المسمار هو الذى يثبت الشئ المسمور، فكذلك هذا يثبت تلك المرأة لزوجها، وقد حرمها الله عليه. السادس: أن المستمتع لم يحتل على تحليل ما حرم الله، فليس من المخادعين الذين يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان، بل هو ناكح ظاهراً وباطنا، والمحلل ماكر مخادع، متخذ آيات الله هزواً. ولذلك جاء فى وعيده ولعنه ما لم يجئ فى وعيد المستمتع مثله، ولا قريب منه. السابع: أن المستمتع يريد المرأة لنفسه، وهذا هو سر النكاح ومقصوده، فيريد بنكاحه حلها له، ولا يطؤها حراماً، والمحلل لا يريد حلها لنفسه، وإنما يريد حلها لغيره، ولهذا سمى محللاً، فأين من يريد أن يحُل له وَطء امرأة يخاف أن يطأهاً حراماً إلى من لا يريد ذلك، وإنما يريد بنكاحها أن يحُل وطأها لغيره؟ فهذا ضد شرع الله ودنيه، وضد ما وُضع له النكاح. الثامن: أن الفِطَر السليمة والقلوب التى لم يتمكن منها مرض الجهل والتقليد تنفر من التحليل أشد نفار، وتُعِّير به أعظم تعيير، حتى إن كثيراً من النساء تعير المرأة به أكثر مما تعيرها بالزنا، ونكاح المتعة لا تنفر منه الفطر والعقول، ولو نفرت منه لم يُبَح فى أول الإسلام. التاسع: أن نكاح المتعة يشبه إجارة الدابة مدة للركوب، وإجارة الدار مدة للانتفاع

стр. 283

والسكنى، وإجارة العبد للخدمة مدة، ونحو ذلك، مما للباذل فيه غرض صحيح. ولكن لما دخله التوقيت أخرجه عن مقصود النكاح، الذى شرع بوصف الدوام والاستمرار، وهذا بخلاف نكاح المحلل، فإنه لا يشبه شيئاً من ذلك، ولهذا شبهه الصحابة رضى الله عنهم بالسفاح، وشبهوه باستعارة التيس للضراب. العاشر: أن الله سبحانه نصب هذه الأسباب، كالبيع والإجارة، والهبة والنكاح، مفْضِيةً إلى أحكام جعلها مسببات لها ومقتضيات، فجعل البيع سببا لملك الرَّقبة، والاجارة سبباً لملك المنفعة أو الانتفاع، والنكاح سبباً لملك البضع وحل الوطء. والمحلل مناقضٌ معاكس لشرع الله تعالى ودينه، فإنه جعل نكاحه سبباً لتمليك المطلق- البضع وإحلاله له، ولم يقصد بالنكاح ما شرعه الله له من ملكه هو للبضع، وحله له، ولا له غرض فى ذلك، ولا دخل عليه. وإنما قصد به أمراً آخر لم يشرع له ذلك السبب، ولم يجعل طريقاً له. الحادى عشر: أن المحلل من جنس المنافق، فإن المنافق يظهر أنه مسلم ملتزم لعقد الإسلام ظاهراً وباطنا، وهو فى الباطن غير ملتزم له. وكذلك المحلل يظهر أنه زوج، وأنه يريد النكاح، ويسمى المهر، ويشهد على رضى المرأة، وفى الباطن بخلاف ذلك، لا يريد أن يكون زوجاً، ولا أن تكون المرأة زوجة له، ولا يريد بذل الصداق، ولا القيام بحقوق النكاح، وقد أظهر خلاف ما أبطن، وأنه مريد لذلك. والله يعلم والحاضرون والمرأة وهو، والمطلق: أن الأمر كذلك، وأنه غير زوج على الحقيقة، ولا هى امرأته على الحقيقة. الثانى عشر: أن نكاح المحلل لا يشبه نكاح أهل الجاهلية، ولا نكاح أهل الإسلام، فكان أهل الجاهلية يتعاطون فى أنكحتهم أموراً منكرة، ولم يكونوا يرضون نكاح التحليل، ولا يفعلونه. ففى "صحيح البخارى" عن عروة بن الزبير أن عائشة رضى الله عنها أخبرته: "أن النكاح فى الجاهلية كان على أربعة أنحاء: فنكاح منها نكاح الناس اليوم: يخطب الرجل إلى الرجل وليَّته أو ابنته، فيصدقها ثم ينكحها". و"نكاح آخر: كان الرجل يقول لامرأته، إذا طهرت من طمثها: أرسلى إلى فلان، فاستبضعى منه، فيعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا، حتى يتبين حملها من ذلك الرجل، الذى تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك

стр. 284

رغبة فى نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع، ونكاح آخر: يجتمع الرهط مادون العشرة، فيدخلون على المرأة، كلهم يصيبها فإذا حملت ووضعت ومرَّ ليالى بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع، حتى يجتمعوا عندها، فتقول لهم: قد عرفتم الذى كان من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان، تسمى من أحبت باسمه، فيلحق به ولدها، لا يستطيع أن يمتنع منه، ونكاح رابع: يجتمع الناس الكثير، فيدخلون على المرأة، ولا تمنع من جاءها، وهن البغايا. كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علماً، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن فوضعت حملها جمعوا لها ودعوا لهم القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذى يرون فالتاط به ودعى ابنه لا يمتنع من ذلك. فلما بعث الله تعالى محمداً صلى الله تعالي عليه وآله وسلم بالحق هدم نكاح الجاهلية كله، إلا نكاح الناس اليوم. ومعلوم أن نكاح المحلل ليس من نكاح الناس الذى أشارت إليه عائشة رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أقره ولم يهدمه، ولا كان أهل الجاهلية يرضون به، فلم يكن من أنكحتهم، فإن الفطر والأمم تنكره وتعير به. فصل وسبب هذا كله: معصية الله ورسوله، وطاعة الشيطان فى إيقاع الطلاق على غير الوجه الذى شرعه الله، والله سبحانه يبغض الطلاق فى الأصل، كما روى أبو داود من حديث عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "أَبْغَضُ الْحَلالِ إِلَى الله تَعَالَى الطَّلاقُ". وفى سنن ابن ماجه من حديث أبى موسى رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "مَا بَالُ قَوْمٍ يلْعَبُونَ بحُدُودِ اللهِ يَقُولُ: قدْ طَلَّقْتُكِ، قدْ رَاجَعْتُكِ، قَدْ طَلّقْتُكِ". وفى "صحيح" مسلم عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فأَدْنَاهُمْ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِىءُ

стр. 285

أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا فيقَولُ: مَا صَنَعْتُ شَيئاً، قالَ: وَيَجِىء أَحَدُهُمْ، فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِه، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ، أَوْ قَالَ فَيَلْتَزِمُهُ، ويَقُولُ: نَعَمْ أَنْتَ أَنْتَ". فالشيطان وحزبه قد أغروا بإيقاع الطلاق، والتفريق بين المرء وزوجه، وكثيراَ ما يندم المطلق، ولا يصبر عن امرأته، ولا تطاوعه نفسه أن يصبر عنها إلى أن تتزوج زواج رغبة تبقى فيه مع الزوج إلى أن يموت عنها أو يفارقها إذا قضى منها وطره، ولابد له من المرأة، فيهرع إلى التحليل وهو حيلة من عشر حيل نصبوها للناس. إحداها: التحيل على عدم وقوع الطلاق، وهو نوعان، تحيل على عدم وقوعه مع صحة النكاح بالتسريح، فيأمرونه أن يقول لها: إذا طلقتك، أو إذا وقع عليك طلاقى، فأنت طالق قبله ثلاثا، فلا يمكن أن يقع عليها الطلاق بعد هذا، لا مطلقاً ولا مقيدا عن المسرحين، فسدوا باب الطلاق وجعلوا المرأة كالغل فى عنق الزوج، لا سبيل له إلى طلاقها أبدا. الحيلة الثانية: التحيل على عدم وقوع الطلاق، يكون النكاح فاسداً، فلا يقع فيه الطلاق، ويتحيلون لبيان فساده من وجوه: منها: أن عدالة الولى شرط فى صحته، فإذا كان فى الولى ما يقدح فى عدالته، فالنكاح باطل، فلا يقع فيه الطلاق، والقوادح كثيرة، فلا تكاد تفتش فيمن شئت إلا وجدت فيه قادحاً. ومنها: أن عدالة الشهود شرط، والشاهد يفسق بجلوسه على مقعد حرير، أو استناده إلى مسند حرير، أو جلوسه تحت حركاة حرير، أو تجمره بمجمرة فضة، ونحو ذلك، مما لا يكاد يخلو البيت منه وقت العقد ونحو ذلك. فيا للعجب، يكون الوطء حلالا، والنسب لاحقاً، والنكاح صحيحاً حتى يقع الطلاق، فحينئذ يطلب وجوه إفساده. الحيلة الثالثة: التحيل بالمخالعة، حتى يفعل المحلوف عليه، فإذا فعله تزوجها بعقد جديد. الحيلة الرابعة: إذا وقع الفأس فى الرأس، وحنث، ولابد، اشترى غلاماً دون البلوغ

стр. 286

وزوجه بها وأمرها أن تمكنه من إيلاج الحشفة هناك، فإذا فعل وهبها إياه فانفسخ نكاحها بملكه فتعتد وترد إلى المطلق، فإن عجزوا عن ذلك وآعوزهم انتقلوا إلى: الحيلة الخامسة: وهى استكراء التيس الملعون المستعار لينزوا عليها ويحلها بزعمه، فهذه خمس حيل للخاصة. وأما جهال العامة فلما رأوا أن المقصود التحيل على ردها إلى المطلق بأى طريق اتفق ٠ قالوا: المقصود هو الرجوع، والحيلة مقصودة لغيرها، وأعيان الحيل ليست مقصودة، فاستنبطوا لهم خمس حيل أخرى. إحداها: أن يأمروا المحلل بأن يطأها برجله، فيطأها، وهى قاعدة أو مضطجعة برجله ثم يخرج، ورأوا أن الوطء بالرجل أسهل عليهم وأقل مفسدة من الوطء بالآلة. فإنه إذا كان كلاهما غير مقصود، فما كان أقل فساداً كان أقرب إلى المقصود. الحيلة الثانية: أن تكون حاملاً فتلد ذكراً، وكأنهم قاسوا الذكر الذى شقها خارجاً على الذكر الذى يشقها داخلاً، وهذا من جنس قياس التيس الملعون على الزوج المقصود. الحيلة الثالثة: أن يصب المحلل عليها دهنا يشربه جسدها ولا يطؤها، وكأنهم قاسوا تشرب جسدها للدهن وسريانه فيه على شربه للنطفة وسريانها فيه. الحيلة الرابعة: السفر عنها أو سفرها عنه، فإذا قدم ظن أن ذلك كاف عن الزوج، ولا أدرى من أين ألقى إليهم الشيطان ذلك، وكأنهم ظنوا أنهم قد التقوا من الآن، وأن السفر قطع حكم ما مضى رأساً. الحيلة الخامسة: أن يجتمعا على عرفات، فإذا وقف بها على الجبل لم يحتج بعد ذلك إلى زوج آخر عندهم، وقد سئلنا نحن وغيرنا عن ذلك وسمعناه منهم.

