← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11688

إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان - ت الفقي

ابن القيم

Полный текст (760 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

قبوله منه وطاعته له فيسره ذلك، ويفرح به منه. والمشرك يستمتع به الشيطان بشركه به، وعبادته له. ويستمتع هو بالشيطان فى قضاء حوائجه، وإعانته له. ومن لم يحط علما بهذا لم يعلم حقيقة الإيمان والشرك، وسر امتحان الرب سبحانه كلا من الثقلين بالآخر. ثم قالوا ﴿وَبلَغْنَا أَجَلَنَا الّذِى أَجَّلْتَ لَنَا﴾ [الأنعام: ١٢٨] . وهو يتناول أجل الموت، وأجل البعث. فكلاهما أجل أجله الله تعالى لعباده وهما الأجلان اللذان قال الله فيهما: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢] . وكأن هذا - والله أعلم - إشارة منهم إلى نوع استعطاف وتوبة. فكأنهم يقولون: هذا أمر قد كان إلى وقت وانقطع بانقطاع أجله. فلم يستمر ولم يدم، فبلغ الأمر الذى كان أجله وانتهى إلى غايته. ولكل شيء آخر، فقال تعالى: ﴿النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الأنعام: ١٢٨] . فإنه وإن انقطع زمن التمتع وانقضى أجله، فقد بقى زمن العقوبة، فلا يتوهم أنه إذا انقضى زمن الكفر والشرك، وتمتع بعضكم ببعض أن مفسدته زالت بزواله، وانتهت بانتهائه. والمقصود: أن الشيطان تلاعب بالمشركين حتى عبدوه، واتخذوه وذريته أولياء من دون الله. فصل ومن تلاعبه بهم: أن زين لقوم عبادة الملائكة فعبدوهم بزعمهم. ولم تكن عبادتهم فى الحقيقة لهم، ولكن كانت للشياطين. فعبدوا أقبح خلق الله وأحقهم باللعن والذم. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْملائِكَةِ أَهؤلاء إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أكْثَرُهُمْ بهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤٠-٤١] . وقال تعالى: ﴿وَيوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ، فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ

стр. 632

أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هؤْلاءِ، أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِى لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنَ دُونِكَ مِن أولياء، وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكُرَ وَكانُوا قَوْماً بُورًا فَقدْ كَذَّبُوكُمْ بَما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاَ وَلا نَصْراً. وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً﴾ [الفرقان: ١٧- ١٩] . وهذه الآيات تحتاج إلى تفسير وبيان. فقوله سبحانه ﴿وَيوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دونِ اللهِ﴾ [الفرقان: ١٧] . عام فى كل عابد ومن عبده من دون الله. وأما قوله ﴿فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتمْ عِبَادِى هؤُلاءِ، أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ [الفرقان: ١٧] . فقال مجاهد، فيما رواه ورقاء عن ابن أبى نجيح - عنه قال: "هذا خطاب لعيسى وعزير، والملائكة" وروى عنه ابن جريج نحوه. وأما عكرمة والضحاك والكلبى، فقالوا: هو عام فى الأوثان وعبدتها. ثم يأذن سبحانه لها فى الكلام، فيقول: ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادى هؤُلاءِ﴾ [الفرقان: ١٧] . قال مقاتل: يقول سبحانه: "أأنتم أمرتموهم بعبادتكم، أم هم ضلوا السبيل؟ أى أم هم أخطأوا الطريق؟ فأجاب المعبودون بما حكى الله عنهم من قولهم: ﴿سُبْحَانَكَ مَا كانَ يَنْبَغِى لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الفرقان: ١٨] . وهذا الجواب إنما يحسن من الملائكة والمسيح وعزير، ومن عبدهم المشركون من أولياء الله. ولهذا قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: قالت الملائكة وعيسى الذين كان هؤلاء المشركون يعبدونهم من دون الله [تنزيها لك يا ربنا وتبرئة مما أضاف إليك هؤلاء المشركون] . ﴿مَا كانَ يَنْبَغِى لَنَا أن نتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الفرقان: ١٨] . نواليهم، بل أنت ولينا من دونهم. وقال ابن عباس ومقاتل "نزهوا الله وعظموه أن يكون معه إله".

стр. 633

وفيها قراءتان: أشهرهما - نتخذ - بفتح النون وكسر الخاء، على البناء للفاعل وهى قراءة السبعة. والثانية - نتخذ - بضم النون وفتح الخاء، على البناء للمفعول. وهى قراءة الحسن ويزيد بن القعقاع. وعلى كل واحدة من القراءتين إشكال. فأما قراءة الجمهور، فإن الله سبحانه إنما سألهم: هل أضلوا المشركين بأمرهم إياهم بعبادتهم، أم هم ضلوا السبيل باختيارهم وأهوائهم؟ وكيف يكون هذا الجواب مطابقا للسؤال؟ فإنه لم يسألهم: هل اتخذتم من دونى من أولياء؟ حتى يقولوا: ﴿مَا كانَ يَنْبَغِى لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الفرقان: ١٨] . وإنما سألهم هل أمرتم عبادى هؤلاء بالشرك، أم هم أشركوا من قبل أنفسهم؟ فالجواب المطابق أن يقولوا: لم نأمرهم بالشرك، وإنما هم آثروه وارتضوه أو لم نأمرهم بعبادتنا، كما قال فى الآية الأخرى عنهم: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كانُوا إيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ١٣] . فلما رأى أصحاب القراءة الأخرى ذلك فروا إلى بناء الفعل للمفعول. وقالوا: الجواب يصح على ذلك، ويطابق. إذ المعنى: ليس يصلح لنا أن نعبد ونتخذ آلهة، فكيف نأمرهم بما لا يصلح لنا، ولا يحسن منا؟. ولكن لزم هؤلاء من الإشكال أمر آخر، وهو قوله: ﴿مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الفرقان: ١٨] . فإن زيادة ((من)) لا يحسن إلا مع قصد العموم، كما تقول: ما قام من رجل. وما ضربت من رجل. فأما إذا كان النفى واردا على شيء مخصوص فإنه لا يحسن زيادة ((من فيه، وهم إنما نفوا عن أنفسهم ما نسب إليهم من دعوى المشركين: أنهم أمروهم بالشرك. فنفوا عن أنفسهم ذلك بأنه لا تحسن منهم، ولا يليق بهم أن يعبدوا، فكيف ندعو عبادك إلى أن يعبدونا؟ فكان الواجب على هذا: أن تقرأ: ﴿مَا كانَ يَنْبَغِى لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِكَ أو مِنْ دُونِكَ أَوْلِيَاءَ﴾ . فأجاب أصحاب القراءة الأولى بوجوه: أحدها: أن المعنى: ما كان ينبغى لنا أن نعبد غيرك، ونتخذ غيرك وليا ومعبودا فكيف ندعو أحدا إلى عبادتنا؟ أى إذا كنا نحن لا نعبد غيرك، فكيف ندعو أحدا إلى أن

стр. 634

عبادتنا؟ أى إذا كنا نحن لا نعبد غيرك، فكيف ندعو أحدا إلى أن يعبدنا؟ والمعنى: أنهم إذا كانوا لا يرون لأنفسهم عبادة الله تعالى، فكيف يدعون غيرهم إلى عبادتهم؟ وهذا جواب الفراء. وقال الجرجانى: هذا بالتدريج يصير جوابا للسؤال الظاهر، وهو أن من عبد شيئا فقد تولاه، وإذا تولاه العابد صار المعبود وليا للعابد، يدل على هذا قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلمَلاَئِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكَمْ كانُوا يَعْبُدُونَ؟ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهمْ﴾ [سبأ: ٤٠ - ٤١] . فدل على أن العابد يصير وليا للمعبود. ويصير المعنى كأنهم قالوا: ما كان ينبغى لنا أن نأمر غيرنا باتخاذنا أولياء، وأن نتخذ من دونك وليا يعبدنا. وهذا بسط لقول ابن عباس فى هذه الآية. قال: يقولون: ما توليناهم، ولا أحببنا عبادتهم. قال: ويحتمل أن يكون قولهم: ﴿مَا كانَ يَنْبَغِى لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الفرقان: ١٨] . أن يريدوا معشر العبيد، لا أنفسهم: أى نحن وهم عبيدك، ولا ينبغى لعبيدك أن يتخذوا من دونك أولياء ولكنهم أضافوا ذلك إلى أنفسهم تواضعا منهم. كما يقول الرجل لمن أتى منكرا: ما كان ينبغى لى أن أفعل مثل هذا: أى أنت مثلى عبد محاسب، فإذا لم يحسن من مثلى أن يفعل هذا لم يحسن منك أيضاً. قال: ولهذا الإشكال قرأ من قرأ نُتَخذَ بضم النون. وهذه القراءة أقرب فى التأويل. لكن قال الزّجَّاج: هذه القراءة خطأ، لأنك تقول: ما اتخذت من أحد ولياً، ولا يجوز ما اتخذت أحدا من ولى لأن "من" إنما دخلت لأنها تنفى واحدا من معنى جميع، تقول: ما من أحد قائما، وما من رجل محبا لما يضره، ولا يجوز: ما رجل من محب لما يضره. قال: ولا وجه عندنا لهذا البتة، ولو جاز هذا لجاز فى: ﴿فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزَينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] . ما أحد عنه من حاجزين. فلو لم تدخل "من" لصحت هذه القراءة. قال صاحب النظم: الِعلة فى سقوط هذه القراءة: أن "من" لا تدخل إلا على مفعول لا مفعول دونه: فإذا كان قبل المفعول مفعول سواه لم يحسن دخول "من" كقوله:

стр. 635

﴿مَا كانَ لله أنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥] . فقوله "من ولد" لا مفعول دونه سواه، ولو قال: ما كان لله أن يتخذ أحدا من ولد، لم يحسن فيه دخول "من" لأن فعل الاتخاذ مشغول بأحد. وصحح آخرون هذه القراءة لفظا ومعنى، وأجروها على قواعد العربية. قالوا وقد قرأ بها من لا يرتاب فى فصاحته. فقرأ بها زيد بن ثابت، وأبو الدرداء وأبو جعفر، ومجاهد، ونصر بن علقمة، ومكحول، وزيد بن على، وأبو رجاء، والحسن، وحفص بن حُميد، ومحمد بن على، على خلاف عن بعض هؤلاء ذكر ذلك أبو الفتح ابن جنى. ثم وجهها بأن يكون "من أولياء" فى موضع الحال: أى ما كان ينبغى لنا أن نتخذ من دونك أولياء. ودخلت "من" زائدة لمكان النفى. كقولك اتخذت زيدا وكيلا، فإذا نفيت قلت: ما اتخذت زيدا من وكيل. وكذلك أعطيته درهما وما أعطيته من درهم. وهذا فى المفعول فيه. قلت: يعنى أن زيادتها مع الحال، كزيادتها مع المفعول. ونظير ذلك أن تقول: ما ينبغى لى أن أخدمك متثاقلا، فإذا أكدت، قلت: من متثاقل. فإن قيل: فقد صحت القراءتان لفظا ومعنى، فأيهما أحسن؟ قلت: قراءة الجمهور أحسن وأبلغ فى المعنى المقصود والبراءة مما لا يليق بهم، فإنهم على قراءة الضم: يكونون قد نفوا حسن اتخاذ المشركين لهم أولياء، وعلى قراءة الجمهور: يكونون قد أخبروا أنهم لا يليق بهم، ولا يحسن منهم أن يتخذوا وليا من دونه، بل أنت وحدك ولينا ومعبودنا، فإذا لم يحسن بنا أن نشرك بك شيئا، فكيف يليق بنا أن ندعو عبادك إلى أن يعبدونا من دونك؟ وهذا المعنى أجل من الأول وأكبر، فتأمله. والمقصود: أنه على القراءتين: فهذا الجواب من الملائكة ومن عبد من دون الله من أوليائه. وأما كونه من الأصنام فليس بظاهر. وقد يقال: إن الله سبحانه أنطقها بذلك، تكذيبا لهم، وردا عليهم، وبراءة منهم كقوله: ﴿إِذْ تَبَرَّاَ الَّذِينَ اُتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦] . وفى الآية الأخرى ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كانُوا إِيَّانَا يَعُبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] .

