Полный текст (760 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
بلى العدو بالذنب فأصر واحتج وعارض الأمر، وقدح فى الحكمة، ولم يسأل الإقالة، ولا ندم على الزلة. وبلى الحبيب بالذنب فاعترف وتاب وندم، وتضرع واستكان وفزع إلى مفزع الخليقة، وهو التوحيد والاستغفار، فأزيل عنه العتب، وغفر له الذنب، وقبل منه المتاب، وفتح له من الرحمة والهداية كلٌّ باب، ونحن الأبناء، ومن أشبه أباه فما ظلم، ومن كانت شيمته التوبة والاستغفار فقد هدى لأحسن الشيم.
فصل
ثم كاد أحد ولدى آدم، ولم يزل يتلاعب به، حتى قتل أخاه، وأسخط أباه، وعصى مولاه، فسن للذرية قتل النفوس، وقد ثبت فى الصحيح عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه قال:
"مَا مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْماً إِلا كانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ كِفلٌ مِنْ دَمِهَا، لأَنّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ".
فكاد العدو هذا القاتل بقطيعة رحمه، وعقوق والديه، وإسخاط ربه، ونقص عدده، وظلم نفسه، وعرضه لأعظم العقاب، وحرمه حظه من جزيل الثواب.
فصل
[كيده بالناس من بعد آدم]
ثم جرى الأمر على السداد والاستقامة، والأمة واحدة، والدين واحد، والمعبود واحد. قال تعالى:
﴿وَمَا كانَ النّاسُ إِلا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِى بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخَتْلِفُونَ﴾ [يونس: ١٩] وقال تعالى: ﴿كَانَ النّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبْعثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] .
قال سعيد عن قتادة "ذكر لنا: أنه كان بين آدم ونوح ﵉ عشرة قرون
стр. 597
كلهم على الهدى، وعلى شريعة من الحق، ثم اختلفوا بعد ذلك، فبعث الله نوحاً، وكان أول رسول بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض، وبُعِث عند الاختلاف بين الناس وترك الحق".
وقال ابن عباس "كان الناس أمة واحدة: كانوا على الإسلام كلهم".
وهذا هو القول الصحيح فى الآية.
وقد روى عطية عن ابن عباس رضى الله عنهما "كانوا أمة واحدة، كانوا كفارا".
وهذا قول الحسن وعطاء، قالا "كان الناس من وقت وفاة آدم إلى مبعث نوح ﵉ أمة واحدة على ملة واحدة، وهى الكفر، كانوا كفارا كلهم أمثال البهائم، فبعث الله نوحا وإبراهيم والنبيين".
وهذا القول ضعيف جدا، وهو منقطع عن ابن عباس، والصحيح عنه خلافه.
قال ابن حاتم: حدثنا أبو زرعة حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا همام حدثنا قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال "كانوا على الإسلام كلهم".
وهذا هو الصواب قطعا، فإن قراءة أبى بن كعب "فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين".
ويشهد لهذه القراءة: قوله تعالى فى سورة يونس:
﴿وَمَا كانَ النَّاسُ إِلا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفوا﴾ [يونس: ١٩] .
والمقصود: أن العدو كادهم وتلاعب بهم حتى انقسموا قسمين، كفارا ومؤمنين فكادهم بعبادة الأصنام، وإنكار البعث.
стр. 598
وكان أول ما كاد به عباد الأصنام من جهة العكوف على القبور، وتصاوير أهلها ليتذكروهم بها، كما قص الله سبحانه قصصهم فى كتابه، فقال:
﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ، وَلا تَذَرُنَّ وَداً، وَلا سُوَاعاً، وَلا يَغُوثَ، وَيَعُوقَ، وَنَسْراً﴾ [نوح: ١٣] .
قال البخارى فى صحيحه عن ابن عباس رضى الله عنهما "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التى كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت".
وقال ابن جرير عن محمد بن قيس قال: "كانوا قوما صالحين من بنى آدم، كان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم، الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة، إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم".
وقال هشام بن محمد بن السائب الكلبى: أخبرنى أبى قال: "أول ما عبدت الأصنام أن آدم ﵇ لما مات جعله بنو شيث بن آدم فى مغارة فى الجبل الذى أهبط عليه أدم بأرض الهند، ويقال للجبل: نوذ، وهو أخصب جبل فى الأرض".
قال هشام: فأخبرنى أبى عن أبى صالح عن ابن عباس قال: "فكان بنو شيث ﵇ يأتون جسد آدم فى المغارة، فيعظمونه، ويترحمون عليه، فقال رجل من بنى قابيل بن آدم: يا بنى قابيل، إن لبنى شيث دوارا يدورون حوله ويعظمونه، وليس لكم شيء فنحت لهم صنماً، فكان أول من عملها".
قال هشام: وأخبرنى أبى قال: "كان ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر: قوما صالحين، فماتوا فى شهر، فجزع عليهم ذوو أقاربهم، فقال رجل من بنى قابيل: يا قوم، هل لكم أن أعمل لكم خمسة أصنام على صورهم؟ غير أنى لا أقدر أن أجعل فيها أرواحاً، قالوا:
стр. 599
نعم، فنحت لهم خمسة أصنام على صورهم، ونصبها لهم، فكان الرجل يأتى أخاه وعمه وابن عمه، فيعظمه ويسعى حوله، حتى ذهب ذلك القرن الأول وكانت عملت على عهد برد ابن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم، ثم جاء قرن آخر فعظموهم أشد من تعظيم القرن الأول، ثم جاء من بعدهم القرن الثالث، فقالوا: ما عظم أولونا هؤلاء إلا يرجون شفاعتهم عند الله تعالى، فعبدوهم، وعظموا أمرهم، واشتد كفرهم، فبعث الله إليهم إدريس ﵇ نبيا فدعاهم، فكذبوه، فرفعه الله مكانا عليا، ولم يزل أمرهم يشتد فيما قال ابن الكلبى عن أبى الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس: - حتى أدرك نوح ﵇، فبعثه الله تعالى نبيا، وهو يومئذ ابن أربعمائة وثمانين سنة، فدعاهم إلى الله تعالى فى نبوته عشرين ومائة سنة، فعصوه وكذبوه، فأمره الله تعالى أن يصنع الفلك، ففرغ منها وركبها، وهو ابن ستمائة سنة، وغرق من غرق، ومكث بعد ذلك ثلاثمائة وخمسين سنة فدعاهم إلى الله. وكان بين آدم ونوح ألفا سنة ومائتا سنة: فأهبط الماء هذه الأصنام من أرض إلى أرض حتى قذفها إلى أرض جدة، فلما نضب الماء وبقيت على الشط فسفت الريح عليها حتى وارتها".
قلت: ظاهر القرآن يدل على خلاف هذا، وأن نوحا ﵇ لبث فى قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، وأن الله أهلكهم بالغرق بعد أن لبث فيهم هذه المدة.
قال الكلبى: وكان عمرو بن لحى كاهنا وله رئى من الجن:
стр. 600
عجل المسير والظعن من تهامة، بالسعد والسلامة قال: جير ولا إقامة، قال: ائت ضف جدة، تجد فيها أصناما معدة، فأوردها تهامة ولا تهب، ثم ادع العرب إلى عبادتها تجب. فأتى نهر جدة فاستثارها، ثم حملها حتى ورد تهامة، وحضر الحج، فدعا العرب إلى عبادتها قاطبة، فأجابه عوف بن عذرة بن زيد اللات، ابن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب ابن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة فدفع إليه ودا، فحمله فكان بوادى القرى بدومة الجندل، وسمى ابنه عبدود، فهو أول من سمى به، وجعل عرف ابنه عامرا الذى يقال له: عامر الأجدار سادنا له. فلم يزل بنوه يسد نونه حتى جاء الله بالإسلام.
قال الكلبى: فحدثنى مالك بن حارثة أنه رأى ودا. قال: وكان أبى يبعثنى باللبن إليه، فيقول: اسقه إلهك، فأشربه. قال: ثم رأيت خالد بن الوليد رضى الله عنه بعد كسره فجعله جذاذا. وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بعث خالد بن الوليد لهدمه، فحالت بينه وبين هدمه بنو عذرة وبنو عامر الأجدار. فقاتلهم، فقتلهم وهدمه وكسره.
قال الكلبى: فقلت لمالك بن حارثة: صف لى ودا، حتى كأنى أنظر إليه. قال: كان تمثال رجل كأعظم ما يكون من الرجال، قد دُبِّر - أى نقش - عليه حلتان، متزر بحلة مرتد بأخرى، عليه سيف قد تقلده، وقد تنكب قوسا، وبين يديه حربة فيها لواء ووفضة فيها نبل، يعنى جعبة.
стр. 601
قال: ورجع الحديث. قال: وأجابت عمرو بن لحى مضر بن نزار. فدفع إلى رجل من هذيل يقال له: الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر: سواعا، فكان بأرض يقال لها: وهاط من بطن نخلة، يعبده من يليه من مضر. وفى ذلك يقول رجل من العرب:
تَرَاهُمْ حَوْلَ قِبْلَتهِمْ عُكُوفا ... كَمَا عَكَفَتْ هُذَيْلُ عَلَى سُوَاعِ
تَظَلُّ جَنَابَهُ صَرْعَى لَدَيْهِ ... عَتَائِرَ مِنْ ذَخَائِرِ كُلّ رَاعِ
وأجابته مذحج، فدفع إلى أنعم بن عمرو المرادى يغوث. وكان بأكمة باليمن تعبده مذحج ومن والاها.
وأجابته همدان. فدفع إلى مالك بن مرثد بن جشم بن حاشد بن جشم بن خيران بن نوف بن همدان: يعوق. فكان بقرية يقال لها: خيوان. تعبده همدان ومن والاها من اليمن.