стр. 287

فصل واعلم أن من اتقى الله فى طلاقة، فطلق كما أمره الله ورسوله، وشرعه له. أغناه عن ذلك كله، ولهذا قال تعالى، بعد أن ذكر حكم الطلاق المشروع: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ [الطلاق: ٢] . فلو اتقى الله عامة المطلقين لاستغنوا بتقواه عن الآصار والأغلال، والمكر والاحتيال، فإن الطلاق الذى شرعه الله سبحانه: أن يطلقها طاهراً من غير جماع، ويطلقها واحدة، ثم يدعها حتى تنقضى عدتها. فإن بدا له أن يمسكها فى العدة أمسكها، وإن لم يراجعها حتى انقضت عدتها أمكنه أن تستقبل عليها من غير زوج آخر، وإن لم يكن له فيها غرض لم يضره أن تتزوج بزوج غيره، فمن فعل هذا لم يندم، ولم يحتج إلى حيلة بزوج ولا تحليل. ولهذا سئل ابن عباس عن رجل طلق امرأته مائة؟ فقال: "عصيت ربك، وفارقت امرأتك، لم تتق الله فيجعل لك مخرجاً". وقال سعيد بن جبير: "جاء رجل إلى ابن عباس، فقال: إنى طلقت امرأتى ألفا، فقال: أما ثلاث فتحرم عليك امرأتك، وبقيتهن وزر، اتخذت آيات الله هزوا". وقال مجاهد: "كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل، فقال: إنه طلق امرأته ثلاثا. فسكت، حتى ظننت أنه رادّها إليه، ثم قال: ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة، ثم يقول: يا ابن عباس، يا ابن عباس، وإن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ يَتَّق اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ [الطلاق: ٢] ، وإنك لم تتق الله، فلا أجد لك مخرجاً، عصيت ربك، وبانت منك امرأتك، ذكره أبو داود. وقد روى النسائى عن محمود بن لبيد قال: " أُخْبِرَ رسُولُ الله ﷺ عَنْ رَجُلٍ طَلّقَ امْرأَتَهُ ثَلاثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعاً، فقَامَ غَضْبَانَ، ثُمَّ قَالَ: أَيُلْعَبُ بِكِتَاب اللهِ وَأَنَآ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ حَتَّى قَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلا أَقْتُلهُ؟ ". وهذه الآثار موافقة لما دل عليه القرآن، فإن الله سبحانه إنما شرع الطلاق مرة بعد مرة. ولم يشرعه جملة واحدة أصلاً. قال تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ، والمرتان فى لغة العرب، بل وسائر لغات الناس إنما تكون لما يأتى مرة بعد مرة، فهذا القرآن من أوله إلى

стр. 288

آخره، وسنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وكلام العرب قاطبة شاهد بذلك، كقوله تعالى: ﴿سَنُعذَبُهُمْ مَرَّتَينِ﴾ [التوبة: ١٠١] وقوله: ﴿أَولاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلِّ عَامٍ مَرّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٢٦] وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلَم مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النور: ٥٨] . ثم فسرها بالأوقات الثلاثة، وشواهد هذا أكثر من أن تحصى. ثم قال سبحانه: ﴿فَإِنْ طَلّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] . فهذه هى المرة الثالثة. فهذا هو الطلاق الذى شرعه الله سبحانه مرة بعد مرة، فهذا شرعه من حيث العدد. وأما شرعه من حيث الوقت: فشرع الطلاق للعدة، وقد فسره النبى ﵌ بأن يطلقها طاهراً من غير جماع، فلم يشرع جمع ثلاث، ولا تطليقتين، ولم يشرع الطلاق فى حيض، ولا فى طهر وطئها فيه، وكان المطلق فى زمن رسول الله ﵌ كله وزمن أبى بكر كله، وصدرا من خلافة عمر رضى الله عنهما، إذا طلق ثلاثاً يحسب له واحدة، وفى ذلك حديثان صحيحان: أحدهما رواه مسلم فى "صحيحه"، والثانى: رواه الإمام أحمد فى "مسنده". فأما حديث مسلم: فرواه من طريق ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: "كانَ الطّلاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ تعالى عليهِ وآله وسلمَ وأبى بكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلافَةِ عُمَر: طَلاَقُ الثَّلاثِ وَاحِدَةٌ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فى أَمْرِ كانَتْ لَهُمْ أنَاةٌ، فَلَوْ أمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ؟ فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ". وفى "صحيحه" أيضاً عن طاوس: أن أبا الصهباء قال لابن عباس: "هَاتِ مِنْ هُنَيَّاتِكَ: ألَمْ يَكُنِ الطّلاقُ الثّلاثُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ تعَالَى علَيْهِ وآله وسلّمَ، وَأبى بَكْرٍ وَاحِدَةً؟ فقَالَ: قَدْ كانَ ذلِكَ فَلَمَّا كَانَ فى عَهْدِ عُمر تَتَايعَ النَّاسُ فى الطلاقِ، فأَجَازَهُ عَلَيْهِمْ". وفى لفظ لأبى داود: "أن رجلاً يقال له: أبو الصهباء، كان كثير السؤال لابن عباس، قال:

стр. 289

أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأبى بكر، وصدرا من إمارة عمر رضى الله عنهما؟ فقال ابن عباس: بلى، كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة، على عهد رسول الله صلى الله تعالى وآله وسلم، وأبى بكر، وصدراً من إمارة عمر رضى الله عنهما، فلما رأى الناس قد تتابعوا فيها قال: أجرهن عليهم"، هكذا فى هذه الرواية: "قبل أن يدخل بها" وبها أخذ إسحاق بن راهويه، وخلق من السلف، جعلوا الثلاث واحدة فى غير المدخول بها. وسائر الروايات الصحيحة ليس فيها: "قبل الدخول" ولهذا لم يذكر مسلم منها شيئاً. وهذا الحديث قد رواه عن ابن عباس ثلاثة نفر: طاوس وهو أجل من روى عنه، وأبو الصهباء العدوى، وأبو الجوزاء. وحديثه عند الحاكم فى "المستدرك". ولفظه: "أن أبا الجوزاء أتى ابن عباس فقال: أتعلم أن الثلاث كنّ يرددن على عهد رسول الله عليه الصلاة السلام إلى واحدة؟ قال: نعم"، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرّجاه. ورواية طاوس نفسه عن ابن عباس ليس فى شئ منها "قبل الدخول" وإنما حكى ذلك طاوس عن سؤال أبى الصهباء لابن عباس، فأجابه ابن عباس بما سأله عنه. ولعله إنما بلغه جعل الثلاث واحدة فى حق مطلق قبل الدخول، فسأل عن ذلك ابن عباس، وقال: "كانوا يجعلونها واحدة"، فقال له ابن عباس "نعم" أى الأمر على ما قلت. وهذا لا مفهوم له فإن التقييد فى الجواب وقع فى مقابلة تقييد السؤال، ومثل هذا لا يعتبر مفهومه. نعم. لو لم يكن السؤال مقيداً فقيد المسئول الجواب، كان مفهومه معتبراً، وهذا كما إذا سئل عن فأرة وقعت فى سمن، فقال: "إِذَا وَقَعَتِ الْفَأْرَةُ فى السَّمْنِ فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلهَا وَكُلُوهُ". لم يدل ذلك على تقييد الحكم بالسمن خاصة. وبالجملة فغير المدخول بها فرد من أفراد النساء، فذكر النساء مطلقاً فى أحد الحديثين،

стр. 290

وذكر بعض أفرادهن فى الحديث الآخر، لا تعارض بينهما. وأما الحديث الآخر: فقال أبو داود فى "سننه": حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج قال: أخبرنى بعض بنى أبى رافع- مولى النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- عن عكرمة عن ابن عباس قال: "طَلّقَ عَبْدُ يَزِيدَ- أبُوُ رُكانَةَ وَإِخْوَتِهِ- أُمَّ رُكانَة وَنَكَحَ امْرَأةً مِنْ مُزَيْنَةَ، فَجَاءَتْ إِلَى الّنبىِّ صَلّى اللهُ تعالى عليهِ وآله وسلم، فقَالَتْ: مَا يُغنى عَنِّى إِلا كما تُغْنِى هذِه الشعرةُ- لِشعرةٍ أخذَتها منْ رَأَسها- فَفرقْ بْينَىِ وَبَيَنْهُ، فَأَخَذَتِ النَّبىَّ صلى اللهُ تعالى عليه وآله وسلمَ حَمِيّةٌ، فَدَعَا بِرُكانَة وَإخْوَتِهِ، ثُمَّ قَالَ لُجُلَسَائِه: "أَتَرَوْنَ فُلاناً يُشْبِهُ مِنْهُ كَذَا وكَذَا؟ مِنْ عَبْدِ يَزِيدَ، وَفُلاناً يشبه مِنْهُ كَذَا وَكَذَا؟ " قَالُوا: نَعمْ، فقَالَ النّبىُّ ﵌: "طَلِّقْهَا"، فَفعَلَ، فقَالَ: رَاجِعِ امْرَأتَكَ أُمَّ رُكَانَة، فَقَالَ: إِنِّى طَلّقْتُهَا ثَلاثاَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: قَدْ عَلِمْتُ، رَاجِعْهَا، وَتَلا: ﴿يَأَيُّهَا النَّبىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاءَ فَطَلَقُوهُنَّ لِعدَّتِهنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ... الآية﴾ [الطلاق: ١] ". فأمره أن يراجعها وقد طلقها ثلاثا، وتلا الآية التى هى وما بعدها صريحة فى كون الطلاق الذى شرعه الله لعباده هو الطلاق الذى يكون للعدة، فإذا شارفت انقضاءها، فإما أن يمسكها بمعروف أو يفارقها بمعروف، وأنه سبحانه شرعه على وجه التوسعة والتيسير، فلعل المطلق أن يندم، فيكون له سبيل إلى الرجعة، وهو قوله تعالى: ﴿لا تَدْرِى لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بعد ذلِكَ أَمْراً﴾ [الطلاق: ١] . فأمره بالمراجعة، وتلاوته الآية كاف فى الاستدلال على ما كان عليه الحال. فإن قيل: فهذا الحديث فيه مجهول، وهو بعض بنى [أبى] رافع، والمجهول لا تقوم به حجة. فالجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: أن الإمام أحمد قد قال فى "المسند": حدثنا سعد بن إبراهيم حدثنا أبى عن محمد بن إسحق قال: حدثنى داود بن الحصين عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس قال:

стр. 291

"طلق ركانة بن عبد يزيد- أخو المطلب- امرأته ثلاثاً فى مجلس واحد، فحزن عليها حزناً شديداً، فسأله رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "كيف طلقتها؟ " قال: طلقتها ثلاثاً قال: "فى مجلس واحد؟ " قال: نعم، قال: "فإنما تلك واحدة، فارجعها إن شئت"، قال: فراجعها" قال: "وكان ابن عباس يرى أن الطلاق عند كل طهر". ورواه الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسى فى "مختاراته" التى هى أصح من "صحيح الحاكم". فهذا موافق للأول، وكلاهما موافق لحديث طاوس، وأبى الصهباء، وأبى الجوزاء عن ابن عباس، وطاوس وعكرمة أعلم أصحاب ابن عباس. فإن عكرمة كان مولاه مصاحبا له وكان يقيده على العلم، وكان طاوس خاصاً عنده يجتمع به كثيراً، ويدخل عليه مع الخاصة. وكان طاوس وعكرمة يفتيان بأن الثلاث واحدة، وكذلك ابن إسحق، لما صح عنده هذا الحديث أفتى بموجبه، وكان يقول: "جَهِلَ السُّنَّةَ فَيُرَدُّ إِلَيْهَا". فرواة هذا الحديث أفتوا به وعملوا به. وعن ابن عباس فيه روايتان إحداهما: موافقة عمر رضى الله عنه تأديبا وتعزيرا للمطلقين، والثانية: الإفتاء بموجبه. وروى حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس- وحسبك بهذا السند صحة وجلالة- "إذا قال: أنت طالق ثلاثا بفم واحد، فهى واحدة" ذكره أبو داود في "السنن". الوجه الثانى: أن هذا المجهول هو من التابعين، من أبناء مولى النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، ولم يكن الكذب مشهوراً فيهم، والقصة معروفة محفوظة، وقد تابعه عليها داود بن الحصين وهذا يدل على أنه حفظها. الوجه الثالث: أن روايته لم يعتمد عليها وحدها، فقد ذكرنا رواية داود بن الحصين، وحديث أبى الصهباء، فهب أن وجود روايته وعدمها سواء، ففى حديث داود كفاية، وقد زالت تهمة تدليس ابن إسحاق بقوله "حدثنى به" وقد احتج الأئمة بهذا السند بعينه فى حديث

стр. 292

تقدير العرايا بخمسة أوسق أو دونها، وأخذوا به وعملوا بموجبه، مع مخالفة عمومات الأحاديث الصحيحة فى منع بيع الرطب بالتمر له: والقول بهذه الأحاديث موافق لظاهر القرآن، ولأقوال الصحابة، وللقياس ومصالح بنى آدم. أما ظاهر القرآن: فإن الله سبحانه شرع الرجعة فى كل طلاق، إلا طلاق غير المدخول بها، والمطلقة طلقة ثالثة بعد الأولتين، وليس فى القرآن طلاق بائن قط، إلا فى هذين الموضعين وأحدهما بائن غير محرم، والثانى بائن محرم، وقال تعالى: ﴿الطّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] . والمرتان ما كان مرة بعد مرة، كما تقدم.

стр. 293

وأما القياس، فإن الله سبحانه قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شهَادَاتٍ بِاللهِ﴾ [النور: ٦] ، ثم قال: ﴿وَيَدْرَؤا عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبع شَهَادَاتٍ بِاللهِ﴾ [النور: ٨] ، فلو قال: أشهد بالله أربع شهادات إنى صادق، أو قالت: أشهد بالله أربع شهادات إنه كاذب، كانت شهادة واحدة، ولم تكن أربعا، فكيف يكون قوله، أنت طالق ثلاثاً ثلاث تطليقات؟ وأى قياس أصح من هذا؟ وهكذا كل ما يعتبر فيه العدد من الإقرار ونحوه، ولهذا لو قال المقر بالزنى: إنى أقر بالزنى أربع مرات، كان ذلك مرة واحدة، وقد قال الصحابة لماعز: "إن أقررت أربعا رجمك رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم" فلو قال: أقر به أربع مرات، كانت مرة واحدة. فهكذا الطلاق سواء. فهذا القياس، وتلك الآثار، وذاك ظاهر القرآن. وأما أقوال الصحابة: فيكفى كون ذلك على عهد الصديق، ومعه جميع الصحابة، لم يختلف عليه منهم أحد، ولا حكى في زمانه القولان، حتى قال بعض أهل العلم: إن ذلك إجماع قديم وإنما حدث الخلاف فى زمن عمر رضى الله عنه، واستمر الخلاف فى المسألة إلى وقتنا هذا، كما سنذكره. قالوا: فقد صح بلا شك أنهم كانوا فى زمن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وأبى بكر مدة خلافته كلها، وصدراً من خلافة عمر رضى الله عنهما يوقعون على من طلق ثلاثاً واحدة. قالوا: فنحن أحق بدعوى الإجماع منكم، لأنه لا يعرف فى عهد الصديق أحد رد ذلك ولا خالفه، فإن كان إجماع فهو من جانبنا أظهر ممن يدعيه من نصف خلافة عمر رضى الله عنه، وهلم جرا، فإنه لم يزل الاختلاف فيها قائما، وذكره أهل العلم فى مصنفاتهم قديما وحدثنا. فممن ذكر الخلاف فى ذلك: داود، وأصحابه، واختاروا أن الثلاث واحدة. وممن حكى الخلاف: الطحاوى فى كتابه "اختلاف العلماء"، وفى كتاب "تهذيب الآثار"،

стр. 294

وأبو بكر الرازى فى كتاب "أحكام القرآن"، وحكاه ابن المنذر، وحكاه ابن جرير، وحكاه المؤرخ فى "تفسيره"، وحكى حجة القولين، ثم قال: وهى مسألة خلاف بين العلماء، وحكاه محمد بن نصر المروزى، واختار القول بالثلاث: أنها واحدة في حق البكر، ثلاث فى "حق" المدخول بها، وحكاه من المتأخرين المازرى فى كتاب "المَعْلَم"، وحكاه عن محمد بن مقاتل من أصحاب أبى حنيفة، وهو من أجل أصحابهم من الطبقة الثالثة من أصحاب أبى حنيفة. فهو أحد القولين فى مذهب أبى حنيفة. وحكاه التلمسانى فى "شرح التفريع فى مذهب مالك"، قولاً فى مذهبه، بل رواية عن مالك، وحكاه غيره قولاً فى المذهب، فهو أحد القولين فى مذهب مالك، وأبى حنيفة، وحكاه شيخ الإسلام عن بعض أصحاب أحمد، وهو اختياره، وأسوأ أحواله أن يكون لبعض أصحاب الوجوه فى مذهبه، كالقاضى وأبى الخطاب وهو أجل من ذلك، فهو قول فى مذهب، أحمد بلا شك. وأما التابعون فقال ابن المنذر: كان سعيد بن جبير، وطاوس، وأبو الشعثاء، وعطاء، وعمرو بن دينار، يقولون: من طلق البكر ثلاثا فهى واحدة. قال: واختلف فى هذا الباب عن الحسن، فروى عنه أنه ثلاث، وذكر قتادة، وحميد، ويونس عنه: أنه رجع عن قوله بعد ذلك، وقال: واحدة بائنة.

стр. 295

وقال محمد بن نصر فى كتاب "اختلاف العلماء": أجمع أهل العلم أن الرجل إذا طلق امرأته تطليقة، ولم يدخل، بها أنها بانت منه، وليس عليها عدة، واختلفوا فى غير المدخول بها، إذا طلقها الزوج ثلاثا بلفظ واحد، فقال الأوزاعى، ومالك، وأهل المدينة: لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، وروى عن ابن عباس وغير واحد من التابعين أنهم قالوا: "إذا طلقها ثلاثاً قبل أن يدخل بها فهى واحدة". وأكثر أهل الحديث على القول الأول. قال: وكان إسحق يقول: طلاق الثلاث للبكر واحدة، وتأول حديث طاوس عن ابن عباس: "كانَ الطَّلاقُ الثّلاثُ عَلَى عَهْدِ رسُولِ اللهِ صلى اللهُ تعالى عليه وآله وسلّم وَأبى بكرٍ وعُمَر رَضى اللهُ عَنهُمْ يُجْعَلُ وَاحِدَةً"، عَلَى هذَا: قلت: هذا تأويل إسحاق، وأما أبو داود فجعله منسوخاً، فقال فى كتاب "السنن": باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث، ثم ساق حديث ابن عباس رضى الله عنهما: "أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثاً، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] . ثم ذكر فى أثناء الباب حديث أبى الصهباء، وكأنه اعتقد أن حكمه كان ثابتا، لما كان الرجل يراجع امرأته كلما طلقها، وهذا وهم؛ لوجهين: أحدهما: أن المنسوخ هو ثبوت الرجعة بعد الطلاق ولو بلغ ما بلغ، كما كان فى أول الإسلام. الثانى: أن النسخ لا يثبت بعد موت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وكون الثلاث واحدة قد عمل به فى خلافة الصديق كلها، وأول خلافة عمر رضى الله عنه، فمن المستحيل أن ينسخ بعد ذلك. وأما ابن المنذر فقال: لم يكن ذلك عن علم النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، ولا عن أمره، قال: وغير جائز أن يظن بابن عباس أنه يحفظ عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم شيئاً ثم يفتى بخلافه، فلما لم يجز ذلك دل فتيا ابن عباس رضى الله عنه على أن ذلك لم يكن عن علم النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ولا عن أمره، إذ لو كان ذلك عن علم النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ما استحل ابن عباس أن يفتى بخلافه، أو يكون ذلك منسوخاً، استدلاًلاً بفتيا ابن عباس، وهذا المسلك ضعيف جداً لوجوه:

стр. 296

أحدها: أن حديث عكرمة عن ابن عباس فى رد النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم امرأة ركانة عليه بعد الطلاق الثلاث. يبطل هذا التأويل رأساً. الثانى: أن هذا لو كان صحيحاً لقال ابن عباس لأبى الصهباء: ما أدرى، أبلغ ذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أو لم يبلغه؟ فلما أقره على ذلك كان إقراره دليلا على أنه مما بلغه. الثالث: أنه لو كان ذلك صحيحا، لم يقل عمر: "إن الناس قد استعجلوا فى أمر كانت لهم فيه أناة"، بل كان الواجب أن يبين السنة عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فى خلاف ذلك، وأن هذا العمل من الناس خلاف دين الإسلام، وشرع محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، ولا يقول: "فلو أنا أمضيناه عليهم" فإن هذا إنما يكون إمضاء من الله تعالى ورسوله، لا من عمر. الرابع: أنه من الممتنع، والمستحيل أن يكون خيار الخلق يطلقون فى عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وعهد خليفته من بعده، ويراجعون على خلاف دينه، فيطلقون طلاقاً محرماً، ويراجعون رجعة محرمة، ولا يعلمون بذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وهو بين أظهرهم. ثم حديث ابن عباس الذى رواه أحمد يرد ذلك، ثم يرده فتوى ابن عباس فى إحدى الروايتين عنه، وهى ثابته عنه بأصح الإسناد كما أن الرواية الأخرى ثابته عنه. وكيف يستمر جهل أخيار الأمة بالطلاق والرجعة مدة حياته صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ومدة حياة الصديق كلها، وشطراً من خلافة عمر رضى الله عنهما، ثم ظهر لهم بعد ذلك الطلاق والرجعة الجائزان؟ وكيف يصح قول عمر رضى الله عنه: "إن الناس قد استعجلوا فى شىء كانت لهم فيه أناة"؟ وكيف يصح قوله: "فلو أنا أمضيناه عليهم"؟ فهذا المسلك كما ترى. وأما الإمام أحمد فإنما رده بفتوى ابن عباس بخلافه، وهو راوى الحديثين. قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن حديث ابن عباس: "كان الطلاق الثلاث على عهد