стр. 636

ثم ذكر المعبودون سبب ترك العابدين الإيمان بالله تعالى: بقولهم: ﴿وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكُرَ وَكانْوا قَوْماً بُورًا﴾ [الفرقان: ١٨] . قال ابن عباس: أطلت لهم العمر، وأفضلت عليهم ووسعت لهم فى الرزق. وقال الفراء: ولكنك متعتهم بالأموال والأولاد، حتى نسوا ذكرك، وكانوا قوما بورا: أى هلكى فاسدين، قد غلب عليهم الشقاء والخذلان. والبوار: الهلاك والفساد، يقال: بارت السلعة، وبارت المرأة، إذا كسدت ولم يحصل لها من يتزوجها. قال قتادة: والله ما نسى قوم ذكر الله إلا باروا وفسدوا. والمعنى: ما أضللناهم ولكنهم ضلوا. قال الله تعالى ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بَما تَقُولْونَ﴾ [الفرقان: ١٩] . أى كذبكم المعبودون بقولكم فيهم: إنهم آلهة، وإنهم شركاء، أو بما تقولون إنهم أمروكم بعبادتهم، ودعوكم إليها. وقيل: الخطاب للمؤمنين فى الدنيا: أى فقد كذبكم أيها المؤمنون هؤلاء المشركون بما تقولونه، مما جاء به محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن الله من التوحيد والإيمان والأول أظهر، وعليه يدل السياق. ومن قرأها - آخر الحروف - فالمعنى، فقد كذبوكم بقولهم، ثم قال: ﴿فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً﴾ [الفرقان: ١٩] . إخبارا عن حالهم يومئذ، وأنهم لا يستطيعون صرف العذاب عن أنفسهم، ولا نصرها من الله. قال ابن زيد: ينادى مناد يوم القيامة، حين يجمع الخلائق: يقول: من عبد من دون الله، لا ينصر اليوم من عبده، والعابد لا ينصر إلهه: ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٢٦] . فهذا حال عباد الشيطان يوم لقاء الرحمن، فوا سوء حالهم حين امتيازهم عن المؤمنين إذا سمعوا النداء. ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ أَلَمْ أَعْهَدْ إٍلَيْكُمْ يَا بَنِى آدَمَ أَنْ لاَ تَعْبُدُوا الشّيْطَانَ إِنّهُ لَكُمْ عَدُو مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِى هذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جبِلا كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس: ٥٩ - ٦٢] .

стр. 637

فصل ومن تلاعبه وكيده: تلاعبه بالثنوية. وهم طائفة قالوا: الصانع اثنان، ففاعل الخير نور، وفاعل الشر ظلمة، وهما قديمان لم يزالا ولن يزالا قويين حساسين، مدركين، سميعين، بصيرين، وهما مختلفان فى النفس والصورة، متضادان فى الفعل والتدبير. فالنور فاضل حسن نقى، طيب الريح حسن المنظر، ونفسه خيرة، كريمة، حكيمة، نفاعة، منها الخيرات والمسرات، والصلاح. وليس فيها شيء من الضرر، ولا من الشر. والظلمة على ضد ذلك: من الكدر، والنقص، ونتن الريح، وقبح المنظر، ونفسها نفس شريرة، بخيلة، سفيهة. منتنة، مضرة، منها الشر والفساد. ثم اختلفوا، فقالت منهم: إن النور لم يزل فوق الظلمة. وقالت فرقة: بل كل واحد منهما إلى جانب الآخر. وقالت فرقة: النور لم يزل مرتفعا فى ناحية الشمال، والظلمة منحطة فى الجنوب، ولم يزل كل واحد منهما مباينا لصاحبه. وزعموا أن لكل واحد منهما أربعة أبدان، وخامس هو الروح. فأبدات النور الأربعة: النار، والنور، والريح، والماء، وروحه: النسيم، ولم يزل يتحرك فى هذه الأبدان. وأبدان الظلمة الأربعة: الحريق، والظلمة، والسموم، والضباب، وروحها: الدخان. وسموا أبدان النور ملائكة، سموا أبدان الظلمة شياطين وعفاريت. وبعضهم يقول: الظلمة تتولد شياطين، والنور يتولد ملائكة، والنور لا يقدر على الشر، ولا يجئ منه، والظلمة لا تقدر على الخير، ولا يجئ منها. ولهم مذاهب سخيفة جدا.

стр. 638

وفرض عليهم صوم سبع العمر، وأن لا يؤذى أحدهم ذا روح البتة. ومن شريعتهم: أن لا يدخروا إلا قوت يوم، وتجنب الكذب، والبخل، والسحر وعبادة الأوثان، والزنا والسرقة. واختلفوا: هل الظلمة قديمة أو حادثة؟ فقالت فرقة منهم: هى قديمة لم تزل مع النور. وقالت فرقة: بل النور هو القديم، ولكنه فكر فكرة رديئة حدثت منها الظلمة. فدار مذهبهم على أصلين من أبطل الباطل. أحدهما: أن شر الموجودات وأخبثها، وأردأها: كفؤ لخير الموجودات، وضد له ومناوئ له يعارضه، ويضاده، ويناقضه دائما. ولا يستطيع دفعه. وهذا أعظم من شرك عباد الأصنام، الذين عبدوها لتقربهم إلى الله تعالى. فإنهم جعلوها مملوكة له، مربوبة مخلوقة، كما كانوا يقولون فى تلبيتهم. لَبَّيْكَ الّلهُمَّ لَبَّيْكَ ... لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكْ إلاّ شَرِيكٌ هُوَ لَكَ ... تَمْلِكهُ وَمَا مَلَكْ والأصل الثانى: أنهم نزهوا النور أن يصدر منه شر. ثم جعلوه منبع الشر كله وأصله ومولده وأثبتوا إلهين، وربين، وخالقين. فجمعوا بين الكفر بالله تعالى، وأسمائه وصفاته، ورسله، وأنبيائه، وملائكته، وشرائعه، وأشركوا به أعظم الشرك. وحكى أرباب المقالات عنهم: أن قوما منهم يقال لهم: الديصانية زعموا أن طينة العالم كانت طينة خشنة، وكانت تحاكى جسم النور - الذى هو البارى عنهم - زمانا فتأذى بها. فلما طال ذلك عليه قصد تنميتها عنه فتوحل فيها واختلط بها، فتركب من بينهما

стр. 639

هذا العالم المشتمل على النور والظلمة، فما كان من جهة الصلاح فمن النور، وما كان من جهة الفساد فمن الظلمة. قال: وهؤلاء يغتالون الناس، ويخقونهم، ويزعمون أنهم يحسنون إليهم بذلك، وأنهم يخلصون الروح النورانية من الجسد المظلم. وقال بعضهم: إن البارى سبحانه لما طالت وحدته استوحش، ففكر فكرة سوء فتجسمت فكرته، فاستحالت ظلمة. فحدث منها إبليس، فرام البارى إبعاده عن نفسه فلم يستطع، فتحرز منه بخلق الجنود والخيرات، فشرع إبليس فى خلق الشر وأصل عقد مذهبهم، الذى عليه خواصهم: إثبات القدماء الخمسة: البارى، والزمان، والخلاء، والهيولى، وإبليس. فالبارى خالق الخيرات، وإبليس خالق الشرور. وكان محمد بن زكريا الرازى على هذا المذهب، لكنه لم يثبت إبليس، فجعل مكانه النفس، وقال: يقدم الخمسة، مع ما رشحه به من مذاهب الصابئة والدهرية والفلاسفة، والبراهمة، فكان قد أخذ من كل دين شر ما فيه، وصنف كتابا فى إبطال النبوات، ورسالة فى إبطال المعاد، فركب مذهبا مجموعا من زنادقة العالم: وقال: أنا أقول: إن البارى، والنفس، والهيولى، والمكان، والزمان: قدماء وأن العالم محدث. فقيل له: فما العلة فى إحداثه؟ فقال: إن النفس اشتهت أن تحبل فى هذا العالم، وحركتها الشهوة لذلك، ولم تعلم ما يلحقها من الوبال إذا حبلت فيه، فاضطربت وحركت الهيولى حركات مشوشة مضطربة على غير نظام، وعجزت عما أرادت، فأعانها البارى على إحداث هذا العالم وحملها على النظام والاعتدال. وعلم أنها إذا ذاقت وبال ما اكتسبته عادت إلى عالمها، وسكن اضطرابها، وزالت شهواتها، واستراحت، فأحدثت هذا العالم بمعاونة البارى لها. قال: ولولا ذلك لما قدرت على إحداث هذا العالم، ولولا هذه العلة لما حدث هذا العالم. ولولا أن الله سبحانه يحكى عن المشركين والكفار أقوالا أسخف من هذا وأبطل لاستحيى العاقل من حكاية مثل هذا. ولكن الله سبحانه سن لنا حكاية أقوال أعدائه.