وأجابت حمير: فدفع إلى رجل من ذى رعين. يقال له: معد يكرب نسرا. فكان بموضع من أرض سبأ، يقال له: بلخع تعبده حمير ومن والاها. فلم يزل يعبدونه حتى هوّدهم ذو نواس.
فلم تزل هذه الأصنام تعبد حتى بعث الله النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فهدمها وكسرها.
قلت: هذا شرح ما ذكره البخارى فى صحيحه عن ابن عباس قال "صارت الأوثان التى كانت فى قوم نوح فى العرب تعبد. أما ود، فكانت لكلب بدومة الجندل. وأما سواع فكانت لهذيل. وأما يغوث، فكان لمراد، ثم لبنى غطيف، بالحرف عند سبأ. وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر، فكانت لحمير، لآل ذى الكلاع، قال: وهؤلاء أسماء رجال صالحين من قوم نوح" وذكر ما تقدم.
стр. 602
وفى صحيح البخارى عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:
"رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْخُزَاعِى يَجُرُّ قُصْبَهُ فى النّارِ. وَكانَ أَوَّلَ مَنَ سَيَّبَ السَّوَائِبَ".
وفى لفظ "وَغَيَّرَ دِينَ إبراهيم".
وقال بن إسحق: حدثنى محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمى أن أبا صالح السمان حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول لأكثم ابن الجون الخزاعى "يا أكثم رأيت عمرو بن لحى بن قمعة بن خندف يجر قصبه فى النار فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به، ولا به منك، فقال أكثم: عسى أن يضرنى شبهه يا رسول الله، قال: لا، إنك مؤمن وهو كافر، إنه كان أول من غير دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وبحر البحيرة، وسيب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحام".
قال ابن هشام: وحدثنى بعض أهل العلم "أن عمرو بن لحى خرج من مكة إلى الشام فى بعض أموره، فلما قدم مآب من أرض البلقاء، وبها يومئذ العماليق، وهم ولد عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح، رآهم يعبدون الأصنام. فقال لهم: ما هذه الأصنام التى تعبدون؟ فقالوا: نستمطر بها فتمطرنا. ونستنصرها فتنصرنا. فقال: أفلا تعطونى منها صنما، فأسير به
стр. 603
إلى أرض العرب فيعبدونه؟ فأعطوه صنما يقال له: هبل. فقدم به مكة، فنصبه، وأمر الناس بعبادته وتعظيمه".
قال هشام: وحدثنى أبى وغيره "أن إسماعيل ﵇ لما سكن مكة وولد بها أولاده، فكثروا، حتى ملؤوا مكة، ونفوا من كان بها من العماليق ضاقت عليهم مكة، ووقعت بينهم الحروب والعداوات، وأخرج بعضهم بعضا، فتفسحوا فى البلاد والتماس المعاش، فكان الذى حملهم على عبادة الأوثان والحجارة: أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلا احتمل معه حجرا من حجارة الحرم، تعظيما للحرم، وصبابة بمكة. فحيثما حلوا وضعوه وطافوا به كطوافهم بالبيت، حبا للبيت وصبابة به، وهم على ذلك يعظمون البيت ومكة، ويحجون ويعتمرون، على إرث إبراهيم وإسماعيل ﵉. ثم عبدوا ما استحسنوا ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم غيره، فعبدوا الأوثان، وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قبلهم، واستخرجوا ما كان يعبد قوم نوح ﵇ منها على إرث ما بقى من ذكرها فيهم وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم وإسماعيل، يتنسكون بها من تعظيم البيت والطواف به، والحج والعمرة والوقوف على عرفة والمزدلفة. وإهداء البدن مع إدخالهم فيه ما ليس منه وكانت نزار تقول فى إهلالها:
لَبَّيْكَ الّلهُمَّ لَبَّيْكْ ... لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكْ
إِلا شَرِيكٌ هُوَ لَكْ ... تَمْلكُهُ وَمَا مَلَكْ
ويوحدونه بالتلبية، ويدخلون معه آلهتهم، ويجعلون ملكها بيده. يقول الله لنبيه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:
﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إلا وَهُمْ
стр. 604
مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] .
أى ما يوحدوننى بمعرفة حقى إلا جعلوا معى شريكا من خلقى.
وكانت تلبية عك، إذا خرجوا حجاجا، قدموا أمامهم غلامين أسودين. فكانا أمام ركبهم فيقولان:
نَحْنُ غُرَابَا عَكٍّ
فتقول عك من بعدهما:
عَك إِلَيْكَ عَانِيَهْ ... عِبَادُكَ الْيَمَانِيَهْ
وكانت ربيعة إذا حجت فقضت المناسك ووقفت فى المواقف، نفرت فى النفر الأول، ولم تقم إلى آخر التشريق.
وكان أول من غير دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وسيب السائبة وبحر البحيرة ووصل الوصيلة، وحمى الحامى: عمرو بن ربيعة. وهو لحى بن حارثة ابن عمرو بن عامر الأزدى - وهو أبو خزاعة. وكانت أم عمرو فهيرة بنت عامر بن الحارث. ويقال قمعة بنت مضاض وكان الحرث الذى يلى أمر الكعبة، فلما بلغ عمرو بن لحى نازعه فى الولاية، وقاتل جرهما ببنى إسماعيل، فظفر بهم وأجلاهم عن الكعبة، ونفاهم من بلاد مكة. وتولى حجابة البيت بعدهم ثم إنه مرض مرضا شديدا فقيل له: إن بالبلقاء من الشام حمة إن أتيتها برأت فأتاها، فاستحم فيها فبرأ، ووجد أهلها يعبدون الأصنام، فقال: ما هذه؟ فقالوا: نستسقى بها المطر، ونستنصر بها على العدو، فسألهم أن يعطوه منها، ففعلوا، فقدم بها مكة، ونصبها حول الكعبة.
واتخذت العرب الأصنام، فكان أقدمها مناة وقد كانت العرب تسمى: عبد مناة وزيد مناة وكان منصوبا على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد، بين مكة والمدينة وكانت العرب جميعها تعظمه. وكانت الأوس والخرزج ومن ينزل المدينة ومكة وما قارب
стр. 605
من المواضع يعظمونه، ويذبحون له، ويهدون له وكان أولاد معد على بقية من دين إسماعيل. وكانت ربيعة ومضر على بقية من دينه ولم يكن أحد أشد إعظاما له من الأوس والخزرج.
قال هشام: وحدثنا رجل من قريش عن أبى عبيدة بن عبد الله بن أبى عبيدة ابن محمد بن عمار بن ياسر قال: "كانت الأوس والخزرج ومن جاورهم من عرب أهل يثرب، وغيرها يحجون، فيقفون مع الناس المواقف كلها. ولا يحلقون رؤوسهم. فإذا نفروا أتوه، فحلقوا عنده رؤوسهم، وأقاموا عنده لا يرون لحجهم تمام إلا بذلك".
وكانت مناة لهذيل وخزاعة. فبعث رسول الله ﵇ عليا فهدمها عام الفتح.
ثم اتخذوا اللات بالطائف. وهى أحدث من مناة. وكانت صخرة مربعة وكان يهودى يلت عندها السويق وكان سدنتها من ثقيف بنو عتاب بن مالك. وكانوا قد بنوا عليها. وكانت قريش وجميع العرب تعظمها. وبها كانت العرب تسمى زيد اللات. وتيم اللات. وكانت فى موضع منارة مسجد الطائف اليسرى اليوم.
فلم تزل كذلك
стр. 606
حتى أسلمت ثقيف. فبعث رسول الله صلى الله تعالى وآله وسلم المغيرة بن شعبة فهدمها وحرقها بالنار.
ثم اتخذوا العزى. وهى أحدث من اللات ومناة، اتخذها ظالم بن أسعد. وكانت بواد من نخلة [الشامية. يقال له: حُرَاض، بإزاء الغُمَير، عن يمين المصعد إلى العراق من مكة. وذلك] ، فوق ذات عرق، وبنوا عليها بيتا. وكانوا يسمعون منه الصوت.
стр. 607
قال هشام: وحدثنى أبى عن أبى صالح عن ابن عباس قال: كانت العزى شيطانة تأتى ثلاث سمرات ببطن نخلة. فلما افتتح رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مكة بعث خالد بن الوليد، فقال: ائت بطن نخلة. فإنك ستجد ثلاث سمرات، فاعضد الأولى. فأتاها فعضدها. فلما جاء إليه قال: هل رأيت شيئاً؟ قال: لا. قال: فاعضد الثانية. فأتاها فعضدها. ثم أتى النبى ﷺ ، فقال: هل رأيت شيئا؟ قال: لا. قال: فاعضد الثالثة. فأتاها فإذا هو بحبشية نافشة شعرها واضعة يديها على عاتقها، تصرف بأنيابها، وخلفها [دبَيَّة ابن حرمى الشيبانى ثم السلمى وكان] سادنها [فلما نظر إلى خالد] قال:
أَعُزَّاء شُدّى شَدّةً لا تُكَذِّبى ... عَلَى خَالد، أَلْقى الخمارَ وَشَمِّرِي
فَإِنّكِ إلا تَقْتُلِى الْيَوْمَ خَالِدا ... تَبُوئى بِذُل عَاجِلاً وَتَنَصَّرِي
فقال خالد:
يَا عُزَّى كُفْرَانَكِ، لا سُبْحَانَكِ ... إنِّى رَأَيْتُ اللهَ قَدْ أَهَانَكِ
ثم ضربها، ففلق رأسها. فإذا هى حممة. ثم عضد الشجرة، وقتل السادن ثم أتى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فأخبره، فقال: تلك العزى، ولا عزى بعدها للعرب [أما إنها لن تعبد بعد اليوم] .