стр. 297

رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وأبى بكر، وعمر رضى الله عنهما: طلاق الثلاث واحدة" بأى شىء تدفعه؟ قال: برواية الناس عن ابن عباس من وجوه خلافه. وكذلك نقل عنه ابن منصور وهذا المسلك إنما يجىء على إحدى الروايتين: أن الصحابى إذا عمل بخلاف الحديث لم يحتج به، واتبع عمل الصحابى والمشهور عنه: أن العبرة بما رواه الصحابى لا بقوله، إذا خالف الحديث، ولهذا أخذ برواية ابن عباس فى حديث بريرة، وأن بيع الأمة لا يكون طلاقا لها، لأن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم خيرها ولو انفسخ ببيعها لم يخيرها، مع أن مذهب ابن عباس: أن بيع الأمة طلاقها، واحتج بظاهر القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ النَّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيَمْانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] . فأباح وطء مملوكته المزوجة ولو كان النكاح باقيا لم ينفسخ، لم يبح له وطأها. والجمهور وأحمد معهم خالفوه فى ذلك، وقالوا: لا يكون بيعها طلاقاً. واحتجوا بحديث بريرة، وتركوا رأيه لروايته، فإن روايته معصومة ورأيه غير معصوم. والمشهور من مذهب الشافعى: أن الأخذ بروايته دون رأيه، والمشهور من مذهب أبى حنيفة عكس ذلك، وعن أحمد روايتان. فهذا المسلك فى رد الحديث لا يقوى. وسلك آخرون فى رد الحديث مسلكاً آخر. فقالوا: هو حديث مضطرب، لا يصح، ولذلك أعرض عنه البخارى، وترجم فى "صحيحه" على خلافه، فقال: "باب جواز الطلاق الثلاث فى كلمة، لقوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] .

стр. 298

ثم ذكر حديث اللعان، وفيه: "فَطَلّقَهَا ثَلاثاً قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَه رسُولُ اللهِ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم" ولم يغير عليه النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وهو لا يقر على باطل". قالوا: ووجه اضطرابه: أنه تارة يروى عن طاوس عن ابن عباس، تارة عن طاوس عن أبى الصهباء عن ابن عباس، وتارة عن أبى الجوزاء عن ابن عباس، فهذا اضطرابه من جهة السند. وأما المتن: فإن أبا الصهباء تارة يقول: "ألم تعلم أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة؟ " وتارة يقول: "ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وأبى بكر، وصدرا من خلافة عمر واحدة؟ " فهذا يخالف اللفظ الآخر. وهذا المسلك من أضعف المسالك ورد الحديث به ضرب من التعنت ولا يعرف أحد من الحفاظ قدح فى هذا الحديث، ولا ضعفه، والإمام أحمد لما قيل له: بأى شىء ترده؟ قال: "برواية الناس عن ابن عباس خلافه" ولم يرده بتضعيف، ولا قدح فى صحته، وكيف يتهيأ القدح فى صحته ورواته كلهم أئمة حفاظ؟ حدث به عبد الرزاق وغيره عن ابن جريج بصيغة الإخبار. وحدث به كذلك ابن جريج عن ابن طاوس، وحدث به ابن طاووس عن أبيه، وهذا إسناد لا مطعن فيه لطاعن، وطاووس من أخص أصحاب ابن عباس، ومذهبه: أن الثلاث واحدة، وقد رواه حماد بن زيد عن أيوب عن غير واحد عن طاووس، فلم ينفرد به عبد الرزاق، ولا ابن جريج، ولا عبد الله بن طاووس، فالحديث من أصح الأحاديث، وترك رواية البخارى له لا يوهنه، وله حكم أمثاله من الأحاديث الصحيحة التى تركها البخارى، لئلا يطول كتابه، فإنه سماه: "الجامع المختصر الصحيح" مثل هذا العذر لا يقبله من له حظ من العلم. وأما رواية من رواه عن أبى الجوزاء فإن كانت محفوظة فهى مما يزيد الحديث قوة، وإن لم تكن محفوظة وهو الظاهر فهى وهم فى الكنية، انتقل فيها عبد الله بن المؤمل عن ابن أبى مليكة من أبى الصهباء، إلى أبى الجوزاء، فإنه كان سىء الحفظ، والحفاظ قالوا: "أبو الصهباء" وهذا لا يوهن الحديث.

стр. 299

وهذه الطريق عند الحاكم فى "المستدرك". وأما رواية من رواه، مقيداً "قبل الدخول"، فإنه تقدم أنها لا تناقض رواية الآخرين، على أنها عند أبى داود عن أيوب عن غير واحد، ورواية الأطلاق عن معمر عن ابن جريج عن ابن طاووس عن أبيه، فإن تعارضا فهذه الرواية أولى، وإن لم يتعارضا فالأمر واضح. وحديث داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم صريح فى كون الثلاث واحدة فى حق المدخول بها. وعامة ما يقدر فى حديث أبى الصهباء: أن قوله "قبل الدخول" زيادة من ثقة، فيكون الأخذ بها أولى، وحينئذ فيدل أحد حديثى ابن عباس على أن هذا الحكم ثابت فى حق البكر، وحديثه الآخر على أنه ثابت فى حكم الثيب أيضاً، فأحد الحديثين يقوى الآخر، ويشهد بصحته. وبالله التوفيق. وقد رده آخرون بمسلك أضعف من هذا كله: فقالوا: هذا حديث لم يروه عن رسول الله ﷺ إلا ابن عباس وحده، ولا عن ابن عباس إلا طاووس وحده. قالوا: فأين أكابر الصحابة وحفاظهم عن رواية مثل هذا الأمر العظيم، الذى الحاجة إليه شديدة جداً؟ فكيف خفى هذا على جميع الصحابة، وعرفه ابن عباس وحده؟ وخفى على أصحاب ابن عباس كلهم وعلمه طاووس وحده؟ وهذا أفسد من جميع ما تقدم، ولا ترد أحاديث الصحابة وأحاديث الأمة الثقات بمثل هذا. فكم من حديث تفرد به واحد من الصحابة، لم يروه غيره، وقبلته الأمة كلهم، فلم يرده أحد منهم وكم من حديث تفرد به من هو دون طاووس بكثير ولم يرده أحد من الأئمة؟، ولا نعلم أحداً من أهل العلم قديماً ولا حديثاً قال: إن الحديث إذا لم يروه إلا صحابى واحد لم يقبل، وإنما يحكى عن أهل البدع ومن تبعهم فى ذلك أقوال، لا يعرف لها قائل من الفقهاء.

стр. 300

قد تفرد الزهرى بنحو ستين سنة، لم يردها غيره، وعملت بها الأمة، ولم يردوها بتفرده. هذا، مع أن عكرمة روى عن ابن عباس رضى الله عنهما حديث ركانة، وهو موافق لحديث طاووس عنه، فإن قدح فى عكرمة أبطل وتناقض، فإن الناس احتجوا بعكرمة، وصحح أئمة الحفاظ حديثه، ولم يلتفتوا إلى قدح من قدح فيه. فإن قيل: فهذا هو الحديث الشاذ، وأقل أحواله؟ أن يتوقف فيه، ولا يجزم بصحته عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. قيل: ليس هذا هو الشاذ، وإنما الشاذ: أن يخالف الثقات فيما رووه، فيشذ عنهم بروايته، فأما إذا روى الثقة حدثيا منفردا به، لم يرو الثقات خلافه، فإن ذلك لا يسمى شاذاً، وإن اصطلح على تسميته شاذاً بهذا المعنى، لم يكن الاصطلاح موجباً لرده ولا مسوغاً له. قال الشافعى ﵀: "وليس الشاذ أن ينفرد الثقة برواية الحديث، بل الشاذ أن يروى خلاف ما رواه الثقات"، قاله فى مناظرته لبعض من رد الحديث بتفرد الراوى به. ثم إن هذا القول لا يمكن أحداً من أهل العلم، ولا من الأئمة، ولا من أتباعهم طرده ولو طردوه لبطل كثير من أقوالهم وفتاويهم. والعجب أن الرادين لهذا الحديث بمثل هذا الكلام قد بنوا كثيراً من مذاهبهم على أحاديث ضعيفة، انفرد بها رواتها، لا تعرف عن سواهم، وذلك أشهر وأكثر من أن يعد. ولما رأى بعضهم ضعف هذه المسالك وأنها لا تجدى شيئاً استروح إلى تأويله. فقال: معنى الحديث: أن الناس كانوا يطلقون على عهد رسول الله ﷺ ، وأبى بكر، وعمر واحدة، ولا يوقعون الثلاث، فلما كان فى أثناء خلافة عمر رضى الله عنه أوقعوا الثلاث، وأكثروا من ذلك، فأمضاه عليهم عمر رضى الله عنه. كما أوقعوه، فقوله: "كانت الثلاث على عهد رسول الله ﵊ واحدة" أى فى التطليق، وإيقاع المطلقين: لا فى حكم الشرع.