стр. 640

وفى ذلك من قوة الإيمان، وظهور جلالته، ومعرفة قدره، وتمام نعمة الله تعالى على أهله به، ومعرفة قدر خذلانه للعبد، وإلى أى شيء يصيره الخذلان، حتى يصير ضحكة لكل عاقل. فأى ضلال، وأى خذلان، أعجب من أن يفنى عمره فى النظر والبحث. وهذا غاية علمه بالله ، وبالمبدإ والمعاد؟ فصل والمجوس تعظم الأنوار، والنيران، والماء، والأرض. ويقرون بنبوة زرادشت. ولهم شرائع يصيرون إليها. وهم فرق شتى. منهم: المزدكية، أصحاب مزدك الموبذ. والموبذ عندهم: العالم القدوة. وهؤلاء يرون الاشتراك فى النساء والمكاسب كما يشترك فى الهواء، والطرق، وغيرها. ومنهم الخرمية: أصحاب بابك الخرمى. وهم شر طوائفهم، لا يقرون بصانع، ولا

стр. 641

معاد، ولا نبوة، ولا حلال، ولا حرام. وعلى مذهبهم: طوائف القرامطة، والإسماعيلية، والنصيرية، والبشكية، والدرزية، والحاكمية، وسائر العبيدية، الذين

стр. 642

يسمون أنفسهم الفاطمية، وهم من أكفر الكفار، كما ستأتى ترجمتهم. فكل هؤلاء يجمعهم هذا المذهب ويتفاوتون فى التفصيل. فالمجوس شيوخ هؤلاء كلهم وأئمتهم وقدوتهم. وإن كان المجوس قد يتقيدون بأصل دينهم وشرائعهم. وهؤلاء لا يتقيدون بدين من ديانات العالم، ولا بشريعة من الشرائع. ذكر تلاعبه بالصابئة هذه أمة كبيرة من الأمم الكبار. وقد اختلف الناس فيهم اختلافا كثيرا، بحسب ما وصل إليهم من معرفة دينهم. وهم منقسمون إلى مؤمن وكافر. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا، وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى، وَالصَّابِئِينَ، مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالحِاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢] . فذكرهم فى الأمم الأربعة الذين تنقسم كل أمة منهم إلى ناج وهالك.

стр. 643

وذكرهم أيضا فى الأمم الستة الذين انقسمت جملتهم إلى ناج وهالك، كما فى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئينَ وَالنَّصَارَى وَالمَجُوسَ وَالّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الحج: ١٧] . فذكر الأمتين اللتين لا كتاب لهم، ولا ينقسمون إلى شقى وسعيد، وهما: المجوس والمشركون - فى آية الفصل، ولم يذكرهما فى آية الوعد بالجنة. وذكر الصابئين فيهما، فعلم أن فيهم الشقى والسعيد. وهؤلاء كانوا قوم إبراهيم الخليل. وهم أهل دعوته. وكانوا بحران، فهى دار الصابئة. وكانوا قسمين صابئة حنفاء، وصابئة مشركين، والمشركون منهم يعظمون الكواكب السبعة، والبروج الاثنى عشر، ويصوّرونها فى هياكلهم. ولتلك الكواكب عندهم هياكل مخصوصة، وهى المتعبدات الكبار، كالكنائس للنصارى والبيع لليهود. فلهم هيكل كبير للشمس، وهيكل للقمر، وهيكل للزهرة، وهيكل للمشترى، وهيكل للمريخ، وهيكل لعطادر، وهيكل لزحل وهيكل للعلة الأولى. ولهذه الكواكب عندهم عبادات ودعوات مخصوصة. ويصورونها فى تلك الهياكل. ويتخذون لها أصناما تخصها، ويقربون لها القرابين. ولها صلوات خمس فى اليوم والليلة، نحو صلوات المسلمين. وطوائف منهم يصومون شهر رمضان، ويستقبلون فى صلواتهم الكعبة، ويعظمون مكة، ويرون الحج إليها، ويحرمون الميتة والدم ولحم الخنزير، ويحرمون من القرابات فى النكاح ما يحرمه المسلمون.

стр. 644

وعلى هذا المذهب كان جماعة من أعيان الدولة ببغداد، منهم هلال بن المحسن الصابئ، صاحب الديوان الإنشائى، وصاحب الرسائل المشهورة. وكان يصوم مع المسلمين، ويعيد معهم، ويزكى ويحرم المحرمات. وكان الناس يعجبون من موافقته للمسلمين، وليس على دينهم. وأصل دين هؤلاء - فيما زعموا - أنهم يأخذون بمحاسن ديانات العالم ومذاهبهم، ويخرجون من قبيح ما هم عليه قولا وعملا، ولهذا سموا صابئة، أى خارجين. فقد خرجوا عن تقيدهم بجملة كل دين وتفصيله، إلا ما رأوه فيه من الحق. وكانت كفار قريش تسمى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الصابئ، وأصحابه الصبأة، يقال: صبأ الرجل، بالهمز، إذا خرج من شيء إلى شيء. وصبا يصبو إذا مال، ومنه قوله: ﴿وَإِلاّ تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ [يوسف: ٣٣] . أى أمل. والمهموز والمعتل يشتركان. فالمهوز: ميل عن الشيء. والمعتل: ميل إليه، واسم الفاعل من المهموز: صابئ، بوزن قارئ، ومن المعتل: صاب، بوزن قاض وجمع الأول: صابئون، كقارئون، وجمع الثانى: صابون كقاضون، وقد قرئ بهما. والمقصود: أن هذه الأمة قد شاركت جميع الأمم وفارقتهم، فالحنفاء منهم شاركوا أهل الإسلام فى الحنيفية. والمشركون منهم شاركوا عباد الأصنام، ورأوا أنهم على صواب. وأكثر هذه الأمة فلاسفة. والفلاسفة يأخذون من كل دين - بزعمهم - محاسن ما دلت عليه العقول. وعقلاؤهم يوجبون اتباع الأنبياء وشرائعهم. وبعضهم لا يوجب ذلك ولا يحرمه. وسفهاؤهم وسفلتهم يمنعون ذلك. كما سيأتى ذكر تلاعب الشيطان بهم بعد هذا.

стр. 645

ولهذا لم يكن هؤلاء الفلاسفة ولا الصابئة من الأمم المستقلة التى لها كتاب ونبى، وإن كانوا من أهل دعوة الرسل. فما من أمة إلا وقد أقام الله سبحانه عليها حجته وقطع عنها حجتها. ﴿لئَلاّ يكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّة بَعْدَ الرَّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] . وتكون حجته عليهم. والمقصود: أن الصابئة فرق. صابئة حنفاء، وصابئة مشركون، وصابئة فلاسفة، وصابئة يأخذون بمحاسن ما عليه أهل الملل والنحل من غير تقيد بملة ولا نحلة. ثم منهم من يقر بالنبوات جملة ويتوقف فى التفصيل، ومنهم من يقر بها جملة وتفضيلا ومنهم من ينكرها جملة وتفصيلا. وهم يقرون أن للعالم صانعا فاطرا حكيما، مقدسا عن العيوب والنقائص. ثم قال المشركون منهم: لا سبيل لنا إلى الوصول إلى جلاله إلا بالوسائط. فالواجب علينا أن نتقرب إليه بتوسطات الروحانيات القريبة منه. وهم الروحانيون المقربون المقدسون عن المواد الجسمانية، وعن القوى الجسدانية، بل قد جبلوا على الطهارة، فنحن نتقرب إليهم، ونتقرب بهم إليه، فهم أربابنا وآلهتنا وشفعاؤنا عند رب الأرباب وإله الآلهة. فما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. فالواجب علينا أن نطهر نفوسنا عن الشهوات الطبيعية، ونهذب أخلاقنا عن علائق القوى، الغضبية حتى تحصل المناسبة بيننا وبين الروحانيات، وتتصل أرواحنا بهم، فحينئذ نسأل حاجتنا منهم، ونعرض أحوالنا عليهم، ونصبوا فى جميع أمورنا إليهم، فيشفعون لنا إلى إلهنا وإلههم. وهذا التطهير والتهذيب لا يحصل إلا باستمداد من جهة الروحانيات. وذلك بالتضرع والابتهال بالدعوات: من الصلوات. والزكوات، وذبح القرابين، والبخورات، والعزائم، فحينئذ يحصل لنفوسنا استعداد واستمداد من غير واسطة الرسل، بل نأخذ من المعدن الذى أخذت منه الرسل. فيكون حكمنا وحكمهم واحدا: ونحن وإياهم بمنزلة واحدة. قالوا: والأنبياء أمثالنا فى النوع وشركاؤنا فى المادة، وأشكالنا فى الصورة، يأكلون

стр. 646

مما نأكل ويشربون مما نشرب، وما هم إلا بشر مثلنا يريدون أن يتفضلوا علينا. وزادت الاتحادية أتباع ابن عربى، وابن سبعين والعفيف التلمسانى، وأضرابهم على هؤلاء بما قاله شيخ الطائفة محمد بن عربى: أن الولى أعلى درجة من الرسول، لأنه يأخذ من المعدن الذى يأخذ منه الملك الذى يوحى إلى الرسول فهو أعلى منه بدرجتين. فجعل هؤلاء الملاحدة أنفسهم وشيوخهم أعلى فى التلقى من الرسل بدرجتين، وإخوانهم من المشركين جعلوا أنفسهم فى ذلك التلقى بمنزلة الأنبياء، ولم يدّعوا أنهم فوقهم. والمقصود: أن هؤلاء كفروا بالأصلين اللذين جاءت بهما جميع الرسل والأنبياء، من أولهم إلى آخرهم. أحدهما: عبادة الله وحده لا شريك له. والكفر بما يعبد من دونه من إله. والثانى: الإيمان برسله، وما جاءوا به من عند الله، تصديقا وإقراراً، وانقيادا، وامتثالا. وليس هذا مختصا بمشركى الصابئة، كما غلط فيه كثير من أرباب المقالات، بل هذا مذهب المشركين من سائر الأمم. لكن شرك الصابئة كان من جهة الكواكب والعلويات ولذلك ناظرهم إمام الحنفاء صلوات الله، وسلامه عليه فى بطلان إلهيتها بما حكاه الله سبحانه فى سورة الأنعام [٧٤ - ٨٣] أحسن مناظرة وأبينها، ظهرت فيها حجته ودحضت حجتهم. فقال بعد أن بين بطلان إلهية الكواكب، والقمر، والشمس بأفولها، وأن الإله لا يليق به أن يغيب ويأفل، بل لا يكون إلا شاهدا غير غائب، كما لا يكون إلا غالبا قاهرا، غير مغلوب ولا مقهور. نافعا لعبادة، يملك لعابده الضر والنفع، فيسمع كلامه، ويرى مكانه، ويهديه، ويرشده، ويدفع عنه كل ما يضره ويؤذيه. وذلك ليس إلا لله وحده. فكل معبود سواه باطل. فلما رأى إمام الحنفاء أن الشمس والقمر والكواكب ليست بهذه المثابة صعد منها إلى فاطرها وخالقها ومبدعها فقال: ﴿إنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِى لِلّذِى فَطَرَ السَّموَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً﴾ [الأنعام: ٧٩] . وفى ذلك إشارة إلى أنه سبحانه خالق أمكنتها ومحالها التى هى مفترة إليها، ولا قوام لها إلا بها، فهى محتاجة إلى محل تقوم به، وفاطر يخلقها ويدبرها ويربُّها. والمحتاج المخلوق المربوب المدَّبر لا يكون إلها. فحاجَّة قومه فى الله، ومن حاجّ فى عبادة الله فحجته داحضة. فقال