стр. 608
قال هشام: وكانت لقريش أصنام فى جوف الكعبة وحولها، وأعظمها عندهم: هبل. وكان - فيما بلغنى - من عقيق أحمر، على صورة إنسان مكسور اليد اليمنى، أدركته قريش كذلك. فجعلوا له يدا من ذهب. وكان أول من نصبه خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر [وكان يقال له: هبل خزيمة] . وكان فى جوف الكعبة. وكان قدامه [سبعة] قداح، مكتوب فى أحدها: صريح، وفى الآخر: ملصق. فإذا شكوا فى مولود أهدوا له هدية، ثم ضربوا بالقداح، فإن خرج "صريح" ألحقوه. وإن خرج "ملصق" دفعوه [وقدح على الميت، وقدح على النكاح. وثلاثة لم تفسر، لى علام كانت؟] .
وكانوا إذا اختصموا فى أمر، أو أرادوا سفرا أو عملا، أتوه فاستقسموا بالقداح عنده [فما خرج عملوا به وانتهوا إليه. وعنده ضرب عبد المطلب بالقداح على ابنه عبد الله والد النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم] وهو الذى قال له أبو سفيان يوم أحد أعل هبل. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: "قولوا له: الله أعلى وأجل".
وكان لهم إساف ونائلة.
قال هشام: فحدث الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس "أن إسافا رجل من جرهم يقال له: إساف بن يعلى، ونائله بنت زيد من جرهم، وكان يتعشقها فى أرض اليمن فأقبلوا حجاجا، فدخلا الكعبة، فوجدا غفلة من الناس وخلوة من الناس وخلوة من البيت، ففجر بها فى البيت، فمسخا حجرين، فأصبحوا فوجدوهما مسخين، فأخرجوهما فوضعوهما موضعهما، فعبدتهما خزاعة وقريش ومن حج البيت بعد من العرب".
قال هشام: لما مسخا حجرين وضعا عند الكعبة ليتعظ بهما الناس، فلما طال مكثهما وعبدت الأصنام عبدا معها. وكان أحدهما ملصقا بالكعبة والآخر فى موضع زمزم، فنقلت قريش الذى كان ملصقا بالكعبة إلى الآخر، فكانوا يذبحون عندهما.
وكان من تلك الأصنام ذو الخلصة، وكان مروة بيضاء، منقوشة، عليها كهيئة التاج، وكان له بيت بين مكة واليمن على مسيرة سبع ليال من مكة [وكان سدنتها بنو أمامة من
стр. 609
باهلة بن أعصر] وكانت تعظمها وتهدى لها خثعم وبجيلة، [وأزد السراة ومن قلوبهم من بطون العرب من هوازن] فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لجرير:
"ألا تَكْفِينِى ذَا الْخَلَصَة؟ ".
فسار إليه بأحمس، فقاتلته خثعم وباهلة دونه، فظفر بهم. وهدم بيت ذى الخلصة وأضرم فيه النار فاحترق.
وذو الخلصة اليوم عتبة باب مسجد تبالة.
وكان لدوس صنم يقال له "ذو الكفين" فلما أسلموا بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الطفيل بن عمرو فحرقه.
وكان لبنى الحارث بن يشكر [بن مبشر من الأزد] صنم يقال له "ذو الشرى".
وكان لقضاعة ولحم وجذام، وعاملة وغطفان، صنم فى مشارف الشام يقال له "الأقيصر".
وكان لمزينة صنم يقال له "نُهم" وبه كانت تسمى عبد نهم.
[وكان لأزد السراة صنم يقال له "عائم"] .
стр. 610
وكان لعنزة صنم يقال له "سعير".
وكان لطيء صنم يقال له "الفلس".
وكان لأهل كل دار من مكة صنم فى دارهم، كان يعبدونه، فإذا أراد أحدهم السفر كان آخر ما يصنع فى منزله: أن يتمسح به، وإذا قدم من سفره، كان أول ما يصنع إذا دخل منزله: أن يتمسح به.
قال ابن إسحاق: وكان لخولان صنم يقال له: عم أنس بأرض خولان يقسمون له من أنعامهم، وحروثهم، قسما بينه وبين الله، بزعمهم، فما دخل فى حق الله من حق عم أنس رده عليه، وما دخل فى الحق الصنم من حق الله الذى سموا له تركوه له وفيهم أنزل الله سبحانه:
﴿وَجَعَلُوا للهِ مَّمَا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هذَا للهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذَا لِشُرَكَائِنَا، فَمَا كَانَ لِشُرَكَائْهِمْ فَلاَ يصِلُ إِلَى اللهِ وَمَا كَانَ للهِ فَهُوَ يَصلُ إلَى شُرَكَائهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦] .
стр. 611
قال ابن إسحق: وكان لبنى ملكان بن كنانة بن خزيمة بن مدركة صنم يقال له: "سعد" صخرة بفلاة من الأرض طويلة، فأقبل رجل من بنى ملكان بإبل مؤبلة، ليقفها عليه ابتغاء بركته - فيما يزعم - فلما رأته الإبل، [وكانت مرعية لا تركب] وكان يهراق عليه الدماء، نفرت منه فذهب فى كل وجه، فغضب ربها، فأخذ حجرا فرماه به، ثم قال: لا بارك الله فيك نفرت عنى إبلى، ثم خرج فى طلبها حتى جمعها، فلما اجتمعت له، قال:
أَيتنا إِلَى سَعْدٍ لِيَجْمَعَ شَمْلَنَا ... فَشَتَّتَنَا سَعْدٌ، فَلاَ نَحْنُ مِنْ سَعْدِ
وَهَلْ سَعْدُ إِلا صَخْرَةٌ بِتَنُوفَةٍ ... مِنَ الأَرْضِ لا تَدْعُو لِغَى وَلا رُشْدِ؟
قال ابن إسحق: وكان عمرو بن الجموح سيدا من سادات بنى سلمة، وشريفا من أشرافهم. وكان قد اتخذ فى داره صنما من خشب، يقال له مناة [كما كان الأشراف يصنعون. يتخذه إلها يعظمه ويظهره] فلما أسلم فتيان بنى سلمة معاذ بن جبل، وابنه معاذ بن عمرو، وغيرهم ممن أسلم، وشهد العقبة، وكانوا يدلجون بالليل على صنم عمرو ذلك، فيحملونه، فيطرحونه فى بعض حفر بنى سلمة، وفيها عذرات الناس منكسا على رأسه، فإذا أصبح عمرو، قال: ويلكم، من عدا على إلهنا هذه الليلة؟ قال ثم يغدو يلتمسه، حتى إذا وجده غسله وطهره، وطيبه، ثم قال: والله لو أعلم من فعل هذا بك لأخزينه. فإذا أمسى ونام غدوا
стр. 612
ففعلوا بصنمهم مثل ذلك، فيغدو فيلتمسه، فيجده فى مثل ما كان فيه من الأذى، فيغسله ويطهره ويطيبه، فيغدون عليه إذا أمسى فيفعلون به ذلك، فلما طال عليه استخرجه من حيث ألقوه يوما، فغسله وطهره وطيبه، ثم جاء بسيفه، فعلقه عليه، ثم قال له: والله إنى لا أعلم من يصنع بك ما ترى. فإن كان فيك خير فامتنع: فهذا السيف معك، فلما أمسى ونام غدوا عليه، فأخذوا السيف من عنقه، ثم أخذوا كلبا ميتا فقربوه به بحبل، ثم ألقوه فى بئر من آبار بنى سلمة فيها عذر من عذر الناس وغدا عمرو، فلم يجده فى مكانه الذى كان به فخرج يتبعه، حتى وجده فى تلك البئر منكسا مقرونا بكلب ميت. فلما رآه أبصر شأنه، وكلمه من أسلم من قومه فأسلم وحسن إسلامه، فقال حين أسلم وعرف من الله ما عرف، وهو يذكر صنمه ذلك، وما أبصر من أمره، ويشكر الله إذ أنقذه مما كان فيه من العمى والضلالة، ويقول:
وَاللهِ لَوْ كُنْتَ إِلها لَمْ تَكُنْ ... أَنْتَ وَكَلْبٌ وَسْطَ بِئْرٍ فى قَرَنْ
أُفٍّ لَمِلْقَاكَ إِلهَا مُسْتَدَنْ ... الآنَ فَتِّشْنَاكَ عَنْ سُوءِ الْغَبَنْ
الْحَمدُ للهِ الْعِلِّى ذِى المِنَنْ ... الوَاهِبِ الرَّزَّاقِ دَيَّانِ الدَّيَنْ
هُوَ الّذِى أَنْقَذَنى مِنْ قَبْلِ أَنْ ... أَكُونَ فى ظُلْمَةِ قَبْرٍ مُرْتَهَنْ
قال ابن إسحق: واتخذ أهل كل دار فى دارهم صنما يعبدونه، فإذا أراد رجل منهم سفرا تمسح به، وإذا قدم من سفرٍ تمسح به، فيكون آخر عهدِه به، وأول عهده به، فلما بعث الله محمدا صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بالتوحيد قالت قريش:
﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلهاً وَاحِدًا؟ إِنَّ هذَا لَشَيءْ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥] .
وكانت العرب قد اتخذت مع الكعبة طواغيت، وهى بيوت تعظمها، كتعظيم الكعبة لها سدنة وحجاب، وتهدى لها كما تهدى للكعبة، وتطوف بها كما تطوف بالكعبة وتنحر عندها كما تنحر عند الكعبة.
стр. 613
وكان الرجل إذا سافر، فنزل منزلا أخذ أربعة أحجار، فنظر إلى أحسنها، فاتخذه رباً، وجعل الثلاثة أثافى القدرة، فإذا ارتحل تركه، فإذا نزل منزلا آخر فعل مثل ذلك.