стр. 301

قال هذا القائل: وهذا من أقوى ما يجاب به، وبه يزول كل إشكال. ولعمر الله، لو سكت هذا كان خيراً له وأستر، فإن هذا المسلك من أضعف ما قيل فى الحديث. وسياقه يبين بطلانه بياناً ظاهراً لا إشكال فيه، وكأن قائله أحب الترويج على قوم ضعفاء العلم، مخلدين إلى حضيض التقليد، فروج عليهم مثل هذا، وهذا القائل كأنه لم يتأمل ألفاظ الحديث، ولم يعن بطرقه، فقد ذكرنا من بعض ألفاظه قول أبى الصهباء لابن عباس: "أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وأبى، وصدراً من إمارة عمر رضى الله عنهما؟ " فأقر ابن عباس بذلك، وقال: "نعم". وأيضا فقول هذا المتأول: إنهم كانوا يطلقون على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم واحدة، فقد نقضه هو بعينه وأبطله حيث احتج على وقوع الثلاث بحديث الملاعن، وحديث محمود بن لبيد: "أن رجلاً طلق امرأته على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ثلاثاً، فغضب النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وقال: أيلعب بكتاب الله، وأنا بين أظهركم؟ " ثم زاد هذا القائل فى الحديث زيادة من عنده، فقال: "وأمضاه عليه، ولم يرده". وهذه اللفظة موضوعة لا تروى فى شىء من طرق هذا الحديث ألبته، وليست فى شىء

стр. 302

من كتب الحديث، وإنما هى من كيس هذا القائل، حمله عليها فرط التقليد. ومحمود بن لبيد لم يذكر ما جرى بعد ذلك، من إمضاء أو رد إلى واحدة. والمقصود: أن هذا القائل تناقص، وتأول الحديث تأويلا بطلانه من سياقه. ومن بعض ألفاظه: "أن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ وأبى بكر وصدرا من خلافة عمر رضى الله عنهما يرد إلى الواحدة"، وهذا موافق للفظ الآخر: "كان إذا طلق امرأته ثلاثاً جعلوها واحدة"، وجميع ألفاظه متفقة على هذا المعنى، يفسر بعضها بعضا. فجعل هذا وأمثاله المحكم متشابها، والواضح مشكلاً وكيف يصنع بقوله: "فلو أمضيناه عليهم"؟ فإن هذا يدل على أنه رَأْىٌ من عمر رضى الله عنه رأى أن يمضيه عليهم لتتايعهم فيه، وسدهم على أنفسهم ما وسعه الله عليهم، وجمعهم ما فرقه وتطليقهم على غير الوجه الذى شرعه، وتعديهم حدوده، ومن كمال علمه رضى الله عنه أنه علم أن الله لم يجعل المخرج إلا لمن اتقاه، وراعى حدوده، وهؤلاء لم يتقوه فى الطلاق، ولم يراعوا حدوده، فلا يستحقون المخرج الذى ضمنه لمن اتقاه. ولو كان الثلاث تقع ثلاثاً على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وهو دينه الذى بعثه الله تعالى به، لم يضف عمر رضى الله عنه إمضاءه إلى نفسه، ولا كان يصح هذا القول منه، وهو بمنزلة أن يقول فى الزنى، وقتل النفس، وقذف المحصنات: لو حرمناه عليهم. [فحرمه عليهم] ، وبمنزلة أن يقول فى وجوب الظهر والعصر، ووجوب صوم شهر رمضان، والغسل من الجنابة: فلو فرضناه عليهم، ففرضه عليهم. فدعوى هذه التأويلات المستكرهة التى كلما نظر فيها طالب العلم ازداد بصيرة فى المسألة، وقوى جانبها عنده، فإنه يرى أن الحديث لا يرد يمثل هذه الأشياء. وقد سلك أبو عبد الرحمن النسائى فى "سننه" فى الحديث مسلكاً آخر، فقال: باب طلاق الثلاث المتفرقة قبل الدخول بالزوجة، ثم ساقه قال: حدثنا أبو داود حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن ابن طاووس عن أبيه: أن أبا الصهباء جاء إلى ابن عباس رضى الله عنهما فقال: "يا ابن عباس، ألم تعلم أن الثلاث كانت على عهد رسول الله صلى عليه وآله وسلم

стр. 303

وأبى بكر وصدرا من خلافة عمر ترد إلى الواحدة؟ قال: نعم" وأنت إذا طابقت بين هذه الترجمة، وبين لفظ الحديث وجدتها لا يدل عليها ولا يشعر بها بوجه من الوجوه، بل الترجمة لون والحديث لون أخر. وكأنه لما أشكل عليه وجه الحديث حمله على ماذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، طلقت واحدة، ومعلوم أن الحكم لم يزل ولا يزال كذلك، ولا يتقيد ذلك بزمان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأبى بكر، وصدراً من خلافة عمر رضى الله عنهما، ثم يتغير فى خلافة عمر رضى الله عنه، ويمضى الثلاث بعد ذلك علي المطلق. فالحديث لا يندفع بمثل هذا ألبتة. وسلك آخرون فى الحديث مسلكاً آخر، وقالوا: هذا حديث يخالف أصول الشرع، فلا يلتفت إليه. قالوا: لأن الله سبحانه ملك الزوج ثلاث تطليقات وجعل إيقاعها إليه، فإن قلنا بقول الشافعى ومن وافقه: أن جمع الثلاث جائز، فقد فعل ما أبيح له فيصح، وإن قلنا: جمع الثلاث حرام، وهو طلاق بدْعىُّ، فالشارع إنما ملكه تفريق الثلاث فسحة له، فإذا جمعها فقد جمعها ما فُسح له فى تفريقه، فلزمه حكمه كما لو فرقه. قالوا: وهذا كما أنه يملك تفريق المطلقات وجمعهن فكذلك يملك تفريق الطلاق وجمعه، فهذا قياس الأصول، فلا نبطله بخبر الواحد. قال الآخرون: هذا القياس لا يصلح أن يثبت به هذا الحكم لو لم يعارض بنص، فضلاً عن أن يقدم على النص، وهو قياس مخالف لأصول الشرع، ولغة العرب، وسنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وعمل الصحابة فى عهد الصديق. فأما مخالفته لأصول الشرع، فإن الله سبحانه إنما ملك المطلق بعد الدخول طلاقاً يملك فيه الرجعة ويكون مخيراً فيه بين الإمساك بالمعروف، وبين التسريح بالإحسان، ما لم يكن بعوض أو يستوفى فيه العدد. والقرآن قد بين ذلك كله: فبين أن الطلاق قبل الدخول تبين به المرأة، ولا عدة عليها، وبين أن المفتدية تملك نفسها، ولا رجعة لزوجها عليها، وبين أن المطلقة الطلقة المسبوقة بطلقتين قبلها تبين منه، وتحرم عليه فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، وبين

стр. 304

أن ما عدا ذلك من الطلاق فللزوج فيه الرجعة، وهو مخير بين الإمساك بالمعروف والتسريح بإحسان. وهذا كتاب الله قد تضمن هذه الأنواع الأربعة وأحكامها، وجعل سبحانه أحكامها من لوازمها التى لا تنفك عنها. فلا يجوز أن تتغير أحكامها البته، فكما لا يجوز فى الطلاق قبل الدخول أن تثبت فيه الرجعة وتجب فيه العدة، ولا فى الطلقة المسبوقة بطلقتين أن تثبت فيها الرجعة، وأن تباح بغير زوج وإصابة، ولا فى طلاق الفدية أن تثبت فيه الرجعة، فكذلك لا يجوز فى النوع الآخر من الطلاق أن يتغير حكمه، فيقع على وجه لا تثبت فيه الرجعة، فإنه مخالف لحكم الله تعالى الذى حكم به فيه. وهذا صفة لازمة له فلا يكون على خلافها البتة. ومن تأمل القرآن وجده لا يحتمل غير ذلك، فما شرع الله سبحانه الطلاق إلا وشرع فيه الرجعة، إلا الطلاق قبل الدخول، وطلاق الخلع، والطلقة الثالثة. فبيننا وبينكم كتاب الله، فإن كان فيه شىء غير هذا فأوجدونا إياه. ومما يوضح ذلك: أن جمهور الفقهاء من الطوائف الثلاثة احتجوا على الشافعى فى تجويزه جمع الثلاث بالقرآن وقالوا: ما شرع الله سبحانه جمع الطلاق الثلاث، وما شرع الطلاق بعد الدخول بغير عوض إلا شرع فيه الرجعة ما لم يستوف العدد. واحتجوا عليه بقوله تعالى: ﴿الطّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] . قالوا: ولا يعقل فى لغة من لغات الأمم المرتان إلا مرة بعد مرة. فعارضهم بعض أصحابه بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ للهِ وَرَسُوِلهِ وَتَعْمَلْ صَالحِاً نُؤْتِهاَ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١] . وقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "ثَلاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ".فأجابهم الآخرون بأن المرتين والمرات يراد بها الأفعال تارة، والأعيان تارة. وأكثر ما تستعمل فى الأفعال. وأما الأعيان فكقوله فى الحديث: "انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسولِ الله صلى

стр. 305

الله تعالى عليه وآله وسلم مَرّتَيْن ِ". أى شقتين وفلقتين. ولما خفى هذا على من لم يحط به علماً زعم أن الانشقاق وقع مرة بعد مرة فى زمانين. وهذا مما يعلم أهل الحديث ومن له خبرة بأحوال الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وسيرته أنه غلط وأنه لم يقع الانشقاق إلا مرة واحدة، ولكن هذا وأمثاله فهموا من قوله "مرتين" المرة الزمانية. إذا عرف هذا فقوله: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١] وقوله "يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ". أى ضعفين فيؤتون أجرهم مضاعفاً. وهذا يمكن اجتماع المرتين منه فى زمان واحد. وأما المرتان من الفعل فمحال اجتماعهما فى زمن واحد، فإنهما مثلان، واجتماع المثلين محال. وهو نظير اجتماع حرفين فى آن واحد من متعلم واحد، وهذا مستحيل قطعاً فيستحيل أن يكون مرتا الطلاق فى إيقاع واحد. ولهذا جعل مالك وجمهور العلماء من رمى الجمار بسبع حصيات جملة أنه غير مؤد للواجب عليه، وإنما يستحب له رمى حصاة واحدة، فهى رمية لا سبع رميات واتفقوا كلهم على أنه لو قال فى اللعان: أشهد بالله أربع شهادات أنى صادق، كانت شهادة واحدة. وفى الحديث الصحيح: "مَنْ قَالَ فى يَوْمٍ سُبْحَانَ اللهِ وَبحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطّتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ وَلَوْ كانَتْ مِثْلَ زَبَدَ الْبَحْرِ". فلو قال: سبحان الله وبحمده مائه مرة، هذا اللفظ، لم يستحق الثواب المذكور وكانت تسبيحة واحدة. وكذلك قوله: "تُسَبِّحُونَ اللهَ دُبُرَ كُلِّ صلاةٍ ثَلاثاَ وَثَلاَثِينَ، وَتحْمَدُونَ ثَلاثاً وَثَلاثِين، وَتُكَبِّرُونَ أَرْبَعاً وَثلاثِينَ". لو قال: سبحان الله ثلاثا وثلاثين، لم يكن مسبحاً هذا العدد حتى يأتى به واحدة بعد واحدة. ونظائر ذلك فى الكتاب والسنة أكثر من أن تذكر. قالوا: فقوله تعالى: ﴿الطّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] . إما أن يكون خبراً فى معنى الأمر، أى إذا طلقتم

стр. 306

فطلقوا مرتين. وإما أن يكون خبراً عن حكمه الشرعى الدينى، أى الطلاق الذى شرعته لكم، وشرعت فيه الرجعة: مرتان. وعلى التقديرين: إما أن يكون ذلك مرة بعد مرة، فلا يكون موقعاً للطلاق الذى شرع إلا إذا طلق مرة بعد مرة، ولا يكون موقعاً للمشروع بقوله: أنت طالق ثلاثاً، ولا مرتين. قالوا: ويوضح ذلك أنه حصر الطلاق المشروع فى مرتين، فلو شرع جمع الطلاق فى دفعة واحدة لم يكن الحصر صحيحاً، ولم يكن الطلاق كله مرتان بل كان منه مرتان ومنه مرة واحدة بجمعه. وهذا خلال ظاهر القرآن، وأنه لا طلاق للمدخول بها إلا مرتان. وتبقى الثالثة المحرمة بعد ذلك. قالوا: ويدل عليه أن الطلاق اسم محلى باللام، وليست للعهد بل للعموم، فالمراد بالآية: كل الطلاق مرتان. والمرة الثالثة التى تحرمها عليه، وتسقط رجعته. وهذا صريح فى أن الطلاق المشروع هو المتفرق، لأن المرات لا تكون إلا متفرقة كما تقدم. قالوا: ويدل عليه قول تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْساَنٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] . فهذا حكم كل طلاق شرعه الله، إلا الطلقة المسبوقة بطلقتين قبلها، فإنه لا يبقى بعدها إمساك. قالوا: ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكوهُنَّ بمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] . و"إذا" من أدوات العموم، كأنه قال: أى طلاق وقع منكم فى أى وقت فحكمه هذا، إلا أنه أخرج من هذا العموم الطلقة المسبوقة باثنتين فبقى ما عدها داخلاً فى لفظ الآية نصاً أو ظاهراً. قالواً: ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النساء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] . فهذا عام فى كل طلاق غير الثالثة المسبوقة باثنتين، فالقرآن يقتضى أن ترجع إلى زوجها إذا أرادت فى كل طلاق ماعدا الثالثة. قالوا: ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلقُوهُنَّ لِعِدَّتِهنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتّقُوا اللهَ رَبَّكُمُ لا تُخْرِجُوهنَّ مِنْ بُيُوتهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ ومَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِى لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعَدَ ذلِكَ أمَراً * فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ١-٢] . ووجه الأستدلال بالآية من وجوه.