стр. 647

إبراهيم ﵇: ﴿أَتُحَاجُّونِى فِى اللهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾ [الأنعام: ٨٠] . وهذا من أحسن الكلام، أى أتريدون أن تصرفونى عن الإقرار بربى وبتوحيده، وعن عبادته وحده، وتشككونى فيه. وقد أرشدنى وبين لى الحق، حتى استبان لى كالعيان، وبين لى بطلان الشرك وسوء عاقبته، وأن آلهتكم لا تصلح للعبادة، وأن عبادتها توجب لعابديها غاية الضرر فى الدنيا والآخرة، فكيف تريدون منى أن أنصرف عن عبادته وتوحيده إلى الشرك به؟ وقد هدانى إلى الحق، وسبيل الرشاد؟ فالمحاجة والمجادلة إنما فائدتها طلب الرجوع والانتقال من الباطل إلى الحق ومن الجهل إلى العلم، ومن العمى إلى الإبصار، ومجادلتكم إياى فى الإله الحق الذى كل معبود سواه باطل تتضمن خلاف ذلك. فخوفوه بآلهتهم أن تصيبه بسوء، كما يخوف المشرك الموحد بإلهه الذى يأله مع الله أن يناله بسوء، فقال الخليل: ﴿وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ [الأنعام: ٨٠] . فإن آلهتكم أقل وأحقر من أن تضر من كفر بها وجحد عبادتها، ثم رد الأمر إلى مشيئة الله وحده، وأنه هو الذى يخاف ويرجى. فقال: ﴿إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبِّى شَيْئاً﴾ [الأنعام: ٨٠] . وهذا استثناء منقطع. والمعنى: لا أخاف آلهتكم، فإنها لا مشيئة لها ولا قدرة، لكن إن شاء ربى شيئا نالنى وأصابنى، لا آلهتكم التى لا تشاء ولا تعلم شيئا، وربى له المشيئة النافذة، وقد وسع كل شيء علما. فمن أولى بأن يخاف ويعبد: هو سبحانه، أم هى؟ ثم قال ﴿أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٨٠] . فتعلمون ما أنتم عليه من إشراك من لا مشيئة له ولا يعلم شيئا ممن له المشيئة التامة، والعلم التام. ثم قال ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكُتُمْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانآً﴾ [الأنعام: ٨١] . وهذا من أحسن قلب الحجة، وجعل حجة المبطل بعينها دالة على فساد قوله، وبطلان مذهبه. فإنهم خوفوه بآلهتهم التى لم ينزل الله عليهم سلطانا بعبادتها. وقد تبين بطلان إلهيتها ومضرة عبادتها. ومع هذا فلا تخافون شرككم بالله وعبادتكم معه آلهة أخرى؟ فأى الفريقين أحق بالأمن وأولى بأن لا يلحقه الخوف؟ فريق الموحدين، أم فريق المشركين؟

стр. 648

فحكم الله سبحانه بين الفريقين بالحكم العدل الذى لا حكم أصح منه. فقال: ﴿الّذِينَ آمَنوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ - أى بشرك - أُولئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] . ولما نزلت هذه الآية شق أمرها على الصحابة، وقالوا: يا رسول الله "وأينُّا لم يظلم نفسه؟ فقال إنما هو الشرك: ألم تسمعوا قول العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّركَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ". فحكم سبحانه للموحدين بالهدى والأمن، وللمشركين بضد ذلك، وهو الضلال والخوف ثم قال: ﴿وَتِلكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إبراهيم عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٨٣] . قال أبو محمد بن حَزْم: وكان الذى ينتحله الصابئون أقدم الأديان على وجْه الدهر والغالب على الدنيا، إلى أن أحدثوا الحوادث، وبدلوا شرائعه. فبعث الله إليهم إبراهيم خليله بدين الإسلام، الذى نحن عليه اليوم، وتصحيح ما أفسدوه، وبالحنيفية السمحة التى أتانا بها محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من عند الله تعالى. وكانوا فى ذلك الزمان وبعده يسمون الحنفاء. قلت: هم قسمان: صابئة مشركون، وصابئة حنفاء وبينهم مناظرات. وقد حكى الشهرسْتانُّى بعض مناظراتهم فى كتابه. فصل فى ذكر تلاعبه بالدهرية وهؤلاء قوم عطلوا المصنوعات عن صانعها، وقالوا ما حكاه الله عنهم. ﴿وَقَالُوا مَا هِى حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاّ الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] . وهؤلاء فرقتان. فرقة قالت: إن الخالق سبحانه لما خلق الأفلاك متحركة أعظم حركة دارت عليه فأحرقته، ولم يقدر على ضبطها وإمساك حركاتها.

стр. 649

.. وفرقة قالت: إن الأشياء ليس لها أول البتة، وإنما تخرج من القوة إلى الفعل. فإذا خرج ما كان بالقوة إلى الفعل، تكونت الأشياء: مركباتها، وبسائطها، من ذاتها لا من شيء آخر. وقالوا: إن العالم دائم لم يزل ولا يزال، لا يتغير، ولا يضمحل، ولا يجوز أن يكون المبدع يفعل فعلا يبطل ويضمحل إلا وهو يبطل ويضمحل مع فعله، وهذا العالم هو الممسك لهذه الأجزاء التى فيه. وهؤلاء هم المعطلة حقا، وهم فحول المعطلة، وقد سَرى هذا التعطيل إلى سائر فرق المعطلة، على اختلاف آرائهم وتباينهم فى التعطيل، كما سرى داء الشرك تأصيلا وتفصيلا فى سائر فرق المشركين على اختلاف مذاهبهم فيه، وكما سرى جحد النبوات تأصيلا وتفصيلا فى سائر من جحد النبوة أو صفة من صفاتها، أو أقر بها جملة وجحد مقصودها وزبدتها أو بعضه. فهذه الفرق الثلاثة سرى داؤها وبلاؤها فى الناس، ولم ينج منه إلا أتباع الرسول، العارفون بحقيقة ما جاء به، المتمسكون به دون ما سواه، ظاهرا وباطنا. فداء التعطيل، وداء الإشراك، وداء مخالفة الرسول وجحد ما جاء به، أو شيء منه: هو أصل بلاء العالم، ومنبع كل شر، وأساس كل باطل. فليست فرقة من فرق أهل الإلحاد والباطل والبدع إلا وقولها مشتق من هذه الأصول الثلاثة، أو من بعضها. فإِنْ تَنْجُ مَنْهَا تَنْجُ مِنْ ذِى عَظِيَمَةٍ ... وَإِلاّ فَإِنِّى لاَ أظُنُّكَ نَاجِياً فصل فسرت هذه البلايا الثلاثة فى كثير من طوائف الفلاسفة، لا فى جميعهم. فإن الفلسفة من حيث هى لا تعطى ذلك. فإن معناها محبة الحكمة، والفيلسوف أصله "فِيْلاسوفا" أى محب الحكمة "ففيلا" هى المحب "وسُوفا" هى الحكمة. والحكمة نوعان: قولية وفعلية. فالقولية: قول الحق، والفعلية. فعل الصواب، وكل طائفة من الطوائف لهم حكمة يتقيدون بها. وأصح الطوائف حكمة: من كانت حكمتهم أقرب إلى حكمة الرسل التى جاءوا بها عن الله

стр. 650

تعالى. قال تعالى عن نبيه داود ﵇: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠] . وقال عن المسيح ﵇: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٤٨] . وقال عن يحيى ﵇: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيا﴾ [مريم: ١٢] . والحكم: هو الحكمة، وقال لرسوله محمد صلى الله تعالى عليه وسلم: ﴿وَأَنْزَلَ الله عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكُمَةَ﴾ [النساء: ١١٣] وقال ﴿يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِى خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة: ٢٦٩] . وقال لأهل بيت رسوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِى بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] . فالحكمة التى جاءت بها الرسل: هى الحكمة الحق المتضمنة للعلم النافع والعمل الصالح للهدى ودين الحق، لإصابة الحق اعتقادا وقولا وعملا. وهذه الحكمة فرقها الله سبحانه بين أنبيائه ورسله، وجمعها لمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم، كما جمع له من المحاسن ما فرقه فى الأنبياء قبله، وجمع فى كتابه من العلوم والأعمال ما فرقه فى الكتب قبله. فلو جمعت كل حكمة صحيحة فى العالم من كل طائفة لكانت فى الحكمة التى أوتيها صلوات الله وسلامه عليه جزاء يسيرا جدا لا يدرك البشر نسبته. والمقصود: أن الفلاسفة اسم جنس لمن يحب الحكمة ويؤثرها. وقد صار هذا الاسم فى عرف كثير من الناس مختصا بمن خرج عن ديانات الأنبياء، ولم يذهب إلا إلى ما يقتضيه العقل فى زعمه. وأخص من ذلك: أنه فى عرف المتأخرين اسم لأتباع إرسْطو، وهم المشاؤون خاصة. وهم الذين هذب ابن سيْنا طريقتهم وبسطها، وقررها، وهى التى يعرفها، بل لا يعرف سواها، المتأخرون من المتكلمين. وهؤلاء فرقة شاذة من فرق الفلاسفة، ومقالتهم واحدة من مقالات القوم، حتى قيل: إنه ليس فيهم من يقول بقدم الأفلاك غير إرَسْطو وشيعته، فهو أول من عرف أنه قال بقدم هذا العالم. والأساطين قبله كانوا يقولون بحدوثه، وإثبات الصانع، ومباينته للعالم، وأنه فوق

стр. 651

العالم وفوق السماوات بذاته كما حكاه عنهم أعلم الناس فى زمانه بمقالاتهم: أبو الوليد بن رشد فى كتابه "مناهج الأدلة". فقال فيه: "القول فى الجهة" وأما هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة من أول الأمر يثبتونها لله سبحانه، حتى نفتها المعتزلة، ثم تبعهم على نفيها متأخروا الأشعرية، كأبى المعالى ومن اقتدى بقوله - إلى أن قال -: والشرائع كلها مبنية على أن الله فى السماء، وأن منه تنزل الملائكة بالوحى إلى النبيين، وأن من السماوات نزلت الكتب، وإليها كان الإسراء بالنبى ﷺ حتى قرب من سدرَة المنتهى. وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله والملائكة فى السماء، كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك. ثم ذكر تقرير ذلك بالمعقول، وبين بطلان الشبهة التى لأجلها نفتها الجهمية ومن وافقهم، إلى أن قال: فقد ظهر لك من هذا أن إثبات الجهة واجب بالشرع والعقل، وأنه الذى جاء به الشرع وانبنى عليه، وأن إبطال هذه القاعدة إبطال للشرائع. فقد حكى لك هذا المطلع على مقالات القوم، الذى هو أعرف بالفلسفة من ابن سينا وأضرابه: إجماع الحكماء على أن الله سبحانه فى السماء، فوق العالم. والمتطفلون فى حكايات مقالات الناس لا يحكون ذلك، إما جهلا، وإما عمدا، وأكثر من رأيناه يحكى مذاهبهم ومقالات الناس يتطفل. وكذلك الأساطين منهم متفقون على إثبات الصفات والأفعال، وحدوث العالم، وقيام الأفعال الاختيارية بذاته سبحانه، كما ذكره فيلسوف الإسلام فى وقته أبو البركات البغدادى، وقرره غاية التقرير. وقال: لا يستقيم كون الرب سبحانه رب العالمين إلا بذلك، وأن نفى هذه المسألة ينفى ربوبيته. قال: والإجلال من هذا الإجلال، والتنزيه من هذا التنزيه أولى.