قال حنبل: حدثنا حسن بن الربيع قال: حدثنا مهدى بن ميمون قال: سمعت أبا رجاء العُطارِدى يقول "لما بُعث النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فسمعنا به، لحقنا بمسيلمة الكذاب، فلحقنا بالنار، قال: وكنا نعبد الحجر فى الجاهلية، فإذا وجدنا حجرا هو أحسن منه نلقى ذلك ونأخذه، فإذا لم نجد حجرا جمعنا حثية من تراب ثم جئنا بغنم فحلبناها عليه، ثم طفنا به".
وقال أبو رجاء أيضا "كنا نعمد إلى الرمل فنجمعه، ونحلب عليه، فنعبده، وكنا نعمد إلى الحجر الأبيض فنعبده، زمانا، ثم نلقيه".
وقال أبو بكر بن أبى شيبة: حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا الحجاج بن أبى زينب قال
стр. 614
سمعت أبا عثمان النهدى يقول "كنا فى الجاهلية نعيد حجرا، فسمعنا مناديا ينادى: يا أهل الرحال، إن ربكم قد هلك، فالتمسوا ربا، قال: فخرجنا على كل صعب وذلول، فبينا نحن كذلك نطلبه إذا نحن بمناد ينادى: إنا قد وجدنا ربكم، أو شبهه، فإذا حجر، فنحرنا عليه الجزر".
وقال محمد بن سعد: أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنى الحجاج بن صفوان عن ابن أبى حسين عن شهر بن حوشب عن عمر بن عبسة قال "كنت امرأ ممن يعبد الحجارة، فينزل الحى ليس معهم إله، فيخرج الرجل منهم، فيأتى بأربعة أحجار، فينصب ثلاثة لقدره، ويجعل أحسنها إلها يعبده، ثم لعله يجد ما هو أحسن منه قبل أن يرتحل فيتركه، ويأخذ غيره".
ولما فتح رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم مكة وجد حول البيت ثلاثمائة وستين صنما، فجعل يطعن بسية قوسه فى وجوهها، وعيونها، ويقول:
﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلَ إن الباطلَ كَانَ زَهُوقاَ﴾ [الإسراء: ٨١] .
وهى تتساقط على رؤوسها، ثم أمر بها، فأخرجت من المسجد وحرقت.
стр. 615
فصل
وتلاعب الشيطان بالمشركين فى عبادة الأصنام له أسباب عديدة، تلاعب بكل قوم على قدر عقولهم.
فطائفة دعاهم إلى عبادتها من جهة تعظيم الموتى، الذين صوروا تلك الأصنام على صورهم، كما تقدم عن قوم نوح ﵇، ولهذا لعن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم المتخذين على القبور المساجد والسرج، ونهى عن الصلاة إلى القبور، وسأل ربه سبحانه أن لا يجعل قبره وثنا يعبد، ونهى أمته أن يتخذوا قبره عيدا، وقال: "اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" وأمر بتسوية القبور، وطمس التماثيل.
فأبى المشركون إلا خلافه فى ذلك كله، إما جهلا، وإما عنادا لأهل التوحيد، ولم يضرهم ذلك شيئا. وهذا السبب هو الغالب على عوام المشركين.
وأما خواصهم فإنهم اتخذوها - بزعمهم - على صور الكواكب المؤثرة فى العالم عندهم، وجعلوا لها بيوتا وسدنة، وحجابا، وحجا وقربانا، ولم يزل هذا فى الدنيا قديما وحديثا.
فمنها: بيت على رأس جبل بأصبهان. كان به أصنام أخرجها بعض ملوك المجوس، وجعله بيت نار.
ومنها بيت ثان وثالث ورابع بصنعاء. بناه بعض المشركين على اسم الزهرة، فخربه عثمان بن عفان رضى الله تعالى عنه.
ومنها بيت بناه قابوس الملك على اسم الشمس بمدينة فرغانه، فخربه المعتصم.
وأشد الأمم فى هذا النوع من الشرك: الهند.
قال يحيى بن بشر: إن شريعة الهند وضعها لهم رجل يقال له برهمن، ووضع لهم أصناما، وجعل أعظم بيوتها بيتا بمدينة من مدائن السند. وجعل فيه صنمهم الأعظم. وزعم
стр. 616
أنه بصورة الهيولى الأكبر. وفتحت هذه المدينة فى أيام الحجاج. واسمها "الملتان" فأراد المسلمون قلع الصنم. فقيل: إن تركتموه ولم تقلعوه جعلنا لكم ثلث ما يجتمع له من المال، فأمر عبد الملك بن مروان بتركه، فالهند تحج إليه من نحو ألفى فرسخ ولا بد لمن يحجه أن يحمل معه من النقد ما يمكنه، من مائةٍ إلى عشرة آلاف، لا يكون أقل من هذا ولا أكثر. فيلقيه فى صندوق هناك عظيم، ويطوف بالصنم، فإذا ذهبوا ورجعوا إلى بلادهم قسم ذلك المال، فثلثه للمسلمين، وثلثه لعمارة المدينة وحصونها، وثلثه لسدنة الصنم ومصالحه.
وأصل هذا المذهب من مشركى الصابئة، وهم قوم إبراهيم ﵇، الذين ناظرهم فى بطلان الشرك، وكسر حجتهم بعلمه، وآلهتهم بيده، فطلبوا تحريقه.
وهو مذهب قديم فى العالم، وأهله طوائف شتى.
فمنهم عباد الشمس، زعموا أنها ملك من الملائكة، لها نفس وعقل، وهى أصل نور القمر والكواكب، وتكون الموجودات السفلية كلها عندهم، منها، من عندهم ملك الفلك، فيستحق التعظيم والسجود، والدعاء.
ومن شريعتهم فى عبادتها: أنهم اتخذوا لها صنما بيده جوهرة على لون النار. وله بيت خاص قد بنوه باسمه، وجعلوا له الوقوف الكثيرة، من القرى والضياع، وله سدنة وقوام وحجبة، يأتون البيت ويصلون فيه لها ثلاث كرات فى اليوم. ويأتيه أصحاب العاهات، فيصومون لذلك الصنم ويصلون، ويدعون ويستسقون به، وهم إذا طلعت الشمس سجدوا كلهم لها، وإذا غربت، وإذا توسطت الفلك، ولهذا يقارنها الشيطان فى هذه الأوقات الثلاثة لتقع عبادتهم وسجودهم له. ولهذا نهى النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن تحرى الصلاة فى هذه الأوقات، قطعا لمشابهة الكفار ظاهرا، وسدا لذريعة الشرك، وعبادة الأصنام.
стр. 617
فصل
وطائفة أخرى اتخذت للقمر صنما، وزعموا أنه يستحق التعظيم والعبادة، وإليه تدبير هذا العالم السفلى.
ومن شريعة عباده: أنهم اتخذوا له صنما على شكل عجل يجره أربعة، ويبد الصنم جوهرة، ويعبدونه، ويسجدون له ويصومون له أياما معلومة من كل شهر، ثم يأتون إليه بالطعام والشراب، والفرح والسرور، فإذا فرغوا من الأكل أخذوا فى الرقص والغناء وأصوات المعازف بين يديه.
ومنهم من يعبد أصناما اتخذوها على صورة الكواكب وروحانيتها بزعمهم، وبنوا لها هياكل، ومتعبدات، لكل كوكب منها هيكل يخصه، وصنم يخصه، وعبادة تخصه.
ومتى أردت الوقوف على هذا، فانظر فى كتاب "السر المكتوم فى مخاطبة النجوم" المتسوب إلى ابن خطيب الرَّى تعرف سر عبادة الأصنام، وكيفية تلك العبادة وشرائطها.
وكل هؤلاء مرجعهم إلى عبادة الأصنام، فإنهم لا تستمر لهم طريقة إلا بشخص خاص على شكل خاص، ينظرون إليه، ويعكفون عليه.
ومن هاهنا اتخذ أصحاب الروحانيات والكواكب أصناما، زعموا أنها على صورتها فوضع الصنم إنما كان الأصل على شلك معبود غائب فجعلوا الصنم على شكله وهيأته وصورته، ليكون نائبا، وقائما مقامه. وإلا فمن المعلوم أن عاقلا لا ينحت خشبة أو حجرا بيده، ثم يعتقد أنه إلهه ومعبوده.
ومن أسباب عبادتها أيضاً: أن الشياطين تدخل فيها، وتخاطبهم منها وتخبرهم ببعض المغيبات، وتدلهم على بعض ما يخفى عليهم، وهم لا يشاهدون الشياطين، فجهلتهم وسقطهم يظنون أن الصنم نفسه هو المتكلم المخاطب، وعقلاؤهم يقولون: إن تلك روحانيات الأصنام، وبعضهم يقولون: إنها الملائكة وبعضهم يقول: إنها العقول المجردة. وبعضهم يقول:
стр. 618
هى روحانيات الأجرام العلوية. وكثير منهم لا يسأل عما عهد بل إذا سمع الخطاب من الصنم اتخذه إلها، ولا يسأل عما وراء ذلك.
وبالجملة فأكثر أهل الأرض مفتونون بعبادة الأصنام والأوثان، ولم يتخلص منها إلا الحنفاء، أتباع ملة إبراهيم ﵇، وعبادتها فى الأرض من قبل نوح ﵇ كما تقدم، وهياكلها ووقوفها وسدنتها وحجابها. والكتب المصنفة فى شرائع عبادتها طبق ذلك كله الأرض.
قال إمام الحنفاء: ﴿وَاجْنُبْنِى وَبَنِى أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُن أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٥ - ٣٦] .