стр. 307

أحدها: أنه إنما شرع أن تطلق لعدتها، أى لاستقبال عدتها. فتطلق طلاقاً يعقبه شروعها فى العدة، ولهذا أمر رسول الله ﵌ عبد الله بن عمر رضى الله عنهما لما طلق امرأته فى حيضها أن يراجعها، وتلا هذه الآية تفسيراً للمراد بها، وأن المراد بها الطلاق فى قبل العدة. وكذلك كان يقرؤها عبد الله بن عمر، ولهذا قال كل من قال بتحريم جمع الثلاث: إنه لا يجوز له أن يردف الطلقة بأخرى فى ذلك الطهر، لأنه غير مطلق للعدة. فإن العدة قد استقبلت من حين الطلقة الأولى فلا تكون الثانية للعدة. ثم قال الإمام أحمد فى ظاهر مذهبه ومن وافقه: إذا أراد أن يطلقها ثانية طلقها بعد عقد أو رجعة لأن العدة تنقطع بذلك. فإذا طلقها بعد ذلك أخرى طلقها للعدة. وقال فى رواية أخرى عنه: له أن يطلقها الثانية فى الطهر الثانى، ويطلقها الثالثة فى الطهر الثالث، وهو قول أبى حنيفة فيكون مطلقاً للعدة أيضا لأنها تبتنى على ما مضى. والصحيح هو الأول، وأنه ليس له أن يردف الطلاق قبل الرجعة أو العقد، لأن الطلاق البائن لم يكن لاستقبال العدة، بل هو طلاق لغير العدة، فلا يكون مأذوناً فيه. فإن العدة إنما تحسب من الطلقة الأولى، لأنها طلاق العدة بخلاف الثانية والثالثة. ومن جعله مشروعاً قال: هو الطلاق لتمام العدة، والطلاق لتمامها كالطلاق لاستقبالها. وكلاهما طلاق للعدة. وأصحاب القول الأول يقولون: المراد بالطلاق للعدة الطلاق لاستقبالها كما فى القراءة الأخرى التى تفسر القراءة المشهورة فطلقوهن فى قُبُلِ عدِّتهن. قالوا: فإذا لم يشرع إرداف الطلاق للطلاق قبل الرجعة أو العقد فإن لا يشرع جمعه معه أولى وأحرى، فإن إرداف الطلاق أسهل من جمعه ولهذا يسوغ الإرداف فى الأطهار من لا يجوزّ الجمع فى الطهر الواحد. وقد احتج عبد الله بن عباس على تحريم جمع الثلاث بهذه الآية. قال مجاهد: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: إنه طلق امرأته ثلاثاً، فسكت حتى ظننت أنه رادها إليه. ثم قال: ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة، ثم يقول: يا ابن عباس،

стр. 308

وإن الله قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ [الطلاق: ٢] . فما أجد لك مخرجاً، عصيت ربك، وبانت منك امرأتك، وإن الله قال: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلّقُوهُنَّ لعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] . ففهم ابن عباس من الآية أن جمع الثلاث محرم، وهذا فهم من دعاً له النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "أنْ يُفَقِّهَهُ اللهُ الدِّينِ، وَيُعَلّمَهُ التَّأْوِيلَ". وهو من أحسن الفهوم كما تقرر. الوجه الثانى من الاستدلال بالآية: قوله تعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهنَّ وَلا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: ١] . وهذا إنما هو فى الطلاق الرجعى. فأما البائن فلا سكنى لها ولا نفقة لسنة رسول الله صلى الله تعالى وآله وسلم الصحيحة التى لا مطعن فى صحتها، الصريحة التى لا شبهة فى دلالتها. فدل على أن هذا حكم كل طلاق شرعه الله تعالى ما لم يسبقه طلقتان قبله، ولهذا قال الجمهور: إنه لا يشرع له ولا يملك إبانتها بطلقة واحدة بدون العوض. وأبو حنيفة قال: لا يملك ذلك لأن الرجعة حقه وقد أسقطها. والجمهور يقولون: ثبوت الرجعة وإن كان حقاً له فلها عليه حقوق الزوجية، فلا يملك إسقاطها إلا بمخالعة أو باستيفاء العدد كما دل عليه القرآن. الوجه الثالث: أنه قال: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يَتعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١] . فإذا طلقها ثلاثا جملة واحدة فقد تعدى حدود الله فيكون ظالماً. الوجه الرابع: أنه سبحانه قال: ﴿لا تَدْرِى لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أمْراً﴾ [الطلاق: ١] . وقد فهم أعلم الأمة بالقرآن وهم الصحابة أن الأمر هاهنا هو الرجعة. قالوا "وأىّ أمر يحدث بعد الثلاث؟ ". الوجه الخامس: قوله تعالى: ﴿فَإذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بمَعْرُوفٍ أوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] . فهذا حكم كل طلاق شرعه الله إلا أن يسبق بطلقتين قبله، وقد احتج ابن عباس على تحريم جمع الثلاث بقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إذَا طَلّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُن لعِدَّتهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] . كما تقدم وهذا حق، فإن الآية إذا دلت على منع إرداف

стр. 309

الطلاق الطلاق فى طهر أو أطهار قبل رجعة أو عقد كما تقدم لأنه يكون مطلقاً فى غير قبل العدة، فلأن تدل على تحريم الجمع أولى وأحرى. قالوا: والله سبحانه شرع الطلاق على أيسر الوجوه وأرفقها بالزوج والزوجة لئلا يتسارع العبد فى وقوعه ومفارقة حبيبته. وقد وقت للعدة أجلاً لاستدراك الفارط بالرجعة فلم يبح له أن يطلق المرأة فى حال حيضها، لأنه وقت نفرته عنها، وعدم قدرته على استمتاعه بها ولا عقيب جماعها لأنه قد قضى غرضه منها وربما فترت رغبته فيها وزهد فى إمساكها لقضاء وطره. فإذا طلقها فى هاتين الحالتين ربما يندم بعد هذا مع ما فى الطلاق فى الحيض من تطويل العدة، وعقيب الجماع من طلاق مَن لعلها. قد اشتمل رحمها على ولد منه فلا يريد فراقها. فأما إذا حاضت ثم طهرت فنفسه تتوق إليها لطول عهده بجماعها فلا يقدم على طلاقها فى هذه الحال إلا لحاجته إليه. فلم يبح له الشارع أن يطلقها إلا فى هذه الحال أو فى حال استبانة حملها، لأن إقدامه أيضاً على طلاقها فى هذه الحال دليل على حاجته إلى الطلاق. وقد أكد النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم هذا بمنعه لعبد الله بن عمر أن يطلق فى الطهر الذى يلى الحيضة التى طلق فيها، بل أمره أن يراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن بدا له أن يطلقها فليطلقها. وفى ذلك عدة حكم: منها: أن الطهر المتصل بالحيضة هو وهى فى حكم القرء الواحد، فإذا طلقها فى ذلك الطهر فكأنه طلقها فى الحيضة لاتصاله بها وكونه معها كالشىء الواحد. الثانية: أنه لو أذن له فى طلاقها فى ذلك الطهر فيصير كأنه راجع لأجل الطلاق، وهذا ضد مقصود الرجعة. فإن الله تعالى إنما شرع الرجعة للإمساك ولم شعث النكاح وعود الفراش، فلا يكون لأجل الطلاق فيكون كأنه راجع ليطلق، وإنما شرعت الرجعة ليمسك وبهذا بعينه أبطلنا نكاح المحلل، فإن الله شرع النكاح للإمساك والمعاشرة، والمحلل تزوج ليطلق فهو مضاد الله تعالى فى شرعه ودينه.

стр. 310

الثالثة: أنه إذا صبر عليها حتى تحيض ثم تطهر ثم تحيض ثم تطهر زال ما فى نفسه من الغضب الحامل له على الطلاق، وربما صلحت الحال بينهما، وأقلعت عما يدعوه إلى طلاقها، فيكون تطويل هذه المدة رحمة به وبها. وإذا كان الشارع ملتفتاً إلى مثل هذه الرحمة والشفقة على الزوج وشرع الطلاق على هذا الوجه الذى هو أبعد شىء عن الندم، فكيف يليق بشرعه أن يشرع إبانتها وتحريمها عليه بكلمة واحدة يجمع فيها ما شرعه متفرقاً بحيث لا يكون له سبباً إليها؟ وكيف يجتمع فى حكمة الشارع وحكمة هذا وهذا؟. فهذه الوجوه ونحوها ما بين بها الجمهور أن جمع الثلاث غير مشروع هى بعينها تبين عدم الوقوع وأنه إنما يقع المشروع وحده وهى الواحدة. قالوا: فتبين أنا بأصول الشرع وقواعده أسعد منكم، وأن قياس الأصول وقواعد الشرع من جانبنا، وقد تأيدت بالسنة الصحيحة التى ذكرناها. وقولكم: إن المطلق ثلاثاً قد جمع ما فسح له فى تفريقه: هو إلى أن يكون حجة عليكم أقرب، فإنه إنما أذن له فيه وملكه متفرقاً لا مجموعاً، فإذا جمع ما أمر بتفريقه فقد تعدى حدود الله وخالف ما شرعه، ولهذا قال من قال من السلف: "رجل أخطأ السنة، فيرد إليها" فهذا أحسن من كلامكم وأبين وأقرب إلى الشرع والمصلحة. ثم هذا ينتقض عليكم بسائر ما ملكه الله تعالى العبد وأذن فيه متفرقاً فأراد أن يجمعه كرمى الجمار الذى إنما شرع له مفرقاً، واللعان الذى شرع كذلك، وأيمان القسامة التى شرعت كذلك. ونظير قياسكم هذا: أن له أن يؤخر الصلوات كلها ويصليها فى وقت واحد، لأنه جمع ما أمر بتفريقه. على أن هذا قد فهمه كثير من العوام، يؤخرون صلاة اليوم إلى الليل ويصلون الجميع فى وقت واحد ويحتجون بمثل هذه الحجة بعينها، ولو سكتم عن نصرة المسألة بمثل ذلك لكان أقوى لها.