стр. 652

فصل وكذلك كان أساطينهم ومتقدموهم، العارفون فيهم، معظمين للرسل والشرائع، موجبين لاتباعهم، خاضعين لأقوالهم، معترفين بأن ما جاءوا به آخر وراء طور العقل، وأن عقول الرسل وحكمتهم فوق عقول العالمين وحكمتهم. وكانوا لا يتكلمون فى الإلهيات، ويسلمون باب الكلام فيها إلى الرسل، ويقولون: علومنا إنما هى الرياضيات والطبيعيات وتوابعها. وكانوا يقرون بحدوث العالم. وقد حكى أرباب المقالات أن أول من عرف عنه القول بقدم هذا العالم إرسطو. وكان مشركا يعبد الأصنام. وله فى الإلهيات كلام كله خطأ من أوله إلى آخره، فقد تعقبه بالرد عليه طوائف المسلمين، حتى الجهمية والمعتزلة، والقدرية، والرافضة، وفلاسفة الإسلام أنكروه عليه، وجاء فيه بما يسخر منه العقلاء. وأنكر أن يكون الله سبحانه يعلم شيئا من الموجوادت، وقرر ذلك بأنه لو علم شيئا لكمل بمعلوماته، ولم يكن كاملا فى نفسه، وبأنه كان يلحقه التعب والكلال من تصور المعلومات. فهذا غاية عقل هذا المعلم والأستاذ. وقد حكى ذلك أبو البركات، وبالغ فى إبطال هذه الحجج وردها. فحقيقة ما كان عليه هذا المعلم لأتباعه: الكفر بالله تعالى، وملائكته، وكتبه، ورسله واليوم الآخر، ودرج على أثره أتباعه من الملاحدة، ممن يتستر باتباع الرسل، وهو منحل من كل ما جاءوا به. وأتباعه يعظمونه فوق ما يعظم به الأنبياء، ويرون عرض ما جاءت به الأنبياء على كلامه فما وافقه منها قلبوه، وما خالفه لم يعبأوا به شيئا. ويسمونه المعلم الأول، لأنه أول من وضع لهم التعاليم المنطقية، كما أن الخليل بن أحمد أول من وضع عروض الشعر.

стр. 653

وزعم إرسطو وأتباعه أن المنطق ميزان المعانى، كما أن العروض ميزان الشعر. وقد بين نظار الإسلام فساد هذا الميزان وعوجه، وتعويجه للعقول، وتخبيطه للأذهان. وصنفوا فى رده وتهافته كثيرا. وآخر من صنف فى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، ألف فى رده وإبطاله كتابين، كبيرا، وصغيرا، بين فيه تناقضه وتهافته وفساد كثير من أوضاعه. ورأيت فيه تصنيفا لأبى سعيد السيرافى. والمقصود: أن الملاحدة درجت على أثر هذا المعلم الأول، حتى انتهت نوبتهم إلى معلمهم الثانى: أبى نصر الفارابى. فوضع لهم التعاليم الصوتية، كما أن المعلم الأول وضع لهم التعاليم الحرفية، ثم وسع الفارابى الكلام فى صناعة المنطلق، وبسطها وشرح فلسفة إرسطو وهذبها، وبالغ فى ذلك. وكان على طريقة سلفه: من الكفر بالله تعالى، وملائكته، وكتبه، ورسله واليوم الآخر. فكل فيلسوف لا يكون عند هؤلاء كذلك فليس بفيلسوف فى الحقيقة. وإذا رأوه مؤمنا بالله وملائكته، وكتبه ورسله، ولقائه، متقيدا بشريعة الإسلام، نسبوه إلى الجهل والغباوة. فإن كان ممن لا يشكون فى فضيلته ومعرفته، نسبوه إلى التلبيس والتنميس بناموس الدين استمالة لقلوب العوام. فالزندقة والإلحاد عند هؤلاء جزء من مسمى الفضيلة، أو شرط. ولعل الجاهل يقول: إنا تحاملنا عليهم فى نسبة الكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله إليهم. وليس هذا من جهلة بمقالات القوم، وجهلة بحقائق الإسلام ببعيد. فاعلم أن الله - سبحانه وتعالى عما يقولون عندهم كما قرره أفضل متأخريهم، ولسانهم، وقدوتهم الذى يقدمونه على الرسل: أبو على بن سينا: هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق. وليس له عندهم صفة ثبوتية تقوم به، ولا يفعل شيئا باختياره البتة ولا يعلم شيئا من الموجوادت أصلا، لا يعلم عدد الأفلاك، ولا شيئا من المغيبات. ولا له كلام يقوم به، ولا صفة. ومعلوم أن هذا إنما هو خيال مقدر فى الذهن، لا حقيقة له، وإنما غايته أن يفرضه الذهن

стр. 654

ويقدره، كما يفرض الأشياء المقدرة، وليس هذا هو الرب الذى دعت إليه الرسل وعرفته الأمم، بل بين هذا الرب الذى دعت إليه الملاحدة وجردته عن الماهية، وعن كل صفة ثبوتية، وكل فعل اختيارى، وأنه لا داخل العالم، ولا خارجه، ولا متصل به، ولا مباين له ولا فوقه ولا تحته، ولا أمامه ولا خلفه، ولا عن يمينه ولا عن شماله - وبين رب العالمين، وإله المرسلين، ومن الفرق ما بين الوجود والعدم، والنفى والإثبات. فأى موجود فرض كان أكمل من هذا الإله، الذى دعت إليه الملاحدة، ونحتته أفكارهم، بل منحوت الأيدى من الأصنام له وجود، وهذا الرب ليس له وجود، ويستحيل وجوده إلا فى الذهن. هذا، وقول هؤلاء الملاحدة أصلح من قول معلمهم الأول إرسطو. فإن هؤلاء أثبتوا وجودا واجباً ممكنا، هو معلول له وصادر عنه صدور المعلول عن العلة، وأما إرسطو فلم يثبته إلا من جهة كونه مبدأ عقليا للكثرة، وعلة غائية لحركة الفلك فقط، وصرح بأنه لا يعقل شيئا، ولا يفعل باختياره. وأما هذا الذى يوجد فى كتب المتأخرين من حكاية مذهبه، فإنما هو من وضع ابن سينا. فإنه قرب مذهب سلفه الملاحدة من دين الإسلام بجهده، وغاية ما أمكنه أن قربه من أقوال الجهمية الغالين فى التجهم، فهم فى غلوهم فى تعطيلهم ونفيهم أشد مذهبا وأصح قولا من هؤلاء. فهذا ما عند هؤلاء من خبر الإيمان بالله . وأما الإيمان بالملائكة فهم لا يعرفون الملائكة، ولا يؤمنون بهم. وإنما الملائكة عندهم ما يتصوره النبى بزعمهم فى نفسه من أشكال نورانية، هى العقول عندهم، وهى مجردات ليست داخل العالم، ولا خارجه، ولا فوق السماوات، ولا تحتها، ولا هى أشخاص تتحرك، ولا تصعد، ولا تنزل، ولا تدبر شيئا، ولا تتكلم، ولا تكتب أعمال العبد، ولا لها إحساس ولا حركة البتة، ولا تنتقل من مكان إلى مكان، ولا تَصُفُّ عند ربها، ولا تصلى، ولا لها تصرف فى أمر العالم البتة، فلا تقبض نفس العبد، ولا تكتب رزقه وأجله وعمله، ولا عن اليمين وعن الشمال قعيد، كل هذا لا حقيقة له عندهم البتة. وربما تقرب بعضهم إلى الإسلام، فقال: الملائكة هى القوى الخيَّرة الفاضلة التى فى العبد. والشياطين هى القوى الشريرة الرديئة، هذا إذا تقربوا إلى الإسلام وإلى الرسل.

стр. 655

وأما الكتب، فليس لله عندهم كلام أنزله إلى الأرض بواسطة الملك، فإنه ما قال شيئا، ولا يقول، ولا يجوز عليه الكلام. ومن تقرب منهم إلى المسلمين يقول: الكتب المنزلة فيض فاض من العقل الفعال على النفس المستعدة الفاضلة الزكية، فتصورت تلك المعانى، وتشكلت فى نفسه بحيث توهمها أصواتا تخاطبه، وربما قوى الوهم حتى يراها أشكالا نورانية تخاطبه، وربما قوى ذلك حتى يخيلها لبعض الحاضرين فيرونها ويسمعون خطابها، ولا حقيقة لشيء من ذلك فى الخارج. وأما الرسل والأنبياء. فللنبوة عندهم ثلاث خصائص، من استكملها فهو نبى: أحدها: قوة الحدس، بحيث يدرك الحد الأوسط بسرعة. الثانية: قوة التخيل والتخييل، بحيث يتخيل فى نفسه أشكالا نورانية تخاطبه، ويسمع الخطاب منها، ويخيلها إلى غيره. الثالثة: قوة التأثير بالتصرف فى هيولى العالم. وهذا يكون عندهم بتجرد النفس عن العلائق، واتصالها بالمفارقات، من العقول والنفوس المجردة. وهذه الخصائص تحصل بالاكتساب. ولهذا طلب النبوة من تصوف على مذهب هؤلاء كابن سبعين، وابن هود، وأضرابهما. والنبوة عند هؤلاء صنعة من الصنائع، بل من أشرف الصنائع، كالسياسة، بل هى سياسة العامة، وكثير منهم لا يرضى بها، ويقول: الفلسفة: نبوة الخاصة. والنبوة: فلسفة العامة. وأما الإيمان باليوم الآخر. فهم لا يقرون بانفطار السماوات، وانتثار الكواكب، وقيامة الأبدان، ولا يقرون بأن الله خلق السماوات والأرض فى ستة أيام، وأوجد هذا العالم بعد عدمه. فلا مبدأ عندهم، ولا معاد، ولا صانع، ولا نبوة، ولا كتب نزلت من السماء، تكلم الله بها، ولا ملائكة تنزلت بالوحى من الله تعالى. فدين اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل خير وأهون من دين هؤلاء. وحسبك جهلا بالله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، من يقول: إنه سبحانه لو علم الموجودات لحقه الكلال والتعب، واستكمل بغيره. وحسبك خذلانا وضلالا وعمى: السير خلف هؤلاء، وإحسان الظن بهم، وأنهم أولو العقول.