والأمم التى أهلكها الله بأنواع الهلاك كلهم كانوا يعبدون الأصنام، كما قص الله تعالى ذلك عنهم فى القرآن، وأنجى الرسل وأتباعهم من الموحدين.
ويكفى فى معرفة كثرتهم، وأنهم أكثر أهل الأرض: ما صح عن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:
"أَن بَعْثَ النَّارِ مِنْ كلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وتسعة وتَسْعُونَ" وقد قال تعالى: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورَا﴾ [الإسراء: ٨٩] وقال: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فى الأَرْضِ يِضُلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ [الأنعام: ١١٦] وقال: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] وقال: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢] .
ولو لم تكن الفتنة بعبادة الأصنام عظيمة لما أقدم عبادها على بذل نفوسهم وأموالهم وأبنائهم دونها، فهم يشاهدون مصارع إخوانهم وما حل بهم، ولا يزيدهم ذلك إلا حبا لها وتعظيما، ويوصى بعضهم بعضا بالصبر عليها، وتحمل أنواع المكاره فى نصرتها وعبادتها، وهم يسمعون أخبار الأمم التى فتنت بعبادتها، وما حل بهم من عاجل العقوبات، ولا يثنيهم ذلك عن عبادتها.
ففتنة عبادة الأصنام أشد من فتنة عشق الصور، وفتنة الفجور بها. والعاشق لا يثنيه
стр. 619
عن مراده خشية عقوبة فى الدنيا، ولا فى الآخرة، وهو يشاهد ما يحل بأصحاب ذلك: من الآلام والعقوبات، والضرب، والحبس، والنكال، والفقر، غير ما أعد الله له فى الآخرة وفى البرزخ، ولا يزيده ذلك إلا إقداما وحرصا على الوصول والظفر بحاجته.
فهكذا الفتنة بعبادة الأصنام أشد، فإن تأله القلوب لها أعظم من تألها للصور التى يريد منها الفاحشة بكثير.
والقرآن بل وسائر الكتب الإلهية، من أولها إلى آخرها، مصرحة ببطلان هذا الدين وكفر أهله، وأنهم أعداء الله ورسله، وأنهم أولياء الشيطان وعباده وأنهم هم أهل النار الذين لا يخرجون منها، وهم الذين حلت بهم المثلاث، ونزلت بهم العقوبات، وأن الله سبحانه برئ منهم هو وجميع وملائكته، وأنه سبحانه لا يغفر لهم، ولا يقبل لهم عملا.
وهذا معلوم بالضرورة من الدين الحنيف.
وقد أباح الله لرسوله وأتباعه من الحنفاء دماء هؤلاء، وأموالهم، ونساءهم وأبناءهم بتطهير الأرض منهم، حيث وجدوا، وذمهم بسائر أنواع الذم، وتوعدهم بأعظم أنواع العقوبة، فهؤلاء فى شق ورسل الله تعالى كلهم فى شق.
فصل
ومن أسباب عبادة الأصنام: الغلو فى المخلوق، وإعطاؤه فوق منزلته، حتى جعل فيه حظ من الإلهية، وشبهوه بالله سبحانه، وهذا التشبيه الواقع فى الأمم، الذى أبطله الله سبحانه، وبعث رسله، وأنزل كتبه بإنكاره والرد على أهله.
فهو سبحانه ينفى، وينهى، أن يجعل غيره مثلا له، وندا له، وشبها له، لا أن يشبه هو بغيره، إذ ليس فى الأمم المعروفة أمة جعلته سبحانه مثلا لشيء من مخلوقاته، فجعلت المخلوق أصلا وشبهت به الخالق، فهذا لا يعرف فى طائفة من طائفة بنى آدم، وإنما الأول هو
стр. 620
المعروف فى طوائف أهل الشرك، غلوا فيمن يعظمونه، ويحبونه، حتى شبهوه بالخالق، وأعطوه خصائص الإلهية، بل صرحوا أنه إله، وأنكروا جعل الآلهة إلها واحدا وقالوا:
﴿اصْبِرُوا عَلَى آلَهِتِكُمْ﴾ [ص: ٦] .
وصرحوا بأنه إله معبود، يرجى ويخاف، ويعظم ويسجد له، ويحلف باسمه، وتقرب له القرابين، إلى غير ذلك من خصائص العبادة، التى لا تنبغى إلا لله تعالى.
فكل مشرك فهو مشبه لإلهه ومعبوده بالله سبحانه، وإن لم يشبهه به من كل وجه، حتى إن الذين كفروا وصفوه سبحانه بالنقائص والعيوب كقولهم:
﴿إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨١] وإن ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَة﴾ [المائدة: ٦٤] .
وإنه استراح لما فرغ من خلق العالم. والذين جعلوا له ولدا وصاحبة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا - لم يكن قصدهم أن يجعلوا المخلوق أصلا، ثم يشبهون به الخالق، بل وصفوه بهذه الأشياء استقلالا، لا قصدا أن يكون غيره أصلا فيها، وهو مشبه به.
ولهذا كان وصفه سبحانه بهذه الأمور من إبطال الباطل، لكونها فى نفسها نقائص وعيوبا، ليس جهة البطلان فى اتصافه بها: هو التشبيه والتمثيل، فلا يتوقف فى نفيها عنه على ثبوت انتفاء التشبيه، كما يفعله بعض أهل الكلام الباطل، حيث صرحوا بأنه لا يقوم دليل عقلى على انتفاء النقائص والعيوب عنه، وإنما تنفى عنه لاستلزامها التشبيه والتمثيل.
وهؤلاء إذا قال لهم الواصفون لله سبحانه بهذه الصفات: نحن نثبتها له على وجه لا يماثل فيها خلقه، بل نثبت له فقرا وصاحبة وإيلادا يماثل فيه خلقه، كما تثبتون أنتم له علما وقدرة، وحياة وسمعا، وبصرا، لا يماثل فيها خلقه. فقولنا فى هذا كقولكم فيما أثبتموه سواء - لم يتمكنوا من إبطال قولهم، ويصيرون أكفاء لهم فى المناظرة، فإنهم قد أعطوهم أنه لا يقوم دليل عقلى على انتفاء النقائص والعيوب، وإنما ننفى ما نفى عنه لأجل التشبيه والتمثيل، وقد أثبتوا له صفات على وجه لا يستلزم التشبيه، فقال أولئك: وهكذا نقول نحن.
ولما عرف بعضهم أن هذا لازم له لا محالة استروح إلى دليل الإجماع، وقال: إنما نفينا النقائص والعيوب عنه بالإجماع، وعندهم أن الإجماع أدلته ظنية، لا تفيد اليقين، فليس عند
стр. 621
القوم يقين وقطع بأن الله سبحانه منزه عن النقائص والعيوب.
وأهل السنة يقولون: إن تنزيهه سبحانه عن العيوب والنقائص واجب لذاته، كما أن إثبات صفات الكمال والحمد واجب له لذاته، وهو أظهر فى العقول والفطر وجميع الكتب الإلهية وأقوال الرسل من كل شيء.
ومن العجب أن هؤلاء جاءوا إلى ما علم بالاضطرار أن الرسل جاءوا به، ووصفوا الله سبحانه به، ودلت عليه العقول والفطر والبراهين، فنفوه، وقالوا: إثباته يستلزم التجسيم والتشبيه، فلم يثبت لهم قدم البتة، فيما يثبتونه له سبحانه، وينفونه عنه. وجاءوا إلى ما علم بالاضطرار والفطر والعقول، وجميع الكتب الإلهية من تنزيه الله سبحانه عن كل نقص وعيب، فقالوا: ليس فى أدلة العقل ما ينفيه، وإنما ننفيه بما ننفى به التشبيه.
وليس فى الخذلان فوق هذا، بل إثبات هذه العيوب والنقائص يضاد كماله المقدس وهو سبحانه موصوف بما يضادها وينافيها من كل وجه، ونفيها أظهر وأبين فى العقول من نفى التشبيه، فلا يجوز أن يثبت له على وجه لا يشابه فيه خلقه.
والمقصود: أنه لم يكن فى الأمم من مثله بخلقه، وجعل المخلوق أصلا ثم شبهه به، وإنما كان التمثيل والتشبيه فى الأمم، حيث شبهوا أوثانهم ومعبوديهم به فى الإلهية، وهذا التشبيه هو أصل عبادة الأصنام، فأعرض عنه وعن بيان بطلانه أهل الكلام، صرفوا العناية إلى إنكار تشبيهه بالخلق الذى لم تعرف أمة من الأمم عليه، وبالغوا فيه حتى نفوا به عنه صفات الكمال.
ولهذا موضع مهم نافع جدا، به يعرف الفرق بين ما نزه الرب سبحانه نفسه عنه، وذم به المشركين المشبهين العادلين به خلقه، وبين ما ينفيه الجهمية المعطلة من صفات كماله، ويزعمون أن القرآن دل عليه وأريد به نفيه.
والقرآن مملوء من إبطال أن يكون فى المخلوقات ما يشبه الرب تعالى أو يماثله، فهذا هو الذى قصد بالقرآن، إبطالا لما عليه المشركون والمشبهون العادلون بالله تعالى غيره.
قال تعالى: ﴿فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]
стр. 622
وقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] .
فهؤلاء جعلوا المخلوق مثلا للخالق. فالند: الشبه. يقال فلان نِد فلان، ونَدِيدُه أى مثله وشبهه، ومنه قول حسان بن ثابت:
أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِنِدٍّ؟ ... فَشَرُّ كُمَا لِخَيْرِ كُمَا الْفِداءُ
ومنه قول النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - لمن قال له ما شاء الله وشئت: "أَجَعَلْتَنِى للهِ نِدَّا" وقال جرير:
أَتَيماً تَجْعَلُونَ إِلَى نِدا؟ ... وَمَا تَيْمٌ لِذِى حسَبٍ نَدِيدُ
قال ابن مسعود، وابن عباس: "لا تجعلوا لله أكفاء من الرجال، تطيعونهم فى معصية الله".