стр. 311

فصل فاستروح بعضهم إلى مسلك آخر غير هذه المسالك لما تبين له فسادها. فقال هذا حديث واحد والأحاديث الكثيرة عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم دالة على خلافه، وذكروا أحاديث. منها: ما فى الصحيحين عن فاطمة بنت قيس: "أَنَّ أبَا حَفْصِ بْنِ المُغِيرَةِ طَلّقَهَا الْبَتّة، وَهُوَ غَائِبٌ. فأَرْسَلَ إِليْهَا وَكِيلَهُ بِشَعِيرٍ فَسَخِطَتْهُ، فَجَاءَتْ رَسولَ اللهِ صلى اللهُ تعالى عليهِ وآله وسلمَ، فَذَكَرَتْ لَهُ ذلِكَ. فَقَالَ لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ". وقد جاء تفسير هذه "البتة" فى الحديث الآخر الصحيح أنه طلقها ثلاثاً، فلم يجعل لها النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم سكنى ولا نفقة. فقد أجاز عليه الثلاث، وأسقط بذلك نفقتها وسكناها. وفى المسند "أن هذه الثلاث كانت جميعاً" فروى من حديث الشعبى: "أَنّ فَاطِمَةَ خَاصَمَتْ أخَا زَوْجِهَا إلى النَّبىَّ صلى اللهُ تعالى عليه وسلَم لَمَّا أَخْرَجَهَا مِنَ الدَّارِ، وَمَنَعَهَا النَّفَقَةَ. فَقَال: مَالَكَ وَلابْنَةِ قَيْسٍ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنّ أخِى طَلّقَهَا ثَلاثاً جَميعاً" وذكر الحديث. ومنها ما فى الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها: "أَنَّ رَجُلاَ طَلّقَ امْرَأَتَهُ ثلاثاً. فَتَزَوَّجَتْ، فَطُلِّقَتْ، فَسُئِلَ النَّبىُّ صلى اللهُ تعالى عليّ وآله وسلم: أَتَحِلُّ لِلأوَّلِ؟ قَالَ: لا، حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا كما ذَاقَ الأوَّلُ". ووجه الدليل: أنه لم يستفصل، هل طلقها ثلاثاً مجموعة أو متفرقة؟ ولو اختلف الحال لوجب الاستفصال. ومنها: ما اعتمد عليه الشافعى فى قصة الملاعنة: "أَنَّ عُوَيْمِراً الْعَجْلانىَّ أَتَى رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ تعالى عليه وآلهِ وسَلم فقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، رَأَيْتَ رَجُلاً وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً، أَيْقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ؟ أَمْ كَيفَ يَفْعَلُ؟ فقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله تعالى عليه وآله وسلَم: قَدْ أُنْزِلَ فِيكَ وَفى صَاحِبَتِكَ، فَاذْهَبْ فَائْتِ بِهَا. قَالَ سَهْلٌ فَتلاعَنَا، وَأَنَا مَعَ النّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ تعَالى عليه وآله وسَلم.

стр. 312

فَلمَّا فَرَغَاً مِنْ تَلاعُنِهمَا قَالَ عُوَيَمرٌ: كَذَبْت عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أمْسَكْتُهَا، فَطَلّقَهَا ثلاثاً قَبْلَ أَنْ يأْمُرَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. قَالَ الزُّهْرِىُّ: وَكانَتْ تِلْكَ سَنَّةُ المتلاعِنَينِ" متفق عَلَى صحته. قال الشافعى: فقد أقره رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على الطلاق ثلاثاً ولو كان حراماً لما أقره عليه. ومنها: ما رواه النسائى عن محمود بن لبيد قال "أخبر رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً، فقام غضبان، ثم قال: أيلعب بكتاب الله. وأنا بين أظهركم؟ حتى قام رجل فقال: يا رسول الله ألا أقتله؟ " ولم يقل: إنه لم يقع عليه إلا واحدة، بل الظاهر أنه أجازها عليه، إذ لو كانت زوجته ولم يقع عليه إلا واحدة لبين له ذلك، لأنه إنما طلقها ثلاثاً يعتقد لزومها، فلو لم يلزمه لقال له: هى زوجتك بعد، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. ومنها: ما رواه أبو داود وابن ماجه عن ركانة: "أنه طلق امرأته البتة. فأتى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال: ما أردت؟ قال: واحدة. قال: الله ما أردت بها إلا واحدة؟ قال: الله ما أردت بها إلا واحدة" ورواه الترمذى وفيه "فقال: يا رسول الله، إنى طلقت امرأتى ألبتة، فقال: ما أردت بها؟ فقلت: واحدة قال: والله؟ قلت: والله، قال: فهو ما أردت" قال أبو داود: وهذا أصح من حديث ابن جريج "أن ركانة طلق امرأته ثلاثاً" وقال ابن ماجه: سمعت أبا الحسن على بن محمد الطنافسى يقول: ما أشرف هذا الحديث، قال أبو عبد الله بن ماجه: "أبو عبيد" تركه ناجية، وأحمد جبن عنه.

стр. 313

ووجه الدلالة: أنه حلفه "ما أراد بها إلا واحدة" وهذا يدل على أنه لو أراد بها أكثر من واحدة لألزمه ذلك، ولو كانت واحدة مطلقاً لم يفترق الحال بين أن يريد واحدة أو أكثر، وإذا كان هذا فى الكناية، فكيف بالطلاق الصريح إذا صرح فيه بالثلاث؟. ومنها: ما رواه الدارقطنى من حديث حماد بن زيد: حدثنا عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت معاذ بن جبل يقول: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول: "يَا مُعَاذُ، مَنْ طَلَّقَ لِلْبِدعَةِ وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ أوْ ثلاثاً أَلْزَمْنَاهُ بِدْعَتَهُ". ومنها: ما رواه الدارقطنى من حديث إبراهيم بن عبيد الله بن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده قال: "طَلّقَ بَعْضَ آبَائى امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ، فَانْطَلَقَ بَنُوهُ إِلى رَسُولِ اللهِ صلى الله تعالى عليه وآله وسلمَ، فقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَانَا طَلّقَ امْرَأَتَهُ أَلُفاً، فَهَلْ لَهُ مِنْ مَخْرَجٍ؟ فقَالَ: إِنّ أبَاكُمْ لَم يَتّقِ اللهَ فَيَجْعَلْ لَهُ مخرجاً بانت منه بِثلاثٍ عَلَى غَيْرِ السُّنَّة، وَتِسْعُمائَةٍ وَسَبْعَةٌ وتِسْعُونَ إِثْمٌ فى عُنُقِهٍ". ومنها: ما رواه الدارقطنى أيضاً من حديث زاذان عن على رضى الله عنه قال: "سَمِعَ النَّبىُّ صلى الله تعَالى عليه وآله وسلم رَجُلاً طَلّقَ الْبَتَّةَ فغَضِبَ وقَالَ: أتَتّخِذُونَ آيَاتِ اللهِ هُزُوًا، أوْ دِينَ اللهِ هُزُواً وَلِعباً؟ مَنْ طَلّقَ الْبَتَّةَ أْلْزَمْنَاهُ ثلاثاً، لا تحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ". ومنها: ما رواه الدارقطنى من حديث الحسن البصرى قال: حدثنا عبد الله بن عمر "أنه طلق امرأته وهى حائض، ثم أراد أن يتبعها بتطليقتين أخريين عند القرءين، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فقال: يا ابن عمر، ما هكذا أمرك الله تعالى. إنك قد أخطأت السنة، والسنة أن تستقبل الطهر، فتطلق عند ذلك أو أمسك. فقلت: يا رسول الله أرأيت لو طلقتها ثلاثاً، أكان يحل لى أن أراجعها؟ قال: لا. كانت تبين منك، تكون معصية". ومنها: ما رواه أبو داود والنسائى عن حماد بن زيد قال "قلت لأيوب: هل علمت أحداً قال فى "أمرك بيدك" إنها ثلاث غير الحسن؟ قال: لا. ثم قال: اللهم غفراً إلا ما حدثنى

стр. 314

قتادة عن كثير مولى ابن سمرة عن أبى سلمة عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "ثلاث". فلقيت كثيراً، فسألته فلم يعرفه، فرجعت إلى قتادة فأخبرته: فقال: نسى. ورواه الترمذى وقال: لا نعرفه إلا من حديث سلمان بن حرب عن حماد بن زيد. وحسبك بسليمان بن حرب، وحماد بن زيد، ثقتين ثبتين. ومنها: ما رواه البيهقى من حديث سويد بن غفلة عن الحسن أنه طلق عائشة الخثعمية ثلاثاً. ثم قال: لولا أنى سمعت جدى أو حدثنى أبى أنه سمع جدى يقول: "أيُّمَا رَجُلٍ طَلّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاثاً عِنْدَ الأَقْرَاءِ، أَوْ ثَلاثاً مُبْهَمَة لَمْ تَحِل لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيرَهُ لَرَاجَعْتُهَا". رواه من حديث محمد بن حميد: حدثنا سلمة بن الفضل عن عمر بن أبى قيس عن إبراهيم بن عبد الأعلى عن سويد، وهذا مرفوع. قالوا: فهذه الأحاديث أكثر وأشهر، وعامتها أصح من حديث أبى الصهباء، وحديث ابن جريج عن عكرمة عن ابن عباس. فيجب تقديمها عليه ولا سيما على قاعدة الإمام أحمد، فإنه يقدم الأحاديث المتعددة على الحديث الفرد عند التعارض، وإن كان الحديث الفرد متأخراً. كما قدم فى إحدى الروايتين أحاديث تحريم الأوعية على حديث بريدة لكونها متعددة، وحديث بريدة فى إباحتها فرد وهو متأخر، فإنه قال: "كُنْتُ نَهَيْتُكمْ عَنْ الانْتِباذِ فى الأَوْعِيَةِ فَاشْرَبُوا فِيماَ بَدَا لَكُمْ، غَيْرَ أن لا تَشْرَبُوا مُسْكِراً". مع أنه حديث صحيح. رواه مسلم، ولا يعرف له علة.