стр. 656

وحسبك عجبا من جهلهم، وضلالهم: ما قالوه فى سلسلة الموجودات، وصدور العالم عن العقول والنفوس، إلى أن أنهوا صدور ذلك إلى واحد من كل جهة، لا علم له بما صدر عنه ولا قدرة له عليه، ولا إرادة، وأنه لم يصدر عنه إلا واحد. فذلك الصادر إن كان فيه كثرة بوجه ما فقد بطل ما أصَّلوه، وإن لم يكن فيه كثرة البتة لزم أن لا يصدر عنه إلا واحد مثله، وتكثر الموجودات وتعددها يكذب هذا الرأى الذى هو ضحكة للعقلاء وسخرية لأولى الألباب، مع أن هذا كله من تخليط ابن سينا، وإرادته تقريب هذا المذهب من الشرائع، وهيهات. وإلا فالمعلم الأول لم يثبت صانعا للعالم البتة. والرجل معطل مشرك، جاحد للنبوات والمعاد، لا مبدأ عنده ولا معاد، ولا رسول ولا كتاب والرازى وفروخه لا يعرفون مذهب الفلاسفة غير طريقه. ومذاهبهم وآراؤهم كثيرة جدا، قد حكاها أصحاب المقالات، كالأشعرى فى مقالاته الكبيرة، وأبى عيسى الوراق، والحسن بن موسى النوبختى. وأبو الوليد بن رشد يحكى مذهب إرسطو غير ما حكاه ابن سينا، ويغلطه فى كثير من المواضع. وكذلك أبو البركات البغدادى يحكى نفس كلامه على غير ما يحكيه ابن سينا. فصل والفلاسفة لا تختص بأمة من الأمم، بل هم موجودون فى سائر الأمم، وإن كان المعروف عند الناس الذين اعتنوا بحكاية مقالاتهم: هم فلاسفة اليونان. فهم طائفة من طوائف الفلاسفة، وهؤلاء أمة من الأمم، لهم مملكة وملوك، وعلماؤهم فلاسفتهم، ومن ملوكهم الإسكندر المقدونى. وهو ابن فيلبس. وليس هو بالإسكندر ذى القرنين الذى قص الله

стр. 657

تعالى نبأه فى القرآن، بل بينهما قرون كثيرة، وبينهما فى الدين أعظم تباين. فذو القرنين كان رجلا صالحا موحدا لله تعالى، يؤمن بالله تعالى وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وكان يغزو عُبَّاد الأصنام، وبلغ مشارق الأرض ومغاربها، وبنى السد بين الناس وبين يأجوج ومأجوج. وأما هذا المقدونى فكان مشركا يعبد الأصنام هو وأهل مملكته. وكان بينه وبين المسيح نحو ألف سنة وستمائة سنة. والنصارى تؤرخ له. وكان إرسطاطاليس وزيره وكان مشركا يعبد الأصنام. وهو الذى غزا دارا بن دارا ملك الفرس فى عقر داره فثل عرشه، ومزق ملكه، وفرق جمعه، ثم دخل إلى الصين، والهند، وبلاد الترك، فقتل وسبى. وكان لليونانيين فى دولته عز وسطوة بسبب وزيره إرسطو، فإنه كان مشيره ووزيره ومدبر مملكته. وكان بعده لليونان عدة ملوك يعرفون بالبطالسة، وأحدهم بطليموس، كما إن كسرى ملك الفرس، وقيصر ملك الروم. ثم غلبهم الروم واستولوا على ممالكهم، فصاروا رعية لهم، وانقرض ملكهم، فصارت المملكة للروم، وصارت المملكة واحدة. وهم على شركهم من عبادة الأصنام وهو دينهم الظاهر، ودين آبائهم، فنشأ فيهم سقراط أحد تلامذة فيثاغورس، وكان من عبادهم، ومتألهيهم، وجاهرهم بمخالفتهم فى عبادة الأصنام، وقابل رؤساءهم بالأدلة والحجج على بطلان عبادتها، فثار عليه العامة، واضطروا الملك إلى قتله، فأودعه السجن ليكفهم عنه، ثم لم يرض المشركون إلا بقتله، فسقاه السم خوفا من شرهم، بعد مناظرات طويلة جرت له معهم. ومذهبه فى الصفات قريبا من مذهب أهل الإثبات، فقال: إنه إله كل شيء وخالقه،

стр. 658

ومقدره. وهو عزيز، أى منيع، ممتنع أن يضام وحكيم، أى محكم أفعاله على النظام. وقال: إن علمه، وقدرته، ووجوده، وحكمته، بلا نهاية، لا يبلغ العقل أن يصفها. وقال: إن تناهى المخلوقات بحسب احتمال القوابل، لا بحسب الحكمة والقدرة، فلما كانت المادة لا تحتمل صورا بلا نهاية تناهت الصور، لا من جهة بخل فى الواهب، بل لقصور فى المادة. قال: وعن هذا اقتضت الحكمة الإلهية أنها وإن تناهت ذاتا وصورة وحيزا ومكانا. إلا أنها لا تتناهى زمانا فى آخرها، لا من نحو أولها، فاقتضت الحكمة استبقاء الأشخاص باستبقاء الأنواع، وذلك بتجدد أمثالها، ليحفظ الأشخاص ببقاء الأنواع، ويستبقى الأنواع بتجدد الأشخاص. فلا تبلغ القدرة إلى حد النهاية، ولا الحكمة تقف على غاية. ومن مذهبه: أن أخص ما يوصف به الرب سبحانه، هو كونه حيا قيوما، لأن العلم، والقدرة، والجود، والحكمة، تندرج تحت كونه حيا قيوما، فهما صفتان جامعتان للكل. وكان يقول: هو حى ناطق من جوهره، أى من ذاته وحياته، ونطقنا وحياتنا لا من جوهرنا، ولهذا يتطرق إلى حياتنا ونطقنا العدم والدثور والفساد، ولا يتطرق ذلك إلى حياته ونطقه. وكلامه فى المعاد والصفات والمبدأ أقرب إلى كلام الأنبياء من كلام غيره. وبالجملة، فهو أقرب القوم إلى تصديق الرسل، ولهذا قتله قومه. وكان يقول: إذا أقبلت الحكمة خدمت الشهوات العقول، وإذا أدبرت خدمت العقول الشهوات. وقال: لا تكرهوا أولادكم على آثاركم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم. وقال: ينبغى أن يُغْتَم بالحياة ويفرح بالموت، لأن الإنسان يحيا ليموت، ثم يموت ليحيا. وقال: قلوب المغرمين بالمعرفة بالحقائق منابر الملائكة. وقلوب المؤثرين للشهوات مقاعد للشياطين.

стр. 659

وقال: للحياة حدان: أحدهما: الأمل، والآخر: الأجل. فبالأول بقاؤها، وبالآخر فناؤها. وكذلك أفلاطون. كان معروفا بالتوحيد، وإنكار عبادة الأصنام، وإثبات حدوث العالم وكان تلميذ سقراط، ولما هلك سقراط قام مقامه، وجلس على كرسيه. وكان يقول إن للعالم صانعا محدثا، مبدعا أزليا، واجبا بذاته عالما بجميع المعلومات. قال: وليس فى الوجود رسم ولا طلل إلا ومثاله عند البارى تعالى. يشير إلى وجود صور المعلومات فى علمه. فهو مثبت للصفات، وحدوث العالم. ومنكر لعبادة الأصنام، ولكن لم يواجه قومه بالرد عليهم، وعيب آلهتهم فسكتوا عنه. وكانوا يعرفون له فضله وعمله. وصرح أفلاطون بحدوث العالم. كما كان عليه الأساطين. وحكى ذلك عنه تلميذه إرسطو. وخالفه فيه، فزعم أنه قديم، وتبعه على ذلك ملاحدة الفلاسفة، من المنتسبين إلى الملل وغيرهم، حتى انتهت النوبة إلى أبى على بن سينا، فرام بجهده تقريب هذا الرأى من قول أهل الملل، وهيهات اتفاق النقيضين، واجتماع الضدين. فرسل الله تعالى وكتبه وأتباع الرسل فى طرف. وهؤلاء القوم فى طرف. وكان ابن سينا، كما أخبر عن نفسه قال: أنا وأبى من أهل دعوة الحاكم، فكان من القرامطة الباطنية، الذين لا يؤمنون بمبدأ ولا معاد، ولا رب خالق، ولا رسول مبعوث جاء من عند الله تعالى. وكان هؤلاء الزنادقة، يتسترون بالرفض، ويبطنون الإلحاد المحض، وينتسبون إلى أهل بيت الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. وهو وأهل بيته براء منهم نسبا ودينا، وكانوا

стр. 660

يقتلون أهل العلم والإيمان، ويدعون أهل الإلحاد والشرك والكفران، لا يحرمون حراما، ولا يحلون حلالا. وفى زمنهم ولخواصهم وضعت رسائل إخوان الصفا. ولما انتهت النوبة إلى نصير الشرك، والكفر الملحد، وزير الملاحدة، النصير الطوسى وزير هولاكو، شفا نفسه من أتباع الرسول وأهل دينه، فعرضهم على السيف، حتى شفا إخوانه من الملاحدة، واشتفى هو، فقتل الخليفة والقضاة والفقهاء والمحدثين، واستبقى الفلاسفة، والمنجمين، والطبائعيين، والسحرة. ونقل أوقاف المدارس والمساجد، والربط إليهم، وجعلهم خاصته وأولياءه، ونصر فى كتبه قدم العالم، وبطلان المعاد، وإنكار صفات الرب ﷻ : من عمله، وقدرته، وحياته، وسمعه، وبصره، وأنه لا داخل العالم ولا خارجه، وليس فوق العرش إله يعبد البتة. واتخذ للملاحدة مدارس، ورام جعل إشارات إمام الملحدين ابن سينا مكان القرآن فلم يقدر على ذلك. فقال: هى قرآن الخواص. وذاك قرآن العوام. ورام تغيير الصلاة وجعلها صلاتين، فلم يتم له الأمر. وتعلم السحر فى آخر الأمر. فكان ساحرا يعبد الأصنام. وصارع محمد الشهرستانى ابن سينا فى كتاب سماه "المصارعة" أبطل فيه قوله بقدم العالم وإنكار المعاد، ونفى علم الرب تعالى وقدرته، وخلقه العالم، فقام له نصير الإلحاد وقعد، ونقضه بكتاب سماه "مصارعة المصارعة" ووقفنا على الكتابين - نصر فيه: أن الله تعالى لم يخلق السماوات والأرض فى ستة أيام. وأنه لا يعلم شيئا، وأنه لا يفعل شيئا بقدرته واختياره، ولا يبعث من فى القبور. وبالجملة فكان هذا الملحد هو وأتباعه من الملحدين الكافرين بالله، وملائكته، وكتبه، ورسوله، واليوم الآخر.