وقال ابن زيد: "الأنداد الآلهة التى جعلوها معه".
وقال الزجاج: "أى لا تجعلوا لله أمثالا".
فالذى أنكره الله سبحانه عليهم: هو تشبيه المخلوق به، حتى جعلوه ندا لله تعالى، يعبدونه كما يعبدون الله، وكذلك قوله فى الآية الأخرى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] فأنكر هذا التشبيه عليهم، وهو أصل عبادة الأصنام.
ونظيرُ هذا قولهُ سبحانه: ﴿الْحَمْدُ للهِ الّذِى خَلَقَ السَّموَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلْونَ﴾ [الأنعام: ١] .
أى يعدلون به غيره، فيجعلون له من خلقه عَدلا وشبها.
стр. 623
قال ابن عباس: يريد عدلوا بى من خلقى الحجارة والأصنام، بعد أن أقروا بنعمتى وربوبيتى.
وقال الزجاج: أعلم الله سبحانه أنه خالق ما ذكر فى هذه الآية. وأن خالقها لا شيء مثله، وأعلم أن الكفار يجعلون له عديلا. والعدل التسوية، يقال: عدل الشيء بالشيء إذا سواه به، ومعنى يعدلون به: يشركون به غيره.
قال مجاهد قال الأحمر: يقال: عدل الكافر بربه عدلا، وعدولا: إذا سوى به غيره فعبده.
وقال الكسائى: عدلت الشيء بالشيء أعدله عدولا إذا ساويته به.
ومثله قوله تعالى عن هؤلاء المشبهين إنهم يقولون فى النار لآلهتهم: ﴿تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِى ضَلاَلٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧- ٩٨] .
فاعترفوا أنهم كانوا فى أعظم الضلال وأبينه، إذ جعلوا لله شبها وعدلا من خلقه سووهم به فى العبادة والتعظيم.
وقال تعالى: ﴿رَبِّ السَّموَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِر لِعِبَادَتِهِ، هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِياً﴾ [مريم: ٦٥] .
قال ابن عباس: "شبها ومثلا، وهو من يساميه".
وذلك نفى عن المخلوق أن يكون مشابها للخالق، ومماثلا له، بحيث يستحق العبادة والتعظيم، ولم يقل سبحانه: هل تعلمه سميا، أو مشبها لغيره، فإن هذا لم يقله أحد. بل المشركون المشبهون جعلوا بعض المخلوقات مشابها له، مساميا، وندا وعدلا، فأنكر عليهم هذا التشبيه والتمثيل.
وكذلك قوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ فَلا تَضْرِبُوا للهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٣ - ٧٤] .
فنهاهم أن يضربوا له مثلا من خلقه، ولم ينههم أن يضربوه هو مثلا لخلقه فإن هذا لم يقله أحد، ولم يكونوا يفعلونه. فإن الله سبحانه أجل وأعظم وأكبر من كل شيء فى فطر الناس كلهم. ولكن المشبهون المشركون يغلون فيمن يعظمونه. فيشبهونهم بالخالق، والله تعالى أجل فى صدور جميع الخلق من أن يجعلوا غيره أصلا ثم يشبهونه سبحانه بغيره.
стр. 624
فالذى يشبهه بغيره، إن قصد تعظيمه، لم يكن فى هذا تعظيم، لأنه مثل أعظم العظماء بما هو دونه، بل بما ليس بينه نسبة وشبه فى العظمة والجلالة، وعاقل لا يفعل هذا.
وإن قصد التنقيص شبهه بالناقصين المذمومين، لا بالكاملين الممدوحين.
ومن هنا يعلم أن إثبات صفات الكمال له لا يتضمن التشبيه والتمثيل، لا بالكاملين ولا بالناقصين وأن نفى تلك الصفات يستلزم تشبيهه بأنقص الناقصين.
فانظر إلى الجهمية وأتباعهم، جاءوا إلى التشبيه المذموم فأعرضوا عنه صفحا، وجاءوا إلى الكمال والمدح فجعلوه تشبيها وتمثيلا، عكس ما يثبته القرآن، وجاء به من كل وجه.
ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَلمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواَ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] .
هو سلب عن المخلوق مكافأته ومماثلته للخالق سبحانه، ولم يقل: ولم يكن هو كفوا لأحد، فينفى عن نفسه مشابهته للمخلوق ومكافأته له، إذ كان ذلك أبين وأظهر من أن يحتاج إلى نفيه.
وسر ذلك: أن المقصود أن المخلوق لا يماثله سبحانه فى شيء من صفاته وخصائصه. وأما كونه سبحانه هو لا يماثل المخلوق لا يماثل المخلوق، ولا يشابهه، ولا هو ندّ له ولا كفؤ، فليس فيه مدح له.
فإنه لو مدح بعض الملوك أو غيرهم بأنه لا يشبه الحيوانات، ولا الحجارة، ولا الخشب، ونحو ذلك، لم يعد هذا مدحا، ولا ثناء عليه، ولا كمالا له بخلاف ما إذا قيل: لا تجعل للملك ندا ولا كفؤا، ولا شبيها من رعيته، تعظمه كتعظيمه، وتطيعه كطاعته، فإنه ليس فى رعيته من يساميه. ولا يماثله، ولا يكافئه: كان هذا غاية المدح.
وكذلك قول سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير﴾ [الشورى: ١١] .
إنما قصد به نفى أن يكون معه شريك، أو معبود يستحق العبادة والتعظيم، كما يفعله المشبهون والمشركون. ولم يقصد به نفى صفات كماله، وعلوه على خلقه، وتكلمه بكتبه، وتكليمه لرسله،
стр. 625
ورؤية المؤمنين له جهرة بأبصارهم، كما ترى الشمس والقمر فى الصحو. فإنه سبحانه إنما ذكر هذا فى سياق رده على المشركين، الذين اتخذوا من دونه أولياء. يوالونهم من دونه فقال تعالى:
﴿وَالّذِينَ اتّخَذُوا مِنْ دونه أَوْلِيَاءَ اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ وَكَذلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فى الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فى السَّعِيرِ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّة وَاحِدَة وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فى رَحْمِتهِ وَالظّالُمِونَ مَالَهُمْ مِنْ وَلِى وَلا نَصِيرٍ أَم اتّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللهُ هُوَ الْوَلِى وَهُوَ يُحْيِى الَمْوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِير وَما اخْتَلْفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيءٍْ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ ذلِكُمُ اللهُ رَبِّى عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإلَيْهِ أُنيبُ فَاطِرُ السَّموَاتِ وَالأرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَؤكُمْ فِيهِ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ٦ - ١١] .
فتأمل كيف ذكر هذا النفى تقريرا للتوحيد، وإبطالا لما عليه أهل الشرك: من تشبيه آلهتهم، وأوليائهم به، حتى عبدوهم معه. فحرفها المحرفون وجعلوها تُرْسا لهم فى نفى صفات كماله، وحقائق أسمائه وأفعاله.
وهذا التشبيه الذى أبطله الله سبحانه نفيا ونهيا: هو أصل شرك العالم، وعبادة الأصنام: ولهذا نهى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يسجد أحد لمخلوق مثله أو يحلف بمخلوق مثله، أو يصلى إلى قبر، أو يتخذ عليه مسجدا، أو يعلق عليه
стр. 626
قنديلا أو يقول القائل: ما شاء الله وشاء فلان. ونحو ذلك، حذرا من هذا التشبيه الذى هو أصل الشرك.
وأما إثبات صفات الكمال فهو أصل التوحيد.
فتبين أن المشبهة هم الذين يشبهون المخلوق بالخالق فى العبادة والتعظيم والخضوع، والحلف به، والنذر له، والسجود له، والعكوف عند بيته، وحلق الرأس له، والاستغاثة به، والتشريك بينه وبين الله، فى قولهم: ليس لى إلا الله وأنت، وأنا متكل على الله وعليك. وهذا من الله ومنك. وأنا فى حسب الله وحسبك، وما شاء الله وشئت. وهذا لله ولك. وأمثالك ذلك.
فهؤلاء هم المشبهة حقا، لا أهل التوحيد، المثبتون لله ما أثبته لنفسه، والنافون عنه ما نفاه عن نفسه، الذين لا يجعلون له ندا من خلقه، ولا عدلا، ولا كفؤا، ولا سميا، وليس لهم من دونه ولى ولا شفيع.
فمن تدبر هذا الفصل حق التدبر تبين له كيف وقعت الفتنة فى الأرض بعبادة الأصنام، وتبين له سر القرآن فى الإنكار على هؤلاء المشبهة الممثلة، ولا سيما إذا جمعوا إلى هذا التشبيه تعطيل الصفات والأفعال. كما هو الغالب عليهم. فيجمعون بين تعطيل الرب سبحانه عن صفات كماله، وبين تشبيه خلقه به.
فصل
ومن كيده وتلاعبه: ما تلاعب بعباد النار، حتى اتخذوها إلها معبودة.
وقد قيل: إن هذا كان من عهد قابيل. كما ذكر أبو جعفر محمد بن جرير: "أنه لما قتل قابيل هابيل وهرب من أبيه آدم ﵇. أتاه إبليس. فقال له: إن هابيل إنما قبل قربانه وأكلته النار، لأنه كان يخدمها ويعبدها، فانصب أنت أيضاً نارا تكون لك ولعقبك. فبنى بيت نار، فهو أول من نصب النار وعبدها".