стр. 315

فصل قال الآخرون: هذه الأحاديث التى ذكرتموها ولم تدعوا بعدها شيئا، هى بين أحاديث صحيحة لا مطعن فيها ولا حجة فيها. وبين أحاديث صريحة الدلالة ولكنها باطلة أو ضعيفة، لا يصح شئ منها. ونحن نذكر ما فيها ليتبين الصواب ويزال الإشكال. أما حديث فاطمة بنت قيس فمن أصح الأحاديث مع أن أكثر المنازعين لنا فى هذه المسألة قد خالفوه ولم يأخذوا به. فأوجبوا للمبتوته النفقة والسكنى ولم يلتفتوا إلى هذا الحديث ولا عملوا به، وهذا قول أبى حنيفة وأصحابه. وأما الشافعى ومالك فأوجبوا لها السكنى. والحديث قد صرح فيه بأنه لا نفقة لها ولا سكنى فخالفوه ولم يعملوا به. فإن كان الحديث صحيحا فهو حجة عليكم، وإن لم يكن محفوظاً، بل هو غلط كما قال بعض المتقدمين فليس حجة علينا فى جمع الثلاث. فأما أن يكون حجة لكم على منازعيكم وليس حجة لهم عليكم فبعيد من الإنصاف والعدل. هذا مع أنا نتنزل عن هذا المقام ونقول: الاحتجاج بهذا الحديث فيه نوع سهو من

стр. 316

المحتج به. ولو تأمل طرق الحديث وكيف وقعت القصة لم يحتج به. فإن الثلاث المذكورة فيه لم تكن مجموعة، وإنما كان قد طلقها تطليقتين من قبل ذلك ثم طلقها آخر الثلاث، هكذا جاء مصرحاً به فى الصحيح. فروى مسلم فى صحيحه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة "أنا أبا عمرو بن حفص بن المغيرة خرج مع على بن أبى طالب رضى الله عنه إلى اليمن، فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها، وأمر لها الحارث بن هشام وعياش بن أبى ربيعة بنفقة، فقالا لها: والله مالك نفقة إلا أن تكونى حاملاً. فأتت النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "فَذَكَرْتْ لَهُ قَوْلَهُمَا فَقاَلَ: لا نَفَقَةَ لَكِ" وسَاق الحديث بطوله. فهذا المفسر يبين ذلك المجمل، وهو قوله "طلقها ثلاثاً". وقال الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن أبى سلمة عن فاطمة بنت قيس: أنها أخبرته "أنها كانت تحت أبى حفص بن المغيرة، وأن أبا حفص بن المغيرة طلقها آخر ثلاث تطليقات" وساق الحديث ذكره أبو داود ثم قال: وكذلك رواه صالح بن كيسان، وابن جريج وشعيب بن أبى حمزة، كلهم عن الزهرى. ثم ساق من طريق عبد الرزاق عن معمر عن

стр. 317

الزهرى عن عبيد الله قال: "أَرْسَلَ مَرْوَانْ إلَى فَاطِمَةَ فَسأَلهَا فَأَخْبَرَتْهُ أنّهَا كانَتْ عِنْدَ أبى حَفْصِ ابْنِ المُغِيرَةِ، وَكَانَ النَّبىُّ صلى الله تعالَى عليه وآله وسلم أمَّرَ عَلِىَّ بْنَ أبى طَالِبٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ عَلَى بَعْضِ الْيَمَنِ، فَخَرَجَ مَعَهُ زَوْجُها فَبَعَثَ إلَيْهَا بِتَطْلِيقَةٍ كَانتْ بَقِيتْ لهَا". وذكر الحديث بتمامه، والواسطة بين مروان وبينها هو قبيصة بن ذؤيب. كذلك ذكره أبو داود فى طريق أخرى. فهذا بيان حديث فاطمة بنت قيس. قالوا: ونحن أخذنا به جميعه ولم نخالف شيئاً منه إذ كان صحيحاً صريحاً لا مطعن فيه ولا معارض له. فمن خالفه فهو محتاج إلى الاعتذار. وقد جاء هذا الحديث بخمسة ألفاظ "طلقها ثلاثاً" و "طلقها ألبتة" و "طلقها آخر ثلاث تطليقات" و "أرسل إليها بتطليقة كانت بقيت لها" و "طلقها ثلاثاً جميعاً". هذه جملة ألفاظ الحديث، وبالله التوفيق. فأما اللفظ الخامس وهو قوله "طلقها ثلاثاً جميعاً" هذه القصة عن الشعبى. ولم يقل ذلك عن الشعبى غيره مع كثرة من روى هذه القصة عن الشعبى. فتفرد مجالد على ضعفه من بينهم بقوله "ثلاثاً جميعاً" وعلى تقدير صحته فالمراد به: أنه اجتمع لها التطليقات الثلاث، لا أنها وقعت بكلمة واحدة، فإذا طلقها آخر ثلاث صح أن يقال طلقها ثلاثا جميعاً. فإن هذه اللفظة يراد بها تأكيد العدد وهو الأغلب عليها، لا الاجتماع فى الآن الواحد لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ من فِى الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ [يونس: ٩٩] . فالمراد حصول الإيمان من الجميع لا إيمانهم كلهم فى آن واحد، سابقهم ولاحقهم. فصل وكذلك ما ذكروه من حديث عائشة رضى الله عنها: "أنّ رَجُلاً طلق امْرَأَتَهُ ثَلاثاً، فَسُئِلَ النّبىُّ صلّى الله تَعالى عليهِ وآلِه وسلَم: هل تحل لِلأَوَّلِ؟ فقال: لا" الحديث. هو حق يجب المصير إليه لكن ليس فيه أنه طلقها ثلاثاً بفم واحد، فلا تدخلوا فيه ما ليس فيه. وقولكم: "ولم يستفصل" جوابه: أن الحال قد كان عندهم معلوما، وأن الثلاث إنما

стр. 318

تكون ثلاثاً، واحدة بعد واحدة، وهذا مقتضى اللغة والقرآن والشرع والعرف كما بينا. فخرج الكلام على المفهوم المتعارف من لغة القوم. فصل وأما ما اعتمد عليه الشافعى من طلاق الملاعن ثلاثاً بحضرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ولم ينكره، فلا دليل فيه. لأن الملاعنة يحرم عليه إمساكها وقد حرمت تحريما مؤبدا، فما زاد الطلاق الثلاث هذا التحريم الذى هو مقصود اللعان إلا تأكيداً وقوة، وهذا جواب شيخنا ﵀. وقال ابن المنذر: وقد ذكر الأدلة على تحريم جمع الطلاق الثلاث، وأنه بدعة ثم قال: وأما ما اعتل به من رأى أن مطلق الثلاث فى مرة واحدة مطلق للسنة بحديث العجلانى. فإنما أوقع الطلاق عنده على أجنبية، علم الزوج الذى طلق ذلك أو لم يعلم. لأن قائله يوقع الفرقة بالتعان الرجل قبل أن تلتعن المرأة، فغير جائز أن يحتج بمثل هذه الحجة من يرى أن الفرقة تقع بالتعان الزوج وحده، انتهى. وحينئذ فنقول: إما أن تقع الفرقة بالتعان الزوج وحده كما يقوله الشافعى، أو بالتعانهما كما يقوله أحمد، أو يقف على تفريق الحاكم. فإن وقعت بالتعانه أو التعانهما فالطلاق الذى وقع منه لغو لم يفد شيئاً ألبتة، بل هو طلاق فى أجنبية. وإن وقفت الفرقة على تفريق الحاكم فهو يفرق بينهما تفريقا يحرمها عليه تحريما مؤبدا. فالطلاق الثلاث أكد هذا التحريم الذى هو موجب اللعان ومقصود الشارع. فكيف يلحق به طلاق الملاعنة وبينهما أعظم فرق؟. فصل وأما حديث محمود بن لبيد فى قصة المطلق ثلاثاً، فالاحتجاج به على الجواز من باب قلب الحقائق، والاحتجاج بأعظم ما يدل على التحريم لا على الإباحة. والاستدلال به على

стр. 319

الوقوع من باب التكهن والخرِصْ، والزيادة فى الحديث ما ليس فيه، ولا يدل عليه بشئ من وجوه الدلالات ألبتة، ولكن المقلد لا يبالى بنصرة تقليده بما اتفق له، وكيف يظن برسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه أجاز عمل من استهزأ بكتاب الله وصححه واعتبره فى شرعه وحكمه ونفذه؟ وقد جعله مستهزئاً بكتاب الله تعالى؟ وهذا صريح فى أن الله لم يشرع جمع الثلاث ولا جعله فى أحكامه. فصل وأما حديث ركانة "أنه طلق امرأته البتة، وأن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم استحلفه ما أراد بها إلا واحدة" فحديث لا يصح. قال أبو الفرح بن الجوزى فى كتاب العلل له: قال أحمد: حديث ركانة ليس بشىء. وقال الخلال فى كتاب العلل عن الأثرم: قلت لأبى عبد الله: حديث ركانة فى "البتة" فضعفه وقال "ذاك جعله بنيته". وقال شيخنا: الأئمة الكبار العارفون بعلل الحديث كالإمام أحمد، والبخارى، وأبى عبيد، وغيرهم ضعفوا حديث ركانة "البتة" وكذلك أبو محمد بن حزم وقالوا: إن رواته قوم مجاهيل، لا تعرف عدالتهم وضبطهم، قال: وقال الإمام أحمد: حديث ركانة أنه طلق امرأته ألبتة لا يثبت. وقال أيضاً: حديث ركانة فى ألبتة ليس بشئ، لأن ابن إسحق يرويه عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس "أن ركانة طلق امرأته ثلاثاً" وأهل المدينة يسمون من طلق ثلاث، طلق البتة". فإن قيل: فقد قال أبو داود: حديث "البتة" أصح من حديث ابن جريج "أن ركانة طلق امرأته ثلاثا" لأنهم أهل بيته وهم أعلم به، يعني وهم الذين رووا حديث "البتة". فقال شيخنا في الجواب: أبو داود إنما رجح حديث "البتة" على حديث ابن جريج لأنه روى حديث ابن جريج من طريق فيها مجهول فقال: حدثنا أحمد ابن صالح حدثنا عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرنى بعض ولد أبي رافع عن عكرمة عن ابن عباس قال: "طلق

стр. 320

عبد يزيد أبو ركانة وإخوته أم ركانة ثلاثا" الحديث، ولم يرو الحديث الذى رواه أحمد في مسنده عن إبراهيم بن سعد: حدثني أبى عن محمد بن إسحق حدثنا داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: "طلق ركانة ابن عبد يزيد امرأته ثلاثا في مجلس واحد" فلهذا رجح أبو داود حديث "البتة" على حديث ابن جريج. ولم يتعرض لهذا الحديث، ولا رواه فى سننه ولا ريب أنه أصح من الحديثين. وحديث ابن جريج شاهد له وعاضد، فإذا انضم حديث أبى الصهباء إلى حديث ابن إسحاق إلى حديث ابن جريج، مع اختلاف مخارجها وتعدد طرقها، أفادت العلم بأنها أقوى من حديث "البتة" بلا شك ولا يمكن من شم روائح الحديث ولو على بعد أن يرتاب فى ذلك. فكيف يقدم الحديث الضعيف الذى ضعفه الأئمة ورواته مجاهيل على هذه الأحاديث؟
следующие страницы →