стр. 661

والفلسفة التى يقرؤها أتباع هؤلاء اليوم هى مأخوذة عنه وعن إمامه ابن سينا، وبعضها عن أبى نصر الفارابى، وشيء يسير منها من كلام إرسطو. وهو - مع قلته وغثاتته وركاكة ألفاظه - كثير التطويل، لا فائدة فيه. وخيار ما عند هؤلاء، فالذى عند مشركى العرب من كفار قريش وغيرهم خير منهم فإنهم يدأبون حتى يثبتوا واجب الوجود، ومع إثباتهم له فهو عندهم وجود مطلق، لا صفة له ولا نعت، ولا فعل يقوم به، لم يخلق السماوات والأرض بعد عدمهما، ولا له قدرة على فعل، ولا يعلم شيئا. وعباد الأصنام كانوا يثبتون ربا خالقا مبدعا عالما، قادرا حيا، ويشركون به فى العبادة فنهاية أمر هؤلاء الوصول إلى شيء برَّز عليهم فيه عباد الأصنام وهم فرق شتى لا يحصيهم إلا الله . وأحصى المعتنون بمقالات الناس منهم اثنتى عشرة فرقة، كل فرقة منها مختلفة اختلافا كثيرا عن الأخرى. فمنهم أصحاب الرواق، وأصحاب الظلة، والمشاؤون، وهم شيعة إرسطو. وفلسفتهم هى الدائرة اليوم بين الناس، وهى التى يحكيها ابن سينا والفارابى، وابن خطيب الرى وغيرهم. ومنهم الفيثاغورية، والأفلاطونية، ولا تكاد تجد منهم اثنين متفقين على رأى واحد، بل قد تلاعب بهم الشيطان كتلاعب الصبيان بالكرة. ومقالاتهم أكثر من أن نذكرها على التفصيل. وبالجملة: فملاحدتهم هم أهل التعطيل المحض. فإنهم عطلوا الشرائع، وعطلوا المصنوع عن الصانع، وعطلوا الصانع عن صفات كماله، وعطلوا العالم عن الحق الذى خلق له ربه، فعطلوه عن مبدئه ومعاده، وعن فاعله وغايته. ثم سرى هذا الداء منهم فى الأمم، وفى فرق المعطلة. فكان منهم إمام المعطلين فرعون، فإنه أخرج التعطيل إلى العمل، وصرح به، وأذن به بين قومه، ودعا إليه، وأنكر أن يكون لقومه إله غيره. وأنكر أن يكون الله تعالى

стр. 662

فوق سماواته على عرشه، وأن يكون كلم عبده موسى تكليما، وكذب موسى فى ذلك، وطلب من وزيره هامان أن يبنى له صرحا ليطلع - بزعمه - إلى إله موسى ﵇ وكذبه فى ذلك، فاقتدى به كل جهمى. فكذب أن يكون الله مكلما متكلما، أو أن يكون فوق سماواته على عرشه بائنا من خلقه، على العرش استوى، ودرج قومه وأصحابه على ذلك، حتى أهلكهم الله تعالى بالغرق، وجعلهم عبرة لعباده المؤمنين، ونكالا لأعدائه المعطلين. ثم استمر الأمر على عهد نبوة موسى كليم الرحمن، على التوحيد وإثبات الصفات، وتكليم الله لعبده موسى تكليما، إلى أن توفى موسى ﵇، ودخل الداخل على بنى إسرائيل، ورفع التعطيل رأسه بينهم، وأقبلوا على عموم المعطلة، أعداء موسى ﵇، وقدموها على نصوص التوراة، فسلط الله تعالى عليهم من أزال ملكهم وشردهم من أوطانهم، وسبى ذراريهم، كما هى عادته سبحانه وسنته فى عباده إذا أعرضوا عن الوحى، وتعوضوا عنه بكلام الملاحدة والمعطلة من الفلاسفة وغيرهم، كما سلط النصارى على بلاد العرب لما ظهرت فيها الفلسفة والمنطق، واشتغلوا بها، فاستولت النصارى على أكثر بلادهم، وأصاروهم رعية لهم، وكذلك لما ظهر ذلك ببلاد المشرق، سلط عليهم عساكر التتار، فأبادوا أكثر البلاد الشرقية، واستولوا عليها. وكذلك فى أواخر المائة الثالثة، وأول الرابعة، لما اشتغل أهل العراق بالفلسفة وعلوم أهل الإلحاد سلط عليهم القرامطة الباطنية، فكسروا عسكر الخليفة عده مرات واستولوا على الحاج، واستعرضوهم قتلا وأسرا، واشتدت شوكتهم، واتهم بموافقتهم فى الباطن كثير من الأعيان، من الوزراء والكتاب، والأدباء وغيرهم، واستولى أهل دعوتهم على بلاد المعرب، واستقرت دار مملكتهم بمصر، وبنيت فى أيامهم القاهرة، واستولوا

стр. 663

على الشام والحجاز واليمن والمغرب، وخطب لهم على منبر بغداد. والمقصود أن هذا الداء لما دخل فى بنى إسرائيل كان سبب دمارهم وزوال مملكتهم، ثم بعث الله سبحانه عبده ورسوله وكلمته المسيح ابن مريم، فجدد لهم الدين وبين لهم معالمه، ودعاهم إلى عبادة الله وحده، والتبرى من تلك الأحداث، والآراء الباطلة، فعادوه وكذبوه، ورموه وأمه بالعظائم، وراموا قتله، فطهره الله تعالى منهم، ورفعة إليه، فلم يصلوا إليه بسوء. وأقام الله تعالى للمسيح أنصارا دعوا إلى دينه وشريعته، حتى ظهر دينه على من خالفه، ودخل فيه الملوك، وانتشرت دعوته، واستقام الأمر على السداد بعده نحو ثلاثمائة سنة. ثم أخذ دين المسيح فى التبديل والتغيير، حتى تناسخ واضمحل، ولم يبق بأيدى النصارى منه شيء، بل ركبوا دينا بين دين المسيح ودين الفلاسفة عباد الأصنام وراموا بذلك أن يتلطفوا للأمم حتى يدخلوهم فى النصرانية، فنقلوهم من عبادة الأصنام المجسدة إلى عبادة الصور التى لا ظل لها، ونقلوهم من السجود للشمس إلى السجود إلى جهة المشرق، ونقلوهم من القول باتحاد العاقل والمعقول والعقل إلى القول باتحاد الأب والابن وروح القدس. هذا ومعهم بقايا من دين المسيح، كالختان، والاغتسال من الجنابة، وتعظيم السبت وتحريم الخنزير، وتحريم ما حرمته التوراة، إلا ما أحل لهم بنصها. ثم تناسخت الشريعة إلى أن استحلوا الخنزير، وأحلوا السبت، وعوضوا منه يوم الأحد وتركوا الختان، والاغتسال من الجنابة، وكان المسيح يصلى إلى بيت المقدس، فصلوا هم إلى المشرق، ولم يعظم المسيح ﵇ صليبا قط، فعظموا هم الصليب وعبدوه، ولم يصم المسيح ﵇ صومهم هذا أبدا، ولا شرعه، ولا أمر به البتة بل هم وضعوه على هذا العدد، ونقلوه إلى زمن الربيع، فجعلوا ما زادوا فيه من العدد عوضا عن نقله من الشهور الهلالية إلى الشهور الرومية، وتعبدوا بالنجاسات، وكان المسيح ﵇ فى غاية الطهارة والطيب والنظافة، وأبعد الخلق عن النجاسة، فقصدوا بذلك تغيير دين اليهود، ومراغمتهم، فغيروا دين المسيح، وتقربوا إلى الفلاسفة وعباد الأصنام، بأن وافقوهم فى بعض الأمر ليرضوهم به، وليستنصروا بذلك على اليهود. ولما أخذ دين المسيح ﵇ فى التغيير والفساد اجتمعت النصارى عدة مجامع تزيد

стр. 664

على ثمانين مجمعا، ثم يتفرقون على الاختلاف والتلاعن يلعن بعضهم بعضا، حتى قال فيهم بعض العقلاء: "لو اجتمع عشرة من النصارى يتكلمون فى حقيقة ما هم عليه لتفرقَّوا عن أحد عشر مذهبا". حتى جمعهم قسطنطين الملك آخر ذلك، من الجزائر والبلاد، وسائر الأقطار. فجمع كل بترك وأسقف وعالم فكانوا ثلاثمائة وثمانية عشر. فقال: أنتم اليوم علماء النصرانية، وأكابر النصارى فاتفقوا على أمر تجتمع عليه كلمة النصرانية، ومن خالفها لعنتموه، وحرمتموه، فقاموا وقعدوا وفكروا وقدروا، واتفقوا على وضع الأمانة التى بأيديهم اليوم، وكان ذلك بمدينة نيقية، سنة خمس عشرة من ملك قسطنطين. وكان أحد أسباب ذلك أن بطْريق الإسكندرية منع أريوس من دخول الكنيسة ولعنه، فخرج أريوس إلى قسطنطين الملك مستعديا عليه، ومعه أسقُفان فشكوه إليه، وطلبوا مناظرته بين يدى الملك، فاستحضره الملك، وقال لأريوس: اشرح مقالتك. فقال أريوس: أقول: إن الأب كان إذ لم يكن الابن، ثم أحدث الابن، فكان كلمة له، إلا أنه محدث مخلوق، ثم فوض الأمر إلى ذلك الابن المسمى كلمة. فكان هو خالق السماوات والأرض وما بينهما كما قال فى إنجيله، إذ يقول "وهب لى سلطانا على السماء والأرض" فكان هو الخالق لهما بما أعطى من ذلك. ثم إن تلك الكلمة بعد تجسدت من مريم العذراء ومن روح القدس. فصار ذلك مسيحا واحدا. فالمسيح الآن معنيان: كلمة، وجسد، إلا أنهما جميعا مخلوقان.

стр. 665

فقال بطريق الإسكندرية: أخبرنا: أيما أوجب علينا عندك؟ عبادة من خلقنا، أو عبادة من لم يخلقنا؟. فقال أريوس: بل عبادة من خلقنا. فقال: [فإن كان الابن خالقنا كما وصفت. وكان الابن مخلوقا] فعبادة الابن الذى خلقنا - وهو مخلوق - أوجب من عبادة الأب الذى ليس بمخلوق، بل تصير عبادة الأب الخالق كفرا. وعبادة الابن المخلوق إيمانا [وذلك من أقبح الأقوال] . فاستحسن الملك والحاضرون مقالته، وأمرهم الملك أن يلعنوا أريوس وكل من يقول مقالته. فلما انتصر البطريق قال للملك: استحضر البطارقة والأساقفة، حتى يكون لنا مجمع ونصنع قصة نشرح فيها الدين ونوضحه للناس، فحشرهم قسطنطين من سائر الآفاق فاجتمع عنده بعد سنة وشهرين ألفان وثمانية وأربعون أسقفا. وكانوا مختلفى الآراء متباينين فى أديانهم. فلما اجتمعوا كثر اللغط بينهم، وارتفعت الأصوات، وعظم الاختلاف فتعجب الملك من شدة اختلافهم. فأجرى عليهم الأنزال وأمرهم أن يتناظروا حتى يعلم