وسرى هذا المذهب فى المجوس، فبنوا لها بيوتا كثيرة، واتخذوا لها الوقوف والسدنة
стр. 627
والحجاب، فلا يدعوها تخمد لحظة واحدة، فاتخذ لها إفريدون بيتا بطوس، وآخر ببخارى. واتخذ لها بهمن بيتا بسجستان، واتخذ لها أبو قباذ بيتا بناحية بخارى، واتخذت لها بيوت كثيرة.
وعباد النار يفضلونها على التراب، ويعظمونها، ويصوبون رأى إبليس، وقد رمى بشار بن برد بهذا المذهب، لقوله فى قصيدته:
الأَرْضُ سَافِلَة سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ ... وَالنَّارُ مَعْبُودَةٌ مُذْ كانَتِ النَّارُ
ويقولون: إنها أوسع العناصر خيرا، وأعظمها جرما، وأوسعها مكانا، وأشرفها جوهراً، وألطفها جسماً، ولا كون فى العالم إلا بها، ولا نمو ولا انعقاد، إلا بممازجتها.
ومن عبادتهم لها: أن يحفروا لها أخدودا مربعا فى الأرض ويطوفون به.
وهم أصناف مختلفة.
فمنهم من يحرم إلقاء النفوس فيها، وإحراق الأبدان بها، وهم أكثر المجوس.
وطائفة أخرى منهم: تبلغ بهم عبادتهم لها إلى أن يقربوا أنفسهم وأولادهم لها، وهؤلاء أكثر ملوك الهند وأتباعهم. ولهم سنة معروفة فى تقريب نفوسهم، وإلقائهم فيها، فيعمد الرجل الذى يريد أن يفعل ذلك بنفسه، أو بولده، أو حبيبه. فيجمله ويلبسه أحسن اللباس، وأفخر الحلى. ويركبه أعلى المراكب وحول المعازف والطبول والبوقات، فيزف إلى النار أعظم من زفافه ليلة عرسه. حتى إذا ما قابلها ووقف عليها وهى تأجج طرح نفسه فيها، فضج
стр. 628
الحاضرون ضجة واحدة بالدعاء له، وغبطته على ما فعل. فلا يلبث إلا يسيرا حتى يأتيهم الشيطان فى صورته وشكله وهيأته، لا ينكرون منه شيئا، فيأمرهم بأمره، ويوصيهم بما يوصيهم به، ويوصيهم بالتمسك بهذا الدين. ويخبرهم أنه صار إلى جنة ورياض وأنهار، وأنه لم يتألم بمس النار له، فلا يهولنهم ذلك ولا يمنعهم عن أن يفعلوا مثله.
ومنهم زهاد وعباد، يجلسون حول النار صائمين، عاكفين عليها.
ومن سنتهم: الحث على الأخلاق الجميلة، كالصدق، والوفاء، وأداء الأمانة، والعفة، والعدل، وترك أضدادها. ولهؤلاء شرائع فى عبادتها، ونواميس وأوضاع لا يخلون بها.
فصل
ومن كيده وتلاعبه: تلاعبه بطائفة أخرى تعبد الماء من دون الله، وتسمى الحلبانية.
وتزعم أن الماء لما كان أصل كل شيء، وبه كل ولادة ونمو ونشوء، وطهارة وعمارة. وما من عمل فى الدنيا إلا ويحتاج إلى الماء، فكان حقه أن يعبد.
ومن شريعتهم فى عبادته: أن الرجل منهم إذا أراد عبادته تجرد وستر عورته ثم دخل فيه، حتى يصير إلى وسطه، فيقيم هناك ساعتين أو أكثر، بقدر ما أمكنه ويكون معه ما يمكنه أخذه من الرياحين. فيقطعها صغارا، فيلقيها فيه شيئا فشيئا، وهو يسبحه ويمجده. فإذا أراد الانصراف حرك الماء بيديه، ثم أخذ منه فيضعه على رأسه ووجهه وجسد، ثم يسجد وينصرف.
فصل
ومن تلاعبه: تلاعبه بعباد الحيوانات. فطائفة عبدت الخيل، وطائفة عبدت
стр. 629
البقر، وطائفة عبدت البشر الأحياء والأموات، وطائفة تعبد الشجر، وطائفة تعبد الجن، كما قال سبحانه:
﴿وَيوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهؤلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ قَالوا سُبحَانَّكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ، بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤٠- ٤١] .
وقال تعالى: ﴿ألَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِى آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنّهُ لَكُمْ عَدُو مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِى هذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس: ٦٠- ٦١] .
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ آُسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤهُمْ مِنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلغْنَا أجَلَنَا الّذِى أَجَّلْتَ لَناَ قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِديِنَ فِيهَا إِلا مَا شَاءَ اللهُ إِنَّ رَبّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٢٨] .
يعنى قد استكثرتم من إضلالهم وإغوائهم.
стр. 630
قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن وغيرهم "أضللتم منهم كثيرا" فيجيبه سبحانه أولياؤهم من الإنس بقولهم:
﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ١٢٨] .
يعنون استمتاع كل نوع بالنوع الآخر. فاستمتاع الجن بالإنس: طاعتهم لهم فيما يأمرونهم به: من الكفر، والفسوق، والعصيان. فإن هذا أكثر أغراض الجن من الإنس. فإذا أطاعوهم فيه فقد أعطوهم مُنَاهُم. واستمتاع الإنس بالجن: أنهم أعانوهم على معصية الله تعالى، والشرك به بكل ما يقدرون عليه: من التحسين، والتزيين، والدعاء، وقضاء كثير من حوائجهم، واستخدامهم بالسحر والعزائم، وغيرها. فأطاعهم الإنس فيما يرضيهم: من الشرك، والفواحش، والفجور، وأطاعتهم الجن فيما يرضيهم: من التأثيرات، والإخبار ببعض المغيبات.
فتمتع كل من الفريقين بالآخر.
وهذه الآية منطبقة على أصحاب الأحوال الشيطانية الذين لهم كشوف شيطانية وتأثير شيطانى. فيحسبهم الجاهل أولياء الرحمن، وإنما هم من أولياء الشيطان. أطاعوه فى الإشراك، ومعصية الله، والخروج عما بعث به رسله، وأنزل به كتبه. فأطاعهم فى أن خدمهم بإخبارهم بكثير من المغيبات والتأثيرات، واغتر بهم من قل حظه من العلم والإيمان فوالى أعداء الله، وعادى أولياءه، وحسن الظن بمن خرج عن سبيله وسنته، وأساء الظن بمن اتبع سنة الرسول، وما جاء به، ولم يدعها لأقوال المختلفين، وآراء المتحيرين وشطحات المارقين، وترهات المتصوفين.
والبصير الذى نور الله بصيرته بنور الإيمان والمعرفة إذا عرف حقيقة ما عليه أكثر هذا الحلق، وكان ناقدا، لا يروج عليه الزغل، تبين له أنهم داخلون تحت حكم هذه الآية، وهى منطبقة عليهم.
فالفاسق يستمتع بالشيطان، بإعانته له على أسباب فسوقه، والشيطان يستمتع به فى
стр. 631
قبوله منه وطاعته له فيسره ذلك، ويفرح به منه.
والمشرك يستمتع به الشيطان بشركه به، وعبادته له. ويستمتع هو بالشيطان فى قضاء حوائجه، وإعانته له.
ومن لم يحط علما بهذا لم يعلم حقيقة الإيمان والشرك، وسر امتحان الرب سبحانه كلا من الثقلين بالآخر.
ثم قالوا ﴿وَبلَغْنَا أَجَلَنَا الّذِى أَجَّلْتَ لَنَا﴾ [الأنعام: ١٢٨] .
وهو يتناول أجل الموت، وأجل البعث. فكلاهما أجل أجله الله تعالى لعباده وهما الأجلان اللذان قال الله فيهما: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢] .
وكأن هذا - والله أعلم - إشارة منهم إلى نوع استعطاف وتوبة. فكأنهم يقولون: هذا أمر قد كان إلى وقت وانقطع بانقطاع أجله. فلم يستمر ولم يدم، فبلغ الأمر الذى كان أجله وانتهى إلى غايته. ولكل شيء آخر، فقال تعالى: ﴿النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الأنعام: ١٢٨] .
فإنه وإن انقطع زمن التمتع وانقضى أجله، فقد بقى زمن العقوبة، فلا يتوهم أنه إذا انقضى زمن الكفر والشرك، وتمتع بعضكم ببعض أن مفسدته زالت بزواله، وانتهت بانتهائه.
والمقصود: أن الشيطان تلاعب بالمشركين حتى عبدوه، واتخذوه وذريته أولياء من دون الله.
فصل
ومن تلاعبه بهم: أن زين لقوم عبادة الملائكة فعبدوهم بزعمهم. ولم تكن عبادتهم فى الحقيقة لهم، ولكن كانت للشياطين. فعبدوا أقبح خلق الله وأحقهم باللعن والذم.
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْملائِكَةِ أَهؤلاء إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أكْثَرُهُمْ بهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤٠-٤١] .
وقال تعالى: ﴿وَيوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ، فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ
стр. 632
أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هؤْلاءِ، أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِى لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنَ دُونِكَ مِن أولياء، وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكُرَ وَكانُوا قَوْماً بُورًا فَقدْ كَذَّبُوكُمْ بَما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاَ وَلا نَصْراً. وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً﴾ [الفرقان: ١٧- ١٩] .
وهذه الآيات تحتاج إلى تفسير وبيان.
فقوله سبحانه ﴿وَيوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دونِ اللهِ﴾ [الفرقان: ١٧] .
عام فى كل عابد ومن عبده من دون الله.
وأما قوله ﴿فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتمْ عِبَادِى هؤُلاءِ، أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ [الفرقان: ١٧] .
فقال مجاهد، فيما رواه ورقاء عن ابن أبى نجيح - عنه قال: "هذا خطاب لعيسى وعزير، والملائكة" وروى عنه ابن جريج نحوه.
وأما عكرمة والضحاك والكلبى، فقالوا: هو عام فى الأوثان وعبدتها.
ثم يأذن سبحانه لها فى الكلام، فيقول: ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادى هؤُلاءِ﴾ [الفرقان: ١٧] .
قال مقاتل: يقول سبحانه: "أأنتم أمرتموهم بعبادتكم، أم هم ضلوا السبيل؟ أى أم هم أخطأوا الطريق؟ فأجاب المعبودون بما حكى الله عنهم من قولهم: ﴿سُبْحَانَكَ مَا كانَ يَنْبَغِى لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الفرقان: ١٨] .
وهذا الجواب إنما يحسن من الملائكة والمسيح وعزير، ومن عبدهم المشركون من أولياء الله.
ولهذا قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: قالت الملائكة وعيسى الذين كان هؤلاء المشركون يعبدونهم من دون الله [تنزيها لك يا ربنا وتبرئة مما أضاف إليك هؤلاء المشركون] .
﴿مَا كانَ يَنْبَغِى لَنَا أن نتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الفرقان: ١٨] .
نواليهم، بل أنت ولينا من دونهم.
وقال ابن عباس ومقاتل "نزهوا الله وعظموه أن يكون معه إله".
стр. 633
وفيها قراءتان: أشهرهما - نتخذ - بفتح النون وكسر الخاء، على البناء للفاعل وهى قراءة السبعة. والثانية - نتخذ - بضم النون وفتح الخاء، على البناء للمفعول. وهى قراءة الحسن ويزيد بن القعقاع.
وعلى كل واحدة من القراءتين إشكال.
فأما قراءة الجمهور، فإن الله سبحانه إنما سألهم: هل أضلوا المشركين بأمرهم إياهم بعبادتهم، أم هم ضلوا السبيل باختيارهم وأهوائهم؟ وكيف يكون هذا الجواب مطابقا للسؤال؟ فإنه لم يسألهم: هل اتخذتم من دونى من أولياء؟ حتى يقولوا: ﴿مَا كانَ يَنْبَغِى لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الفرقان: ١٨] .
وإنما سألهم هل أمرتم عبادى هؤلاء بالشرك، أم هم أشركوا من قبل أنفسهم؟ فالجواب المطابق أن يقولوا: لم نأمرهم بالشرك، وإنما هم آثروه وارتضوه أو لم نأمرهم بعبادتنا، كما قال فى الآية الأخرى عنهم: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كانُوا إيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ١٣] .
فلما رأى أصحاب القراءة الأخرى ذلك فروا إلى بناء الفعل للمفعول. وقالوا: الجواب يصح على ذلك، ويطابق. إذ المعنى: ليس يصلح لنا أن نعبد ونتخذ آلهة، فكيف نأمرهم بما لا يصلح لنا، ولا يحسن منا؟.
ولكن لزم هؤلاء من الإشكال أمر آخر، وهو قوله: ﴿مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الفرقان: ١٨] .
فإن زيادة ((من)) لا يحسن إلا مع قصد العموم، كما تقول: ما قام من رجل. وما ضربت من رجل. فأما إذا كان النفى واردا على شيء مخصوص فإنه لا يحسن زيادة ((من فيه، وهم إنما نفوا عن أنفسهم ما نسب إليهم من دعوى المشركين: أنهم أمروهم بالشرك. فنفوا عن أنفسهم ذلك بأنه لا تحسن منهم، ولا يليق بهم أن يعبدوا، فكيف ندعو عبادك إلى أن يعبدونا؟ فكان الواجب على هذا: أن تقرأ: ﴿مَا كانَ يَنْبَغِى لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِكَ أو مِنْ دُونِكَ أَوْلِيَاءَ﴾ .
فأجاب أصحاب القراءة الأولى بوجوه:
أحدها: أن المعنى: ما كان ينبغى لنا أن نعبد غيرك، ونتخذ غيرك وليا ومعبودا فكيف ندعو أحدا إلى عبادتنا؟ أى إذا كنا نحن لا نعبد غيرك، فكيف ندعو أحدا إلى أن
стр. 634
عبادتنا؟ أى إذا كنا نحن لا نعبد غيرك، فكيف ندعو أحدا إلى أن يعبدنا؟ والمعنى: أنهم إذا كانوا لا يرون لأنفسهم عبادة الله تعالى، فكيف يدعون غيرهم إلى عبادتهم؟ وهذا جواب الفراء.
وقال الجرجانى: هذا بالتدريج يصير جوابا للسؤال الظاهر، وهو أن من عبد شيئا فقد تولاه، وإذا تولاه العابد صار المعبود وليا للعابد، يدل على هذا قوله تعالى:
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلمَلاَئِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكَمْ كانُوا يَعْبُدُونَ؟ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهمْ﴾ [سبأ: ٤٠ - ٤١] .
فدل على أن العابد يصير وليا للمعبود.
ويصير المعنى كأنهم قالوا: ما كان ينبغى لنا أن نأمر غيرنا باتخاذنا أولياء، وأن نتخذ من دونك وليا يعبدنا. وهذا بسط لقول ابن عباس فى هذه الآية.
قال: يقولون: ما توليناهم، ولا أحببنا عبادتهم. قال: ويحتمل أن يكون قولهم: ﴿مَا كانَ يَنْبَغِى لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الفرقان: ١٨] .
أن يريدوا معشر العبيد، لا أنفسهم: أى نحن وهم عبيدك، ولا ينبغى لعبيدك أن يتخذوا من دونك أولياء ولكنهم أضافوا ذلك إلى أنفسهم تواضعا منهم. كما يقول الرجل لمن أتى منكرا: ما كان ينبغى لى أن أفعل مثل هذا: أى أنت مثلى عبد محاسب، فإذا لم يحسن من مثلى أن يفعل هذا لم يحسن منك أيضاً.
قال: ولهذا الإشكال قرأ من قرأ نُتَخذَ بضم النون. وهذه القراءة أقرب فى التأويل.
لكن قال الزّجَّاج: هذه القراءة خطأ، لأنك تقول: ما اتخذت من أحد ولياً، ولا يجوز ما اتخذت أحدا من ولى لأن "من" إنما دخلت لأنها تنفى واحدا من معنى جميع، تقول: ما من أحد قائما، وما من رجل محبا لما يضره، ولا يجوز: ما رجل من محب لما يضره.
قال: ولا وجه عندنا لهذا البتة، ولو جاز هذا لجاز فى: ﴿فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزَينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] .
ما أحد عنه من حاجزين. فلو لم تدخل "من" لصحت هذه القراءة.
قال صاحب النظم: الِعلة فى سقوط هذه القراءة: أن "من" لا تدخل إلا على مفعول لا مفعول دونه: فإذا كان قبل المفعول مفعول سواه لم يحسن دخول "من" كقوله:
стр. 635
﴿مَا كانَ لله أنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥] .
فقوله "من ولد" لا مفعول دونه سواه، ولو قال: ما كان لله أن يتخذ أحدا من ولد، لم يحسن فيه دخول "من" لأن فعل الاتخاذ مشغول بأحد.
وصحح آخرون هذه القراءة لفظا ومعنى، وأجروها على قواعد العربية.
قالوا وقد قرأ بها من لا يرتاب فى فصاحته. فقرأ بها زيد بن ثابت، وأبو الدرداء وأبو جعفر، ومجاهد، ونصر بن علقمة، ومكحول، وزيد بن على، وأبو رجاء، والحسن، وحفص بن حُميد، ومحمد بن على، على خلاف عن بعض هؤلاء ذكر ذلك أبو الفتح ابن جنى. ثم وجهها بأن يكون "من أولياء" فى موضع الحال: أى ما كان ينبغى لنا أن نتخذ من دونك أولياء. ودخلت "من" زائدة لمكان النفى. كقولك اتخذت زيدا وكيلا، فإذا نفيت قلت: ما اتخذت زيدا من وكيل. وكذلك أعطيته درهما وما أعطيته من درهم. وهذا فى المفعول فيه.
قلت: يعنى أن زيادتها مع الحال، كزيادتها مع المفعول.
ونظير ذلك أن تقول: ما ينبغى لى أن أخدمك متثاقلا، فإذا أكدت، قلت: من متثاقل.
فإن قيل: فقد صحت القراءتان لفظا ومعنى، فأيهما أحسن؟
قلت: قراءة الجمهور أحسن وأبلغ فى المعنى المقصود والبراءة مما لا يليق بهم، فإنهم على قراءة الضم: يكونون قد نفوا حسن اتخاذ المشركين لهم أولياء، وعلى قراءة الجمهور: يكونون قد أخبروا أنهم لا يليق بهم، ولا يحسن منهم أن يتخذوا وليا من دونه، بل أنت وحدك ولينا ومعبودنا، فإذا لم يحسن بنا أن نشرك بك شيئا، فكيف يليق بنا أن ندعو عبادك إلى أن يعبدونا من دونك؟ وهذا المعنى أجل من الأول وأكبر، فتأمله.
والمقصود: أنه على القراءتين: فهذا الجواب من الملائكة ومن عبد من دون الله من أوليائه. وأما كونه من الأصنام فليس بظاهر.
وقد يقال: إن الله سبحانه أنطقها بذلك، تكذيبا لهم، وردا عليهم، وبراءة منهم كقوله:
﴿إِذْ تَبَرَّاَ الَّذِينَ اُتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦] .
وفى الآية الأخرى ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كانُوا إِيَّانَا يَعُبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] .
следующие страницы →