стр. 666

الدين الصحيح مع من منهم. فطالت المناظرة بينهم. فاتفق منهم ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا على رأى واحد. فناظروا بقية الأساقفة، فظهروا عليهم. فعقد الملك لهؤلاء الثلاثمائة والثمانية عشر مجلسا خاصا وجلس فى وسطه، وأخذ خاتمه وسيفه وقضيبه، فدفعها إليهم، وقال لهم: قد سلطتكم على المملكة. فاصنعوا ما بدا لكم مما فيه قوام دينكم، وصلاح أمتكم. فباركوا عليه وقلدوه سيفه، وقالوا له: أظهر دين النصرانية وذب عنه. ودفعوا إليه الأمانة التى اتفقوا على وضعها. فلا يكون عندهم نصرانى من لم يقرَّ بها. ولا يتم لهم قربان إلا بها، وهى هذه: "نؤمن بالله الواحد الأب، مالك كل شئ، صانع ما يرى وما لا يرى، وبالرب الواحد يسوع المسيح ابن الله الواحد، بكر الخلائق كلها، الذى ولد من أبيه قبل العوالم كلها. وليس بمصنوع، إله حق من إله حق، من جوهر أبيه، الذى بيده أتقنت العوالم، وخلق كل شيء الذى من أجلنا - معشر الناس، ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد من روح القدس، وصار إنسانا وحمل به، ثم ولد من مريم البتول، وأُلِمَ، وشج، وقتل، وصلب، ودفن، وقام فى اليوم الثالث، وصعد إلى السماء، وجلس عن يمين أبيه، وهو مستعد للمجيء تارة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء. ونؤمن بروح القدس الواحد، روح الحق الذى يخرج من أبيه روح محبته، وبمعمودية واحدة لغفران الخطايا، وبجماعة واحدة قديسية جاثليقية، وبقيامة أبداننا والحياة الدائمة إلى أبد الآبدين". فهذا العقد الذى أجمع عليه الملكية والنسطورية، واليعقوبية. وهذه الأمانة التى ألفها أولئك البتاركة، والأساقفة، والعلماء، وجعلوها شعار النصرانية. وكان رؤساء هذا المجمع بترك الإسكندرية، وبترك أنطاكية، وبترك بيت المقدس. فافترقوا عليها، وعلى لعن ما خالفها ومن خالفها، والتبرى منه، وتكفيره.

стр. 667

ثم ذهب أريوس يدعو إلى مقالته، وينفر النصارى عن أولئك الثلاثمائة والثمانية عشر. فجمع جمعا عظيما، وصاروا إلى بيت المقدس، وخالف بكثير من النصارى لأولئك المجمع. فلما اجتمعوا قال أريوس: إن أولئك النفر تعدوا على، وظلمونى، ولم ينصفونى فى الحجاج، وحرمونى ظلما وعدوانا. ووافقه كثير من الذين معه. وقالوا: صدق. فوثبوا عليه فضربوه، حتى كاد أن يقتل لولا ابن أخت الملك خلصه. وافترقوا على هذه الحال. ثم كان لهم مجمع ثالث بعد ثمان وخمسين سنة من المجمع الأول. اجتمع الوزراء والقواد إلى الملك، وقالوا: إن مقالة الناس قد فسدت، وغلب عليهم مقالة أريوس، فاكتب إلى جميع البتاركة والأساقفة: أن يجتمعوا، ويوضحوا دين النصرانية، فكتب الملك إلى سائر بلاده. فاجتمع بقسطنطينية مائة وخمسون أسقفا. وكان مقدموهم بترك الإسكندرية، وبترك أنطاكية، وبترك بيت المقدس. فنظروا فى مقالة أريوس. وكان من مقالته: أن روح القدس مخلوق مصنوع، ليس بإله. فقال بترك الإسكندرية: ليس لروح القدس عندنا معنى غير روح الله تعالى وليس روح الله تعالى شيئا غير حياته. فإذا قلنا: إن روح القدس مخلوق، فقد قلنا: إن روح الله مخلوق. وإذا قلنا: إن روح الله مخلوقة، فقد قلنا: إن حياته مخلوقة. فقد جعلناه غير حى. ومن جعله غير حى فقد كفر. ومن كفر وجب عليه اللعن. فلعنوا بأجمعهم أريوس وأشياعه وأتباعه، والبتاركة الذين قالوا بمقالته، وبينوا أن روح القدس خالق غير مخلوق، إله حق، وأن طبيعة الأب والابن جوهر واحد، وطبيعة واحدة

стр. 668

وزادوا فى الأمانة التى وضعها الثلاثمائة والثمانية عشر أسقفا "ونؤمن بروح القدس الرب المحيى المميت، المنبثق من الأب، الذى مع الابن والأب، وهو مسجود وممجد". وكان فى الأمانة الأولى "وبروح القدس فقط". وبينوا أن الأب والابن وروح القدس ثلاثة أقانيم، وثلاث وجوه، وثلاثة خواص، وحدة فى تثليث وتثليث فى وحدة، وزادوا ونقصوا فى الشريعة. وأطلق بترك الإسكندرية للرهبان والأساقفة والبتاركة أكل اللحم وكانوا على مذهب مانى، لا يرون أكل ذوات الأرواح. فانفض هذا المجمع وقد لعنوا فيه أكثر أساقفتهم وبتاركتهم، ومضوا على تلك الأمانة. ثم كان لهم مجمع رابع بعد إحدى وخمسين سنة من هذا المجمع على نسطورس. وكان مذهبه "أن مريم ليست بوالدة الإله على الحقيقة، ولكن ثمة اثنان: إله الذى هو موجود من الأب، والآخر إنسان الذى هو موجود من مريم. وأن هذا الإنسان الذى نقول إنه المسيح بالمحبة متوحد مع ابن الإله وابن الإله ليس ابنا على الحقيقة. لكن على سبيل الموهبة والكرامة، واتفاق الاسمين". فبلغ ذلك بتاركة سائر البلاد، فجرت بينهم مراسلات. واتفقوا على تخطئته. واجتمع منهم مائتا أسقف فى مدينة أفسيس، وأرسلوا إلى نسطورس للمناظرة. فامتنع ثلاث مرات. فأوجبوا عليه الكفر، فلعنوه، ونفوه وحرموه، وثبتوا "أن مريم ولدت إلها، وأن المسيح إله حق، وإنسان معروف بطبيعتين، متوحد فى الأقنوم".

стр. 669

فلما لعنوا نسطورس غضب له يوحنا بترك أنطاكية. فجمع أساقفته الذين قدموا معه، وناظرهم، فقطعهم، فتقاتلوا. ووقع الحرب والشر بينهم، وتفاقم أمرهم. فلم يزل الملك [تذوس] حتى أصلح بينهم. فكتب أولئك صحيفة "أن مريم القدسية ولدت إلها، وهو ربنا يسوع المسيح، الذى هو مع أبيه فى الطبيعة، ومع الناس فى الناسوت" وأنفذوا لعن نسطورس. فلما نفى نسطورس سار إلى أرض مصر، وأقام بإخميم سبع سنين، ودفن بها، ودرست مقالته، إلى أن أحياها ابن صرما، مطران نصيبين، وبثها فى بلاد المشرق فأكثر نصارى العراق والمشرق نسطورية. وانفض ذلك المجمع أيضا على لعن نسطورس، ومن قال بقوله. وكل مجامعهم كانت تجتمع على الضلال، وتفترق على اللعن. فلا ينفض المجمع إلا وهم ما بين لاعن وملعون. ثم كان لهم مجمع خامس. وذلك أنه كان بالقسطنطينية طبيب راهب يقال له: أوطيوس يقول. إن جسد المسيح ليس هو مع أجسادنا فى الطبيعة، وأن المسيح قبل التجسد طبيعتان، وبعد التجسد طبيعة واحدة. وهذه مقالة اليعقوبية. فرحل إليه أسقف دولته، فناظره فقطعه، ودحض حجته. ثم سار إلى قسطنطينية فأخبر بتركها بالمناظرة وبانقطاعه. فأرسل بترك الإسكندرية إليه، فاستحضره، وجمع جمعا عظيما، وسأله عن قوله. فقال: إن قلنا: إن للمسيح طبيعتان فقد قلنا بقول نسطورس. ولكنا نقول: إن المسيح طبيعة واحدة، وأقنوم واحد، لأنه من طبيعتين، كانتا قبل التجسد فلما تجسد زالت عنه الاثنينية، وصار طبيعة واحدة، وأقنوما واحدا.

стр. 670

فقال له بترك القسطنطينية: إن كان المسيح طبيعة واحدة، فالطبيعة القديمة هى الطبيعة المحدثة. وإن كان القديم هو المحدث فالذى لم يزل هو الذى لم يكن. ولو جاز أن يكون القديم هو المحدث، لكان القائم هو القاعد والحار هو البارد، فأبى أن يرجع عن مقالته، فلعنوه، فاستعدى عليهم الملك، وزعم أنهم ظلموه، وسأله أن يكتب إلى جميع البتاركة للمناظرة: فاستحضر الملك البتاركة والأساقفة من سائر البلاد إلى مدينة أفسيس، فثبّت بطريق الإسكندرية مقالة أوطيوس، وقطع بتاركة القسطنطينية وأنطاكية وبيت المقدس وسائر البتاركة والأساقفة. وكتب إلى بترك رومية وإلى جماعة البتاركة والأساقفة، فحرمهم ومنعهم من القربان إن لم يقلبوا مقالة أوطيوس. ففسدت الأمانة، صارت المقالة مقالة أوطيوس، وخاصة بمصر، والإسكندرية وهو مذهب اليعقوبية. فافترق هذا المجمع الخامس وهم ما بين لاعن وملعون، وضال ومضل، وقائل يقول: الصواب مع اللاعنين، وقائل يقول: الحق مع الملاعنين. ثم كان لهم بعد هذا مجمع سادس فى دولة مرقيون فإنه اجمتع إليه الأساقفة من سائر البلاد فأعلموه ما كان من ظلم ذلك المجمع، وقلة الإنصاف، وأن مقالة أوطيوس قد غلبت على الناس وأفسدت دين النصرانية، فأمر الملك باستحضار سائر الأساقفة والبطارقة إلى حضرته. فاجتمع عنده ستمائة وثلاثون أسقفا، فنظروا فى مقالة أوطيوس وبترك الإسكندرية، التى قطعا بها جميع البتاركة. فأفسدوا مقالتهما ولعنوهما. وأثبتوا "أن المسيح إله وإنسان، وهو مع الله فى اللاهوت ومعنا فى الناسوت، له طبيعتان تامتان. فهو تام باللاهوت، تام بالناسوت، وهو مسيح واحد" وثبتوا قول الثلاثمائة والثمانية عشر أسقفا، وقبلوا قولهم "بأن الابن مع الله فى المكان، وأنه إله حق من إله حق" ولعنوا أريوس وقالوا: "إن روح القدس إله، وقالوا: إن الأب وروح القدس واحد بطبيعة واحدة، وأقانيم ثلاثة". وثبتوا قول أهل المجمع الثالث، وقالوا "إن مريم العذراء ولدت إلها ربنا يسوع المسيح الذى هو مع الله فى الطبيعة، ومعنا فى الناسوت". وقالوا: إن للمسيح طبيعتان وأقنوم واحد، ولعنوا نسطورس، وبترك الإسكندرية.
следующие страницы →